← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 6931–6970 · переход к 6936.

стр. 6931

عليه؛ لإمكانِ الصلاةِ في أرضِهِ ولإمكانِ عَودِه كما كانَ، فإنْ خِيفَ على نَقضِه فيُنقَضُ ويُحفَظُ، أو يُعمرُ به مَسجدٌ آخَرُ إنْ رَآهُ الحاكِمُ، قالَ المُتولِّي: وتُصرَفُ غَلةُ وَقفِه لأقرَبِ المَساجِد إليهِ -أي إذا لم يُتوقَّعْ عَودُه-، وإلَّا حُفظَ كما قالَه الإمامُ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وهذا أَولى مِنْ قَولِ الماوَرديِّ: تُصرَفُ إلى الفُقراءِ والمَساكينِ، ومِن قَولِ الرِّويانِيِّ: أنه كمُنقطِعِ الآخِرِ. فإنْ خِيفَ عليه نُقضَ وبَنَى الحاكِمُ بنَقضِه مَسجِدًا آخَرَ إنْ رَأى ذلكَ، وإلا حِفظُه وبِناؤُه بقُربِه أَولَى، ولا يَبني به بئرًا كما لا يَبني بنَقضِ بئرٍ خَرِبتْ مَسجدًا بل بِئرًا أُخرى؛ مُراعاةً لغَرضِ الواقفِ ما أمكَنَ. ولو وقَفَ على قَنطَرةٍ وانحَرَقَ الوادي وتَعطَّلتِ القَنطرةُ واحتِيجَ إلى قَنطَرةٍ أُخرَى جازَ نَقلُها إلى مَحَلِّ الحاجةِ (١). وقالَ الرَّمليُّ ﵀: وأجرَيَا الخِلافَ في دارٍ مُنهدِمةٍ أو مُشرِفةٍ على الانهدامِ ولم تَصلُحْ للسُّكنى، وفرَّقَ بَعضُهم بينَ المَوقوفةِ على المَسجدِ والتي على غَيرِه، وأفتَى الوالِدُ ﵀ بأنَّ الرَّاجحَ مَنعُ بَيعِها، سَواءٌ أُوقِفتْ على المَسجدِ أم على غَيرِه.

стр. 6932

قالَ السُّبكيُّ وغيرُه: إنَّ منْعَ بَيْعِها هو الحَقُّ، ولأنَّ جَوازَه يُؤدِّي إلى مُوافَقةِ القَائلينَ بالاستِبدالِ (١). وجاءَ في «فَتاويهِ»: (سُئلَ): هل يَجوزُ بَيعُ الدارِ المَوقوفةِ إذا انهَدمَتْ أو أشرَفَتْ على الانهدامِ سَواءٌ كانَتْ مَوقوفةً على المَسجدِ أو غيرِه، كما هو مُقتضَى «الرَّوضَة» ونُسِبَ لفَتاوى ابنِ العِراقيِّ؟ أو يَجوزُ بَيعُ المَوقوفةِ على المَسجدِ دونَ غَيرِه كما صَرَّحَ به ابنُ المُقرِي وغيرُه؟ أو لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ كما أَفتَى به شَيخُ الإسلامِ زَكريَّا مُؤيِّدًا له بما نقَلَه عن جَمعٍ مِنْ الأصحابِ في «شَرح المَنهَجِ» وغيرِه؟ (فأجابَ) بأنَّ الرَّاجحَ منعُ بَيعُها، سَواءٌ أُوقِفَتْ على المَسجدِ أم على غَيرِه، فقدْ قالَ الماوَرديُّ: الوَقفُ إذا خَرِبَ لا يَجوزُ بَيعُه ولا بَيعُ شيءٍ منه لعِمارتَه، وقالَ أحمَدُ: يَجوزُ بَيعُ بَعضِه لعِمارةِ باقيهِ كالدابَّةِ إذا عَطِبَتْ. ولنا: إمكانُ رُجوعِه وصَلاحِه، ولهذا لو وقَفَ أرضًا خَرابًا جازَ، ولو وقَفَ حَيوانًا عَطِبًا لم يَجُزْ. اه وقالَ المُتولِّي: لا يَجوزُ بَيعُ الدَّارِ إذا خَرِبتْ أو خافُوا عَليها الخَرابَ، خِلافًا لأحمَدَ. اه وإذا كانَتِ الخَرابُ لا تُباعُ فالمُشرِفةُ أَولَى، وقالَ القاضِي أبو الطَّيبِ: إذا وقَفَ دارًا على قَومٍ ثُمَّ انهدَمَتْ لم يَكنْ للمَوقوفِ عليهِم بَيعُ الرَّقبةِ،

стр. 6933

وقالَ أحمدُ: «لهم ذلكَ»، وهذا غَلطٌ، وكذا ذكَرَه ابنُ الصَّبَّاغِ والرُّويانِيُّ في «البَحر» والشَّيخُ أبو حامِدٍ وأتْباعُه كالمَحامِليِّ وسُليمٍ في «المُجرَّد» والشَّيخُ نَصرُ المَقدِسيُّ في تَهذيبِه والجُرجانِيُّ في شافيهِ وصاحِبُ «البَيان» وغَيرُهم مِنْ العِراقيِّينَ، وعِبارةُ الجُرجانِيِّ في تَحريرِه: إذا انهدَمَتِ الدارُ المَوقوفةُ لم يَجُزْ بَيعُها قَولًا واحِدًا، وجزَمَ به مِنْ المَراوِزةِ القاضي حُسينٌ فقال: لو خَرِبَ الوَقفُ لا يَجوزُ بَيعُه، بل يَكونُ وَقفًا بحالِهِ أبدًا، خِلافًا لأحمدَ، وكذا قالَ الفُورانِيُّ في «الإبانَة». وقالَ الخَوارزمِيُّ في «كافيهِ»: والدارُ المَوقوفةُ إذا انهَدمَتْ وخَرِبتْ وتَعطَّلتْ مَنافِعُها لا يَجوزُ بَيْعُها، ولا يَجوزُ نَقلُ شيءٍ منها إلى مَوضِعٍ آخَرَ. وقالَ الصَّيمَريُّ في «شَرح الكِفايةِ»: بَيعُ المَوقوفِ حَرامٌ مُطلَقًا، سَواءٌ قُلنا: «المَوقوفُ عليه ملَكَ رَقبةِ الوَقفِ» أَمْ لا. فهذه كُتبُ المَذهبِ مِنْ الطَّريقَينِ شاهِدةٌ بخِلافِ ما ذكَرَه الرَّافعيُّ، فظهَرَ أنَّ الإمامَ مُنفرِدٌ بنَقلِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، والرَّافعيُّ مُنفرِدٌ بذِكرِ الخِلاف في المُنهدِمةِ، وباقتِضاءِ كلامِه التَّصحيحَ فيها، وفي المُشرِفةِ بالجَوازِ، على أنَّ الإمامَ لمَّا حَكى الخِلافَ في المُشرِفةِ عَزَا للأكثَرينَ المَنعَ، فقالَ: ومِمَّا يَتَّصلُ بهذا الأصلِ أنَّ مَنْ وقَفَ دارًا فأشرَفَتْ على الخَرابِ وعَرَفْنا أنها لو انهدَمَتْ عَسُرَ رَدُّها وإقامَتُها ذهَبَ الأكثَرونَ إلى مَنعِ البَيعِ، وجوَّزَه مُجَوِّزونَ. اه، وعليه اعتَمدَ الرافِعيُّ في حِكايةِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، لكِنَّه زادَ في الإلباسِ، فاقتَضَى كَلامُه تَصحيحَ الجَوازِ فيها وفي المُنهَدِمةِ،

стр. 6934

وأمَّا حِكايتُه الخِلافَ في المُنهدِمةِ فكأنهُ إذا جازَ بَيعُ المُشرِفةِ على رَأيٍ فبَيعُ المُنهدِمةِ أَولَى، وقالَ السُّبكيُّ وغَيرُه: إنَّ منْعَ بَيعِها هو الحَقُّ، ولأنَّ جَوازَه يُؤدِّي إلى مُوافَقةِ القائِلينَ بالاستِبدالِ، ويُمكِنُ حَملُ كَلامِ القَائلِ بالجَوازِ على البِناءِ خاصَّةً كما أشارَ إليه ابنُ المُقرِي في «الرَّوض» بقَولِه: «وجِدارِ دارِه المُنهدِمِ»، وهذا الحَملُ أسهَلُ مِنْ تَضعيفِه (١). القَولُ الثَّاني: وهو مَذهبُ الحَنابلةِ ورِوايةٌ عندَ المالِكيةِ أنه يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه، كدارٍ انهدَمَتْ أو أرضٍ خَرِبتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تمكن عِمارَتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصَلَّى فيه، أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنْ تَوسيعُه في مَوضِعِه أو تَشعَّبَ جَميعُه فلم تُمكِنْ عِمارَتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه جازَ بَيعُ بَعضِه لتُعمرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكِنِ الانتفاعُ بشَيءٍ منه بِيعَ جَميعُه ويُستبدَلُ به غيرُه. جاءَ في «المُغْني» لابنِ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا خَرِبَ الوَقفُ ولم يَرُدَّ شيئًا بِيعَ واشتُرِيَ بثَمنِه ما يَرُدُّ على أهلِ الوَقفِ، وجُعِلَ وَقفًا كالأولِ، وكذلكَ الفَرسُ الحَبيسُ إذا لم يَصلحْ للغَزوِ بِيعَ واشتُريَ بثَمنِه ما يَصلحُ للجِهادِ). وجُملةُ ذلكَ أنَّ الوَقفَ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه كدارٍ انهدَمَتْ أو أرضٍ خَرِبتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تُمكِنْ عِمارَتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصلَّى فيه، أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنْ تَوسيعُه في

стр. 6935

مَوضعِه أو تَشعَّبَ جَميعُه فلمْ تُمكِنْ عِمارتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه جازَ بَيعُ بَعضِهِ لتُعمرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكنِ الانتفاعُ بشيءٍ منه بِيعَ جَميعُه. قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ: إذا كانَ في المَسجدِ خَشَبتانِ لهُما قيمةٌ جازَ بَيعُهما وصَرْفُ ثَمنِهما عليه، وقالَ في رِوايةِ صالِحٍ: يُحوَّلُ المَسجدُ خَوفًا مِنْ اللُّصوصِ وإذا كانَ مَوضِعُه قَذِرًا، قالَ القاضي: يَعني إذا كانَ ذلكَ يَمنعُ مِنْ الصَّلاةِ فيهِ، ونَصَّ على جوازِ بَيعِ عَرصَتِه في رِوايةِ عَبدِ اللهِ، وتَكونُ الشهادةُ في ذلكَ على الإمامِ، قالَ أبو بَكرٍ: وقد رَوى عَليُّ بنُ سَعيدٍ أنَّ المَساجِدَ لا تُباعُ، وإنما تُنقَلُ آلَتُها، قالَ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لإجماعِهم على جَوازِ بَيعِ الفَرَسِ الحَبيسِ -يَعني المَوقوفةِ- على الغَزوِ إذا كَبُرَتْ فلمْ تَصلحْ للغَزوِ وأمكَنَ الانتفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مِثل أنْ تَدورَ في الرَّحى أو يُحمَلَ عليها تُرابٌ أو تَكونَ الرغبةُ في نِتاجِها، أو حِصانًا يُتَّخذُ للطِّراقِ، فإنهُ يَجوزُ بَيعُها ويَشتري بثَمنِها ما يَصلحُ للغَزوِ، نَصَّ عليه أحمَدُ. وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: إذا خَرِبَ المَسجدُ أو الوَقفُ عادَ إلى مِلكِ واقِفِه؛ لأنَّ الوَقفَ إنَّما هو تَسبيلُ المَنفعةِ، فإذا زالَتْ مَنفعتُه زالَ حقُّ المَوقوفِ عليه منه، فزالَ مِلكُه عنهُ. وقالَ مالِكٌ والشافعيُّ: لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لا يُباعُ أصلُها ولا تُبتاعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ»، ولأنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه مع بَقاءِ مَنافعِه لا يَجوزُ بَيعُه مع تَعطُّلِها كالمُعتَقِ، والمَسجدُ أشبَهُ الأشياءِ بالمُعتَقِ.

