وفي مُقابلِ الأصَحِّ عندَ الشافِعيةِ: يَنفسخُ إذا كانَ للزِّيادةِ وَقعٌ والطالِبُ ثِقةٌ؛ لأنه تَبيَّنَ وُقوعُه على خِلافِ الغِبطةِ في المُستقبلِ؛ لأنَّ تَقويمَ المَنافعِ في مُدةٍ مُمتدةٍ إنَّما يَصحُّ إذا استَمرَّتِ الحالُ المَوجودةُ حالةَ التَّقويمِ التي هي حالةُ العَقدِ، وليسَ هذا التَّقويمُ كتَقويمِ السِّلعةِ الحاضِرةِ، وإلى هذا مالَ ابنُ الصَّلاحِ وجَزمَ به الإصطخريُّ.
لكن قالَ الأذرعِيُّ: هذا مُشكِلٌ جِدًّا، والذي يَقعُ في النَّفسِ إنَّما يُنظرُ إلى أُجرةِ المثلِ التي تَنتهي إليها الرَّغباتُ حالَةَ العَقدِ في جَميعِ المُدةِ المَعقودِ عليها، مع قَطعِ النظَرِ عَمَّا عَساهُ يَتجدَّدُ؛ لأنَّ ذلكَ يُؤدِّي إلى سَدِّ بابِ إجارةِ الأوقافِ والزُّهدِ فيها؛ لأنَّ الدُّنيا لا تَبقى على حالةٍ واحِدةٍ.
والثالثُ: إنْ كانَتِ الإجارةُ سَنةً فما دُونَها لم يَتأثَّرِ العَقدُ، وإنْ زادتِ الإِجارَةُ على سَنةٍ فالزِّيادةُ عليها مَردودةٌ، وبه جزَمَ الدَّارميُّ، ووجَّهُوهُ بأنَّ السَّنةَ فيها تَتكامَلُ الفُصولُ وتَتغيَّرُ الأغراضُ.
ومَحلُّ الخِلافِ فيما إذا أجَّرَها الناظِرُ، أمَّا لو أجَّرَها المَوقوفُ عليه بحَقِّ المِلكِ فيَصحُّ قَطعًا ولا يَتأثَّرُ العَقدُ بالزيادةِ بعدَه (١).
стр. 6897
وقالَ الحَنفيةُ في الأصَحِّ المُفتَى بهِ: لو زادَ أجرُه بعدَ العَقدِ على أجرِ مِثلِه -أي الذي كانَ وقتَ العَقدِ- زيادةً فاحِشةً لا يَتغابنُ الناسُ فيها فإنَّ العَقدَ يُفسخُ ويُعقدُ ثانيةً بالزيادةِ مع المُستَأجِرِ الأولِ، والمُرادُ أنه يُجدِّدُ العَقدَ بالأُجرةِ الزائِدَةِ؛ لأنَّ الإجارةَ تَنعقدُ شيئًا فشيئًا، والوَقفُ يَجبُ له النظَرُ، قالَ ابنُ عابدِينَ: والظاهرُ أنَّ قَبولَ المُستأجِرِ الزِّيادةَ يَكفي عن تَجديدِ العَقدِ.
وطريقُ عِلمِ القاضي بالزِّيادةِ أنْ يَجتمعَ رَجلانِ مِنْ أهلِ البَصرِ والأمانةِ، فيُؤخَذَ بقَولهِما مَعًا عند مُحمدٍ، وعندَهُما قَولُ الواحِدِ يَكفِي.
وقيَّدَ الحَنفيةُ هذا بعدَّةِ قُيودٍ:
أولُها: أنه ليسَ المُرادُ بالزِّيادةِ ما يَشملُ زيادةَ تَعنُّتٍ، أي إضرارٍ مِنْ واحِدٍ أو اثنَينِ، فإنها غيرُ مَقبولةٍ، بل المُرادُ أنْ تَزيدَ في نَفسِها عند الكلِّ.
ثَانيها: أنَّ الزِّيادةَ يَجبُ أنْ تَكونَ مِنْ نَفسِ الوَقفِ لا مِنْ عِمارةِ المُستأجِرِ بمالِه لنَفسِه، كما في الأرضِ المُحتكَرةِ لأجْلِ العِمارةِ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: مُستأجِرُ أرضِ الوَقفِ إذا بَنى فيها ثُمَّ زادَتْ أجرةُ المثلِ زيادةً فاحِشةً فإمَّا أنْ تَكونَ الزِّيادةُ بسَببِ العِمارةِ والبِناءِ، أو بسببِ زيادةِ أُجرةِ الأرضِ في نَفسِها …
فإنْ كانَتِ الزِّيادةُ بسببِ العِمارةِ والبِناءِ فلا تَلزمُه الزِّيادةُ؛ لأنها أجرةُ عِمارتِه وبِنائِه، وهذا لو كانَتِ العِمارةُ مِلكَه، أمَّا لو كانَتْ للوقفِ كما لو بَنى بأمرِ الناظِرِ ليَرجعَ على الوَقفِ تَلزمُه الزيادَةُ.
стр. 6898
وإنْ كانتِ الزِّيادةُ بسببِ زيادةِ أجرةِ الأرضِ في نَفسِها فإنَّ الزِّيادةَ تَلزمُ المُستأجِرَ (١).
ثالِثُها: أنه لا يَنفسِخُ العَقدُ بمُجرَّدِ الزِّيادةِ، بل يَفسخُه المُتولِّي، فإنِ امتَنعَ يَفسَخُه القاضي.
رابِعُها: أنه قبلَ الفَسخِ لا يَجبُ إلا المُسمَّى، وإنَّما تَجبُ الزِّيادةُ بَعدَه.
ثُمَّ إذا قَبِلَ المُستأجِرُ الأولُ الزِّيادةَ وكانَ مُستأجِرًا إجارةً صَحيحةً كانَ أَولى مِنْ غيرِه، وإلا بأنْ كانَتِ الإجارةُ غيرَ صَحيحةٍ أو لم يَقبَلِ الزِّيادةَ فلا حقَّ له، ويُؤجِّرُها مِنْ الثاني إذا كانَتِ الأرضُ خالِيةً مِنْ الزِّراعةِ، وإلا وَجبَتِ الزِّيادةُ على المُستأجِرِ الأولِ مِنْ وَقتِها إلى أنْ يَستحصِدَ الزَّرعُ؛ لأنَّ شغْلَها بمِلكِه يَمنعُ مِنْ صحَّةِ إيجارِها لغَيرِه، فإذا استَحصدَ فُسخَ وأُجِّرَ مِنْ غَيرِه، وكذا لو كانَ بَنى فيها أو غرَسَ، لكنْ هُنا يَبقى إلى انتِهاءِ العَقدِ؛ لأنه لا نِهايةَ مَعلومةً للبِناءَ والغِراسِ، بخِلافِ الزَّرعِ، فإذا انتهى العَقدُ ولم يَقبَلِ الزِّيادةَ أُمرَ برَفعِ البِناءِ والغِراسِ وتُؤجَّرُ لغيرهِ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قد عُلِمَ ممَّا قَرَّرناهُ أنَّ قَولَهم: «إنَّ المُستأجِرَ الأولَ أَولَى» إنَّما هو فيما إذا زادَتْ أُجرةُ المِثلِ في أثناءِ المُدةِ قبل فَراغِ أُجرَتِه وقد قَبِلَ الزِّيادةَ، أمَّا إذا فرَغَتْ مُدتُه فليسَ بأَولَى، إلَّا إذا كانَ له فيها حقُّ القَرارِ وهو المُسمَّى بالكِرْدارَ، على ما قَدَّمناهُ مَبسوطًا في مَسألةِ الأرضِ
стр. 6899
المُحتكَرةِ مِنْ أنَّ له الاستِبقاءَ بأجرةِ المِثلِ دَفعًا للضَّررِ عنهُ، مع عَدمِ الضَّرَرِ على الوَقفِ، وأنَّ هذا مُستَثنًى مِنْ إطلاقِ عِباراتِ المُتونِ والشُّروحِ المُفيدةِ لوُجوبِ القَلعِ والتَّسليمِ بعد مُضيِّ مُدَّةِ الإجارةِ، فهذا وَجهُ كَونِه أحقَّ بالاستِئجارِ مِنْ غيرِه.
وأمَّا وَجهُه في مَسألةِ زيادةِ أُجرةِ المِثلِ في أثناءِ المُدَّةِ، فهو أنَّ مُدةَ إجارتِه قائِمةٌ لم تَنقَضِ، وقد عرَضَ في أثنائِها ما يُسوِّغُ الفَسخَ وهو الزِّيادةُ العارِضةُ، فإذا قَبِلَها ورَضيَ بدَفعِها كانَ أَولَى مِنْ غيرِه؛ لزَوالِ ذلكَ المُسوِّغِ في أثناءِ مُدتِه، فلا يُسوَّغُ فسْخَها وإيجارَها لغيرهِ، بل تُؤجَّرُ منه بالزِّيادةِ المَذكورةِ إلى تَمامِ مُدتِه، ثمَّ يُؤجِّرُها ناظرُ الوَقفِ لمن أرادَ وإنْ قَبِلَ المُستأجِرُ الأولُ الزِّيادةَ؛ لزَوالِ عِلَّةِ الأحقِّيةِ وهي بَقاءُ مُدةِ إجارتِه، إلَّا إذا كانَ له فيها حقُّ القَرارِ فهو أحَقُّ مِنْ غيرِه ولو بعد تَمامِ المُدةِ لهذه العِلَّةِ الأخرى كما عَلِمْتَ، وبهذا ظهَرَ أنَّ المُستأجِرَ لأرضِ الوَقفِ ونَحوِها مِنْ حانوتٍ أو دارٍ إذا لم يَكنْ له فيها حقُّ القَرارِ المُسمَّى بالكِرْدارِ لا يَكونُ أحقَّ بالاستِئجارِ بعد فَراغِ مُدةِ استِئجارِه، سَواءٌ زادَتْ أُجرة المِثلِ أو لا، وسواءٌ قَبِلَ الزيادةَ أو لا، خِلافًا لِما يَفهمُه أهلُ زَمانِنا مِنْ أنه أحَقُّ مِنْ غيرِه مُطلَقًا، ويُسمُّونَه ذا اليَدِ، ويَقولونَ أنه مَتى قَبِلَ الزيادةَ العارِضةَ لا تُؤجَّرُ لغيرِه، ويَحكُمونَ بذلكَ ويُفتونَ به مع كَونِه مُخالِفًا لِما أَطبَقتْ عليه كُتبُ المَذهبِ مِنْ مُتونٍ وشُروحٍ وفَتاوى، بل مُستنَدُهم إطلاقُ عِبارةِ المُصَنِّفِ
стр. 6900
هُنا، وهو باطِلٌ قَطعًا؛ لِما عَلِمتَ مِنْ أنه مُصوَّرٌ في زيادةِ أُجرةِ المِثلِ قبلَ انتِهاءِ مُدَّةِ الإجارةِ، كما هو صَريحُ عِباراتِهم، ولم يَقلْ أحَدٌ بإطلاقِه، ولا يَخفى مع ذلكَ ما فيهِ مِنْ الفَسادِ وضَياعِ الأوقافِ، حيثُ لَزمَ مِنْ إبقاءِ أرضِ الوَقفِ بيَدِ مُستأجِرٍ واحِدٍ مُدةً مَديدةً تُؤدِّيه إلى دَعوَى تَملُّكِها، مع أنهم مَنَعوا مِنْ تَطويلِ مُدةِ الإجارةِ خَوفًا مِنْ ذلكَ كما عَلِمتَه، وهذا خُلاصةُ ما ذَكَرتُه في رسالَتيَ المُسمَّاةِ ب «تَحرِير العِبارَةِ في مَنْ هو أَولَى بالإجارةِ»، وبمُراجَعتِها يَظهرُ لكَ العَجبُ العُجابُ، وتَقفُ على حَقيقةِ الصَّوابِ، والحَمدُ للهِ المُنعِمِ الوَهَّابِ (١).
