الشَّرطُ، ولا يَلزَمُ الوَفاءُ به؛ لأنَّه شَرطٌ يُنافي مُقتَضَى العَقدِ؛ إذْ مُقتَضاهُ المِلْكُ، ومَن ملكَ شَيئًا استَوفاه بنَفْسِه وبِنائِبِه. والشَّرطُ يُنافي ذلك، فكانَ باطِلًا ولا يَبطُلُ به العَقدُ؛ لأنَّه لا يُؤثِّرُ في حَقِّ المُؤجِّرِ نَفعًا ولا ضَرًّا؛ فأُلغيَ وبَقيَ العَقدُ على مُقتَضاهُ.
والمَذهَبُ عندَ الشَّافعيَّةِ، وقَولٌ لِلحَنابِلةِ أنَّه لا يَصحُّ، ويَبطُلُ العَقدُ؛ لأنَّه يُنافي مُقتَضاه، أشبَهَ ما لَو شرطَ ألَّا يَستَوفيَ المَنافِعَ.
وَفي قَولٍ لِلشَّافِعيَّةِ، وفي احتِمالٍ لِلحَنابِلةِ: أنَّ الشَّرطَ صَحيحٌ: يَقصِدونَ العَقدَ والشَّرطَ؛ لأنَّ المُستَأجِرَ يَملِكُ المَنافِعَ مِنْ جِهةِ المُؤجِّرِ؛ فلا يَملِكُ ما لَم يَرضَ به، ولأنَّه قد يَكونُ له غَرَضٌ في تَخصيصِه باستيفاءِ هذه المَنفَعةِ.
وقالَ الحَنفيَّةُ: لَو شرطَ المُؤجِّرُ أنْ يَسكُنَ وَحدَه، فلَه أنْ يُسكِنَ غيرَه معه أيضًا؛ لأنَّ كَثرةَ السُّكَّانِ لا تُورِثُ الدَّارَ ضَرَرًا، بَلِ العَكسُ، تَزيدُ في إعمارِها؛ لأنَّ خَرابَ المَساكِنِ بتَركِ سُكَناها، وعليه لَمَّا كانَ التَّقييدُ المَذكورُ غيرَ مُفيدٍ بَطَلَ (١).
المَسألةُ الثَّانيةُ: إذا زادَ المُستَأجِرُ في الضَّررِ عَما عُقِدَ عليه:
ذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ المُؤجِّرَ إذا أطلَقَ، بأنْ أجَّرَ له دارًا أو دُكَّانًا أو أرضًا، وقالَ له المُستَأجِرُ: سَأفعَلُ فيها أو أزرَعُ فيها ما أشاءُ، ووافَقَ المُؤجِّرُ، صَحَّ، ولَه أنْ يَزرَعَ ما شاءَ.
стр. 5532
واتَّفَقوا أيضًا على أنَّه إذا استَأجَرَ أرضًا لِيَزرَعَها شَعيرًا، فلَه أنْ يَزرَعَها شَعيرًا وما دُونَه في الضَّررِ على الأرضِ، وكَذا الدَّارُ، والدُّكَّانُ.
واختَلفوا في المُستَأجِرِ إذا استَأجَرَ أرضًا لِيَزرَعَها شَعيرًا، فزَرَعَها ما هو أكثَرُ ضَرَرًا مِنه، دونَ إذْنِ المُؤجِّرِ، ما الذي يَلزَمُهُ؟
فذهبَ المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ -في قَولٍ- والحَنابِلةُ -في المَذهبِ- إلى أنَّه إنْ فعَلَ فلربِّها أُجرةُ الشَّعيرِ وقِيمةُ الزِّيادةِ بالضَّررِ؛ لأنَّه تَناوَلَ مِنْ المَنفَعةِ زِيادةً على القَدْرِ المَعقودِ عليه، فلَزِمَه بقَدْرِ ما زادَ، أصْلُه إذا اكتَرى دَابَّةً مِنْ بَغدادَ إلى حُلوانَ، فتَقدَّمَ عليها إلى الرَّيِّ، فإنَّ الأُجرةَ مِنْ بَغدادَ إلى حُلوانَ، وتَكونُ أُجرةُ المِثلِ مِنْ الرَّيِّ إلى حُلوانَ.
فَمثلًا: مَنِ استَأجَرَ أرضًا لِزَرعِ حِنطةٍ، فزَرَعَها قُطنًا: كم تُساوي أُجرَتُها مع الحِنطةِ؟ فيُقالُ، مثلًا: عَشَرةٌ. ومَعَ القُطنِ؟ فيُقالُ، مثلًا: خَمسةَ عَشَرَ، فيَأخُذُ رَبُّها مع المُسمَّى خَمسةً؛ لأنَّه لَمَّا عَيَّنَ الحِنطةَ لَم تَتعيَّنْ، فإذا زَرَعَ ما هو أكثَرُ ضَرَرًا فقَدِ استَوفَى المَنفَعةَ وزِيادةً عليها، فكانَ على المُستَأجِرِ المُسمَّى لِلمَنفَعةِ وأُجرةُ المِثلِ؛ لِلتَّفاوُتِ.
وقالَ الشَّافعيَّةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في قَولٍ: له أُجرةُ المِثلِ بجَميعِ المدَّةِ؛ لأنَّه تَعدَّى بالعُدولِ عن المَعقودِ عليه إلى غَيرِه، فلَزِمَه ضَمانُ المِثلِ، كَما لَوِ اكتَرى أرضًا لِلزِّراعةِ فزَرَعَ أرضًا أُخرَى.
وَفي قَولٍ ثالِثٍ لِلشَّافِعيَّةِ أنَّ صاحِبَ الأرضِ بالخِيارِ بينَ أنْ يَأخُذَ المُسمَّى وأُجرةَ المِثلِ لِلزِّيادةِ، وبَينَ أنْ يَأخُذَ أُجرةَ المِثلِ لِلجَميعِ؛ لأنَّه أخَذَ
стр. 5533
شَبَهًا مِمَّنِ استَأجَرَ ظَهرًا إلى مَكانٍ فجاوَزَه، وشَبَهًا مِمَّنِ اكتَرى أرضًا لِلزَّرعِ، فزَرَعَ غَيرَها؛ فخُيِّرَ بينَ الحُكمَيْنِ.
وقالَ الحَنفيَّةُ: لَوِ استَأجَرَ أرضًا لِيَزرَعَها حِنطةً فزَرَعَها رَطْبةً ضَمِنَ ما نَقَصَها؛ لأنَّ الرَّطبةَ مع الزَّرعِ جِنسانِ مُختَلِفانِ؛ إذِ الرَّطبةُ لَيسَت لَها نِهايةٌ مَعلومةٌ، بخِلافِ الزَّرعِ؛ لأنَّ الرِّطابَ أضَرُّ بالأرضِ مِنْ الحِنطةِ؛ لِانتِشارِ عُروقِها فيها، وكَثرةِ الحاجةِ إلى سَقْيِها، فكانَ خِلافًا إلى شَرٍّ، فيَضمَنُ ما نَقَصَها، ولا أجْرَ لَه؛ لأنَّه غاصِبٌ لِلأرضِ، لأنَّ الأجرَ مع الضَّمانِ لا يَجتَمِعانِ.
المَسألةُ الثَّالثةُ: إجارةُ العَينِ المُستَأجَرةِ:
ذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ -في الجُملةِ- والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ -في المَذهبِ- إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُؤجِّرِ أنْ يُؤجِّرَ العَينَ المُستَأجَرةَ إذا قَبَضَها؛ لأنَّ الإجارةَ كالبَيعِ، وبَيعُ المَبيعِ يَجوزُ بعدَ القَبضِ، فكذلك إجارةُ المُستَأجِرِ، ولأنَّ قَبْضَ العَينِ قامَ مَقامَ قَبْضِ المَنافِعِ، بدَليلِ أنَّه يَجوزُ التَصرُّفُ فيها، فجازَ العَقدُ عليها، كَبَيعِ الثَّمرةِ على الشَّجرةِ.
وَذَهَبَ القاضي مِنْ الحَنابِلةِ، وحَكاه رِوايةً في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ إجارةُ العَينِ المُستَأجَرةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ، والمَنافِعُ لَم تَدخُلْ في ضَمانِه، ولأنَّه عَقدٌ على ما لَم يَدخُلْ في ضَمانِه؛ فلَم يَجُزْ، كَبَيعِ المَكيلِ والمَوزونِ قبلَ قَبضِه.
وقالَ المالِكيَّةُ: وحُكمُ الإقدامِ على إجارةِ المُستَأجِرِ لِمَا استَأجَرَه مِنْ
стр. 5534
غيرِ إذْنِ المُؤجِّرِ الجَوازُ، إنْ كانَ دارًا، والمَنعُ إنْ كانَ ثَوبًا، وأمَّا الدَّابَّةُ ففي إجارَتِها لِلغَيرِ خِلافٌ.
ثم اختَلفوا: هَلْ يَجوزُ إجارَتُها قبلَ قَبضِها أو لا؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ:
فذهبَ الحَنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ -في المَذهبِ- والحَنابِلةُ -في قَولٍ- إلى أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُؤجِّرَها قبلَ قَبضِها، سَواءٌ مِنْ المُؤجِّرِ أو مِنْ غَيرِهِ؛ لأنَّ المَنافِعَ مَملوكةٌ بعَقدِ مُعاوَضةٍ، فاعتُبِرَ في جَوازِ العَقدِ عليها القَبضُ؛ كالأعيانِ.
وَذَهَبَ الشَّافعيَّةُ في -قَولٍ- والحَنابِلةُ -في وَجْهٍ- إلى أنَّه يَجوزُ إجارَتُها قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه هو المَنافِعُ، والمَنافِعُ لا تَصيرُ مَقبوضةً بقَبضِ العَينِ؛ فلَم يُؤثِّرْ فيها قَبضُ العَينِ، ولأنَّ قَبضَ العَينِ لا يَنتقِلُ به الضَّمانُ إلَيه، فلَم يَقِفْ جَوازُ التَصرُّفِ عليه.
وَقيلَ: يَجوزُ في العَقارِ عندَ أبي حَنيفَةَ، والصَّحيحُ عندَ الحَنفيَّةِ عَدَمُ الجَوازِ، كَما تَقدَّمَ.
وَذَهَبَ الشَّافعيَّةُ -في قَولٍ ثالِثٍ- والحَنابِلةُ -في وَجْهٍ- إلى أنَّه يَجوزُ إجارَتُها مِنْ المُؤجِّرِ قبلَ قَبضِها؛ لأنَّها في قَبضَتِه، ولا يَتعذَّرُ عليه، بخِلافِ الأجنَبيِّ، ولا يَجوزُ مِنْ غَيرِه؛ لأنَّها لَيسَتْ في قَبضَتِه.
المَسألةُ الرَّابِعةُ: إذا أجَّرَ المُستَأجِرُ الدَّارَ، أوِ الأرضَ مِمَّنْ آجَرَهُ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يَجوزُ لِلمُستَأجِرِ أنْ يُؤجِّرَها لِغَيرِ المُؤجِّرِ بما لا يَزيدُ الضَّررَ في العَينِ المُستَأجَرةِ إلَّا رِوايةً لِلحَنابِلةِ بعَدَمِ الجَوازِ، كَما تَقدَّمَ.
стр. 5535
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا أجَّرَ المُستَأجِرُ الدَّارَ، أوِ الأرضَ مِمَّنْ آجَرَه، هَلْ يَصحُّ أو لا؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ أنْ يُؤجِّرَها مِنْ مالِكِها كَغَيرِه، لأنَّ كلَّ مَملوكٍ جازَ أنْ يُملكَ لِغَيرِ مَنْ ملكَه جازَ أنْ يُملكَ لِمَنْ ملكَه، أصْلُه الأعيانُ، فكلُّ عَقدٍ جازَ مع غيرِ العاقِدِ جازَ مع العاقِدِ، كالبَيعِ، ولأنَّه عَقدٌ على مَنفَعةٍ يَصحُّ أنْ يَملِكَها بِعِوَضٍ، جازَ أنْ يَملِكَها مَنْ يَصحُّ أنْ يَملِكَ مِثلَها، أصْلُه العَقدُ عليها مِنْ الأجنَبيِّ.
وَذَهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ أنْ يُؤجِّرَ المُستَأجِرُ الدَّارَ أوِ الأرضَ مِمَّنْ آجَرَه، سَواءٌ كانَ قبلَ القَبضِ أو بَعدَه؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى تَناقُصِ الأحكامِ؛ لأنَّ التَّسليمَ مُستحَقٌّ على الكِراءِ، فإذا اكتَراها صارَ التَّسليمُ مُستحَقًّا لَه؛ فيَصيرُ مُستَحِقًّا لِمَا يُستحَقُّ عليه، وهذا تَناقُضٌ.
