← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 5566–5605 · переход к 5571.

стр. 5566

المَسألةُ الأُولَى: حُكمُ استِئجارِ الأشجارِ مِنْ أجلِ الثَّمرِ: (١) ذَهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ استِئجارُ الأشجارِ بأُجرةٍ مَعلومةٍ؛ لِاستِيفاءِ ثَمرِها؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّي إلى بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وهو لا يَجوزُ، ولأنَّها أعيانٌ بِيعَتْ قبلَ الوُجودِ. وَلأنَّ الثَّمرةَ عَينٌ لا يَجوزُ استِحقاقُها بعَقدِ الإجارةِ؛ فإنَّه يَجوزُ بَيعُه بعدَ الوُجودِ، وإنَّما يُستحَقُّ بقَدْرِ الإجارةِ ممَّا لا يَجوزُ بَيعُه بعدَ الوُجودِ، ولأنَّ مَحَلَّ الإجارةِ المَنفَعةُ، وهي عَرضٌ لا يَقومُ بنَفْسِه، ولا يُتصوَّرُ بَقاؤُها، والثَّمرةُ تَقومُ بنَفْسِها؛ كالشَّجرةِ، فكَما لا يَجوزُ أنْ يَتملَّكَ الشَّجرةَ بعَقدِ الإجارةِ فكذلك الثَّمرةُ، ولأنَّ المُؤاجِرَ يَلتَزِمُ ما لا يَقدِرُ على إبقائِه، فرُبَّما تُصيبُ الثَّمرةَ آفَةٌ، وليسَ في وُسعِ البَشَرِ اتِّخاذُها، وكذلك ألبانُ الغَنَمِ وصُوفُها وسَمنُها ووَلَدُها، كلُّ ذلك عَينٌ يَجوزُ بَيعُه، فلا يُتَمَلَّكُ بعَقدِ الإجارةِ.

стр. 5567

قالَ ابنُ مُفلِحٍ والمَرداويُّ: لا تَجوزُ إجارةُ أرضٍ وفيها شَجرٌ، قالَ أحمَدُ: أخافُ أنَّه استَأجَرَ شَجرًا لَم يُثمِرْ، وذكرَ أبو عُبَيدٍ تَحريمَه إجماعًا (١). وذَهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القيِّمِ والسُّبكيُّ مِنْ الشَّافعيَّةِ إلى أنَّه يَصحُّ استِئجارُ الشَّجرِ مِنْ أجْلِ الثَّمرةِ، واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه «أنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيرٍ ماتَ وعليه دَينٌ أربَعةُ آلافِ دِرهَمٍ، فبِيعتْ أرضُه؛ فقالَ عُمرُ ﵁: لا أترُكُ بَني أخي عالةً. فرَدَّ الأرضَ وباعَ ثَمرَها مِنْ الغُرماءِ أربَعَ سِنينَ بأربَعةِ آلافٍ، كلُّ سَنَةٍ بالفٍ» (٢). قالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: المِثالُ الثَّاني عَشَرَ: لا تَجوزُ إجارةُ الأشجارِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنها الفَواكِهُ، وذلك بمَنزِلةِ بَيعِها قبلَ بُدُوِّها. قالوا: والحِيلةُ في جَوازِهِ: أنْ يُؤجِّرَه الأرضَ ويُساقِيَه على الشَّجرِ بجُزءٍ مَعلومٍ. قالَ شَيخُ الإسلامِ ﵀: وهذا لا يُحتاجُ إلَيه، بَلِ الصَّوابُ جَوازُ إجارةِ الشَّجرِ، كَما فعلَ عُمرُ بن الخطَّابِ بحَديقةِ أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ؛ فإنَّه آجَرَها سِنينَ وقَضَى بها دَيْنَه.

стр. 5568

قالَ: وإجارةُ الأرضِ لِأجلِ ثَمرِها بمَنزِلةِ إجارةِ الأرضِ لِمَغْلِها؛ فإنَّ المُستَأجِرَ يَقومُ على الشَّجرِ بالسَّقْيِ والإصلاحِ والذِّيارِ في الكَرْمِ حتى تَحصُلَ الثَّمرةُ، كَما يَقومُ على الأرضِ بالحَرْثِ والسَّقْيِ والبَذْرِ حتى يَحصُلَ المَغْلُ؛ فثَمرةُ الشَّجرِ تَجري مَجرَى مَغْلِ الأرضِ. فَإنْ قيلَ: الفَرقُ بينَ المَسألَتَيْنِ: أنَّ المَغْلَ مِنْ البَذْرِ، وهو مِلْكُ المُستَأجِرِ، وأنَّ المَعقودَ عليه الِانتِفاعُ بإيداعِه في الأرضِ، وسَقْيُه والقيامُ عليه، بخِلافِ استِئجارِ الشَّجرِ؛ فإنَّ الثَّمرةَ مِنْ الشَّجرةِ، وهي مِلْكُ المُؤجِّرِ. والجَوابُ مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: أنَّ هذا لا تَأثيرَ له في صِحَّةِ العَقدِ وبُطلانِه، وإنَّما هو فَرقٌ عَديمُ التَّأثيرِ. الثَّاني: أنَّ هذا يَبطُلُ باستِئجارِ الأرضِ لِكَلَئِها، وعُشبِها، ممَّا يُنبِتُه اللَّهُ بدُونِ بَذْرٍ مِنْ المُستَأجِرِ، فهو نَظيرُ ثَمرةِ الشَّجرةِ. الثَّالث: أنَّ الثَّمرةَ إنَّما حَصَلَتْ بالسَّقْيِ والخِدمةِ والقيامِ على الشَّجرةِ، فهي مُتوَلَّدةٌ مِنْ عَملِ المُستَأجِرِ، ومِنَ الشَّجرةِ، فلِلمُستَأجِرِ سَعيٌ وعَملٌ في حُصولِها. الرَّابِعُ: أنَّ تَوَلُّدَ الزَّرعِ لَيسَ مِنْ البَذْرِ وَحدَه، بَلْ مِنْ البَذْرِ والتُّرابِ والماءِ والهَواءِ، فحُصولُ الزَّرعِ مِنْ التُّرابِ الذي هو مِلْكُ المُؤجِّرِ؛ كَحُصولِ الثَّمرةِ مِنْ الشَّجرةِ، والبَذْرُ في الأرضِ قائِمٌ مَقامَ السَّقيِ لِلشَّجرةِ؛ فهذا أودَعَ في أرضِ المُؤجِّرِ عَينًا جامِدةً، وهذا أودَعَ في شَجرةٍ عَينًا مائِعةً، ثم

стр. 5569

حَصَلَتِ الثَّمرةُ مِنْ أصْلِ هَذا، وماءِ المُستَأجِرِ وعَملِه، كَما حَصَلَ العَملُ من أرضِ هذا وبَذْرِ المُستَأجِرِ وعَملِه، وهذا مِنْ أصَحِّ القِياسِ على وَجْهِ الأرضِ. وَبِه يَتبيَّنُ أنَّ الصَّحابةَ أفقَهُ الأُمَّةِ وأعلَمُهم بالمَعاني المُؤثِّرةِ في الأحكامِ، ولَم يُنكِرْ أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ على عُمرَ؛ فهو إجماعٌ مِنهم (١). وقالَ ﵀ في «الزَّادِ»: أمَّا مَنعُ كَونِ عَقدِ الإجارةِ لا يَرِدُ إلَّا على مَنفَعةٍ؛ فإنَّ هذا ليس ثابِتًا بالكِتابِ ولا بالسُّنةِ ولا بالإجماعِ، بلِ الثابِتُ عن الصَّحابةِ خِلافُه، كما صَحَّ عن عُمرَ ﵁ أنَّه قبلَ حَديقةَ أُسَيدِ بنِ حُضَيْرٍ ثَلاثَ سِنينَ، وأخَذَ الأُجرةَ فقَضَى بها دَيْنَه، والحَديقةُ هي النَّخلُ؛ فهذه إجارةُ الشَّجرِ؛ لِأخْذِ ثَمرِها، وهو مَذهَبُ أميرِ المُؤمِنينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، ولا يُعلَمُ له في الصَّحابةِ مُخالِفٌ، واختارَه أبو الوَفاءِ بنُ عَقيلٍ مِنْ أصحابِ أحمدَ، وهو اختِيارُ شَيخِنا (٢). وقالَ أيضًا: فإنَّه لا فَرقَ في القِياسِ بينَ إجارةِ الأرضِ لِمَنْ يَقومُ عليها حتى تُنبِتَ، وبَينَ إجارةِ الشَّجرِ لِمَنْ يَقومُ عليها حتى يَطلُعَ؛ كِلاهما في القِياسِ سَواءٌ … والفَرقُ بينَ إجارةِ الشَّجرِ لِمَنْ يَخدُمُها ويَقومُ عليها حتى تُثمِرَ، وبَينَ بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها مِنْ ثَلاثةِ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّ العَقدَ هُنا وقعَ على بَيْعِ عَينٍ، وفي الإجارةِ وقعَ على مَنفَعةٍ،

стр. 5570

وإنْ كانَ المَقصودُ مِنها العَينَ فهذا لا يَضُرُّ، كَما أنَّ المَقصودَ مِنْ مَنفَعةِ الأرضِ المُستَأجَرةِ لِلزِّراعةِ العَينُ. الثَّاني: أنَّ المُستَأجِرَ يَتسلَّمُ الشَّجرَ فيَخدُمُه ويَقومُ عليه كَما يَتسلَّمُ الأرضَ، وفي البَيعِ البائِعُ هو الذي يَقومُ على الشَّجرِ ويَخدُمُه، وليسَ لِلمُشتَري الِانتِفاعُ بظِلِّه، ولا رُؤيَتُه، ولا نَشرُ الثِّيابِ عليه؛ فأينَ أحَدُ الرَّأيَيْنِ مِنْ الآخَرِ. الثَّالث: أنَّ إجارةَ الشَّجرِ عَقدٌ على عَينٍ مَوجودةٍ مَعلومةٍ؛ لِيَنتفِعَ بها في سائِرِ وُجوهِ الِانتِفاعِ، وتَدخُلُ الثَّمرةُ تَبَعًا، وإنْ كانَ هو المَقصودَ، كَما قُلتُم في نَفعِ البِئرِ ولَبنِ الظِّئرِ أنَّه يَدخُلُ تَبَعًا، وإنْ كانَ هو المَقصودَ. وأمَّا البَيعُ فعَقدٌ على عَينٍ لَم تُخلَقْ بَعدُ؛ فهذا لَونٌ، وهذا لَونٌ. وَسِرُّ المَسألةِ: أنَّ الشَّجرَ كالأرضِ، وخِدمَتُه والقِيامُ عليه كَشَقِّ الأرضِ وخِدمَتِها والقِيامِ عليها، ومَغلُ الزَّرعِ كَمَغلِ الثَّمرِ؛ فإنْ كانَ في الدُّنيا قِياسٌ صَحيحٌ فهذا مِنه (١). وقالَ تَقيُّ الدِّينِ السُّبكيُّ ﵀: أمَّا الإجارةُ فيَنبَغي أنْ يَجوزَ فيها كما يَستأجِرُ الأرضَ لِيَزرَعَها، تُستَأجَرُ الشَّجرُ لِثَمرِها، لا أجِدُ فَرقًا بَينَهما، ولا دَليلًا على بُطلانِهما، وليس في كَلامِ أبي عُبَيدٍ تَصريحٌ بمَنعِ إجارةِ الأشجارِ، ولا لِجَوازِها، واللهُ أعلَمُ (٢).