стр. 6901
فصل في التَّصرفاتِ اللازِمةِ عندَ تَعطُّلِ المَوقوفِ
المَوقوفُ إذا تَعطَّلَتْ مَنافعُه فلا يَخلو:
١ - إمَّا أنْ يَحتاجَ إلى إعمارٍ.
٢ - أو بَيعِه والاستِبدالِ به غيرَه.
٣ - وإمَّا أنْ يَرجعَ إلى مِلكِ الواقفِ.
على خِلافٍ وتَفصيلٍ في كُلِّ مَذهبٍ في هذا كُلِّه.
أولاً: عِمارةُ الوَقْفِ:
العِمارةُ -بالكَسرِ-: مَصدَرُ أو اسمُ ما يُعمَرُ به المَكانُ، بأنْ يُصرَفَ إلى المَوقوفِ عليه حتى يَبقَى على ما كانَ عليه دونَ الزِّيادةِ إنْ لم يَشترطْ ذلكَ (١).
إنَّ عِمارةَ الوَقفِ مُقدَّمةٌ على صَرفِ غلَّتِه إلى مُستحِقِّيها، فهي مُقدَّمةٌ مِنْ بابِ أَولى على الصَّرفِ إلى أيِّ وَجهٍ مِنْ وُجوهِ البِرِّ مَتى كانَ تَأخيرُ عِمارتِه وإصلاحِه فيهِ ضَررٌ بَيِّنٌ على العينِ المَوقوفةِ، ويَجبُ أنْ يُبدأَ بعِمارةِ الوَقفِ مِنْ الغَلَّةِ وإنْ لم يَشترطْه الواقفُ.
стр. 6902
قالَ الحَنفيةُ: إذا كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ فالعِمارَةُ المُستحَقَّةُ عليه إنَّما هي بقَدرِ ما يَبقى المَوقوفُ بها على الصِّفةِ التي وُقِفَ عليها، فإنْ خَرِبَ يُبنَى كذلكَ، فأمَّا الزِّيادةُ فلَيسَتْ بمُستَحقَّةٍ، فلا تُصرَفُ في العِمارةِ إلَّا برِضاه، وعليه يُمنَعُ البَياضُ والحُمرَةُ على الحيطانِ مِنْ مالِ الوَقفِ إنْ لم يَكنْ فَعَلَه الواقفُ، وإنْ فعَلَه فلا مَنْعَ.
ولو كانَ الوَقفُ على الفُقراءِ فكذلكَ على الأصَحِّ لا يُزادُ على الصِّفةِ التي كانَ عليها، وعندَ آخَرينَ يَجوزُ ذلكَ -أي الزِّيادَةُ-، والأولُ أصَحُّ؛ لأنه صَرفُ حقِّ الفُقراءِ إلى غيرِ ما يُستحَقُّ عليهم، ولا تُؤخَّرُ العِمارةُ إذا احتِيجَ إليها وتُقطَعُ الجِهاتُ المَوقوفةُ عليها لها إنْ لم يُخَفْ ضَررٌ بَيِّنٌ، فإنْ خِيفَ قُدِّمَ (١).
وعِمارةُ الوَقفِ تَحصلُ بأحَدِ أمرَينِ:
أوَّلُهما: تَعهُّدُه بالحِفظِ والصِّيانةِ وعَملِ ما يُحقِّقُ الانتفاعَ به على الدَّوامِ، حتى وإنْ كانَ صالِحًا الآنَ للانتِفاعِ به وليس به خَللٌ.
وثانيهِما: ببِنائِه وتَرميمِه وتَجصيصِ ما تَشقَّقَ وما تَهدَّمَ منه.
قالَ الحَنفيةُ: يُبدأُ مِنْ غلَّةِ الوَقفِ بعِمارتِه، بأنْ يُصرَفَ إلى المَوقوفِ عليه حتى يَبقى على ما كانَ عليه دونَ الزِّيادةِ إنْ لم يُشترطْ ذلكَ.
стр. 6903
فلو كانَ الوَقفُ شَجرًا يُخافُ هَلاكُه كانَ له أنْ يَشتريَ مِنْ غلَّتِه قَصيلًا فيَغرزَه؛ لأنَّ الشَّجرَ يَفسدُ على امتِدادِ الزَّمانِ، وكذا إذا كانَتِ الأرضُ سَبْخَةً لا يَنبتُ فيها شيءٌ كانَ له أنْ يُصلِحَها.
ودخَلَ في ذلكَ دَفعُ المَرصدِ -أي الدَّينِ- الذي على الدارِ، فإنه مُقدَّمٌ على الدَّفعِ للمُستحِقِّينَ، قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: وهذه فائِدةٌ جَليلةٌ قَلَّ مَنْ تَنبَّهَ لها، فإنَّ المَرصَدَ دَينٌ على الوَقفِ لضَرورةِ تَعميرِه، فإذا وُجِدَ في الوَقفِ مالٌ ولو في كُلِّ سَنةٍ شيءٌ حتى تَتخلَّصَ رَقبةُ الوَقفِ ويَصيرَ يُؤجَّرُ بأُجرةِ مِثلِه لَزمَ الناظِرَ ذلكَ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ العَلِيِّ العَظيمِ.
وكَونُ التَّعميرِ مِنْ الغلَّةِ إنْ لم يَكنِ الخَرابُ بصُنعِ أحَدٍ، فإنْ خرَّبَها آخَرُ ضَمِنَ.
وعِمارةُ الوَقفِ على مُعيَّنٍ تَكونُ على الصِّفةِ التي وقَفَه كما تقدَّمَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُبدَأُ بغَلَّةِ الوَقفِ بإصلاحِه ونَفقتِه وإنْ شرَطَ الواقفُ غيرَ ذلكَ، ويَبطلُ شَرطُهُ؛ لأنه يُؤَدِّي إلى بُطلانِ أصلِ الوَقفِ، فيُبدأُ بمَرَمَّةِ الوَقفِ وإصلاحِه لبَقاءِ عَينِه ودَوامِ مَنفعتِه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يُصرَفُ رَيعُ المَوقوفِ على المَسجدِ وَقفًا مُطلقًا أو على عِمارتِه في البِناءِ والتَّجصيصِ المُحكَمِ، والسُّلَّمِ والبَواري للتَّظْليلِ بها،
стр. 6904
والمَكانسِ ليُكنَسَ بها، والمَساحي ليُنقَلَ بها التُّرابُ، وفي ظُلَّةٍ تَمنَعُ إفسادَ خَشبِ البابِ بمَطرٍ ونَحوِه إنْ لم يَضُرَّ بالمارَّةِ، وفي أُجرةِ قَيِّمٍ لا مُؤذِّنٍ وإمامٍ وحُصرٍ ودُهنٍ؛ لأنَّ القَيِّمَ يَحفظُ العِمارةَ، بخِلافِ الباقي.
فإنْ كانَ الوَقفُ لمَصالحِ المَسجدِ صُرِفَ مِنْ رَيعِه لمن ذُكِرَ، لا في التَّزويقِ والنَّقشِ، بل لو وُقِفَ عليها لم يَصِحَّ، ولا يُصرَفُ لحَشيشِ السَّقفِ ما عُيِّنَ لحَشيشِ الحُصُرِ، ولا عَكسُه (١).
تَقديمُ العِمارةِ على غَيرِها مِنْ المَصاريفِ والعِمارة المَعنويةِ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقَهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ على أنَّ عِمارةَ الوَقفِ تُقدَّمُ على جَميعِ المَصاريفِ الأُخرى، سَواءٌ شرَطَ الواقفُ ذلكَ أو لم يَشترطْ.
قالَ الحَنفيةُ: يُبدأُ مِنْ غَلَّةِ الوَقفِ بعِمارتِه، بأنْ يُصرَفَ إلى المَوقوفِ عليه حتى يَبقَى على ما كانَ عليه دونَ الزِّيادةِ إنْ لم يُشترَطْ ذلكَ.
فإنِ انتَهَتْ عِمارتُه وفضَلَ مِنْ الغَلَّةِ شيءٌ، يُبدأُ بما هو أقرَبُ للعِمارةِ وأعَمُّ للمَصلحةِ، وهو عِمارتُه المَعنويةُ التي هي قِيامُ شَعائِرِه، كالإمامِ للمَسجدِ والمُدرِّسِ للمَدرَسةِ يُصرَفُ إليهم إلى قَدرِ كِفايتِهم، لا بقَدرِ استِحقاقِهم المَشروطِ لهم، ثُمَّ السِّراجُ والبِساطُ كذلكَ إلى آخِرِ المَصالِحِ -
стр. 6905
أي مَصالِحِ المَسجدِ-، فيَدخلُ فيهِ المُؤذِّنُ والناظِرُ، ويَدخلُ تحتَ الإمامِ الخَطيبُ؛ لأنه إمامُ الجامِعِ، هذا إذا لم يَكنْ مُعيَّنًا، فإنْ كانَ الوَقفُ مُعيَّنًا على شيءٍ يُصرَفُ إليهِ بعد عِمارةِ البِناءِ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: والحاصِلُ ممَّا تَقرَّرَ وتَحرَّرَ أنه يُبدأُ بالتَّعميرِ الضَّرورِيِّ، حتى لو استَغرقَ جَميعَ الغلَّةِ صُرِفتْ كلُّها إليه، ولا يُعطَى أحدٌ ولو إمامًا أو مُؤَذِّنًا، فإنْ فضَلَ عن التَّعميرِ شيءٌ يُعطى ما كانَ أَقربَ إليهِ ممَّا في قَطعِه ضَررٌ بَيِّنٌ، وكذا لو كانَ التَّعميرُ غيرَ ضَروريٍّ، بأنْ كانَ لا يُؤدِّي تَركُه إلى خرابِ العينِ لو أخِّرَ إلى غَلَّةِ السَّنةِ القابِلةِ، فيُقدَّمُ الأهَمُّ فالأهَمُّ، ثُمَّ مَنْ لا يُقطعُ يُعطى المَشروطَ له إذا كانَ قدْرَ كِفايتِه، وإلا يُزادُ أو يُنقَصُ، ومَن لم يَكنْ في قَطعِه ضَررٌ بَيِّنٌ قُدِّمَتِ العِمارةُ عليه وإنْ أمكَنَ تَأخيرُها إلى غَلَّةِ العامِ القابلِ كما هو مُقتَضى إطلاقِ المُتونِ، ولا يُعطَى شيئًا أصلًا وإنْ باشَرَ وَظيفتَه ما دامَ الوَقفُ مُحتاجًا إلى التَّعميرِ، وكلُّ مَنْ عَمِلَ مِنْ المُستحِقِّينَ في العِمارةِ فله أُجرةُ عَملِه لا المَشروطُ ولا قَدرُ الكِفايةِ.
فهذا غايةُ ما ظهَرَ لي في تَحريرِ هذا المَقامِ الذي زَلَّتْ فيهِ أقدامُ الأفهامِ (١).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: والواجِبُ أنْ يُبدأَ بصَرفِ الرَّيعِ إلى مَصالِحِ الوَقفِ مِنْ عِمارتِه وإصلاحِ ما وَهَى مِنْ بِنائِه وسائِرِ مُؤناتِه التي لا بُدَّ منها،
стр. 6906
سَواءٌ شرَطَ ذلكَ الواقفُ أو لم يَشرِطْ؛ لأنَّ الوَقفَ صَدقةٌ جارِيةٌ في سَبيلِ اللهِ تعالى، ولا تَجري إلَّا بهذا الطَّريقِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: يُبدأُ بغلَّةِ الوَقفِ بإصلاحِه ونَفقتِه وإنْ شرَطَ الواقفُ غيرَ ذلكَ، ويَبطلُ شَرطُه؛ لأنه يُؤدِّي إلى بُطلانِ أصلِ الوَقفِ، فيُبدأُ بمَرَمَّةِ الوَقفِ وإصلاحِه لِبَقاءِ عَينِه ودَوامِ مَنفعتِه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: تُقدَّمُ عِمارةُ المَوقوفِ على حقِّ المَوقوفِ عليهم؛ لِما في ذلكَ مِنْ حِفظِ الوَقفِ (٣).