واختَلفَ مَشايِخُ الحَنفيَّةِ هَلْ يَكونُ ذلك نَقضًا لِلعَقدِ الأولِ أو لا؟ والأصَحُّ أنَّ العَقدَ يَنفَسِخُ.
المَسألةُ الخامِسةُ: هَلْ لِلمُؤجِّرِ أنْ يُؤجِّرَ ما استَأجَرَه بأكثَرَ ممَّا استَأجَرَها بهِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يَجوزُ لِلمُؤجِّرِ أنْ يُؤجِّرَ العَينَ بمِثلِ ما أستَأجَرَها به، أو بأقَلَّ، واختَلفوا: هَلْ يَجوزُ له أنْ يُؤجِّرَها بأكثَرَ ممَّا أجَّرَها به أو لا؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُستَأجِرِ أنْ يُؤجِّرَ العَينَ المُستَأجَرةَ بأزيَدَ ممَّا استَأجَرَها به،
стр. 5536
سَواءٌ أصَلَحَ في العَينِ شَيئًا أو بَنَى فيها بِناءً، أو لَم يَفعَل؛ لأنَّه عَقدٌ يَجوزُ برَأْسِ المالِ، فجازَ بزِيادةٍ؛ كَبَيعِ المَبيعِ بعدَ قَبضِه، وكَما لَو أحدَثَ عِمارةً لا يُقابِلُها جُزءٌ مِنْ الأجْرِ.
وَذَهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّه يَجوزُ له أنْ يُؤجِّرَها بأكثَرَ مِنْ الأُجرةِ الأُولَى إذا زادَ في الدَّارِ شَيئًا، كَما لَو حَفَرَ بها بِئرًا، أو طَيَّنَها، أو أصلَحَ أبوابَها، أو شَيئًا مِنْ حِيطانِها؛ فإنْ لَم يَزِدْ فيها شَيئًا جازَتِ الإجارةُ، إلَّا أنَّه إذا كانَتِ الأُجرةُ الثَّانيةُ مِنْ جِنسِ الأُولَى، لَم تَطِبْ له الزِّيادةُ، ويَتَصَدَّقُ بها، وإنْ كانَتْ مِنْ خِلافِ جِنسِها طابَتْ له الزِّيادةُ.
أمَّا جَوازُ الإجارةِ فلا شَكَّ فيهِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ في عَقدٍ لا تُعتَبَرُ فيه المُساواةُ بينَ البَدَلِ والمُبدَلِ، لا تَمنَعُ صِحَّةَ العَقدِ، وهَهُنا كذلك، فيَصحُّ العَقدُ.
وأمَّا التَّصَدُّقُ بالفَضلِ إذا كانَتِ الأُجرةُ الثَّانيةُ مِنْ جِنسِ الأُولَى فلأنَّ الفَضلَ رِبحٌ، ما لَم يَضمَنْ؛ لأنَّ المَنافِعَ لا تَدخُلُ في ضَمانِ المُستَأجِرِ، بدَليلِ أنَّه لَو هَلَكَ المُستَأجِرُ فصارَ بحَيثُ لا يُمكِنُ الِانتِفاعُ به، كانَ الهَلاكُ على المُؤاجِرِ، وكَذا لَو غَصَبَه غاصِبٌ، فكانَتِ الزِّيادةُ رِبْحَ ما لَم يُضمَنْ، ونَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، فإنْ كانَ هُناكَ زِيادةٌ كانَ الرِّبحُ في مُقابَلةِ الزِّيادةِ، فيَخرُجُ مِنْ أنْ يَكونَ رِبحًا.
وَكَذا في إجارةِ الدَّابَّةِ إذا زادَ في الدَّابَّةِ جَوالِقَ، أو لِجامًا، أو ما أشبَهَ ذلك، يَطيبُ له الفَضلُ؛ لِمَا بيَّنَّا، فإنْ عَلَفَها لا يَطيبُ لَهُ؛ لأنَّ الأُجرةَ لا يَصيرُ شَيءٌ مِنها مُقابِلَ العَلَفِ.
وَعَنِ الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ مِثلُ قَولِ الحَنفيَّةِ أنَّه إنْ أحدَثَ فيها عِمارةً،
стр. 5537
جازَتِ الزِّيادةُ، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الزِّيادةَ لا تَكونُ رِبحًا، بَلْ هي في مُقابَلةِ ما أحدَثَه مِنْ العِمارةِ؛ فإنْ فعلَ لَزِمَه أنْ يَتصدَّقَ بالزِّيادةِ، لَكنَّه لَم يُفرِّقْ بينَ ما إذا كانَتِ الأُجرةُ الثَّانيةُ مِنْ جِنسِ الأُولَى، أو مِنْ غيرِ جِنسِها.
وَفي رِوايةٍ ثالِثةٍ عن الإمامِ أحمدَ: يَجوزُ له ذلك بإذْنِ المُؤجِّرِ، ولا يَجوزُ بغَيرِ إذْنِه.
وَفي رِوايةٍ رابِعةٍ عن الإمامِ أحمدَ: لا تَجوزُ إجارَتُها بزِيادةٍ بحالٍ؛ لِئَلَّا يَربَحَ فيما لَم يَضمَنْ (١).
الشَّرطُ الثَّاني: أنْ تَكونَ المَنفَعةُ مُتقَوَّمةً:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يُشترَطُ في
стр. 5538
المَنفَعةِ أنْ تَكونَ لَها قِيمةٌ؛ لِيَحسُنَ بَذْلُ المالِ في مُقابَلَتِها؛ كاستِئجارِ دارٍ لِلسُّكنَى؛ لأنَّها إذا لَم تكُنْ لَها قِيمةٌ، إمَّا لِحُرمَتِها، وإمَّا لِخِسَّتِها، وإمَّا لِقِلَّتِها، يَكونُ بَذْلُ المالِ في مُقابَلَتِها سَفَهًا وتَبذيرًا.
وَضابِطُ ما يَجوزُ استِئجارُه: كلُّ عَينٍ يُنتَفَعُ بها، مع بَقاءِ عَينِها مَنفَعةً مُباحةً مَعلومةً مَقصودةً، تُضمَنُ باليَدِ، وتُباحُ بالإباحةِ.
قالَ الشَّافعيَّةُ: فلا يَصحُّ استِئجارُ بيَّاعٍ على كَلِمةٍ لا تُتعِبُ قائِلَها، وإنْ كانَتْ إيجابًا أو قَبولًا ورُوِّجَتِ السِّلعةُ؛ إذْ لا قِيمةَ لَها.
قالَ في «الإحياء»: ولا يَجوزُ أخْذُ عِوَضٍ على كَلِمةٍ يَقولُها طَبيبٌ بدَواءٍ يَنفَرِدُ به بمَعرِفَتِه؛ إذْ لا مَشَقَّةَ عليه في التَّلَفُّظِ به، بخِلافِ ما لَو عَرفَ الصَّيقَلُ الماهِرُ إزالةَ إعوجاجِ السَّيفِ والمِرآةِ بضَربةٍ واحِدةٍ فإنَّ له أخْذَ العِوَضِ وإنْ كَثُرَ؛ لأنَّ هذه صِناعاتٌ يَتعَبُ في تَعليمِها لِيَتكَسَّبَ بها، ويُخفِّفَ عن نَفْسِه التَّعَبَ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وأفتَى القَفَّالُ بأنَّه لا يَصحُّ استِئجارٌ لَه، وهذا هو الظَّاهِرُ؛ وإنْ قالَ الأذرَعيُّ: المُختارُ ما قالَه الغَزاليُّ.
وَهُنا عِدَّةُ مَسائِلَ، اختُلِفَ فيها على النَّحوِ التَّالي:
المَسألةُ الأُولَى: استِئجارُ دَراهِمَ ودَنانِيرَ لِلتَّزَيُّنِ:
ذَهَبَ المالِكيَّةُ في المَذهبِ، والشَّافعيَّةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ استِئجارُ دَراهِمَ ودَنانِيرَ لِلتَّزيينِ لِلحَوانيتِ ونَحوِها؛ لأنَّ مَنفَعةَ التَّزيينِ بالنَّقدِ غيرُ مُتقَوَّمةٍ، فلا تُقابَلُ بمالٍ، بخِلافِ إعارَتِها لِلزِّينةِ.
стр. 5539
وَمَنَعَ الحَنفيَّةُ استِئجارَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ مُطلَقًا، قالوا: ولا تَجوزُ إجارةُ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ، ولا تِبْرِهِما، وكَذا تِبْرُ النُّحاسِ والرَّصاصِ (١).
وَذَهَبَ الحَنابِلةُ وبَعضُ المالِكيَّةِ إلى جَوازِ استِئجارِ النُّقودِ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ لِلتحَلِّي والوَزنِ مدَّةً مَعلومةً؛ لأنَّ نَفْعَها مُباحٌ يُستَوفَى مع بَقاءِ العَينِ، كالحُلِيِّ.
قالَ القَرافيُّ ﵀: ومَنَعَ ابنُ القاسِمِ استِئجارَ الدَّراهِمِ والدَّنانِيرِ لِتَزيينِ الحَوانيتِ، وكلِّ ما لا يَرِفُّ خَشيةَ السَّلفِ بزِيادةِ الأُجرةِ، وأجازَ ذلك القاضي أبو بَكرٍ وغَيرُه، إذا كانَ رَبُّها حاضِرًا مَعَها، وجَوَّزَه الأئِمَّةُ مُطلَقًا؛ إلَّا الشَّافِعيَّ، مَنَعَه لِعَدَمِ التَّقويمِ، ومَنَعَ الطَّعام لِلزِّينةِ، والتُّفَّاحةَ لِلشَّمِّ، بخِلافِ التُّفَّاحِ الكِبارِ ومَنَعَ الأشجارَ لِلتَّجفيفِ، كلُّ ذلك لِعَدَمِ التَّقويمِ (٢).
المَسألةُ الثَّانيةُ: استِئجارُ الكَلبِ والطَّيرِ لِلصَّيدِ ولِلحِراسةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في استِئجارِ الكَلبِ لِلصَّيدِ ونَحوِهِ؛ كَحِراسةِ ماشيةٍ أو زَرعٍ أو دَربٍ.
فذهبَ الحَنفيَّةُ -في المَذهبِ- والشَّافعيَّةُ -في الأصَحِّ- والحَنابِلةُ -في المَذهبِ- إلى أنَّه لا يَجوزُ استِئجارُه في كُلٍّ مِنْ ذلك، لأنَّ الكَلبَ لا قيمةً لِعَينِه، فكَذا لِمَنفعَتِه، ولأنَّ المَنفَعةَ المَطلوبةَ منه غيرُ مَقدورةِ الِاستِيفاءِ؛ إذْ لا يُمكِنُ إجبارُ الكَلبِ على الصَّيدِ؛ فلَم تَكُنِ المَنفَعةُ التي هي مَعقودٌ عليها مَقدورةَ الِاستِيفاءِ في حَقِّ المُستَأجِرِ، فلَم تَجُزْ.
стр. 5540
وَذَهَبَ الحَنفيَّةُ في قَولٍ، والشَّافعيَّةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ عِندَهم، وهو تَخريجٌ لِلحَنابِلةِ إلى أنَّه يَجوزُ استِئجارُ الكَلبِ؛ كالفَهدِ والبازِي والشَّبَكةِ لِلِاصطيادِ، ولأنَّ فيه نَفعًا مُباحًا تَجوزُ له إجارَتُه فجازَتْ إجارَتُه لَه، كَغَيرِه.
وَيَصحُّ استِئجارُ طائِرٍ لِلصَّيدِ عندَ الشَّافعيَّةِ والحَنابِلةِ، كَصَقرٍ وبازٍ، وكَذا فَهدٌ، مدَّةً مَعلومةً؛ لأنَّه نَفعٌ مُباحٌ مُتقَوَّمٌ.
وقالَ الحَنفيَّةُ: استِئجارُ البازِي المُعَلَّمِ لِلِاصطيادِ لا يَجوزُ؛ لأنَّ المَنفَعةَ المَطلوبةَ منه غيرُ مَقدورةِ الِاستِيفاءِ؛ إذْ لا يُمكِنُ إجبارُ البازِي على الصَّيدِ، فلَم تَكُنِ المَنفَعةُ التي هي مَعقودٌ عليها مَقدورةَ الِاستِيفاءِ في حَقِّ المُستَأجِرِ، فلَم تَجُزْ.