стр. 5571

المَسألةُ الثَّانيةُ: إجارةُ الحَيَوانِ لِأخْذِ لَبنِه أو صُوفِه وشَعرِه: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ استِئجارُ حَيَوانٍ لِيَأخُذَ لَبنَهُ؛ كالإبِلِ والبَقرِ والغَنَمِ ونَحوِها، كأنْ يَقولَ الإنسانُ: أستَأجِرُ بَقَرَتكَ مدَّةَ الشِّتاءِ بكَذا؛ لِأخْذِ لَبنِها. وَكَذا إذا قُلتَ لَهُ: أشتَرِي لَبنَها مدَّةَ الشِّتاءِ بكَذا، وكُلفَتُها مِنْ عِندِي، فإذا انقَضَى الشِّتاءُ رَدَدْتُها إلَيكَ، كَما يَقَعُ ذلك عِندَنا بمِصرَ. وَأخْذُ الصُّوفِ والشَّعرِ والوَبَرِ؛ كاللَّبنِ، إلَّا في الظِّئرِ؛ فإنَّه يَجوزُ بالإجماعِ، وقَد تَقدَّمَ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه في الإجارةِ النَّفعُ، والمَقصودُ هُنا العَينُ، وهي لا تُمَلَّكُ، ولا تُستحَقُّ بإجارةٍ؛ لأنَّ فيه استيفاءَ العَينِ قَصدًا. قالَ الحَنفيَّةُ: الإجارةُ بَيعُ المَنفَعةِ؛ فلا تَجوزُ إجارةُ الشَّاةِ لِلَبنِها، أو سَمْنِها، أو صُوفِها، أو وَلَدِها؛ لأنَّ هذه أعيانٌ؛ فلا تُستحَقُّ بعَقدِ الإجارةِ، وكَذا إجارةُ الشَّاةِ لِتُرضِعَ جَدْيًا أو صَبيًّا؛ لِمَا قُلْنا (١). وقالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ استِئجارُ شَاةٍ لِأخْذِ لَبنِها أو صُوفِها أو نِتاجِها، لأنَّه بَيعَ عَينٍ قبلَ الوُجودِ، إلَّا أنَّهم قالوا: لا يَكونُ شِراءُ لَبنِ الشَّاةِ مَمنوعًا مُطلَقًا بَلْ تارةً يَكونُ مَمنوعًا، وتارةً يَكونُ جائِزًا بشُروطٍ عَشَرةٍ: إنِ اشتَراه جُزافًا، كَأنْ يَقولَ لِذي أغنامٍ كَثيرةٍ: أشتَري مِنْكَ لَبنَ شاةٍ أو اثنَتَيْنِ مِنْ هذه الشِّياهِ، آخُذُه كلَّ يَومٍ مدَّةَ شَهرٍ، فلا بدَّ في الجَوازِ مما يلي: ١ - أنْ تَكونَ الشِّياهُ المُشترَى لَبنُها قَليلةً.

стр. 5572

٢ - أنْ تَكونَ غيرَ مُعيَّنةٍ. ٣ - أنْ تَكونَ مِنْ جُملةِ شِياهٍ كَثيرةٍ: لأنَّ الأغلَب أنَّ المُتعَدِّدَ الكَثيرَ لا يَموتُ كلُّه في وَقتٍ واحِدٍ؛ فإذا ماتَ البَعضُ بَقيَ البَعضُ المُوفَّى. ٤ - أنْ تَكونَ كلُّها مَملوكةً لِلبائِعِ. ٥ - أنْ تَكونَ مُتساويةَ اللَّبنِ عادةً. ٦ - أنْ يَكونَ البَيعُ في إبَّانِ الحِلابِ، وهو زَمنُ الرَّبيعِ. ٧ - أنْ يُعرَفَ قَدْرُ حِلابِ الجَميعِ؛ لِيَعلَمَ البائِعُ قَدْرَ ما باعَ، ويَعلَمَ المُشتَري قَدْرَ ما اشترَى. ٨ - أنْ يَكونَ الشِّراءُ لِأجَلٍ لا يَنقُصُ اللَّبنُ قَبلَه. ٩ - أنْ يُشرَعَ في ابتِداءِ الأخْذِ يَومَ العَقدِ أو بَعدَه بقُربٍ. ١٠ - أنْ يُعَجِّلَ الثَّمنَ؛ لأنَّه سَلَمٌ. وَكذلك يَجوزُ إنْ وقعَ على الكَيلِ، كَأنْ يَقولَ لِشَخصٍ: أشتَرِي مِنْكَ كلَّ يَومٍ رِطلَيْنِ مِنْ لَبنِ شِياهِكَ مدَّةَ شَهرٍ بكَذا، أو أشتَري مِنْكَ مِئةَ رِطلٍ مِنْ اللَّبنِ كلَّ يَومٍ آخُذُ مِنها خَمسةَ أرطالٍ بكَذا، لَكِنْ بالشُّروطِ المُتقدِّمةِ، ما عَدَا الشَّرطَ الأولَ، وهو تَعدُّدُ الشِّياهِ -الَّتي عندَ البائِعِ- وكَثرَتُها، وكَذا لا يُشترَطُ مَعرِفةُ وَجهِ الحِلابِ؛ لأنَّ العَقدَ تَعلّقَ بالكَيلِ؛ فلا غَرَرَ، وحينئذٍ فالمُشترَطُ كَوْنُ الشِّراءِ في الإبَّانِ، وأنْ يَكونَ لِأجَلٍ لا يَنقُصُ اللَّبنُ قَبلَه، وأنْ يَشرَعَ المُشتَري في الأخْذِ مِنْ يَومِ العَقدِ أو بَعدَه بأيَّامٍ يَسيرةٍ،

стр. 5573

وأنْ يُسَلَّمَ لربِّ الشِّياهِ، لا إلى غَيرِه، وأنْ يُعَجِّلَ الثَّمنَ؛ لأنَّه سَلَمٌ (١). وقالَ الشَّافعيَّةُ: استِئجارُ الشَّاةِ لِنِتاجِها أو صُوفِها أو لَبنِها باطِلٌ؛ لأنَّ الأعيانَ لا تُمَلَّكُ بعَقدِ الإجارةِ، وهذا في الحَقيقةِ بَيعٌ لِأعيانٍ مَعدومةٍ ومَجهولةٍ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: ولا تَصحُّ إجارةُ حَيَوانٍ، كبَقَرٍ وغَنَمٍ؛ لِأخْذِ لَبنِه، أو لِيَستَرضِعَها لِسِخالِها ونَحوِها، أو لِأخْذِ صُوفِه أو شَعرِه؛ لأنَّ المَعقودَ عليه في الإجارةِ النَّفعُ، ولأنَّ المَقصودَ هنا العَينُ، وهي لا تُمَلَّكُ ولا تُستحَقُّ بإجارةٍ (٣). وَذَهَبَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ونَصَرَه ابنُ القيِّمِ إلى جَوازِ إجارةِ الحَيَوانِ لِأخْذِ لَبنِهِ؛ فإنْ قامَ عليها المُستَأجِرُ وعَلَفَها؛ فكاستِئجارِ الشَّجرِ، وإنْ عَلَفَها رَبُّها وأخَذَ المُشتَرِي اللَّبنَ، فبَيعٌ، وليسَ هذا بغَرَرٍ؛ فإنَّه كَمَنيحةِ الشَّاةِ، وهو عاريَتُها؛ لِلِانتِفاعِ بلَبنِها، كَما يُعِيرُه الدَّابَّةَ لِرُكوبِها؛ لأنَّ هذا يَحدُثُ شَيئًا فشَيئًا، فهو بالمَنافِعِ أشبَهُ فإلحاقِه بها أَوْلَى.

стр. 5574

وَلأنَّ المُستَوفَى بعَقدِ الإجارةِ على زَرعِ الأرضِ هو عَينٌ مِنْ أعيانٍ، وهو ما يُحدِثُه مِنْ الحَبِّ بسَقْيِه وعَملِه، وكَذا مُستَأجِرُ الشَّاةِ لِلَبنِها، مَقصودُه ما يُحدِثُه اللَّهُ مِنْ لَبنِها بعَلَفِها، والقِيامِ عليها؛ فلا فَرقَ بَينَهما، والآفاتُ والمَوانِعُ التي تَعرِضُ لِلزَّرعِ أكثَرُ مِنْ آفاتِ اللَّبنِ، ولأنَّ الأصْلَ في العُقودِ الجَوازُ، والصِّحَّةُ. قالَ شَيخُ الإسلامِ ﵀: وقولُ القائِلِ: الإجارةُ إنَّما تَكونُ على المَنافِعِ دونَ الأعيانِ، لَيسَ هو قَولًا لِلَّهِ ، ولا لِرَسولِه ﷺ ، ولا الصَّحابةِ ﵃ ولا الأئِمَّةِ ﵏؛ وإنَّما هو قَولٌ قالَتْه طائِفةٌ مِنْ النَّاسِ. فَيُقالُ لِهَؤُلاءِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ الإجارةَ لا تَكونُ إلَّا على المَنافِعِ فقَطْ، بَلْ الإجارةُ تَكونُ على ما يَتجدَّدُ ويَحدُثُ ويُستَخلَفُ بَدَلُه مع بَقاءِ العَينِ؛ كَمِياهِ البِئرِ وغَيرِ ذلك، سَواءٌ كانَ عَينًا أو مَنفَعةً، كَما أنَّ المَوقوفَ يَكونُ ما يَتجدَّدُ وما تَحدُثُ فائِدَتُه شَيئًا بعدَ شَيءٍ، سَواءٌ كانَتِ الفائِدةُ مَنفَعةً أو عَينًا؛ كالتَّمرِ واللَّبنِ والماءِ النَّابِعِ. وَكذلك العاريةُ، وهو عَما يَكونُ الِانتِفاعُ بما يَحدُثُ ويُستَخلَفُ بَدَلُه، يُقالُ: أفقَرَ الظَّهرَ وأعْرَى النَّخلةَ ومَنحَ النَّاقةَ، فإذا مَنَحَه النَّاقةَ يَشرَبُ لَبنَها ثم يَرُدُّها، أو أعْرَاهُ نَخلةً يَأكُلُ ثَمرَها ثم يَرُدُّها، وهو مِثلُ أنْ يُفقِرَه ظَهرًا يَركَبُه ثم يَرُدُّه. وَكذلك إكراءُ المَرأةِ أو طَيرٍ أو ناقةٍ أو بَقَرةٍ أو شاةٍ يَشرَبُ لَبنَها مدَّةً

стр. 5575

مَعلومةً؛ فهو مِثلُ أنْ يَكونَ دَابَّةً يَركَبُ ظَهرَها مدَّةً مَعلومةً. وَإذا تَغَيَّرَتِ العادةُ في ذلك كانَ تَغيُّرُ العادةِ في المَنفَعةِ يُمَلِّكُ المُستَأجِرَ إمَّا الفَسخَ، وإمَّا الأرشَ، وكذلك إذا أكراه حَديقةً يَستَعمِلُها حَولًا أو حَولَيْنِ، كَما فعلَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ لَمَّا قبلَ حَديقةَ أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ ثَلاثَ سِنينَ، وأخَذَ المالَ وقَضَى به دَيْنًا كانَ عليه. وَإذا كانَ المُستَأجِرُ هو الذي يَقومُ على هذه الدَّوابِّ فهو إجارةٌ، وهو أَوْلَى بالجَوازِ مِنْ إجارةِ الظِّئرِ. وأمَّا إذا كانَ صاحِبُ الماشيةِ هو الذي يَعلِفُها ويَسقيها ويُؤويها وطالِبُ اللَّبنِ لا يَعرِفُ إلَّا لَبنَها، وقَدِ استَأجَرَها تُرضِعُ سِخالًا لَه، فهو مِثلُ إجارةِ الظِّئرِ، وإذا كانَ لِيأخُذَ اللَّبنَ هو، فهو يُشبِهُ إجارةَ الظِّئرِ لِلرَّضاعِ المُطلَقِ، لا لِإرضاعِ طِفلٍ مُعيَّنٍ، وهذا قد يُسَمَّى بَيعًا، ويُسَمَّى إجارةً، وهو نِزاعٌ لَفظيٌّ. وَإذا قيلَ: هو بَيعٌ مَعدومٌ، قيلَ: نَعَمْ، وليسَ في أُصولِ الشَّرعِ ما يَنهَى عن بَيعِ كلِّ مَعدومٍ، بَلِ المَعدومُ الذي يُحتاجُ إلى بَيعِه وهو مَعروفٌ في العادةِ يَجوزُ بَيعُه، كَما يَجوزُ بَيعُ الثَّمرةِ بعدَ بُدُوِّ صَلاحِها؛ فإنَّ ذلك يَصحُّ عندَ جُمهورِ العُلماءِ، كَمَا دَلَّتْ عليه السُّنةُ مع أنَّ الأجزاءَ التي تُخلَقُ بَعدُ مَعدومةٌ وقَد دخلَتْ في العَقدِ، وكذلك يَجوزُ بَيعُ المَقاثيِّ وغَيرِها على هذا القَولِ، واللَّهُ أعلمُ (١).