الجِهةُ التي يُنفَقُ منها على المَوقوفِ وعِمارتِه:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الجِهةِ التي يُنفَقُ منها على إعمارِ الوَقفِ، هل هِي غلَّةُ الوَقفِ؟ أم يُتَّبعُ في ذلكَ شَرطُ الواقفِ؟ أم تَكونُ على المَوقوفِ عليهم؟
فالعُلماءُ فَرَّقوا بينَ أنْ يَكونَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ أو على غَيرِ مُعَيَّنٍ …
الحالَةُ الأُولى: الوَقفُ على مُعَيَّنٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ إذا كانَ على مُعيَّنٍ، كمَن أوقَفَ على رَجلٍ
стр. 6907
مُعيَّنٍ، هل تَكونُ النَّفقةُ على إعمارِ الوَقفِ وإصلاحِ ما وَهَى مِنْ بِنائِه وسائِرِ مُؤناتِه التي لا بُدَّ منها مِنْ مالِه؟ أم مِنْ غَلَّةِ الوَقفِ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى إنَّ نَفقةَ الوَقفِ تَكونُ مِنْ مالِ المَوقوفِ عليه المُعَيَّنِ.
قالَ الحَنفيةُ: لو كانَ الوَقفُ على رَجلٍ بعَينِه، كمَن وقَفَ دارَه على سُكْنى ولَدِه، فالعِمارَةُ على مَنْ له السُّكنى، ولا يُجبَرُ عليها؛ لأنَّ المَنفعةَ له، فكانَتِ المُؤنةُ عليه؛ لقَولِه ﷺ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، كالعَبدِ المُوصَى بخِدمتِه إنَّ نَفقتَه على المُوصى له بالخِدمةِ، كذا هذا، ولا يُؤخَذُ مِنْ الغلَّةِ؛ لأنه مُعيَّنٌ يُمكِنُ مُطالَبتُه، وإنَّما يَستحِقُّ العِمارةَ عليه بقَدرِ ما يَبقَى المَوقوفُ على الصِّفةِ التي وقَفَه فيها، وإنْ خَرِبَ يُبنَى على ذلكَ الوَصفِ؛ لأنها بصِفتِها صارَتْ غلَّتُها مَصروفةً إلى المَوقوفِ عليه، فأمَّا الزِّيادةُ على ذلكَ فليسَتْ بمُستحَقَّةٍ عليه، والغلَّةُ مُستحَقَّةٌ له، فلا يَجوزُ صَرفُها إلى شيءٍ آخَرَ إلا برِضاهُ.
فإنِ امتَنعَ مِنْ العِمارةِ أو لم يَقدرْ عليها بأنْ كانَ فَقيرًا آجَرَها القاضي وعمَّرَها بالأُجرةِ؛ لأنَّ استِبقاءَ الوَقفِ واجِبٌ ولا يَبقى إلَّا بالعِمارةِ، فإذا امتَنعَ عن ذلكَ أو عجَزَ عنه نابَ القاضي مَنابَهُ في استِبقائِه بالإجارةِ، كالعَبدِ والدَّابةِ إذا امتَنعَ صاحِبُها عن الإنفاقِ عليها أنفَقَ القاضي عليها بالإجارةِ، كذا هذا.
ولا تَصحُّ إجارَةُ مَنْ له السُّكنى، بل المُتَوَلِّي أو القاضي.
стр. 6908
وإذا عَمَّرَها رَدَّها إلى مَنْ له السُّكنى؛ لأنَّ في ذلكَ رِعايةَ الحَقَّينِ: حقِّ الواقفِ وحَقِّ صاحبِ السُّكنى، ولأنه إذا آجَرَها وعمَّرَها بأُجرَتِها يَفوتُ حقُّ صاحِبِ السُّكنى في وَقتٍ دونَ وَقتٍ، وإنْ لم يُعَمِّرْها تَفوتُ السُّكنى أصلًا، فكانَ الأولُ أَوْلى، ولا يُجبَرُ المُمتنعُ على العِمارةِ؛ لِما فيه مِنْ إتلافِ مالِه، فأشبَهَ امتِناعَ صاحِبِ البَذْرِ في المُزارَعةِ، ولا يَكونُ امتِناعُه رِضًا منه ببُطلانِ حقِّهِ.
وإذا ماتَ أنفَقَ مِنْ الغلَّةِ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ نَفقةَ إعمارِ الوَقفِ تَكونُ مِنْ الغلَّةِ، سَواءٌ كانَ على مُعيَّنٍ أو غيرِ مُعيَّنٍ، وإنِ اشتَرطَ الواقفُ إصلاحَ على مُستحِقِّه لم يَصِحَّ، قالوا: إذا اشتَرَطَ الواقفُ إصلاحَ الوَقفِ على مُستحِقِّه كمَن حَبسَ دارًا على رَجلٍ ووَلدِه ووَلدِ وَلدِه واشتَرطَ على الذي حَبسَ عليه إصلاحَ ما يَرثُّ منها مِنْ مالِه لم يَصحَّ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا كِراءٌ مَجهولٌ؛ إذْ لا يَدري بكمْ يَكونُ الإصلاحُ، والوَقفُ صَحيحٌ؛ لأنَّ البُطلانَ مُنصبٌّ على الشَّرطِ لا على الوَقفِ، ولأنه قد فاتَ في سَبيلِ اللهِ، وتَكونُ مَرَمَّتُها وإصلاحُها مِنْ غَلةِ الوَقفِ.
стр. 6909
ومَن وقَفَ أرضًا مثلًا عليها تَوظيفٌ واشتَرطَ أنْ يُؤخذَ ذلكَ التَّوظيفُ مِنْ المُحبَّسِ عليه لا مِنْ غلَّتِه فإنَّ الشَّرطَ يَكونُ باطِلًا والوَقفُ صَحيحًا، وأمَّا لو شرَطَ أنَّ مَرمَّتَها مِنْ غلَّتِها وأنَّ ما عليها مِنْ التَّوظيفِ مِنْ غلَّتِها فإنَّ ذلكَ جائِزٌ، وهو المَشهورُ.
وقيلَ: لا يَجوزُ.
ولو اشتَرطَ أنه يَصرفُه ممَّا يَتحصَّلُ مِنْ الغلَّةِ فالظَّاهِرُ أنه لا خِلافَ في الجَوازِ.
وإذا شرَطَ الواقفُ عدَمَ البِدايةِ بإصلاحِ ما انثَلمَ مِنْ الوَقفِ أو يُتركُ الإنفاقُ عليه إنْ كانَ حَيوانًا وإنَّما يُبدأُ مِنْ غلَّتِه بمَنافعِ أهلِه فلا يَجوزُ اتِّباعُ شَرطِ الواقفِ؛ لأنه يُؤدِّي إلى بُطلانِ الوَقفِ مِنْ أصلِه، فيَصحُّ الوَقفُ ويَبطلُ الشَّرطُ، وكذلكَ كلُّ ما أدَّى مِنْ الشُّروطِ إلى ذلكَ فإنه لا يُوفَّى به، بل يُبدأُ بمَرمَّةِ الوَقفِ وإصلاحِه والنَّفقةِ عليه؛ لأنَّ في ذلكَ البَقاءَ لعَينِه والدَّوامَ لمَنفعتِهِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ نَفقةَ الوَقفِ على جِهةٍ خاصَّةٍ يُتَّبعُ فيها شَرطُ الواقفِ على تَفصيلٍ عندَهُم.
قالَ الشافِعيةُ: نَفقةُ الوُقوفِ ومُؤَنُ تَجهيزِه وعِمارتِه مِنْ حيثُ شرَطَها الواقفُ مِنْ مالِهِ أو مِنْ مالِ الوَقفِ، وإلا فمِن مَنافِعِ المَوقوفِ ككَسبِ العَبدِ
стр. 6910
وغلَّةِ العَقارِ، فإذا تَعطَّلتْ مَنافعُه فالنَّفقةُ ومُؤَنُ التَّجهيزِ في بَيتِ المالِ، أمَّا العِمارَةُ فلا تَجبُ في بَيتِ المالِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يُتَّبعُ في عِمارةِ الوَقفِ شَرطُ الواقفِ، فإنْ عيَّنَ الواقفُ الإنفاقَ عليه مِنْ غلَّتِه أو مِنْ غَيرِها عُمِلَ به؛ رُجوعًا إلى شَرطِه؛ لأنه لمَّا اتُّبعَ شَرطُه في مَصرِفِه وجَبَ اتِّباعُه في نَفقتِه.
وإنْ لم يُعيِّنْه وكانَ المَوقوفُ على مُعيَّنٍ أو مُعيَّنينَ وكانَ المَوقوفُ ذا روحٍ كالرَّقيقِ والخَيلِ فإنه يُنفَقُ عليه مِنْ غلَّتِه؛ لأنَّ الوَقفَ يَقتضي تَحبيسَ الأصلِ وتَسبيلَ مَنفعتِه، ولا يَحصلُ ذلكَ إلَّا بالإنفاقِ عليه، فكانَ ذلكَ مِنْ ضَرورتِه.
فإنْ لم يَكنْ له غَلَّةٌ لضَعفٍ به ونَحوِه فنَفقتُه على المَوقوفِ عليه المُعيَّنِ؛ لأنه مِلكُه، ويُحتملُ وُجوبُها في بَيتِ المالِ.
فإنْ تَعذَّرَ الإنفاقُ مِنْ المَوقوفِ عليه لعَجزِه أو غَيبتِه ونَحوِهما بِيعَ الوَقفُ وصُرِفَ ثَمنُه في عَينٍ أُخرى تَكونُ وَقفًا لأجلِ حُلولِ الضَّرورةِ إنْ لم تُمكِنْ إجارتُه، فإنْ أمكنَتْ أُجِّرَ بقَدرِ نَفقتِه لاندِفاعِ الضَّرورةِ المُقتضيةِ البَيعَ بها.
فإنْ عَدِمَ الغلَّةَ لكونِه ليس مِنْ شأنِه أنْ يُؤجَّرَ كالعَبدِ المَوقوفِ عليه ليَخدمَه والفَرسِ يَغزُو عليه أو يَركبُه أُوجِرَ بقَدرِ نَفقتِه؛ دَفعًا للضَّرورةِ، وكذا
стр. 6911
لو احتاجَ خانٌ مُسبَّلٌ إلى مَرمَّةٍ أو احتاجَتْ دارٌ مَوقوفة لسُكنى الحاجِّ أو الغُزاةِ أو أبناءِ السَّبيلِ ونَحوِهم إلى مَرمَّةٍ أُوجِرَ منه بقَدرِ ما يُحتاجُ إليهِ في مَرمَّتِه؛ لمَحلِّ الضَّرورةِ (١).
الحالةُ الثَّانيةُ: أنْ يَكونَ الوَقفُ على غَيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ والمَساكينِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الوَقفِ إذا كانَ على غيرِ مُعيَّنينَ كالفُقراءِ والمَساكينِ، هل تَكونُ النَّفقةُ على إعمارِ الوَقفِ وإصلاحِ ما وَهَى مِنْ بِنائِه وسائِرِ مُؤناتِه التي لا بُدَّ منها مِنْ غَلَّةِ الوَقفِ؟ أم مِنْ بَيتِ مالِ المُسلمينَ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ الجِهةَ التي يُنفَقُ منها على إعمارِ الوَقفِ وإصلاحِ ما وَهَى مِنْ بِنائِه وسائِرِ مُؤناتِه التي لا بُدَّ منها تَكونُ مِنْ غلَّةِ الوَقفِ.