стр. 6936

ولنا: ما رُويَ «أنَّ عُمرَ ﵁ كتَبَ إلى سَعدٍ لمَّا بَلَغَه أنه قد نُقِبَ بَيتُ المالِ الذي بالكوفَةِ أنِ انقُلِ المَسجدَ الذي بالتَّمارينِ واجعَلْ بَيتَ المالِ في قِبلةِ المَسجدِ، فإنه لنْ يَزالَ في المَسجدِ مُصَلٍّ»، وكانَ هذا بمَشهدٍ مِنْ الصَّحابةِ ولم يَظهَرْ خِلافُه فكانَ إجماعًا، ولأنَّ فيما ذكَرْناهُ استِبقاءَ الوَقفِ بمَعناهُ عندَ تَعذُّرِ إبقائِه بصُورتِه، فوجَبَ ذلكَ، كما لو استَولَدَ الجارِيةَ المَوقوفةَ أو قبَّلَها وقبَّلَها غَيرُه. قالَ ابنُ عَقيلٍ: الوَقفُ مُؤبَّدٌ، فإذا لم يُمكِنْ تَأبيدُه على وَجهٍ يُخصِّصُه استِبقاءُ الغَرضِ وهو الانتفاعُ على الدَّوامِ في عَينٍ أُخرى وإيصالُ الأبدالِ جَرَى مَجرَى الأعيانِ، وجُمودُنا على العَينِ مع تَعطُّلِها تَضييعٌ للغَرضِ، ويَقربُ هذا مِنْ الهَديِ إذا عَطِبَ في السفَرِ فإنه يُذبَحُ في الحالِ وإنْ كانَ يَختصُّ بمَوضِعٍ، فلمَّا تَعذَّرَ تَحصيلُ الغَرضِ بالكُلِّيةِ استَوفِيَ منه ما أمكَنَ وتُرِكَ؛ مُراعاةُ المَحلِّ الخاصِّ عندَ تَعذُّرِه؛ لأنَّ مُراعاتَه مع تَعذُّرِه تُفضِي إلى فَواتِ الانتفاعِ بالكُلِّيةِ، وهكذا الوَقفُ المُعطَّلُ المَنافِعِ. ولنا على مُحمدِ بنِ الحَسنِ أنه إزالَةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فلا يَعودُ إلى مالِكِه باختِلالِه وذَهابِ مَنافعِه كالعِتقِ. فَصلٌ: وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّ الوَقفَ إذا بِيعَ فأيُّ شيءٍ اشتُريَ بثَمنِه ممَّا يُرَدُّ على أهلِ الوَقفِ جازَ، سَواءٌ كانَ مِنْ جِنسِه أو مِنْ غيرِ جِنسِه؛ لأنَّ المَقصودَ المَنفعةُ لا الجِنسُ، لَكنْ تَكونُ المَنفعةُ مَصروفةً إلى المَصلحةِ التي كانَتِ الأُولى تُصرَفُ فيها؛ لأنه لا يَجوزُ تَغييرُ المَصرِفِ مع إمكانِ المُحافَظةِ عليه كما لا يَجوزُ تَغييرُ الوَقفِ بالبَيعِ مع إمكانِ الانتفاعِ به …

стр. 6937

فَصلٌ: وإنْ لم تَتعطَّلْ مَصلحةُ الوَقفِ بالكُلِّيةِ لكنْ قَلَّتْ وكانَ غَيرُه أنفَعَ منهُ وأكثَرَ رَدًّا على أهلِ الوَقفِ لم يَجُزْ بَيعُه؛ لأنَّ الأصلَ تَحريمُ البَيعِ وإنَّما أُبيحَ للضَّرورةِ؛ صِيانةً لمَقصودِ الوَقفِ عن الضَّياعِ مع إمكانِ تَحصيلِه ومع الانتفاعِ وإنْ قَلَّ ما يَضيعُ المَقصودُ، اللَّهمَّ إلا أنْ يَبلغَ في قِلةِ النَّفعِ إلى حَدٍّ لا يُعَدُّ نَفعًا، فيَكونُ وُجودُ ذلكَ كالعَدمِ (١). وجَوازُ بَيعِ الوَقفِ إذا خَرِبَ هو رِوايةٌ عن مالِكٍ وقالَ به بَعضُ المالِكية، قالَ ابنُ رُشدٍ: وفيها لرَبيعةَ أنَّ الإمامَ يَبيعُ الرَّبعَ إذا رَأى ذلكَ لخَرابِه، وهو إحدَى رِوايَتَي أبي الفَرجِ عن مالكٍ. اه ثُمَّ قالَ: في جَوازِ المُناقَلةِ لرَبعٍ غَيرِ خَرِبٍ قَولَا الشَّيخِ في رِسالتِه وابنِ شَعبانَ. وعِبارةُ «الرِّسالَة»: «ولا يُباعُ الحَبسُ وإنْ خَرِبَ»، ثمَّ قالَ: واختُلفَ في المُعاوَضةِ بالرَّبعِ الخَرِبِ برَبعٍ غيرِ خَربٍ. ثمَّ قالَ ابنُ رُشدٍ: إنْ كانَتْ هذه القِطعةُ مِنْ الأرضِ المُحبَّسةِ انقطَعَتْ مَنفعتُها جُملةً وعجَزَ عن عِمارتِها وكِرائِها فلا بَأسَ بالمُعاوَضةِ فيها بمَكانٍ

стр. 6938

يَكونُ حَبسًا مكانَها، ويَكونُ ذلكَ بحُكمٍ مِنْ القاضي بعدَ ثُبوتِ ذلكَ السَّببِ والغِبطةِ في ذلكَ للعِوضِ عنه، ويُسَجَّلُ ذلكَ ويُشهَدُ به. اه (١). وقالَ النَّفراويُّ ﵀: ولا يَجوزُ -بمَعنَى يَحرمُ- أنْ يُباعَ العَقارُ الحَبسُ وإنْ خَرِبَ بحَيثُ صارَ لا يُنتفعُ به ولم يُرْجَ عَودُه، قالَ مالِكٌ ﵁: لا يُباعُ العَقارُ الحَبسُ ولو خَرِبَ، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً دَليلٌ على مَنعِ ذلكَ. وعندَ بَعضِهم: يَجوزُ بَيعُه إنْ كانَ في بَقائِه ضَررٌ ولا يُرجَى عَودُه، وحُكيَ على ذلكَ الاتِّفاقُ، ولا شَكَّ في مُخالَفتِه لِما قالَه الإمامُ، ولعَلَّ وجْهَ كَلامِه ﵁ لِما يَلزمُ عليه مِنْ التَّطرُّقِ إلى بَيعِ الأوقافِ بدَعوى الخَرابِ، والإمامُ بَنَى مَذهبَه على سَدِّ الذَّرائعِ، وكما لا يَجوزُ بَيعُ العَقارِ الحَبسِ ولا يَجوزُ بَيعُ أنقاضِه (٢). القَولُ الثالثُ: وهو قَولُ مُحمدِ بنِ الحَسنِ: أنَّ الوَقفَ إذا خَرِبَ عادَ إلى مِلكِ صاحِبِه إنْ كانَ حَيًّا، وإلى مِلكِ وَرثتِه إنْ كانَ مَيتًا. قالَ الكاسانِيُّ ﵀: ولو جعَلَ دارَه مَسجدًا فخَرِبَ جِوارُ المَسجدِ أو استغنى عنه لا يَعودُ إلى مِلكِه ويَكونُ مَسجِدًا أبدًا عندَ أبي يُوسفَ، وعندَ مُحمدٍ يَعودُ إلى مِلكِه.

стр. 6939

ووجهُ قولِ مُحمدٍ أنه أزالَ مِلكَه بوَجهٍ مَخصوصٍ، وهو التقرُّبُ إلى اللهِ تعالى بمَكانٍ يُصلِّي فيهِ الناسُ، فإذا استغنى عنهُ فقدْ فاتَ غَرَضُه منهُ، فيَعودُ إلى مِلكِه، كما لو كَفَّنَ مَيتًا ثمَّ أكَلَه سَبعٌ وبَقيَ الكَفنُ يَعودُ إلى مِلكِه، كذا هذا. ولأبي يُوسفَ أنه لمَّا جعَلَه مَسجدًا فقدْ حرَّرَه وجعَلَه خالِصًا للهِ تعالَى على الإطلاقِ وصَحَّ ذلكَ، فلا يُحتملُ العَودُ إلى مِلكِه كالإعتاقِ، بخِلافِ تَكفينِ المَيِّتِ؛ لأنه ما حَرَّرَ الكفَنَ وإنَّما دفَعَ حاجةَ المَيِّتِ به، وهو سَتْرُ عَورتِه، وقد استَغنى عنه، فيَعودُ مِلكًا له. وقَولُه: «أزالَ مِلكَه بوَجهٍ وقَعَ الاستِغناءُ عنه»، قُلنا: مَمنوعٌ؛ فإنَّ المُجتازينَ يُصلُّونَ فيهِ، وكذا احتِمالُ عَودِ العِمارةِ قائِمٌ، وجِهةُ القُربةِ قد صَحَّتْ بيَقينٍ، فلا تَبطلُ باحتِمالِ عَدمِ حُصولِ المَقصودِ. ولو وقَفَ دارًا أو أرضًا على مَسجدٍ مُعيَّنٍ، قالَ بَعضُهم: هو على الاختِلافِ؛ على قَولِ أبي يُوسفَ يَجوزُ، وعلى قَولِ مُحمدٍ لا يَجوزُ؛ بِناءً على أنَّ المَسجدَ عندَ أبي يُوسفَ لا يَصيرُ مِيراثًا بالخَرابِ، وعندَ مُحمدٍ يَصيرُ ميراثًا. وقالَ أبو بَكرٍ الأعمَشُ: يَنبغي أنْ يَجوزَ بالاتِّفاقِ، وقالَ أبو بَكرٍ الإسكافُ: يَنبَغي ألَّا يَجوزَ بالاتِّفاقِ (١).

стр. 6940

وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: واعلَمْ أنه يَتفرَّعُ على الخِلافِ بينَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ فيما إذا استُغنيَ عن المَسجدِ لخَرابِ المَحلَّةِ والقَريةِ وتَفرَّقَ أهلُها ما إذا انهدَمَ الوَقفُ وليسَ له مِنْ الغَلةِ ما يُمكِنُ به عِمارتُه أنه يُبطِلُ الوَقفَ ويَرجعُ النَّقضُ إلى بانيهِ أو وَرثتِه عندَ مُحمدٍ، خِلافًا لأبي يُوسفَ. وكذا حانوتٌ في سوقٍ احتَرقَ وصارَ بحَيثَ لا يُنتفعُ به ولا يُستأجَرُ بشَيءٍ البَتَّةَ يَخرجُ عن الوَقفيَّةِ. وكذا في حَوضِ مَحلَّةٍ خَرِبَ وليسَ له ما يُعمرُ به، فهو لوارِثِه، فإنْ لم يُعرَفْ فهو لُقطةٌ. وكذا الرِّباطُ إذا خَرِبَ يَبطلُ الوَقفُ ويَصيرُ مِيراثًا. ولو بَنى رَجلٌ على هذه الأرضِ فالبِناءُ للباني وأصلُ الوَقفِ لوَرثةِ الواقفِ عند مُحمدٍ، فقَولُ مَنْ قالَ: «في جِنسِ هذه المسائِلِ نَظرٌ، فليُتأمَّلْ عندَ الفتوَى» غَيرُ واقِعٍ مَوقِعَه. وفي «الفَتاوى الظَّهيريَّة»: سُئلَ الحُلْوانِيُّ عن أوقافِ المَسجدِ إذا تَعطَّلتْ وتَعذَّرَ استِغلالُها، هل للمُتولِّي بَيعُها ويَشتَري بثَمنِها أُخرَى؟ قالَ: نعم. ورَوى هِشامٌ عن مُحمدٍ أنه قالَ: إذا صارَ الوَقفُ بحَيثُ لا يَنتفعُ به المَساكينُ فللقاضِي أنْ يَبيعَه ويَشتريَ بثَمنِه غيرَه، وعلى هذا فيَنبغي ألَّا يُفتيَ على قَولِه برُجوعِه إلى مِلكِ الواقفِ ووَرثتِه بمُجَرَّدِ تَعطُّلِه وخَرابِه، بل إذا صارَ بحَيثُ لا يُنتفعُ به يُشتَرى بثَمنِه وَقفٌ آخَرُ يُستغلُّ ولو كانَتْ غَلتُه دونَ غَلةِ الأولِ، وكذا للمُتولِّي أنْ يَبيعَ مِنْ تُرابِ مُسبَّلةٍ إذا كانَ فيهِ مَصلحةٌ.