стр. 5576

وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وأمَّا إنْ أجَّرَه الشَّاةَ أوِ البَقَرةَ أوِ النَّاقةَ مدَّةً مَعلومةً؛ لِأخْذِ لَبنِها، في تلك المدَّةِ، فهذا لا يُجَوِّزُه الجُمهورُ، واختارَ شَيخُنا جَوازَه وحَكاه قَولًا لِبَعضِ أهلِ العِلمِ، ولَه فيها مُصَنَّفٌ مُفرَدٌ، قالَ: إذا استَأجَرَ غَنَمًا أو بَقَرًا أو نُوقًا أيَّامَ اللَّبنِ بأُجرةٍ مُسمَّاةٍ، وعَلَفُها على المالِكِ، أو بأُجرةٍ مُسمَّاةٍ، مع عَلَفِها، على أنْ يَأخُذَ اللَّبنَ، جازَ ذلك في أظهَرِ قَولَيِ العُلماءِ، كَما في الظِّئرِ، قالَ: وهذا يُشبِهُ البَيعَ ويُشبِهُ الإجارةَ، ولِهَذا يَذكُرُه بَعضُ الفُقهاءِ في البَيعِ، وبَعضُهم في الإجارةِ، لَكِنْ إذا كانَ اللَّبنُ يَحصُلُ بعَلفِ المُستَأجِرِ وقيامِه على الغَنَمِ، فإنَّه يُشبِهُ استِئجارَ الشَّجرِ، وإنْ كانَ المالِكُ هو الذي يَعلِفُها، وإنَّما يَأخُذُ المُشتَرِي لَبنًا مُقدَّرًا، فهذا بَيعٌ مَحضٌ، وإنْ كانَ يَأخُذُ اللَّبنَ مُطلَقًا فهو بَيعٌ أيضًا، فإنَّ صاحِبَ اللَّبنِ يُوَفِّيهِ اللَّبنَ بخِلافِ الظِّئرِ؛ فإنَّما هي تَسقي الطِّفلَ، وليسَ هذا داخِلًا فيما نُهِيَ عنه مِنْ بَيعِ الغَرَرِ؛ لأنَّ الغَرَرَ تَردُّدٌ بينَ الوُجودِ والعَدَمِ، فنُهيَ عن بَيعِه لأنَّه مِنْ جِنسِ القِمارِ الذي هو المَيْسِرُ، واللَّهُ حرَّمَ ذلك؛ لِمَا فيه مِنْ أكْلِ المالِ بالباطِلِ، وذلك مِنْ الظُّلمِ الذي حرَّمَه اللَّهُ تَعالى، وهذا إنَّما يَكونُ قِمارًا إذا كانَ أحَدُ المُتعاوِضَيْنِ يَحصُلُ له مالٌ، والآخَرُ قد يَحصُلُ لَه، وقَد لا يَحصُلُ، فهذا الذي لا يَجوزُ، كَما في بَيعِ العَبدِ الآبِقِ، والبَعيرِ الشَّارِدِ، وبَيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ؛ فإنَّ البائِعَ يَأخُذُ مالَ المُشتَرِي، والمُشتَرِي قد يَحصُلُ له شَيءٌ، وقَد لا يَحصُلُ، ولا يُعرَفُ قَدْرُ الحاصِلِ، فأمَّا إذا كانَ شَيئًا مَعروفًا

стр. 5577

بالعادةِ، كَمَنافِعِ الأعيانِ بالإجارةِ، مثلَ مَنفَعةِ الأرضِ، والدَّابَّةِ، ومِثلَ لَبنِ الظِّئرِ المُعتادِ، ولَبنِ البَهائِمِ المُعتادِ، ومِثلَ الثَّمرِ والزَّرعِ المُعتادِ، فهذا كلُّه مِنْ بابٍ واحِدٍ، وهو جائِزٌ. ثم إنْ حَصَلَ على الوَجْهِ المُعتادِ وإلَّا حُطَّ عن المُستَأجِرِ بقَدْرِ ما فاتَ مِنْ المَنفَعةِ المَقصودةِ، وهو مِثلُ وَضعِ الجائِحةِ في البَيعِ، ومِثلُ ما إذا تَلِفَ بَعضُ المَبيعِ قبلَ التَّمكُّنِ مِنْ القَبضِ في سائِرِ البُيوعِ. فَإنْ قِيلَ: مَورِدُ عَقدِ الإجارةِ إنَّما هو المَنافِعُ، لا الأعيانُ، ولِهَذا لا يَصحُّ استِئجارُ الطَّعامِ لِيَأكُلَه، والماءِ لِيَشرَبَه، وأمَّا إجارةُ الظِّئرِ فعلى المَنفَعةِ، وهي وَضعُ الطِّفلِ في حِجرِها، وإلقامُه ثَدْيَها، واللَّبنُ يَدخُلُ ضِمنَهُ، أو تَبَعًا، فهو كَنَقعِ البِئرِ في إجارةِ الدَّارِ، ويُغتَفَرُ فيما دخلَ ضِمنًا وتَبَعًا ما لا يُغتَفَرُ في الأُصولِ والمَتبوعاتِ. قيلَ: الجَوابُ عن هذا مِنْ وُجوهٍ: أحَدُها: مَنعُ كَونِ عَقدِ الإجارةِ لا يُرَدُّ إلَّا على مَنفَعةٍ؛ فإنَّ هذا لَيسَ ثابِتًا بالكِتابِ، ولا بالسُّنةِ ولا بالإجماعِ، بَلِ الثَّابِتُ عن الصَّحابةِ خِلافُه، كَما صَحَّ عن عُمرِ ﵁ أنَّه قبلَ حَديقةَ أُسَيدِ بنِ حُضَيرٍ ثَلاثَ سِنينَ، وأخَذَ الأُجرةَ فقَضَى بها دَيْنَه، والحَديقةُ هي النَّخلُ، فهذه إجارةُ الشَّجرِ لِأخْذِ ثَمرِها، وهو مَذهَبُ أميرِ المُؤمِنينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ ﵁، ولا يُعلَمُ له في الصَّحابةِ مُخالِفٌ، واختارَه أبو الوَفاءِ بنُ عَقيلٍ مِنْ أصحابِ أحمدَ، وهو اختِيارُ شَيخِنا، فقولُكم: إنَّ مَورِدَ عَقدِ الإجارةِ لا يَكونُ إلَّا مَنفَعةً، غيرُ

стр. 5578

مُسلَّمٍ، وغَيرُ ثابِتٍ بالدَّليلِ، وغايةُ ما مَعَكم قِياسُ مَحَلِّ النِّزاعِ على إجارةِ الخُبزِ لِلأكلِ، والماءِ لِلشُّربِ، وهذا مِنْ أفسَدِ القِياسِ؛ فإنَّ الخُبزَ تَذهَبُ عَينُه ولا يُستَخلَفُ مِثلُه، بخِلافِ اللَّبنِ ونَقْعِ البِئرِ؛ فإنَّهما لَمَّا كانَا يُستَخلَفانِ ويَحدُثانِ شَيئًا فشَيئًا، كانَ بمَنزِلةِ المَنافِعِ. يُوضِّحُه الوَجهُ الثَّاني: وهو أنَّ الثَمرَ يَجري مَجرَى المَنافِعِ والفَوائِدِ في الوَقفِ والعاريةِ ونَحوِها، فيَجوزُ أنْ يَقِفَ الشَّجرةَ لِيَنتفِعَ أهلُ الوَقفِ بثَمراتِها، كَما يَقِفُ الأرضَ لِيَنتفِعَ أهلُ الوَقفِ بِغَلَّتِها، ويَجوزَ إعارةُ الشَّجرةِ، كَما يَجوزُ إعارةُ الظَّهرِ وعاريةِ الدَّارِ ومَنيحةِ اللَّبنِ، وهذا كلُّه تَبَرُّعٌ بنَماءِ المالِ وفائِدَتِه؛ فإنَّ مَنْ دفعَ عَقارَه إلى مَنْ يَسكُنُه، فهو بمَنزِلةِ مَنْ دفعَ دابَّتَه إلى مَنْ يَركَبُها، وبِمَنزِلةِ مَنْ دفعَ شَجرةً إلى مَنْ يَستَثمِرُها، وبِمَنزِلةِ مَنْ دفعَ أرضَه إلى مَنْ يَزرَعُها، وبِمَنزِلةِ مَنْ دفعَ شاتَهُ إلى مَنْ يَشرَبُ لَبنَها؛ فهذه الفَوائِدُ تَدخُلُ في عُقودِ التَّبرُّعِ، سَواءٌ كانَ الأصْلُ مَحْبُوسًا بالوَقفِ، أو غيرَ مَحْبُوسٍ، ويَدخُلُ أيضًا في عُقودِ المُشارِكاتِ؛ فإنَّه إذا دفعَ شاةً أو بَقَرةً أو ناقةً إلى مَنْ يَعمَلُ عليها بجُزءٍ مِنْ دَرِّها ونَسلِها، صَحَّ على أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ، فكذلك يَدخُلُ في العُقودِ لِلإجاراتِ. يُوضِّحُه الوَجهُ الثَّالث: وهو أنَّ الأعيانَ نَوعانِ: نَوعٌ لا يُستَخلَفُ شَيئًا فشَيئًا، بَلْ إذا ذَهَبَ ذَهَبَ جُملةً، ونَوعٌ يُستَخلَفُ شَيئًا فشَيئًا، كلَّما ذَهَبَ منه شَيءٌ خَلَفَه شَيءٌ مِثلُه؛ فهذا رُتبةٌ وُسطَى بينَ المَنافِعِ وبَينَ الأعيانِ التي لا تُستَخلَفُ؛ فيَنبَغي أنْ يُنظَرَ في شَبَهِهِ بأيِّ النَّوعَيْنِ، فيُلحَقَ به، ومَعلومٌ أنَّ شَبَهَه بالمَنافِعِ أقوَى؛ فإلحاقُه بها أَوْلَى.