قالَ الحَنفيةُ: سَواءٌ شرَطَ الواقفُ ذلكَ أم لم يَشرطْ؛ لأنَّ الوَقفَ صَدقةٌ جارِيةٌ في سَبيلِ اللهِ تعالى، ولا تَجري إلَّا بهذا الطَّريقِ، هذا إذا كانَ الوَقفُ على جِهةٍ عامَّةٍ كالفُقراءِ؛ لأنَّ الغلَّةَ أقربُ أموالِهم إلى الوَقفِ، فتُصرَفُ في إعمارِهِ؛ لأنَّ الفُقراءَ لا يُظفَرُ بهم ولا يُتصوَّرُ أنْ يُلزَموا؛ لعَدمِ اجتِماعِهم ولعُسرَتِهم، وأقرَبُ أموالِهم هذه الغلَّةُ الكائِنةُ للوقفِ، فتَجبُ العِمارةُ فيها (٢).
стр. 6912
وقالَ المالِكيةُ: يُنفَقُ على عِمارةِ الوَقفِ مِنْ غلَّةِ الوَقفِ، وإنِ اشتَرطَ الواقفُ إصلاحَ الوَقفِ على مُستحِقِّه لم يَصحَّ، قالوا: إذا اشتَرطَ الواقفُ إصلاحَ الوَقفِ على مُستحِقِّه كمَن حَبسَ دارًا على رَجلٍ ووَلدِه ووَلدِ وَلدِه واشتَرطَ على الذي حَبسَ عليه إصلاحَ ما يَرِثُّ منها مِنْ مالِه لم يَصِحَّ الشَّرطُ؛ لأنَّ هذا كِراءٌ مَجهولٌ؛ إذْ لا يَدري بكَم يَكونُ الإصلاحُ، والوَقفُ صَحيحٌ؛ لأنَّ البُطلانَ مُنصَبٌّ على الشَّرطِ لا على الوَقفِ، ولأنه قد فاتَ في سَبيلِ اللهِ، وتَكونُ مَرمَّتُها وإصلاحُها مِنْ غَلَّةِ الوَقفِ.
إلا أنهُم قالوا: إذا كانَ المَوقوفُ فَرسًا لغَزوٍ أو رِباطٍ وكانَ ثَمَّ بَيتُ مالٍ يُوصَلُ إليه فإنه يُنفَقُ عليه مِنْ بَيتِ المالِ، ولا يَلزمُ المُحبِّسَ ولا المُحبَّسَ عليهم مِنْ المُجاهِدينَ وأهلِ الرُّبُطِ، فإنْ لم يَكنْ هُناكَ بَيتُ مالٍ فإنه يُباعُ ويُعوَّضُ بثَمنِه سِلاحٌ ونَحوُه ممَّا لا يَحتاجُ إلى نَفقَةٍ، وإنَّما عُوِّضَ به سِلاحٌ لأنه أقرَبُ إلى الخَيلِ في المَنفعةِ مِنْ غيرِه، وهو أيضًا أقرَبُ إلى غَرَضِ الواقفِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: نَفقةُ الوَقفِ ومُؤَنُ تَجهيزِه وعِمارتِه مِنْ حيثُ شرَطَها الواقفُ مِنْ مالِه أو مِنْ مالِ الوَقفِ، وإلا فمِن مَنافِعِ المَوقوفِ ككَسبِ العَبدِ
стр. 6913
وغلَّةِ العَقارِ، فإذا تَعطَّلتْ مَنافعُه فالنَّفقةُ ومُؤَنُ التَّجهيزِ في بَيتِ المالِ، أمَّا العِمارةُ فلا تَجبُ في بَيتِ المالِ (١).
وقالَ الحَنابلة: يُتَّبعُ في عِمارةِ الوَقفِ شَرطُ الواقفِ، فإنْ عيَّنَ الواقفُ الإنفاقَ عليه مِنْ غلَّتِه أو مِنْ غَيرِها عُمِلَ به؛ رُجوعًا إلى شَرطِه؛ لأنه لمَّا اتُّبعَ شَرطُه في مَصرِفِه وجَبَ اتِّباعُه في نَفقتِه.
وإنْ لم يُعيِّنْه وكانَ الوَقفُ على غيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ ونَحوِهم كالفُقهاءِ وكانَ المَوقوفُ ذا روحٍ كالرَّقيقِ والخَيلِ، فنَفقتُه في بَيتِ المالِ؛ لانتِفاءِ المالِكِ المُعيَّنِ فيهِ، فهو كالحُرِّ، فإنْ تَعذَّرَ الإنفاقُ عليه مِنْ بَيتِ المالِ بِيعَ كما تقدَّمَ في المَوقوفِ على مُعيَّنٍ.
وإنْ كانَ الوَقفُ ما لا رُوحَ فيهِ كالعَقارِ ونَحوِه مِنْ سِلاحٍ ومَتاعٍ وكُتبٍ لم تَجبْ عِمارَتُه على أحَدٍ، إلَّا بشَرطِ واقِفِ عِمارتِه كالطَّلقِ.
فإنْ شرَطَ الواقفُ عِمارتَه عُمِلَ به مُطلَقًا، أي: سَواءٌ شرَطَ البَداءةَ بالعِمارَةِ أو تَأخيرَها، فيُعمَلُ بما شرَطَ، لكنْ إنْ شرَطَ تَقديمَ الجِهةِ عُمِلَ به ما لم يُؤَدِّ إلى التَّعطيلِ، فإذا أَدَّى إليه قُدِّمَتِ العِمارةُ؛ حِفظًا لأصلِ الوَقفِ.
وإنْ لم يُحَدِّدِ الواقفُ بأنْ أطلَقَ بأنْ لم يَذكُرِ البَداءةَ بها ولا تَأخُّرَها فإنَّ العِمارةَ تُقدَّمُ على أربابِ الوَظائِفِ، ما لم يُفضِ إلى تَعطيلِ مَصالِحِه،
стр. 6914
فيُجمَعُ بينَ العِمارةِ وأربابِ الوَظائفِ حَسبَ الإمكانِ؛ لئلَّا يَتعطَّلَ الوَقفُ أو مَصالحُه.
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: الجَمعُ بينَهُما حَسبَ الإمكانِ أَولى، بل قد يَجبُ (١).
فقد سُئِلَ ﵀ عن مَساجدَ وجامِعٍ يَحتاجُ إلى عِمارةٍ وعليها رَواتِبُ مُقرَّرةٌ على القابِضِ والرَّيعُ لا يَقومُ بذلكَ، فهل يَحِلُّ أنْ يُصرَفَ لأحَدٍ قبلَ العِمارةِ الضَّروريَّةِ وإلى مَنْ يَحِلُّ؟ وما يُصنعُ بما يَفضلُ عن الرَّيعِ؟ أيُدَّخرُ أم يَشتري به عقارًا؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، إذا أمكَنَ الجَمعُ بينَ المَصلَحتينِ، بأنْ يُصرَفَ ما لا بُدَّ مِنْ صَرفِه لضَرورةِ أهلِه وقِيامِ العملِ الواجِبِ بهم وأنْ يُعمَّرَ بالباقي كانَ هذا هو المَشروعَ، وإنْ تَأخَّرَ بَعضُ العِمارةِ قَدرًا لا يَضرُّ تَأخُّرُه فإنَّ العِمارةَ واجِبةٌ والأعمالَ التي لا تَقومُ إلَّا بالرِّزقِ واجِبةٌ وسَدَّ الفاقاتِ واجِبةٌ، فإذا أُقيمَتِ الواجِباتُ كانَ أَولَى مِنْ تَركِ بَعضِها.
وأمَّا مَنْ لا تَقومُ العِمارةُ إلا بهم مِنْ العُمَّالِ والحُسَّابِ فهم مِنْ العِمارةِ، وأمَّا ما فضَلَ مِنْ الرَّيعِ عن المَصارِفِ المَشروطةِ ومَصارفِ المَساجدِ فيُصرَفُ في جِنسِ ذلكَ مثلَ عِمارةِ مَسجدٍ آخَرَ ومَصالِحِها وإلى جِنسِ
стр. 6915
المَصالِحِ، ولا يُحبَسُ المالُ أبدًا لغيرِ عِلَّةٍ مَحدودةٍ، لا سِيَّما في مَساجدَ قد عُلِمَ أنَّ رَيعَها يَفضلُ عن كِفايتِها دائِمًا، فإنَّ حَبسَ مثلَ هذا المالِ مِنْ الفَسادِ، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥] (١).
وقالَ الرُّحيبانِيُّ ﵀: ويَتَّجهُ هذا الجَمعُ بينَ العِمارةِ وأربابِ الوَظائِفِ فيما إذا احتيجَ إلى عِمارةٍ شَرعيَّةٍ، كحائِطِ مَسجدٍ ومَدرسةٍ وسَقفِهما، فيُعادُ ذلكَ بلا تَزويقٍ بنَقشٍ وصَبغٍ وكِتابةٍ وغَيرِه ممَّا يُلهي المُصلِّيَ عن صَلاتِهِ غالِبًا؛ لأنه مَكروهٌ ومِثلُه التَّجصيصُ (٢).
إعمارُ الوَقفِ مِنْ غلَّةِ وَقفٍ آخَرَ:
نَصَّ فُقهاءُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ على جَوازِ إعمارِ وَقفٍ مِنْ غلَّةِ وَقفٍ آخَرَ.
وسُئِلَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀ عمَّن جدَّدَ مَسجدًا أو عمَّرَه بآلاتٍ جُددٍ، وبَقيَتِ الآلةُ القَديمَةُ -أي: لم يُعمِّرْ بها-، هل تَجوزُ عِمارةُ مَسجدٍ آخَرَ قَديمٍ بها أو لا فتُباعُ ويُحفظُ ثَمنُها للمَسجدِ الذي كانت تلكَ الآلاتُ فيه أو لا؟
فأجابَ بقَولِه: نعم، تَجوزُ عِمارةُ مَسجدٍ قَديمٍ أو حادِثٍ بها حيثُ قُطِعَ بعدمِ احتياجِ المَسجدِ الذي هي منه إليها قبلَ فَنائِها، ولا يَجوزُ بَيعُها بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ، فقد صَرَّحوا بأنَّ المَسجدَ المُعطَّلَ لخَرابِ البَلدِ إذا خِيفَ مِنْ
стр. 6916
أهلِ الفَسادِ على نَقضِه نُقِضَ وحُفِظَ، وإنْ رَأَى الحاكِمُ أنْ يُعمِّرَ بنَقضِه مَسجدًا آخَرَ جازَ، وما قَرُبَ منه أَولى، والحاصِلُ مِنْ رَيعِ المَسجدِ المَذكورِ يَصرِفُه لعِمارةِ مَسجِدٍ آخَرَ، قالَ المُتولِّي: إلى عِمارةِ المَنقولِ إليهِ.
وكذا الرِّباطاتُ والآبارُ المُسبَّلةُ يُنقلُ نَقضُها ورَيعُ وَقفِها إلى مِثلِها لا إلى نَوعٍ آخَرَ، إلَّا إذا فُقدَ نَوعُها فتُصرَفُ لغَيرهِ للضَّرورةِ، وكذا قالَ القاضِي، ويَفعلُ الحاكِمُ بما في المَسجدِ الخَرابِ مِنْ حُصرٍ وقَناديلَ ونَحوِ ذلكَ، فيَنقلُها إلى غيرِه عندَ الخَوفِ عليها، واللهُ أعلَمُ (١).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: وقَولُ صاحِبِ «الفُروع»: «والمُرادُ مع اتِّحادِ الوَقفِ» ظاهِرٌ في أنه لا يَجوزُ عِمارةُ وَقفٍ مِنْ رَيعِ وَقفٍ آخَرَ ولو اتَّحدَتِ الجِهةُ.