стр. 6941

وفي «فتاوَى قاضِيخانْ»: وَقفٌ عَلى مُسَمَّيْنَ خَرِبَ ولا يُنتفعُ به ولا يُستأجَرُ أصلُه يَبطلُ الوَقفُ ويَجوزُ بَيعُه، وإنْ كانَ أصلُه يُستأجَرُ بشيءٍ قليلٍ يَبقى أصلُه وَقفًا. انتهى ويَجبُ حِفظُ هذا، فإنه قد تَخرَبُ الدارُ وتَصيرُ كَومًا وهي بحَيثُ لو نُقِلَ نَقضُها استَأجَرَ أرضَها مَنْ يَبني أو يَغرِسُ ولو بقَليلٍ، فيُغفَلُ عن ذلكَ وتُباعُ كلُّها للواقِفِ، مع أنه لا يَرجعُ منها إليهِ إلَّا النَّقضُ (١). وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: لو انهدَمَ الوَقفُ كلُّه فقدْ سُئِلَ عنه قارِئُ «الهِدايَة» بقَولِه: سُئلَ عن وَقفٍ تَهدَّمَ ولم يَكنْ له شيءٌ يُعمرُ منه، ولا أمكَنَ إجارَتُه ولا تَعميرُه، هل تُباعُ أنقاضُه مِنْ حَجرٍ وطوبٍ وخَشبٍ؟ أجابَ: إنْ كانَ الأمرُ كذلكَ صَحَّ بَيعُه بأَمرِ الحاكِمِ، ويُشترى بثَمنِه وَقفٌ مَكانَه، فإذا لم يَكنْ رَدَّه إلى وَرثةِ الواقفِ إنْ وُجِدوا، وإلَّا صُرِفَ إلى الفُقراء. اه (٢). والفَتوَى عندَ الحَنفيةِ على قَولِ أبي يُوسفَ كما بَيَّنَ ذلكَ ابنُ عابدِينَ ﵀. جاءَ في «الدُّر المُختَار»: (ولو خَرِبَ ما حَولَه واستُغنيَ عنه يَبقَى مَسجِدًا عندَ الإمامِ والثَّاني) أبدًا إلى قِيامِ السَّاعةِ (وبه يُفتَى) حاوِي القُدسِيِّ (وعادَ إلى المِلكِ) أي: مِلكِ الباني أو وَرثتِه (عندَ مُحمدٍ)، وعن الثاني:

стр. 6942

يُنقَلُ إلى مَسجدٍ آخَرَ بإذنِ القاضي، (ومِثلُه) في الخِلافِ المَذكورِ (حَشيشُ المَسجدِ وحُصرُه مع الاستِغناءِ عنهُما و) كذا (الرِّباطُ والبئرُ إذا لم يُنتفعْ بهمَا، فيُصرَفُ وَقفُ المَسجدِ والرِّباطِ والبئرِ) والحَوضِ (إلى أقرَبِ مَسجدٍ أو رِباطٍ أو بئرٍ) أو حَوضٍ (إليه) تَفريعٌ على قولِهما «دُرَر». قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: مَطلبٌ فيما لو خَرِبَ المَسجدُ أو غيرُه: قَولُه: (ولو خَرِبَ ما حَولَه) أي: ولو مع بقائِه عامِرًا، وكذا لو خَرِبَ وليسَ له ما يُعمَرُ به وقد استَغنَى الناسُ عنهُ لبناءِ مَسجدٍ آخَرَ. قولُه: (عندَ الإمام والثَّاني) فلا يَعودُ ميراثًا ولا يَجوزُ نَقلُه ونَقلُ مالِه إلى مَسجدٍ آخَرَ، سَواءٌ كانوا يُصلُّونَ فيهِ أو لا، وهو فتوَى «حاوِي القُدسيِّ» وأكثَرُ المَشايخِ عليه «مُجتَبى» وهو الأوجَهُ «فَتح». اه «بَحْر». قالَ في «الإسْعَاف»: وذكرَ بَعضُهم أنَّ قولَ أبي حَنيفةَ كقَولِ أبي يُوسفَ، وبَعضُهم ذكَرَه كقَولِ مُحمدٍ. قَولُهُ (وعادَ إلى المِلكِ عند مُحمدٍ): ذكرَ في «الفَتح» ما مَعناهُ أنه يَتفرَّعُ على الخِلافِ المَذكورِ ما إذا انهدَمَ الوَقفُ وليسَ له مِنْ الغَلةِ ما يُعمَرُ به، فيَرجعُ إلى الباني أو وَرثتِه عندَ مُحمدٍ، خِلافًا لأبي يُوسفَ، لكنْ عندَ مُحمدٍ إنَّما يَعودُ إلى مِلكِهِ ما خرَجَ عن الانتفاعِ المَقصودِ للواقِفِ بالكُليَّةِ، كحانوتٍ احتَرقَ ولا يُستأجَرُ بشيءٍ، ورِباطٍ وحَوضِ مَحلَّةٍ خَرِبَ وليسَ له ما يُعمرُ به، وأمَّا ما كانَ مُعَدًّا للغَلةِ فلا يَعودُ إلى المِلكِ إلا نَقضُه، وتَبقَى ساحَتُه وَقفًا تُؤجَّرُ ولو بشَيءٍ قَليلٍ، بخِلافِ الرِّباطِ ونَحوِه فإنه مَوقوفٌ

стр. 6943

للسُّكنى وامتَنعَتْ بانهدامِه، أمَّا دارُ الغَلةِ فإنها قد تَخرَبُ وتَصيرُ كَومًا وهي بحَيثُ لو نُقلَ نَقضُها يَستأجِرُ أرضَها مَنْ يَبني أو يَغرسُ ولو بقَليلٍ، فيُغفلُ عن ذلكَ وتُباعُ لواقِفِها مع أنه لا يَرجعُ إليه منها إلا النَّقضُ، واستَندَ في ذلكَ «للخانِيَّة» وغَيرِها، وظاهِرُ كَلامِه اعتِمادُه. قولُه: (وعن الثَّاني … إلخ) جزَمَ به في «الإسعَاف» حَيثُ قالَ: ولو خَرِبَ المَسجدُ وما حَولَه وتَفرَّقَ الناسُ عنهُ لا يَعودُ إلى مِلكِ الواقفِ عند أبي يُوسفَ، فيُباعُ نَقضُهُ بإذنِ القاضي ويُصرَفُ ثَمنُه إلى بَعضِ المَساجدِ. اه قَولُه: (ومِثلُه حَشيشُ المَسجدِ … إلخ) أي: الحَشيشُ الذي يُفرَشُ بدَلَ الحُصرِ كما يُفعلُ في بَعضِ البِلادِ كبِلادِ الصَّعيدِ كما أخبَرَني به بَعضُهم، قالَ الزَّيلعيُّ: وعلى هذا حَصيرُ المَسجدِ وحَشيشُه إذا استَغنى عنهُما يَرجعُ إلى مالِكِه عند مُحمدٍ، وعندَ أبي يُوسفَ يُنقلُ إلى مَسجدٍ آخَرَ، وعلى هذا الخِلافِ الرِّباطُ والبئرُ إذا لم يُنتفعْ بهمَا. اه وصَرَّحَ في «الخانِيَّة» بأنَّ الفتوَى على قَولِ مُحمدٍ، قالَ في «البَحر»: وبه عُلِمَ أنَّ الفتوَى على قَولِ مُحمدٍ في آلاتِ المَسجدِ، وعلى قَولِ أبي يُوسفَ في تَأبيدِ المَسجدِ. اه والمُرادُ بآلاتِ المَسجدِ نَحوُ القِنديلِ والحَصيرِ، بخِلافِ أنقاضِهِ؛ لِما قَدَّمْنا عنه قَريبًا مِنْ أنَّ الفتوَى على أنَّ المَسجدَ لا يَعودُ مِيراثًا، ولا يَجوزُ نَقلُه ونَقْلُ مالِه إلى مَسجدٍ آخَرَ … (١).

стр. 6944

وقالَ الشافِعيةُ في مُقابلِ الأصَحِّ: إنَّ المَوقوفَ إذا تَعطَّلتْ مَنافعُه يَنقطعُ الوَقفُ ويَعودُ مِلكًا للواقِفِ. قالوا: المَوقوفُ إذا تَعطَّلتْ مَنفعةُ المَوقوفِ بسَببٍ غَيرِ مَضمونٍ كأنْ جَفَّتِ الشَّجرةُ أو قلَعَها ريحٌ أو سَيلٌ أو نحو ذلكَ ولم يُمكِنْ إعادَتُها إلى مَغرسِها قبلَ جَفافِها، أو زَمِنَتِ الدابَّةُ لم يَنقطعِ الوَقفُ على المَذهبِ، بل يُنتفعُ بها جِذعًا بإجارةٍ وغَيرِها؛ إدامةً للوَقفِ في عَينِها، ولا تُباعُ ولا تُوهبُ؛ لخبَرِ: «لا تُباعُ». وكذا الدابَّةُ الزمِنَةُ بحَيثُ صارَتْ لا يُنتفعُ بها، هذا إنْ أُكِلتْ؛ إذْ يَصحُّ بَيعُ لَحمِها بخِلافِ غَيرِها. وفي مُقابلِ الأصَحِّ: تُباعُ؛ لأنَّ مَنفعتَها بطَلَتْ، فكانَ بَيعُها أَولَى مِنْ تَركِها. ويُشترى بالثَّمنِ مِثْلُها ليَكونَ وَقفًا مَكانَها أو بَعضُه؛ لأنه أقرَبُ إلى مَقصودِ الواقفِ. وإِنْ لم يُنتفعْ بها إلا باستِهلاكِها بإحراقٍ أو نَحوِه ففيهِ خِلافٌ: قِيلَ: يَنقطعُ الوَقفُ وتَصيرُ مِلكًا للمَوقوفِ عليه حِينئذٍ على المُعتمَدِ، لكنَّها لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، بل يُنتفعُ بعَينِها كأُمِّ الوَلدِ والأُضحِيةِ. وقيلَ: لا تَصيرُ مِلكًا بحالٍ (١).

стр. 6945

استِبدالُ الوَقْفِ: قالَ ابنُ فارِسٍ: مادَّةُ (ب د ل) أصلٌ واحِدٌ، وهو قيامُ الشَّيءِ مَقامَ الشَّيءِ الذَّاهِبِ. والاستِبدالُ والإبدالُ في أصلِ اللُّغةِ: جَعلُ شيءٍ مَكانَ شيءٍ آخَرَ، يُقالُ: أبْدَلتُه بكذا إبدالًا، أي: نَحَّيتُ الأوَّلَ وجَعلْتُ الثانِيَ مَكانَه، وتَبدَّلَ الشَّيءُ وتَبدَّلَ به واستَبدَلَ به، أي: اتَّخذَ منه بَدَلًا (١). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: والإبدالُ يَكونُ تارَةً بأنْ يُعوَّضَ فيها بالبَدلِ، وتارَةً بأنْ يُباعَ ويُشتَرى بثَمنِها المُبدَلُ (٢). والفُقهاءُ يُطلِقونَ كَلمةَ استِبدالِ الوَقفِ أو إبدالِ الوَقفِ أو المُناقَلةِ في الوَقفِ ويُريدونَ بها تَنحِيةَ عَينِ الوَقفِ وأخْذَ عَينٍ أُخرَى مَكانَها لتَكونَ العَينُ الثانيةُ مَكانَ الأُولى، وسَواءٌ أكانَتِ العينُ المُستبدَلةُ عَقارًا أم مَنقولًا، وسَواءٌ كانَ ذلكَ عن طَريقِ المُبادَلةِ أم عن طَريقِ البَيعِ والشِّراءِ، وقد صنَّفَ الفُقَهاءُ في ذلكَ عدَّةَ رَسائِلَ، مثل: «تَحرِير الكَلامِ في مَسألةِ الاستِبدالِ» لابنِ نُجيمٍ الحَنفيِّ و «المُناقَلَة بالأوقافِ» لابنِ قاضي الجَبلِ و «المُناقَلَة بالأوقافِ وما في ذلكَ مِنْ النِّزاعِ والخِلافِ» لصاحِبِ «الفائِق» مِنْ الحَنابلةِ و «رَفعُ المُثاقَلةِ في مَنعِ المُناقَلةِ» للشَّيخِ عِزِّ الدِّينِ حَمزةَ ابنِ شَيخِ السَّلاميَّةِ.