стр. 5579

يُوَضِّحُه الوَجهُ الرَّابِعُ: وهو أنَّ اللَّهَ نَصَّ في كِتابِه على إجارةِ الظِّئرِ، وسَمَّى ما تَأخُذُه أجرًا، وليسَ في القُرآنِ إجارةٌ مَنصوصٌ عليها في شَريعَتِنا إلَّا إجارةَ الظِّئرِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٦]. قالَ شَيخُنا ﵀: وإنَّما ظَنَّ الظَّانُّ أنَّها خِلافُ القِياسِ، حَيثُ تَوَهَّمَ أنَّ الإجارةَ لا تَكونُ إلَّا على مَنفَعةٍ، وليسَ الأمرُ كذلك، بَلِ الإجارةُ تَكونُ على كلِّ ما يُستَوفَى مع بَقاءِ أصلِه، سَواءٌ كانَ عَينًا أو مَنفَعةً، كَما أنَّ هذه العَينَ هي التي تُوقَفُ وتُعارُ فيما استَوفاه المَوقوفُ عليه، والمُستَعيرُ بلا عِوَضٍ يَستَوفيه المُستَأجِرُ، وبِالعِوَضِ، فلَمَّا كانَ لَبنُ الظِّئرِ مُستَوفًى مع بَقاءِ الأصْلِ جازَتِ الإجارةُ عليه، كَما جازَتْ على المَنفَعةِ، وهذا مَحضُ القِياسِ؛ فإنَّ هذه الأعيانَ يُحدِثُها اللَّهُ شَيئًا بعدَ شَيءٍ، وأصْلُها باقٍ، كَمَا يُحدِثُ اللَّهُ المَنافِعَ شَيئًا بعدَ شَيءٍ، وأصْلُها باقٍ. وَيُوضِّحُه الوَجهُ الخامِسُ: وهو أنَّ الأصلَ في العُقودِ وُجوبُ الوَفاءِ، إلَّا ما حرَّمَه اللَّهُ ، ورَسولُه ﷺ ؛ فإنَّ المُسلِمينَ على شُروطِهم، إلَّا شَرطًا أحَلَّ حَرامًا، أو حرَّمَ حَلالًا، فلا يَحرُمُ مِنْ الشُّروطِ والعُقودِ إلَّا ما حرَّمَه اللَّهُ ، ورَسولُه ﷺ ؛ وليسَ مع المانِعِينَ نَصٌّ بالتَّحريمِ ألبتَّةَ؛ وإنَّما مَعَهم قِياسٌ قد عُلِمَ أنَّ بينَ الأصْلِ والفَرعِ فيه مِنْ الفَرقِ ما يَمنَعُ الإلحاقَ، وأنَّ القياسَ الذي مع مَنْ أجازَ ذلك أقرَبُ إلى مُساواةِ الفَرعِ لِأصْلِه، وهذا ما لا حِيلةَ فيه، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ.

стр. 5580

يُوضِّحُه الوَجهُ السَّادِسُ: وهو أنَّ الذين مَنَعوا هذه الإجارةَ لَمَّا رَأوْا إجارةَ الظِّئرِ ثابِتةً بالنَّصِّ والإجماعِ، والمَقصودُ بالعَقدِ إنَّما هو اللَّبنُ، وهو عَينٌ تَمَحَّلوا لِجَوازِها أمرًا يَعلَمونَ هُمْ والمُرضِعةُ والمُستَأجِرُ بُطلانَه، فقالوا: العَقدُ إنَّما وقعَ على وَضعِها الطِّفلَ في حِجرِها، وإلقامِه ثَدْيَها فقَطْ، واللَّبنُ يَدخُلُ تَبَعًا، واللَّهُ يَعلَمُ، والعُقَلاءُ قاطِبةً أنَّ الأمرَ لَيسَ كذلك، وأنَّ وَضعَ الطِّفلِ في حِجْرِها لَيسَ مَقصودًا أصْلًا، ولا وَردَ عليه عَقدُ الإجارةِ، لا عُرفًا ولا حَقيقةً، ولا شَرعًا، ولَو أرضَعَتِ الطِّفلَ وهو في حِجرِ غَيرِها، أو في مَهدِه، لَاستَحقَّتِ الأُجرةَ، ولَو كانَ المَقصودُ إلقامَ الثَّديِ المُجرَّدَ لَاستُؤجِرَ له كلُّ امرَأةٍ لَها ثَدْيٌ ولَو لَم يكُنْ لَها لَبنٌ، فهذا هو القياسُ الفاسِدُ حَقًّا، والفِقهُ البارِدُ؛ فكَيفَ يُقالُ: إنَّ إجارةَ الظِّئرِ على خِلافِ القِياسِ، ويُدَّعَى أنَّ هذا هو القياسُ الصَّحيحُ. الوَجهُ السَّابِعُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَدَبَ إلى مَنيحةِ العَنزِ والشَّاةِ؛ لِلَبنِها، وحَضَّ على ذلك، وذكرَ ثَوابَ فاعِلِه، ومَعلومٌ أنَّ هذا لَيسَ ببَيعٍ ولا هِبةٍ؛ فإنَّ هِبةَ المَعدومِ المَجهولِ لا تَصحُّ؛ وإنَّما هو عاريةُ الشَّاةِ لِلِانتِفاعِ بلَبنِها، كَما يُعيرُه الدَّابَّةَ لِرُكوبِها؛ فهذا إباحةٌ لِلِانتِفاعِ بدَرِّها، وكِلاهُما في الشَّرعِ واحِدٌ، وما جازَ أنْ يُستَوفَى بالعاريةِ جازَ أنْ يُستَوفَى بالإجارةِ؛ فإنَّ مَورِدَهُما واحِدٌ، وإنَّما يَختَلِفانِ في التَّبرُّعِ بهَذا، والمُعاوَضةِ على الآخَرِ. والوَجهُ الثَّامِنُ: ما رَواه حَربٌ الكَرْمانيُّ في مَسائِلِه: حَدَّثَنا سَعيدُ بنُ مَنصورٍ حَدَّثَنا عَبَّادُ بنُ عَبَّادٍ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه أنَّ أُسَيدَ بنَ حُضَيرٍ تُوُفِّيَ وعليه سِتَّةُ آلافِ دِرهمٍ دَينًا، فدَعا عُمرُ بنُ الخطَّابِ غُرَماءَه، فقَبَّلَهم

стр. 5581

أرْضَه سَنتَيْنِ، وفيها الشَّجرُ والنَّخلُ وحَدائِقُ المَدينةِ الغالِبَ عليها النَّخلُ، والأرضُ البَيضاءُ فيها قَليلةٌ. فهَذا إجارةُ الشَّجرِ لِأخْذِ ثَمرِها، ومَنِ ادَّعَى أنَّ ذلك خِلافُ الإجماعِ، فمِن عَدَمِ عِلمِه، بَلِ ادِّعاءُ الإجماعِ على جَوازِ ذلك أقرَبُ؛ فإنَّ عُمرَ ﵁ فعلَ ذلك بالمَدينةِ النَّبَويةِ بمَشهَدِ المُهاجِرينَ والأنصارِ، وهي قِصَّةٌ في مَظِنَّةِ الِاشتِهارِ، ولَم يُقابِلْها أحَدٌ بالإنكارِ، بَلْ تَلَقَّاها الصَّحابةُ بالتَّسليمِ والإقرارِ، وقَد كانوا يُنكِرونَ ما هو دُونَها، وإنْ فعلَه عُمرُ ﵁، كَما أنكَرَ عليه عِمرانُ بنُ حُصَينٍ وغَيرُه شَأنَ مُتعةِ الحَجِّ، ولَم يُنكِرْ أحَدٌ هذه الواقِعةَ وسَنُبَين إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أنَّها مَحضُ القِياسِ، وأنَّ المانِعينَ مِنها لا بدَّ لَهم مِنها، وأنَّهم يَتحيَّلونَ عليها بحِيَلٍ لا تَجوزُ. الوَجهُ التَّاسِعُ: أنَّ المُستَوفَى بعَقدِ الإجارةِ على زَرعِ الأرضِ هو عَينٌ مِنْ الأعيانِ، وهو المَغلُ الذي يَستَغِلُّه المُستَأجِرُ، وليسَ له مَقصودٌ في مَنفَعةِ الأرضِ غيرُ ذلك، وإنْ كانَ له قَصدٌ جَرَى في الِانتِفاعِ بغَيرِ الزَّرعِ، فذلك تَبَعٌ. فَإنْ قيلَ: المَعقودُ عليه هو مَنفَعةُ شَقِّ الأرضِ وبَذْرِها وفِلَاحَتِها، والعَينُ تَتولَّدُ مِنْ هذه المَنفَعةِ، كَما لَوِ استَأجَرَ لِحَفْرِ بِئرٍ فخَرجَ مِنها الماءُ فالمَعقودُ عليه هو العَملُ نَفْسُه، لا الماءُ. قيلَ: مُستَأجِرُ الأرضِ لَيسَ له مَقصودٌ في غيرِ المَغلِ، والعَملُ وَسيلةٌ مَقصودةٌ لِغَيرِها، لَيسَ له فيه مَنفَعةٌ، بَلْ هو تَعَبٌ ومَشَقَّةٌ، وإنَّما مَقصودُه ما

стр. 5582

يُحدِثُه اللَّهُ مِنْ الحَبِّ بسَقْيِه وعَملِه، وهَكَذا مُستَأجِرُ الشَّاةِ لِلَبنِها، سَواءٌ مَقصودُه ما يُحدِثُه اللَّهُ مِنْ لَبنِها، بعَلْفِها وحِفظِها والقِيامِ عليها، فلا فَرقَ بَينَهما ألبتَّةَ إلَّا ما لا تُناطُ به الأحكامُ مِنْ الفُروقِ المُلغاةِ، وتَنظيرُكم بالِاستِئجارِ لِحَفرِ البِئرِ تَنظيرٌ فاسِدٌ، بَلْ نَظيرُ حَفْرِ البِئرِ أنْ يَستَأجِرَ أكَّارًا لِحَرْثِ أرضِه، ولِيَبذُرَها ويَسقِيَها، ولا رَيبَ أنَّ تَنظيرَ إجارةِ الحَيَوانِ لِلَبنِه بإجارةِ الأرضِ لِمَغلِها هو مَحضُ القياسِ، وهو كَما تَقدَّمَ أصَحُّ مِنْ التَّنظيرِ بإجارةِ الخُبزِ لِلأكلِ. يُوضِّحُه الوَجهُ العاشِرُ: وهو أنَّ الغَرَرَ والخَطَرَ الذي في إجارةِ الأرضِ لِحُصولِ مَغْلِها أعظَمُ بكَثيرٍ مِنْ الغَرَرِ الذي في إجارةِ الحَيَوانِ لِلَبنِه؛ فإنَّ الآفاتِ والمَوانِعَ التي تَعرِضُ لِلزَّرعِ أكثَرُ مِنْ آفاتِ اللَّبنِ، فإذا اغتُفِرَ ذلك في إجارةِ الأرضِ فلَأنْ يُغتَفَرَ في إجارةِ الحَيَوانِ لِلَبنِه أَوْلَى وأحْرَى. فالأقوالُ في العَقدِ على اللَّبنِ في الضَّرعِ ثَلاثةٌ: أحَدُها: مَنْعُه بَيعًا وإجارةً، وهو مَذهَبُ أحمدَ، والشَّافِعيِّ، وأبي حَنيفَةَ. والثَّاني: جَوازُه بَيعًا وإجارةً. والثَّالث: جَوازُه إجارةً، لا بَيعًا، وهو اختيارُ شَيخِنا ﵀ (١). المَسألةُ الثالِثةُ: إجارةُ النَّهَرِ والقَناةِ والبِئرِ لِمائِها: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إجارةِ ماءٍ في نَهَرٍ أو بِئرٍ أو قَناةٍ أو عَينٍ، هَلْ يَجوزُ أو لا؟