وقد أَفتَى الشَّيخُ عُبادةُ مِنْ أئمَّةِ أصحابِنا بجَوازِ عِمارةِ وَقفٍ مِنْ وَقفٍ آخَرَ على جِهتِه، ذكَرَه ابنُ رَجبٍ في طَبقاتِه في تَرجمَتِه.
قُلتُ: وهو قَوِيٌّ، بل عَملُ الناسِ عليه (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وأمَّا ما فضَلَ مِنْ الرَّيعِ عن المَصارِفِ المَشروطةِ ومَصارِفِ المَساجدِ فيُصرَفُ في جِنسِ ذلكَ، مِثل عِمارةِ مَسجدٍ آخَرَ ومَصالحِها وإلى جِنسِ المَصالحِ، ولا يُحبَسُ المالُ أبَدًا
стр. 6917
لغَيرِ عِلَّةٍ مَحدودةٍ، لا سِيَّما في مَساجدَ قد عُلِمَ أنَّ رَيعَها يَفضلُ عن كِفايتِها دائِمًا، فإنَّ حَبسَ مِثلِ هذا المالِ مِنْ الفَسادِ، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾ [البقرة: ٢٠٥] (١).
وسُئِلَ أيضًا عن الوَقفِ إذا فضَلَ مِنْ رَيعِه واستُغنيَ عنه؟
فأجابَ: يُصرَفُ في نَظيرِ تلكَ الجِهةِ، كالمَسجدِ إذا فضَلَ عن مَصالحِه صُرِفَ في مَسجِدٍ آخَرَ؛ لأنَّ الواقفَ غَرضُه في الجِنسِ، والجِنسُ واحِدٌ، فلو قُدِّرَ أنَّ المَسجدَ الأولَ خَرِبَ ولم يَنتفعْ به أحَدٌ صُرِفَ رَيعُه في مَسجدٍ آخَرَ، فكذلكَ إذا فضَلَ عن مَصلحتِه شيءٌ فإنَّ هذا الفاضِلَ لا سَبيلَ إلى صَرفِه إليهِ ولا إلى تَعطيلِه، فصَرفُه في جِنسِ المَقصودِ أَولى، وهو أقرَبُ الطُّرقِ إلى مَقصودِ الواقفِ، وقد رَوَى أحمدُ عن عَليٍّ ﵁ أنه حَضَّ الناسَ على إعطاءِ مُكاتِبٍ ففضَلَ شيءٌ عن حاجتِه فصَرَفَه في المُكاتِبينَ (٢).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ الحَنبليُّ ﵀: وما فضَلَ مِنْ حُصرِه وزَيتِه وقَصبِه ونَفقتِه، وعِبارةُ «الوَجيز» و «الفُروع»: وما فضَلَ عن حاجتِه وهي أَولَى عن حاجَتِه جازَ صَرفُه إلى مَسجدٍ آخَرَ، قالَه أحمدُ؛ لأنه انتِفاعٌ في جِنسِ ما وُقِفَ له، فكانَ مَصروفًا له في مِثلِه وكالهَديِ والصَّدقةِ به على فُقراءِ المُسلمينَ، نَصَّ عليه في رِوايةِ المَرُّوذيِّ، واحتَجَّ بأنَّ شَيبةَ بنَ عُثمانَ الحجِّيِّ كانَ يَتصدَّقُ بخُلْقانِ الكَعبةِ، ورَوى الخلَّالُ بإسنادِه أنَّ عائِشةَ أمَرَتْه بذلكَ،
стр. 6918
وهذه قَضيةٌ انتَشرَتْ ولم تُنكَرْ فكانَ كالإجماعِ، ولأنه مالٌ للهِ تعالى لم يَبْقَ له مَصرفٌ، فصُرِفَ إلى المَساكينِ، ولأنَّ نفْعَ المَسجدِ عامٌّ، والفُقراءُ كذلكَ، وخَصَّه أبو الخطَّابِ والمَجدُ بفُقراءِ جيرانِه؛ لأنهُم أحَقُّ بمَعروفِه، وعنهُ: لا يُصرَفُ لهما، وعنهُ: بَلى لمِثلِه، واختارَهُ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، وقالَ أيضًا: وفي سائرِ المَصالِحِ وبِناءِ مَساكِنَ لمُستحِقِّ رَيعِه القائِمِ بمَصلَحتِه، قالَ: وإنْ عُلِمَ أنَّ رَيعَه يَفضلُ عنهُ دائِمًا وجَبَ صَرفُه؛ لأنَّ بَقاءَه فَسادٌ وإعطاؤُه فَوقَ ما قَدَّرَه الواقفُ؛ لأنَّ تَقديرَه لا يَمنعُ استِحقاقَه كغَيرِ مَسجِدِه، وقالَ: ومِثلُه وَقفُ غَيرِه، ولا يَجوزُ لغَيرِ النَّاظِرِ صَرفُ الفاضِلِ (١).
بَيعُ الوَقفِ إذا خَرِبَ أو تَعَطَّلَتْ مَنافِعُه:
الوَقفُ إذا خَرِبَ أو تَعطَّلتْ مَنافعُه فلا يَخلُو: إمَّا أنْ يَكونَ مَنقولًا غيرَ عَقارٍ، وإمَّا أنْ يَكونَ عَقارًا:
الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكونَ مَنقولًا غيرَ عَقارٍ:
وهذا لا يَخلُو مِنْ أمرَينِ: إمَّا أنْ يَكونَ حَيوانًا، وإمَّا أنْ يَكونَ غَيرَ حَيوانٍ:
أ- أنْ يَكونَ حَيَوانًا كالفَرسِ الحَبيسِ:
اتَّفقَ الفُقَهاء على أنَّ الوَقفَ لو كانَ فَرسًا حَبيسًا على الغَزوِ ولم تَصلحْ للغَزوِ وأمكَنَ الانتفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ أنه يَجوزُ بَيعُها.
стр. 6919
قالَ أبو بَكرٍ الخَلَّالُ: أجمَعُوا على جَوازِ بَيعِ الفَرَسِ الحَبيسِ -يَعني: المَوقوفةِ- على الغَزوِ إذا كَبرتْ فلمْ تَصلحْ للغَزوِ وأمكَنَ الانتفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مثل أنْ تَدورَ في الرَّحى أو يُحمَلَ عليها تُرابٌ أو تَكونَ الرَّغبةُ في نِتاجِها، أو حِصانًا يُتَّخذُ للطِّراقِ، فإنه يَجوزُ بَيعُها ويُشترى بثَمنِها ما يَصلحُ للغَزوِ، نَصَّ عليه أحمَدُ (١).
وقالَ ابنُ قاضي الجَبَلِ ﵀: جَوَّزَ الأئمَّةُ الكِبارُ بل أجمَعَ العُلماءُ على جَوازِ بَيعِ دَوابِّ الحَبسِ إذا لم تَعُدْ صالِحةً لِما وُقفَتْ له (٢).
وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وفي «الخُلاصَة»: قالَ مُحمدٌ في الفَرسِ إذا جعَلَه حَبيسًا في سَبيلِ اللهِ فصارَ بحَيثُ لا يُستطاعُ أنْ يُركبَ: يُباعُ ويُصرَفُ ثَمنُه إلى صاحِبِه أو وَرثتِه كما في المَسجدِ، وإنْ لم يُعلمْ صاحِبُه يُشترى بثَمنِه فَرسٌ آخَرُ يُغزَى عليه، ولا حاجةَ إلى الحاكِمِ (٣).
وقالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: أجازَ رَبيعةُ ومالِكٌ بَيعَ الفَرسِ الحَبسِ إذا لم يَبْقَ فيه قوَّةٌ للغَزوِ، ويُجعلُ ثَمنُه في آخَرَ، قالَ ابنُ القاسمِ: فإنْ لم يَبلغْ شُورِكَ به فيهِ (٤).
وقالَ المالِكيةُ: الفَرسُ المَوقوفُ إذا أصابَه الكَلَبُ -وهو شيءٌ يَعتَري الخَيلَ كالجُنونِ- وصارَ بحَيثُ لا يُنتفعُ به في خُصوصِ ما وُقفَ فيهِ - وهو
стр. 6920
الغَزوُ مثلًا- لَكنْ يُمكِنُ أنْ يُنتفعَ به في نَحوِ الطَّاحونِ فإنه يُباعُ ويُجعلُ ثَمنُه في مِثلِه أو شِقصِه.
ومِثلُ الكَلَبِ الهَرَمُ والمَرضُ، ومِثلُ الفَرَسِ الكَلِبِ الكَبيرةُ مِنْ الإناثِ المَوقوفةُ لنَسلِها أو لعَملِها والزَّائدُ مِنْ الذُّكورِ على ما يُحتاجُ إليه في الغَزوِ، وإذا بِيعَ الفَرسُ الكَلِبُ وما ذكَرْناهُ فإنه يَجبُ أنْ يُجعلَ ثَمنُه في مِثلِه ممَّا يُنتفعُ به، كالنَّفعِ الذي كانَ في المُباعِ إذا بَلَغَ ثَمنُه ثمَنَ شيءٍ مُماثِلٍ للأولِ، أو يُعانُ به فيهِ، أي في شِراءِ مِثلِه.
فمَن وقَفَ شيئًا مِنْ الأنعامِ على فُقراءَ أو مُعيَّنينَ ليُنتفعَ بألبانِها وأصوافِها وأوبارِها فنَسلُها كأصلِها في التَّحبيسِ، فإذا ولَدَتِ البَقراتُ المُحبَّسةُ لأَكلِ لَبنِها أو الإبِلُ أو الغَنمُ ذُكورًا وإناثًا فما زادَ مِنْ الذُّكورِ عمَّا يُحتاجُ إليهِ للنَّزوِ وما كَبُرَ مِنْ الإناثِ وانْقطعَ لَبنُه فإنه يُباعُ ويُشتَرى بثَمنِه إناثٌ صِغارٌ تُحبسُ كأصلِها؛ تَحصيلًا لغَرضِ الواقفِ (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى»: (قُلتُ): أرَأيتَ ما ضَعُفَ مِنْ الدَّوابِّ المُحبَّسةِ في سَبيلِ اللهِ أو بَلِيَ مِنْ الثِّيابِ، كيفَ يُصنَعُ بها في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: أمَّا ما ضَعُفَ مِنْ الدَّوابِّ حتى لا يَكونُ فيه قوَّةٌ للغَزوِ فإنه يُباعُ ويُشتَرى بثَمنِه غيرُه مِنْ الخَيلِ، فيُجعلُ في سَبيلِ اللهِ، قالَ ابنُ
стр. 6921
القاسمِ: فإنْ لم يَكنْ في ثَمنِه ما يَشتري به فَرسًا أو هَجينًا أو بِرذَونًا رَأيتُ أنْ يُعانَ به في ثَمنِ فَرسٍ …
قالَ ابنُ وَهبٍ: وسَمِعتُ مالِكًا يَقولُ في الفَرسِ المُحبَّسِ في سَبيلِ اللهِ إذا كَلِبَ وخَبُثَ أنه لا بَأسَ أنْ يُباعَ ويُشتَرى فَرَسٌ مَكانَه (١).
وقالَ الشَّيخُ سُليمانُ الجَمَلُ ﵀: وبه فارَقَ ما لو وقَفَ فَرَسًا على الغَزوِ فكَبُرَ ولم يَصلحْ حَيثُ جازَ بَيعُه (٢).
وقالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀: نقَلَ غيرُ واحِدٍ الإجماعَ على أنَّ الفَرسَ المَوقوفَ على الغَزوِ إذا كَبُرَ ولم يَصلحْ له جازَ بَيعُه (٣).
