← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

وإنْ كانَ البَذْرُ مِنْ العامِلِ فلِصاحِبِ الأرضِ أجْرُ مِثلِ الأرضِ لربِّها، وهي المُخابَرةُ؛ لِاستيفاءِ العامِلِ مَنفَعةَ أرضِه بعَقدٍ فاسِدٍ؛ لأنَّه يَكونُ مُستَأجِرًا لِلأرضِ، فإذا فَسَدَتِ الإجارةُ وجبَ عليه أجْرُ مِثلِ أرضِه. وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ كانَ البَذْرُ مِنهما فالزَّرعُ لَهُما، ويَتَراجَعانِ بما يُفَضَّلُ لِأحَدِهِما على الآخَرِ مِنْ أجْرٍ مِثلِ الأرضِ التي فيها نَصيبُ العامِلِ، وأجْرُ العامِلِ بقَدْرِ عَملِه في نَصيبِ صاحِبِ الأرضِ (١). أمَّا شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ فقالَ: إذا فَسَدَتِ المُزارَعةُ أو المُساقاةُ أو المُضارَبةُ استَحقَّ العامِلُ نَصيبَ المِثْلِ -وَهو ما جَرَتْ به العادةُ في مِثلِه- لا أُجرةَ المِثلِ (٢). وقالَ في «مَجموع الفَتاوَى»: الصَّحيحُ مِنْ قَولَيِ العُلماءِ أنَّ هذه المُشارَكاتِ إذا فَسَدَتْ وجبَ نَصيبُ المِثلِ، لا أُجرةُ المِثلِ، فيَجِبُ مِنْ الرِّبْحِ أو النَّماءِ إمَّا ثُلُثُه، وإمَّا نِصفُه، كَما جَرَتِ العادةُ في مِثلِ ذلك، ولا تَجِبُ أُجرةٌ مُقدَّرةٌ، فإنَّ ذلك قد يَستَغرِقُ المالَ وأضعافَه؛ وإنَّما يَجِبُ في الفاسِدِ مِنْ العُقودِ نَظيرُ ما يَجِبُ في الصَّحيحِ، والواجِبُ في الصَّحيحِ لَيسَ هو أُجرةً مُسمَّاةً، بَلْ جُزءٌ شائِعٌ مِنْ الرِّبحِ مُسمًّى فيَجِبُ في الفاسِدةِ نَظيرُ ذلك (٣).

стр. 5427

أمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: المُزارَعةُ إذا وَقَعَتْ فاسِدةً بأنِ اختَل شَرطٌ مِنْ شُروطِ صِحَّتِها؛ فإنَّها تُفسَخُ قبلَ العَملِ. فَإنْ فاتَتْ بالعَملِ فإنْ وقعَ العَملُ مِنهما، وعَمِلَا معًا وتَساوَيَا فيه، وكانَ البَذْرُ لِأحَدِهِما ولِلآخَرِ الأرضُ فالزَّرعُ بَينَهما؛ لأنَّهما عَمِلَا معًا، ويَتَرادَّانِ فيما سِوَى العَملِ غَيرِه -مِنْ كِراءٍ وبَذْرٍ- فعلى صاحِبِ البَذْرِ نِصْفُ كِراءِ أرضِ صاحِبِه، وعَلَى صاحِبِ الأرضِ لربِّ البَذْرِ نِصْفُ مَكيلةِ البَذْرِ. وإنْ لَم يَعمَلَا معًا، بَلِ انفَرَدَ أحَدُهما بالعَملِ، ولَه مع عَملِه إمَّا الأرضُ وإمَّا البَذْرُ -وعَلَى كلِّ حالٍ فهي فاسِدةٌ- فلِلعاملِ الزَّرعُ كلُّه إنْ كانَ له مع عَملِه أرضٌ أو بَذْرٌ أو بَعضُ كُلٍّ مِنهما، بأنْ كانَتِ الأرضٍ بَينَهما أو البَذْرُ، أو هُما، والعَملُ في كُلٍّ مِنْ أحَدِهِما، وعِلَّةُ الفَسادِ التَّفاوُتُ. وعلى العامِلِ الذي حُكِمَ له بجَميعِ الزَّرعِ مِثلُ البَذْرِ إذا كانَ له مع عَملِه الأرضُ، وكانَ البَذْرُ مِنْ صاحِبِه، أو بَعضُ الأرضِ؛ كَما لَو كانَتِ الأرضُ بَينَهما وأخرَجَ صاحِبُه البَذْرَ، فقَد قابَلَ بَعضُ البَذْرِ بَعضَ الأرضِ؛ فالزَّرعُ لِلعاملِ، وعليه مِثلُ البَذْرِ لِصاحِبِه. أو عليه أُجرةُ الأرضِ، أوِ البَقَرُ المُنفَرِدُ به الآخَرُ، إنْ كانَ له مع عَملِه بَذْرٌ، وكانَتِ الأرضُ، أو مع البَقَرِ، لِصاحِبِه. وَإذا لَم يكُنْ لِلعاملِ بَذْرٌ ولا أرضٌ، بَلْ كانَ له عَملُ يَدِه فَقَطْ، كَما في مَسألةِ الخِماسِ، إذا عَقَداها بلَفظِ الإجارةِ أو أطلَقا، فلا يَكونُ له شَيءٌ مِنْ الزَّرعِ، وإنَّما يَكونُ له أُجرةُ عَملِه فَقَطْ، والزَّرعُ لربِّ الأرضِ والبَذْرِ.

стр. 5428

هَذا كلُّه هو مَشهورُ المَذهبِ، وفي المَذهبِ سِتَّةُ أقوالٍ في المُزارَعةِ إذا فَسَدَتْ: الأولُ: أنَّ الزَّرعَ لِصاحِبِ البَذْرِ وعليه لِأصحابِه كِراءُ ما أخرَجوه. الثَّاني: الزَّرعُ لِصاحِبِ عَملِ اليَدِ. الثَّالث: أنَّه لِمَنِ اجتَمَعَ له شَيئانِ مِنْ ثَلاثةِ أشياءَ: أرضٌ وبَقَرٌ وعَملُ يَدٍ. الرَّابِعُ: لِمَنِ اجتَمَعَ له شَيئانِ مِنْ أربَعةٍ: أرضٌ وبَقَرٌ وعَملُ يَدٍ وبَذْرٌ. الخامِسُ: أنَّه لِلباذِرِ إنْ كانَ فَسادُها لِلمُخابَرةِ، أي: كِراءِ الأرضِ بما يَخرُجُ مِنها، فإنْ كانَ لِغَيرِها؛ فهو لِلثَّلاثةِ على ما شَرَطوا. والسَّادِسُ: وهو الرَّاجِحُ؛ لأنَّه مَذهَبُ ابنِ القاسِمِ، واختارَه مُحمَّدٌ: الزَّرعُ لِمَنِ اجتَمَعَ له شَيئانِ مِنْ ثَلاثةٍ: بَذْرٌ وأرضٌ وعَملُ يَدٍ. فَإنْ كانوا ثَلاثةً واجتَمَعَ لكلِّ واحِدٍ شَيئانِ، أوِ انفَرَدَ كلُّ واحِدٍ مِنهم بشَيءٍ مِنها، فالزَّرعُ بَينَهم أثلاثًا، وإنِ اجتَمَعَ لِأحَدِهم شَيئانِ دونَ صاحِبَيْه فالزَّرعُ له دُونَهُما، أوِ اجتَمَعَ شَيئانِ لِشَخصَيْنِ مِنهم، فالزَّرعُ لَهُما دونَ الثَّالث، فصُوَرُ قَولِ ابنِ القاسِمِ أربَعٌ؛ أي: فيما إذا كانَ الشُّرَكاءُ ثَلاثةً (١).

стр. 5429

فصل في انتِهاءِ المُزارَعةِ المُزارَعةُ إمَّا أنْ تَنتَهيَ بتحَقُّقِ المَقصودِ مِنها، وإمَّا أنْ تَنتَهيَ قبلَ تحَقُّقِ المَقصودِ مِنها، وذلك إمَّا بفَسخِ عَقدِ المُزارَعةِ بالعُذْرِ، أو بصَريحِ الفَسخِ، ودِلالَتِه، وبِانقِضاءِ المدَّةِ، وبِمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ، وبَيانُ ذلك في الحالاتِ التَّاليةِ: أولًا: العُذْرُ الذي يَحُولُ دونَ مُضيِّ العَقدِ: العُذُرُ الذي يُبيحُ فَسخَ المُزارَعةِ، إمَّا أنْ يَرجِعَ إلى صاحِبِ الأرضِ، وإمَّا أنْ يَرجِعَ إلى المُزارَعِ. أ- العُذِرُ الذي يَرجِعُ إلى صاحِبِ الأرضِ: أمَّا العُذْرُ الذي يَرجِعُ إلى صاحِبِ الأرضِ، فهو الدَّيْنُ الفادِحُ الذي لا قَضاءَ لَه، إلَّا مِنْ ثَمنِ هذه الأرضِ، تُباعُ في الدَّيْنِ، ويُفسَخُ العَقدُ بهذا العُذْرِ إذا أمكَنَ الفَسخُ بأنْ كانَ قبلَ الزِّراعةِ أو بَعدَها، إذا أدرَكَ الزَّرعُ، وبَلَغَ مَبلَغَ الحَصادِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُه المُضيُّ في العَقدِ إلَّا بضَرَرٍ يَلحَقُه، فلا يَلزَمُه تحَمُّلُ الضَّررِ؛ فيَبيعُ القاضي الأرضَ بدَيْنِه أوَّلًا، ثم يَفسَخُ المُزارَعةَ، ولا تَنفَسِخُ بالعُذرِ نَفْسِه.

стр. 5430

وَإذا لَم يُمكِنِ الفَسخُ، بأنْ كانَ الزَّرعُ لَم يُدرِكِ، ولَم يَبلُغْ مَبلَغَ الحَصادِ، لا يُباعُ في الدَّيْنِ ولا يُفسَخُ إلى أنْ يُدرِكَ الزَّرعُ؛ لأنَّ في البَيعِ إبطالَ حَقِّ العامِلِ، ولأنَّ في الِانتِظارِ إلى وَقتِ الإدراكِ تَأخيرَ حَقِّ صاحِبِ الدَّيْنِ، ولأنَّ فيه رِعايةَ الجانبيْنِ؛ فكانَ أَوْلَى. وإنْ كانَ صاحِبُ الأرضِ مَحبوسًا بالدَّيْنِ فإنَّه يُطلَقُ مِنْ الحَبسِ إلى غايةِ الإدراكِ؛ لأنَّ الحَبسَ جَزاءُ الظُّلمِ، وهو المَطْلُ، وأنَّه غيرُ مُماطِلٍ قبلَ الإدراكِ؛ لِكَونِه مَمنوعًا عن بَيعِ الأرضِ شَرعًا، والمَمنوعُ مَعذورٌ؛ فإذا أدرَكَ الزَّرعُ يَبيعُ أرضَه ويُؤدِّي دَيْنَه بنَفْسِه، وإلَّا يَبعِ القاضي عليه. ب- العُذْرُ الذي يَرجِعُ إلى المُزارَعِ: وأمَّا الثَّاني الذي يَرجِعُ إلى المُزارَعِ فنَحوُ: أ- المَرَضِ؛ لأنَّه مُعجِزٌ عن العَملِ. ب- السَّفَرِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلَيه، وتَرْكِ حِرفةٍ إلى حِرفةٍ؛ لأنَّ مِنْ الحِرَفِ ما لا يُغني مِنْ جُوعٍ، فيَحتاجُ إلى الِانتِقالِ إلى غَيرِها، ومانِعٌ يَمنَعُه مِنْ العَملِ على ما عُرِفَ في كِتابِ الإجارةِ. ثانيًا: فَسخُ المُزارَعةِ صَراحةً أو دِلالةً: الَّذي يَنفَسِخُ به عَقدُ المُزارَعةِ بعدَ وُجودِه أنواعٌ، مِنها: الفَسخُ، وهو نَوعانِ، صَريحٌ، ودِلالةٌ: أ- فالصَّريحُ أنْ يَكونَ بلَفظِ الفَسخِ والإقالةِ؛ لأنَّ المُزارَعةَ مُشتَمِلةٌ على الإجارةِ، والشَّرِكةِ، وكلُّ واحِدةٍ مِنهما قابِلةٌ لِصَريحِ الفَسخِ والإقالةِ.