стр. 5583

فذهبَ الحَنفيَّةُ، على ما حَكاه الكاسانيُّ إلى أنَّه لا يَجوزُ إجارةُ ماءٍ في نَهَرٍ أو بِئرٍ أو قَناةٍ أو عَينٍ؛ لأنَّ الماءَ عَينٌ، فإنِ استَأجَرَ القَناةَ والعَينَ والبِئرَ مع الماءِ لَم يَجُزْ أيضًا، لأنَّ المَقصودَ منه الماءُ، وهو عَينٌ، ولا يَجوزُ استِئجارُ الآجامِ التي فيها الماءُ لِلسَّمَكِ وغَيرِه مِنْ القَصَبِ والصَّيدِ؛ لأنَّ كلَّ ذلك عَينٌ؛ فإنِ استَأجَرَها مع الماءِ فهو أَفسَدُ وأخبَثُ؛ لأنَّ استِئجارَها بدُونِ الماءِ فاسِدٌ؛ فكانَ مع الماءِ أَفسَدَ (١). لكِنَّ المُفتَى به عن الحَنفيَّةِ هو الجَوازُ؛ لِعُمومِ البَلْوَى، قالَ في «الدُّر المُختار»: جازَ إجارةُ القَناةِ والنَّهَرِ -أي: مَجرَى الماءِ- مع الماءِ تَبَعًا، به يُفتَى لِعُمومِ البَلْوَى (٢). وَذَهَبَ الحَنفيَّةُ في المُفتَى به عِندَهم -كَما تَقدَّمَ- والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ استِئجارِ البِئرِ. قالَ الشَّافعيَّةُ: يَصحُّ استِئجارُ القَناةِ، وهي الجَدوَلُ المَحفورُ لِلزِّراعةِ بمائِها الجاري إلَيها مِنْ النَّهَرِ؛ لِلحاجةِ، لا استِئجارُ قَرارِها دونَ الماءِ، بأنِ استَأجَرَها لِيَكونَ أحَقَّ بمائِها الذي يُتحَصَّلُ فيها بالمَطَرِ والثَّلجِ في المُستَقبَلِ؛ لأنَّه استِئجارٌ لِمَنفَعةٍ مُستَقبَلةٍ، بخِلافِ ما لَوِ استَأجَرَها لِيَجرِيَ فيها الماءُ، أو لِيَحبِسَ الماءَ فيها، حتى يَجتَمِعَ فيها السَّمَكُ. وَيَصحُّ استِئجارُ البِئرِ لِلِاستِقاءِ مِنْ مائِها لِلحاجةِ.

стр. 5584

وقالَ النَّوَويُّ ﵀: استِئجارُ القَناةِ لِلزِّراعةِ بمائِها جائِزٌ؛ لأنَّا إنْ قُلْنا: الماءُ لا يُمَلَّكُ؛ كالشَّبَكةِ لِلِاصطيادِ، وإلَّا فالمَنافِعُ آبارُ الماءِ، وقَد جَوَّزوا استِئجارَ بِئرِ الماءِ لِلِاستِقاءِ، والتي بَعدَها مُستَأجَرةٌ لِإجراءِ الماءِ فيها. وقالَ الرُّويانيُّ ﵀: إذا اكتَرى قَرارَ القَناةِ لِيَكونَ أحَقَّ بمائِها جازَ في وَجْهٍ، وهو الِاختيارُ، والمَعروفُ مَنعُه، ومُقتَضَى لَفظِه أنْ يَكونَ تَعريفًا على أنَّ الماءَ لا يُمَلَّكُ (١). وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ ابنُ عَقيلٍ ﵀: يَجوزُ استِئجارُ البِئرِ لِيَستَقيَ مِنها أيَّامًا مَعلومةً، أو يَستَقيَ مِنها دِلاءً مَعلومةً؛ لأنَّ هَواءَ البِئرِ وعُمقَها فيهما نَوعُ انتِفاعٍ بمُرورِ الدَّلوِ فيها، فأمَّا الماءُ فيُؤخَذُ على الإباحةِ، انتَهَى؛ لأنَّه إنَّما يُملَكُ بالحِيازةِ، كَما تَقدَّمَ، قالَ في المُغني: وهذا التَّعليلُ يَقتَضي أنَّه يَجوزُ أنْ يَستَأجِرَ منه بِرْكَتَه لِيَصطادَ مِنها السَّمَكَ مدَّةً مَعلومةً، انتَهَى، قالَ البُهوتيُّ: وَهو واضِحٌ، إذا لَم تُعمَلْ لِلسَّمَكِ؛ لأنَّ هَواءَ البِرْكَةِ وعُمقَها فيهما نَوعُ انتِفاعٍ بمُرورِ آلةِ الصَّيدِ، والسَّمَكُ يُؤخَذُ على الإباحةِ، وأمَّا إذا عُمِلَتْ لِلسَّمَكِ فإنَّه يُملَكُ بحُصولِه فيها، فلا تَصحُّ الإجارةُ لِأخذٍ، لَكِنْ إنْ أجَّرَها قبلَ حُصولِ السَّمَكِ بها لِمَنْ يَصطادُه مِنها مدَّةً مَعلومةً صَحَّ، فإذا حَصَلَ فيها فلَه صَيدُهُ (٢).

стр. 5585

وأمَّا المالِكيَّةُ فجاءَ في «المُدَوِّنةِ الكُبرى»: في إجارةِ البِئرِ: قُلتُ: أرَأيتَ إنِ استَأجَرتُ مِنْ رَجُلٍ بِئرًا وهي في دارٍ في فِنائِه وليسَتْ هي مِنْ آبارِ الماشيةِ، استَأجَرتُها منه أسْقي مِنها غَنَمي كلَّ شَهرٍ بدِينارٍ، أتَجُوزُ هذه الإجارةُ في قَولِ مالِكٍ أم لا؟ قالَ: أمَّا ما كانَ في دارِه فلَه أنْ يَبيعَها ويَمنَعَها النَّاسَ، وكذلك سَمِعتُ مالِكًا يَقولُ، وأمَّا فِناؤُه فإنِّي لا أعرِفُ ما الفِناءُ، إنْ كانَ إنَّما احتَفَرَها لِلنَّاسِ يَستَقونَ مِنها أو لِماشِيَتهم فلا يَنبَغي له أنْ يَبيعَها، وإنْ كانَ إنَّما احتَفَرَها لِيَحوزَها لِنَفْسِه، كَما يَحوزُ ما في دارِه، يَسقي بها ويَشرَبُ بها، وهي في أرضِه، ولَم يَحتَفِرْها على وَجْهِ الصَّدَقةِ لِلنَّاسِ، فلا أرَى بها بَأْسًا أنْ يَبيعَها أو يُكريَها. قُلتُ: أكانَ مالِكٌ يَكرَهُ بَيعَ المَواجِلِ (١)، مَواجِلِ ماءِ السَّماءِ، قالَ: سَألتُ مالِكًا عن بَيعِ ماءِ المَواجِلِ التي على طَريقِ أنطابلسَ فَكَرِهَ ذلك. قُلتُ: هَلْ كانَ مالِكٌ يَكرَهُ بَيعَ فَضلِ ماءِ الزَّرعِ مِنْ العُيونِ، أو الآبارِ؟ قالَ: لا بَأْسَ بذلك. قُلتُ: وهَل كانَ مالِكٌ يَكرَهُ بَيعَ رِقابِ آبارِ ماءِ الزَّرعِ؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ ببَيعِها. قُلتُ: وكذلك العُيونُ لا بَأْسَ ببَيعِ أصْلِها، وبَيعِ مائِها؛ لِيُسقَى به الزَّرعُ، قالَ: نَعَمْ، لا بَأْسَ بذلك عندَ مالِكٍ.

стр. 5586

قُلتُ: وإنَّما كَرِهَ مالِكٌ بَيعَ بِئرِ الماشِيةِ أنْ يُباعَ ماؤُها، أو يُباعَ أصْلُها، قالَ: نَعَمْ. قُلتُ: وأهلُها أحَقُّ بمائِها، حتى إذا فَضَلَ عنهم كانَ النَّاسُ فيه أُسوةً. قالَ: نَعَمْ. قُلتُ: وهَل كانَ مالِكٌ يَكرَهُ بَيعَ آبارِ الشَّفَهِ، قالَ: قالَ مالِكٌ: إنْ كانَتِ البِئرُ في أرضِه، أو في دارِه، لَم أرَ بَأْسًا أنْ يَبيعَها ويَبيعَ ماءَها. قُلتُ: وهَل كانَ مالِكٌ يَجعَلُ رَبَّها أحَقَّ بمائِها مِنْ النَّاسِ؟ قالَ: نَعَمْ. قُلتُ: فالمَواجِلُ، أكانَ مالِكٌ يَجعَلُ رَبَّها أَوْلَى بمائِها؟ قالَ: أمَّا كلُّ ما احتَفَرَ في أرضِه أو في دارِه يُريدُه لِنَفْسِه، مثلَ ما يُحدِثُ النَّاسُ في دُورِهم، فهو أحَقُّ به، ويَحِلُّ بَيعُه، وأمَّا ما عَمِلَ مِنْ ذلك في الصَّحارِي وفَيافي الأرضِ، مثلَ مَواجِلِ طَريقِ المَغرِبِ؛ فإنَّه كانَ يَكرَهُ بَيعَها مِنْ غيرِ أنْ يَراه حَرامًا، وجُلُّ ما كانَ يَعتَمِدُ عليه الكَراهيةُ، واستِثقالُ بَيعِ مائِها، وقَد فَسَّرتُ لَكَ ما سَمِعتُ مِنْ مالِكٍ، ووَجْهُ ما سَمِعتُ مِنه، وهي مِثلُ الآبارِ التي يَحتَفِرونَها لِلماشيةِ، أنَّ أهلَها أَوْلَى بمائِها -حَتَّى يَرْوُوا-، ويَكونُ لِلنَّاسِ ما فَضَلَ إلَّا مَنْ مَرَّ بها لِشَفَتِهم ودَوابِّهِم؛ فإنَّ أُولَئِكَ لا يُمنَعونَ، كَما لا يُمنَعونَ مِنْ شُربِهم مِنها (١).

стр. 5587

المَسألةُ الرابِعةُ: إجارةُ المَراعي (الكَلأِ): اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إجارةِ المَراعي لِلكَلَأِ والحَشيشِ الذي بها، هل يَجوزُ أو لا؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه يَجوزُ بَيعُها بعدَ حَوْزِها. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا ما يَحوزُه مِنْ الماءِ في إنائِه أو يأخُذُه مِنْ الكَلَأِ في حَبَلِه، أو يَحُوزُه في رَحلِه، أو يأخُذُه مِنْ المَعادِنِ؛ فإنَّه يَملِكُه بذلك، وله بَيعُه بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ (١) على ما يَأْتي مُفصَّلًا. فذَهَبَ الحَنفيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ، والمالِكيَّةُ في قَولٍ كما سَيأتي إلى أنَّه لا تَجوزُ إجارةُ المَراعي. قالَ الحَنفيَّةُ: لا تَجوزُ إجارةُ المَراعي -لكَيْ تَأكُلَها غَنَمُه ومَواشِيه مثلًا-؛ لأنَّ الإجارةَ وَردتْ على استِهلاكِ عَينٍ غيرِ مَملوكةٍ؛ فلا تَحتَمِلُ الإجارةَ، وكذا لا يَجوزُ بَيعُ المَراعي؛ لأنَّه وَردَ على ما لا يَملِكُه، لِاشتِراكِ النَّاسِ فيه اشتِراكَ إباحةٍ، لا مِلْكٍ؛ لِقَولِ النَّبِيِّ ﷺ : «المُسلِمونَ شُركاءُ في ثَلاثٍ: في الماءِ والكَلَأِ والنارِ» (٢). وَمَعنَى الشَّرِكةِ في النَّارِ: الِاصطِلاءُ بها، وتَجفيفُ الثِّيابِ، يَعني إذا أوقَدَ رَجُلٌ نارًا فلِكُلٍّ أنْ يَصطَليَ بها، أمَّا إذا أرادَ أنْ يَأخُذَ الجَمرَ فليسَ له ذلك إلَّا بإذْنِ صاحِبِه.