واختَلفوا في استِئجارِ الهِرَّةِ لِصَيدِ الفَأرِ، فأجازَه الشَّافعيَّةُ، وقالَ الحَنفيَّةُ: لا يَصحُّ استِئجارُ الهِرَّةِ لِدَفْعِ الفَأرِ؛ لأنَّه لَيسَ مِنْ إجاراتِ النَّاسِ، ولأنَّه يَصيدُ بفِعلِه؛ لأنَّ المُستَأجِرَ يُرسِلُ الكَلبَ والبازِيَ فيَذهَبانِ بإرسالِه فيَصيدانِ، وصَيدُ السِّنَّورِ بفِعلِه.
المَسألةُ الثَّالثةُ: استِئجارُ التُّفَّاحِ والرَّياحِينِ لِلشَّمِّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إجارةِ التُّفَّاحِ والرَّياحِينِ لِلشَّمِّ، هَلْ يَجوزُ أو لا؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى عَدَمِ جَوازِ إجارةِ الشَّيءِ؛ كالتُّفَّاحِ مثلًا لِشَمِّه، وكَذا الرَّياحِينُ؛ لأنَّ الرَّائِحةَ عندَ الحَنفيَّةِ مَنفَعةٌ غيرُ مَقصودةٍ. وقالَ المالِكيَّةُ: لأنَّها لا قِيمةَ لَها شَرعًا.
وقالَ الشَّافعيَّةُ: لا يَصحُّ استِئجارُ تُفَّاحةٍ لِلشَّمِّ؛ لأنَّها تافِهةٌ، لا تُقصَدُ
стр. 5541
لَه؛ فهي كَحَبَّةِ بُرٍّ في البَيعِ؛ فإنْ كَثُرَ التُّفَّاحُ صَحَّتِ الإجارةُ؛ لأنَّ منه ما هو أطيَبُ مِنْ كَثيرٍ مِنْ الرَّياحِينِ.
وَفَرَّقَ الحَنابِلةُ بينَ ما تُتلَفُ عَينُه وما لا تُتلَفُ، فقالوا: يَجوزُ استِئجارُ ما يَبقَى مِنْ الطِّيبِ والصَّندَلِ وقِطَعِ الكَافُورِ والنَّدِّ لِيَشُمَّها المَرضَى وغَيرُهم مدَّةً ثم يَرُدَّها؛ لأنَّها مَنفَعةٌ مُباحةٌ، فأشبَهَتِ الوَزنَ والتحَلِّيَ.
وَلا يَصحُّ استِئجارُ ما لا يَبقَى مِنْ الرَّياحِينِ؛ كالوَردِ والبَنَفسَجِ والرَّيحانِ الفارِسيِّ وأشباهِهِ؛ لِشَمِّها؛ لأنَّها تَتلَفُ عن قُربٍ، فأشبَهَتِ المَطعوماتِ.
المَسألةُ الرَّابِعةُ: استِئجارُ الشَّجرِ لِتَجفيفِ الثِّيابِ والاستِظلالِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ استِئجارِ الشَّجرِ؛ لِتَجفيفِ الثِّيابِ عليه، والِاستِظلالِ به، هَلْ يَجوزُ أو لا؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ وابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيَّةِ والشَّافعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ استِئجارُ الأشجارِ لِتَجفيفِ الثِّيابِ والِاستِظلالِ؛ لأنَّ هذه مَنفَعةٌ غيرُ مَقصودةٍ مِنْ الشَّجرِ؛ فكانَ بَذْلُ العِوَضِ فيه مِنْ السَّفَهِ وأخْذِ العِوَضِ عنه مِنْ أكْلِ المالِ بالباطِلِ، ولأنَّه لا يُضمَنُ مَنفعَتُها بالغَصبِ، فلَم يُضمَنْ بالعَقدِ.
وَذَهَبَ المالِكيَّةُ في المَذهبِ، والشَّافعيَّةُ في الأصَحِّ، والحَنابِلةُ إلى صِحَّةِ استِئجارِ الأشجارِ لِتَجفيفِ الثِّيابِ، نَظَرًا إلى أنَّ الِانتِفاعَ بها على هذا الوَجهِ ممَّا يَتأثَّرُ الشَّجرُ به، وتَنقُصُ مَنفَعةٌ كَثيرةٌ مِنه، فهي مَنفَعةٌ تُقوَّمُ.
стр. 5542
وَلأنَّها لَو كانَتْ مَقطوعةً لَجازَ استِئجارُها لِذلك؛ فكذلك إذا كانَتْ ثابِتةً، وذلك لأنَّ الِانتِفاعَ يَحصُلُ بهِما على السَّواءِ في الحالَتَيْنِ، فما جازَ في إحداهُما يَجوزُ في الأُخرَى، ولأنَّها شَجرةٌ، فجازَ استِئجارُها لِذلك كالمَقطوعةِ، ولأنَّها مَنفَعةٌ مَقصودةٌ يُمكِنُ استيفاؤُها مع بَقاءِ العَينِ، فجازَ العَقدُ عليها، كَما لَو كانَتْ مَقطوعةً، ولأنَّها عَينٌ يُمكِنُ استيفاءُ هذه المَنفَعةِ مِنها، فجازَ استِئجارُها لَها، كالحِبالِ والخَشَبِ والشَّجرِ المَقطوعِ.
و المَسألةُ الخامِسةُ: استِئجارُ المُصحَفِ والكُتُبِ لِلنَّظَرِ فيها والقِراءةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إجارةِ المُصحَفِ والكُتُبِ لِلقِراءةِ، هَلْ تَجوزُ أو لا تَجوزُ؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ وابنُ حَبيبٍ مِنْ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ استِئجارُ المُصحَفِ، قالَ الحَنفيَّةُ: لأنَّ مَنفَعةَ المُصحَفِ النَّظَرُ فيه، والقِراءةُ مِنه، والنَّظَرُ في مُصحَفِ الآخرينَ، والقِراءةُ منه مُباحةٌ، والإجارةُ بَيعُ المَنفَعةِ، والمُباحُ لا يَكونُ مَحَلًّا لِلبَيعِ؛ كالأعيانِ المُباحةِ مِنْ الحَطَبِ والحَشيشِ.
وَكَذا استِئجارُ كُتُبٍ لِيَقرَأَ فيها شِعرًا أو فِقهًا؛ لأنَّ مَنافِعَ الدَّفاتِرِ النَّظَرُ فيها، والنَّظَرُ في دَفتَرِ الآخَرينَ مُباحٌ مِنْ غيرِ أجْرٍ، فصارَ كَما لَوِ استَأجَرَ ظِلَّ حائِطٍ في خارِجِ دارِه؛ لِيَقعُدَ فيه.
وَلَوِ استَأجَرَ شَيئًا مِنْ الكُتُبِ لِيَقرَأَ، فقَرَأَ، لا أجْرَ عليه؛ لِانعِدامِ عَقدِ المُعاوَضةِ.
стр. 5543
وَعِلَّةُ ذلك عندَ الحَنابِلةِ إجلالُ كَلامِ اللَّهِ وكِتابِه عن المُعاوَضةِ به، وابتِذالِه بالثَّمنِ في البَيعِ والأجْرِ في الإجارةِ.
وَعِلَّةُ ذلك عندَ ابنِ حَبيبٍ أنَّ القِراءةَ والنَّظَرَ فيها فِعلُه، فلا يُعطَى على فِعلِ نَفْسِه أجْرًا، والثَّمنُ في البَيعِ لِلوَرِقِ والخَطِّ، وفي الإجارةِ لِنَفْسِ القُرآنِ، وهو لَيسَ مُتقَوَّمًا.
وَذَهَبَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ، والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ استِئجارُ المُصحَفِ لِمَنْ يَقرَأُ فيهِ؛ لأنَّه لَمَّا جازَ بَيعُه جازَتْ إجارَتُه، ولأنَّه انتِفاعٌ مُباحٌ تَجوزُ الإعارةُ مِنْ أجْلِه؛ فجازَتْ فيه الإجارةُ كَسائِرِ الكُتُبِ.
لَكنَّه لَيسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، وأفعالِ أهلِ الدِّينِ، كَما قالَ المالِكيَّةُ.
فَأمَّا سائِرُ الكُتُبِ الجائِزِ بَيعُها فتَجوزُ إجارَتُها عندَ المالِكيَّةِ، والشَّافعيَّةِ، والحَنابِلةِ؛ لأنَّه انتِفاعٌ مُباحٌ يُحتاجُ إلَيه، وتَجوزُ الإعارةُ لَه؛ فجازَتْ إجارَتُه، كَسائِرِ المَنافِعِ، ولأنَّه يَحتاجُ إلى القِراءةِ في الكُتُبِ، والتحَفُّظِ مِنها، والنَّسخِ، والسَّماعِ مِنها، والرِّوايةِ، وغَيرِ ذلك مِنْ الِانتِفاعِ المَقصودِ المُحتاجِ إلَيه.
وَلا يَجوزُ إجارةُ سائِرِ الكُتُبِ لِلقِراءةِ عندَ الحَنفيَّةِ، كَما تَقدَّمَ (١).
стр. 5544
الشَّرطُ الثَّالث: أنْ تَكونَ المَنفَعةُ مَقدورًا على تَسليمِها لِلمُستَأجِرِ:
اتِّفاقُ الفُقهاءِ على أنَّه يُشترَطُ في المَنفَعةِ المَعقودِ عليها أنْ تَكونَ مَقدورًا على تَسليمِها لِلمُستَأجِرِ حِسًّا وشَرعًا:
حِسًّا: فلا تَجوزُ إجارةُ آبِقٍ، أو بَعيرٍ شارِدٍ؛ لأنَّه لا يُقدَرُ على استِيفاءِ مَنفعَتِه حَقيقةً؛ لِكَونِه مَعجوزَ التَّسليمِ حَقيقةً، ولِهَذا لَم يَجُزْ بَيعُه، ولا إجارةُ مَغصوبٍ مِمَّنْ لا يَقدِرُ على أخْذِه، كَما لا يَصحُّ بَيعُه، وكَذا الأعمَى لِلخَطِّ، ولِحِفظِ ما يَحتاجُ إلى النَّظَرِ؛ لِاستِحالةِ ذلك مِنه، وكَذا الأخرَسُ لِلتَّعليمِ والكَلامِ.
وَشَمِلَتِ القُدرةُ على التَّسليمِ مِلْكَ الأصْلِ ومِلْكَ المَنفَعةِ؛ لِيَدخُلَ المُستَأجِرُ؛ لأنَّه مِلْكُ المَنفَعةِ.
وَشَرعًا: فالِامتِناعُ الشَّرعيُّ؛ كالحِسِّيِّ؛ فلا تَجوزُ الإجارةُ على إخراجِ الجانِّ والدُّعاءِ وحَلِّ المَربوطِ، ونَحوِ ذلك؛ لِعَدَمِ تحَقُّقِ المَنفَعةِ، ولا على تَعليمِ الغِناءِ، ولا يَجُوزُ دُخولُ الحائِضِ المَسجِدَ لِلخِدمةِ، سَواءٌ أمِنَتِ التَّلويثَ أو لا؛ لِمَنعِها مِنْ العُبورِ؛ لِاقتِضاءِ الخِدمةِ المُكثَ، وفي مَنعِ الحائِضِ مَنعُ
стр. 5545
النُّفَساءِ، وكَذا الِاستِئجارُ على قَطعِ عُضوٍ سَليمٍ مُحتَرمٍ، كَقَلْعِ سِنٍّ صَحيحةٍ (١).
وهنا بَعضُ المَسائِلِ المُتعلِّقةِ بهذا على هذا التَّرتيبِ:
المَسألةُ الأُولى: إجارةُ المَرأةِ نَفْسَها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يَجوزُ استِئجارُ المَرأةِ بإذْنِ زَوجِها، وليسَ له مَنْعُها بعدَ ذلك ممَّا اقتَضاه عَقدُ الإجارةِ.
ثم اختَلفوا: هَلْ يَجوزُ لَها أنْ تُؤَجِّرَ نَفْسَها إجارةَ عَيْنٍ، كَرَضاعٍ وخِدمةٍ -وَوَظيفةٍ في الدَّولةِ مثلًا- بغَيرِ إذْنِ زَوجِها، أو لا يَجوزُ؟
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ -في الأصَحِّ- والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمَرأةِ أنْ تُؤَجِّرَ نَفْسَها بغَيرِ إذْنِ زَوجِها لِلرَّضاعةِ، وكَذا لِلخِدمةِ، كَما نَصَّ على ذلك الشَّافعيَّةُ، والحَنابِلةُ، وإنْ كانَتْ نُصوصُ الحَنفيَّةِ، والمالِكيَّةِ مُختصَةً بالرَّضاعةِ فقَطْ، ولَم أعثُرْ على قَولٍ لَهُما في الخِدمةِ أوِ الإجارةِ عُمومًا.