стр. 6946

والكَلامُ عن استِبدالِ الوَقفِ يَكونُ في ثَلاثِ صُورٍ: الصُّورةُ الأُولى: اشتِراطُ الواقفِ استِبدالَ الوَقفِ لنَفسِه أو لغَيرِه. الصُّورةُ الثانِيةُ: ألَّا يَشرِطَه الواقفُ بأنْ سكَتَ أو شرَطَ عدَمَهُ، لَكنْ صارَ المَوقوفُ لا يُنتفعُ به بالكُليَّةِ، بأنْ لا يَحصلَ منهُ شَيءٌ أصلًا أو لا يَفيَ بمُؤنتِه. الصُّورةُ الثالثةُ: ألا يَشرِطَه الواقفُ ولكنْ فيهِ نَفعٌ في الجُملةِ وبَدَلُه خيرٌ منه رَيعًا ونَفعًا. وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في جَميعِ هذه الصُّورِ … الصُّورةُ الأُولى: اشتِراطُ الواقفِ استِبدالَ الوَقفِ لنَفسِه أو لغَيرِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في الواقفِ إذا اشتَرطَ في ابتِداءِ الوَقفِ أنَّ له استِبدالَ الوَقفِ، هل يَجوزُ له أنْ يَستبدِلَ به غيرَه أم لا يَجوزُ؟ فذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ والخَصَّافُ وهِلالٌ مِنْ الحَنفيةِ -وعليهِ الفتوَى عندَهُم، وقيلَ أنه قَولُ مُحمدٍ أيضًا- والمالِكيةُ (١) -وهُو قَولٌ للحَنابلةِ إلى أنه إذا اشتَرطَ بَيعَهُ إذا خَرِبَ وجَعَلَ ثَمَنَهُ في مِثْلِهِ (٢) - إلى أنه يَجوزُ للواقِفِ شَرطُ الاستِبدالِ لنَفسِه أو لنَفسِه ولغَيرِه أو لغَيرِه. قالَ الحَنفيةُ: فلو قالَ الواقفُ: «أَرضي هذه صَدقةٌ مَوقوفةٌ للهِ أبَدًا على أنَّ لي أنْ أبيعَها وأشتَريَ بثَمنِها أرضًا أُخرَى فتَكونُ وَقفًا على

стр. 6947

شُروطِ الأُولى» جازَ الوَقفُ والشَّرطُ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا يُبطلُ حُكمَ الوَقفِ، فإنَّ الوَقفَ مِمَّا يَحتملُ الانتِقالَ مِنْ أرضٍ إلى أُخرى، فإنَّ أرضَ الوَقفِ إذا غصَبَها إنسانٌ وأجرَى عليها الماءَ حتى صارَتْ بَحرًا لا تَصلحُ للزِّراعةِ وضَمِنَ قيمَتَها وشُرِيَ بقِيمتِها أرضٌ أُخرى تَكونُ وَقفًا على شَرائطِ الأُولى، وكذلكَ أرضُ الوَقفِ إذا قلَّ نُزُلُها لآفَةٍ وصارَتْ بحَيثُ لا تَصلحُ للزِّراعةِ أو لا تَفضلُ غَلتُها عن مُؤنِها يَكونُ صَلاحُ الوَقفِ في استِبدالِه بأرضٍ أُخرَى، فيَصحُّ أنْ يَشتَرطَ وِلايةَ الاستِبدالِ وإنْ لم تَكنِ الضَّرورةُ داعِيةً إليه في الحالِ، ولو قالَ الواقِفُ في أصلِ الوَقفِ: «على أنْ أبيعَها وأشتَريَ بثَمنِها أرضًا أُخرى» ولم يَزِدْ على هذا يَكونُ الوَقفُ باطِلًا في القِياسِ؛ لأنه لم يَذكرْ إقامةَ أرضٍ أُخرَى مَقامَ الأُولى، وجائِزًا في الاستِحسانِ؛ لأنَّ الأرضَ تَعيَّنتْ للوَقفِ، فيَقومُ ثَمنُها مَقامَها في الحُكمِ، وبمُجرَّدِ شِراءِ أرضٍ بثَمنِها تَصيرُ وَقفًا على شَرائطِ الأُولى مِنْ غيرِ تَجديدِ وَقفٍ. وليسَ لهُ بعدَ استِبدالِه مَرَّةً أنْ يَستبدلَ ثانِيًا؛ لانتِهاءِ الشَّرطِ بمَرَّةٍ، إلا أنْ يَذكُرَ عِبارةً تُفيدُ أنَّ له ذلكَ دائِمًا (١). قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وإذا قالَ: «على أنْ أستَبدِلَ أرضًا أُخرَى» ليسَ له أنْ يَجعلَ البَدلَ دارًا، وكذا على العَكسِ، ولو قالَ: «بأَرضٍ مِنْ البَصرةِ» ليسَ له أنْ يَستبدلَ مِنْ غيرِها؛ لأنَّ الأماكنَ قد تَختلفُ في جَودةِ الأرضِ،

стр. 6948

ويَنبغي إنْ كانَتْ أحسَنَ أنْ يَجوزَ؛ لأنه خِلافٌ إلى خيرٍ، ولو شرَطَ الاستِبدالَ ولم يَذكرْ شيئًا استَبدلَ ما شاءَ مِنْ العَقارِ خاصَّةً، ولو باعَ الوَقفَ بغَبنٍ فاحِشٍ لا يَجوزُ البَيعُ، ولو قبَضَ الثَّمنَ ثُمَّ ماتَ ولَم يُبيِّنْ حالَه فهو دَينٌ في تَركَتِه، وكذا لو استَهلكَه، أمَّا لو ضاعَ الثَّمنُ في يَدِهِ فلا ضَمانَ عليه، ولو اشتَرى بالثَّمنِ عَرضًا مِمَّا لا يَكونُ وَقفًا فهو له والدَّينُ عليه، ولو وهَبَه مِنْ المُشتري صَحَّتِ الهِبةُ ويَضمنُه في قَولِ أبي حَنيفةَ، ومنَعَه أبو يُوسفَ، أمَّا لو قبَضَ الثَّمنَ ثمَّ وهَبَه فالهِبةُ باطِلةٌ اتِّفاقًا، ولو باعَه بعَرضٍ ففي قياسِ أبي حَنيفةَ يَصحُّ، وقالَ أبو يُوسفَ وهلالٌ: لا يَملكُ البَيعَ إلا بالنَّصِّ أو بأرضٍ تَكونُ وَقفًا مَكانَها، وإذا باعَ الوَقفَ ثُمَّ عادَ إليه بما هو فَسخٌ مِنْ كُلِّ وَجهٍ كانَ له أنْ يَبيعَها ثانِيًا، وإنْ عادَتْ بعَقدٍ جَديدٍ لا يَملكُ بَيعَها؛ لأنها صارَتْ وَقفًا، فكأنه اشتَرى غيرَها، إلَّا أنْ يَكونَ عمَّمَ لنَفسِه الاستِبدالَ، ولو رُدَّتْ بعَيبٍ بقَضاءٍ أو بغَيرِ قَضاءٍ بعدَ القَبضِ أو قبلَ القَبضِ بقَضاءٍ عادَتْ وَقفًا، وكذا إذا قالَ المُشتري: قبلَ القَبضِ أو بعدَه فله أنْ يَصنعَ بالأُخرى ما شاءَ، ولو استَحقَّتِ الأُولى في القياسِ تَبقى الثَّانيةُ وَقفًا، وفي الاستِحسانِ لا؛ لأنَّ الثانِيةَ كانَتْ وَقفًا بَدلًا عن الأُولى، وبالاستِحقاقِ انتَقضَتْ تلكَ المُبادَلةُ مِنْ كُلِّ وَجهٍ فلا تَبقى الثانيةُ وَقفًا، ولو شرَطَ لنَفسِه أنْ يَستبدلَ فوَكَّلَ به جازَ، ولو أَوصَى به عندَ مَوتِه لم يَكنْ للوَصيِّ ذلكَ؛ لأنَّ في الوَكالةِ وهو حَيٌّ لو تَمكَّنَ خَلَلُه أمكَنَه الاستِبدالُ، بخِلافِ الوَصيِّ، ولو شرَطَ الاستبدالَ لنَفسِه مع آخَرَ على أنْ يَستبدلَا معًا فتَفرَّدَ بذلكَ الرَّجلُ لا يَجوزُ،

стр. 6949

ولو تَفرَّدَ به الواقِفُ جازَ؛ لأنه هو الذي شرَطَه لذلكَ وما شرَطَ لغيرهِ فهو مَشروطٌ له، كما لو نَصَّبَ قاضِيَا بَلدينِ كُلٌّ قيِّمًا كانَ لكُلٍّ أنْ يَتصرَّفَ وحْدَه، ولو أنْ أحَدَ هذَينِ القاضِيَينِ أرادَ أنْ يَعزِلَ الذي أقامَه القاضي الآخَرُ قالَ: إذا رَأى المَصلحةَ في ذلكَ كانَ له عَزلُه وإلا فلا (١). وفي نَحوِ هذا عن الأنصارِيِّ، لكنْ لا يَبيعُها إلا بإذنِ الحاكِمِ. قالَ بُرهانُ الدِّينِ ابنُ مازةَ ﵀: وذكَرَ الأنصارِيُّ في «وَقفِه»: أنه لا يَبيعُ إلا بإذنِ الحاكِمِ، قالَ الأنصارِيُّ أيضًا: ويَنبغي للحاكِمِ إذا رُفعَ إليهِ ولا مَنفعةَ في الوَقفِ أنْ يَأذنَ له في البَيعِ إذا رَآهُ أحوَطَ لأهلِ الوَقفِ، فإنْ باعَها واشتَرى بثَمنِها أرضًا كانَتْ وَقفًا، وليسَ له أنْ يَبيعَ الأرضَ إلَّا أنْ يَشتَرطَ ذلكَ في أصلِ الوَقفِ، ذكَرَه هِلالٌ في «وَقفِه». ولو شرَطَ في أصلِ الوَقفِ أنْ يَبيعَ الوَقفَ ويَجعلَ ثَمنَه للمَساكينِ لم يَجُزْ هذا الشَّرطُ، ذكَرَه الأنصارِيُّ في «وَقفِه»، وذكَرَ الخَصَّافُ في «وَقفِه»: لو شرَطَ أنْ يَبيعَها ويَصرِفَ ثمَنَها إلى ما يَرى مِنْ أبوابِ الخيرِ فالوَقفُ باطِلٌ، وإنْ شرَطَ في أصلِ الوَقفِ أنْ يَبيعَه ولم يَبِعْه لا يَجوزُ لمَن وُلِدَ بعدَه أنْ يَبيعَه. وفي «وَقفِ الأنصاريِّ»: إذا وقَفَ ضَيعَتَه على أنَّ له أنْ يَبيعَها ويَصرفَ ثمَنَها إلى حاجةٍ قالَ أبو نَصرٍ: الوَقفُ جائِزٌ والشرطُ باطِلٌ، وعن أبي القاسِمِ نَحوُه، وقالَ أبو بَكرٍ الإسكافُ: الوَقفُ باطِلٌ، قالَ الصَّدرُ الشَّهيدُ:

стр. 6950

وهو المُختارُ؛ لأنه يَنعدمُ فيهِ التَّأبيدُ، وكذلكَ لو حَبسَ فَرَسًا أو سِلاحًا وجعَلَه وَقفًا عِشرينَ سَنةً ثمَّ هي مَردودةٌ إلى صاحِبِها؛ لِما قُلنَا. وفي «فتاوَى أبي اللَّيثِ» وفي «سِر العُيونِ»: حَبسَ فَرسًا في سَبيلِ اللهِ عَشرَ سِنينَ ثم هي مَردودةٌ على صاحِبِها فهو باطِلٌ، وعن أبي يُوسفَ ابنِ خالِدٍ السَّمتيِّ أُستاذِ هِلالٍ أنَّ الوَقفَ جائِزٌ والشرطَ باطلٌ، وكذا في الوَقفِ على شَرطِ أنْ يَبيعَه كما قالَ أبو القاسِمِ وأبو نَصرٍ (١). وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: لو شرَطَ الواقِفُ الاستِبدالَ لنَفسِه أو لغَيرِه أو لنَفسِه وغَيرِه فالاستِبدالُ فيهِ جائِزٌ على الصَّحيحِ، وقيلَ: اتِّفاقًا (٢). وذهَبَ الإمامُ مُحمدٌ وأبو يُوسفَ وخالِدٍ السَّمْتِيُّ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَقفَ صَحيحٌ والشَّرطَ باطِلٌ، قالَ في «الإسْعَاف»: وهو القِياسُ (٣). قالَ شَمسُ الدِّينِ السَّرخسيُّ ﵀: وعندَ مُحمدٍ -وهو قَولُ أهلِ البَصرةِ ﵏ الوَقفُ جائزٌ والشَّرطُ باطِلٌ؛ لأنَّ هذا الشَّرطَ لا يُؤَثِّرُ في المَنعِ مِنْ زَوالِه، والوَقفُ يَتِمُّ بذلكَ ولا يَنعدمُ به مَعنَى التَّأبيدِ في أصلِ الوَقفِ، فيَتِمُّ الوَقفُ بشُروطِه ويَبقَى الاستِبدالُ شَرطًا فاسِدًا، فيَكونُ باطِلًا