стр. 5588

وَمَعناه في الماءِ: الشُّربُ، وسَقيُ الدَّوابِّ، والِاستِقاءُ مِنْ الآبارِ والحِياضِ، والأنهارِ المَملوكةِ. وَفي الكَلَأِ: أنَّ له احتِشاشَه، وإنْ كانَ في أرضٍ مَملوكةٍ، غيرَ أنَّ لِصاحِبِ الأرضِ أنْ يَمنَعَ مِنْ الدُّخولِ في أرضِه، وإذا مَنَعَ فلِغَيرِه أنْ يَقولَ: إنَّ لي في أرضِكَ حَقًّا؛ فإمَّا أنْ تُوَصِّلَني إليه أو تَحُشَّه أو تَستَقيَ وتَدفَعَه لي، وصارَ كَثَوبِ رَجُلٍ وقعَ في دارِ رَجُلٍ، إمَّا أنْ يَأذَنَ المالِكُ في دُخولِه لِيَأخُذَه، وإمَّا أنْ يُخرِجَه إلَيه، وإمَّا إذا أحرَزَ الماءَ بالِاستِقاءِ في آنيةٍ، والكَلَأَ بقَطعِه، جازَ حينئذٍ بَيعُهُ؛ لأنَّه ملكَه بذلك. قالَ ابنُ نُجَيمٍ ﵀: وظاهِرٌ أنَّ هذا إذا نَبَتَ بنَفْسِه، فأمَّا إذا كانَ سَقَى الأرضَ وأعَدَّها لِلإنباتِ، فنَبَتَ، ففي الذَّخيرةِ والمُحيطِ والنَّوازِلِ يَجوزُ بَيعُه؛ لأنَّه مِلْكُه، وهو مُختارُ الصَّدرِ الشَّهيدِ، وكَذا ذُكِرَ في اختِلافِ أبي حَنيفَةَ، فيُحمَلُ كَلامُ المُصَنِّفِ على ما إذا لَم يُعِدَّها لِلإنباتِ، ومِنه لَو حَدَّقَ حَولَ أرضِه وهَيَّأَها لِلإنباتِ حتى نَبَتَ القَصَبُ، صارَ مِلْكًا لَهُ (١). والحِيلةُ في جَوازِها: أنْ يَستَأجِرَ مَوضِعًا مِنْ الأرضِ لِيَضرِبَ فُسطاطًا، أو لِيَجعَلَ حَظيرةً لِغَنَمِه، فحينئذٍ تَصحُّ الإجارةُ، ويُبيحُ صاحِبُ المَرعَى الِانتِفاعَ بالمَرعَى. ثم تَفسيرُ الكَلَأِ: كلُّ ما يَنجُمُ على وَجْهِ الأرضِ، أي: يَنبَسِطُ ويَنتَشِرُ، ولا يَكونُ له ساقٌ، فهو كَلَأٌ، وما كانَ له ساقٌ فهو شَجرٌ، فعلى هذا

стр. 5589

قالوا: الشَّوكُ الأحمَرُ، والشَّوكُ الأبيَضُ، يُقالُ لَهُ: الغَرقَدُ مِنْ الشَّجرِ، لا مِنْ الكَلَأِ، حتى لَو نَبَتَ في أرضِ إنسانٍ وأخَذَهُ غَيرُه كانَ لِصاحِبِ الأرضِ أنْ يَستَرِدَّ مِنه. فَحاصِلُهُ: أنَّ ما يَقومُ على ساقٍ إذا نَبَتَ في أرضِ إنسانٍ فهو مِلكُه، ولا يَكونُ مُشترَكًا بينَ النَّاسِ، والشَّوكُ والشَّرَكُ كالكَلَأِ، والقِيرُ والزَّرنيخُ والفَيروزَجُ كالشَّجرِ، ومَن أخَذَ مِنْ هذه الأشياءِ ضَمِنَ (١). وحَكَى ابنُ بَطَّالٍ عن الشافِعيِّ مثلَ قَولِ الحَنفيَّةِ، قالَ: قالَ الكُوفيُّونَ: لا تَجوزُ إجارةُ المَراعي ولا بَيعُها، ولا يَملِكُ الكَلَأَ صَاحِبُ الأرضِ حتى يأخُذَه فيَحُوزَه. وهو قولُ الشَّافعِيِّ (٢). وَهو أيضًا مُعتَمَدُ مَذهبِ الحَنابِلةِ، قالوا: لا يَجوزُ بَيعُ ما يَنبُتُ في أرضِه مِنْ الكَلَأِ والشَّوْكِ؛ لأنَّ الكَلَأَ والشَّوكَ لا يُملَكُ قبلَ حِيازَتِه بما تُرادُ لَه، على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ. والرِّوايةُ الثَّانيةُ: أنَّها تُملَكُ بمِلْكِ الأرضِ. فعلى المَذهبِ لا يَجوزُ لِمالِكِ الأرضِ بَيعُ ذلك، ولا يُملَكُ بعَقدِ البَيعِ، لَكِنْ يَكونُ مُشتَريه أحَقَّ به مِنْ غَيرِه.

стр. 5590

وعلى المَذهبِ أيضًا مَنْ أخَذَ منه شَيئًا ملكَه؛ لأنَّه مِنْ المُباحِ فيَملِكُه آخِذُه، كَما لَو أخَذَه مِنْ أرضٍ مُباحةٍ، لَكِنْ لا يَجوزُ له دُخولُ مِلكِ غَيرِه بغَيرِ إذْنِ رَبِّه، ولَوِ استَأذَنَه حَرُمَ مَنْعُه إنْ لَم يَحصُلْ ضَرَرٌ. واختارَ ابنُ عَقيلٍ أنَّه لا يَملِكُه بأخْذِه، وخَرجَه رِوايةً مِنْ أنَّ النَّهيَ يَمنَعُ التَّمليكَ. وَجَوابُه: أنَّ تَعَدِّيَه لا يَمنَعُ تَملُّكَه، كَما لَو عَشَّشَ في أرضِه طائِرٌ، أو دخلَ فيها صَيدٌ، أو نَضَبَ الماءُ عن سَمَكٍ، فدخلَ إليه وأخَذَه. وعلى الرِّوايةِ الثَّانيةِ: يَجوزُ لِمالِكِ الأرضِ التَصرُّفُ فيه بسائِرِ ما يُنقَلُ المِلْكُ؛ لأنَّه مُتوَلَّدٌ مِنْ أرضِه، وهي مَملوكةٌ لَه، وجَوَّزَ ذلك الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ. قالَ في «الاختِيارات»: ويَجوزُ بَيعُ الكَلَأِ ونَحوِه، والمَوجودِ في أرضِه، إذا قَصَدَ استِنْباتَه. وَلَه الدُّخولُ لِرَعْيِ كَلَأٍ، وأخْذِه، ونَحوِه، إذا لَم يُحَوِّطْ عليه، بلا ضَرَرٍ، نقلَه ابنُ مَنصورٍ، وقالَ: لأنَّه لَيسَ لِأحَدٍ أنْ يَمنَعَه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا ما يَحوزُه مِنْ الماءِ في إنائِه أو يَأخُذُه مِنْ الكَلَأِ في حَبَلِه، أو يَحوزُه في رَحْلِه أو يَأخُذُه مِنْ المَعادِنِ؛ فإنَّه يَملِكُه بذلك، ولَه بَيعُه بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَأنْ يَأخُذَ أحَدُكم حَبلًا فيَأخُذَ حُزمةً مِنْ حَطَبٍ فيَبيعَ فيَكُفَّ اللَّهُ به وَجْهَهُ خَيرٌ له مِنْ أنْ يَسألَ النَّاسَ، أُعطِيَ أو مُنِعَ». رَواه البُخاريُّ، ورَوَى أبو عُبَيدٍ في الأموالِ عن

стр. 5591

المَشيَخةِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى عن بَيعِ الماءِ إلَّا ما حُمِلَ منه. وعَلَى ذلك مَضَتِ العادةُ في الأمصارِ ببَيعِ الماءِ في الرَّوايا والحَطَبِ والكَلَأِ، مِنْ غيرِ نَكيرٍ، وليسَ لِأحَدٍ أنْ يَشرَبَ منه ولا أنْ يَتوضَّأَ، ولا يَأخُذَ إلَّا بإذْنِ مالِكِه. وَكذلك لَو وَقَفَ على بِئرٍ مُباحةٍ فاستَقى بدَلْوِه، أو بدُولابٍ، أو نَحوِه، فما يُرَقِّيه مِنْ الماءِ فهو مِلْكُه، ولَه بَيعُهُ؛ لأنَّه مِلْكُه، يَأخُذُه في إنائِه. قالَ أحمَدُ ﵀: إنَّما نَهَى عن بَيعِ فَضْلِ ماءِ البِئرِ، والعُيونِ، في قَرارِه. وَيَجوزُ بَيعُ البِئرِ نَفْسِها والعَينِ، ومُشتَريها أحَقُّ بمائِها، وقَد رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: مَنْ يَشتَري بِئرَ رُومةَ يُوسِّعُ بها على المُسلِمينَ، ولَه الجَنَّةُ. أو كَما قالَ، فاشتَراها عُثمانُ بنُ عَفَّانَ مِنْ يَهوديٍّ بأمْرِ النَّبيِّ ﷺ ، وسَبَّلَها لِلمُسلِمينَ، وكانَ اليَهوديُّ يَبيعُ ماءَها، ورُوِيَ أنَّ عُثمانَ اشترَى منه نِصْفَها باثنَيْ عَشَرَ الفًا، ثم قالَ اليَهوديُّ: اختَرْ إمَّا أنْ تَأخُذَها يَومًا وآخُذَها أنا يَومًا، وإمَّا أنْ نَنصِبَ لَكَ عليها دَلْوًا وأنْصِبَ عليها دَلْوًا. فاختارَ يَومًا ويَومًا؛ فكانَ النَّاسُ يَستَقونَ مِنها في يَومِ عُثمانَ لِيَومَيْنِ، فقالَ اليَهوديُّ: أفسَدْتَ عَلَيَّ بِئري؛ فاشتَرِ باقيَها. فاشتَراه بثَمانيةِ آلافٍ، وفي هذا دَليلٌ على صِحَّةِ بَيعِها وتَسبيلِها، وصِحَّةِ بَيعِ ما يَستَقيه مِنها، وجَوازِ قِسمةِ مائِها بالمُهايَأةِ، وكَونِ مالِكِها أحَقَّ بمِثلِها، وجَوازِ قِسمةِ ما فيه حَقٌّ وليسَ بمَملوكٍ (١).