وَهَذِه نُصوصُ أقوالِهِم:
стр. 5546
قالَ الشَّافعيَّةُ في الأصَحِّ: لا يَجوزُ استِئجارُ المَرأةِ المُتزَوِّجةِ لِرَضاعٍ أو غَيرِه ممَّا يُؤدِّي إلى خَلوةٍ مُحرَّمةٍ بغَيرِ إذْنِ الزَّوجِ؛ لأنَّ أوقاتَها مُستَغرَقةٌ بحَقِّه، فلا تَقدِرُ على تَوفيةِ ما التَزَمتْه. فإنْ أجَّرتْ نَفْسَها فلَه الخيارُ في فَسخِ الإجارةِ عليها.
وَفي مُقابِلِ الأصَحِّ عندَ الشَّافعيَّةِ: يَجوزُ؛ لأنَّ مَحَلَّه غيرُ مَحَلِّ النِّكاحِ؛ إذْ لا حَقَّ لِلزَّوجِ في خِدمَتِها، ولا في لَبنِها، وعَلَى هذا لِلزَّوجِ فَسخُه؛ حِفظًا لِحَقِّه.
وَقيلَ: إنَّه لَو كانَ غائِبًا غَيبةً بَعيدةً، أو صَغيرًا، فأجَّرَتْ نَفْسَها لِعَملٍ تَعمَلُه في مَنزِلِه يَنقَضي قبلَ قُدومِه، أو تَأهُّلِه لِلتَّمَتُّعِ، جازَ، ولَو حَضَرَ في أثناءِ المدَّةِ انفَسخَتْ فيما بَقيَ.
واعتِراضُ الغَزِّيِّ -بأنَّ مَنافِعَها مُستَحقَّةٌ له بعَقدِ النِّكاحِ- مَمنوعٌ؛ لأنَّ الزَّوجَ لَم يَستَحقَّ المَنافِعَ، وإنَّما استَحقَّ أنْ يَنتفِعَ، وهو مُتعَذِّرٌ.
وَفي وَجْهٍ: لا اعتِراضَ لِلزَّوجِ عليها.
وَلَو أجَّرَتْ نَفْسَها ولا زَوجَ لَها، ثم نُكِحَتْ في المدَّةِ، فالإجارةُ بحالِها، وليسَ لِلزَّوجِ مَنْعُها مِنْ تَوفِيةِ ما التَزَمتْه؛ لأنَّ مَنافِعَها مُلِّكَتْ بعَقدٍ سابِقٍ على نِكاحِه، كَما لَو أجَّرَتْ نَفْسَها بإذْنِه، لَكِنْ يَستَمتِعُ بها في أوقاتِ فَراغِها، وهذا إذا كانَ عالِمًا بها فلا خيارَ لَه.
стр. 5547
وإنْ لَم يكُنْ عالِمًا بالإجارةِ فلَه الخيارُ بينَ قيامِه على النِّكاحِ وبَينَ فَسخِهِ؛ لأنَّ تَفويتَ الِاستِمتاعِ في النَّهارِ عَيبٌ؛ فاستَحقَّ به الفَسخَ؛ فلَو مَكَّنَ المُستَأجِرَ مِنْ الِاستِمتاعِ بها في النَّهارِ لَم يَسقُطْ حَقُّه مِنْ الخيارِ؛ لأنَّ المُستَأجِرَ مُتطوِّعٌ بالتَّمكينِ، فلَم يَسقُطْ بتَطوُّعِه خِيارٌ مُستحَقٌّ.
وَهَذا في إجارةِ العَيْنِ، فإنِ التَزَمتْ عَملًا في الذِّمةِ صَحَّ، وإنْ لَم يَأذَنِ الزَّوجُ، ثم إنْ وَجَدَتْ فُرصةً وعَمِلَتِ استَحقَّتِ الأُجرةَ.
وَيَجوزُ لِلزَّوجِ استِئجارُ زَوْجَتِه لكلِّ عَملٍ، ويَجوزُ لِلمَرأةِ استِئجارُ زَوجِها، ولَها مَنعُه مِنْ الِاستِمتاعِ بها وَقتَ العَملِ، لَكِنْ تَسقُطُ نَفَقَتُها (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ إجارةُ الزَّوجةِ نَفْسِها لِرَضاعٍ وخِدمةٍ وصَنعةٍ بعدَ نِكاحٍ، إلَّا بإذْنِ زَوجِها؛ لأنَّه عَقدٌ يَفوتُ به حَقُّ مَنْ ثبَتَ له الحَقُّ بعَقدٍ سابِقٍ؛ فلَم يَصحَّ؛ كَإجارةِ المُؤجَّرِ.
فَأمَّا مع إذْنِ الزَّوجِ فإنَّ الإجارةَ تَصحُّ ويَلزَمُ العَقدُ؛ لأنَّ الحَقَّ لَهُما لا يَخرُجُ عَنهُما.
وَلَو أجَّرَتْ نَفْسَها لِعَملٍ في ذِمَّتِها صَحَّ العَقدُ؛ لأنَّ ذِمَّتَها قابِلةٌ لِذلك؛ فإنْ عَمِلَتِ العَملَ الذي استُؤجِرَتْ له بنَفْسِها، أو عَمِلَه مَنْ أقامَتْه مَقامَها استَحقَّتِ الأُجرةَ؛ لأنَّها وَفَّتْ بالعَملِ.
стр. 5548
فَإنْ أجَّرَتْ نَفْسَها أو أجَّرَها وَلِيُّها لِصِغَرِها مثلًا، ثم تَزوَّجَتْ، صَحَّ عَقدُ الإجارةِ، ولَم يَملِكِ الزَّوجُ فَسخَ الإجارةِ، ولا يَمنَعُها مِنْ الرَّضاعةِ حتى تَنقَضيَ المدَّةُ؛ لأنَّ مَنافِعَها مُلِّكَتْ بعَقدٍ سابِقٍ على نِكاحِه، أشبَهَ ما لَوِ اشترَى أَمَةً مُستَأجَرةً، أو دارًا مُستَعارةً بما يَطولُ نَقلُه مِنها.
فَإذا نامَ الصَّبيُّ الذي استُؤجِرَتْ لِرَضاعِه أو شُغِلَ، فلِلزَّوجِ الِاستِمتاعُ بها؛ لِزَوالِ المُعارِضِ لِحَقِّه، وليسَ لِوَليِّ الصَّبيِّ مَنعُ الزَّوجِ مِنْ الِاستِمتاعِ بها، ولِلزَّوجِ الِاستِمتاعُ بزَوجَتِه المُؤجَّرةِ لِرَضاعٍ، ولَو أضَرَّ اللَّبنَ؛ لأنَّ وَطءَ الزَّوجِ مُستحَقٌّ بعَقدِ التَّزويجِ؛ فلا يَسقُطُ بأمْرٍ مَشكوكٍ فيه، كَما لَو أذِنَ فيه الوَلِيُّ.
وَلا يَملِكُ الزَّوجُ فَسخَ النِّكاحِ مع جَهلِه بكَونِها مُؤجَّرةً.
وَلا يُقبَلُ قولُ مَنْ تَزوَّجَتْ، ثم ادَّعَتْ أنَّها أجَّرَتْ نَفْسَها قبلَ عَقدِ النِّكاحِ في حَقِّ الزَّوجِ بلا بيِّنةٍ؛ لأنَّها مُتهَمةٌ، والأصْلُ عَدَمُ ما تَدَّعيه، وكَذا لا يُقبَلُ قولُها بلا بيِّنةٍ، بعدَ أنْ أجَّرتْ نَفْسَها في بُطلانِ الإجارةِ (١).
وقالَ الحَنفيَّةُ: يَصحُّ استِئجارُ الظِّئرِ بأُجرةٍ مَعلومةٍ؛ لِقَولِه تَعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، وعليه إجماعُ الأُمَّةِ، وقد جَرَى التَّعامُلُ به في الأعصارِ مِنْ غيرِ نَكيرٍ.
стр. 5549
وَيَصحُّ بطَعامِها وكِسوَتِها عندَ أبي حَنيفَةَ، وقالَ أبو يُوسفَ، ومُحمَّدٌ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الأُجرةَ مَجهولةٌ، فصارَ كَما إذا استَأجَرَها بهِما لِلطَّبخِ والخَبْزِ.
وَلِأبي حَنيفَةَ أنَّ الجَهالةَ هُنا لا تُفضي إلى المُنازَعةِ؛ لأنَّ العادةَ جَرَتْ بالتَّوسِعةِ على الأظآرِ شَفَقةً على الأولادِ، وألَّا يُشاحِحَها، بَلْ أنْ يُعطيَها ما طَلَبتْ، ويُوافِقُها على مُرادِها، والجَهالةُ إذا لَم تُفْضِ إلى المُنازَعةِ لا تَمنَعُ الصِّحَّةَ؛ كَبَيعِ قَفيزٍ مِنْ صُبرةِ طَعامٍ بخِلافِ الطَّبخِ والخَبْزِ، وغَيرِ ذلك؛ لأنَّ الجَهالةَ فيها تُفضي إلى المُنازَعةِ؛ لِجَرَيانِ المُماكَسةِ والمُضايَقةِ فيها.
وَلا يُمنَعُ الزَّوجُ مِنْ وَطئِها؛ لأنَّه حَقُّه، فلا يَتمكَّنُ المُستَأجِرُ مِنْ إبطالِه، لأنَّ حَقَّه ثابِتٌ بالنِّكاحِ قبلَ الإجارةِ، وهو قائِمٌ بَعدَها، ولَكِنْ لِلمُستَأجِرِ مَنْعُ زَوجِها مِنْ دُخولِ بَيتِه؛ لأنَّ المَنزِلَ لَه.
وَيَجوزُ لِلزَّوجِ أنْ يَفسَخَ الإجارةَ إذا لَم يكُنْ يَعلَمُ بها، سَواءٌ كانَ يَشينُه إجارَتُها، بأنْ كانَ وَجيهًا بينَ النَّاسِ، أو لَم يَشِنْه في الأصَحِّ، لِمَا أنَّ له أنْ يَمنَعَها مِنْ الخُروجِ، وأنْ يَمنَعَ الصَّبيَّ الدُّخولَ عليها، ولأنَّ الإرضاعَ والسَّهَرَ باللَّيلِ يُضعِفُها ويُذهِبُ جَمالَها، فكانَ له المَنعُ مِنه، كَما يَمنَعُها مِنْ الصِّيامِ تَطوُّعًا.
لَكِنْ إذا ثبَتَتِ الزَّوجيَّةُ بإقرارِهِما، لَيسَ له أنْ يَفسَخَ الإجارةَ؛ لأنَّهما لا يُصَدَّقانِ في حَقِّ المُستَأجِرِ.
وإنْ مَرِضَتْ أو حَبِلَتْ فُسِخَتِ الإجارةُ؛ لأنَّ لَبنَ الحُبلَى والمَريضةِ
стр. 5550
يَضُرُّ بالصَّغيرِ، وهي يَضُرُّها أيضًا الرَّضاعُ، فكانَ لَها ولَهمُ الخيارُ؛ دَفعًا لِلضَّررِ عَنها وعَنِ الصَّبيِّ، وهذا لأنَّ هذه إجارةٌ، والإجارةُ تُفسَخُ بالأعذارِ.
وَلَوِ استَأجَرَ امرَأتَه لِتَخدُمَه كلَّ شَهرٍ بأجْرٍ مُسمًّى لَم يَجُزْ؛ لأنَّ خِدمةَ البَيتِ عليها فيما بَينَها وبَينَ اللَّهِ تَعالى؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قَسَّمَ الأعمالَ بينَ علِيٍّ وفاطِمةَ ﵄ فجعلَ ما كانَ في داخِلِ البَيتِ على فاطِمةَ ﵂، وما كانَ في خارِجِ البَيتِ على علِيٍّ ﵁، فكانَ هذا استِئجارًا على عَملٍ واجِبٍ، فلَم يَجُزْ، ولأنَّها تَنتَفِعُ بخِدمةِ البَيتِ والاستِئجارِ على عَملٍ يَنتفِعُ به الأجيرُ غيرِ جائِزٍ.
وَلا يَجوزُ استِئجارُ الزَّوجةِ على رَضاعِ وَلَدِه مِنها؛ لأنَّ ذلك استِئجارٌ على خِدمةِ الوَلَدِ؛ وإنَّما اللَّبنُ يَدخُلُ فيه تَبَعًا، فكانَ الِاستِئجارُ على أمْرٍ عليها فيما بَينَها وبَينَ اللَّهِ تَعالى، ولأنَّ الزَّوجةَ مُستَحِقَّةٌ لِلنَّفَقةِ على زَوجِها، ولأنَّ أُجرةَ الرَّضاعِ تَجرِي مَجرَى النَّفَقةِ، فلا تَستَحِقُّ نَفَقَتَيْنِ على زَوجِها، حتى لَو كانَ لِلوَلَدِ مالٌ، فاستَأجَرَها لِإرضاعِ وَلَدِها منه مِنْ مالِ الوَلَدِ، جازَ؛ لأنَّه لا نَفَقةَ لَها على الوَلَدِ؛ فلا يَكونُ فيه استِحقاقُ نَفَقَتَيْنِ.
وَلَوِ استَأجَرَ لِوَلَدِه مِنْ ذَواتِ الرَّحِمِ المَحْرَمِ اللَّاتي لَهُنَّ حَضانَتُه جازَ؛ لأنَّه لَيسَ عليهنَّ خِدمةُ البَيتِ، ولا نَفَقةَ لَهُنَّ على أبي الوَلَدِ، ويَجوزُ استِئجارُ الزَّوجةِ لِتُرضِعَ وَلَدَه مِنْ غَيرِها؛ لأنَّه لَيسَ عليها خِدمةُ وَلَدِ غَيرِها.
стр. 5551
وَلَوِ استَأجَرَتِ المَرأةُ زَوجَها لِيَخدُمَها في البَيتِ بأجْرٍ مُسمًّى فهو جائِزٌ؛ لأنَّ خِدمةَ البَيتِ غيرُ واجِبةٍ على الزَّوجِ، فكانَ هذا استِئجارًا على أمْرٍ غيرِ واجِبٍ على الأجيرِ، وكَذا لَو استَأجَرَتْه لِرَعْيِ غَنَمِها؛ لأنَّ رَعْيَ الغَنَمِ لا يَجِبُ على الزَّوجِ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: تَجوزُ إجارةُ المَرأةِ على الِاستِرضاعِ لِلطِّفلِ؛ لِنَصِّ القُرآنِ، ولِلضَّرورةِ الدَّاعيةِ إلى ذلك، وسَواءٌ كانَتْ أُجرةُ الظِّئرِ نَقدًا أو طَعامًا.
وَإذا أجَّرَتِ المَرأةُ نَفْسَها لِلرَّضاعةِ بغَيرِ إذْنِ زَوجِها فلَه أنْ يَفسَخَه؛ لِمَا يَلحَقُه مِنْ الضَّررِ، وسَواءٌ كانَ له وَلَدٌ أو لا، ولَه أنْ يُجيزَه.
فَلَو لَم يَعلَمْ زَوجُها بذلك إلَّا بعدَ أنْ طَلَّقَها فليسَ له فَسْخُه، والمَذهَبُ أنَّ الشَّريفةَ إذا أجَّرتْ نَفْسَها لِرَضاعِ وَلَدِ غَيرِها فالإجارةُ لَازِمةٌ لَها، لَيسَ لِأبيها فَسخُها، وقيلَ: له فَسخُها.
وإنْ أجَّرَتْ نَفْسَها بغَيرِ إذْنِه ولَم يَعلَمْ بذلك وهي في عِصمَتِه إلَّا بعدَ مدَّةٍ فأُجرةُ ما مَضَى تَكونُ لَها، ولا شَيءَ لِلزَّوجِ مِنه، ولَه فَسخُ الإجارةِ في المُستَقبَلِ (٢).
стр. 5552
المَسألةُ الثَّانيةُ: استِئجارُ الأرضِ لِلزِّراعةِ ولا ماءَ لها يَكفيها:
اشترَطَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ لِلأرضِ التي يَصحُّ استِئجارُها لِلزِّراعةِ أنْ تَكونَ الزِّراعةُ فيها مُتيَسِّرةً مِنْ وُصولِ الماءِ إلَيها على الدَّوامِ، وأنْ تَكونَ غيرَ سَبِخةٍ، والسَّبِخةُ: المالِحةُ، أي: التي لا تُنبِتُ، وقيلَ: هي التي لا تُنبِتُ عُمُومًا.
فَإنْ كانَ الماءُ يَصِلُ إلَيها على الدَّوامِ مِنْ عَينٍ أو بِئرٍ أو نَهَرٍ، ولَو صَغيرًا، أو كانَ مِنْ المَطَرِ المُعتادِ أو ماءِ الثُّلوجِ المُجتَمِعةِ في نَحوِ جَبَلٍ يَكفيها، صَحَّتْ إجارَتُها لِلزِّراعةِ إذا لَم تكُنْ سَبِخةً عندَ جُمهورِ أهلِ العِلمِ، المالِكيَّةِ، والشَّافعيَّةِ في المَذهبِ، والحَنابِلةِ.
فَإنْ كانَتْ سَبِخةً لا تُنبِتُ، أو لا يَصِلُ إلَيها الماءُ على الدَّوامِ، ولا يَكفيها المَطَرُ المُعتادُ لا يَصحُّ إجارَتُها لِلزِّراعةِ.
وَكلُّ أرضٍ لا يَصحُّ استِئجارُها لِلزِّراعة لَوِ اكتَراها لِيَنزِلَ فيها أو يَسكُنَها، أو يَجمَعَ الحَطَبَ فيها، أو يَربِطَ الدَّوابَّ، جازَ (١).
قالَ الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ في الأرضِ أنْ تَكونَ صالِحةً لِلزِّراعةِ، حتى لَو كانَتْ سَبِخةً أو نَزَّةً لا تَجوزُ إجارَتُها.
стр. 5553
فَأمَّا إذا كانَتْ صالِحةً لِلزِّراعةِ في المدَّةِ، لَكِنْ لا تُمكِنُ زِراعَتُها وَقتَ العَقدِ، لِعارِضٍ مِنْ انقِطاعِ الماءِ، وزَمانَ الشِّتاءِ ونَحوِه مِنْ العَوارِضِ التي هي على مَشارِفِ الزَّوالِ في المدَّةِ تَجوزُ إجارَتُها.
وَلا بَأسَ باستِئجارِ الأرضِ لِلزِّراعةِ قبلَ رَيِّها، إذا كانَتْ مُعتادةً لِلرَّيِّ في مِثلِ هذه المدَّةِ التي عَقدَ الإجارةَ عليها.
وإنْ جاءَ مِنْ الماءِ ما يَزرَعُ به بَعضَها فالمُستَأجِرُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ نَقَضَ الإجارةَ كلَّها، وإنْ شاءَ لَم يَنقُضْها، وكانَ عليه مِنْ الأجْرِ بحِسابِ ما رَوَى مِنها.
وَلَوِ استَأجَرَها ولا يُمكِنُه الزِّراعةُ في الحالِ لِاحتياجِها إلى السَّقْيِ، أو كَرْيِ الأنهارِ، أو مَجيءِ الماءِ؛ فإنْ كانَ بحالٍ تُمَكِّنُ الزِّراعةَ في مدَّةِ العَقدِ جازَ، وإلَّا فلا، كَما لَوِ استَأجَرَها في الشِّتاءِ تِسعةَ أشهُرٍ، ولا يُمكِنُ زِراعَتُها في الشِّتاءِ جازَ، لِمَا أمكَنَ في المدَّةِ، أمَّا إذا لَم يُمكِنْ الِانتِفاعُ بها أصْلًا، بأنْ كانَتْ سَبِخةً؛ فالإجارةُ فاسِدةٌ، وفي مَسألةِ الِاستِئجارِ في الشِّتاءِ يَكونُ الأجْرُ مُقابَلًا بكلِّ المدَةٍ، لا بما يُنتَفَعُ به فحَسْبُ، وقيلَ: بما يُنتَفَعُ به.
وَلا يَنحَصِرُ استِئجارُ الأرضِ لِلزِّراعةِ فالأرضُ تُستَأجَرُ لِلزِّراعةِ، وغَيرِها مِنْ سائِرِ الانتِفاعاتِ بالأرضِ.
قالَ ابنُ نُجَيْمٍ ﵀: فإذا عَرفتَ ذلك ظَهرَ لَكَ صِحَّةُ الإجاراتِ الواقِعةِ في زَمانِنا، مِنْ أنَّه تُستَأجَرُ الأرضُ مَقيلًا ومَراحًا، قاصِدينَ بذلك إلزامَ الأُجرةِ بالتَّمكُّنِ مِنها مُطلَقًا، سَواءٌ شَمِلَها الماءُ وأمْكَنَ زِراعَتُها أو لا،
стр. 5554
ولا شَكَّ في صِحَّتِه؛ لأنَّه لَم يَستَأجِرْها لِلزِّراعةِ بخُصوصِها حتى يَكونَ عَدَمُ رَيِّها فَسْخًا لَها (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ استِئجارُ أرضٍ لِلزِّراعةِ لا ماءَ لَها قَطَعَها، ولا في الأغلَبِ.
واختُلِفَ في استِئجارِ أرضٍ ماؤُها غامِرٌ -أي: كَثيرٌ- وانكِشافُه نادِرٌ، فمَذهَبُ المُدوَّنةِ الجَوازُ، على تَقديرِ انكِشافِ الماءِ عَنها، ولَكِنْ لا يَجوزُ النَّقدُ فيها، ولَو تَطوُّعًا، وكَذا أرضُ النِّيلِ والمَطَرُ الغالِبُ عادةً، فتَصحُّ إجارَتُها، والنَّقدُ فيها، وقيلَ: لا يُنقَدُ في أرضِ المَطَرِ.
وَفي قَولٍ: لا يَجوزُ.
وأمَّا الأرضُ المَغمورةُ التي لا يُمكِنُ انكِشافُ الماءِ عَنها عادةً فلا يَجوزُ عَقدُ كِرائِها حتى تَنكَشِفَ بالفِعلِ.
وَجاءَ في «المُدوَّنةِ»: في الرجُلِ يَكتَري الأرضَ الغَرِقةَ، والنَّقدِ في ذلك:
قُلتُ: أرَأيتَ إنْ أكرَيْتُه أرضي هذه وهي غَرِقةٌ على أنَّه إنْ نَضَبَ الماءُ عَنها فهي له بما سَمَّيْنا مِنْ الكِراءِ، وإنْ ثبَتَ الماءُ فلا كِراءَ بَينَنا، قالَ: هذا جائِزٌ إنْ لَم يَنقُدِ الكِراءَ، فإنْ نَقَدَ الكِراءَ لَم يَصلُحْ؛ لأنَّ هذا غيرُ مَأْمونٍ؛ لأنَّها بحالٍ ما وُصِفَتُ لَكَ غَرِقةً يُخافُ عليها ألَّا يَنكَشِفَ الماءُ عَنها إلَّا أنْ تَكونَ أرضًا لا يُشَكُّ في انكِشافِ الماءِ عَنها فلا بَأْسَ به.
стр. 5555
وقالَ غَيرُه: إذا خِيفَ ألَّا يَنكَشِفَ الماءُ عَنها لَم يَجُزْ أيضًا بغَيرِ نَقْدٍ؛ لِمَا أعلَمتُكَ ممَّا يَمنَعُ به الرجُلُ مِلْكَهُ (١).
وقالَ الشَّافعيَّةُ: الأرضُ أنواعٌ:
مِنها: أرضٌ لَها ماءٌ مِنْ نَهَرٍ أو بِئرٍ أو عَينٍ ونَحوِها، يَكفيها؛ فهذه يَصحُّ استِئجارُها قَطعًا.
وَمِنها: أرضٌ لا ماءَ لَها، لَكِنْ يَكفيها المَطَرُ المُعتادُ والنَّداوةُ التي تُصيبُها مِنْ الثُّلوجِ المُعتادةِ أو لا يَكفيها ذلك، لَكنَّها تُسقَى بماءِ الثَّلجِ والمَطَرِ في الجَبَلِ، والأغلَبُ فيها الحُصولُ، ففيه وَجهانِ، أصَحُّهما أنَّه يَصحُّ إجارَتُها.
وَمِنها: أرضٌ لا ماءَ لَها، ولا تَكفيها الأمطارُ المُعتادةُ ولا تُسقَى بماءٍ غالِبِ الحُصولِ مِنْ الجَبَلِ، ولَكِنْ إنْ أصابَها مَطَرٌ عَظيمٌ أو سَيلٌ نادِرٌ أمكَنَ زَرعُها، وهذه لا يَصحُّ استِئجارُها قَطعًا.
وَمِنها: أرضٌ على شَطِّ النِّيلِ والفُراتِ وغَيرِهما، يَعلو الماءُ عليها، ثم يَنحَسِرُ ويَكفي ذلك لِزِراعَتِها في السَّنةِ؛ فإنِ استَأجَرَها لِلزِّراعةِ بَعدَما عَلاها الماءُ وانحَسَرَ صَحَّ، وإنْ كانَ قبلَ أنْ يَعلوَها الماءُ، فإنْ كانَ لا يُوثَقُ بهِ؛ كالنِّيلِ، لا يَنضَبِطُ أمْرُه، لَم يَصحَّ، وإنْ كانَ الأغلَبُ حُصولَه، ففيه وَجهانِ، أصَحُّهما الجَوازُ.
стр. 5556
وإنْ كانَ مَوثوقًا به كالمُدِّ بالبَصرةِ صَحَّ، كَماءِ النَّهَرِ.
فَإنْ تَردَّدَ في وُصولِ الماءِ إلى تلك الأرضِ لَم يَصحَّ؛ لأنَّه كالنَّوعِ الثَّالث.
وإنْ كانَ عَلاها ولَم يَنحَسِرْ فإنْ كانَ لا يُرجَى انحِسارُه أو يُشَكُّ فيه، لَم يَصحَّ استِئجارُها؛ لأنَّ العَجزَ مَوجودٌ، والقُدرةَ مَشكوكٌ فيها.
وإنْ رُجيَ انحِسارُه وَقتَ الزِّراعةِ في العادةِ صَحَّتِ الإجارةُ على المَذهبِ، والمَنصوصِ، سَواءٌ كانَتِ الإجارةُ لِمَا يُمكِنُ زِراعَتُه في الماءِ؛ كالأَرُزِّ، أو لِغَيرِه، وسَواءٌ كانَ رَأَى الأرضَ مَكشوفةً أو هي مَرئِيَّةٌ الآنَ؛ لِصَفاءِ الماءِ، أو لَم يكُنْ شَيءٌ مِنْ ذلك.
وَكلُّ أرضٍ مَنَعْنا استِئجارَها لِلزِّراعةِ لَوِ اكتَراها لِيَنزِلَ فيها، أو يُسكُنَها أو يَجمَعَ الحَطَبَ فيها أو يَربِطَ الدَّوابَّ جازَ.
وَإنِ اكتَراها مُطلَقًا نُظِرَ إنْ قالَ: أكرَيتُكَ هذه الأرضَ البَيضاءَ، ولا ماءَ لَها، جازَ، لأنَّه يَعرِفُ بنَفْي الماءِ أنَّ الإجارةَ لِغَيرِ الزِّراعةِ.
ثم لَو حَمَلَ ماءً مِنْ مَوضِعٍ، وزَرَعَها، أو زَرَعَها على تَوَقُّعِ حُصولِ ماءٍ لَم يُمنَعْ، وليسَ له البِناءُ والغِراسُ فيها.
وإنْ لَم يَقُلْ: لا ماءَ لَها، فإنْ كانَتْ بحَيثُ يُطمَعُ في سَوْقِ الماءِ إلَيها لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لأنَّ الأغلَب في مِثلِها الِاستِئجارُ لِلزِّراعةِ، فكَأنَّه ذكرَها، وإنْ كانَتْ على قُلَّةِ جَبَلٍ لا يُطمَعُ في سَوْقِ الماءِ إلَيها صَحَّ العَقدُ على الأصَحِّ؛ اكتِفاءً بالقَرينةِ، وإذا اعتَبَرْنا نَفْيَ الماءِ ففي قيامِ عِلمِ المُتعاقدَيْنِ مَقامَ التَّصريحِ بالنَّفْيِ وَجْهانِ:
стр. 5557
أصَحُّهُما: المَنعُ؛ لأنَّ العادةَ في مِثلِها الِاستِئجارُ لِلزِّراعةِ، فلا بدَّ مِنْ الصَّرفِ باللَّفظِ.
قالَ النَّوَويُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ في المَسألةِ تَصريحًا بجَوازِ الِاستِئجارِ مُطلَقًا مِنْ غيرِ بَيانِ جِنسِ المَنفَعةِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا تَصحُّ إجارةُ أرضٍ سَبِخةٍ لِزَرعٍ -والسَّبِخةُ التي لا تُنبِتُ-، ولا إجارةُ أرضٍ لا ماءَ لها لِزَرعٍ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ تَسليمُ هذه المَنفَعةِ مِنْ هذه العَينِ (٢).
المَسألةُ الثالِثةُ: إجارةُ المَشاعِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى صِحَّةِ إجارةِ المَشاعِ لِلشَّريكِ، بأنْ كانَتِ العَينُ المُتعاقَدُ على مَنفعَتِها مَشاعًا، وأرادَ أحَدُ الشَّريكَيْنِ إجارةَ مَنفَعةِ حِصَّتِه لِشَريكِهِ؛ فذلك جائِزٌ بالِاتِّفاقِ؛ لأنَّه لا شُيوعَ في حَقِّه؛ إذِ الكلُّ في يَدِه، غيرَ أنَّ النِّصفَ بحُكمِ المِلْكِ، وأنَّ النِّصفَ الآخَرَ بحُكمِ الإجارةِ، ولا مُعتَبَرَ باختِلافِ السَّبَبِ عندَ اتِّحادِ الحاجةِ.
стр. 5558
ثم اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إجارةِ المَشاعِ لِغَيرِ الشَّريكِ، وصُورَتُهُ: أنْ يُؤجِّرَ نَصيبًا مِنْ دارِه أو نَصيبِه مِنْ دارٍ مُشترَكةٍ مِنْ غيرِ الشَّريكِ.
فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، الصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ -أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ- والمالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَصحُّ إجارةُ المَشاعِ، سَواءٌ كانَتْ مِنْ الشَّريكِ أو مِنْ غَيرِه؛ لأنَّ لِلمَشاعِ مَنفَعةً، ولِهَذا يَجِبُ أجْرُ المِثلِ، والتَّسليمُ مُمكِنٌ بالتَّخليةِ أو بالتَّهايُؤِ، فصارَ كَما إذا آجَرَ مِنْ شَريكِه أو مِنْ رَجُلَيْنِ، وصارَ كالبَيعِ، لأنَّه مَعلومٌ يَجوزُ بَيعُه، فجازَتْ إجارَتُه كالمَفروزِ، ولأنَّه عَقدٌ في مِلْكِه، يَجوزُ مع شَريكِه، فجازَ مع غَيرِه كالبَيعِ، ولأنَّه يَجوزُ إذا فعلَه الشَّريكانِ معًا، فجازَ لِأحَدِهِما فِعلُه في نَصيبِه مُفرَدًا كالبَيعِ.
وَكالشُّيوعِ الطَّارِئِ بأنْ ماتَ أحَدُ المُستَأجِرَيْنِ، وكالعاريةِ، وهي أقرَبُ إلَيها؛ لأنَّ العاريةَ لِلِانتِفاعِ بها، إلَّا أنَّها بلا عِوَضٍ، فلَو لَم يُمكِنْ الِانتِفاعُ به لَمَا جازَ عاريةً، فإذا جازَتْ إعارَتُه فأَوْلَى أنْ تَجوزَ إجارَتُه؛ لأنَّ تَأثيرَ الشَّائِعِ في مَنعِ التَّبرُّعِ أقوَى مِنْ تَأثيرِه في مَنعِ المُعاوَضةِ، ألَا تَرى أنَّ هِبةَ الشَّائِعِ لا تَجوزُ، وأنَّ بَيعَه يَجوزُ.
وَلأنَّ كلَّ مُعاوَضةٍ جازَ أنْ يُعاوِضَ عليها الشَّريكُ جازَ أنْ يُعاوِضَ عليها الأجنَبيُّ، أصْلُه البَيعُ، ولأنَّ كلَّ مَعنًى لا يَمنَعُ العَقدَ على المَنافِعِ مِنْ الشَّريكِ لَم يَمنَعِ العَقدَ عليها مِنْ غَيرِه، أصْلُه الغَلاءُ والرُّخصُ والشَّرِكةُ في شِقصٍ آخَرَ، ولأنَّه عَقدُ إجارةٍ على مِلْكٍ له مَعروفٍ يُمكِنُ تَسليمُه إلى المُستَأجِرِ، فجازَ ذلك، أصْلُه المَقسومُ، ولأنَّ كلَّ صِفةٍ لَم تَمنَعِ البَيعَ لَم تَمنَعِ الإجارةَ لكلِّ ما يَجوزُ بَيعُه، أصْلُه الحَيَوانُ.
стр. 5559
وَذَهَبَ أبو حَنيفَةَ وزُفَرُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى عَدَمِ صِحَّةِ إجارةِ المَشاعِ، إلَّا مِنْ شَريكِه، سَواءٌ كانَ ممَّا يُقَسَّمُ؛ كالأرضِ، أو ممَّا لا يُقَسَّمُ، كالعَبدِ والدَّابَّةِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ الإجارةِ الِانتِفاعُ، والِانتِفاعُ بالمَشاعِ لا يُمكِنُ، ولا يُتصوَّرُ تَسليمُه، بخِلافِ البَيعِ؛ لأنَّ المَقصودَ فيه المِلْكُ، وهو أمرٌ حُكميٌّ، فأمكَنَ فيه، فيَجوزُ، والِانتِفاعُ حِسِّيٌّ؛ فلا يُمكِنُ بمَشاعٍ، فيَبطُلُ؛ ألَا تَرى أنَّه يَجوزُ بَيعُ الجَحشِ دونَ إجارَتِه لِمَا قُلْنا، والتَّخليةُ اعتُبِرَتْ تَسليمًا في مَحَلٍّ يُتمَكَنَّ فيه، وفي المَشاعِ لا يُتَمَكَّنُ مِنْ الِانتِفاعِ به، ولا مِنْ القَبضِ، فكَيفَ يُجعَلُ تَسليمًا ولا مُعتَبَرَ بالتَّهايُؤِ؛ لأنَّه يُستحَقُّ حُكمًا لِمِلْكِ المَنفَعةِ يُصارُ إليه عندَ الحاجةِ إلى القِسمةِ بعدَ المِلْكِ؛ لأنَّ حُكمَ العَقدِ يَعقُبُه، ولأنَّ القُدْرةَ على التَّسليمِ شَرطٌ لِجَوازِ العَقدِ، وشَرطُ الشَّيءِ يَسبِقُه، ولا يُتصوَّرُ أنْ يَكونَ شَرطًا لِثُبوتِ كَونِه حُكمًا، ففَسَدَ، بخِلافِ ما إذا آجَرَه مِنْ شَريكِه؛ لأنَّه لا شُيوعَ في حَقِّه؛ إذِ الكلُّ في يَدِه، غيرَ أنَّ النِّصفَ بحُكمِ المِلْكِ، وأنَّ النِّصفَ الآخَرَ بحُكمِ الإجارةِ، ولا مُعتَبَرَ باختِلافِ السَّبَبِ عندَ اتِّحادِ الحاجةِ.
وَلأنَّه أجَّرَ ما لا يَقدِرُ على تَسليمِه، فلَم تَصحَّ إجارَتُه، كالمَغصوبِ؛ وذلك لأنَّه لا يَقدِرُ على تَسليمِ نَصيبِه، إلَّا بتَسليمِ نَصيبِ شَريكِه، ولا وِلايةَ له على مالِ شَريكِه.
والحِيلةُ في إجارةِ المَشاعِ عندَ الحَنفيَّةِ: أنْ يَستَأجِرَ الكلَّ، ثم يَفسَخَ في النِّصفِ؛ فإنَّه يَجوزُ؛ لأنَّ الشُّيوعَ الطَّارِئَ لا يَفسُدُ، كَما في الهِبةِ، أو يَحكُمَ الحاكِمُ بجَوازِهِ (١).
стр. 5560
المَسألةُ الرابِعةُ: استِئجارُ الفَحلِ لِلضِّرابِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ استِئجارِ الفَحلِ لِلضِّرابِ على قوليْنِ، على ما تَقدَّمَ بَيانُه في البَيعِ مُفصَّلًا:
القولُ الأولُ: قولُ جُمهورِ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةِ والشَّافعيَّةِ والحَنابِلةِ أنه لا يَصحُّ استِئجارُ الفَحلِ لذلك، وهو باطِلٌ وحَرامٌ، ولا يُستحَقُّ فيه عِوَضٌ، ولو أنزاه المُستَأْجِرُ لا يَلزَمُه المُسمَّى مِنْ أجْرِه، ولا أُجرةُ مِثلٍ، ولا شَيءٌ مِنْ الأموالِ؛ لأنَّه غَرَرٌ مَجهولٌ، وغَيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه، ولِمَا رَوَى مُسلِمٌ عن أبي الزُّبَيرِ أنَّه سَمِعَ جابِرَ بنَ عبدَ اللَّهِ يَقولُ: «نَهَى رَسولُ اللهِ ﷺ عن بَيعِ ضِرابِ الجَمَلِ» (١).
وعنِ ابْنِ عُمرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن عَسْبِ الفَحْلِ» (٢). ولأنَّه لا يَتحقَّقُ تَسليمُ ذلك؛ لأنَّه مُعَلَّقٌ باختِيارِ الفَحلِ وشَهوَتِه،
стр. 5561
ولأنَّ المَقصودَ مِنْ طَرقِ الفَحلِ إنزالُ مائِه وإنزالُ الماءِ غيرُ مُتحَقَّقٍ والعُلوقُ منه غيرُ مُتيَقَّنٍ.
والعَسْبُ: هو الكِراءُ الذي يُؤخَذُ في ضِرابِ الفَحلِ. وقيلَ: عَسْبُ الفَحلِ هو ماؤُه الذي يَطرُقُ به الإناثَ ويَنزو عليها (١).
والفَحلُ لُغةً: الذَّكَرُ مِنْ كلِّ حَيَوانٍ (٢).
ثم قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ -إلَّا أحمدَ في رِوايةٍ عنه- الذين مَنَعوا أخْذَ الأُجرةِ على ضِرابِ الفَحلِ: إذا أهدَى صاحِبُ الأُنثَى إلى صاحِبِ الفَحلِ هَدِيَّةً، أو ساقَ إليه كَرامةً جازَ له أخْذُها؛ لأنَّه سَبَبٌ مُباحٌ، فجازَ أخْذُ الهَديَّةِ عليه، كالحِجامةِ.
وأمَّا إنْ كانَ ذلك على وَجْهِ المُعاوَضةِ والِاشتِراطِ في الباطِنِ لَم يَحِلَّ له أخْذُه.
وَإنِ احتاجَ إنسانٌ إلى ذلك، ولَم يَجِدْ مَنْ يَطرُقُ له دَابَّتَه مَجَّانًا؛ جازَ لربِّ الدَّابَّةِ أنْ يَبذُلَ الكِراءَ؛ لأنَّه بَذْلٌ لِتَحصيلِ مَنفَعةٍ مُباحةٍ لِحاجةٍ؛ فجازَ بَذْلُ عِوَضٍ؛ دَفْعًا لِلحاجةِ، وحَرُمَ على ربِّ الفَحلِ أخْذُه العِوَضَ؛ لِلنَّهيِ السَّابِقِ (٣).
стр. 5562
القولُ الثَّاني: هو قولُ المالِكيَّةِ وابنِ عَقيلٍ مِنْ الحَنابِلةِ أنَّه يَجوزُ استِئجارُ الفَحلِ لِذلك، إذا كانَ على دُفُعاتٍ مَعلومةٍ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنافِعِ الفَحلِ، ونَزْوِه على الأُنثَى، وهي مَنفَعةٌ مَقصودةٌ، وماءُ الفَحلِ يَدخُلُ تَبَعًا، والأغلَبُ حُصولُه عُقَيْبَ نَزْوِه، فيَكونُ كالعِقدِ على الظِّئرِ لِيَحصُلَ اللَّبنُ في بَطنِ الصَّبيِّ، وكَما لَوِ استَأجَرَ أرضًا وفيها بِئرُ ماءٍ؛ فإنَّ الماءَ يَدخُلُ تَبَعًا، وقَد يُغتَفَرُ في الأتباعِ ما لا يُغتَفَرُ في المَتبوعاتِ.
والنُّهيُ الوارِدُ مَحمولٌ على التَّنزيهِ، والحَثِّ على مَكارِمِ الأخلاقِ. وليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ أنْ يُؤخَذَ على ذلك أجْرٌ، فإنْ فعلَ لَم تُفسَخِ الإجارةُ، وإنْ أخَذَها لَم تُرَدَّ مِنه (١).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا مالِكٌ فحُكيَ عنه جَوازُه، والذي ذكرَه أصحابُه التَّفصيلَ، فقالَ صاحِبُ الجَواهِرِ، في بابِ فَسادِ العَقدِ مِنْ جِهةِ نَهيِ الشَّارِعِ، ومِنها بَيعُ عُسْبِ الفَحلِ، ويُحمَلُ النَّهيُ فيه على استِئجارِ الفَحلِ على لَقاحِ الأُنثَى، وهو فاسِدٌ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه، فأمَّا أنْ يَستَأجِرَه على أنْ يَنزُوَ عليها دُفُعاتٍ مَعلومةً فذلك جائِزٌ؛ إذ هو أمَدٌ مَعلومٌ في نَفْسِه، ومَقدورٌ على تَسليمِه.
стр. 5563
والصَّحيحُ: تَحريمُه مُطلَقًا، وفَسَادُ العَقدِ به على كلِّ حالٍ، ويَحرُمُ على الآخَرِ أخْذُ أُجرةِ ضِرابِه، ولا يَحرُمُ على المُعطي؛ لأنَّه بذلَ مالَه في تَحصيلِ مُباحٍ يَحتاجُ إلَيه، ولا يَمنَعُ مِنْ هَذا، كَما في كَسْبِ الحَجَّامِ، وأُجرةِ الكَسَّاحِ، والنَّبيُّ ﷺ نَهَى عَما يَعتادونَه مِنْ استِئجارِ الفَحلِ لِلضِّرابِ، وسَمَّى ذلك بَيعَ عُسْبِه، فلا يَجوزُ حَملُ كَلامِه على غيرِ الواقِعِ والمُعتادِ، وإخلاءِ الواقِعِ مِنْ البَيانِ، مع أنَّه الذي قُصِدَ بالنَّهيِ، ومِنَ المَعلومِ أنَّه لَيسَ لِلمُستَأجِرِ غَرَضٌ صَحيحٌ في نَزْوِ الفَحلِ على الأُنثَى، الذي له دُفُعاتٌ مَعلومةٌ؛ وإنَّما غَرَضُه نَتيجةُ ذلك وثَمرَتُه، ولِأجلِه بذلَ مالَه، وقَد عُلِّلَ التَّحريمُ بعِدَّةِ عِلَلٍ:
إحداها: أنَّه لا يُقدَرُ على تَسليمِ المَعقودِ عليه، فأشبَهَ إجارةَ الآبِقِ، فإنَّ ذلك مُتعلِّقٌ باختيارِ الفَحلِ وشَهوَتِه.
الثَّانيةُ: أنَّ المَقصودَ هو الماءُ، وهو ممَّا لا يَجوزُ إفرادُه بالعَقدِ؛ فإنَّه مَجهولُ القَدْرِ والعَينِ، وهذا بخِلافِ إجارةِ الظِّئرِ؛ فإنَّها احتُمِلَتْ بمَصلَحةِ الآدَميِّ؛ فلا يُقاسُ عليها غَيرُها.
وقد يُقالُ -واللَّهُ أعلمُ- إنَّ النَّهيَ عن ذلك مِنْ مَحاسِنِ الشَّريعةِ وكَمالِها؛ فإنَّ مُقابَلةَ ماءِ الفَحلِ بالأثمانِ وجَعلَه مَحَلًّا لِعُقودِ المُعاوَضاتِ ممَّا هو مُستَقبَحٌ ومُستَهجَنٌ عندَ العُقَلاءِ، وفاعِلُ ذلك عِندَهم ساقِطٌ مِنْ أعيُنِهم في أنْفُسِهم، وقَد جعلَ اللَّهُ سُبحانَه فِطَرَ عِبادِه -لاسيَّما المُسلِمينَ- ميزانًا لِلحَسَنِ والقَبيحِ، فما رَآه المُسلِمونَ حَسَنًا فهو عندَ اللَّهِ حَسَنٌ، وما رَآه المُسلِمونَ قَبيحًا فهو عندَ اللَّهِ قَبيحٌ.
стр. 5564
وَيَزيدُ هذا بَيانًا أنَّ ماءَ الفَحلِ لا قِيمةَ لَه، ولا هو ممَّا يُعاوَضُ عليه، ولِهَذا لَو نَزَا فَحلُ الرجُلِ على رَمَكةِ غَيرِه فأوْلَدَها، فالوَلَدُ لِصاحِبِ الرَّمَكةِ اتِّفاقًا؛ لأنَّه لَم يَنفَصِلْ عن الفَحلِ إلَّا مُجرَّدُ الماءِ، وهو لا قِيمةَ لَه.
فَحرَّمَتْ هذه الشَّريعةُ الكامِلةُ المُعاوَضةَ على ضِرابِه لِيَتَناوَلَه النَّاسُ بَينَهم مَجَّانًا؛ لِمَا فيه مِنْ تَكثيرِ النَّسلِ المُحتاجِ إليه مِنْ غيرِ إضرارٍ بصاحِبِ الفَحلِ، ولا نُقصانٍ مِنْ مالِه، فمِن مَحاسِنِ الشَّريعةِ إيجابُ بَذْلِ هذا مَجَّانًا، كَما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ مِنْ حَقِّها إطراقُ فَحلِها وإعارَةُ دَلْوِها» (١). فهذه حُقوقٌ يَضُرُّ بالنَّاسِ مَنعُها إلا بالمُعاوَضةِ، فأوجَبَتِ الشَّريعةُ بَذْلَها مَجَّانًا.
فَإنْ قيلَ: فإذا أهدَى صاحِبُ الأُنثَى إلى صاحِبِ الفَحلِ هَدِيَّةً أو ساقَ إليه كَرامةً فهَل له أخْذُها؟ قيلَ: إنْ كانَ ذلك على وَجْهِ المُعاوَضةِ والِاشتِراطِ في الباطِنِ لَم يَحِلَّ له أخْذُه، وإنْ لَم يكُنْ كذلك فلا بَأْسَ به، قالَ أصحابُ أحمدَ، والشافِعيُّ، وإنْ أعطَى صاحِبَ الفَحلِ هَدِيَّةً أو كَرامةً مِنْ غيرِ إجارةٍ جازَ، واحتَجَّ أصحابُنا بحَديثٍ رُوِيَ عن أنَسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: إذا كانَ إكرامًا فلا بَأْسَ، ذكرَه صاحِبُ المُغني، ولا أعرِفُ حالَ هذا الحَديثِ ولا مَنْ أخرَجَه، وقَد نَصَّ أحمَدُ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ على خِلافِه، فقيلَ لَهُ: ألَا يَكونُ مثلَ الحَجَّامِ يُعطَى، وإنْ كانَ مَنهيًّا عَنهُ؛ فقالَ: لَم يَبلُغْنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطَى في مِثلِ هذا شَيئًا، كَما بَلَغَنا في الحَجَّامِ.
стр. 5565
واختَلفَ أصحابُنا في حَمْلِ كَلامِ أحمدَ ﵀ على ظاهِرِه، أو تَأويلِه، فحَمَلَه القاضي على ظاهِرِه، وقالَ: هذا مُقتَضَى النَّظَرِ، لَكِنْ تُرِكَ مُقتَضاه في الحَجَّامِ، فبَقيَ فيما عَداه على مُقتَضَى القياسِ، وقالَ أبو مُحمَّدٍ في المُغني: كَلامُ أحمدَ يُحمِلُ على الوَرعِ، لا على التَّحريمِ، والجَوازُ أرفَقُ بالنَّاسِ، وأوفَقُ لِلقِياسِ … (١).
وقد تَقدَّمَتْ هذه المَسألةُ بالتَّفصيلِ أكثَرَ مِنْ هذا في كِتابِ البُيوعِ عندَ حُكمِ بَيعِ عُسْبِ الفَحلِ.
الشَّرطُ الرَّابِعُ: أنْ تَبقَى عَينُ المَنفَعةِ، ولا تُستَهلَكَ بالإجارةِ، أو الاستِعمالِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشترَطُ في العَينِ المُستَأجَرةِ أنْ تَبقَى عَينُها بعدَ استِيفاءِ المَنفَعةِ مِنها؛ كالدَّارِ والأراضي والعَبدِ والبَهيمةِ والثِّيابِ والفُسطاطِ والحِبالِ والخيامِ والمَحامِلِ والسَّرْجِ واللِّجامِ والسَّيفِ والرُّمحِ وأشباهِ ذلك، فعلى هذا لا يَصحُّ إجارةُ أيِّ شَيءٍ، لا يُمكِنُ الِانتِفاعُ به إلَّا باستِهلاكِ عَيْنِه؛ كَإجارةِ المَطعومِ والمَشروبِ، وإجارةِ الأشجارِ لِأخْذِ ثِمارِها، وإجارةِ الشَّاةِ لِلنِّتاجِ، أو أخذِ لَبنِها، أو الصُّوفِ، ولا الشَّمعِ لِإشْعالِه، أوِ الصَّابونِ لِغَسلٍ ونَحوِه، لأنَّ هذا لا يُنتَفَعُ به إلَّا بإتلافِ عَيْنِه، فلَم يَجُزْ (٢).
وهنا بَعضُ المَسائِلِ التي تَحتاجُ إلى تَفصيلٍ وبَيانٍ، نَذكُرُها فيما يلي:
стр. 5566
المَسألةُ الأُولَى: حُكمُ استِئجارِ الأشجارِ مِنْ أجلِ الثَّمرِ: (١)
ذَهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ استِئجارُ الأشجارِ بأُجرةٍ مَعلومةٍ؛ لِاستِيفاءِ ثَمرِها؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وهو لا يَجوزُ، ولأنَّها أعيانٌ بِيعَتْ قبلَ الوُجودِ.
وَلأنَّ الثَّمرةَ عَينٌ لا يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الإجارةِ؛ فإنَّه يَجوزُ بَيعُه بعدَ الوُجودِ، وإنَّما يُستحَقُّ بقَدْرِ الإجارةِ ممَّا لا يَجوزُ بَيعُه بعدَ الوُجودِ، ولأنَّ مَحَلَّ الإجارةِ المَنفَعةُ، وهي عَرضٌ لا يَقومُ بنَفْسِه، ولا يُتصوَّرُ بَقاؤُها، والثَّمرةُ تَقومُ بنَفْسِها؛ كالشَّجرةِ، فكَما لا يَجوزُ أنْ يَتملَّكَ الشَّجرةَ بعَقدِ الإجارةِ فكذلك الثَّمرةُ، ولأنَّ المُؤاجِرَ يَلتَزِمُ ما لا يَقدِرُ على إبقائِه، فرُبَّما تُصيبُ الثَّمرةَ آفَةٌ، وليسَ في وُسعِ البَشَرِ اتِّخاذُها، وكذلك ألبانُ الغَنَمِ وصُوفُها وسَمنُها ووَلَدُها، كلُّ ذلك عَينٌ يَجوزُ بَيعُه، فلا يُتَمَلَّكُ بعَقدِ الإجارةِ.
стр. 5567
قالَ ابنُ مُفلِحٍ والمَرداويُّ: لا تَجوزُ إجارةُ أرضٍ وفيها شَجرٌ، قالَ أحمَدُ: أخافُ أنَّه استَأجَرَ شَجرًا لَم يُثمِرْ، وذكرَ أبو عُبَيدٍ تَحريمَه إجماعًا (١).
وذَهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ والسُّبكيُّ مِنْ الشَّافعيَّةِ إلى أنَّه يَصحُّ استِئجارُ الشَّجرِ مِنْ أجْلِ الثَّمرةِ، واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه «أنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيرٍ ماتَ وعليه دَينٌ أربَعةُ آلافِ دِرهَمٍ، فبِيعتْ أرضُه؛ فقالَ عُمرُ ﵁: لا أترُكُ بَني أخي عالةً. فرَدَّ الأرضَ وباعَ ثَمرَها مِنْ الغُرماءِ أربَعَ سِنينَ بأربَعةِ آلافٍ، كلُّ سَنَةٍ بالفٍ» (٢).
قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: المِثالُ الثَّاني عَشَرَ: لا تَجوزُ إجارةُ الأشجارِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنها الفَواكِهُ، وذلك بمَنزِلةِ بَيعِها قبلَ بُدُوِّها.
قالوا: والحِيلةُ في جَوازِهِ: أنْ يُؤجِّرَه الأرضَ ويُساقِيَه على الشَّجرِ بجُزءٍ مَعلومٍ.
قالَ شَيخُ الإسلامِ ﵀: وهذا لا يُحتاجُ إلَيه، بَلِ الصَّوابُ جَوازُ إجارةِ الشَّجرِ، كَما فعلَ عُمرُ بن الخطَّابِ بحَديقةِ أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ؛ فإنَّه آجَرَها سِنينَ وقَضَى بها دَيْنَه.
стр. 5568
قالَ: وإجارةُ الأرضِ لِأجلِ ثَمرِها بمَنزِلةِ إجارةِ الأرضِ لِمَغْلِها؛ فإنَّ المُستَأجِرَ يَقومُ على الشَّجرِ بالسَّقْيِ والإصلاحِ والذِّيارِ في الكَرْمِ حتى تَحصُلَ الثَّمرةُ، كَما يَقومُ على الأرضِ بالحَرْثِ والسَّقْيِ والبَذْرِ حتى يَحصُلَ المَغْلُ؛ فثَمرةُ الشَّجرِ تَجري مَجرَى مَغْلِ الأرضِ.
فَإنْ قيلَ: الفَرقُ بينَ المَسألَتَيْنِ: أنَّ المَغْلَ مِنْ البَذْرِ، وهو مِلْكُ المُستَأجِرِ، وأنَّ المَعقودَ عليه الِانتِفاعُ بإيداعِه في الأرضِ، وسَقْيُه والقيامُ عليه، بخِلافِ استِئجارِ الشَّجرِ؛ فإنَّ الثَّمرةَ مِنْ الشَّجرةِ، وهي مِلْكُ المُؤجِّرِ.
والجَوابُ مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ هذا لا تَأثيرَ له في صِحَّةِ العَقدِ وبُطلانِه، وإنَّما هو فَرقٌ عَديمُ التَّأثيرِ.
الثَّاني: أنَّ هذا يَبطُلُ باستِئجارِ الأرضِ لِكَلَئِها، وعُشبِها، ممَّا يُنبِتُه اللَّهُ بدُونِ بَذْرٍ مِنْ المُستَأجِرِ، فهو نَظيرُ ثَمرةِ الشَّجرةِ.
الثَّالث: أنَّ الثَّمرةَ إنَّما حَصَلَتْ بالسَّقْيِ والخِدمةِ والقيامِ على الشَّجرةِ، فهي مُتوَلَّدةٌ مِنْ عَملِ المُستَأجِرِ، ومِنَ الشَّجرةِ، فلِلمُستَأجِرِ سَعيٌ وعَملٌ في حُصولِها.
الرَّابِعُ: أنَّ تَوَلُّدَ الزَّرعِ لَيسَ مِنْ البَذْرِ وَحدَه، بَلْ مِنْ البَذْرِ والتُّرابِ والماءِ والهَواءِ، فحُصولُ الزَّرعِ مِنْ التُّرابِ الذي هو مِلْكُ المُؤجِّرِ؛ كَحُصولِ الثَّمرةِ مِنْ الشَّجرةِ، والبَذْرُ في الأرضِ قائِمٌ مَقامَ السَّقيِ لِلشَّجرةِ؛ فهذا أودَعَ في أرضِ المُؤجِّرِ عَينًا جامِدةً، وهذا أودَعَ في شَجرةٍ عَينًا مائِعةً، ثم
стр. 5569
حَصَلَتِ الثَّمرةُ مِنْ أصْلِ هَذا، وماءِ المُستَأجِرِ وعَملِه، كَما حَصَلَ العَملُ من أرضِ هذا وبَذْرِ المُستَأجِرِ وعَملِه، وهذا مِنْ أصَحِّ القِياسِ على وَجْهِ الأرضِ.
وَبِه يَتبيَّنُ أنَّ الصَّحابةَ أفقَهُ الأُمَّةِ وأعلَمُهم بالمَعاني المُؤثِّرةِ في الأحكامِ، ولَم يُنكِرْ أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ على عُمرَ؛ فهو إجماعٌ مِنهم (١).
وقالَ ﵀ في «الزَّادِ»: أمَّا مَنعُ كَونِ عَقدِ الإجارةِ لا يَرِدُ إلَّا على مَنفَعةٍ؛ فإنَّ هذا ليس ثابِتًا بالكِتابِ ولا بالسُّنةِ ولا بالإجماعِ، بلِ الثابِتُ عن الصَّحابةِ خِلافُه، كما صَحَّ عن عُمرَ ﵁ أنَّه قبلَ حَديقةَ أُسَيدِ بنِ حُضَيْرٍ ثَلاثَ سِنينَ، وأخَذَ الأُجرةَ فقَضَى بها دَيْنَه، والحَديقةُ هي النَّخلُ؛ فهذه إجارةُ الشَّجرِ؛ لِأخْذِ ثَمرِها، وهو مَذهَبُ أميرِ المُؤمِنينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، ولا يُعلَمُ له في الصَّحابةِ مُخالِفٌ، واختارَه أبو الوَفاءِ بنُ عَقيلٍ مِنْ أصحابِ أحمدَ، وهو اختِيارُ شَيخِنا (٢).
وقالَ أيضًا: فإنَّه لا فَرقَ في القِياسِ بينَ إجارةِ الأرضِ لِمَنْ يَقومُ عليها حتى تُنبِتَ، وبَينَ إجارةِ الشَّجرِ لِمَنْ يَقومُ عليها حتى يَطلُعَ؛ كِلاهما في القِياسِ سَواءٌ … والفَرقُ بينَ إجارةِ الشَّجرِ لِمَنْ يَخدُمُها ويَقومُ عليها حتى تُثمِرَ، وبَينَ بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها مِنْ ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
أحَدُها: أنَّ العَقدَ هُنا وقعَ على بَيْعِ عَينٍ، وفي الإجارةِ وقعَ على مَنفَعةٍ،
стр. 5570
وإنْ كانَ المَقصودُ مِنها العَينَ فهذا لا يَضُرُّ، كَما أنَّ المَقصودَ مِنْ مَنفَعةِ الأرضِ المُستَأجَرةِ لِلزِّراعةِ العَينُ.
الثَّاني: أنَّ المُستَأجِرَ يَتسلَّمُ الشَّجرَ فيَخدُمُه ويَقومُ عليه كَما يَتسلَّمُ الأرضَ، وفي البَيعِ البائِعُ هو الذي يَقومُ على الشَّجرِ ويَخدُمُه، وليسَ لِلمُشتَري الِانتِفاعُ بظِلِّه، ولا رُؤيَتُه، ولا نَشرُ الثِّيابِ عليه؛ فأينَ أحَدُ الرَّأيَيْنِ مِنْ الآخَرِ.
الثَّالث: أنَّ إجارةَ الشَّجرِ عَقدٌ على عَينٍ مَوجودةٍ مَعلومةٍ؛ لِيَنتفِعَ بها في سائِرِ وُجوهِ الِانتِفاعِ، وتَدخُلُ الثَّمرةُ تَبَعًا، وإنْ كانَ هو المَقصودَ، كَما قُلتُم في نَفعِ البِئرِ ولَبنِ الظِّئرِ أنَّه يَدخُلُ تَبَعًا، وإنْ كانَ هو المَقصودَ.
وأمَّا البَيعُ فعَقدٌ على عَينٍ لَم تُخلَقْ بَعدُ؛ فهذا لَونٌ، وهذا لَونٌ.
وَسِرُّ المَسألةِ: أنَّ الشَّجرَ كالأرضِ، وخِدمَتُه والقِيامُ عليه كَشَقِّ الأرضِ وخِدمَتِها والقِيامِ عليها، ومَغلُ الزَّرعِ كَمَغلِ الثَّمرِ؛ فإنْ كانَ في الدُّنيا قِياسٌ صَحيحٌ فهذا مِنه (١).
وقالَ تَقيُّ الدِّينِ السُّبكيُّ ﵀: أمَّا الإجارةُ فيَنبَغي أنْ يَجوزَ فيها كما يَستأجِرُ الأرضَ لِيَزرَعَها، تُستَأجَرُ الشَّجرُ لِثَمرِها، لا أجِدُ فَرقًا بَينَهما، ولا دَليلًا على بُطلانِهما، وليس في كَلامِ أبي عُبَيدٍ تَصريحٌ بمَنعِ إجارةِ الأشجارِ، ولا لِجَوازِها، واللهُ أعلَمُ (٢).