стр. 5431

ب- وأمَّا الدِّلالةُ فنَوعانِ: الأولُ: امتِناعُ صاحِبِ البَذْرِ عن المُضيِّ في العَقدِ، بأنْ قالَ: لا أُريدُ مُزارَعةَ الأرضِ؛ فيَنفَسِخُ العَقدُ؛ لِمَا ذَكَرْنا؛ أنَّ العَقدَ غيرُ لَازِمٍ في حَقِّه، فكانَ بسَبيلٍ مِنْ الِامتِناعِ عن المُضيِّ فيه مِنْ غيرِ عُذْرٍ، ويَكونُ ذلك فَسخًا منه دِلالةً. والثَّاني: حَجْرُ المَوْلَى على العَبدِ المَأْذونِ بَعدَما دفعَ الأرضَ والبَذْرَ مُزارَعةً. ثالِثًا: انقِضاءُ مدَّةِ المُزارَعةِ: إذا انقَضَتْ مدَّةُ المُزارَعةِ المُحَدَّدةُ لَها، انفَسخَتْ؛ لأنَّها إذا انقَضَتْ فقَدِ انتَهَى العَقدُ، وهو مَعنَى الِانفِساخِ. وَإذا انقَضَتْ مدَّةُ المُزارَعةِ والزَّرعُ لَم يُدرِكْ، كانَ على المُزارَعِ أجْرُ مِثلِ نَصيبِه مِنْ الأرضِ إلى أنْ يُستَحصَدَ، والنَّفَقةُ على الزَّرعِ عليهما على مِقدارِ حُقوقِهِما؛ لأنَّ في تَبقيةِ العَقدِ إيفاءَ الحَقَّيْنِ، ولأنَّ في فَسخِه إلحاقَ ضَرَرٍ بأحَدِهِما، فكَأنَّ تَبقِيَتَه إلى الحَصادِ أَوْلَى، ويَكونُ العَملُ عليهما جَميعًا؛ لأنَّ العَقدَ قد انتَهَى بانتِهاءِ المدَّةِ، وهذا عَملٌ في المالِ المُشترَكِ. وَهَذا بخِلافِ ما إذا ماتَ ربُّ الأرضِ والزَّرعُ بَقْلٌ، حَيثُ يَكونُ العَملُ فيه على العامِلِ؛ لأنَّ هُناكَ بَقيَّةَ العَملِ في مدَّتِه، والعَقدُ يَستَدعي العَملَ على العامِلِ، أمَّا هُنا فالعَقدُ قد انتَهَى؛ فلَم يكُنْ هذا إبقاءَ ذلك العَقدِ؛ فلَم يَختَصَّ العامِلُ بوُجوبِ العَملِ عليه.

стр. 5432

نَفَقةُ الزَّرعِ بعدَ انتِهاءِ المدَّةِ: والنَّفَقةُ على الزَّرعِ عليهما على قَدْرِ حُقوقِهِما، وذلك مِثلُ أجْرِ سَقْيِ الماءِ وغَيرِه، وهذا إنَّما يَكونُ بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، أمَّا إذا لَم تَنقَضِ فعلى العامِلِ خاصَّةً كَما سَبَقَ بَيانُه. رابِعًا: مَوتُ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ: إذا ماتَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ بَطَلَتِ المُزارَعةُ اعتِبارًا بالإجارةِ. وسَواءٌ كانَ المَوتُ قبلَ زِراعةِ الأرضِ أو كانَ بَعدَها، وسَواءٌ كانَ الزَّرعُ بَقلًا أو بَلَغَ الحَصادَ والإدراكَ، وسَيأتي ما الواجِبُ عَملُه في أثرِ الفَسخِ بسَبَبِ المَوتِ. الآثارُ المُترتِّبةُ على الفَسخِ: الفَسخُ لا يَخلو مِنْ وجهيْنِ؛ إمَّا أنْ تُفسَخَ قبلَ الزِّراعةِ، وإمَّا أنْ تُفسَخَ بَعدَها. أ- الفَسخُ قبلَ الزِّراعةِ: فَإنِ انفَسخَتْ قبلَ الزِّراعةِ فلا شَيءَ لِلعاملِ، وإنْ كَرَبَ الأرضَ وحَفَرَ الأنهارَ وسَوَّى المُسنَّياتِ بأيِّ طَريقٍ، انفَسخَ، سَواءٌ انفَسخَ بصَريحِ الفَسخِ أو بدِلالَتِه، أو بانقِضاءِ المدَّةِ أو بمَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ؛ لأنَّ الفَسخَ يَظهَرُ أثَرُه في المُستَقبَلِ بانتِهاءِ حُكمِه، وليس في الماضي؛ فلا يَتبَين أنَّ العَقدَ لَم يكُنْ صَحيحًا، والواجِبُ في العَقدِ الصَّحيحِ المُسمَّى، وهو بَعضُ الخارِجِ، ولَم يُوجَدْ، فلا شَيءَ. وَقيلَ: هذا جَوابُ الحُكمِ؛ فأمَّا فيما بَينَه وبَينَ اللَّهِ تَعالى فعليه أنْ يُرضيَ

стр. 5433

العامِلَ فيما إذا امتَنَعَ عن المُضِيِّ في العَقدِ قبلَ الزِّراعةِ، ولا يَحِلُّ له الِامتِناعُ شَرعًا؛ فإنَّه يُشبِهُ التَّغريرَ، وهو حَرامٌ. ب- الفَسخُ بعدَ الزَّرعِ: إذا انفَسخَتِ المُزارَعةُ بعدَ الزَّرعِ فلا يَخلو مِنْ حالَتَيْنِ: الحالةُ الأُولَى: أنْ يَكونَ الفَسخُ بعدَ إدراكِ الزَّرعِ: فَإذا كانَ الفَسخُ بعدَ إدراكِ الزَّرعِ وبُلوغِه مَبلَغَ الحَصادِ، فالحَصادُ والخارِجُ بَينَهما على الشَّرطِ المُتفَقِ عليه بَينَهما. الحالةُ الأُخرى: أنْ يَكونَ الفَسخُ قبلَ إدراكِ الزَّرعِ: وإنْ كانَ الفَسخُ قبلَ أنْ يُدرِكَ الزَّرعُ بأنْ كانَ ما زالَ بَقْلًا، فكَذا الجَوابُ في صَريحِ الفَسخِ ودِلالَتِه، وانقِضاءِ المدَّةِ؛ لأنَّ الزَّرعَ بَينَهما على الشَّرطِ، والعَملُ فيما بَقيَ إلى وَقتِ الحَصادِ عليهما. وعلى المُزارَعِ أجْرُ مِثلِ نِصفِ الأرضِ لِصاحِبِ الأرضِ. أمَّا كَونُ الزَّرعِ بَينَهما على الشَّرطِ فلِمَا مَرَّ أنَّ انفِساخَ العَقدِ يَظهَرُ أثَرُه في المُستَقبَلِ، ليس في الماضي، فبَقيَ الزَّرعُ بَينَهما على ما كانَ قبلَ الِانفِساخِ. وأمَّا كَوْنُ العَملِ فيما بَقيَ إلى وَقتِ الحَصادِ عليهما؛ فلأنَّه عَملٌ في مالٍ مُشترَكٍ لَم يُشترَطْ فيه العَملُ على واحِدٍ مِنهما، فوجبَ عليهما. وعلى المُزارَعِ أجْرُ مِثلِ نِصفِ الأرضِ لِصاحِبِ الأرضِ؛ لأنَّ العَقدَ قد انفَسخَ، وفي القَلعِ ضَرَرٌ بالمُزارَعِ، وفي التَّرْكِ بغَيرِ أجْرٍ ضَرَرٌ بصاحِبِ

стр. 5434

الأرضِ، فكانَ التَّرْكُ بأجْرِ المِثلِ نَظَرًا مِنْ الجانبيْنِ، بخِلافِ ما إذا ماتَ صاحِبُ الأرضِ والزَّرعُ بَقلٌ، فالعَملَ يَكونُ على المُزارَعِ خاصَّةً؛ لأنَّ العَقدَ انفَسخَ هُناكَ حَقيقةً؛ لِوُجودِ سَبَبِ الفَسخِ، وهو المَوتُ، إلَّا أنَّا أبقَيْناه تَقديرًا؛ دَفعًا لِلضَّررِ عن المُزارَعِ؛ لأنَّه لَوِ انفَسخَ لَثبَتَ لِصاحِبِ الأرضِ حَقُّ القَلعِ، وفيه ضَرَرٌ بالمُزارَعِ، فجُعِلَ هذا عُذرًا في بَقاءِ العَقدِ تَقديرًا؛ فإذا بَقيَ العَقدُ كانَ العَملُ على المُزارَعِ خاصَّةً، كَما كانَ قبلَ المَوتِ، وهذا لا يَتَّضِحُ. فَإنْ أنفَقَ أحَدُهما مِنْ غيرِ إذْنِ صاحِبِه، ومِن غيرِ أمْرِ القاضي فهو مُتطوِّعٌ. وَلَو أرادَ صاحِبُ الأرضِ أنْ يَأخُذَ الزَّرعَ بَقلًا لَم يكُنْ له ذلك، لأنَّ فيه ضَرَرًا بالمُزارَعِ. وَلَو أرادَ المُزارَعَ أنْ يَأخُذَه بَقلًا، فصاحِبُ الأرضِ بينَ خِياراتٍ ثَلاثةٍ: ١ - إنْ شاءَ قَلَعَ الزَّرعَ؛ فيَكونَ بَينَهما. ٢ - وإنْ شاءَ أعطَى المُزارَعَ قِيمةَ نَصيبِه مِنْ الزَّرعِ. ٣ - وإنْ شاءَ أنفَقَ هو على الزَّرعِ مِنْ مالِه، ثم يَرجِعُ على المُزارَعِ بحِصَّتِه؛ لأنَّ فيه رِعايةَ الجانبيْنِ. أثَرُ مَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ: إذا انفَسخَتِ المُزارَعةُ بسَبَبِ مَوتِ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ فهُناكَ فَرقٌ بينَ أنْ يَكونَ المَيِّتُ ربَّ الأرضِ أوِ المُزارَعَ:

стр. 5435

أ- مَوتُ صاحِبِ الأرضِ: إذا ماتَ ربُّ الأرضِ بَعدَما دفعَ الأرضَ مُزارَعةً ثَلاثَ سِنينَ، ونَبَتَ الزَّرعُ وصارَ بَقلًا، تُترَكُ الأرضُ في حَوزةِ المُزارَعِ إلى وَقتِ الحَصادِ، ويُقَسَّمُ على الشَّرطِ المَذكورِ؛ لأنَّ في التَّركِ إلى وَقتِ الحَصادِ نَظَرًا مِنْ الجانبيْنِ، ولأنَّ في القَلعِ إضرارًا بأحَدِهِما، وهو المُزارَعُ، ويَكونُ العَملُ على المُزارَعِ خاصَّةً؛ لِبَقاءِ العَقدِ؛ تَقديرًا في هذه السَّنةِ في هذا الزَّرعِ. ب- مَوتُ المُزارَعِ: وأمَّا إنْ ماتَ المُزارَعُ والزَّرعُ بَقلٌ، فقالَ وَرثَتُه: نَحنُ نَعمَلُ على شَرطِ المُزارَعةِ، وأبَى ذلك صاحِبُ الأرضِ، فالأمْرُ إلى وَرثةِ المُزارَعِ؛ لأنَّ في القَلعِ ضَرَرًا بالوَرثةِ، ولا ضَرَرَ بصاحِبِ الأرضِ في التَّرْكِ إلى وَقتِ الإدراكِ، وإذا تَركَ فلا أجْرَ لِلوَرثةِ فيما يَعمَلونَ؛ لأنَّهم يَعمَلونَ على حُكمِ عَقدِ أبيهم تَقديرًا؛ فكَأنَّه يَعمَلُ أبوهم؛ لأنَّ أباهم لَو عَمِلَ فلا أجْرَ لَه، فكَذا هُمْ. وإنْ أرادَ الوَرثةُ قَلعَ الزَّرعِ لَم يُجبَروا على العَملِ؛ لأنَّ العَقدَ يَنفَسِخُ حَقيقةً؛ إلَّا أنَّا أبقَيْناه باختيارِهم؛ نَظَرًا لَهُم؛ فإنِ امتَنَعوا عن العَملِ بَقيَ الزَّرعُ مُشترَكًا: فَإمَّا أنْ يُقَسَّمَ بَينَهم بالحِصَصِ، وإمَّا أنْ يُعطيَهم صاحِبُ الأرضِ قَدْرَ حِصَّتِهم مِنْ الزَّرعِ بَقلًا، وإمَّا أنْ يُنفِقَ مِنْ مالَ نَفْسِه إلى وَقتِ الحَصادِ، ثم يَرجِعَ عليهم بحِصَّتِهم؛ لأنَّ فيه رِعايةَ الجانبيْنِ، وهذا التَّفريعُ كلُّه على مَذهبِ الحَنفيَّةِ (١).

стр. 5436

وأمَّا الحَنابِلةُ فعلى المَذهبِ عِندَهم أنَّ المُزارَعةَ عَقدٌ جائِزٌ، وليسَ بلَازِمٍ؛ فإنَّها تَنفَسِخُ بمَوتِ كلِّ واحِدٍ مِنهما، وجُنونِه، والحَجْرِ عليه لِسَفَهٍ، فإذا ماتَ العامِلُ أو ربُّ المالِ انفَسخَتِ المُزارَعةُ؛ فكانَ الحُكمُ فيها كَما لَو فَسخَها أحَدُهما على ما أسلَفْناه. وعلى القَولِ بلُزومِها لَم يَنفَسِخِ العَقدُ بمَوتِ أحَدِهِما، ويَقومُ الوارِثُ مَقامَ المَيِّتِ مِنهما؛ لأنَّه عَقدٌ لَازِمٌ؛ فأشبَهَ الإجارةَ. وعلى المَذهبِ الأولِ إنْ كانَ المَيِّتُ العامِلَ فأبَى وارِثُه القيامَ مَقامَه لَم يُجبَرْ؛ لأنَّ الوارِثَ لا يَلزَمُه مِنْ الحُقوقِ التي على مُورِّثِه إلَّا ما أمْكَنَ دَفْعُه مِنْ تَرِكَتِه، والعَملُ لَيسَ ممَّا يُمكِنُ ذلك فيه؛ فعلى هذا يَستَأجِرُ الحاكِمُ مِنْ التَّرِكةِ مَنْ يَعمَلُ العَملَ؛ فإنْ لَم تكُنْ له تَرِكةٌ، أو تَعذَّرَ الِاستِئجارُ مِنها، فلربِّ المالِ الفَسخُ؛ لأنَّه تَعذَّرَ استِيفاءُ المَعقودِ عليه، فيثبُتُ الفَسخُ، كَما لَو تَعذَّرَ ثَمنُ المَبيعِ قبلَ قَبضِه. ثم إنْ كانَتِ الثَّمرةُ قد ظَهرَتْ بِيعَ مِنْ نَصيبِ العامِلِ ما يَحتاجُ إليه لِأجْرِ ما بَقيَ مِنْ العَملِ، واستُؤجِرَ مَنْ يَعمَلُ ذلك، وإنِ احتِيجَ إلى بَيْعِ الجَميعِ بِيعَ، ثم لا يَخلو: إمَّا أنْ تَكونَ قد بَدا صَلاحُها، وإمَّا لَم يَبْدُ صَلاحُها، فإنْ كانَتْ قد بَدا صَلاحُها خُيِّرَ المالِكُ بينَ البَيعِ والشِّراءِ؛ فإنِ اشترَى نَصيبَ العامِلِ جازَ،

стр. 5437

وإنِ اختارَ بَيْعَ نَصيبِه أيضًا باعَه، وباعَ الحاكِمُ نَصيبَ العامِلِ، وإنْ أبَى البَيعَ والشِّراءَ باعَ الحاكِمُ نَصيبَ العامِلِ وَحدَه، وما بَقيَ على العامِلِ مِنْ العَملِ يُكتَرى عليه مَنْ يَعمَلُه، وما فَضَلَ فلِوَرثَتِه. وإنْ كانَ لَم يَبْدُ صَلاحُها خُيِّرَ المالِكُ أيضًا، فإنْ بِيعَ لِأجنَبيٍّ لَم يَجُزْ إلَّا بشَرطِ القَطعِ، ولا يَجوزُ بَيعُ نَصيبِ العامِلِ وَحدَهُ؛ لأنَّه لا يُمكِنُه قَطعُه إلَّا بقَطعِ نَصيبِ المالِكِ، فيَقِفَ إمكانُ قَطعٍ على قَطعِ مِلكِ غَيرِه. وَهَل يَجوزُ شِراءُ المالِكِ لَها؟ على وجهيْنِ، وهَكَذا الحُكمُ إذا انفَسخَتِ المُساقاةُ بمَوتِ العامِلِ؛ لِقَوْلِنا بجَوازِها، وأبَى الوارِثُ العَملَ. وَإنِ اختارَ ربُّ المالِ البَقاءَ على المُزارَعةِ لَم تَنفَسِخْ إذا قُلْنا بلُزومِها، ويُستَأذَنُ الحاكِمُ في الإنفاقِ على الثَّمرةِ، ويَرجِعُ بما أنفَقَ، فإنْ عَجَزَ عن استِئذانِ الحاكِمِ فأَنفَقَ مُحتَسِبًا بالرُّجوعِ، وأشهَدَ على الإنفاقِ بشَرطِ الرُّجوعِ، رَجعَ بما أنفَقَ؛ لأنَّه مُضطَرٌّ، وإنْ أمكَنَه استِئذانُ الحاكِمِ فأَنفَقَ بِنِيَّةِ الرُّجوعِ مِنْ غيرِ استِئذانِهِ؛ فهَلْ يَرجِعُ بذلك؟ على وجهيْنِ، بِناءً على ما إذا قَضَى دَيْنَه بغَيرِ إذْنِه. وإنْ تَبرَّعَ بالإنفاقِ لَم يَرجِعْ بشَيءٍ، كَما لَو تَبرَّعَ بالصَّدَقةِ، والحُكمُ فيما إذا أنفَقَ على الثَّمرةِ بعدَ فَسخِ العَقدِ إذا تَعذَّرَ بَيعُها كالحُكمِ ههُنا سَواءٌ (١).

стр. 5438

كتاب الإجارة تَعريفُ الإجارةِ: أولًا: تَعريفُ الإجارةِ لُغةً: الإجارةُ في اللُّغةِ: اسمٌ لِلأُجرةِ، كالجَعالةِ، اسمٌ لِلجُعلِ، وهي ما أُعطيَ مِنْ كِراءِ الأجيرِ، وقَد أجَرَه إذا أعطاه أُجرَتَه، والأجْرُ ما يُستحَقُّ على عَملِ الخَيرِ، وهي مُشتَقةٌ مِنْ الأجْرِ، وهو الثَّوابُ، ولِهَذا يُدعَى به، يُقالُ: أجَرَكَ اللَّهُ، أي: أثابَكَ اللَّهُ، وأعظَمَ اللَّهُ أجَرَكَ، فكَأنَّ الأُجرةَ عِوَضُ عَملِه، كَما أنَّ الثَّوابَ عِوَضُ عَملِه. وَفي كِتابِ «العَيْنُ»: آجَرْتُ مَملوكي أُؤَجِّرُه إيجارًا، فهو مُؤجَّرٌ، وفي الأساسِ: آجَرَني دارَه فاستَأْجَرتُها، وهو مُؤجَّرٌ، ولا نَقولُ مُؤاجَرٌ؛ فإنَّه خَطَأٌ وقَبيحٌ، قالَ: وليسَ آجَرَ هذا فاعَلَ، بَلْ هو أفعَلَ.

стр. 5439

وَعَنِ المُبَرِّدِ أنَّه يُقالُ: أجَّرَ، وآجَرَ، إجارًا وإجارةً (١). ثانيًا: تَعريفُ الإجارةِ اصطِلاحًا: تَعدَّدَتْ عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الإجارةِ اصطِلاحًا: قالَ الحَنفيَّةُ: الإجارةُ عَقدٌ على المَنافِعِ بِعِوَضٍ ماليٍّ يَتجَدَّدُ انعِقادُه بحَسَبِ حُدوثِ المَنافِعِ ساعةً فساعةً، حتى لَو حالَ بَينَه وبَينَ تَسليمِ المَنافِعِ حائِلٌ، أو مَنعَه مانِعٌ، أو انهَدَمَتِ الدَّارُ، لَم يَلزَمْه العِوَضُ؛ لأنَّ المَنافِعَ لَم تَحصُلْ لَه، فدَلَّ على أنَّها مَعقودةٌ على المَنفَعةِ، بخِلافِ النِّكاحِ؛ فإنَّه عَقدٌ على الِاستِباحةِ، حتى لَو تَزوَّجَ امرَأةً فالمَهرُ لَازِمٌ لَه، وإنْ حالَ بَينَه وبَينَ تَسليمِها حائِلٌ أو ماتَتْ عُقَيبَ العَقدِ. وَقيلَ: الإجارةُ شَرعًا: تَمليكُ مَنفَعةٍ بعِوَضٍ، فخَرجَ البَيعُ والهِبةُ والعاريةُ والنِّكاحُ؛ فإنَّه استِباحةُ المَنافِعِ بعِوَضٍ، لا تَمليكُها (٢). وقالَ المالِكيَّةُ: الإجارةُ: عَقدُ مُعاوَضةٍ على تَمليكِ مَنفَعةٍ بِعِوَضٍ، بما يَدلُّ على تَمليكِ المَنفَعةِ مِنْ لَفظٍ أو غَيرِه (٣). وقيلَ: الإجارةُ تَمليكُ مَنافِعِ شَيءٍ، مُباحةٍ مدَّةً مَعلومةً بعِوَضٍ (٤).

стр. 5440

وَعَرفَها ابنُ عَرفةَ ﵀ بقَولِهِ: بَيعُ مَنفَعةِ ما أمكَنَ نَقلُه غيرَ سَفينةٍ، ولا حَيَوانٍ لا يَعقِلُ، بعِوَضٍ غيرِ ناشِئٍ عَنها، بَعضُه يَتبَعَّضُ بتَبعيضِها. فَقولُهُ: بَيعُ مَنفَعةٍ، أخرَجَ به بَيعَ الذَّواتِ، وقولُه: أمكَنَ نَقلُه، أخرَجَ به كِراءَ الدَّارِ والأرضِ؛ فالعَقدُ المُتعلِّقُ بمَنافِعِهِما لَيسَ بإجارةٍ، وإنَّما هو كِراءٌ، وقولُه: ولا حَيَوانٍ، أخرَجَ به كِراءَ الرَّواحِلِ، وقولُه: بِعِوَضِ جُزءٍ مِنْ أجزائِها، ثم وَصَفَه بأنَّه غيرُ ناشِئٍ عَنها، ليُخرِجَ القِراضَ والمُساقاةَ، والضَّميرُ في بَعضِه عائِدٌ على العِوَضِ، وفي تَبعيضِها عائِدٌ على المَنفَعةِ، وإنَّما زادَ لَفْظَةَ بَعضِه لِيَدخُلَ في الحَدِّ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: الإجارةُ عَقدٌ على مَنفَعةٍ مَقصودةٍ مَعلومةٍ قابِلةٍ لِلبَذلِ والإباحةِ، بعِوَضٍ مَعلومٍ، مع بَقاءِ عَينِه مدَّةَ الإجارةِ. وَقولُنا: «مَقصودةٍ» احتِرازٌ عن مَنفَعةٍ تافِهةٍ؛ كاستِئجارِ تُفَّاحةٍ ونَحوِها؛ لِلشَّمِّ، نَعَمْ، إذا كَثُرَ التُّفَّاحُ. وَقولُنا: «مَعلومةٍ»، احتِرازٌ عن المَنفَعةِ المَجهولةِ؛ فإنَّها لا تَصحُّ لِلغَرَرِ؛ فلا بدَّ مِنْ العِلمِ بالمَنفَعةِ قَدْرًا ووَصْفًا. وَقولُنا: «قابِلةٍ لِلبَذلِ والإباحةِ»، فيه احتِرازٌ عن استِئجارِ آلاتِ اللَّهوِ؛ كالطُّنبورِ، والمِزمارِ، والرَّبابِ، ونَحوِها؛ فإنَّ استِئجارَها حَرامٌ، ويَحرُمُ بَذْلُ الأُجرةِ في مُقابَلَتِها، ويَحرُمُ أخْذُ الأُجرةِ؛ لأنَّه مِنْ قَبيلِ أكْلِ أموالِ النَّاسِ بالباطِلِ، وكَذا لا يَجوزُ استِئجارُ المَغاني، ولا استِئجارُ شَخصٍ

стр. 5441

لِحَملِ خَمرٍ ونَحوِها، ولا لِجَبْيِ المُكوسِ والرِّشا وجَميعِ المُحرَّماتِ، عافانا اللَّهُ تَعالى مِنها. وَقولُنا: «بعِوَضٍ مَعلومٍ»، احتَرزْنا به عن الأُجرةِ المَجهولةِ؛ فإنَّه لا يَصحُّ جَعلُها أُجرةً؛ فإنَّها ثَمنُ المَنفَعةِ، وشَرطُ الثَّمنِ أنْ يَكونَ مَعلومًا، ولأنَّ الجَهلَ به غَرَرٌ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: الإجارةُ هي عَقدٌ على مَنفَعةٍ مُباحةٍ مَعلومةٍ تُؤخَذُ شَيئًا فشَيئًا مِنْ عَينٍ مُعيَّنةٍ أو مَوصوفةٍ في الذِّمة مدَّةً مَعلومةً، كَسُكنَى هذه الدَّارِ سَنةً، أو دابَّةٍ صِفَتُها كَذا لِلحَملِ، أوِ الرُّكوبِ، سَنةً مثلًا. أو عَقدٌ على عَملٍ مَعلومٍ، كَحَملِه إلى مَوضِعِ كَذا بعِوَضٍ مَعلومٍ في الضَّربيْنِ. فالمَعقودُ عليه هو المَنفَعةُ، لا العَينُ، لأنَّ المَنفَعةَ هي التي تُستَوْفَى، والأجْرُ في مُقابَلَتِها؛ ولِهَذا تُضمَنُ، دونَ العَينِ. وَإنَّما أُضيفَ العَقدُ إلى العَينِ؛ لأنَّها مَحَلُّ المَنفَعةِ ومَنشَؤُها، كَما يُضافُ عَقدُ المُساقاةِ إلى البُستانِ، والمَعقودُ عليه الثَّمرةُ، والِانتِفاعُ مِنْ قِبَلِ المُستَأجِرِ تابِعٌ ضَرورةً لِلمَنفَعةِ المَعقودِ عليها؛ لأنَّ المَنفَعةَ لا تُوجَدُ إلَّا عَقِبَه (٢).

стр. 5442

الفَرقُ بينَ الإجارةِ والكِراءِ: الإجارةُ هي والكِراءُ شَيءٌ واحِدٌ في المَعنَى، غيرَ أنَّهم أطلَقوا على العَقدِ على مَنافِعِ الآدَميِّ، وعلى ما يُنقَلُ مِنْ غيرِ السُّفُنِ والحَيَوانِ: إجارةً، وعَلَى العَقدِ على مَنافِعِ ما لا يُنقَلُ كالأرضِ والدُّورِ، وما يُنقَلُ مِنْ سَفينةٍ وحَيَوانٍ: كِراءً في الأغلَبِ فيهِما (١).

стр. 5443

حُكمُ عَقدِ الإجارةِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُعتَدُّ به في الإجماعِ مِنْ أهلِ العِلمِ على مَشروعيَّةِ عَقدِ الإجارةِ، واستَدَلُّوا على ثُبوتِها ومَشروعيَتها بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ والقِياسِ والحاجةِ إليها. أمَّا بالكِتابِ: فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وَجهُ الدِّلالةِ أنَّ الإرضاعَ بلا عَقدٍ تَبَرُّعٌ لا يُوجِبُ أُجرةً، وإنَّما يُوجِبُها ظاهِرُ العَقدِ، فتَعيَّنَ (١). وقالَ الشافِعيُّ ﵀: وَلَو لَم يكُنْ في الإجارةِ إلَّا هَذا، لَكَفَى. وذلك أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَر أنَّ المُطلَّقةَ إذا أرضَعَتْ وَلَدَ زَوجِها فإنَّه يُعطيها أجْرَها، والأُجرةُ لا تَكونُ إلَّا في إجارةٍ، والرَّضاعُ غَرَرٌ؛ لأنَّ اللَّبنَ قد يَقِلُّ، وقَد يَكثُرُ، وقَد يَكونُ الصَّبِيُّ يَشرَبُ مِنْ اللَّبنِ قَليلًا، وقَد يَشرَبُ مِنْ اللَّبنِ كَثيرًا، وقَد أجازَه اللَّهُ تَعالى (٢). ويَدلُّ على صِحَّتِها: قولُ اللهِ تَعالى - في قِصَّةِ موسى وشُعَيْبٍ -: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٦ - ٢٧]، فلولا أنَّ الإجارةَ كانَتْ جائِزةً في شَرعِهم لَمَا قالَتْ: ﴿يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾، ولَأنكَرَ

стр. 5444

عليها شُعَيْبٌ، وأيضًا فإنَّه قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾، فجعلَ المَنفَعةَ مَهرًا. وقولُه تَعالى -في قِصَّةِ الخَضِرِ ومُوسى-: ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]، وهذا يَدلُّ على جَوازِ أخْذِ الأُجرةِ على إقامَتِه. وأمَّا السُّنةُ: فقد وَردَتْ عِدَّةُ أحاديثَ تَدُلُّ على مَشروعيَّةِ الإجارةِ وجَوازِها، منها: ١ - عن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أنَّه ﷺ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ» (١). ٢ - وخَبَرُ البُخاريِّ عن عائِشةَ ﵄ قالَتْ: «وَاسْتَأْجَرَ رَسولُ اللهُ ﷺ وأبو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ» (٢). ٣ - وقولُ النَّبِيِّ ﷺ : «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُم يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثم غَدَرَ، وَرجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمنَهُ، وَرجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى منه ولَم يُؤْتِه أُجْرَتَهُ» (٣). ٤ - وَقولُهُ ﷺ : «أَعْطُوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قبلَ أَنْ يَجِفَّ عَرقُهُ» (٤). ٥ - وعنِ ابنِ عُمرَ ﵄ عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَثَلُكُمْ ومَثَلُ أَهلِ

стр. 5445

الكِتَابيْنِ كمَثَلِ رَجُلٍ استَأْجَرَ أُجرَاءَ، فقالَ: مَنْ يَعمَلُ لي مِنْ غُدوَةٍ إلى نِصفِ النَّهَارِ على قِيراطٍ؟ فعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثمَّ قالَ: مَنْ يَعمَلُ لي مِنْ نِصفِ النَّهَارِ إلى صَلَاةِ العَصْرِ على قِيراطٍ؟ فعَمِلَتِ النَّصَارَى، ثمَّ قال: مَنْ يَعمَلُ لي مِنْ العَصْرِ إلى أنْ تَغِيبَ الشَّمسُ على قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنتُمْ هُم، فغَضِبَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى، فقَالُوا: ما لنا أَكثَرَ عَملًا وأَقَلَّ عطَاءً؟ قال: هل نَقَصتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قالوا: لا. قالَ: فذلك فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أشَاءُ» (١). ففي هذا الحَديثِ ذِكْرُ الإجارةِ الصَّحيحةِ بالأجْرِ المَعلومِ إلى الوَقتِ المَعلومِ، ولولا أنَّ ذلك جائِزٌ ما ضَرَبَ ﷺ به المَثَلَ. ٦ - وعن عبدِ اللَّهِ بنِ السَّائِبِ قالَ: دَخَلْنَا على عبدِ اللَّهِ بنِ مَعْقِلٍ فسَالنَاهُ عن المُزارَعةِ، فقالَ: «زَعَم ثَابِتٌ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عن المُزارَعةِ وأَمَرَ بالمُؤاجَرَةِ، وقالَ: لا بَأْسَ بها» (٢). ٧ - وعَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسيِّبِ عن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ﵁ قال: «كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَا عَلَى السَّوَاقِي مِنْ الزَّرْعِ، وَبِمَا سُقِيَ بِالمَاءِ مِنْهَا، فَنَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، وَرخَّصَ لَنَا أَنْ نُكْرِيَهَا بِالذَّهَبِ وَالوَرِقِ» (٣). والأحاديثُ في هذا كَثيرةٌ.

стр. 5446

وأمَّا الإجماعُ: فقد أجمَعَ مَنْ يُعتَدُّ به مِنْ المُسلِمينَ في كلِّ عَصرٍ وكلِّ مِصرٍ على جَوازِ الإجارةِ، حيث يَعقِدونَ عَقدَ الإجارةِ مِنْ زَمنِ الصَّحابةِ ﵃ إلى يَومِنا هذا مِنْ غيرِ نَكيرٍ، إلا ما يُحكَى عن الأصَمِّ، وابنِ كَيسانَ، والقاسانيِّ الظاهِريِّ، وقد نقلَ عَدَدٌ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على جَوازِها. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الإجارةَ ثابِتةٌ (١). وقالَ: واتَّفقَ على إجازَتِها كلُّ مَنْ نَحفَظُ قَولَه مِنْ عُلماءِ الأُمَّةِ (٢). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: الإجارةُ جائِزةٌ، ومَضَتْ بها السُّنةُ، وعَمِلَ بها بَعضُ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، ولا اختِلافَ في ذلك بينَ أهلِ العِلمِ ببَلَدِنا وعَوامِّ أهلِ الأمصارِ (٣). وقالَ إمامُ الحَرَمَيْنِ الجُوَينيُّ ﵀: وقد أجمَعَ مَنْ بإجماعِه اعتِبارٌ على صِحَّةِ الإجارةِ، وخِلافُ ابنِ كَيسانَ الأصَمِّ، والقاسانيِّ، غيرُ مُعتَدٍّ به مِنْ وجهيْنِ: أحَدُهما: أنَّهما ليسا مِنْ أهلِ الحَلِّ والعَقدِ. والآخَرُ: أنَّ خِلافَهما مَسبوقٌ بإجماعِ الأُمَّةِ على صِحَّةِ الإجارةِ قَبلَهما (٤).

стр. 5447

وقالَ الكاسانيُّ ﵀: الإجارةُ جائِزةٌ عندَ عامَّةِ العُلماءِ. وقالَ أبو بَكرٍ الأصَمُّ ﵀: إنَّها لا تَجوزُ، والقياسُ ما قالَه؛ لأنَّ الإجارةَ بَيعُ المَنفَعةِ، والمَنافِعُ لِلحالِ مَعدومةٌ، والمَعدومُ لا يَحتَمِلُ البَيعَ؛ فلا يَجوزُ إضافةُ البَيعِ إلى ما يُؤخَذُ في المُستَقبَلِ كَإضافةِ البَيعِ إلى أعيانٍ تُؤخَذُ في المُستَقبَلِ، فإذًا لا سَبيلَ إلى تَجويزِها، لا باعتِبارِ الحالِ، ولا باعتِبارِ المآلِ، فلا جَوازَ لَها رَأْسًا، لَكنَّا استَحسَنَّا الجَوازَ بالكِتابِ العَزيزِ والسُّنةِ والإجماعِ. وَقالَ: وأمَّا الإجماعُ؛ فإنَّ الأُمَّةَ أجمَعَتْ على ذلك قبلَ وُجودِ الأصَمِّ، حَيثُ يَعقِدونَ عَقدَ الإجارةِ مِنْ زَمنِ الصَّحابةِ إلى يَومِنا هذا مِنْ غيرِ نَكيرٍ؛ فلا يُعبَأُ بخِلافِه؛ إذْ هو يَأْتي خِلافَ الإجماعِ (١). وقالَ القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: جَوازُ الإجارةِ في الجُملةِ مُجمَعٌ عليه، إلا ما يُحكَى عن ابنِ عُلَيَّةَ، والأصَمِّ، وهؤلاء لا يَعُدُّ أهلُ العِلمِ خِلافَهم خِلافًا، ولأنَّ هذا إجماعٌ مِنْ السَّلفِ قبلَ خَرقِ هؤلاء المُبتَدِعةِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ في كلِّ عَصرٍ وكلِّ مِصرٍ على جَوازِ الإجارةِ، إلا ما يُحكَى عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ الأصَمِّ، أنَّه قالَ: لا يَجوزُ ذلك؛ لأنَّه غَرَرٌ، يَعني أنَّه يَعقِدُ على مَنافِعَ لم تُخلَقْ، وهذا غَلَطٌ، لا يَمنَعُ انعِقادَ الإجماعِ، الذي سَبَقَ في الأعصارِ، وسارَ في الأمصارِ (٣).

стр. 5448

وقالَ العِراقيُّ ﵀: وانعَقدَ على جَوازِ الإجارةِ الإجماعُ (١). ونقلَ غَيرُهم كثيرونَ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على مَشروعيَّةِ الإجارةِ وجَوازِها. وأمَّا القِياسُ: فلأنَّ المَنافِعَ كالأعيانِ، فإنَّ الحاجةَ إلى المَنافِعِ كالحاجةِ إلى الأعيانِ، فلَمَّا جازَ عَقدُ البَيعِ على الأعيانِ، وجبَ أنْ تَجوزَ الإجارةُ على المَنافِعِ (٢). وأمَّا الحاجةُ: فالحاجةُ إلى الإجارةِ داعِيةٌ، والضَّرورةُ إلَيها ماسَّةٌ؛ لأنَّه لَيسَ كلُّ مَنْ أرادَ عَملًا قَدَرَ عليه بنَفْسِه، ولا إنْ قَدَرَ عليه حَسُنَ به، كَما أنَّه لَيسَ كلُّ مَنْ أرادَ طَعامًا لِمَأْكَلِه، وثيابًا لِمَلْبَسِه قَدَرَ على عَملِه بنَفْسِه، وعَلَى إحداثِه وإنشائِه، فدَعَتِ الضَّرورةُ إلى الإجارةِ على المَنافِعِ، كَما دَعَتِ الضَّرورةُ إلى ابتِياعِ الأعيانِ، ثم كانَ البَيعُ جائِزًا، فكذلك الإجارةُ (٣). وَلأنَّ اللَّهَ تَعالى شَرَعَ العُقودَ لِحَوائِجِ العِبادِ، ولأنَّ حاجَتَهم إلى الإجارةِ ماسَّةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ لا يَكونُ له دارٌ مَملوكةٌ يَسكُنُها، أو أرضٌ مَملوكةٌ يَزرَعُها، أو دابَّةٌ مَملوكةٌ يَركَبُها، وقَد لا يُمكِنُه تَملُّكُها بالشِّراءِ؛ لِعَدَمِ الثَّمنِ، ولا بالهِبةِ والإعارةِ؛ لأنَّ نَفْسَ كلِّ واحِدٍ لا تَسمَحُ بذلك؛ فيَحتاجُ إلى الإجارةِ، فجُوِّزَتْ، بخِلافِ القياسِ لِحاجةِ النَّاسِ، كالسَّلمِ، ونَحوِه. تَحقيقُه أنَّ الشَّرعَ شَرَعَ لكلِّ حاجةٍ عَقدًا يَختَصُّ بها؛ فشَرَعَ لِتَمليكِ

стр. 5449

العَينِ بعِوَضٍ عَقدًا، وهو البَيعُ، وشَرَعَ لِتَمليكِها بغَيرِ عِوَضٍ عَقدًا، وهو الهِبةُ وشَرَعَ لِتَمليكِ المَنفَعةِ بغَيرِ عِوَضٍ عَقدًا، وهو الإعارةُ، فلَو لَم يَشرَعِ الإجارةَ -مَعَ الحاجةِ الماسةِ إلَيها- لَم يَجِدِ العَبدُ لِدَفعِ هذه الحاجةِ سَبيلًا، وهذا خِلافُ مَوضوعِ الشَّرعِ (١). وَلا يَخفَى ما بالنَّاسِ مِنْ الحاجةِ إلى ذلك؛ فإنَّه لَيسَ لكلِّ أحَدٍ دارٌ يَملِكُها، ولا يَقدِرُ كلُّ مُسافِرٍ على بَعيرٍ أو دابَّةٍ أنْ يَملِكَها، ولا يَلزَمُ أصحابَ الأملاكِ إسكانُها، وحَملُهم تَطوُّعًا، وكذلك أصحابُ الصَّنائِعِ يَعمَلونَ بأجْرٍ، ولا يُمكِنُ كلَّ أحَدٍ عَملُ ذلك، ولا يَجِدُ مُتطوِّعًا به؛ فلا بدَّ مِنْ الإجارةِ لِذلك، بَلْ ذلك ممَّا جعلَه اللَّهُ طَريقًا لِلرِّزقِ، حتى إنَّ أكثَرَ المَكاسِبِ بالصَّنائِعِ (٢). وقالَ أبو المَعالي الجُوَينيُّ ﵀: ولَسْنا نُنكِرُ أنَّ الإجارةَ -مِنْ حَيثُ وَردَتْ على مَنافِعَ لَم تُخلَقْ بَعدُ- مائِلةٌ عن القِياسِ بَعضَ المَيْلِ، ولَكنَّها مُسوَّغةٌ؛ لِعُمومِ الحاجةِ. وقَد ذَكَرْنا في مَواضِعَ أنَّ الحاجةَ العامَّةَ تُنزَلُ مَنزِلةَ الضَّرورةِ الخاصَّةِ، ثم ما ثبَتَ أصلُه بالحاجةِ، لَم يَتوَقَّفْ إثباتُه وتَصحيحُه في حَقِّ الآحادِ على قِيامِ الحاجةِ، حتى يُقالُ: الإجارةُ تَنعقِدُ في حَقِّ مَنْ لا مَسكَنَ لَه، وهو مُحتاجٌ إلى المَسكَنِ، ولا تَنعقِدُ في حَقِّ مَنْ يَملِكُ المَساكِنَ، بَلْ يُعَممُ في حُكمِ التَّجويزِ الكافَّةُ (٣).

стр. 5450

أركانُ الإجارةِ: أركانُ الإجارةِ أربَعةٌ عندَ المالِكيَّةِ، والشافِعيَّةِ، وعِندَ الحَنفيَّةِ رُكنٌ واحِدٌ، وهو الإيجابُ والقَبولُ، والباقي شُروطٌ، وعَدَّها الحَنابِلةُ كلَّها شُروطًا، ولا قيامَ لِلعَقدِ إلَّا بتَوَافُرِ الأركانِ والشُّروطِ، فالخِلافُ لَفظيٌّ. الرُّكنُ الأولُ: العاقِدانِ. الرُّكنُ الثَّاني: الصِّيغةُ. الرُّكنُ الثَّالث: الأُجرةُ. الرُّكنُ الرَّابِعُ: المَنفَعةُ، وهي المَعقودُ عليها. وَبَيانُ هذه الأركانِ فيما يَلي:

стр. 5451

الرُّكنُ الأولُ: العاقِدانِ: وَهُمَا المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ، ويُشترَطُ فيهِما ما يُشترَطُ في البَيعِ مِنْ العَقلِ والبُلوغِ والرِّضا والرُّشدِ، على الخِلافِ السَّابِقِ في البَيعِ في كلِّ هَذا، لأنَّ الإجارةَ بَيعُ مَنافِعَ، ولا فَرقَ بينَ بَيعِ المَنافِعِ وبَيعِ الأعيانِ. فالعَقلُ مُتفَقٌ عليه؛ فلا يَصحُّ إجارةُ المَجنونِ والمَعتوهِ والمُكرَهِ. وَكَذا السَّفيهُ، على الخِلافِ السَّابِقِ في بَيعِه. وأمَّا الصَّبيُّ المُمَيِّزُ فيَتَوَقَّفُ لُزومُ إجارَتِه لِنَفْسِه أو مالِه على إذْنِ وَلِيِّه، عندَ المالِكيَّةِ، والمَعنَى أنَّ شَرطَ صِحَّةِ عَقدِ عاقِدِ الإجارةِ التَّمييزُ، وشَرطَ لُزومِ عَقدِ عاقِدِها التَّكليفُ، كالبَيعِ (١). وأمَّا الشافِعيَّةُ، والحَنابِلةُ فلا يَصحُّ عِندَهم إجارةُ الصَّبِيِّ المُمَيِّزِ، ولا تَصحُّ إلَّا مِنْ بالِغٍ عاقِلٍ كالبَيعِ (٢). وقالَ الحَنفيَّةُ: البُلوغُ لَيسَ مِنْ شَرائِطِ الِانعِقادِ، ولا مِنْ شَرائِطِ النَّفاذِ، حتى إنَّ الصَّبيَّ العاقِلَ لَو أجَّرَ مالَه أو نَفْسَه؛ فإنْ كانَ مَأْذونًا يُنَفِّذُ، وإنْ كانَ مَحجورًا يَقِفُ على إجازةِ الوَليِّ.

стр. 5452

وَلَو أجَّرَ الصَّبيُّ المَحجورُ نَفْسَه وعَمِلَ وسَلِمَ مِنْ العَملِ، يَستَحقُّ الأجْرَ، ويَكونُ الأجْرُ لَه، أمَّا استِحقاقُ الأجْرِ فلأنَّ عَدَمَ النَّفاذِ كانَ نَظَرًا لَه، وكانَ النَّظَرُ بعدَ الفَراغِ مِنْ العَملِ سَليمًا في النَّفاذِ، فيَستَحقُّ الأُجرةَ، ولا يُهدَرُ سَعيُه فيَتَضرَّرَ به، وكانَ الوَليُّ أذِنَ له بذلك دِلالةً بمَنزِلةِ قَبولِ الهِبةِ مِنْ الآخرينَ. وأمَّا كَونُ الأُجرةِ المُسمَّاةِ لَه؛ فلأنَّها بَدَلُ مَنافِعَ، وهي حَقُّه. وَلَو هَلَكَ الصَّبيُّ في يَدِ المُستَأجِرِ في المدَّةِ ضَمِنَ؛ لأنَّه صارَ غاصِبًا؛ حَيثُ استَعمَلَه مِنْ غيرِ إذْنِ وَلِيِّه، ولا يَجِبُ الأجْرُ؛ لأنَّ الأجرَ مع الضَّمانِ لا يَجتَمِعانِ. وَلَو قَتَلَ الصَّبيُّ خَطَأً فعلى عاقِلَتِه الدِّيةُ، أو القِيمةُ، وعليه الأجْرُ في مالِهِ؛ لأنَّ إيجابَ الأُجرةِ هَهُنا لا يُؤدِّي إلى الجَمْعِ؛ لِاختِلافِ مَنْ عليه الواجِبُ (١). وقد تَقدَّمَ الكَلامُ فيه مُستَوفًى في أولِ كِتابِ البَيعِ.

стр. 5453

الرُّكنُ الثَّاني: الصِّيغةُ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشترَطُ في عَقدِ الإجارةِ صِيغةٌ، وهي الإيجابُ والقَبولُ، واختَلفوا: هَلْ تَنعقِدُ بغَيرِ لَفظِ الإجارةِ كالبَيعِ أو لا؟ وهَل تَنعقِدُ بالمُعاطاةِ أو لا؟ فأجازَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في قَولِ انعِقادِها بالمُعاطاةِ؛ كالبَيعِ، وكَذا بلَفظِ البَيعِ على التَّفصيلِ الآتي: قالَ الحَنفيَّةُ: رُكنُ الإجارةِ الإيجابُ والقَبولُ، سَواءٌ كانَ بلَفظِ الإجارةِ والِاستِئجارِ والِاكتِراءِ والإكراءِ، فإذا وُجِدَ ذلك فقَد تَمَّ الرُّكنُ. وَكَذا بما يَدلُّ عليها؛ فتَنعقِدُ بلَفظِ العاريةِ حتى لَو قالَ لِغَيرِهِ: أعَرتُكَ هذه الدَّارَ شَهرًا بكَذا، أو قالَ: كلُّ شَهرٍ بكَذا، وقَبِلَ المُخاطَبُ، كانَتِ الإجارةُ صَحيحةً؛ لأنَّها مَأْخوذةٌ مِنْ التَّعاوُرِ والتَّداوُلِ، وهو كَما يَكونُ بغَيرِ عِوَضٍ يَكونُ بعِوَضٍ، والتَّعاوُرُ بَعِوَضٍ إجارةٌ، بخِلافِ العاريةِ، حَيثُ لا تَنعقِدُ بلَفظِ الإجارةِ، حتى لَو قالَ: آجَرتُكَ هذه الدَّارَ بغَيرِ عِوَضٍ، كانَتْ إجارةً فاسِدةً، ولا تَكونُ عاريةً؛ لأنَّها عَقدٌ خاصٌّ لِتَمليكِ المَنفَعةِ، كَما لَو قالَ: بِعتُكَ هذه العَينَ بغَيرِ عِوَضٍ، كانَ باطِلًا، أو فاسِدًا، ولا تَكونُ هِبةً. وَلَو قالَ: وَهَبتُكَ مَنافِعَ هذه الدَّارِ شَهرًا بكَذا، يَجوزُ، وتَكونُ إجارةً. وَفي انعِقادِها بلَفظِ البَيعِ قولانِ في المَذهبِ الأولِ: لا تَنعقِدُ بلَفظِ البَيعِ؛ لأنَّه وُضِعَ لِتَمليكِ الأعيانِ، والإجارةُ تَمليكُ مَنافِعَ مَعدومةٍ؛ لأنَّ المَنافِعَ مَعدومةٌ، وهي لَيسَتْ بمَحَلٍّ لِلبَيعِ، وتَكونُ إجارةً فاسِدةً، كَما لَو قالَ لِآخَرَ: اشترَيتُ مِنْكَ خِدمةَ عَبدِكَ هذا شَهرًا بكَذا، فهي إجارةٌ فاسِدةٌ.

стр. 5454

والقولُ الآخَرُ: أنَّها تَنعقِدُ بلَفظِ البَيعِ. وَتَنعقِدُ الإجارةُ بالتَّعاطي؛ كالبَيعِ في غيرِ المدَّةِ الطَّويلةِ كالرُّكوبِ في باخِرةِ المُسافِرينَ وزَوارِقِ المَوانئِ، ودَوابِّ الكِراءِ مِنْ دُونِ مُقاوَلةٍ؛ فإنْ كانَتِ الأُجرةُ مَعلومةً أُعطِيتْ، وإلَّا فأُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّ جَوازَ الإجارةِ إنَّما هو بالنَّظَرِ إلى الرِّضا، فلَمَّا كانَ تَعاطي الطَّرفَيْنِ ناشِئًا عن رِضاءِ كُلٍّ مِنهما؛ كانَتْ لَازِمةً لا مَحالةَ. وَذكرَ مُحمَّدٌ ﵀ في إجاراتِ الأصلِ في إجارةِ الثِّيابِ: إذا استَأجَرَ رَجُلٌ مِنْ آخَرَ قُدورًا بغَيرِ أعيانِها، لا يَجوزُ؛ لِلتَّفاوُتِ بينَ القُدورِ مِنْ حَيثُ الصِّغَرِ والكِبرِ، فإنْ جاءَ بقُدورٍ وقَبِلَها المُستَأجِرُ على الكِراءِ الأولِ جازَ، ويَكونُ هذا إجارةً مُبتدَأةً بالتَّعاطي. وَلا تَنعقِدُ الإجارةُ الطَّويلةُ بالتَّعاطي؛ لأنَّ الأُجرةَ غيرُ مَعلومةٍ، قد يَجعَلونَ لكلِّ سَنةٍ دانَقًا، وقَد يَجعَلونَ فُلُوسًا. السُّكوتُ في الإجارةِ يُعَدُّ قَبولًا ورِضاءً، وهو نَوعانِ: الأولُ: سُكوتُ المُؤجِّرِ: كَما لَو استَأجَرَ رَجُلٌ حانوتًا في الشَّهرِ بخَمسينَ قِرشًا، وبَعدَ أنْ سَكَنَ فيه مدَّةَ أشهُرٍ أتَى له المُؤجِّرُ في رَأْسِ الشَّهرِ، وقالَ: إنْ رَضيتَ بسِتِّينَ فاسكُنْ هذا الحانوتَ، وإنْ لَم تَرْضَ فاخرُجْ مِنه، فرَدَّه المُستَأجِرُ قائِلًا: لَم أرْضَ. واستَمَرَّ ساكِنًا، ولَم يُعارِضْهُ المُؤجِّرُ بعدَ ذلك؛ لَزِمَه خَمسونَ قِرشًا، كَما في السَّابِقِ؛ لأنَّ سُكوتَ المُؤجِّرِ وقَد أعلَمَه المُستَأجِرُ بعَدَمِ رِضائِه بالزِّيادةِ، وتَرْكَه إيَّاه يَسكُنُ في الحانوتِ، ممَّا يَدلُّ على رِضائِه بالأُجرةِ السَّابِقةِ.

стр. 5455

الآخَرُ: سُكوتُ المُستَأجِرِ: كَما لَو طَلَب المُؤجِّرُ مِنْ المُستَأجِرِ الزِّيادةَ عَلى الأُجرةِ السَّابِقة، ولَم يَقُلِ المُستَأجِرُ شَيئًا، أيْ لَم يَقُلْ: إنَّني لا أرضَى بالزِّيادةِ، ولَم يَخرُجْ مِنْ الحانوتِ، واستَمَرَّ ساكِنًا إلى ما بعدَ المدَّةِ التي يَتمكَّنُ فيها مِنْ نَقلِ أمتِعَتِه وأشيائِه، يَلزَمُه إعطاءُ ما زِيدَ على البَدَلِ اعتِبارًا مِنْ ذلك الشَّهرِ؛ لأنَّ سُكوتَ المُستَأجِرِ، وقَد كانَ مِنْ الواجِبِ عليه أنْ يَرُدَّ الزِّيادةَ إذا كانَ غيرَ راضٍ بها، دَليلٌ على رِضائِه بها. وَلَو طَلَب المُؤجِّرُ مِنْ المُستَأجِرِ بعدَ مدَّةٍ سِتِّينَ قِرشًا أُجرةً، وقَد كانَتْ مِنْ قَبلُ خَمسينَ، فقالَ له المُستَأجِرُ: إنَّني لَم أسمَعْ طَلَبكَ الزِّيادةَ، حتى أكونَ راضيًا بها؛ فإنْ كانَ المُستَأجِرُ أطرَشَ صُدِّقَ كَلامُه، بحَسَبِ الظَّاهِرِ، وإلَّا فلا. مِثالٌ آخَرُ لِسُكوتِ المُؤجِّرِ: إذا قالَ صاحِبُ الحانوتِ في المِثالِ المَذكورِ لِلمُستَأجِرِ: إذا كُنْتَ تَرضَى بمِئةِ قِرشٍ فيها، وإلَّا فاترُكِ الحانوتَ؛ فقالَ المُستَأجِرُ: إنَّني أرضَى بثَمانينَ قِرشًا، وسَكَتَ المُؤجِّرُ، وبَقيَ المُستَأجِرُ ساكِنًا، يَلزَمُه اعتِبارًا مِنْ ذلك الشَّهرِ ثَمانونَ قِرشًا. أمَّا إذا أصَرَّ الطَّرفانِ على كَلامِهِما في هذا المِثالِ، واستَمَرَّ المُستَأجِرُ ساكِنًا في الحانوتِ، فسُكْناه بدُونِ تَسميةِ أجْرٍ، فعليه أجْرُ المِثْلِ؛ إذْ بانقِضاءِ مدَّةِ الإجارةِ قد انفَسخَ العَقدُ الأولُ، ولَم يُعقَدْ عَقدٌ ثانٍ بإصرارِهِما، فبَقيَ الحانوتُ في يَدِ المُستَأجِرِ بلا عَقدٍ، وهو مُعَدٌّ لِلِاستِغلالِ، فلَزِمَ أجْرُ المِثلِ، وكانَ المُستَأجِرُ كَأنَّه قد سَكَنَ الحانوتَ بنِيَّةِ دَفْعِ الأُجرةِ (١).

стр. 5456

وقالَ المالِكيَّةُ: تَنعقِدُ الإجارةُ بصيغةٍ، كالبَيعِ، فتَنعقِدُ بما يَدلُّ على الرِّضا، وإنْ مُعاطاةً (١). وقيلَ هي: لَفظٌ، أو ما يَقومُ مَقامَه، يَدلُّ على تَمليكِ المَنفَعةِ بعِوَضٍ. اه. والمُعاطاةُ تَدخُلُ في قَولِه: أو ما يَقومُ مَقامَه، وكذا سائِرُ ما يَدلُّ على الرِّضا، ولا يَدخُلُ فيها لَفظُ المُساقاةِ؛ فلا تَنعقِدُ بها؛ لإخراجِ الوَضعِ الشَّرعيِّ عما جُعِلَ له (٢). وقالَ الشافِعيَّةُ: الرُّكنُ الثَّاني: الصِّيغةُ: وهي كالبَيعِ، ويُشترَطُ فيها ما يُشترَطُ في صِيَغِ البَيعِ، إلَّا عَدَمَ التَّأْقِيتِ. نَحوَ قَولِ المُؤجِّرِ: آجَرتُكَ هذا الثَّوبَ مثلًا، أو أكَرَيتُكَ إيَّاه، أو مَلَّكتُكَ مَنافِعَه سَنةً، بكَذا، فيَقولُ المُستَأجِرُ فَورًا: قَبِلتُ، أو استَأجَرتُ، أو اكتَريتُ، أو استَكرَيتُ. وَمِنَ الكِناياتِ هُنا: اسكُنْ داري شَهرًا بكَذا، أو جَعَلتُ لَكَ مَنفعَتَها سَنةً بكَذا. ومِنها الكِتابةُ مع النِّيَّةِ، وإشارةُ الأخرَسِ المُفهِمةُ. وَلا تَنعقِدُ بالمُعاطاةِ على الصَّحيحِ، وقيلَ: تَجوزُ. والأصَحُّ انعِقادُ الإجارةِ بقَولِ المُؤجِّرِ لِدارٍ مثلًا: آجَرتُكَ، أو أكَرَيتُكَ مَنفعَتَها سَنةً مثلًا بكَذا، فيَقبَلُ المُستَأجِرُ؛ فهو كَما لَو قالَ: آجَرتُكَها،

стр. 5457

ويَكونُ ذِكْرُ المَنفَعةِ تَأكيدًا، كَقَولِ البائِعِ: بِعتُكَ عَينَ هذه الدَّارِ ورَقَبَتَها؛ فإنَّ البَيعَ يَصحُّ. والثَّاني: المَنعُ؛ لأنَّ لَفظَ الإجارةِ وُضِعَ مُضافًا لِلعَينِ؛ لأنَّ المَنفَعةَ لا مَنفَعةَ لَها، فكَيفَ يُضافُ العَقدُ إلَيها؟! والأصَحُّ مَنْعُ انعِقادِها بقَولِهِ: بِعتُكَ مَنفعَتَها؛ لأنَّ لَفظَ البَيعِ مَوضوعُ تلك الأعيانِ، فلا يُستَعمَلُ في المَنافِعِ، كَما لا يَنعَقِدُ البَيعُ بلَفظِ الإجارةِ، وكَلَفظِ البَيعِ لَفظُ الشِّراءِ. والثَّاني: يَجوزُ؛ لأنَّها صِنفٌ مِنْ البَيعِ، وهو قولُ ابنِ سُرَيجٍ، وجَزَم به في التَّنبيهِ وصَحَّحَه جَمعٌ مِنْ المُتأخِّرينَ، كالإسنَويِّ، والأذرَعيِّ. فَإنْ قيلَ: قولُهُ: مَلَّكتُكَ مَنفعَتَها، المَشهورُ فيه القَطعُ بالصِّحَّةِ، فما الفَرقُ بَينَه وبَينَ: بِعتُكَ مَنفعَتَها؟ فالجَوابُ أنَّ التَّمليكَ أعَمُّ؛ لأنَّه يُطلَقُ على بَيعِ الأعيانِ، وبَيعِ المَنافِعِ، إطلاقًا واحِدًا، والبَيعُ عندَ الإطلاقِ يَختَصُّ بالأعيانِ. هَذا كلُّه في إجارة العَينِ، أمَّا إجارةُ الذِّمةِ فيَكفي فيها: ألزَمتُ ذِمَّتكَ بكَذا، عن لَفظِ الإجارةِ ونَحوِها، كأسلَمتُ إلَيكَ هذه الدَّراهمَ في خِياطةِ هَذا، أو في دَابَّةٍ صِفَتُها كَذا، أو في حَمْلي على مَكَّةَ، فيَقولُ المُخاطَبُ مُتصلًا: قَبِلتُ، أو التَزَمتُ، أو استَأْجَرتُ، أو اكتَريتُ، أو استَكرَيتُ. وَعُلِمَ مِنْ اشتِراطِ الصِّيغةِ: أنَّه لَو سَكَنَ دارَ رَجُلٍ مدَّةً بإذْنِه، ولَم يَذكُرْ أُجرةً، لَم يكُنْ لِلمالِكِ مُطالَبتُه بها (١).

стр. 5458

وقالَ الحَنابِلةُ: وتَنعقِدُ الإجارةُ بلَفظِ إجارةٍ، وبِلَفظِ كِراءٍ، كَأجَّرتُكَ واكتَريْتُكَ واستَأجَرتُكَ، واكتُريتَ؛ لأنَّ هَذَيْنِ اللَّفظَيْنِ مَوضوعانِ لَها. وَتَنعقِدُ بما يَدلُّ على مَعناهُما، كَأعطَيتُكَ نَفْعَ هذه الدَّارِ، أو مَلَّكتُكَه سَنةً بكَذا؛ لِحُصولِ المَقصودِ به. وكَذا لَو أضافَه إلى العَيْنِ، كَأعطَيتُكَ هذه الدَّارَ سَنةً بكَذا. وَهَل تَنعقِدُ بلَفظِ البَيعِ؟ فيه وَجهانِ: أحَدُهما -وهو الصَّحيحُ-: تَنعقِدُ أيضًا بلَفظِ بَيعٍ أضافَهُ إلى النَّفعِ، نَحوَ قَولِ: بِعتُكَ نَفْعَ داري، أو بِعتُكَ سُكنَى داري بكَذا، ونَحوِ ذلك، أو أطلَقَ؛ لأنَّه بَيعٌ؛ فانعَقدَتْ بلَفظِهِ؛ كالصَّرفِ، والمَنافِعِ، كالأعيانِ؛ لأنَّها يَصحُّ الِاعتياضُ عَنها، وتُضمَنُ باليَدِ والإتلافِ. فَإنْ أُضيفَ إلى العَينِ، كبِعتُكَ داري شَهرًا، لَم يَصحَّ. والثَّاني: لا تَنعقِدُ به؛ لأنَّ فيها مَعنًى خاصًّا؛ فافتَقرَتْ إلى لَفظٍ يَدلُّ على ذلك المَعنَى، ولأنَّ الإجارةَ تُضافُ إلى العَينِ التي يُضافُ إلَيها البَيعُ إضافةً واحِدةً، فاحتِيجَ إلى لَفظٍ يُعَرِّفُ ويُفرِّقُ بَينَهما؛ كالعُقودِ المُتبايِنةِ، ولأنَّه عَقدٌ يُخالِفُ البَيعَ في الحُكمِ والِاسمِ، فأشبَهَ النِّكاحَ. وَتَصحُّ الإجارةُ وتَنعقِدُ بمُعاطاةٍ؛ لأنَّها نَوعٌ مِنْ البَيعِ، وهو مُتجَهٌ (١).

стр. 5459

وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: التَّحقيقُ أنَّ المُتعاقدَيْنِ إنْ عَرفَا المَقصودَ انعَقدَتْ بأيِّ لَفظٍ كانَ مِنْ الألفاظِ التي عَرفَ بها المُتعاقدانِ مَقصودَهما، وهذا عامٌّ في جَميعِ العُقودِ؛ فإنَّ الشَّارِعَ لَم يَحُدَّ حَدًّا لِألفاظِ العُقودِ، بَلْ ذكرَها مُطلَقةً، فكَما تَنعقِدُ العُقودُ بما يَدلُّ عليها مِنْ الألفاظِ الفارِسيةِ والرُّوميَّةِ وغَيرِهما مِنْ الألسُنِ العَجَميَّةِ، فهي تَنعقِدُ بما يَدلُّ عليها مِنْ الألفاظِ العَربيَّةِ (١). وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وهذا قولُ جُمهورِ العُلماءِ، كمالِكٍ، وأبي حَنيفةَ، وهو أحَدُ القوليْنِ في مَذهبِ أحمدَ، قالَ شَيخُنا: بل نُصوصُ أحمدَ لا تَدُلُّ إلا على هذا القَولِ (٢). مَنْ دفعَ إلى غَيرِه شَيئًا لِيَعمَلَه مِنْ غيرِ عَقدٍ ولا شَرطٍ ولا تَعريضٍ بأُجرةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا مِنْ غيرِ عَقدٍ ولا شَرطٍ ولا تَعريضٍ بأجْرٍ، ولَم يَكُنْ مُتبرِّعًا، هَلْ يَستَحقُّ أُجرةً لِما عَمِلَه أو لا؟ فذهبَ المالِكيَّةُ إلى أنَّ كلَّ مَنْ عَمِلَ لِغَيرِه مِنْ مالٍ أو غَيرِه، بأمرِه أو بغَيرِ أمرِه، نَفَذَ ذلك؛ فإنْ كانَ مُتبرِّعًا لَم يَرجِعْ به، أو غيرَ مُتبرِّعٍ، وهو مَنفَعةٌ، فلَه أُجرةُ مِثلِه، أو مالٌ، فلَه أخذُه مِمَّنْ دفعَه عنه، بشَرطِ أنْ يَكونَ المَعمولُ

стр. 5460

له لا بدَّ له مِنْ عَملِ ذلك بالِاستِئجارِ، أو إنفاقِ ذلك المالِ؛ أمَّا إنْ كانَ شَأنُه فِعلَه إيَّاه بغَيرِ استِئجارٍ لِنَفْسِه، أو لِغُلامِه، وتَحصُلُ تلك المَصلَحةُ بغَيرِ مالٍ، فلا غُرمَ عليه، والقولُ قولُ العامِلِ في عَدَمِ التَّبرُّعِ. قالَ القَرافيُّ ﵀: وهذه قاعِدةُ مَذهبِ مالِكٍ، نَصَّ عليها ابنُ أبي زَيدٍ في «النَّوادِرِ»، وصاحِبُ «الجَواهرِ»، في كِتابِ الإجاراتِ، ولا تَختَصُّ هذه القاعِدةُ بما يَجِبُ على المَدفوعِ عَنهُ؛ كالدَّيْنِ، بَلْ يَندَرِجُ فيها غَسلُ الثَّوبِ وخِياطَتُه ورَمْيُ التُّرابِ مِنْ الدَّارِ، ونَحوُ ذلك، على الشُّروطِ المُتقدِّمةِ، ويُجعَلُ مالِكُ لِسانِ الحالِ قائِمًا مَقامَ لِسانِ المَقالِ، فكَأنَّه أذِنَ له في ذلك بلِسانِ مَقالِه، وخالَفَنَا الشافِعيُّ في هذه القاعِدةِ وجعلَ الأصْلَ في فِعلِ الآخرينَ التَّبرُّعَ. وَإذا لَم يَأذَنْ له المَدفوعُ عنه بلِسانِ المَقالِ، لا يَرجِعُ عليه بشَيءٍ (١). وقالَ في «الذَّخيرة»: قاعِدةٌ مَذهَبيَّةٌ: مَنْ أدَّى عن غَيرِه مالًا شَأنُه أنْ يُعطيَه، أو عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا شَأنُه أنْ يُستَأجَرَ عليه، رَجعَ بذلك المالِ وبِأُجرةِ ذلك العَملِ، كانَ دَفْعُ ذلك المالِ واجِبًا عليه؛ كالدَّيْنِ، أو غيرَ واجِبٍ؛ كَخِياطةِ الثَّوبِ، وحَلْقِ الرَّأْسِ، نقلَها صاحِبُ «النَّوادرُ»، وصاحِبُ «الجَواهرِ» في الإجارةِ؛ تَنزيلًا لِلِسانِ الحالِ مَنزِلةَ لِسانِ المَقالِ؛ فإذا كانَ شَأنُكَ مُباشَرةَ ذلك العَملِ بنَفْسِكَ أو بنائِبِكَ، وتَستَأجِرُ عليه، لَم يَرجِعْ عَلَيكَ بأُجرةٍ؛ لأنَّ حالَكَ لَم يَقتَضِ إذْنًا في دَفعِ أُجرةٍ في

стр. 5461

ذلك، والأئِمَّةُ جَعَلوا الدَّافِعَ مُتبرِّعًا، حتى يُوجَدَ إذْنٌ بلِسانِ المَقالِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: وإنْ دفعَ إنسانٌ ثَوبَه إلى قَصَّارٍ أو خيَّاطٍ ونَحوِهِما؛ كَصَبَّاغٍ؛ لِيَعمَلَه -أي: لِيُقصِّرَه، أو يَخِيطَه، أو يَصبُغَه، ونَحوِ ذلك- ولَو لَم تكُنْ لِلقَصَّارِ ونَحوِه عادةٌ بأخْذِ أُجرةٍ، ولَم يَعقِدْ عَقدَ إجارةٍ، صَحَّ، ولَه أُجرةُ مِثلِه؛ حَيثُ كانا مُنتَصبيْنِ لِذلك؛ وإلَّا لَم يَستَحقَّا أجْرًا إلَّا بشَرطٍ، أو عَقدٍ، أو تَعريضٍ بأجْرٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ عُرْفٌ يَقومُ مَقامَ العَقدِ، فهو كَما لَو عَمِلَ بغَيرِ إذْنِ مالِكِه. أو استَعمَلَ إنسانٌ حَمَّالًا ونَحوَه، أو استَعمَلَ شاهِدًا -إنْ جازَ له أخْذُ أُجرةٍ، بأنْ عَجَزَ عن المَشيِ، أو تَأذَّى به؛ فلَه أخْذُ أُجرةِ مَركوبٍ- صَحَّ، ولَه أُجرةُ مِثلِه؛ لأنَّ العُرفَ الجاريَ بذلك يَقومُ مَقامَ القَولِ، كَتَعريضِ الدَّافِعِ بالأُجرةِ، أي: نَحوَ: خُذْه وأنا أعلَمُ أنَّكَ مُتعَيِّشٌ، أو خُذْه وأنا أُرضيكَ، ونَحوِه، ممَّا يَدلُّ على إعطاءِ الأُجرةِ. وَكَذا دُخولُ حَمَّامٍ، ورُكوبُ سَفينةِ مَلَّاحٍ، وحَلْقُ رَأْسِه، وتَغسيلُه، وغَسْلُ ثَوْبِه، وشُرْبُه منه ماءً أو قَهوةً ونَحوَهما، مِنْ المُباحاتِ؛ فلَه أُجرةُ مِثلِه، ولَو لَم يكُنْ له عادةٌ بأخْذِ الأُجرةِ. وَكَذا لَو دفعَ ثَوبًا إلى رَجُلٍ لِيَبيعَه؛ فالحُكمُ فيه كالحُكمِ في القَصَّارِ، والخيَّاطِ، إنْ كانَ مُنتَصبًا يَبيعُ لِلنَّاسِ بأجْرٍ؛ فلَه أجْرُ مِثلِه، نَصَّ عليه أحمَدُ، وإنْ لَم يكُنْ كذلك فلا شَيءَ.

стр. 5462

ومتى دفعَ ثَوبَه إلى أحَدِ هَؤُلاءِ ولَم يُقاطِعْه على أجْرٍ، فلَه أجْرُ المِثلِ؛ لأنَّ الثِّيابَ تَختَلِفُ أُجرَتُها، ولَم يُعَيَّنْ؛ فجَرَى مَجرَى الإجارةِ الفاسِدةِ؛ فإنْ تَلِفَ الثَّوبُ مِنْ حِرزِه، أو بغَيرِ فِعلِه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ ما لا يُضمَنُ في العَقدِ الصَّحيحِ لا يُضمَنُ في فاسِدِه، وإنْ تَلِفَ مِنْ فِعلِه، بتَخريقِه، أو دَقِّه، ضَمِنَه؛ لأنَّه إذا ضَمِنَه بذلك في العَقدِ الصَّحيحِ ففي الفاسِدِ أوْلَى. وقالَ أحمَدُ ﵀ فيمَن دفعَ ثَوبًا إلى قَصَّارٍ لِيُقصِّرَه ولَم يَقطَعْ له أجْرًا، بَلْ قالَ: أنا أُعطيكَ كَما تُعطَى، وهَلَكَ الثَّوبُ؛ فإنْ كانَ بخَرقٍ أو نَحوِه ممَّا لا تَجنيه يَده فلا ضَمانَ عليه، بيَّنَ الكِراءَ أو لَم يُبيِّنْ؛ والعِلَّةُ في ذلك ما ذَكَرْناه. وَإذا استَأجَرَ رَجُلًا لِيَحمِلَ له كِتابًا إلى مَكَّةَ أو غَيرِها إلى صاحِبٍ له فحَمَلَه فوَجَدَ صاحِبَه غائِبًا فرَدَّه، استَحقَّ الأجْرَ بحَمْلِه في الذَّهابِ والرَّدِّ؛ لأنَّه حَمَلَه في الذَّهابِ بإذْنِ صاحِبِه صَريحًا، وفي الرَّدِّ تَضمينًا؛ لأنَّ تَقديرَ كَلامِه: وإنْ لَم تَجِدْ صاحِبَه، فرُدَّه؛ إذ لَيسَ سِوَى رَدِّه إلَّا تَضييعُه؛ فقَد عُلِمَ أنَّه لا يَرضَى تَضييعَه؛ فتَعيَّنَ رَدُّه. وقالَ المَرداويُّ ﵀: قالَ في «الإنصاف»: قولُهُ: وَمَنْ عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا بغَيرِ جُعلٍ: فلا شَيءَ لَه، ولَو كانَ العَملُ تَخليصَ مَتاعِ غَيرِه مِنْ فَلاةٍ، ولَو كانَ هَلاكًا فيهم مُحقَّقًا، أو قَريبًا مِنه، كالبَحرِ، وفَمِ السَّبُعِ، وهو قولُ القاضي في المُجرَّدِ، ولَه احتِمالٌ بذلك في غيرِ المُجرَّدِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ جَماعةٍ مِنْ الأصحابِ.

стр. 5463

والصَّحيحُ مِنْ المَذهبِ المَنصوصِ عن الإمامِ أحمدَ ﵀: أنَّه يَستَحقُّ أُجرةَ مِثلِه في ذلك؛ بخِلافِ اللُّقَطةِ، وعليه الأصحابُ. وَكذلك لَوِ انكَسَرَتِ السَّفينةُ؛ فخَلَّصَ قَومٌ الأموالَ مِنْ البَحرِ، فإنَّه يَجِبُ لَهمُ الأُجرةُ على المُلَّاكِ. ذكرَه في المُغني، والشَّرحِ، وشَرحِ ابنِ رَزينٍ، وغَيرِ ذلك. وَألحَقُ القاضي وابنُ عَقيلٍ والمُصَنِّفُ وجَماعةٌ بذلك: العبدَ إذا خَلَّصَه مِنْ فَلاةٍ مُهلِكةٍ. وقدَّمَه في الفُروعِ، وغَيرِه. ذكرَه في باب إحياءِ المَواتِ. وتَقدَّمَتِ الإشارةُ إلى ذلك هُناكَ. وحَكَى القاضي احتِمالًا في العَبدِ: بعدَ الوُجوبِ، كاللُّقَطةِ. وأورَدَ في المُجرَّدِ على نَصِّ الإمامِ أحمدَ فيمَن خَلَّصَ مِنْ سَبُعٍ شاةً، أو خَروفًا، أو غَيرَهما، أنَّه لِمالِكِه الأولِ. ولا شَيءَ لِلمُخَلِّصِ، وقالَ المَجدُ في مُسوَّدتِه: وعِندي أنَّ كَلامَ الإمامِ أحمدَ على ظاهِرِه في وُجوبِ الأُجرةِ على تَخليصِ المَتاعِ مِنْ المَهالِكِ، دونَ الآدَميِّ؛ لأنَّ الآدَميَّ أهلٌ في الجُملةِ لِحِفظِ نَفْسِه. قالَ في القاعِدةِ الرَّابِعةِ والثَّمانينَ: وفيه نَظَرٌ؛ فقَد يَكونُ صَغيرًا أو عاجِزًا، ويَكونُ تَخليصُه أهَمَّ وأوْلَى مِنْ المَتاعِ، وليسَ في كَلامِ الإمامِ أحمدَ تَفرِقةٌ. انتَهَى (١). وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀ في «المُبدع»: ومَن عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا بغَيرِ جُعلٍ

стр. 5464

فلا شَيءَ له بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُهُ؛ لأنَّه بذلَ مَنفعَتَه مِنْ غيرِ عِوَضٍ؛ فلَم يَستَحقَّه، ولِئَلَّا يَلزَم الإنسانَ ما لَم يَلزَمْه، ولَم تَطِبْ نَفْسُه به، وهذا إذا لَم يكُنْ مَعَدًّا لِأخْذِ الأُجرةِ، فإنْ كانَ مَعَدًّا لَها وأذِنَ لَه، فلَه الأُجرةُ، لَكِنْ نَصَّ أحمَدُ على أنَّ مَنْ خَلَّصَ مَتاعًا لِغَيرِه يَستَحقُّ أجْرَ مِثلِه، بخِلافِ اللُّقَطةِ إلَّا في رَدِّ الآبِقِ؛ فإنَّه يَستَحقُّ الجُعلَ بلا شَرطٍ (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: مَذهَبُ مالِكٍ، وأحمدَ بنِ حَنبَلٍ المَشهورُ عنه، وغَيرِهما: أنَّ كلَّ مَنْ أدَّى عن غَيرِه واجِبًا فلَه أنْ يَرجِعَ به عليه، إذا لَم يكُنْ مُتبرِّعًا بذلك، وإنْ أدَّاه بغَيرِ إذْنِه، مثلَ مَنْ قَضَى دَينَ غَيرِه بغَيرِ إذْنِه، سَواءٌ كانَ قد ضَمِنَه بغَيرِ إذْنِه، وأدَّاه بغَيرِ إذْنِه، أو أدَّاه عنه بلا ضَمانٍ. وَكذلك مَنِ افتكَ أسيرًا مِنْ الأسْرِ بغَيرِ إذْنِه، يَرجِعُ عليه بما افتكَه به، وكذلك مَنْ أدَّى عن غَيرِه نَفَقةً واجِبةً عليه، مثلَ أنْ يُنفِقَ على ابنِه أو زَوجَتِه أو بَهائِمِه، لا سيَّما إذا كانَ لِلمُنفِقِ فيها حَقٌّ، مثلَ أنْ يَكونَ مُرتَهَنًا أو مُستَأجَرًا، أو كانَ مُؤتَمَنًا عليها، مثلَ المُودِعِ، ومِثلَ رَدِّ العَبدِ الآبِقِ، ومِثلَ إنفاقِ أحَدِ الشَّريكَيْنِ على البَهائِمِ المُشترَكةِ. وقَد دَلَّ على هذا الأصلِ قولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، فَأمَرَ بإيتاءِ الأجْرِ بمُجرَّدِ إرضاعِهِنَّ، ولَم يُشترَطْ عَقدُ استِئجارٍ، ولا إذْنُ الأبِ لَها في أنْ تُرضِعَ بالأجْرِ، بَلْ لَمَّا كانَ إرضاعُ الطِّفلِ واجِبًا على أبيه، فإنْ أرضَعَتْه المَرأةُ استَحقَّتِ الأجْرَ بمُجرَّدِ إرضاعِها، ثم قالَ: فهَكَذا

стр. 5465

جَميعُ الواجِباتِ عليه أنْ يُؤدِّيَها إلى مَنْ أدَّى عنه وأحسَنَ إليه بالأداءِ عَنهُ (١). وقالَ الشافِعيَّةُ: ولَو عَمِلَ لِغَيرِه عَملًا بإذْنِه، كَأنْ دفعَ ثَوبًا إلى قَصَّارٍ لِيُقصِّرَه، أو إلى خيَّاطٍ لِيَخِيطَه، أو إلى غسَّالٍ لِيَغسِلَه، أو جَلَسَ بينَ يَدَيْ حَلَّاقٍ لِيَحلِقَ رَأْسَه، أو دَلَّاكٍ لِيَدْلُكَه، ففعلَ ذلك ولَم يَذْكُرْ أحَدُهما أُجرةً، ولا ما يُفهِمُها بحَضرةِ الآخَرِ، فيَسمَعَه ويُجيبَ أو يَسكُتَ، ففيه أربَعةُ أوْجُهٍ: أصَحُّها -وهو المَنصوصُ عليه-: لا أُجرةَ لَه؛ لأنَّه مُتبرِّعٌ؛ لأنَّه لَم يَلتَزِمْ له عِوَضًا؛ فصارَ كَقَولِهِ: أطعِمْني، فأطعَمه، ولأنَّه لَو قالَ: أسْكِنِّي دارَكَ شَهرًا، فأسكَنَه، لَم يَستَحقَّ عليه أُجرةً بالإجماعِ. والثَّاني: له أُجرةُ مِثلِه، وهو قولُ المُزَنيِّ لِاستِهلاكِه مَنفعَتَه. والثَّالث: إنْ بَدَأ المَعمولُ له فقالَ: افعَلْ كَذا، لَزِمَه الأجرَةُ، وإنْ بَدَأ العامِلُ فقالَ: أعطِني ثَوبَكَ لِأُقَصِّرَه؛ فلا أُجرةَ. والرَّابِعُ: إنْ كانَ العامِلُ مَعروفًا بذلك العَملِ، وأخَذَ الأُجرةَ عليه، فلَه الأُجرةُ المُعتادةُ لِمِثلِ ذلك العَملِ، وقالَ الشَّيخُ عِزُّ الدِّينِ: تَجِبُ له الأُجرةُ التي جَرَتْ بها العادةُ، وإنْ زادَتْ على أُجرةِ المِثلِ. وإنْ لَم يكُنْ مَعروفًا بذلك العَملِ فلا أُجرةَ لَه. وقد يُستَحسَنُ تَرجيحُ هذا الوَجهِ لِوُضوحِ مُدرَكِه، ولِدِلالةِ العُرفِ على ذلك، وقيامِه مَقامَ اللَّفظِ، كَما في نَظائِرِه، فيَكونُ فيه أُجرةُ المِثلِ، قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وعَلَى هذا عَملُ النَّاسِ، وقالَ الغَزاليُّ: إنَّه الأظهَرُ، وقالَ الشَّيخُ
следующие страницы →