стр. 5592

وذَهَبَ الإمامُ مالِكٌ ﵀ إلى جَوازِ أنْ يُكرِيَ الرجُلُ مَراعيَ أرضِه سَنةً واحِدةً لا أكثَرَ، جاءَ في «المُدوَّنةُ»: في الرجُلِ يُكري مَراعيَ أرضِه. قُلتُ: أرأيتَ الرجُلَ يُكرِي مَراعيَ أرضِه؟ قالَ: قالَ مالِكٌ: لا بَأْسَ أنْ يَبيعَ الرجُلُ مَراعيَ أرْضِه سَنةً واحِدةً، ولا يَبيعُها سَنتَيْنِ، ولا ثَلاثةً، ولا يَبيعُ مَراعيَ أرضِه حتى تَطيبَ مَراعيها ويَبلُغَ الخِصبُ أنْ يُرعَى، ولا يَبيعُه قبلَ أنْ يَنبُتَ خِصبُها. أشهَبُ خالَفَه في هذا الأصْلِ (١). وَجاءَ في البَيانِ والتَّحصيلِ لِأبي الوَليدِ بنِ رُشدٍ القُرطُبيِّ ﵀ قالَ: وسُئِلَ عن الرجُلِ تَكونُ له الأرضُ فيها العُشبُ، فيُريدُ أنْ يَحميَها، أتُرَى ذلك لَهُ؟ قالَ: نَعَمْ، إذا كانَ له بها حاجةٌ، وإنْ لَم تكُنْ له بها حاجةٌ فلا أرَى ذلك لَه. قالَ مُحمَّدُ بن رُشدٍ: الحُكمُ في الكَلَأِ يَختَلِفُ باختِلافِ مَواضِعِه، ومَواضِعُه تَنقَسِمُ إلى قِسمَيْنِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ في أرضٍ غيرِ مُتملكَةٍ. والآخَرُ: أنْ يَكونَ في أرضٍ مُتملكَةٍ. فَأمَّا إذا كانَ في أرضٍ غيرِ مُتملكَةٍ مثلَ الصَّحارَى والبَرارِي والفَيافِي، فلا اختِلافَ في أنَّ النَّاسَ كلَّهم فيه سَواءٌ، لَيسَ لِأحَدٍ مِنهم أنْ يَمنَعَه، ولا أنْ يَبيعَه وهو قائِمٌ في مَوضِعِه، لِقَولِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ : «لا تَمنَعوا الكَلَأَ»، وقَولِه ﷺ : «لا يُمنَعُ فَضلُ الماءِ لِيُمنَعَ به الكَلَأُ»، فنَهَى

стр. 5593

عن مَنعِه وعَما هو ذَريعةٌ إلى مَنعِه؛ لأنَّ صاحِبَ الماشيةِ إذا مُنِعَ مِنْ الماءِ لَم يَقدِرْ على القِيامِ على الرَّعْيِ، فإنْ جاءَ رَجُلانِ لِرَعْيِ كَلَأِ هذا المَوضِعِ معًا كانا فيه أُسوةً، واختُلِفَ إنْ سَبَقَ أحَدُهما إليه فنَزَلَه وجعلَ يَرعَى ما حَولَه، أو حَفَرَ فيه بِئرًا، هَلْ يَكونُ أحَقَّ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ ذلك المَوضِعِ دونَ الفَضلِ أو لا، على ثَلاثةِ أقوالٍ: أحَدُها: أنَّه لا يَكونُ أحَقَّ بشَيءٍ مِنْ كَلَئِه، والنَّاسُ معه فيه أُسوةٌ، وهو نَصُّ قَولِ ابنِ القاسِمِ، ورِوايَتُه عن مالِكٍ في كِتَابِ حَريمِ البِئرِ مِنْ المُدوَّنةِ. والثَّاني: أنَّه يَكونُ أحَقَّ مِنْ النَّاسِ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ ذلك المَوضِعِ الذي نَزَلَه، وجعلَ يَرعَى ما حَولَه، وإنْ لَم يَحتَفِرْ فيه بِئرًا، وهو قولُ أشهَبَ، فرَآه أحَقَّ بالسَّبقِ إلى ذلك المَوضِعِ والنُّزولِ فيه، ومَعناه: إذا انتَجَعَ إليه وقَصَدَه مِنْ بَعدِه، وأمَّا إذا مَرَّ به فنَزَلَه فلا يَكونُ لِمُجرَّدِ سَبْقِه إليه أحَقَّ بمِقدارِ حاجَتِه مِنْ كَلَئِه، واللَّهُ أعلمُ، وقَد تُؤُوِّلَ أنَّ قَولَ أشهَبَ لَيسَ مَعناهُ أنَّه جُعِلَ بمُجرَّدِ السَّبقِ إلى النُّزولِ في ذلك المَوضِعِ أحَقَّ مِنْ النَّاسِ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَئِه، وإنَّما مَعناه أنَّه جُعِلَ رَعيُه لِكَلَأِ ذلك المَوضِعِ إحياءً لَهُ؛ لأنَّه لَمَّا رَعاه صارَ له عليه يَدٌ، فيَكونُ أحَقَّ بما يَحدُثُ فيه مِنْ الكَلَأِ مَرَّةً أُخرَى، إلَّا أنْ يَفضُلَ عن حاجَتِه منه فَضلٌ، فيَكونَ النَّاسُ في الفَضلِ أُسوةً، ولا اختِلافَ في الفَضلِ على حالٍ. والقولُ الثَّالث: أنَّه لا يَكونُ أحَقَّ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ ذلك المَوضِعِ الذي سَبَقَ إليه بالنُّزولِ، وإنْ رَعاهُ، إلَّا أنْ يَحفِرَ فيه بِئرًا، فيَكونَ أحَقَّ بقَدْرِ

стр. 5594

حاجَتِه مِنْ الكَلَأِ، كَما يَكونُ أحَقَّ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ الماءِ، وهو ظاهِرُ قَولِ المُغيرةِ، وأعدَلُ الأقوالِ وأَوْلَاها بالصَّوابِ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على المُقامِ على الماءِ إذا لَم يكُنْ له في ذلك المَوضِعِ مَرعًى؛ فتَذهَبُ نَفَقَتُه في البِئرِ باطِلًا، وكذلك لَو سَبَقَ بالنُّزولِ في ذلك المَوضِعِ فبَنَى فيه بُنيانًا، أو أنفَقَ فيه نَفَقةً لَوجبَ على قياسِ هذا أنْ يَكونَ أحَقَّ بقَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ ذلك المَوضِعِ مِنْ غَيرِه؛ لِئَلَّا تَذهَبَ نَفَقَتُه باطِلًا، وقَد قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ»؛ فمِنَ الضَّررِ البيِّنِ أنْ يُدخِلَ عليه غيرَه في قَدْرِ حاجَتِه مِنْ كَلَأِ المَوضِعِ الذي أنفَقَ فيه نَفَقَتَه. وأمَّا إذا كانَ الكَلَأُ في أرضٍ مُتملكَةٍ؛ فإنَّ الأرضَ المُتملكَةَ تَنقَسِمُ في ذلك إلى أربَعةِ أقسامٍ: أحَدُها: أنْ تَكونَ مُحَظَّرةً قد حُظِرَ عليها بحِيطانٍ؛ كالجَنَّاتِ والحَوائِطِ. والثَّاني: أنْ تَكونَ غيرَ مُحَظَّرَةٍ، إلَّا أنَّها حِماه ومُروجُه التي قد بَوَرها لِلمَرعَى وتَركَ زِراعَتَها مِنْ أجلِ ذلك. والثَّالث: فَدادينُه وفُحوصُ أرضِه التي لَم يُبَوِّرْها لِلمَرعَى؛ وإنَّما تَركَ زِراعَتَها لِاستِغنائِه عن زِراعَتِها ولِيَجِمَّها لِلحَرْثِ، فنَبَتَ فيها الكَلَأُ. والرَّابِعُ: العَفَا والمُسرَّحُ مِنْ أرضٍ قَريبةٍ. فَأمَّا الأرضُ المُحَظَّرةُ التي قد حُظِّرَ عليها، كالحَوائِطِ والجَنَّاتِ فلا اختِلافَ فيما كانَ فيها مِنْ الكَلَأِ أنَّ صاحِبَه أحَقُّ به، له أنْ يَبيعَه ويَمنَعَه،

стр. 5595

احتاجَ إليه أو لَم يَحتَجْ إلَيه، وليسَ لِأحَدٍ الدُّخولُ عليه في حائِطِه لِرَعْيٍ ولا احتِشاشٍ إلَّا بإذْنِه. وأمَّا العَفا والمُسرَّحُ مِنْ أرضٍ قَريبةٍ، فلا اختِلافَ في أنَّه لا يَبيعُه ولا يَمنَعُ النَّاسَ عَما فَضَلَ مِنْ حاجَتِه مِنه، إلَّا أنْ يَكونَ عليه في تَخَلُّصِ النَّاسِ إليه بدَوابِّهم ومَواشِيهم ضَرَرٌ مِنْ زَرْعٍ يَكونُ له حَقٌّ إليه فيَفسُدَ عليه بالإقبالِ عليه والإدبارِ. وأمَّا الأرضُ التي بَوَرها لِلمَرعَى وتَركَ الِانتِفاعَ بزِراعَتِها مِنْ أجلِ ذلك فقيلَ: له أنْ يَمنَعَ إنِ احتاجَ إليه لِيَرعاه، ويَبيعَ، إنْ لَم يَحتَجْ إليه مِمَّنْ يَرعاه أو يَحتَشُّه، وهو مَذهَبُ القاسِمِ، وابنِ الماجِشونِ، فإنْ لَم يَحتَجْ إليه ولا وَجَدَ مَنْ يَبيعُه منه أُجبِرَ على أنْ يُخَلِّيَ بينَ النَّاسِ وبَينَه، ولا يُباحُ له أنْ يَمنَعَ النَّاسَ مِنه، ويُترَكَ حتى يَيبَسَ ويَفسُدَ. قيلَ: إنَّ له أنْ يَمنَعَ إنِ احتاجَ إلَيه، وليسَ له أنْ يَبيعَ، وهو قولُ أشهَبَ. وأمَّا فُحوصُ أرْضِه وفَدادينِه التي لَم يُبَوِّرْها لِلمَرعَى؛ فقالَ ابنُ القاسِمِ وأشهَبُ: له أنْ يَمنَعَ إنِ احتاجَ، وليسَ له أنْ يَبيعَ إنْ لَم يَحتَجْ إلَيه، وقالَ ابنُ الماجِشونِ: له أنْ يَمنَعَ إنْ احتاجَ، وأنْ يَبيعَ إنْ لَم يَحتَجْ إلَيه، فأشهَبُ يَرَى أنَّه لَيسَ له أنْ يَبيعَ مَراعيَ أرضِه، سواءٌ كانَ قد بَوَرها لِلكَلَأِ أو لَم يُبَوِّرْها لِذلك، وابنُ الماجِشونِ يَرَى أنَّ له أنْ يَبيعَ مَراعيَ أرضِه، سواءٌ كانَ قد بَوَرها لِلكَلَأِ أو لَم يُبَوِّرْها لِذلك، وابنُ القاسِمِ يُفرِّقُ في إجازةِ البَيعِ له إذا استَغنَى عنه بينَ الأرضِ التي بَوَرها لِلمَرعَى، وبَينَ التي لَم يُبَوِّرْها لِلمَرعَى، فتَحصُلُ في مَجموعِ الطَّرفَيْنِ ثَلاثةُ أقوالٍ، وفي كلِّ طَرَفٍ مِنها على انفِرادِه قولانِ.