стр. 6951

في نَفسِه، كالمَسجدِ إذا شرَطَ الاستِبدالَ به أو شرَطَ أنْ يُصلِّيَ فيهِ قَومٌ دونَ قَومٍ، فالشَّرطُ باطِلٌ واتِّخاذُ المَسجدِ صَحيحٌ، فهذا مِثلُه (١). وقالَ البُهوتيُّ ﵀ في «كَشَّاف القِناعِ»: ولو شرَطَ البَيعَ عندَ خَرابِ الوَقفِ وصَرْفَ الثَّمنِ في مِثلِه أو شرَطَه للمُتولِّي بعدَه فسَدَ الشَّرطُ فقطْ وصَحَّ الوَقفُ مع إلغاءِ الشَّرطِ كما في الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ، وهذا وَجهٌ حَكاهُ الحارِثيُّ عن القاضِي وابنِ عَقيلٍ، وحَكَى قبلَه عنهُما وعنِ ابنِ البَنَّاءِ وغَيرِهم: يَبطلُ الوَقفُ، ثُمَّ قالَ بعدَ ذِكرِ الوَجهِ بصِحَّةِ الوَقفِ وإلغاءِ الشَّرطِ: ولا يَصحُّ؛ فإنَّ إلغاءَ الشَّرطِ إبطالٌ للعَملِ بمُوجَبِه، والبَيعُ عندَ الخَرابِ ثابِتٌ، والثابِتُ اشتِراطُه تَأكيدٌ له (٢). قالَ المِرداويُّ ﵀: لو شرَطَ البَيعَ عند خَرابِه وصَرْفَ الثَّمَنِ في مِثلِه أو شرَطَه للمُتولِّي بعدَه فقالَ القاضِي وابنُ عَقيلٍ وابنُ البَنَّا وغيرُهم: يَبطلُ الوَقفُ. قُلتُ: وفيهِ نَظرٌ، وذكَرَ القاضي وابنُ عَقيلٍ وَجهًا بصِحَّةِ الوَقفِ وإلغاءِ الشَّرطِ، ذكَرَ ذلكَ الحارِثيُّ، قُلتُ: وهو الصَّوابُ. قالَ في «الفُرُوع»: وشَرطُ بَيعِه إذا خَرِبَ فاسِدٌ في المَنصوصِ، نقَلَه حَربٌ، وعَلَّلَ بأنه ضَرورةٌ ومَنفعةٌ لهم.

стр. 6952

قالَ في «الفُرُوع»: ويَتوجَّهُ على تَعليلِه لو شرَطَ عدَمَه عندَ تَعطيلِهِ. وقيلَ: الشَّرطُ صَحيحٌ (١). وذهَبَ الحَنابلةُ في المَذهبِ والحَنفيةُ في قَولٍ ثالِثٍ إلى أنَّ الشَّرطَ والوَقفَ فاسِدانِ (٢). قالَ البُهوتيُّ في «شَرح مُنتَهى الإراداتِ» والرُّحيبانِيُّ في «مَطالِب أُولِي النُّهى»: لو شرَطَ تَحويلَ الوَقفِ مِنْ جِهةٍ لأُخرى كقَولِه: «وَقَفتُ داري على جِهةِ كذا، على أنْ أُحوِّلَها عَنها أو عن الوَقفيَّةِ بأنْ أَرجِعَ عنها متى شِئتُ» فإنْ شرَطَ شيئًا مِنْ ذلكَ بطَلَ الشَّرطُ والوَقفُ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، نَصَّ عليه وقدَّمَه في «الفُرُوع» و «شَرح الحارِثيِّ» و «الفائِق» و «الرِّعايتَيْنِ» و «الحاوِي الصَّغير»، قالَ في «المُغْنِي»: لا نَعلمُ فيهِ خِلافًا لمُنافاتِه، وكذلكَ لو شرَطَ الواقِفُ تَغييرَ شَرطِه ومَتى شاءَ أبطلَهُ لم يَصِحَّ الوَقفُ؛ لأنه شَرطٌ يُنافي مُقتضَى الوَقفِ (٣). وأمَّا المالِكيةُ فاختَلَفوا في اشتِراطِ التَّبديلِ في الوَقفِ، فَجاءَ في «فَتح العَلِيِّ المالِكِ» للشَّيخِ عليشٍ: (ما قَولُكم) في أرضٍ مَوقوفةٍ على سَبيلٍ في

стр. 6953

طريقِ المُسلمينَ شرَطَ واقِفُها ألا تُباعَ ولا تُستبدَلَ بغَيرِها، ثُمَّ استَبدَلَ ناظِرُ السَّبيلِ تلكَ الأرضَ بأرضٍ أُخرى مِنْ أراضِي الدِّيوانِ، بأنْ دفَعَ أرضَ الوَقفِ لرَجلٍ مِنْ الفلَّاحينَ، وأخَذَ منه أرضًا مِنْ أراضِي الدِّيوانِ، وصارَ الناظِرُ يَدفعُ مَصاريفَ الوَقفِ، والفَلَّاحُ يَدفعُ ما عليهِ مِنْ الخَراجِ، فهل هذه المُبادَلةُ باطِلةٌ ويَجبُ على الناظِرِ رَدُّ أرضِ الوَقفِ بعَينِها تحتَ يَدِه؟ أَفيدُوا الجَوابَ. فأَجابَ الشَّيخُ الدَّرديرُ ﵀ بقَولِه: الحَمدُ للهِ، حَيثُ شرَطَ الواقفُ عدَمَ الاستِبدالِ وأطلَقَ كانَتِ المُبادَلةُ الحاصِلةُ مِنْ الناظِرِ باطِلةً، ويَجبُ على الناظِرِ رَدُّ أرضِ الدِّيوانِ لصاحِبِها، وأخذُ أرضِ الوَقفِ بعَينِها، ومَن امتَنعَ فعَلى الحاكِمِ زَجرُه، واللهُ أعلَمُ (١). فيُفهَمُ مِنْ كَلامِ الشَّيخِ الدَّرديرِ أنَّ الواقفَ إذا شرَطَ الاستِبدالَ عُمِلَ به، وهو ما صرَّحَ به الدُّسوقِيُّ. فقالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (ولا يُشترطُ) -أي في صِحةِ الوَقفِ- التأبيدُ، أي: ويُؤخَذُ منه أنَّ اشتِراطَ التَّغييرِ والتَّبديلِ والإدخالِ والإخراجِ مَعمولٌ به. وفي «المُتَيطِيِّ» ما يُفيدُ منْعَ ذلكَ ابتِداءً، ويَمضي إنْ وقَعَ، فَفي الحَطَّابِ عن «النَّوادِر» و «المُتَيطِيَّة» وغَيرِهما أنه إنْ شرَطَ في وَقفِه أنه إنْ وُجِدَ فيهِ

стр. 6954

رَغبةً بِيعَ واشتُريَ غيرُه أنه لا يَجوزُ له ذلكَ، فإنْ وقَعَ ونزَلَ مَضَى وعُمِلَ بشَرطِه. اه «البنانِيُّ» (١). وقالَ الحَطَّابُ ﵀: ص (واتُّبعَ شَرطُه إنْ جازَ لتَخصيصِ مَذهبٍ) ش: مَفهومُ قولِه: «إنْ جازَ» أنه إنْ شرَطَ ما لا يَجوزُ لا يُتَّبعُ، وهذا - واللهُ أعلَمُ-إذا شرَطَ شيئًا مُتفَقًا على مَنعِه، وإلا فقدْ نَصَّ في «النَّوادِر» و «المُتَيطيَّة» وغَيرِهما أنه إذا شرَطَ في وَقفِه إنْ وجَدَ فيهِ ثمَنَ رَغبةِ بَيعٍ واشتَرى غيرَه أنه لا يَجوزُ له ذلكَ، فإنْ وقَعَ ونزَلَ مَضى وعُمِلَ بشَرطِه. قالَ في «النَّوادِر» في تَرجَمةِ الرُّجوعِ في الحَبسِ: وهل يُباعُ؟ قالَ ابنُ الماجشُونِ: لا أرَى أنْ يَستثنيَ في الدارِ أنْ يَقولَ إذا وجَدَ في الدارِ ثَمنًا رَغيبًا فلتُبَعْ ويَشتَرِ بثَمنِها دارًا، وكذلكَ الأصولُ، فإنِ استَثناهُ في حَبسِه جازَ ومَضَى. انتهى وقالَ في «المُتَيطيَّة» في تَرجَمةِ ما جاءَ في مراجِعِ الأحباسِ: قالَ مُطرِّفٌ وابنُ الماجشُونِ وابنُ عبدِ الحَكمِ وأصبَغُ في «الواضِحَة»: ولا يَجوزُ أنْ يَستثنيَ مِنْ الحَبسِ في الرِّباعِ إنْ وجَدَ ثَمنًا رَغيبًا فقدْ أَذِنت في بَيعِ ذلكَ وأنْ يبتاعَ بثَمنِ ذلكَ رَبعًا مِثلَه؛ لأنَّ هذا لا يَقعُ فيهِ مِنْ الحاجةِ إلى بَيعِ ذلكَ،

стр. 6955

والعُذرُ في تَغييرِه ما وقَعَ في البَيعِ عندَ الحاجةِ، وإنِ استَثناهُ مُستَثنٍ جازَ ومَضَى. انتهى، ونقَلَه ابنُ سَلْمونٍ أيضًا (١). وقد صَرَّح النَّفراويُّ ﵀ بجَوازِ بَيعِه إذا شرَطَ الواقفُ ذلكَ، فَجاءَ في «الفَواكِه الدَّوانِي»: ولا يَجوزُ -بمَعنى يَحرمُ- أنْ يُباعَ العَقارُ الحَبسُ وإنْ خَرِبَ بحَيثُ صارَ لا يُنتفعُ به ولَم يُرجَ عَودُه، قالَ مالكٌ ﵁: لا يُباعُ العَقارُ الحَبسُ ولو خَرِبَ، وبقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً دَليلٌ على مَنعِ ذلكَ. وعندَ بَعضِهم: يَجوزُ بَيعُه إنْ كانَ في بَقائِه ضرَرٌ ولا يُرجى عَودُه، وحُكيَ على ذلكَ الاتِّفاقُ، ولا شَكَّ في مُخالَفتِه لِما قالَه الإمامُ، ولعَلَّ وجْهَ كَلامِه ﵁: لِما يَلزمُ عليه مِنْ التَّطرقِ إلى بَيعِ الأوقافِ بدَعوَى الخَرابِ، والإمامُ بَنَى مَذهبَه على سَدِّ الذَّرائعِ، وكما لا يَجوزُ بَيعُ العَقارِ الحَبسِ لا يَجوزُ بَيعُ أنقاضِه. تَنبيهٌ: كَلامُ المُصنِّفِ مُقيَّدٌ بما إذا لم يَكُنِ الواقفُ شرَطَ للمَوقوفِ عليه بَيعَه، وإلَّا جازَ، سَواءٌ قيَّدَ ذلكَ بالحاجةِ أم لا، كما لو شرَطَ الواقِفُ لنَفسِه بَيعَه، فيَجوزُ له بَيعُه؛ عَملًا بالشرطِ؛ قياسًا على شَرطِ الرُّجوعِ في صَدقتِه (٢). وأمَّا الشافِعيةُ فلمْ أَقِفْ لهم على قَولٍ فيما لو اشتَرطَ الواقفُ استِبدالَ الوَقفِ، وإنَّما مَنَعوا مِنْ بَيعِ الوَقفِ وتَغييرِه كما سَيَأتي، ولَم يَذكُروا حُكمَ الاشتِراطِ فيما وقَفْتُ عليهِ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 6956

الصُّورةُ الثانِيةُ: ألا يَشرطَه الواقِفُ، بأنْ سكَتَ أو شرَطَ عدَمَه، لكنْ صارَ المَوقوفُ لا يُنتفعُ به بالكُليَّةِ، بأنْ لا يحصلَ منه شيءٌ أصلًا أو لا يَفِيَ بمُؤنتِه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَرطَ الواقفُ عدَمَ الاستِبدالِ أو سكَتَ، ولكِنْ صارَ المَوقوفُ لا يُنتفعُ به بالكُليَّةِ، بأنْ لا يحصلَ منه شَيءٌ أصلًا أو لا يَفِيَ بمُؤنتِه، هل يَصحُّ بَيعُه والاستِبدالُ به؟ أم لا يَجوزُ بحالٍ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى جَوازِ الاستِبدالِ ومُخالَفةِ شَرطِ الواقفِ في هذه الحالةِ للمَصلحةِ، قالوا: لو شرَطَ الواقِفُ عدَمَ استِبدالِ الوَقفِ فللقاضِي الاستِبدالُ للمَصلحةِ بعدَّةِ شُروطٍ: ١ - أنْ يَخرجَ عن الانتفاعِ بالكُليَّةِ. ٢ - وألَّا يَكونَ هُناكَ رَيعٌ للوَقفِ يُعمرُ به. ٣ - وألَّا يَكونَ البَيعُ بغَبنٍ فاحِشٍ. ٤ - وأنْ يَكونَ المُستبدِلُ قاضيَ الجَنَّةِ المُفسَّرُ بذي العِلمِ والعَملِ؛ لِئلَّا يَحصلَ التطرُّقُ إلى إبطالِ أوقافِ المُسلمينَ كما هو الغالِبُ في زَمانِنا. ٥ - قالَ ابنُ نُجيمٍ: ويَجبُ أنْ يُزادَ آخَرُ في زَمانِنا، وهو أنْ يُستبدلَ بعَقارٍ لا بدَراهِمَ ودنانيرَ، فإنَّا قد شاهَدْنا النُّظَّارَ يَأكلونَها وقَلَّ أنْ يَشتريَ بها بَدلًا، ولمْ نَرَ أحَدًا مِنْ القُضاةِ فتَّشَ على ذلكَ مع كَثرةِ الاستِبدالِ في زَمانِنا، مع أني نَبَّهتُ بَعضَ القُضاةِ على ذلكَ، وهَمَّ بالتَّفْتيشِ ثم ترَكَ (١).

стр. 6957

٦ - وألَّا يَبيعَه مِمَّنْ لا تُقبلُ شَهادتُه له، ولا مِمَّنْ له عليه دَينٌ. ٧ - ومُبادَلةُ دارِ الوَقفِ بدارٍ أُخرَى إنَّما يَجوزُ إذا كانَتَا في مَحلَّةٍ واحِدةٍ، أو مَحلَّةُ الأُخرى خيرٌ، وبالعَكسِ لا يَجوزُ وإنْ كانَتِ المَملوكةُ أكثَرَ مَساحةً وقِيمةً وأُجرةً؛ لاحتِمالِ خَرابِها في أدوَنِ المَحلَّتَينِ لدَناءتِها وقِلَّةِ الرَّغبةِ فيها. ٨ - وأنْ يَكونَ البَدلُ والمُبدَلُ مِنْ جِنْسٍ واحِدٍ؛ لِما في «الخانِيَّة»: لو شرَطَ لنَفسِه استِبدالَها بدارٍ لم يَكنْ له استِبدالُها بأرضٍ وبالعَكسِ، أو بأرضِ البَصرةِ تَقيَّدَ. اه، فهذا فيما شرَطَه لنَفسِه فكذا يَكونُ شَرطًا فيما لو لم يَشترطْه لنَفسِه بالأَولى، تَأمَّلْ، ثُمَّ قالَ: والظاهِرُ عَدمُ اشتِراطِ اتِّحادِ الجِنسِ في المَوقوفةِ للاستِغلالِ؛ لأنَّ المَنظورَ فيها كَثرةُ الرَّيعِ وقَلقُ المَرمَّةِ والمُؤنَةِ، فلو استَبدلَ الحانوتَ بأرضٍ تُزرعُ ويَحصلُ منها غَلةٌ قدْرَ أُجرةِ الحانوتِ كانَ أحسَنَ؛ لأنَّ الأرضَ أدوَمُ وأَبقَى وأَغنَى عن كافَّةِ التَّرميمِ والتَّعميرِ، بخِلافِ المَوقوفةِ للسَّكنِ؛ لظُهورِ أنَّ قصْدَ الواقفِ الانتفاعُ بالسَّكنِ (١). وسُئِلَ ابن عابدِينَ ﵀ في خَرابةٍ جارِيةٍ في وَقفٍ أهليٍّ تَعطَّلَ الانتِفاعُ بها وضَعُفتْ عن الغَلةِ وليسَ في الوَقفِ غَيرُها حَتى يُعمرَ بها، وأدَّتِ الضَّرورَةُ إلى الاستِبدالِ بها بطَريقِه الشَّرعيِّ بما فيهِ مِنْ الحَظِّ والمَصلحةِ للوَقفِ ولو بالدَّراهمِ ليَشتريَ بها دارًا أُخرى أكثَرَ نَفعًا وأدَرَّ رَيْعًا وأحسَنَ صقعًا، فهل للقاضِي أنْ يَفعلَ ذلكَ بوَجهِه الشَّرعيِّ؟

стр. 6958

الجَوابُ: نَعمْ، في «فَتاوى قارِئِ الهِدايَة» سُئِلَ عن استِبدالِ الوَقفِ ما صورَتُه، هل هو على قَولِ أبي حنيفةَ أو أصحابِه؟ أجابَ: الاستِبدالُ إذا تَعيَّنَ بأن كانَ المَوقوفُ عليه لا يُنتفعُ به، وثَمَّةَ مَنْ يَرغبُ فيهِ ويُعطي بدَلَه أرضًا أو دارًا لها رَيعٌ يَعودُ نَفعُه على جِهةِ الوَقفِ، فالاستِبدالُ في هذه الصُّورةِ قَولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ -رحمهما الله-، وإنْ كانَ للوَقفِ رَيعٌ ولكنْ يَرغبُ شَخصٌ في استِبدالِه إنْ أعطَى مَكانَه بَدلًا أكثَرَ رِيعًا منه في صقعٍ أحسَنَ مِنْ صقعِ الوَقفِ جازَ عند أبي يُوسفَ، والعَملُ عليه، وإلا فلا يَجوزُ. اه قالَ العَلَّامةُ صاحِبُ «النَّهر» في ذَيلِ الفتوَى المَذكورةِ ما نَصُّه: ورَأيتُ بَعضَ المَوالي يَميلُ إلى هذا ويَعتمِدُه، وأنتَ خَبيرٌ بأنَّ المُستبدِلَ إذا كانَ قاضيَ الجَنَّةِ فالنَّفسُ به مُطمئِنَّةٌ، فلا يُخشَى الضَّياعُ معَه ولو بالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ، واللهُ المُوفِّقُ. اه وقد أَفتَى بجَوازِ الاستِبدالِ بالنُّقودِ إذا كانَ فيهِ مَصلحةٌ للوَقفِ جَماعةٌ مِنْ العُلماءِ الأعلامِ، مِنهم العَلَّامةُ الخيرُ الرَّمليُّ وتِلميذُه الفَهَّامةُ السَّيدُ عَبدُ الرَّحيمِ اللُّطفيُّ والمُحقِّقُ الشَّيخُ إسماعيلُ الحائِكُ وغَيرُهم مِنْ العُلماءِ الأعلامِ رَوَّحَ اللهُ تعالى رُوحَهُم بدارِ السَّلامِ، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا تَعطَّلتْ مَنافعُ الوَقفِ بخَرابٍ له أو لمَحلَّتِه أو غيرِه بحَيثُ لا يَرُدُّ الوَقفُ شيئًا على أهلِه أو يَرُدُّ شيئًا لا يُعَدُّ نَفعًا بالنِّسبةِ إليهِ

стр. 6959

وتَتعذَّرُ عِمارَتُه وعَودُ نَفعِه بأنْ لا يَكونَ في الوَقفِ ما يُعمرُ به فيَصحُّ بَيعُه، ويُصرَفُ ثَمنُه في مِثلِه إنْ أمكَنَ؛ للنَّهيِ عن إضاعةِ المالِ، وفي إبقائِه إذَنْ إضاعةٌ، فوجَبَ الحِفظُ بالبَيعِ، ولأنَّ المَقصودَ انتِفاعُ المَوقوفِ عليه بالثَّمرةِ لا بعَينِ الأصلِ مِنْ حيثُ هو، ومَنعُ البَيعِ إذنْ مُبطِلٌ لهذا المعنَى الذي اقتَضاهُ الوَقفُ، فيَكونُ خِلافَ الأصلِ، ولأنَّ فيما نَقولُ بَقاءً للوَقفِ بمَعناهُ حينَ تَعذَّرَ الإبقاءُ بصُورتِه، فيَكونُ مُتعيِّنًا. ولو شرَطَ واقِفُه عدَمَ بَيعهِ في هذه الحالِ فشَرطُه فاسِدٌ نَصًّا، وعُلِّلَ بأنهُ ضَرورةٌ ومَنفعةٌ لهم. وعُمومُ قَولِه ﷺ : «لا يُباعُ أصلُها» مَخصوصٌ بحالةِ تَأهَّلَ المَوقوفُ للانتِفاعِ المَخصوصِ. ويُصرَفُ ثَمنُه في مِثلِه إنْ أمكَنَ؛ لأنَّ في إقامةِ البَدلِ مَقامَه تأبيدًا له وتَحقيقًا للمَقصودِ، فتَعيَّنَ وُجوبُه، أو في بَعضِ مِثلِه؛ لأنه أقرَبُ إلى غرَضِ الواقفِ. جاءَ في «المُغنِي» لابنِ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا خَرِبَ الوَقفُ ولم يَرُدَّ شيئًا بِيعَ واشتُرِيَ بثَمنِه ما يَرُدُّ على أهلِ الوَقفِ، وجُعِلَ وَقفًا كالأولِ، وكذلكَ الفَرسُ الحَبيسُ إذا لم يَصلحْ للغَزوِ بِيعَ واشتُريَ بثَمنِه ما يَصلحُ للجِهادِ). وجُملةُ ذلكَ أنَّ الوَقفَ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه كدارٍ انهدَمَتْ أو أرضٍ خَرِبتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تُمكِنْ عِمارَتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصلَّى فيه، أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنْ تَوسيعُه في مَوضعِه أو

стр. 6960

تَشعَّبَ جَميعُه فلمْ تُمكِنْ عِمارتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه جازَ بَيعُ بَعضِهِ لتُعمرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكنِ الانتفاعُ بشيءٍ منه بِيعَ جَميعُه. قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ: إذا كانَ في المَسجدِ خَشَبتانِ لهُما قيمةٌ جازَ بَيعُهما وصَرْفُ ثَمنِهما عليه، وقالَ في رِوايةِ صالِحٍ: يُحوَّلُ المَسجدُ خَوفًا مِنْ اللُّصوصِ وإذا كانَ مَوضِعُه قَذِرًا، قالَ القاضي: يَعني إذا كانَ ذلكَ يَمنعُ مِنْ الصَّلاةِ فيهِ، ونَصَّ على جوازِ بَيعِ عَرصَتِه في رِوايةِ عَبدِ اللهِ، وتَكونُ الشهادةُ في ذلكَ على الإمامِ، قالَ أبو بَكرٍ: وقد رَوى عَليُّ بنُ سَعيدٍ أنَّ المَساجِدَ لا تُباعُ، وإنما تُنقَلُ آلَتُها، قالَ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لإجماعِهم على جَوازِ بَيعِ الفَرَسِ الحَبيسِ -يَعني المَوقوفةِ- على الغَزوِ إذا كَبُرَتْ فلمْ تَصلحْ للغَزوِ وأمكَنَ الانتفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مِثل أنْ تَدورَ في الرَّحى أو يُحمَلَ عليها تُرابٌ أو تَكونَ الرغبةُ في نِتاجِها، أو حِصانًا يُتَّخذُ للطِّراقِ، فإنهُ يَجوزُ بَيعُها ويَشتري بثَمنِها ما يَصلحُ للغَزوِ، نَصَّ عليه أحمَدُ. وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: إذا خَرِبَ المَسجدُ أو الوَقفُ عادَ إلى مِلكِ واقِفِه؛ لأنَّ الوَقفَ إنَّما هو تَسبيلُ المَنفعةِ، فإذا زالَتْ مَنفعتُه زالَ حقُّ المَوقوفِ عليه منه، فزالَ مِلكُه عنهُ. وقالَ مالِكٌ والشافعيُّ: لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لا يُباعُ أصلُها ولا تُبتاعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ»، ولأنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه مع بَقاءِ مَنافعِه لا يَجوزُ بَيعُه مع تَعطُّلِها كالمُعتَقِ، والمَسجدُ أشبَهُ الأشياءِ بالمُعتَقِ.

стр. 6961

ولنا: ما رُويَ «أنَّ عُمرَ ﵁ كتَبَ إلى سَعدٍ لمَّا بَلَغَه أنه قد نُقِبَ بَيتُ المالِ الذي بالكوفَةِ أنِ انقُلِ المَسجدَ الذي بالتَّمارينِ واجعَلْ بَيتَ المالِ في قِبلةِ المَسجدِ، فإنه لنْ يَزالَ في المَسجدِ مُصَلٍّ»، وكانَ هذا بمَشهدٍ مِنْ الصَّحابةِ ولم يَظهَرْ خِلافُه فكانَ إجماعًا، ولأنَّ فيما ذكَرْناهُ استِبقاءَ الوَقفِ بمَعناهُ عندَ تَعذُّرِ إبقائِه بصُورتِه، فوجَبَ ذلكَ، كما لو استَولَدَ الجارِيةَ المَوقوفةَ أو قبَّلَها، أَوْ قَبَّلَهَا غَيْرُهُ (١). قالَ ابنُ عَقيلٍ: الوَقفُ مُؤبَّدٌ، فإذا لم يُمكِنْ تَأبيدُه على وَجهٍ يُخصِّصُه استِبقاءُ الغَرضِ وهو الانتفاعُ على الدَّوامِ في عَينٍ أُخرى وإيصالُ الأبدالِ جَرَى مَجرَى الأعيانِ، وجُمودُنا على العَينِ مع تَعطُّلِها تَضييعٌ للغَرضِ، ويَقربُ هذا مِنْ الهَديِ إذا عَطِبَ في السفَرِ فإنه يُذبَحُ في الحالِ وإنْ كانَ يَختصُّ بمَوضِعٍ، فلمَّا تَعذَّرَ تَحصيلُ الغَرضِ بالكُلِّيةِ استَوفِيَ منه ما أمكَنَ وتُرِكَ؛ مُراعاةُ المَحلِّ الخاصِّ عندَ تَعذُّرِه؛ لأنَّ مُراعاتَه مع تَعذُّرِه تُفضِي إلى فَواتِ الانتفاعِ بالكُلِّيةِ، وهكذا الوَقفُ المُعطَّلُ المَنافِعِ. ولنا على مُحمدِ بنِ الحَسنِ أنه إزالَةُ مِلكٍ على وَجهِ القُربةِ، فلا يَعودُ إلى مالِكِه باختِلالِه وذَهابِ مَنافعِه كالعِتقِ. فَصلٌ: وظاهِرُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّ الوَقفَ إذا بِيعَ فأيُّ شيءٍ اشتُريَ بثَمنِه ممَّا يُرَدُّ على أهلِ الوَقفِ جازَ، سَواءٌ كانَ مِنْ جِنسِه أو مِنْ غيرِ جِنسِه؛ لأنَّ

стр. 6962

المَقصودَ المَنفعةُ لا الجِنسُ، لَكنْ تَكونُ المَنفعةُ مَصروفةً إلى المَصلحةِ التي كانَتِ الأُولى تُصرَفُ فيها؛ لأنه لا يَجوزُ تَغييرُ المَصرِفِ مع إمكانِ المُحافَظةِ عليه كما لا يَجوزُ تَغييرُ الوَقفِ بالبَيعِ مع إمكانِ الانتفاعِ به (١). وجَوازُ بَيعِ الوَقفِ إذا خَرِبَ هو رِوايةٌ عن مالِكٍ وقالَ به بَعضُ المالِكية، قالَ ابنُ رُشدٍ: وفيها لرَبيعةَ أنَّ الإمامَ يَبيعُ الرَّبعَ إذا رَأى ذلكَ لخَرابِه، وهو إحدَى رِوايَتَي أبي الفَرجِ عن مالكٍ. اه ثُمَّ قالَ: في جَوازِ المُناقَلةِ لرَبعٍ غَيرِ خَرِبٍ قَولَا الشَّيخِ في رِسالتِه وابنِ شَعبانَ. وعِبارَةُ الرِّسالَةِ: «ولا يُباعُ الحَبسُ وإنْ خَرِبَ»، ثمَّ قالَ: واختُلفَ في المُعاوَضةِ بالرَّبعِ الخَرِبِ برَبعٍ غيرِ خَربٍ. قالَ ابنُ رُشدٍ: إنْ كانَتْ هذه القِطعةُ مِنْ الأرضِ المُحبَّسةِ انقطَعَتْ مَنفعتُها جُملةً وعجَزَ عن عِمارتِها وكِرائِها فلا بَأسَ بالمُعاوَضةِ فيها بمَكانٍ يَكونُ حَبسًا مكانَها، ويَكونُ ذلكَ بحُكمٍ مِنْ القاضي بعدَ ثُبوتِ ذلكَ السَّببِ والغِبطةِ في ذلكَ للعِوضِ عنه، ويُسَجَّلُ ذلكَ ويُشهَدُ به. اه (٢).

стр. 6963

وذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ إلى عَدمِ جَوازِ بَيعِ الوَقفِ وإنْ خَرِبَ واستِبدالِه بوَقفٍ آخَرَ. قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ بَيعُ عَقارٍ حُبِّسَ مِنْ دورٍ وحَوانيتَ ورَبعٍ، فلا يُباعُ ليُستبدَلَ به غَيرُه وإنْ خَرِبَ، قالَ الإمامُ مالكٌ: ولا يُباعُ العَقارُ المُحبَّسُ ولو خَرِبَ، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً دَليلٌ على مَنعِ ذلكَ. قالَ سَحنونٌ: وهذه جُلُّ الأحباسِ قد خَرِبَتْ، فلا شيءَ أدَلُّ على سُنَّتِها منها، ألَا تَرى أنه لو كانَ البَيعُ يَجوزُ فيها لَمَا أغفَلَه مَنْ مَضى؟ ولكنْ بَقاؤُه خَرابًا دَليلٌ على أنَّ بَيعَه غيرُ مُستقيمٍ، وبحَسبِكَ حُجَّةً في أمرٍ قد كانَ مُتقادِمًا بأنْ تَأخذَ منه ما جَرى منه، فالأحباسُ قَديمةٌ ولم تَزَلْ، وجُلُّ ما يُوجَدُ منها بالذي به لم يَزَلْ يَجري عليه فهو دَليلُها، فبَقاءُ هذه خَرابًا دَليلٌ على أنَّ البَيعَ فيها غيرُ مُستقيمٍ؛ لأنه لو استَقامَ لَمَا أخطَأَ مَنْ مَضى مِنْ صَدرِ هذه الأمَّةِ وما جَهِلَه مَنْ لم يَعملْ به حتى تُرِكتْ خَرابًا، وإنْ كانَ قد رُوِيَ عن رَبيعةَ خِلافٌ لهذا في الرِّباعِ والحَيوانِ إذا رَأَى الإمامُ ذلكَ (١). وقالَ ابنُ الحاجِبِ: ولا يُناقَلُ بالعَقارِ ولو دَثُرَ وخَرِبَ ما حَولَه، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً تَدلُّ على مَنعِ بَيعِها ومِيراثِها (٢). وإنَّما لم يُبعِ الرَّبعُ المُحبَّسِ إذا خَرِبَ لأنه يَجِدُ مَنْ يُصلِحُه بإجارتِه سِنينَ فيَعودَ كما كانَ.

стр. 6964

ودَليلٌ آخَرُ وهو أنَّ ما لا يَنقلُ الحَبسَ عن مُقتضاهُ إذا لم تَخرَبْ فإنه لا يَنقلُه عن مُقتضاهُ وإنْ خَرِبَ كالغَصبِ. وكذا لا يُباعُ نَقضُ الحَبسِ مِنْ الأحجارِ والآجُرِّ والأخشابِ وإنْ خَرِبَ، فإذا لم يُمكِنْ عَودُها فيما حُبسَتْ فيه جازَ نَقلُها في مِثلِه. إلا أنْ يُباعَ العَقارُ الحَبسُ ولو غيرَ خَرِبٍ لتَوسيعِ مَسجدٍ إذا ضاقَ المَسجدُ بأهلِه واحتاجَ إلى تَوسعةٍ وبجانِبِه عَقارٌ حَبسٌ أو مِلكٌ، فإنه يَجوزُ بَيعُ الحَبسِ لأجلِ تَوسعةِ المَسجدِ، ومثلُ تَوسعةِ المَسجدِ تَوسعةُ طَريقِ المُسلمينَ ومَقبرتِهم؛ لأنه نَفعٌ عامٌّ للمُسلمينَ، ونَفعُ ذلكَ أعَمُّ مِنْ بَيعِ الدَّارِ المُحبسةِ، وسَواءٌ كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ أو غَيرِ مُعيَّنٍ، وإنْ أبَى صاحِبُ الحَبسِ أو الناظِرُ أو صاحِبُ المِلكِ عن بَيعِ ذلكَ فالمَشهورُ أنهمْ يُجبَرونَ على بَيعِ ذلكَ. وإذا باعَ أربابُ الدُّورِ المُحبسةِ لأجْلِ تَوسعةِ المَسجدِ أو المَقبرةِ أو الطَّريقِ فأخَذُوا الثَّمنَ فإنهمْ يُؤمَرونَ بأنْ يَجعلوهُ في حَبسِ غَيرِه (١). وجاءَ في «فَتح العَلِيِّ المالِكِ» للشَّيخِ عليشٍ: (ما قَولُكم) في أرضٍ مَوقوفةٍ على سَبيلٍ في طريقِ المُسلمينَ شرَطَ واقِفُها ألا تُباعَ ولا تُستبدَلَ بغَيرِها، ثُمَّ استَبدَلَ ناظِرُ السَّبيلِ تلكَ الأرضَ بأرضٍ أُخرى مِنْ أراضِي الدِّيوانِ، بأنْ دفَعَ أرضَ الوَقفِ لرَجلٍ مِنْ الفلَّاحينَ، وأخَذَ منه أرضًا مِنْ

стр. 6965

أراضِي الدِّيوانِ، وصارَ الناظِرُ يَدفعُ مَصاريفَ الوَقفِ، والفَلَّاحُ يَدفعُ ما عليهِ مِنْ الخَراجِ، فهل هذه المُبادَلةُ باطِلةٌ ويَجبُ على الناظِرِ رَدُّ أرضِ الوَقفِ بعَينِها تحتَ يَدِه؟ أَفيدُوا الجَوابَ. فأَجابَ الشَّيخُ الدَّرديرُ ﵀ بقَولِه: الحَمدُ للهِ، حَيثُ شرَطَ الواقفُ عدَمَ الاستِبدالِ وأطلَقَ كانَتِ المُبادَلةُ الحاصِلةُ مِنْ الناظِرِ باطِلةً، ويَجبُ على الناظِرِ رَدُّ أرضِ الدِّيوانِ لصاحِبِها، وأخذُ أرضِ الوَقفِ بعَينِها، ومَن امتَنعَ فعَلى الحاكِمِ زَجرُه، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ مُطلَقًا، فإنْ وقَفَ أرضًا على ثَغرٍ فبطَلَ الثَّغرُ وتَعذَّرَ القِتالُ فيهِ حُفظَ انتِفاعُ الوَقفِ -وهو غَلتُه- ولا يُصرَفُ إلى غَيرِه؛ لجَوازِ أنْ يَعودَ الثَّغرُ كما كانَ. ولو وقَفَ مَسجدًا فانهدَمَ وتَعذَّرَتْ إعادَتُه أو تَعطَّلَ بخَرابِ البَلدِ مثلًا لم يَعُدْ مِلكًا ولم يُبَعْ بحالٍ؛ لأنَّ ما زالَ المِلكُ فيهِ لحَقِّ اللهِ تعالى لا يَعودُ إلى المِلكِ بالاختِلالِ، كالعَبدِ إذا عُتقَ ثمَّ زَمِنَ، ولم يُنقَضْ إنْ لم يُخَفْ عليه؛ لإمكانِ الصلاةِ في أرضِهِ ولإمكانِ عَودِه كما كانَ، فإنْ خِيفَ على نَقضِه فيُنقَضُ ويُحفَظُ، أو يُعمرُ به مَسجدٌ آخَرُ إنْ رَآهُ الحاكِمُ، قالَ المُتولِّي: وتُصرَفُ غَلةُ وَقفِه لأقرَبِ المَساجِد إليهِ -أي إذا لم يُتوقَّعْ عَودُه-، وإلَّا حُفظَ كما قالَه الإمامُ.

стр. 6966

قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وهذا أَولى مِنْ قَولِ الماوَرديِّ: تُصرَفُ إلى الفُقراءِ والمَساكينِ، ومِن قَولِ الرِّويانِيِّ: أنه كمُنقطِعِ الآخِرِ. فإنْ خِيفَ عليه نُقضَ وبَنَى الحاكِمُ بنَقضِه مَسجِدًا آخَرَ إنْ رَأى ذلكَ، وإلا حِفظُه وبِناؤُه بقُربِه أَولَى، ولا يَبني به بئرًا كما لا يَبني بنَقضِ بئرٍ خَرِبتْ مَسجدًا بل بِئرًا أُخرى؛ مُراعاةً لغَرضِ الواقفِ ما أمكَنَ. ولو وقَفَ على قَنطَرةٍ وانحَرَقَ الوادي وتَعطَّلتِ القَنطرةُ واحتِيجَ إلى قَنطَرةٍ أُخرَى جازَ نَقلُها إلى مَحَلِّ الحاجةِ (١). وجاءَ في «فَتاوَى الرَّمليِّ»: (سُئلَ): هل يَجوزُ بَيعُ الدارِ المَوقوفةِ إذا انهَدمَتْ أو أشرَفَتْ على الانهدامِ سَواءٌ كانَتْ مَوقوفةً على المَسجدِ أو غيرِه، كما هو مُقتضَى «الرَّوضَة» ونُسِبَ لفَتاوى ابنِ العِراقيِّ؟ أو يَجوزُ بَيعُ المَوقوفةِ على المَسجدِ دونَ غَيرِه كما صَرَّحَ به ابنُ المُقرِي وغيرُه؟ أو لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ كما أَفتَى به شَيخُ الإسلامِ زَكريَّا مُؤيِّدًا له بما نقَلَه عن جَمعٍ مِنْ الأصحابِ في «شَرح المَنهَجِ» وغيرِه؟ (فأجابَ) بأنَّ الرَّاجحَ منع بَيعُها، سَواءٌ أُوقِفَتْ على المَسجدِ أم على غَيرِه، فقدْ قالَ الماوَرديُّ: الوَقفُ إذا خَرِبَ لا يَجوزُ بَيعُه ولا بَيعُ شيءٍ منه لعِمارتَه، وقالَ أحمَدُ: يَجوزُ بَيعُ بَعضِه لعِمارةِ باقيهِ كالدابَّةِ إذا عَطِبَتْ.

стр. 6967

ولنا: إمكانُ رُجوعِه وصَلاحِه، ولهذا لو وقَفَ أرضًا خَرابًا جازَ، ولو وقَفَ حَيوانًا عَطِبًا لم يَجُزْ. اه. وقالَ المُتولِّي: لا يَجوزُ بَيعُ الدَّارِ إذا خَرِبتْ أو خافُوا عَليها الخَرابَ، خِلافًا لأحمَدَ. اه. وإذا كانَتِ الخَرابُ لا تُباعُ فالمُشرِفةُ أَولَى، وقالَ القاضِي أبو الطَّيبِ: إذا وقَفَ دارًا على قَومٍ ثُمَّ انهدَمَتْ لم يَكنْ للمَوقوفِ عليهِم بَيعُ الرَّقبةِ، وقالَ أحمدُ: «لهم ذلكَ»، وهذا غَلطٌ، وكذا ذكَرَه ابنُ الصَّبَّاغِ والرُّويانِيُّ في «البَحر» والشَّيخُ أبو حامِدٍ وأتْباعُه كالمَحامِليِّ وسُليمٍ في «المُجرَّد» والشَّيخُ نَصرُ المَقدِسيُّ في تَهذيبِه والجُرجانِيُّ في شافيهِ وصاحِبُ «البَيان» وغَيرُهم مِنْ العِراقيِّينَ، وعِبارةُ الجُرجانِيِّ في تَحريرِه: إذا انهدَمَتِ الدارُ المَوقوفةُ لم يَجُزْ بَيعُها قَولًا واحِدًا، وجزَمَ به مِنْ المَراوِزةِ القاضي حُسينٌ فقال: لو خَرِبَ الوَقفُ لا يَجوزُ بَيعُه، بل يَكونُ وَقفًا بحالِهِ أبدًا، خِلافًا لأحمدَ، وكذا قالَ الفُورانِيُّ في «الإبانَة». وقالَ الخَوارزمِيُّ في «كافيهِ»: والدارُ المَوقوفةُ إذا انهَدمَتْ وخَرِبتْ وتَعطَّلتْ مَنافِعُها لا يَجوزُ بَيْعُها، ولا يَجوزُ نَقلُ شيءٍ منها إلى مَوضِعٍ آخَرَ. وقالَ الصَّيمَريُّ في «شَرح الكِفايةِ»: بَيعُ المَوقوفِ حَرامٌ مُطلَقًا، سَواءٌ قُلنا: «المَوقوفُ عليه ملَكَ رَقبةِ الوَقفِ» أَمْ لا. فهذه كُتبُ المَذهبِ مِنْ الطَّريقَينِ شاهِدةٌ بخِلافِ ما ذكَرَه الرَّافعيُّ، فظهَرَ أنَّ الإمامَ مُنفرِدٌ بنَقلِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، والرَّافعيُّ مُنفرِدٌ بذِكرِ الخِلاف في المُنهدِمةِ، وباقتِضاءِ كلامِه التَّصحيحَ فيها، وفي المُشرِفةِ

стр. 6968

بالجَوازِ، على أنَّ الإمامَ لمَّا حَكى الخِلافَ في المُشرِفةِ عَزَا للأكثَرينَ المَنعَ، فقالَ: ومِمَّا يَتَّصلُ بهذا الأصلِ أنَّ مَنْ وقَفَ دارًا فأشرَفَتْ على الخَرابِ وعَرَفْنا أنها لو انهدَمَتْ عَسُرَ رَدُّها وإقامَتُها ذهَبَ الأكثَرونَ إلى مَنعِ البَيعِ، وجوَّزَه مُجَوِّزونَ. اه، وعليه اعتَمدَ الرافِعيُّ في حِكايةِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، لكِنَّه زادَ في الإلباسِ، فاقتَضَى كَلامُه تَصحيحَ الجَوازِ فيها وفي المُنهَدِمةِ، وأمَّا حِكايتُه الخِلافَ في المُنهدِمةِ فكأنهُ إذا جازَ بَيعُ المُشرِفةِ على رَأيٍ فبَيعُ المُنهدِمةِ أَولَى، وقالَ السُّبكيُّ وغَيرُه: إنَّ منْعَ بَيعِها هو الحَقُّ، ولأنَّ جَوازَه يُؤدِّي إلى مُوافَقةِ القائِلينَ بالاستِبدالِ، ويُمكِنُ حَملُ كَلامِ القَائلِ بالجَوازِ على البِناءِ خاصَّةً كما أشارَ إليه ابنُ المُقرِي في «الرَّوض» بقَولِه: «وجِدارِ دارِه المُنهدِمِ»، وهذا الحَملُ أسهَلُ مِنْ تَضعيفِه (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقالَ مالكٌ والشَّافِعيُّ: لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لا يُباعُ أَصلُها ولا تُبتاعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ»، ولأنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه مع بَقاءِ مَنافعِه لا يَجوزُ بَيعُه مع تَعطُّلِها كالمُعتَقِ، والمَسجدُ أشبَهُ الأشياءِ بالمُعتَقِ (٢). وقد تقدَّمَ الكَلامُ عليهِ في حُكمِ بَيعِ الوَقفِ.

стр. 6969

الصُّورةُ الثالِثةُ: ألا يَشرِطَه الواقِفُ ولكنْ فيه نَفعٌ في الجُملةِ وبَدلُه خيرٌ منه رَيعًا ونَفعًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ في الوَقفِ نَفعٌ ولم تَتعطَّلْ مَنافعُه بالكُليَّةِ، لكنْ قَلَّتْ، وكانَ غيرُه أنفَعَ منه وأكثَرَ رَدًّا على أهلِ الوَقفِ، هل يَجوزُ استِبدالُه أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه لا يَصحُّ بَيعُهُ واستِبدالُه بغَيرِه. قالَ الحَنفيةُ: إذا لم يَشتَرطِ الواقفُ الاستِبدالَ وللوَقفِ رَيعٌ وغَلَّاتٌ وغَيرُ مُعطَّلٍ ولكنْ في الاستِبدالِ نَفعٌ في الجُملةِ وبَدلُه خيرٌ منه نَفعًا ورَيعًا فلا يَجوزُ استِبدالُه على الأصَحِّ المُختارِ، قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: كذا حَرَّرَه العلَّامةُ قَنالي زَادَه في رِسالتِه المَوضوعةِ في الاستِبدالِ، وأطنَبَ فيها عليه الاستِدلالَ، وهو مَأخوذٌ مِنْ «الفَتح» أيضًا كما سَنذكُرُه عندَ قَولِ الشارحِ: «لا يَجوزُ استِبدالُ العامِرِ إلَّا في أربَع» ويَأتي بَقيةُ شُروطِ الجَوازِ. وأفادَ صاحِبُ «البَحر» في رِسالتِه في الاستِبدالِ أنَّ الخِلافَ إنَّما هو في الأرضِ إذا ضَعُفتْ عن الاستِغلالِ، بخِلافِ الدارِ إذا ضَعُفتْ بخَرابِ بَعضِها ولم تَذهبْ أصلًا، فإنه لا يَجوزُ حِينئذٍ الاستِبدالُ على كُلِّ الأقوالِ. قال: ولا يُمكِنُ قِياسُها على الأرضِ؛ فإنَّ الأرضَ إذا ضَعُفتْ لا يُرغَبُ غالبًا في استِئجارِها، بل في شِرائِها، أمَّا الدارُ فيُرغَبُ في استِئجارِها مُدَّةً طَويلةً لأجلِ تَعميرِها للسُّكنى.

стр. 6970

على أنَّ بابَ القِياسِ مَسدودٌ في زَمانِنا، وإنَّما للعُلماءِ النَّقلُ مِنْ الكُتبِ المُعتمَدةِ كما صَرَّحوا بهِ (١). وقالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ استِبدالُ العامِرِ إلَّا في أربَعِ مَسائِلَ: الأُولى: إذا شرَطَ الواقفُ الاستِبدالَ. الثانِيةُ: إذا غصَبَه غاصِبٌ وأجرَى عليه الماءَ حتى صارَ بَحرًا، فيَضمَنُ القِيمةَ ويَشتري المُتولِّي بها أرضًا بَدلًا. الثالثَةُ: أنْ يَجحَدَه الغاصِبُ ولا بيِّنةَ وأرادَ دفْعَ القِيمةِ فللمُتولِّي أخذُها ليَشتريَ بها بَدلًا. الرابِعةُ: أنْ يَرغبَ إنسانٌ فيه ببَدلٍ أكثَرَ غَلةً وأحسَنَ صقعًا فيَجوزُ على قَولِ أبي يُوسفَ، وعليهِ الفتوَى كما في «فَتاوَى قارِئِ الهِدايَة». قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قالَ صاحِبُ «النَّهر» في كِتابِه «إجابَة السَّائِلِ»: قَولُ «قارِئ الهِدايةِ»: والعَملُ على قَولِ أبي يُوسفَ مُعارَضٌ مِمَّا قالَه صَدرُ الشَّريعةِ: نَحنُ لا نُفتِي به، وقد شاهَدْنا في الاستِبدالِ ما لا يُعَدُّ ويُحصَى، فإنَّ ظَلَمةَ القُضاةِ جَعَلوهُ حِيلةً لإبطالِ أوقافِ المُسلمينَ، وعلى تَقديرِه فقدْ قالَ في «الإسعَاف»: المُرادُ بالقاضي هو قاضِي الجَنَّةِ، المُفسَّرُ بذي العِلمِ والعَملِ. اه ولَعَمرِي إنَّ هذا أعَزُّ مِنْ الكِبريتِ الأحمَرِ، وما أراهُ إلَّا لَفظًا يُذكَرُ، فالأحرَى فيهِ السَّدُّ؛ خَوفًا مِنْ مُجاوَزةِ الحَدِّ، واللهُ سائِلُ كُلَّ إنسانٍ. اه
следующие страницы →