ب- أنْ يَكونَ غيرَ حَيَوانٍ:
نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والحَنابلةُ على أنَّ ما سِوى العَقارِ إذا ذهَبَتْ مَنافِعُه التي وُقِفَ لها بحَيثُ لم يَعُدْ يُنتفعُ به في الوَجهِ الذي وُقفَ له جازَ بَيعُه.
قالَ المالِكيةُ: الشَّيءُ المَوقوفُ على مُعيَّنٍ أو على غيرِ مُعيَّنٍ مِنْ غيرِ عَقارٍ إذا صارَ لا يُنتفعُ به في الوَجهِ الذي وُقفَ فيهِ كالثَّوبِ يَخلَقُ والفَرَسِ يَكلَبُ والعَبدِ يَعجزُ وما أشبَهَ ذلكَ فإنه يُباعُ وُجوبًا، ويُشتَرَى بثَمنِه مِثلُه ممَّا
стр. 6922
يُنتفعُ به في الوَجهِ الذي وُقفَ فيهِ، فإنْ لم يَبلغْ ثَمنُه ما يُشتَرَى به مِثلُه فإنه يُستعانُ به في شِقصِ مِثلِه، بأنْ يُشارِكَ به في جُزءٍ إنْ أمكَنَ، وإلا تَصدَّقَ به.
ومعنى «ممَّا لا يُنتفعُ به»: المَنفيُّ هو النَّفعُ المَقصودُ للواقِفِ، ولكنْ يُنتفعُ به في الجُملةِ؛ لأنه يُشترطُ في صِحةِ البَيعِ كَونُ المَبيعِ ممَّا يُنتفعُ به.
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرَى» في الرَّجلِ يحبسُ ثِيابًا في سَبيلِ اللهِ:
(قُلتُ): أرَأيتَ الثِّيابَ هل يَجوزُ أنْ يحبسَها رَجلٌ على قَومٍ بأعيانِهم وعلى المَساكينِ أو في سَبيلِ اللهِ في قَولِ مالكٍ؟ (قالَ): ما سَمِعتُ مِنْ مالِكٍ فيهِ شيئًا، ولا أرَى به بَأسًا أنْ يحبسَ الرَّجلُ الثِّيابَ والسُّروجَ، (قلتُ): أرَأيتَ ما ضَعُفَ مِنْ الدَّوابِّ المُحبَّسةِ في سَبيلِ اللهِ أو بَلِيَ مِنْ الثِّيابِ، كَيْفَ يُصْنَعُ بها في قَولِ مالِكٍ؟ (قالَ): قالَ مالكٌ: أمَّا ما ضَعُفَ مِنْ الدَّوابِّ حتى لا يَكونُ فيه قوَّةٌ للغَزوِ فإنه يُباعُ ويُشتَرى بثَمنِه غيرُه مِنْ الخَيلِ، فيُجعلُ في سَبيلِ اللهِ، قالَ ابنُ القاسمِ: فإنْ لم يَكنْ في ثَمنِه ما يَشتري به فَرسًا أو هَجينًا أو بِرذَونًا رَأيتُ أنْ يُعانَ به في ثَمنِ فَرسٍ.
والثِّيابُ إنْ لم تَكنْ فيها مَنفعةٌ بِيعَتْ واشتَرى بثَمنِها ثِيابًا يُنتفعُ بها، وإنْ لم يَكنْ في ثَمنِها ما يُشتَرى به شيءٌ يُنتفعُ به فُرِّقَ في سَبيلِ اللهِ، قالَ ابنُ وَهبٍ: وسَمِعتُ مالِكًا يَقولُ في الفَرسِ المُحبَّسِ في سَبيلِ اللهِ إذا كَلِبَ وخَبُثَ أنه لا بَأسَ أنْ يُباعَ ويُشتَرى فَرَسٌ مَكانَه (١).
стр. 6923
وقالَ القاضي أبو الوَليدِ الباجِي ﵀: فأمَّا ما يُنقَلُ كالحَيوانِ والثِّيابِ فقدْ قالَ مالِكٌ في المَجموعةِ في الفَرسِ المُحبَّسِ يَضعُفُ فلا يَبقَى فيه قُوَّةٌ للغَزوِ: لا بَأسَ ببَيعِه، ويُجعَلُ ثَمنُه في آخَرَ، قالَ ابنُ القاسِمِ: وإنْ لم يَبلغْ شُورِكَ به، والثِّيابُ تُباعُ إنْ لم يَبْقَ فيها مَنفعةٌ ويُشترى بثَمنِها ما يُنتفعُ به.
وقد رَوى ابنُ حَبيبٍ عن ابنِ الماجشُونِ: لا يَجوزُ ذلكَ، ولو كانَ غيرَ هذا لَبطَلَتِ الأحباسُ.
وَجهُ القَولِ الأولِ أنَّ هذا فَسادٌ بَيِّنٌ مِنْ صلاحِه، ولا تُرجى عَودَتُه إلى ما كانَ عليه، وليسَتْ كذلكَ الرِّباعُ؛ فإنها تُعمرُ بعدَ الخَرابِ، فلذلكَ لم يَجُزْ بَيعُها، ووَجهُ قَولِ ابنِ الماجشونِ أنَّ هذا حَبسٌ، فلم يَجُزْ بَيعُه لعَدمِ الانتفاعِ به كالرِّباعِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ في الأصَحِّ: يَجوزُ بَيعُ حُصرِ المَسجدِ المَوقوفةِ إذا بَلِيَتْ، وجُذوعِه إذا انكَسرَتْ أو أشرَفَتْ على ذلكَ ولم تَصلحْ إلَّا للإحراقِ؛ لئلَّا تَضيعَ ويَضيقَ المَكانُ بها مِنْ غيرِ فائِدةٍ، فتَحصيلُ نَزْرٌ يَسيرٌ مِنْ ثَمنِها يَعودُ إلى الوَقفِ أَولى مِنْ ضَياعِها، ولا تَدخلُ بذلكَ تحتَ بَيعِ الوَقفِ؛ لأنها صارَتْ في حُكمِ المَعدومةِ، ويُصرَفُ ثَمنُها في مَصالِحِ المَسجدِ.
стр. 6924
قالَ الرَّافِعيُّ: والقِياسُ أنْ يُشتَرى بثَمنِ الحَصيرِ حَصيرٌ لا غَيرُها، قالَ: ويُشبِهُ أنه مُرادُهم. اه
أمَّا إذا أمكَنَ أنْ يُتَّخذَ منها ألواحٌ وأبوابٌ فلا تُباعُ قَطعًا، بل يَجتهِدُ الحاكِمُ ويَستعمِلُه فيما هو أقرَبُ لمَقصودِ الواقفِ.
وكالحُصرِ في ذلكَ نِحاتَةُ الخَشبِ وأسْتارُ الكَعبةِ إذا لم يَبْقَ فيها نَفعٌ ولا جَمالٌ.
ومُقابلِ الأصَحِّ: لا يُباعُ ما ذُكِرَ؛ إدامةً للوَقفِ في عَينِه، ولأنه يُمكِنُ الانتِفاعُ به في طَبخِ جِصٍّ أو آجُرٍّ، وعلى هذا جُمهورُ الشافِعيةِ.
وقالوا: أمَّا الشَّجرةُ إذا جَفَّتْ أو قلَعَها ريحٌ أو سَيلٌ أو نحوُ ذلكَ ولم يُمكِنُ إعادَتُها إلى مَغرِسِها قبلَ جَفافِها أو زَمِنَتِ الدابَّةُ لم يَنقطعِ الوَقفُ على المَذهبِ، بل ينتفعُ بها جِذعًا بإجارةٍ وغيرِها؛ إدامَةً للوَقفِ في عَينِها، ولا تُباعُ ولا توهَبُ؛ لخبَرِ «لا تُباعُ».
وكذا الدابَّةُ الزَّمِنةُ بحَيثُ صارَتْ لا يُنتفعُ بها، هذا إنْ أُكِلَتْ؛ إذ يَصحُّ بَيعُ لَحمِها، بخِلافِ غَيرِها.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ: تُباعُ؛ لأنَّ مَنفعتَها بطَلَتْ، فكانَ بَيعُها أَولَى مِنْ تَركِها، ويُشترى بالثَّمنِ مِثلُها ليَكونَ وَقفًا مَكانَها أو بَعضُه؛ لأنه أقرَبُ إلى مَقصودِ الواقفِ.
وإِنْ لم يُنتفعْ بها إلا باستِهلاكِها بإحراقٍ أو نَحوِه ففيهِ خِلافٌ:
стр. 6925
قيلَ: يَنقطعُ الوَقفُ وتَصيرُ مِلكًا للمَوقوفِ عليه حِينئذٍ على المُعتمَدِ، لكنَّها لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، بل يُنتفعُ بعَينِها كأُمِّ الوَلدِ والأُضحِيةِ.
وقيلَ: لا تَصيرُ مِلكًا بحالٍ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا تَعطَّلتْ مَنافِعُ الوَقفِ أو خَرِبَ فلمْ تُمكِنْ عِمارتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلَّا ببَيعِ بَعضِه جازَ بَيعُ بَعضِه لتُعمَرَ به بَقيَّتُه، وإنْ لم يُمكِنُ الانتفاعُ بشيءٍ منه بِيعَ جَميعُه.
قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ: إذا كانَ في المَسجدِ خَشَبتانِ لهُما قيمةٌ جازَ بَيعُهما وصَرْفُ ثَمنِهما عليه؛ لأنه إذا جازَ بَيعُ الكُلِّ عندَ الحاجةِ فبَيعُ بَعضِه مع بَقاءِ البَعضِ أَولَى، وقِياسًا على بَيعِ بَعضِ الفَرسِ الحَبيسِ عندَ تَعذُّرِ الانتفاعِ به وصَرفِ ثَمنِه فيما يَقومُ مَقامَه.
ويَصحُّ بَيعُ شَجرةٍ مَوقوفةٍ يَبسَتْ، وجِذعٍ مَوقوفٍ انكَسرَ أو بَلِيَ أو خِيفَ الكَسرُ أو الهَدمُ.
قالَ في «التَّلخِيص»: إذا أشرَفَ جِذعُ الوَقفِ على الانكِسارِ أو دارُه على الانهدامِ وعُلِمَ أنه لو أخَّرَ لَخرَجَ عن كَونِه مُنتفعًا به فإنه يُباعُ؛ رِعايةً للمالِيَّةِ، أو يُنقَضُ؛ تَحصيلًا للمَصلحةِ، قالَ الحارِثيُّ: وهو كما قالَ، قالَ:
стр. 6926
والمَدارِسُ والرُّبُطُ والخاناتُ المُسبَّلةُ ونحوُها جَائزٌ بَيعُها عند خَرَابِها على ما تقدَّمَ وجهًا واحِدًا.
ويَصحُّ بَيعُ ما فضَلَ مِنْ نِجارَةِ خَشبِه ونِحاتَتِه -أي المَوقوفِ-؛ لِما تقدَّمَ، ولو شرَطَ الواقِفُ عدَمَ البَيعِ في الحالِ التي قُلْنا يُباعُ فيها فشَرطٌ فاسِدٌ؛ لحَديثِ: «ما بالُ أقوامٍ يَشترِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ اللهِ … » إلى آخِرِه، وحَيثُ يُباعُ الوَقفُ فإنه يُصرَفُ ثَمنُه في مِثلِه؛ لأنَّ في إقامَةِ البَدلِ مَقامَه تَأبيدًا له وتَحقيقًا للمَقصودِ، فتَعيَّنَ وُجوبُه، أو بَعضِ مِثلِه إنْ لم يُمكِنُ في مِثلِه، ويُصرَفُ في جِهتِه -وهي مَصرِفُه-؛ لامتِناعِ تَغييرِ المَصرِفِ مع إمكانِ مُراعاتِه، فإنْ تَعطَّلتْ جِهةُ الوَقفِ التي عَيَّنَها الواقفُ صُرِفَ في جِهةِ مِثلِها.
فإذا وقَفَ على الغُزاةِ في مَكانٍ فتَعطَّلَ فيهِ الغَزوُ صُرِفَ البَدلُ إلى غَيرِهم مِنْ الغُزاةِ في مَكانٍ آخَرَ؛ تَحصيلًا لغَرَضِ الواقفِ في الجُملةِ حَسبَ الإمكانِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: وما انهَدمَ مِنْ بِناءِ الوَقفِ مثلَ الآجُرِّ والخَشبِ والقارِ والأحجارِ وآلَتِه -وهي: الأداةُ التي يُعمَلُ بها كآلَةِ الحَرثِ في ضَيعةِ الوَقفِ- صرَفَه الحاكِمُ -أي: أعادَه- في عِمارةِ الوَقفِ إنِ احتاجَ الوَقفُ إليهِ ليَبقى على التَّأبيدِ.
стр. 6927
فإنِ استُغنيَ عنه حَبَسَه لوَقتِ حاجَتِه فيُصرَفُ فيها؛ لأنه لا بُدَّ مِنْ العِمارةِ، فيَحبسُه كَيلَا يَتعذَّرَ عليه وقتَ الحاجةِ فيَبطُلَ المَقصودُ.
وإنْ تَعذَّرَ إعادةُ عَينِه بِيعَ ويُصرَفُ الثَّمنُ إلى عِمارتِه صَرفًا إلى مَصرِفِ الأصلِ.
ولا يَجوزُ أنْ يَقسِمَه -أي المُنهدِمَ- وكذا بَدَلُه بينَ مُستحِقِّي الوَقفِ؛ لأنَّ العينَ حقُّ اللهِ تعالى، وهذا منها، فلا يُصرَفُ إليهم غيرُ حقِّهِم؛ لأنَّ حقَّهُم في المَنفعةِ والغَلَّةِ لا في العينِ، بل هي حقُّ اللهِ تعالى على الخُلوصِ (١).
الحالَةُ الثانِيةُ: بَيعُ الوَقفِ إذا خَرِبَ وتَعطَّلَتْ مَنافعُه إذا كانَ عَقارًا:
أولًا: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الوَقفَ إذا تَعطَّلتْ مَنافعُه المَقصودةُ منه بخَرابٍ لكنْ أمكَنَ إعمارُه مِنْ رَيعِه فإنه لا يُباعُ؛ لعُمومِ قَولِ النبيِّ ﷺ : «لا يُباعُ ولا يُوهَبُ ولا يُورثُ … » (٢).
إلَّا أنهُم اختَلَفوا في الوَقفِ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه، كدارٍ انهَدمَتْ أو أرضٍ خَربَتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تُمكِنْ عِمارتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصلَّى فيه أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنُ تَوسيعُه في
стр. 6928
مَوضعِه أو تَشعَّبَ جَميعُه فلمْ تُمكِنْ عِمارتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه، هل يَجوزُ بَيعُ بَعضِه لتُعمَرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكِنِ الانتفاعُ بشيءٍ منه بِيعَ جَميعُه؟ أم لا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ مُطلَقًا وإنْ تَعطَّلتْ مَنافعُه؟ أم يَرجعُ إلى الواقفِ؟ على ثَلاثةِ أقوالٍ للعُلماءِ.
القولُ الأولُ: وهو قَولُ المالِكيةِ في المَشهورِ والشافِعيةِ في المَذهبِ وأبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه لا يُباعُ ويَبقَى وَقفًا.
قالَ المالِكيةُ: لا يَجوزُ بَيعُ عَقارٍ حُبِّسَ مِنْ دورٍ وحَوانيتَ ورَبعٍ، فلا يُباعُ ليُستبدَلَ به غَيرُه وإنْ خَرِبَ، قالَ الإمامُ مالكٌ: ولا يُباعُ العَقارُ المُحبَّسُ ولو خَرِبَ، وبَقاءُ أحباسِ السَّلفِ داثِرةً دَليلٌ على مَنعِ ذلكَ.
وقالَ سَحنونٌ: وهذه جُلُّ الأحباسِ قد خَرِبَتْ، فلا شيءَ أدَلُّ على سُنَّتِها منها، ألَا تَرى أنه لو كانَ البَيعُ يَجوزُ فيها لَمَا أغفَلَه مَنْ مَضى؟ ولكنْ بَقاؤُه خَرابًا دَليلٌ على أنَّ بَيعَه غيرُ مُستقيمٍ، وبحَسبِكَ حُجَّةً في أمرٍ قد كانَ مُتقادِمًا بأنْ تَأخذَ منه ما جَرى منه، فالأحباسُ قَديمةٌ ولم تَزَلْ، وجُلُّ ما يُوجَدُ منها بالذي به لم يَزَلْ يَجري عليه فهو دَليلُها، فبَقاءُ هذه خَرابًا دَليلٌ على أنَّ البَيعَ فيها غيرُ مُستقيمٍ؛ لأنه لو استَقامَ لَمَا أخطَأَ مَنْ مَضى مِنْ صَدرِ هذه الأمَّةِ وما جَهِلَه مَنْ لم يَعملْ به حتى تُرِكتْ خَرابًا، وإنْ كانَ قد رُوِيَ عن رَبيعةَ خِلافٌ لهذا في الرِّباعِ والحَيوانِ إذا رَأَى الإمامُ ذلكَ (١).
стр. 6929
وإنَّما لم يُبعِ الرَّبعُ المُحبَّسِ إذا خَرِبَ لأنه يَجِدُ مَنْ يُصلِحُه بإجارتِه سِنينَ فيَعودَ كما كانَ.
ودَليلٌ آخَرُ وهو أنَّ ما لا يَنقلُ الحَبسَ عن مُقتضاهُ إذا لم تَخرَبْ فإنه لا يَنقلُه عن مُقتضاهُ وإنْ خَرِبَ كالغَصبِ.
وكذا لا يُباعُ نَقضُ الحَبسِ مِنْ الأحجارِ والآجُرِّ والأخشابِ وإنْ خَرِبَ، فإذا لم يُمكِنْ عَودُها فيما حُبسَتْ فيه جازَ نَقلُها في مِثلِه.
إلا أنْ يُباعَ العَقارُ الحَبسُ ولو غيرَ خَرِبٍ لتَوسيعِ مَسجدٍ إذا ضاقَ المَسجدُ بأهلِه واحتاجَ إلى تَوسعةٍ وبجانِبِه عَقارٌ حَبسٌ أو مِلكٌ، فإنه يَجوزُ بَيعُ الحَبسِ لأجلِ تَوسعةِ المَسجدِ، ومثلُ تَوسعةِ المَسجدِ تَوسعةُ طَريقِ المُسلمينَ ومَقبرتِهم؛ لأنه نَفعٌ عامٌّ للمُسلمينَ، ونَفعُ ذلكَ أعَمُّ مِنْ بَيعِ الدَّارِ المُحبسةِ، وسَواءٌ كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ أو غَيرِ مُعيَّنٍ، وإنْ أبَى صاحِبُ الحَبسِ أو الناظِرُ أو صاحِبُ المِلكِ عن بَيعِ ذلكَ فالمَشهورُ أنهمْ يُجبَرونَ على بَيعِ ذلكَ.
وإذا باعَ أربابُ الدُّورِ المُحبسةِ لأجْلِ تَوسعةِ المَسجدِ أو المَقبرةِ أو الطَّريقِ فأخَذُوا الثَّمنَ فإنهمْ يُؤمَرونَ بأنْ يَجعلوهُ في حَبسِ غَيرِه (١).
стр. 6930
وقالَ الشافِعية في الأصَحِّ: لا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ مُطلَقًا، فإنْ تَعطَّلتْ مَنفعةُ المَوقوفِ بسَببٍ غَيرِ مَضمونٍ كأنْ جَفَّتِ الشَّجرةُ أو قلَعَها ريحٌ أو سَيلٌ أو نحو ذلكَ ولم يُمكِنْ إعادَتُها إلى مَغرسِها قبلَ جَفافِها، أو زَمِنَتِ الدابَّةُ لم يَنقطعِ الوَقفُ على المَذهبِ، بل يُنتفعُ بها جِذعًا بإجارةٍ وغَيرِها؛ إدامةً للوَقفِ في عَينِها، ولا تُباعُ ولا تُوهبُ؛ لخبَرِ: «لا تُباعُ».
وكذا الدابَّةُ الزمِنَةُ بحَيثُ صارَتْ لا يُنتفعُ بها، هذا إنْ أُكِلتْ؛ إذْ يَصحُّ بَيعُ لَحمِها بخِلافِ غَيرِها.
وفي مُقابلِ الأصَحِّ: تُباعُ؛ لتَعذُّرِ الانتفاعِ كما شرَطَه الواقفُ، ويُشترى بالثَّمنِ مِثْلُها ليَكونَ وَقفًا مَكانَها أو بَعضُه؛ لأنه أقرَبُ إلى مَقصودِ الواقفِ.
وإِنْ لم يُنتفعْ بها إلا باستِهلاكِها بإحراقٍ أو نَحوِه ففيهِ خِلافٌ:
قيلَ: يَنقطعُ الوَقفُ وتَصيرُ مِلكًا للمَوقوفِ عليه حِينئذٍ على المُعتمَدِ، لكنَّها لا تُباعُ ولا تُوهَبُ، بل يُنتفعُ بعَينِها كأُمِّ الوَلدِ والأُضحِيةِ.
وقيلَ: لا تَصيرُ مِلكًا بحالٍ.
وإنْ وقَفَ أرضًا على ثَغرٍ فبَطَلَ الثَّغرُ وتَعذَّرَ القِتالُ فيهِ حُفظَ انتِفاعُ الوَقفِ -وهو: غلَّتُه-، ولا يُصرَفُ إلى غَيرِه؛ لجَوازِ أنْ يَعودَ الثَّغرُ كما كانَ.
ولو وقَفَ مَسجدًا فانهدَمَ وتَعذَّرَتْ إعادَتُه أو تَعطَّلَ بخَرابِ البَلدِ مثلًا لم يَعُدْ مِلكًا ولم يُبَعْ بحالٍ؛ لأنَّ ما زالَ المِلكُ فيهِ لحَقِّ اللهِ تعالى لا يَعودُ إلى المِلكِ بالاختِلالِ، كالعَبدِ إذا عُتقَ ثمَّ زَمِنَ، ولم يُنقَضْ إنْ لم يُخَفْ
стр. 6931
عليه؛ لإمكانِ الصلاةِ في أرضِهِ ولإمكانِ عَودِه كما كانَ، فإنْ خِيفَ على نَقضِه فيُنقَضُ ويُحفَظُ، أو يُعمرُ به مَسجدٌ آخَرُ إنْ رَآهُ الحاكِمُ، قالَ المُتولِّي: وتُصرَفُ غَلةُ وَقفِه لأقرَبِ المَساجِد إليهِ -أي إذا لم يُتوقَّعْ عَودُه-، وإلَّا حُفظَ كما قالَه الإمامُ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وهذا أَولى مِنْ قَولِ الماوَرديِّ: تُصرَفُ إلى الفُقراءِ والمَساكينِ، ومِن قَولِ الرِّويانِيِّ: أنه كمُنقطِعِ الآخِرِ.
فإنْ خِيفَ عليه نُقضَ وبَنَى الحاكِمُ بنَقضِه مَسجِدًا آخَرَ إنْ رَأى ذلكَ، وإلا حِفظُه وبِناؤُه بقُربِه أَولَى، ولا يَبني به بئرًا كما لا يَبني بنَقضِ بئرٍ خَرِبتْ مَسجدًا بل بِئرًا أُخرى؛ مُراعاةً لغَرضِ الواقفِ ما أمكَنَ.
ولو وقَفَ على قَنطَرةٍ وانحَرَقَ الوادي وتَعطَّلتِ القَنطرةُ واحتِيجَ إلى قَنطَرةٍ أُخرَى جازَ نَقلُها إلى مَحَلِّ الحاجةِ (١).
وقالَ الرَّمليُّ ﵀: وأجرَيَا الخِلافَ في دارٍ مُنهدِمةٍ أو مُشرِفةٍ على الانهدامِ ولم تَصلُحْ للسُّكنى، وفرَّقَ بَعضُهم بينَ المَوقوفةِ على المَسجدِ والتي على غَيرِه، وأفتَى الوالِدُ ﵀ بأنَّ الرَّاجحَ مَنعُ بَيعِها، سَواءٌ أُوقِفتْ على المَسجدِ أم على غَيرِه.
стр. 6932
قالَ السُّبكيُّ وغيرُه: إنَّ منْعَ بَيْعِها هو الحَقُّ، ولأنَّ جَوازَه يُؤدِّي إلى مُوافَقةِ القَائلينَ بالاستِبدالِ (١).
وجاءَ في «فَتاويهِ»: (سُئلَ): هل يَجوزُ بَيعُ الدارِ المَوقوفةِ إذا انهَدمَتْ أو أشرَفَتْ على الانهدامِ سَواءٌ كانَتْ مَوقوفةً على المَسجدِ أو غيرِه، كما هو مُقتضَى «الرَّوضَة» ونُسِبَ لفَتاوى ابنِ العِراقيِّ؟ أو يَجوزُ بَيعُ المَوقوفةِ على المَسجدِ دونَ غَيرِه كما صَرَّحَ به ابنُ المُقرِي وغيرُه؟ أو لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ كما أَفتَى به شَيخُ الإسلامِ زَكريَّا مُؤيِّدًا له بما نقَلَه عن جَمعٍ مِنْ الأصحابِ في «شَرح المَنهَجِ» وغيرِه؟
(فأجابَ) بأنَّ الرَّاجحَ منعُ بَيعُها، سَواءٌ أُوقِفَتْ على المَسجدِ أم على غَيرِه، فقدْ قالَ الماوَرديُّ: الوَقفُ إذا خَرِبَ لا يَجوزُ بَيعُه ولا بَيعُ شيءٍ منه لعِمارتَه، وقالَ أحمَدُ: يَجوزُ بَيعُ بَعضِه لعِمارةِ باقيهِ كالدابَّةِ إذا عَطِبَتْ.
ولنا: إمكانُ رُجوعِه وصَلاحِه، ولهذا لو وقَفَ أرضًا خَرابًا جازَ، ولو وقَفَ حَيوانًا عَطِبًا لم يَجُزْ. اه
وقالَ المُتولِّي: لا يَجوزُ بَيعُ الدَّارِ إذا خَرِبتْ أو خافُوا عَليها الخَرابَ، خِلافًا لأحمَدَ. اه
وإذا كانَتِ الخَرابُ لا تُباعُ فالمُشرِفةُ أَولَى، وقالَ القاضِي أبو الطَّيبِ: إذا وقَفَ دارًا على قَومٍ ثُمَّ انهدَمَتْ لم يَكنْ للمَوقوفِ عليهِم بَيعُ الرَّقبةِ،
стр. 6933
وقالَ أحمدُ: «لهم ذلكَ»، وهذا غَلطٌ، وكذا ذكَرَه ابنُ الصَّبَّاغِ والرُّويانِيُّ في «البَحر» والشَّيخُ أبو حامِدٍ وأتْباعُه كالمَحامِليِّ وسُليمٍ في «المُجرَّد» والشَّيخُ نَصرُ المَقدِسيُّ في تَهذيبِه والجُرجانِيُّ في شافيهِ وصاحِبُ «البَيان» وغَيرُهم مِنْ العِراقيِّينَ، وعِبارةُ الجُرجانِيِّ في تَحريرِه: إذا انهدَمَتِ الدارُ المَوقوفةُ لم يَجُزْ بَيعُها قَولًا واحِدًا، وجزَمَ به مِنْ المَراوِزةِ القاضي حُسينٌ فقال: لو خَرِبَ الوَقفُ لا يَجوزُ بَيعُه، بل يَكونُ وَقفًا بحالِهِ أبدًا، خِلافًا لأحمدَ، وكذا قالَ الفُورانِيُّ في «الإبانَة».
وقالَ الخَوارزمِيُّ في «كافيهِ»: والدارُ المَوقوفةُ إذا انهَدمَتْ وخَرِبتْ وتَعطَّلتْ مَنافِعُها لا يَجوزُ بَيْعُها، ولا يَجوزُ نَقلُ شيءٍ منها إلى مَوضِعٍ آخَرَ.
وقالَ الصَّيمَريُّ في «شَرح الكِفايةِ»: بَيعُ المَوقوفِ حَرامٌ مُطلَقًا، سَواءٌ قُلنا: «المَوقوفُ عليه ملَكَ رَقبةِ الوَقفِ» أَمْ لا.
فهذه كُتبُ المَذهبِ مِنْ الطَّريقَينِ شاهِدةٌ بخِلافِ ما ذكَرَه الرَّافعيُّ، فظهَرَ أنَّ الإمامَ مُنفرِدٌ بنَقلِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، والرَّافعيُّ مُنفرِدٌ بذِكرِ الخِلاف في المُنهدِمةِ، وباقتِضاءِ كلامِه التَّصحيحَ فيها، وفي المُشرِفةِ بالجَوازِ، على أنَّ الإمامَ لمَّا حَكى الخِلافَ في المُشرِفةِ عَزَا للأكثَرينَ المَنعَ، فقالَ: ومِمَّا يَتَّصلُ بهذا الأصلِ أنَّ مَنْ وقَفَ دارًا فأشرَفَتْ على الخَرابِ وعَرَفْنا أنها لو انهدَمَتْ عَسُرَ رَدُّها وإقامَتُها ذهَبَ الأكثَرونَ إلى مَنعِ البَيعِ، وجوَّزَه مُجَوِّزونَ. اه، وعليه اعتَمدَ الرافِعيُّ في حِكايةِ الخِلافِ في المُشرِفةِ، لكِنَّه زادَ في الإلباسِ، فاقتَضَى كَلامُه تَصحيحَ الجَوازِ فيها وفي المُنهَدِمةِ،
стр. 6934
وأمَّا حِكايتُه الخِلافَ في المُنهدِمةِ فكأنهُ إذا جازَ بَيعُ المُشرِفةِ على رَأيٍ فبَيعُ المُنهدِمةِ أَولَى، وقالَ السُّبكيُّ وغَيرُه: إنَّ منْعَ بَيعِها هو الحَقُّ، ولأنَّ جَوازَه يُؤدِّي إلى مُوافَقةِ القائِلينَ بالاستِبدالِ، ويُمكِنُ حَملُ كَلامِ القَائلِ بالجَوازِ على البِناءِ خاصَّةً كما أشارَ إليه ابنُ المُقرِي في «الرَّوض» بقَولِه: «وجِدارِ دارِه المُنهدِمِ»، وهذا الحَملُ أسهَلُ مِنْ تَضعيفِه (١).
القَولُ الثَّاني: وهو مَذهبُ الحَنابلةِ ورِوايةٌ عندَ المالِكيةِ أنه يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه، كدارٍ انهدَمَتْ أو أرضٍ خَرِبتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تمكن عِمارَتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصَلَّى فيه، أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنْ تَوسيعُه في مَوضِعِه أو تَشعَّبَ جَميعُه فلم تُمكِنْ عِمارَتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه جازَ بَيعُ بَعضِه لتُعمرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكِنِ الانتفاعُ بشَيءٍ منه بِيعَ جَميعُه ويُستبدَلُ به غيرُه.
جاءَ في «المُغْني» لابنِ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا خَرِبَ الوَقفُ ولم يَرُدَّ شيئًا بِيعَ واشتُرِيَ بثَمنِه ما يَرُدُّ على أهلِ الوَقفِ، وجُعِلَ وَقفًا كالأولِ، وكذلكَ الفَرسُ الحَبيسُ إذا لم يَصلحْ للغَزوِ بِيعَ واشتُريَ بثَمنِه ما يَصلحُ للجِهادِ).
وجُملةُ ذلكَ أنَّ الوَقفَ إذا خَرِبَ وتَعطَّلتْ مَنافعُه كدارٍ انهدَمَتْ أو أرضٍ خَرِبتْ وعادَتْ مَواتًا ولم تُمكِنْ عِمارَتُها، أو مَسجدٍ انتَقلَ أهلُ القَريةِ عنه وصارَ في مَوضعٍ لا يُصلَّى فيه، أو ضاقَ بأهلِه ولم يُمكِنْ تَوسيعُه في
стр. 6935
مَوضعِه أو تَشعَّبَ جَميعُه فلمْ تُمكِنْ عِمارتُه ولا عِمارةُ بَعضِه إلا ببَيعِ بَعضِه جازَ بَيعُ بَعضِهِ لتُعمرَ به بَقيتُه، وإنْ لم يُمكنِ الانتفاعُ بشيءٍ منه بِيعَ جَميعُه.
قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ: إذا كانَ في المَسجدِ خَشَبتانِ لهُما قيمةٌ جازَ بَيعُهما وصَرْفُ ثَمنِهما عليه، وقالَ في رِوايةِ صالِحٍ: يُحوَّلُ المَسجدُ خَوفًا مِنْ اللُّصوصِ وإذا كانَ مَوضِعُه قَذِرًا، قالَ القاضي: يَعني إذا كانَ ذلكَ يَمنعُ مِنْ الصَّلاةِ فيهِ، ونَصَّ على جوازِ بَيعِ عَرصَتِه في رِوايةِ عَبدِ اللهِ، وتَكونُ الشهادةُ في ذلكَ على الإمامِ، قالَ أبو بَكرٍ: وقد رَوى عَليُّ بنُ سَعيدٍ أنَّ المَساجِدَ لا تُباعُ، وإنما تُنقَلُ آلَتُها، قالَ: وبالقَولِ الأولِ أقولُ؛ لإجماعِهم على جَوازِ بَيعِ الفَرَسِ الحَبيسِ -يَعني المَوقوفةِ- على الغَزوِ إذا كَبُرَتْ فلمْ تَصلحْ للغَزوِ وأمكَنَ الانتفاعُ بها في شيءٍ آخَرَ، مِثل أنْ تَدورَ في الرَّحى أو يُحمَلَ عليها تُرابٌ أو تَكونَ الرغبةُ في نِتاجِها، أو حِصانًا يُتَّخذُ للطِّراقِ، فإنهُ يَجوزُ بَيعُها ويَشتري بثَمنِها ما يَصلحُ للغَزوِ، نَصَّ عليه أحمَدُ.
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: إذا خَرِبَ المَسجدُ أو الوَقفُ عادَ إلى مِلكِ واقِفِه؛ لأنَّ الوَقفَ إنَّما هو تَسبيلُ المَنفعةِ، فإذا زالَتْ مَنفعتُه زالَ حقُّ المَوقوفِ عليه منه، فزالَ مِلكُه عنهُ.
وقالَ مالِكٌ والشافعيُّ: لا يَجوزُ بَيعُ شيءٍ مِنْ ذلكَ؛ لقَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ : «لا يُباعُ أصلُها ولا تُبتاعُ ولا تُوهَبُ ولا تُورثُ»، ولأنَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه مع بَقاءِ مَنافعِه لا يَجوزُ بَيعُه مع تَعطُّلِها كالمُعتَقِ، والمَسجدُ أشبَهُ الأشياءِ بالمُعتَقِ.