стр. 5596

وقَدِ اختُلِفَ فيما وقعَ في كِتابِ حَريمِ البِئرِ مِنْ المُدوَّنةِ مِنْ قَولِ مالِكٍ إذا كانَتْ لِرَجُلٍ أرضٌ فلا بَأْسَ أنْ يَمنَعَ كَلَأَها إذا احتَاجَ إلَيها، وإلَّا فلْيُخَلِّ بينَ النَّاسِ وبَينَه، ومِن قَولِه فيه: لا بَأْسَ أنْ يَبيعَ الرجُلُ خِصبَ أرضِه مِمَّنْ يَرعاه عامَهُ ذلك، بعدَ أنْ يَبُتَّ، ولا يَبيعُه عامَيْنِ، ولا ثَلاثةً، فقيلَ: إنَّ ذلك اختِلافٌ مِنْ قَولِه، مَرَّةً رَأى أنَّ لِلرجُلِ أنْ يَبيعَ خِصبَ أرضِه، كانَ قد وَقَفَها لِلمَرعَى، أو لَم يَقِفْها لَه، مثلَ قَولِ ابنِ الماجِشونِ، ومَرَّةً رَأى أنَّه لَيسَ له أنْ يَبيعَه، كانَ قد وَقَفَ الأرضَ لِلمَرعَى أو لَم يَقِفْها لَه، مثلَ قَولِ أشهَبَ، وقيلَ: لَيسَ ذلك اختِلافًا مِنْ قَولِه، ومَعناه أنَّه فَرَّقَ في ذلك بينَ الأرضِ التي وَقَفَها لِلمَرعَى والتي لَم يَقِفْها لَه، مثلَ قَولِ ابنِ القاسِمِ، وهو تَأويلُ عيسَى ابنِ دِينارٍ في نَوازِله بعدَ هذا مِنْ هذا الكِتابِ (١). المَسألةُ الخَامِسةُ: إجارةُ دارٍ يَتَّخِذُها مَسجِدًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في الرجُلِ يُؤجِّرُ دارَه لِتَكونَ مَسجِدًا يُصَلِّي فيه المُسلِمونَ، هَلْ يَجوزُ أو لا؟ فذهبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجوزُ لِلرجُلِ أنْ يُؤجِّرَ دارَه لِمَنْ يَتَّخِذُها مَسجِدًا مدَّةً مَعلومةً ثم تَعودَ إليه مِلْكًا؛ لأنَّ هذه مَنفَعةٌ مُباحةٌ يُمكِنُ استيفاؤُها مِنْ العَينِ مع بَقائِها، فجازَ استِئجارُ العَينِ لَها؛ كالسُّكنَى، ولأنَّه فعلَ قُربةً، فجازَ أنْ تَستَأجِرَ الدَّارَ لِمَنفَعةٍ فيها،

стр. 5597

أصْلُه إذا استَأجَرَها لِتَكونَ مَجلِسًا لِلحُكمِ، وكَمَنَ دفعَ فَرَسَه لِمَنْ يَغزو به غَزوةً ثم يَرجِعُ إلَيهِ (١). قالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ كِراءُ الأرضِ لِمَنْ يَتَّخِذُها مَسجِدًا مدَّةَ الإجارةِ؛ إذْ لا يُشترَطُ في الحَبسِ التَّأبيدُ، فإذا انقَضَتْ مدَّةُ الإجارةِ رَجعَ النَّقضُ لِمَنْ بَناه يَفعَلُ به ما شاءَ، وتَرجِعُ الأرضُ لِمالِكِها، فلَو أرادَ المالِكُ بَقاءَ البِناءِ في أرضِه على حالِه حَبْسًا، لَم يُجبَرْ بانيه على ذلك؛ إلَّا أنْ يَدفَعَ المالِكُ قِيمةَ النَّقضِ؛ فإنَّه يُجابُ، وليسَ لِلباني الِامتِناعُ حينئذٍ، ولَو أرادَ بانيه بَقاءَه على حالِه حَبْسًا لَم يُجبَرْ مالِكُ الأرضِ على ذلك، بخِلافِ مَنْ غَصَبَ أرضًا وبَنَى فيها مَسجِدًا، أو كانَت تَحتَ يَدِه أرضٌ بوَجْهِ شُبهةٍ، وبَنَى فيها مَسجِدًا، واستُحِقَّتِ الأرضُ بعدَ بِنائِها مَسجِدًا لِلَّهِ؛ فإنَّ النَّقضَ لا يَكونُ لِبَانِيهِ، ويَلزَمُه أنْ يَجعَلَه في مَسجِدٍ آخَرَ لِلَّهِ؛ لأنَّ البانيَ خَرجَ عنه لِلَّهِ على التَّأبيدِ؛ لأنَّه داخِلٌ على التَّأبيدِ. والمُعتَمَدُ أنَّه لا يَجوزُ لِلرجُلِ أنْ يَبنيَ مَسجِدًا لِيُؤجِّرَه لِمَنْ يُصَلِّي فيه، أو يُؤجِّرَ بَيتَه لِمَنْ يُصَلِّي فيه، ويَأخُذَ الأُجرةَ على هَذا، وإجارَتُهما لِذلك غيرُ جائِزةٍ، لأنَّ ذلك لَيسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ.

стр. 5598

وقالَ اللَّخميُّ ﵀: إنْ أكرَى بَيتَه أو دارَه مِمَّنْ يُصَلِّي فيهِما في أوقاتِ الصَّلَواتِ فقَط، كُرِهَ؛ لأنَّه لَيسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ؛ فإنْ نَزَلَ مَضَى، وإنْ أخلَى البَيتَ وسَلَّمَه جازَ. قالَ في «التَّنبيهات»: قولُه في الرجُلِ يَبني مَسجِدًا لِيُكريَه مِمَّنْ يُصَلِّي فيه، جازَ، وكَراهِيَتُه له في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ، وكذلك الذي آجَرَ بَيتَه مِنْ قَومٍ لِيُصَلُّوا فيه؛ فلا يُعجِبُني، وهو كَمَنْ أكرَى المَسجِدَ. وقولُ غَيرِه في البَيتِ لا بَأْسَ باستِئجارِه يُصَلِّي فيه، وإجازَتُه كِراءَ الدَّارِ على أنْ تُتَّخَذَ مَسجِدًا بينَ هذه المَسائِلِ فَرقٌ، وأمَّا الذي بَنَى مَسجِدًا فأكَراه فلَو أباحَه لِلمُسلِمينَ لَكانَ حَبْسًا، لا حُكمَ فيه لَه، ولا لِأحَدٍ فيه، وإنْ كانَ لَم يُبِحْهُ؛ وإنَّما فعلَ ذلك لِيَكتَريَه، فليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، وهو مَعنَى قَولِهِ -واللَّهُ أعلمُ- في كِراءِ المَسجِدِ: لا يَصلُحُ، وفي كِراءِ البَيتِ: لا يُعجِبُني، وأنَّه يَجوزُ له فِعلُه، كَما أجازَ إجارةَ المُصحَفِ، لَكنَّه لَيسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، وأفعالِ أهلِ الدِّينِ، وهذا مَعنَى مَنعِ مُحمَّدٍ عِندي لِإجارةِ المُصحَفِ، انتَهَى. وَكذلك تُكرَهُ السُّكنَى فَوقَه بالأهلِ؛ لأنَّها إذا كانَتْ معه صارَ يَطَؤُها على ظَهرِ المَسجِدِ، وذلك مَكروهٌ، وأمَّا السُّكنَى فَوقَ ظَهرِ المَسجِدِ بغَيرِ أهلٍ فإنَّها جائِزةٌ، وكذلك السُّكنَى بالأهلِ تَحتَ المَسجِدِ، سَواءٌ بُنِيَ المَسجِدُ لِلكِراءِ أو لا (١).

стр. 5599

وقالَ الشَّافعيَّةُ: يَصحُّ استِئجارُ بَيتٍ لِيَتَّخِذَه مَسجِدًا يُصَلِّي فيه، قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وصُورَتُه -كما قالَ صاحِبُ الانتِصارِ: أنْ يَستَأْجِرَه لِلصَّلاةِ، أمَّا إذا استأجَرَه لِيَجعَلَه مَسجِدًا؛ فلا يَصحُّ بِلا خِلافٍ (١). وذَهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يَستأجِرَ مِنْ المُسلِمِ بَيتًا يُصَلِّي فَرضًا فيه ولا نافِلةً؛ لأنَّ المَسجِدَ لا يُمَلَّكُ، ولأنَّه عَينُ جِهةِ القُربةِ

стр. 5600

لِصَرفِ المَنفَعةِ إليها، ولا يَحِلُّ المَنعُ عن الانتِفاعِ لِأجْلِ تلكَ الجِهةِ، فلا يَجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه (١). الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ تَكونَ المَنفَعةُ مُباحةً: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في المَنفَعةِ أنْ تَكونَ مُباحةَ الِاستِيفاءِ، فإنْ كانَتْ مَحظورةَ الِاستِيفاءِ لَم تَجُزِ الإجارةُ، فلا تَصحُّ الإجارةُ على المَعاصي؛ كاستِئجارِ الإنسانِ لِلَّعِبِ واللَّهوِ؛ وكاستِئجارِ المُغنِّيةِ والنَّائِحةِ لِلغِناءِ والنَّوْحِ، وكَذا سائِرُ المَلاهي؛ لأنَّه استِئجارٌ على المَعصيةِ، والمَعصيةُ لا يُتصوَّرُ استِحقاقُها بالعَقدِ؛ فلا يَجِبُ عليه الأجْرُ مِنْ غيرِ أنْ يَستَحقَّ هو على الأجيرِ شَيئًا؛ إذِ المُبادَلةُ لا تَكونُ إلَّا باستِحقاقِ كلِّ واحِدٍ مِنهما على الآخَرِ، ولَوِ استَحقَّ عليه لِلمَعصيةِ لَكانَ ذلك مُضافًا إلى الشَّارِعِ مِنْ حَيثُ إنَّه شَرَعَ عَقدًا مُوجِبًا لِلمَعصيةِ، تَعالى اللَّهُ عن ذلك عُلُوًّا كَبيرًا، ولأنَّ الأجيرَ والمُستَأجِرَ مُشتَرِكانِ في مَنفَعةِ ذلك في الدُّنيا، فتَكونُ الإجارةُ واقِعةً على عَملٍ هو فيه شَريكٌ. وَكَذا استِئجارُ رَجُلٍ لِيَقتُلَ له رَجُلًا، أو لِيَشُجَّه أو لِيَسجُنَه أو لِيَضرِبَه ظُلمًا، وكَذا كلُّ إجارةٍ وَقَعَتْ لِمَظلِمةٍ؛ لأنَّه استِئجارٌ لِفِعلِ مَعصيةٍ، فلا يَكونُ المَعقودُ عليه مَقدورَ الِاستيفاءِ شَرعًا. وَكَذا الِاستِئجارُ لِتَعليمِ التَّوراةِ أو الإنجيلِ أو السِّحرِ أو الفُحشِ

стр. 5601

والنُّجومِ والرَّملِ، ولا لِتَصويرِ الحَيَواناتِ وسائِرِ المُحرَّماتِ. قالَ ابنُ جُزَيٍّ ﵀: يُشترَطُ في المَنفَعةِ أنْ تَكونَ مُباحةً لا مُحرَّمةً ولا واجِبةً؛ أمَّا المُحرَّمُ فلا يَجوزُ إجماعًا (١). وقالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ، على إبطالِ إجارةِ النَّائِحةِ، والمُغَنِّيةِ (٢). وإنْ أعطاه الأجْرَ على الغِناءِ أوِ النَّوْحِ أو سائِرِ المَلاهي، والمَعاصي، وقَبَضَه، لا يَحِلُّ له، ويَجِبُ عليه رَدُّه على صاحِبِه عندَ الجُمهورِ. وفي قَولٍ لِلحَنفيَّةِ: إذا أخَذَ المالَ مِنْ غيرِ شَرطٍ يُباحُ؛ لأنَّه أعطاه المالَ عن طَوعٍ مِنْ غيرِ عَقدٍ. وهو قولُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ، وابنِ القيِّمِ (٣).

стр. 5602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →