← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 7001–7040 · переход к 7006.

стр. 7001

ثُمَّ قالَ ابنُ حَجرٍ: قالَ الأذرَعيُّ: والمُختارُ الأقوَى الجَوازُ، وإنْ لم يَشتَرطِ الواقفُ التَّغييرَ، ما لم يَصُدَّ عنه نَصٌّ أو إجماعٌ؛ إذْ غَرضُ الواقفِ الاستِعمالُ وتَكثيرُ الرَّيعِ على المَوقوفِ عليه بلا شَكٍّ لا مُسمَّى البُستانِ ونحوُه. وقد قالَ القفَّالُ: إنه لا بُدَّ مِنْ النَّظرِ إلى مَقاصدِ الواقِفينَ، وكلُّ أحَدٍ يَجزمُ بأنَّ غرَضَه تَوفيرُ الرَّيعِ على جِهةِ الوَقفِ، وقد يَحدثُ على تَعاقُبِ الأزمانِ مَصالحُ لم تَظهرْ في الزَّمنِ الماضي وتَظهرُ الغِبطةُ في شيءٍ يُقطَعُ بأنَّ الواقفَ لو أُطلِعَ عليه لم يَعدِلْ عنه، فيَنبغي للناظِرِ أو الحاكِمِ فِعلُه، واللهُ يَعلَمُ المُفسِدَ مِنْ المُصلِحِ، ولا سِيَّما إذا عَظُمَتِ الأجرةُ وتَضاعفَتِ الفائِدةُ، والتَّسميةُ بالدارِ أو البُستانِ إنَّما يُقصدُ به غالبًا التَّعريفُ لإبقاءِ الاسمِ مع ظُهورِ المَصلحةِ الظاهِرةِ في غَيرِه ظُهورًا عَظيمًا، كدارٍ ظَهرُها مُجاوِرٌ لسوقٍ أُخِذتْ أجرَتُها في الشَّهرِ عَشرةٌ مثلًا، ولو عُمِلتْ حَوانيتُ فبلَغَتْ مِائةً أو مِائتينِ مع خِفَّةِ عِمارتِها ومَرمَّتِها فيما يُستقبلُ، وحِينئذٍ فلا معنى للجُمودِ على بَقاءِ اسمِ الدارِ مِنْ غيرِ تَنصيصٍ مِنْ الواقفِ عليه، وقَولُ الشُّروطيِّ: «وَقفُ جَميعِ الدارِ أو البُستانِ» للتَّعريفِ، والمُختارُ مِنْ وَجهَي القاضي حُسينٍ الأولُ عندَ ظُهورِ المَصلحةِ في الغَرسِ، وعليه العملُ ببلادِ الشامِ في قُرى الاستِغلالِ مِنْ غيرِ نَكيرٍ، فهذا ما ظهَرَ لي، فإنْ يَكنْ صَوابًا فمِن اللهِ وتَوفيقِه، وإلا فهو مِنِّي، وأكثَرُ الواقِفينَ يَقولُ في شَرطِه: وعلى الناظِرِ فِعلُ ما فيه النَّماءُ والمَزيدُ لغَلَّاتِه ونَحوُ ذلكَ. اه كَلامُ الأذرَعيِّ.

стр. 7002

وهو مُصرَّحٌ فيهِ كما تَرى بأنَّ اختِيارَه هذا خارجٌ عن المَذهبِ؛ إذِ المَذهبُ كما عُلِمَ ممَّا مَرَّ أنه مَتى أدَّى التَّغييرُ إلى تَغييرِ الاسمِ مع الجِنسِ كأنْ يَجعلَ الدارَ بُستانًا أو حَمَّامًا امتَنعَ، بخِلافِ جَعلِ حانوتِ الحَدَّادِ حانوتَ قَصَّارٍ؛ لبَقاءِ الاسمِ، وإنَّما المُتغيِّرُ النَّوعُ دونَ الجِنسِ، وبهذا يُعلَمُ أنَّ الأرجَحَ مِنْ وَجهَي القاضي المُختلَفِ فيهما تَرجيحُ السُّبكيِّ والأذرَعيِّ كما عَلِمتَ (١). وأمَّا الحَنفيةُ فجاءَ في «الفَتاوى «الهِنديَّة»: ولا يَجوزُ تَغييرُ الوَقفِ عن هَيئتِه، فلا يَجعلُ الدارَ بُستانًا ولا الخانَ حَمَّامًا ولا الرِّباطَ دُكَّانًا، إلا إذا جعَلَ الواقفُ إلى الناظِرِ ما يَرَى فيهِ مَصلحةَ الوَقفِ، كذا في «السِّراج الوَهَّاج» (٢).

стр. 7003

تَوحيدُ الأوقافِ: المُرادُ بتَوحيدِ الأوقافِ: جَمعُ عَينِ الأوقافِ أو مَصارِفِها في عَينٍ أو مَصرِفٍ واحِدٍ. مِثالُ ذلكَ: أنْ يَكونَ هُناكَ وَقفٌ على المَساكينِ وآخَرُ على طَلبةِ العِلمِ وثالِثٌ على الغُزاةِ في سَبيلِ اللهِ، فتَجتمعُ هذه الأعيانُ في عَينٍ واحِدةٍ. أ- أنْ يَتحِدَ الواقفُ والمَوقوفَ عليه ويَتعدَّدَ المالُ: مِثالُ ذلكَ: أنْ يُوقِفُ زيدٌ مثلًا بَيتَه وأرضَه على طلبةِ العِلمِ. فهل له أنْ يَجمعَ البَيتَ والأرضَ في عَينٍ واحِدةٍ ثمَّ يُعطيَ مِنْ غَلتِها لطَلبةِ العِلمِ؟ جاءَ في كُتبِ الحَنفيةِ ما يَدلُّ على جوازِ ذلكَ، فقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: وفي «الظَّهيريَّة»: ولو كانَتْ له أرَضُونَ ودورٌ بينَه وبينَ آخَرَ فوقَفَ نَصيبَه ثمَّ أرادَ أنْ يُقاسِمَ شَريكَه ويَجمعَ الوَقفَ كلَّه في أرضٍ واحِدةٍ ودارٍ واحِدةٍ فإنه جائِزٌ في قِياسِ قولِ أبي يُوسفَ وهلالٍ (١). ب- أنْ يَتعدَّدَ الواقفُ ويَتحِدَ المَوقوفُ عليه: مثالُ ذلكَ: إذا وقَفَ زَيدٌ وَقفًا على مَسجدٍ ووقَفَ عَمرٌو وَقفًا آخَرَ على نَفسِ المَسجدِ أو على طلبةِ العِلمِ أو المُجاهِدينَ، هل يَجوزُ أنْ يُجمعَ بينَ غَلةَ الوَقفَينِ؟

стр. 7004

قالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وفي «الوَلوالِجية»: مَسجدٌ له أوقافٌ مُختلِفةٌ، لا بَأسَ للقيِّمِ أنْ يَخلطَ غَلتَها كلَّها، وإنْ خَرِبَ حانوتٌ منها فلا بَأسَ بعِمارتِه مِنْ غَلةِ حانوتٍ آخَرَ؛ لأنَّ الكلَّ للمَسجدِ. هذا إذا كانَ الواقفُ واحِدًا وإنْ كانَ الواقفُ مُختلِفًا، فكذلكَ الجَوابُ؛ لأنَّ المعنى يَجمعُهما. اه (١). وقالَ ابنُ نُجيمٍ أيضًا: ولا بَأسَ للقيِّمِ أنْ يَخلطَ غَلةَ أوقافِ المَسجدِ المُختلِفةَ، اتَّحدَ الواقِفُ أو اختَلفَ (٢). وقالَ المِرداويُّ ﵀: قالَ المُصنِّفُ ومَن تابَعَه: لو أمكَنَ بَيعُ بَعضِه ليُعمَرَ به بَقيتُه بِيعَ، وإلا بِيعَ جَميعُه. قالَ في «الفُروع»: ولم أَجدْ ما قالَه لأحَدٍ قبلَه. قالَ: والمُرادُ مع اتِّحادِ الواقفِ كالجِهةِ، ثُمَّ إنْ أرادَ عَينَينِ كدارَينِ فظاهِرٌ. وكذا إنْ أرادَ عَينًا واحِدةً ولم تَنقُصِ القِيمةُ بالتَّشقيصِ، فإنْ نقَصَتْ تَوجَّهَ البَيعُ في قِياسِ المَذهبِ، كبَيعِ وَصيٍّ لدَينٍ أو حاجةِ صَغيرٍ، بل هذا أسهَلُ؛ لجَوازِ تَغييرِ صِفاتِه لمَصلحةٍ وبَيعِه على قَولٍ. انتهى

стр. 7005

وقَولُ صاحِبِ «الفُرُوع»: والمُرادُ مع اتِّحادِ الواقفِ ظاهِرٌ في أنه لا يَجوزُ عِمارةُ وَقفٍ مِنْ رَيعِ وَقفٍ آخَرَ ولو اتَّحدَتِ الجِهةُ. وقد أفتَى الشَّيخُ عُبادةُ مِنْ أئمَّةِ أصحابِنا بجَوازِ عِمارةِ وقفٍ مِنْ وقفٍ آخَرَ على جِهتِه، ذكَرَه ابنُ رَجبٍ في «طَبَقاتِه» في تَرجَمتِه. قلتُ: وهو قَويٌّ، بل عَملُ الناسِ عليه. لكنْ قالَ شَيخُنا في «حَواشي الفُروعِ»: إنَّ كَلامَه في «الفُروع» أظهَرُ. وقالَ الحارِثيُّ: وما عَدا المَسجدَ مِنْ الأوقافِ يُباعُ بَعضُه لإصلاحِ ما بَقيَ (١). وجاءَ في «مُنتَهى الإراداتِ» وشَرحِه لابنِ قائِدٍ: ولا يُعمَّرُ وَقفٌ مِنْ آخَرَ، وأفتَى عُبادةُ (٢) بجَوازِ عِمارةِ وَقفٍ مِنْ رَيعٍ آخَرَ على جِهتِه. المُنقِّحُ: وعليهِ العملُ. قَولُه: (ولا يُعمَّرُ وَقفٌ … إلخ) هذا مُفرَّعٌ على ما تقدَّمَ مِنْ اشتِراطِ اتِّحادِ الواقفِ، فمَتى كانَ على إنسانٍ مثلًا دارانِ وقَفَ إحداهُما عليه زيدٌ والأُخرى وقَفَها عليه عَمرٌو لم تُعمَّرْ إحداهُما مِنْ الأُخرى، وهذا ظاهِرٌ إنْ كانَ المُرادُ: «لا يُعمَّرُ وَقفٌ مِنْ عَينِ وَقفٍ آخَرَ» أي: لا يُباعُ في تَعميرِه -كما

стр. 7006

تقدَّمَ- أو بعَينِ الآلةِ، أمَّا إنْ كانَ المُرادُ: «لا يُعمَّرُ وَقفٌ مِنْ رَيعِ آخَرَ على جِهتِه» كما هو مُقتضَى كلامِهم، ففيه أنَّ الرَّيعَ مِلكٌ للمَوقوفِ عليه يَفعلُ به ما يُريدُ، اللَّهمَّ إلا أنْ يُقالَ: المُرادُ: «لا يَجبُ ذلكَ»، أو يُحمَلُ على ما إذا كانَ الوقفُ على غَيرِ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ ونَحوِهم، فإنَّ الناظِرَ يُمنَعُ مِنْ تَعميرِ أحَدِهما مِنْ رَيعِ الآخَرِ. قَولُه: (مِنْ آخَرَ) أي: مِنْ رَيعِ آخَرَ ولو على جِهتِه. قَولُه: (وأفتَى عُبادةُ … إلخ) هو مِنْ أئمَّةِ أصحابِنا، كما نقَلَه عنهُ ابنُ رَجبٍ في «طَبقاتِه» في تَرجَمتِه. قَولُه: (وعليهِ العملُ) وهذا مُقابِلٌ لِما جزَمَ به المُصنِّفُ أولًا (١). صَرفُ غلَّةِ الوَقفِ إلى جِهةٍ أُخرى: قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَجوزُ تَغييرُ شَرطِ الواقفِ إلى ما هو أصلَحُ منه وإنِ اختَلفَ ذلكَ باختِلافِ الزَّمانِ، حتى لو وقَفَ على الفُقهاءِ والصُّوفيةِ واحتاجَ الناسُ إلى الجِهادِ صُرِفَ إلى الجُندِ (٢). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وما فضَلَ عن حاجةِ المَسجدِ مِنْ حُصرِه وزَيتِه ومُغَلِّه وأنقاضِه وآلتِه وثَمنِها إذا بِيعَتْ جازَ صَرفُه إلى مَسجدٍ آخَرَ مُحتاجٍ إليهِ؛ لانه صَرْفٌ في نَوْعِ المُعَيَّنِ، وجازَتِ الصَّدقةُ بها على فُقَراءِ المُسْلِمينَ؛

стр. 7007

لأنه في معنى المُنقطعِ، قالَ الحارِثيُّ: وإنَّما لم يُرصَدْ لِما فيهِ مِنْ التعطُّلِ، فيُخالِفُ المَقصودَ، ولو توقَّعَتِ الحاجةُ في زَمنٍ آخَرَ ولا رَيعَ يَسُدُّ مَسدَّها لم يُصرَفْ في غيرِها؛ لأنَّ الأصلَ الصَّرفُ في الجِهةِ المُعيَّنةِ، وإنَّما سُومِحَ بغَيرِها حَيثُ لا حاجةَ حَذرًا مِنْ التَّعطلِ، وخَصَّ أبو الخطَّابِ والمَجدُ الفُقراءَ بفُقراءِ جِيرانِه؛ لاختِصاصِهم بمَزيدِ مُلازَمتِه والعِنايةِ بمَصلحتِه. قالَ الحارِثيُّ: والأولُ أشبَهُ. قالَ الشيخُ -يَعني ابنَ تَيميةَ-: يَجوزُ صَرفُ الفاضِلِ في مِثلِه وفي سائِرِ المَصالحِ وفي بناءِ مَساكِنَ لمُستحِقِّ رَيعِه القائمِ بمَصلحتِه. وفَضلُ غَلةِ مَوقوفٍ على مُعيَّنٍ استِحقاقُه مُقدَّرٌ مِنْ الوَقفِ بتَعيُّنِ أرصادِه، ذكَرَه القاضي مُحمدٌ أبو الحُسيْنِ، واقتَصرَ عليه الحارِثيُّ، قالَ: وأمَّا فَضلُ غَلةِ المَوقوفِ على مُعيَّنٍ أو مُعيَّنينَ أو طائِفةٍ مُعيَّنةٍ فتَعيَّنَ إرصادُه، ذكَرَه القاضي أبو الحُسينِ في فَضلِ غَلةِ المَوقوفِ على نَفقةِ إنسانٍ، وإنَّما يَتأتَّى إذا كانَ الصَرفُ مُقدَّرًا، أمَّا عند عَدمِ التَّقديرِ فلا فضْلَ؛ إذِ الغَلةُ مُستغرَقةٌ، قالَ في «الإنْصَاف»: وهو واضِحٌ، وقطعَ به في «المُنتَهى». وقالَ الشَّيخُ: إنْ عَلِمَ أنَّ رَيعَه يَفضلُ دائِمًا وجَبَ صَرفُه؛ لأنَّ بَقاءَه فَسادٌ له وإعطاؤُه -أي المُستحِقِّ- فوقَ ما قَدَّرَ له الواقفُ جائزٌ؛ لأنَّ تَقديرَه لا يَمنعُ استِحقاقَه، قالَ: ولا يَجوزُ لغَيرِ الناظرِ صَرفُ الفاضِلِ؛ لأنه افتِياتٌ على مَنْ له وِلايتُه، قلتُ: والظاهِرُ لا ضَمانَ كتَفرِقةِ هَديٍ وأُضحيةٍ.

стр. 7008

ومَن وقَفَ على ثَغرٍ فاختَلَّ الثَّغرُ صُرِفَ المَوقوفُ في ثَغرٍ مِثلِه؛ أخذًا مِنْ مَسألةِ بَيعِ الوَقفِ إذا خَرِبَ؛ إذِ المَقصودُ الأصليُّ هُنا الصَّرفُ إلى المَرابطِ، فإعمالُ شَرطِ الثَّغرِ المُعيَّنِ مُعطِّلٌ له، فوجَبَ الصَّرفُ إلى ثَغرٍ آخَرَ. قالَ في «التَّنقِيح»: وعلى قِياسِه مَسجدٌ ورِباطٌ ونَحوُهما، وهو ما صَرَّحَ به الحارِثيُّ. قالَ: والشَّرطُ قد يُخالَفُ للحاجةِ كالوَقفِ على المُتفقِّهِ على مَذهبٍ مُعيَّنٍ، فإنَّ الصَّرفَ يَتعيَّنُ عندَ عَدمِ المُتفقِّهةِ على ذلكَ المَذهبِ إلى المُتفقِّهةِ على مَذهبٍ آخَرَ؛ أخذًا مِنْ مَسألةِ بَيعِ الوقفِ إذا خَرِبَ. قالَ: ولو وقَفَ على مَسجدٍ أو حَوضٍ وتَعطَّلَ الانتفاعُ بهمَا صُرِفَ إلى مِثلِهما، ولو نذَرَ التَّصدقَ بمالٍ في يَومٍ مَخصوصٍ مِنْ السَّنةِ وتَعذَّرَ فيهِ وجَبَ متى أمكَنَ، ونَصَّ أحمدُ فيمَن وقَفَ على قَنطرةٍ فانحَرفَ الماءُ أو انقَطعَ يُرصَدُ، لعَلَّه -أي الماء- يَرجعُ فيَحتاجونَ إلى القَنطرةِ، وقَدَّمَ الحارِثيُّ: يُصرَفُ إلى قَنطرةٍ أُخرى؛ لِما تقدَّمَ (١). وجاءَ في «المِعيار المُعرب» في سُؤالٍ وُجِّهَ إلى الأُستاذِ أبي سَعيدٍ فَرجِ ابنِ لُبٍّ مَفادُه: هل يَجوزُ صَرفُ الأحباسِ التي لا يُعلَمُ مَصرِفُها في أبوابِ الخيرِ؟

стр. 7009

فأجابَ: إذا كانَتِ الأحباسُ المَعلومةُ المَصرِفِ قد قيلَ بجَوازِ صَرفِ فائِدِها- أي فاضِلِها- في غيرِ مَصرِفِها ممَّا هو داخِلٌ في بابِ الخيرِ وسُبلِ البِرِّ، فكيفَ بالأحباسِ التي لا يُعلَمُ مَصرِفُها؟! وقَعَ في «نَوازِل ابنِ جابرٍ» ما نَصُّه: خفَّفَ مُحمدُ بنُ إسحاقَ في تَصريفِ الأحباسِ بَعضِها في بَعضٍ. وقد فعَلَ ذلكَ غَيرُه مِنْ القُضاةِ بقُرطُبةَ، وهو قَولُ ابنِ حَبيبٍ في كِتابِ الحَبسِ مِنْ «واضِحتِه»، وفي ذلكَ اختِلافٌ، وذكَرَ ابنُ سَهلٍ في «نَوازلِه» نحوَ ذلكَ عن بَعضِ الشُّيوخِ أنه لا حرَجَ في صَرفِ فَوائدِ الأحباسِ بَعضِها في بَعضٍ، ولا بَأسَ بما هو للهِ أنْ يُصرَفَ فيما هو للهِ (١). وسُئِلَ ابنُ الماجَشونِ في أرضٍ مُحبَّسةٍ لدَفنِ المَوتى فضاقَتْ بأهلِها فمَلَؤوها ويُدفَنونَ في غَيرِها فلا يُدفَنُ فيها إلَّا الفاد وبِجانبِها مَسجدٌ ضاقَ بأهلِه، فأرادُوا أنْ يُوسِعوا فيهِ منها فذلكَ جائِزٌ، وذلكَ حَبسٌ كلُّه، لا بَأسَ أنْ يُصرفَ بَعضُه في بَعضٍ، قالَ أصبَغُ عن ابنِ القاسِمِ في مَقبرةٍ عَفَتْ: لا بَأسَ أنْ يُبنى فيها مَسجدٌ، وكلُّ ما كانَ للهِ فلا بَأسَ أنْ يُستعانَ ببَعضِه في بَعضٍ (٢). وقالَ الإِمامُ القَرافِيُّ ﵀: أرزاقُ المَساجدِ والجَوامعِ يَجوزُ أنْ تُنقلَ عن جِهاتِها إذا تَعطَّلتْ أو وُجِدتْ جِهةٌ هي أَولى بمَصلحةِ المُسلمينَ مِنْ الجِهةِ الأُولى ولو كانَتْ وَقفًا أو إجارةً؛ لتَعذُّرِ ذلكَ فيها؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَجوزُ تَغييرُه، والوَفاءُ بعَقدِ الإجارةِ واجِبٌ (٣).

стр. 7010

حُكمُ انتِزاعِ مِلكيَّةِ الوَقفِ للمَصلحةِ العامَّةِ: المَصلحةُ العامَّةُ: هي المَنفعةُ التي يَنتفعُ بها عامَّةُ الناسِ وتَسُدُّ حاجَتَهم في مَجالٍ مُعيَّنٍ، كإقامةِ المَساجدِ والمَقابرِ والطُّرقِ والآبارِ ونَحوِ ذلكَ. فإذا احتاجَ الناسُ أخْذَ وَقفٍ ما وتَحويلَه عن كَونِه وَقفًا في المَجالِ الذي أرادَهُ الواقفُ إلى مَجالٍ مِنْ مَجالاتِ الانتفاعِ العامِّ، كأنْ يَحتاجَ الناسُ إلى تَوسِعةِ مَسجدٍ أو تَوسِعةِ طَريقٍ أو مَقبرةٍ، ويَكونُ ذلكَ على حِسابِ وَقفٍ لجِهةٍ مُعيَّنةٍ أو لأفرادٍ، فيُضطَرُ إمامُ المُسلِمينَ إلى انتِزاعِ مِلكيةِ هذا الوَقفِ بثَمنِه، ومِن ثَمَّ يَدخلُ هذا الوَقفُ في المَسجدِ أو في تَوسِعةِ الطَّريقِ أو المَقبرةِ أو نَحوِ ذلكَ. والأصلُ أنه لا يَجوزُ انتِزاعُ مِلكيَّةِ الوَقفِ إلَّا في حالاتٍ مُعيَّنةٍ وللضرورةِ أوِ الحاجةِ ذكَرَها الفُقهاءُ. وقد نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ على جَوازِ انتِزاعِ مِلكيةِ الوَقفِ للمَصلحةِ العامَّةِ؛ لِما ورَدَ عن الصَّحابةِ ﵃ أنهُم لمَّا ضاقَ المَسجدُ الحَرامُ أخَذُوا أرضَينِ بكُرهٍ مِنْ أصحابِها بالقِيمةِ، وزادُوا في المَسجدِ الحَرامِ (١). قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀ في الدُّورِ التي كانَتْ حَولَ مَسجدِه ﷺ وهي مُحبَّسةٌ إنها اشتُرِيتْ وزِيدَتْ فيهِ (٢).

стр. 7011

ولأنَّ النَّفعَ العامَّ كنَفعِ المَسجدِ والمَقبرةِ والطَّريقِ أكثَرُ مِنْ نَفعِ الوَقفِ، فهو قَريبٌ لغَرضِ الواقفِ (١). قالَ الحَنفيةُ: ولو ضاقَ المَسجدُ وبجَنبِه أرضُ وَقفٍ عليه أو حانوتٌ جازَ أنْ يُؤخذَ ويُدخلَ فيهِ، ولو كانَ مِلكَ رَجلٍ أُخِذَ بالقيمةِ كَرهًا، فلو كانَ طَريقًا للعامةِ أُدخِلَ بَعضُه، بشَرطِ ألَّا يَضُرَّ بالطريقِ، وفي كِتابِ الكَراهِيةِ مِنْ «الخُلاصَة» عن الفَقيهِ أبي جعفرٍ عن هِشامٍ عن مُحمدٍ أنه يَجوزُ أنْ يُجعلَ شيءٌ مِنْ الطَّريقِ مَسجدًا، أو يُجعلَ شيءٌ مِنْ المَسجدِ طَريقًا للعامَّةِ. اه، يَعني إذا احتاجُوا إلى ذلكَ (٢). وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: قَولُه: (وإنْ جُعِلَ شيءٌ مِنْ الطريقِ مَسجدًا صَحَّ كعَكسِه) يَعني: إذا بَنى قَومٌ مَسجدًا واحتاجوا إلى مَكانٍ ليَتَّسعَ فأدخَلُوا شيئًا مِنْ الطَّريقِ ليَتَّسعَ المَسجدُ وكانَ ذلكَ لا يَضرُّ بأصحابِ الطَّريقِ جازَ ذلكَ، وكذا إذا ضاقَ المَسجدُ على الناسِ وبجَنبِه أرضٌ لرَجلٍ تُؤخذُ أرضُه بالقيمَةِ كَرهًا؛ لِما رُويَ عن الصَّحابةِ ﵃ لمَّا ضاقَ المَسجدُ الحَرامُ أخَذُوا أرضَينِ بكُرهٍ مِنْ أصحابِها بالقِيمةِ، وزادوا في المَسجدِ الحَرامِ. ومعنَى قَولِه: (كعَكسِه): أنه إذا جعَلَ في المَسجدِ مَمرًّا فإنه يَجوزُ؛ لتَعارُفِ أهلِ الأمصارِ في الجَوامعِ، وجازَ لكُلِّ أحَدٍ أنْ يَمُرَّ فيهِ حتى الكافِرُ،

стр. 7012

إلا الجُنبَ والحائِضَ والنُّفساءَ؛ لِما عُرِفَ في مَوضِعِه، وليسَ لهم أنْ يُدخِلوا فيهِ الدَّوابَّ، كذا ذكَرَه الشارِحُ ﵀. وفي «الخانِيَّة»: طريقٌ للعامَّةِ وهي واسِعةٌ فبَنَى فيه أهلُ المَحلَّةِ مَسجدًا للعامَّةِ ولا يَضُرُّ ذلكَ بالطريقِ، قالوا: لا بَأسَ به، وهكذا رُويَ عن أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ الطَّريقَ للمُسلمينَ، والمَسجدُ لهُم أيضًا، وإنْ أرادَ أهلُ المَحَلَّةِ أنْ يُدخِلوا شيئًا مِنْ الطَّريقِ في دُورِهم وذلكَ لا يَضرُّ بالطريقِ لا يَكونُ لهُم ذلكَ، ولأهلِ المَحلَّةِ تَحويلُ بابِ المَسجدِ مِنْ مَوضعٍ إلى مَوضعٍ آخَرَ. قَومٌ بَنَوا مَسجدًا واحتاجوا إلى مَكانٍ ليَتَّسعَ المَسجدُ، فأخَذُوا مِنْ الطريقِ وأدخَلُوهُ في المَسجدِ، إنْ كانَ ذلكَ يَضرُّ بالطَّريقِ لا يَجوزُ، وإلَّا فلا بَأسَ به. ولو ضاقَ المَسجدُ على الناسِ وبجَنبِه أرضٌ لرَجلٍ تُؤخَذُ أرضُه بالقِيمةِ كَرهًا، ولو كانَ بجَنبِ المَسجدِ أرضُ وَقفٍ على المَسجدِ فأرادُوا أنْ يَزيدوا شَيئًا في المَسجدِ مِنْ الأرضِ جازَ ذلكَ بأَمرِ القاضِي. اه (١). وجاءَ في «الدُّر المُختَار»: (جُعِلَ شَيءٌ) أي: جعَلَ الباني شيئًا (مِنْ الطريقِ مَسجدًا) لضِيقِه ولم يَضُرَّ بالمارِّينَ (جازَ)؛ لأنهما للمُسلِمينَ (كعَكسِه) أي: كجَوازِ عَكسِه، وهو ما إذا جُعِلَ في المَسجدِ مَمَرٌّ لتَعارُفِ

стр. 7013

أهلِ الأمصارِ في الجَوامعِ، وجازَ لكلِّ أحَدٍ أنْ يَمرَّ فيهِ حتى الكافِرُ، إلا الجُنبَ والحائِضَ والدَّوابَّ، زَيلَعِيٌّ، (كما جازَ جَعلُ) الإمامِ (الطَّريقَ مَسجدًا، لا عَكسُه)؛ لجَوازِ الصلاةِ في الطريقِ لا المُرورِ في المَسجدِ، (تُؤخذُ أرضٌ) ودارٌ وحانوتٌ (بجَنبِ مَسجدٍ ضاقَ على الناسِ بالقيمَةِ كَرهًا) «دُرَرٌ» و «عِمادِيةٌ». وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀ في حاشِيَتِه «رَد المُحتارِ على الدُّرِّ المُختارِ»: مَطلبٌ في جَعلِ شيءٍ مِنْ المَسجدِ طَريقًا: قَولُهُ: (مِنَ الطَّريقِ) أطلَقَ في الطَّريقِ، فعَمَّ النافِذَ وغيرَه، وفي عِبارتِهم ما يُؤيِّدُه، (ط)، وتَمامُه فيهِ. قَولُه: (لضِيقِه ولم يَضُرَّ بالمارِّينَ) أفادَ أنَّ الجَوازَ بهذَينِ الشَّرطَينِ (ط). قَولُه: (جازَ) ظاهِرُه أنه يَصيرُ له حُكمُ المَسجدِ، وقد قالَ في «جامِع الفُصولَيْنِ»: المَسجدُ الذي يُتَّخذُ مِنْ جانِبِ الطريقِ لا يَكونُ له حُكمُ المَسجدِ، بل هو طَريقٌ، بدَليلِ أنه لو رفَعَ حَوائِطَه عادَ طَريقًا كما كانَ قبلَه. اه «شُرنبُلاليةٌ». قلتُ: الظاهِرُ أنَّ هذا في مَسجِدٍ جُعِلَ كلُّه مِنْ الطَّريقِ، والكَلامُ فيما أُدخِلَ مِنْ الطريقِ في المَسجدِ، وهذا لا مانِعَ مِنْ أخذِه حُكمَ المَسجدِ حَيثُ جُعِلَ منه، كمَسجدِ مَكةَ والمَدينةِ، وقد مَرَّ قُبيلَ الوِترِ والنَّوافلِ في بَحثِ أحكامِ المَسجدِ أنَّ ما أُلحِقَ بمَسجدِ المَدينةِ مُلحَقٌ به في الفَضيلةِ، نعم تَحرِّي الأوَّلِ أَولَى. اه، فافهَمْ.

стр. 7014

قولُه: (كعَكسِه) فيهِ خلافٌ كما يَأتي تَحريرُه، وهذا عندَ الاحتِياجِ كما قَيَّدَه في «الفَتح»، فافهَمْ. قولُه: (لتَعارُفِ أهلِ الأمصارِ في الجَوامعِ) لا نَعلمُ ذلكَ في جَوامعِنا. نعمْ، تَعارَفَ الناسُ المُرورَ في مَسجدٍ له بابانِ، وقد قالَ في «البَحر»: وكذا يُكرَهُ أنْ يُتَّخذَ المَسجدُ طَريقًا وأنْ يَدخلَه بلا طَهارةٍ. اه نعم، يُوجَدُ في أطرافِ صَحنِ الجَوامِعِ رِواقاتٌ مَسقوفةٌ للمَشيِ فيها وَقتَ المَطرِ ونَحوِه لأجلِ الصلاةِ أو للخُروجِ مِنْ الجامِعِ، لا لمُرورِ المارِّينَ مُطلَقًا كالطريقِ العامِّ، ولعَلَّ هذا هو المُرادُ، فمَن كانَ له حاجةٌ إلى المُرورِ في المَسجدِ يَمُرُّ في ذلكَ المَوضعِ فقط، ليكونَ بَعيدًا عن المُصلِّينَ وليَكونَ أعظَمَ حُرمةً لمَحَلِّ الصلاةِ، فتَأمَّلْ. قولُه: (حتى الكافِرُ) اعتُرِضَ بأنَّ الكافِرَ لا يُمنَعُ مِنْ دُخولِ المَسجدِ حتى المَسجد الحَرامِ، فلا وَجهَ لجَعلِه غايةً هُنا. قلتُ: في «البَحر» عن «الحاوي»: ولا بَأسَ أنْ يَدخل الكافِرُ وأهلُ الذِّمةِ المَسجدَ الحَرامَ وبَيتَ المَقدِسِ وسائرَ المَساجِدِ لمَصالحِ المَسجدِ وغَيرِها مِنْ المهمَّاتِ. اه ومَفهومُه أنَّ في دُخولِه لغَيرِ مهمَّةٍ بَأسًا، وبه يَتَّجهُ ما هُنا، فافهَمْ. قولُه: (كما جازَ … إلخ) قالَ في «الشُّرنبُلالية»: فيه نَوعُ استِدراكٍ بما تقدَّمَ، إلا أنْ يُقالَ ذاكَ في اتِّخاذِ بَعضِ الطريقِ مَسجدًا، وهذا في اتِّخاذِ جَميعِها، ولا بُدَّ مِنْ تَقييدِه بما إذا لم يَضُرَّ كما تقدَّمَ، ولا شَكَّ أنَّ الضَّررَ

стр. 7015

ظاهِرٌ في اتِّخاذِ جَميعِ الطريقِ مَسجدًا؛ لإبطالِ حقِّ العامَّةِ مِنْ المُرورِ المُعتادِ لدَوابِّهم وغَيرِها، فلا يُقالُ به إلا بالتَّأويلِ، بأنْ يُرادَ بَعضُ الطريقِ لا كلُّه، فليُتأمَّلْ. اه وأُجيبَ بأنَّ صُورتَه ما إذا كانَ لمَقصدٍ طَريقانِ واحتاجَ العامَّةُ إلى مَسجدٍ فإنه يَجوزُ جَعلُ أحَدِهم مَسجدًا وليسَ فيه إبطالُ حقِّهِم بالكُلِّيةِ. قولُه: (لا عَكسُه) يَعني: لا يَجوزُ أنْ يُتَّخذَ المَسجدُ طَريقًا، وفيهِ نَوعُ مُدافَعةٍ لِما تقدَّمَ، إلا بالنَّظرِ للبَعضِ والكلِّ. «شُرنبُلالية». قلتُ: إنَّ المُصنِّفَ قد تابَعَ صاحِبَ «الدُّرَر» مع أنه في «جامِع الفُصولَيْنِ» نقَلَ أولًا: جعَلَ شيئًا مِنْ المَسجدِ طَريقًا ومِن الطَّريقِ مَسجدًا جازَ، ثمَّ رمَزَ لكِتابٍ آخَرَ: لو جعَلَ الطريقَ مَسجدًا يَجوزُ لا جَعلُ المَسجدِ طَريقًا؛ لأنه لا تَجوزُ الصلاةُ في الطريقِ، فجازَ جَعلُه مَسجدًا، ولا يَجوزُ المُرورُ في المَسجدِ، فلم يَجُزْ جَعلُه طَريقًا. اه ولا يَخفَى أنَّ المُتبادَرَ أنهما قَولانِ في جَعلِ المَسجدِ طَريقًا بقَرينةِ التَّعليلِ المَذكورِ، ويُؤيِّدُه ما في «التَّتارخانِية» عن فتاوى أبي اللَّيثِ: وإنْ أرادَ أهلُ المَحَلَّةِ أنْ يَجعلوا شيئًا مِنْ المَسجدِ طَريقًا للمُسلمينَ فقدْ قيلَ: ليسَ لهم ذلكَ وأنهُ صَحيحٌ، ثمَّ نُقلَ عن «العَتَّابية» عن «خُوَاهر زادَه» إذا كانَ الطريقُ ضَيِّقًا والمَسجدُ واسِعًا لا يَحتاجونَ إلى بَعضِه تَجوزُ الزيادةُ في الطريقِ مِنْ المَسجدِ؛ لأنَّ كُلَّها للعامَّة. اه

стр. 7016

والمُتونُ على الثاني، فكانَ هو المُعتمَدَ، لكنْ كَلامُ المُتونِ في جَعلِ شيءٍ منه طَريقًا، وأمَّا جَعلُ كلِّ المَسجدِ طَريقًا فالظاهِرُ أنه لا يَجوزُ قَولًا واحِدًا، نعم في «التَّتارْخانِية»: سُئلَ أبو القاسِمِ عن أهلِ مَسجدٍ أرادَ بَعضُهم أنْ يَجعلُوا المَسجدَ رَحبةً والرَّحبةَ مَسجدًا، أو يَتَّخِذوا له بابًا أو يُحوِّلوا بابَه عن مَوضِعِه وأبَى البَعضُ ذلكَ، قالَ: إذا اجتَمعَ أكثَرُهم وأفضَلُهم ليسَ للأقلِّ مَنعُهم. اه قُلتُ: ورَحبةُ المَسجدِ: ساحَتُه، فهذا إنْ كانَ المُرادُ به جعْلَ بَعضِه رَحبةً فلا إشكالَ فيهِ، وإنْ كانَ المُرادُ جعْلَ كلِّه فليسَ فيهِ إبطالُه مِنْ كُلِّ جِهةٍ؛ لأنَّ المُرادَ تَحويلُه بجَعلِ الرَّحبةِ مَسجدًا بدَلَه، بخِلافِ جَعلِه طَريقًا، تأمَّلْ. ثمَّ ظاهِرُ ما نقَلْناهُ أنَّ تَقييدَ الشارحِ أولًا بالباني وثانيًا بالإمامِ غَيرُ قَيدٍ؛ نعمْ في «التَّتارخانِية»: وعن مُحمدٍ في مَسجدٍ ضاقَ بأهلِه لا بَأسَ بأنْ يُلحَقَ به مِنْ طَريقِ العامَّةِ إذا كانَ واسِعًا، وقيلَ: يَجبُ أنْ يَكونَ بأمرِ القاضي، وقيلَ: إنَّما يَجوزُ إذا فُتِحَتِ البَلدةُ عُنوةً لا صُلحًا (١). وقد نَصَّ المالِكيةُ على جَوازِ بَيعِ الوَقفِ وانتِزاعِه ممَّن وُقِفَ عليهِم، سَواءٌ كانَ على مُعيَّنٍ أو جِهةٍ عامَّةٍ، قالوا: لا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ إلا في ثَلاثِ حالاتٍ ولو غيرَ خَرِبٍ:

стр. 7017

١ - لتَوسيعِ مَسجدٍ إذا ضاقَ المَسجدُ بأهلِه واحتاجَ إلى تَوسِعةٍ وبجانِبِه عَقارٌ حَبسٌ أو مِلكٌ، فإنه يَجوزُ بَيعُ الحَبسِ لأجلِ تَوسِعةِ المَسجدِ. ٢ - وتَوسِعةِ طَريقِ المُسلمينَ. ٣ - وتَوسيعِ مَقبرةٍ للمُسلمينَ؛ لأنه نَفعٌ عامٌّ للمُسلمينَ، ونَفعُ ذلكَ أعَمُّ مِنْ بَيعِ الدارِ المُحبَّسةِ، وسَواءٌ كانَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ أو غيرِ مُعيَّنٍ … وإنْ أبَى صاحِبُ الحَبسِ أو الناظِرُ أو صاحِبُ المِلكِ عن بَيعِ ذلكَ فالمَشهورُ أنهم يُجبَرونَ على بَيعِ ذلكَ. وإذا باعَ أربابُ الدُّورِ المُحبَّسةِ لأجلِ تَوسِعةِ المَسجدِ أو المَقبرةِ أو الطَّريقِ فأخَذوا الثَّمنَ فإنهُم يُؤمَرونَ بأنْ يَجعلوهُ في حَبسٍ غيرِه (١). قالَ الخرشِيُّ عندَ قَولِ خَليلٍ: (ص): إلَّا لتَوسيعٍ كمَسجدٍ ولو جَبْرًا، (ش): تقدَّمَ أنَّ الحَبسَ لا يَجوزُ بَيعُه ولو صارَ خَرِبًا إلا العَقارَ، وفي هذه المَسألةِ وهيَ ما إذا ضاقَ المَسجدُ بأهلِه واحتاجَ إلى تَوسِعةٍ وبجانِبِه عقَارٌ حَبسٌ أو مِلكٌ فإنه يَجوزُ بَيعُ الحَبسِ لأجلِ تَوسِعةِ المَسجدِ، وإنْ أبَى صاحِبُ الحَبسِ أو صاحِبُ المِلكِ عن بَيعِ ذلكَ فالمَشهورُ أنهمْ يُجبَرونَ على بَيعِ ذلكَ، ويُشتَرى بثَمنِ الحَبسِ ما يُجعلُ حَبسًا كالأولِ، ومثلُ تَوسِعةِ المَسجدِ تَوسِعةُ

стр. 7018

طَريقِ المُسلمينَ ومَقبرتِهم، وأخَلَّ المُؤلِّفُ بتَقييدِ المَسجدِ بكَونِه للجَماعةِ، وظاهِرُه كانَ المَسجدُ مُتقدِّمًا أو مُتأخِّرًا، واحتَرزَ بقَولِه: كمَسجدٍ مِنْ المِيضأةِ. (ص): وأُمِروا بجَعلِ ثَمنِه لغيرِه، (ش): يَعني أنَّ العَقارَ الحَبسَ إذا بِيعَ لأجْلِ تَوسِعةِ مَسجدٍ أو طَريقٍ أو مَقبرةٍ كما مَرَّ فإنَّ ثمَنَه يُشترى به عَقارٌ مِثلُه يُجعلُ حَبسًا مَكانَه، وهل يُجبَرُ البائِعُ على البَدلِ أو لا يُجبرُ؟ فيه خِلافٌ، والمَشهورُ عَدمُ الجَبْرِ على جَعلِ الثَّمنِ في غَيرِهِ؛ لأنه لمَّا جازَ لهم البَيعُ اختَلَّ حُكمُ الوَقفيةِ المُتعلِّقةِ به، فقَولُه: «وأُمِروا» أي: المُحبَّسُ عليهم (١). وقالَ النَّفراويُّ في «الفَواكِه الدَّواني»: وكذا يَجوزُ بَيعُ الوَقفِ لتَوسِعةِ مَسجدِ الجُمعةِ، قالَ خَليلٌ: إلا لتَوسُّعٍ كمَسجدٍ، ويُؤجَّر ويُشتَرى بثَمنِه ما يُجعلُ حَبسًا كالأولِ، ومِثلُ تَوسِعةِ المَسجدِ تَوسِعةُ طَريقِ المُسلِمينَ ومَقبرتِهم، لأنَّ نفْعَ المَسجدِ والمَقبرةِ والطريقِ أكثَرُ مِنْ نَفعِ الوَقفِ، فهو قَريبٌ لغَرضِ الواقفِ، وأيضًا يُستبدلُ بالثَّمنِ خِلافُه، فإنِ امتَنعَ البائِعونَ مِنْ جَعلِ الثمنِ في مِثلِه لا يُقضَى عليهم بذلكَ على المُعتمَدِ، واختِلالُ أمرِ الوَقفِ يُحِلُّ بَيعَه، وهذا غَيرُ مُنافٍ لجَبرهِم على البَيعِ كما قالَه مالكٌ ﵁ في الدُّورِ التي كانَتْ حَولَ مَسجدِه ﷺ وهي مُحبَّسةٌ فإنها اشتُرِيتْ وزِيدَتْ فيهِ، وقيَّدْنا بمَسجدِ الجُمعةِ لإخراجِ غَيرِه، فلا يُباعُ الوَقفُ لتَوسِعتِه كما لا يُباعُ لتَوسِعةِ نحوِ المِيضأةِ (٢).

стр. 7019

وأمَّا الحَنابلةُ فقالَ المِرداويُّ ﵀: ونقَلَ صالِحٌ: يَجوزُ نَقلُ المَسجدِ لمَصلحةِ الناسِ، وهو مِنْ المُفرَداتِ … وأطلَقَ في القاعِدةِ الثالثةِ والأربَعينَ بعدَ المِائةِ في جَوازِ إبدالِ الوَقفِ مع عِمارتِه رِوايَتينِ … وعنه: يَجوزُ شِراءُ دُورِ مَكةَ لمَصلحةٍ عامَّةٍ، قالَ في «الفُرُوع»: فيَتوجَّهُ هنا مِثلُه. قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ ﵀: جَوَّزَ جُمهورُ العُلماءِ تَغييرَ صُورتِه لمَصلحةٍ، كجَعلِ الدُّورِ حَوانيتَ، والحُكورةِ المَشهورةِ، فلا فرْقَ بينَ بناءٍ ببِناءٍ وعَرصةٍ بعَرصةٍ، هذا صَريحُ لَفظِه. وقالَ أيضًا فيمَن وقَفَ كُرومًا على الفُقراءِ يَحصلُ على جِيرانِها به ضَررٌ: يُعوَّضُ عنه بما لا ضرَرَ فيهِ على الجِيرانِ، ويَعودُ الأولُ مِلكًا والثاني وَقفًا. انتهى (١).

стр. 7020

فصل في أحكَامِ ناظِرِ الوَقفِ النَّظرُ على الوَقْفِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنه يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ في النَّظرِ على الوَقفِ، فإذا جعَلَ الواقفُ النَّظرَ لشَخصٍ مُعيَّنٍ -سَواءٌ كانَ رَجلًا أو امرَأةً- اتُّبعَ شَرطُه كسائرِ شُروطِه، و «لأنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ ﵁ جعَلَ وقْفَه تَليهِ حَفصةُ ما عاشَتْ، ثمَّ يَليهِ ذو الرَّأيِ مِنْ أهلِها» (١)، وفي وَقفِ عَليٍّ ﵁ شرَطَ النَّظرَ لابنِهِ الحَسنِ، ثمَّ لابنِه الحُسينِ ﵄، ولأنَّ مَصرِفَ الوَقفِ يُتَّبعُ فيهِ شَرطُ الواقفِ، فكذلكَ النَّظرُ (٢).

стр. 7021

اشتِراطُ الواقِفِ النَّظرَ لنَفْسِه: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو اشتَرطَ الواقفُ النَّظرَ لنَفسِه، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى جَوازِ أنْ يَشتَرطَ الواقفُ النَّظرَ لنَفسِه ويَكونُ له الوِلايةُ عليه؛ «لأنَّ عُمرَ ﵁ كانَ يَلي أمْرَ صَدَقتِه بنَفسِه، ثُمَّ جعَلَه إلى حَفصةَ تَليهِ ما عاشَتْ ثُمَّ يَليهِ أُولو الرَّأيِ مِنْ أهلِها» (١)، ولأنَّ المُتولِّيَ إنَّما يَستفيدُ الوِلايةَ مِنْ جِهتِه بشَرطِه، فيَستَحيلُ ألَّا يَكونَ له الوِلايةُ وغَيرُه يَستفيدُ الوِلايةَ منه، ولأنه أقرَبُ الناسِ إلى هذا الوَقفِ، فيَكونُ أَولى بوِلايتِه، كمَن اتَّخذَ مَسجدًا يَكونُ أَولَى بعِمارتِه ونَصبِ المُؤذِّنِ فيهِ، وكمَن أعتَقَ عَبدًا كانَ الوَلاءُ له؛ لأنه أقرَبُ الناسِ إليه (٢).

стр. 7022

وأمَّا المالِكيةُ فيُفرِّقونَ بينَ أنْ يَقفَ على مَحجورِه، كأنْ يَقفَ على صِغارِ وَلدِه أو مَنْ في حِجرِه أو على سَفيهٍ، فيَجوزُ أنْ يَشتَرطَ وِلايةَ الوَقفِ لنَفسِه. وأمَّا إذا وقَفَ على غيرِ مَحجورِه واشتَرطَ النَّظرَ على الوَقفِ لنَفسِه بطَلَ الوَقفُ؛ لأنَّ فيهِ تَحجيرًا (١). وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: المِثالُ السَّادسُ والأربَعونَ: إذا وقَفَ وَقفًا وجعَلَ النَّظرَ فيهِ لنَفسِه مدَّةَ حَياتِه ثُمَّ مِنْ بَعدِه لغيرِه صَحَّ ذلكَ عندَ الجُمهورِ، وهو اتِّفاقٌ مِنْ الصَّحابةِ، فإنَّ عمرَ ﵁ كانَ يَلي صَدَقتَه، وكذلكَ الخُلفاءُ الرَّاشِدونَ وغَيرُهم مِنْ الصَّحابةِ، والنبيُّ ﷺ لمَّا أشارَ على عُمرَ بوَقفِ أرضِه لم يَقُلْ له: «لا يَصحُّ ذلكَ حتى تُخرِجَها عن يَدِكَ ولا تَليَ نظَرَها»، وأيُّ غَرضٍ للشَّارعِ في ذلكَ وأيُّ مَصلحةٍ للواقِفِ أو للمَوقوفِ عليه؟! بل المَصلحةُ خِلافُ ذلكَ؛ لأنه أخبَرُ بمالِه وأقوَمُ بعِمارتِه ومَصالحِه وحِفظِه مِنْ الغَريبِ الذي ليسَتْ خِبرتُه وشَفقتُه كخِبرةِ صاحِبِه وشَفقتِه، ويَكفي في صِحةِ الوَقفِ إخراجُه عن مِلكِه وثُبوتُ نَظرِه ويَدِهِ عليه كثُبوتِ نَظرِ الأجنَبيِّ ويَدِه، ولا سِيَّما إنْ كانَ مُتبَرِّعًا، فأيُّ مَصلحةٍ في أنْ

стр. 7023

يُقالَ له: لا يَصحُّ وَقفُكَ حتى تَجعلَه في يَدِ مَنْ لستَ على ثِقةٍ مِنْ حِفظِه والقيامِ بمَصالحِه وإخراجِ نَظرِكَ عنه؟! فإنْ قيلَ: إخراجُه للهِ يَقتضي رفْعَ يَدِه عنهُ بالكُليةِ كالعِتقِ. قيلَ: بالعِتقِ خرَجَ العَبدُ عن أنْ يَكونَ مالًا، وصارَ مُحرَّرًا مَحضًا، فلا تَثبتُ عليه يَدُ أحدٍ، وأمَّا الوَقفُ فإنه لا بُدَّ مِنْ ثُبوتِ اليَدِ عليه لحِفظِه والقِيامِ بمَصالحِه، وأحَقُّ ما يَثبتُ عليه يَدُ أشفَقِ الناسِ عليه وأقوَمِهم بمَصالحِه، وثُبوتُ يَدِه ونَظرِه لا يُنافي وقْفَه للهِ؛ فإنه وقَفَه للهِ وجعَلَ نظَرَه عليه ويَدَهُ للهِ، فكِلاهُما قُربةٌ وطاعةٌ، فكيفَ يُحرَمُ ثَوابَ هذه القُربةِ ويُقالُ له: لا يَصِحُّ لكَ قُربةُ الوَقفِ إلَّا بحِرمانِ قُربةِ النَّظرِ والقِيامِ بمَصالحِ الوَقفِ؟! فأيُّ نَصٍّ وأيُّ قِياسٍ وأيُّ مَصلحةٍ وأَيُّ غَرضٍ للشارعِ أوجَبَ ذلكَ؟ بل أيُّ صاحِبٍ قالَ ذلكَ؟ فإنِ احتاجَ الواقفُ إلى ذلكَ في مَوضعٍ لا يُحكَمُ فيه إلَّا بقَولِ مَنْ يُبطِلُ الوَقفَ إذا لم يُخرجْه عن يَدِه وإذا شرَطَ النَّظرَ بنَفسِه، فالحِيلةُ في ذلكَ أنْ يُفوِّضَ النَّظرَ إلى مَنْ يَثقُ به ويَجعلَ إليه تَفويضَ النَّظرِ لمَن شاءَ، فيَقبَلُ الناظِرُ ذلكَ ويَصحُّ الوَقفُ ويَلزمُ، ثمَّ يُفوِّضُه الناظِرُ إليهِ، فإنه قد صارَ أجنَبيًّا بمَنزلةِ سائِرِ الناسِ، فهذه حِيلةٌ صَحيحةٌ يُتوصَّلُ بها إلى حقٍّ فهي جائِزةٌ، وكذلكَ لو جعَلَ النَّظرَ فيهِ للحاكِمِ ثُمَّ فَوَّضَه الحاكمُ إليه، فإنْ خافَ أنْ لا يُفوِّضَه الحاكِمُ إليه فلْيُملِّكْه لمَن يَثقُ به، ويَقفُه ذلكَ على ما يُريدُ المُملِّكُ، ويَشتَرطُ أنْ يَكونَ نَظرُه له وأنْ يَكونَ تَحتَ يَدِه (١).

стр. 7024

إذا لم يَشترِطِ الواقِفُ ناظِرًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا لم يَشترِطِ الواقفُ ناظِرًا على الوَقفِ، بأنْ أغفَلَ ذلكَ، لمَن يَكونُ النَّظرُ حِينئذٍ؟ الواقفُ إذا لم يَجعلْ لوَقفِه ناظِرًا: أ- إمَّا أنْ يَكونَ الوَقفُ على مُعيَّنٍ مالِكٍ لأمرِ نَفسِه أو جَمعٍ مَحصورٍ، فحِينئذٍ هو الذي يَحوزُه ويَتولَّاهُ؛ لأنه مِلكُه يَختصُّ بنَفعِه، فكانَ نَظرُه إليهِ كمِلكِه المُطلَقِ، فإنْ كانَ واحِدًا استَقلَّ به مُطلَقًا، وإنْ كانوا جَماعةً فهو بينَهُم على قَدرِ حِصَصِهم، وإنْ كانَ صَغيرًا أو نَحوَه قامَ وَليُّه مَقامَه، وبهذا قالَ المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ. وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ وهو احتِمالٌ للحَنابلةِ اختارَه ابنُ أبي موسى إلى أنَّ النَّظَرَ يَكونُ للقاضي أو الحاكِمِ؛ لأنَّ له النَّظرَ العامَّ، فكانَ أَولى بالنَّظرِ فيهِ، ولأنَّ المِلكَ في الوَقفِ للهِ تعالى. ب- وإلَّا بأنْ كانَ الوَقفُ على غيرِ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ والمَساكينِ والمَساجِدِ ونَحوِها، أو على مَنْ لا يُمكِنُ حَصرُهم واستيعابُهم، فالنَّظرُ فيهِ إلى الحاكِمِ أو نائِبِه؛ لأنه ليسَ له مالكٌ مُعيَّنٌ يَنظرُ فيهِ ويَتعلَّقُ به حقُّ المَوجودينَ ومَن يَأتي بَعدَهم، ففُوِّضَ الأمرُ فيهِ إلى الحاكِمِ، وللحاكِمِ أنْ يَستنيبَ فيه؛ لأنَّ الحاكِمَ لا يُمكنُه تَولِّي النَّظرِ بنَفسِه، وحِينئذٍ يَكونُ للحاكمِ أنْ يُقدِّمَ له مَنْ يَرتَضيه، وهذا مَذهبُ المالِكيةِ والحَنابلةِ.

стр. 7025

وفي قَولٍ ثالِثٍ للشافِعيةِ: يَكونُ لِلواقفِ (١). وأمَّا الحَنفيةٌ فاختَلفَ قَولُهم: فعندَ أبي يُوسفَ وهِلالٍ -وهو ظاهِرُ المَذهبِ عندَهُم- أنَّ الواقفَ إذا لم يَشترطِ الوِلايةَ لأحَدٍ تَكونُ الوِلايةُ له، ثمَّ لوَصيِّه إنْ كانَ، وإلَّا فللحاكِمِ. وإذا ماتَ الواقفُ ولم يَجعلْ وِلايتَه إلى أحَدٍ جعَلَ القاضي له قيِّمًا، ولا يَجعلُه مِنْ الأجانبِ ما دامَ يَجدُ مِنْ أهلِ بَيتِ الواقفِ مَنْ يَصلحُ لذلكَ، إمَّا لأنه أشفَقُ أو لأنَّ مِنْ قَصدِ الواقفِ نَسبةَ الوَقفِ إليهِ، وذلكَ فيما ذكَرْنا، فإنْ لم يَجدْ فمَن يَصلحُ مِنْ الأجانبِ، فإنْ أقامَ أجنَبيًّا ثمَّ صارَ مِنْ وَلدِه مَنْ يَصلحُ صرَفَه إليهِ. وإذا ماتَ المُتولِّي المَشروطُ له بعدَ الواقفِ فإنَّ القاضي يَنصِبُ غيرَه، وإذا ماتَ قبلَ الواقفِ فوِلايةُ النَّصبِ إلى الواقفِ. وعندَ مُحمدٍ: إذا شرَطَ الواقفُ الوِلايةَ لنَفسِه كانَتْ له، وإنْ لم يَشرطْ في ابتِداءِ الوَقفِ فليسَ له وِلايةٌ بعد التَّسليمِ؛ لأنَّ التَّسليمَ إلى المُتولِّي شَرطٌ

стр. 7026

لصِحةِ الوَقفِ عندَ مُحمدٍ، فلا تَبقى له وِلايةٌ بعد التَّسليمِ إلا أنْ يَشترطَ الوِلايةَ لنَفسِه. أمَّا على قَولِ أبي يُوسفَ فالتَّسليمُ إلى المُتولِّي ليسَ بشَرطٍ، فكانَتِ الوِلايةُ للواقِفِ وإنْ لم يَشترطِ الوِلايةَ لنَفسِه (١).

стр. 7027

شُروطُ الوالِي على الوَقفِ: ما يُشتَرطُ في ناظِرِ الوَقفِ: اشتَرطَ الفُقَهاء في ناظِرِ الوَقفِ عدَّةَ شُروطٍ، بَعضُها مُتفَقٌ عليها وبَعضُها مُختلَفٌ فيها. الشَّرطُ الأولُ: الإسلامُ: الوَقفُ إمَّا أنْ يَكونَ على مُسلمٍ أو جهةٍ إسلامِيةٍ، وإمَّا أنْ يَكونَ على ذِمِّيٍّ. الحالَةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الوَقفُ على مُسلمٍ أو جِهةٍ إسلامِيةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ في اشتِراطِ الإسلامِ في ناظِرِ الوَقفِ على مُسلمٍ أو جِهةٍ إسلامِيةٍ كالمَساجدِ والرِّباطِ ونَحوها، هل يُشترطُ فيهِ الإسلامُ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه يُشترطُ في ناظِرِ الوَقفِ على مُسلمٍ أو جِهةٍ إسْلامِيةٍ كالمَساجِدِ والمَدارسِ والرُّبُطِ ونَحوِها الإسلامُ؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ [النساء: ١٤١] (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنه لا يُشترطُ الإسلامُ في ناظِرِ الوَقفِ، فيَجوزُ أنْ يَكونَ الناظِرُ ذِميًّا.

стр. 7028

قالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: ولا تُشترطُ الحُرِّيةُ والإسلامُ للصِّحةِ؛ لِما في «الإسْعَاف»: ولو كانَ وَلدُه عَبدًا يَجوزُ قِياسًا واستِحسانًا؛ لأهليَّتِه في ذاتِه، بدَليلِ أنَّ تَصرُّفَه المَوقوفَ لحَقِّ المَولى يَنفذُ عليه بعدَ العِتقِ؛ لزَوالِ المانِعِ، بخِلافِ الصَّبيِّ، والذِّميُّ في الحُكمِ كالعَبدِ، فلو أخرَجَهما القاضي ثمَّ أُعتِقَ العَبدُ وأسلَمَ الذِّميُّ لا تَعودُ الوِلايةُ إليهما. اه (١). أَمَّا المالِكيةُ فلم أَقفْ لهم على قَولٍ في أنهُم اشتَرطوا شُروطًا في الناظِرِ غيرَ ما نقَلَه المَوَّاقُ عن ابنِ عَرفةَ قالَ: النَّظرُ في الحَبسِ لمَن جعَلَه إليهِ مُحبِّسُه. المُتيطيُّ: يَجعلُه لمَن يُوثَقُ به في دينِه وأمانتِه، فإنْ غفَلَ المُحبِّسُ عن ذلكَ كانَ النَّظرُ فيهِ للقاضي يُقدِّمُ له مَنْ يَرتضِيه، ويَجعلُ للقائِمِ به مِنْ كِرائِه ما يراهُ سَدادًا على حَسبِ اجتِهادِه. ابنُ عَرفةَ: فلو قَدَّمَ المُحبِّسُ مَنْ رَآهُ لذلكَ أهلًا فله عَزلُه واستِبدالُه (٢). الحالَةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الوَقفُ على غيرِ مُسلمٍ كذِميٍّ: اختَلفَ الفُقهاءُ أيضًا فيما لو كانَ الوَقفُ على غيرِ مُسلمٍ، كأنْ وقَفَ على ذِميٍّ، هل يُشترطُ في الواقفِ أنْ يَكونَ مُسلمًا أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه يُشترطُ أنْ يَكونَ الناظِرُ مُسلمًا ولو

стр. 7029

كانَ الوَقفُ على ذِميٍّ، قالَ قَليوبيٌّ: فلا يَصحُّ لذِميٍّ ولو مِنْ ذِميٍّ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنه لا يُشترطُ في الناظِرِ الإسلامُ إذا كانَ الوَقفُ على غيرِ مُسلمٍ، فيَجوزُ أنْ يَكونَ الناظِرُ ذِميًّا عَدلًا في دينِه (٢)، أمَّا عندَ الحَنفيةِ فلِأنهُم لا يَشترطونَ الإسلامَ في الناظِرِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ الوَقفُ على مُسلمٍ أم ذِميٍّ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: ويُشترطُ للصِّحةِ بُلوغُه وعَقلُه لا حُرِّيتُه وإسلامُه … (٣). وقالَ ابنُ حَجرٍ الهَيثميُّ ﵀: وقِياسُ ما يَأتي في الوَصيةِ والنِّكاحِ صِحةُ شَرطِ النَّظرِ لذِميٍّ عَدلٍ في دِينِه، أي: إنْ كانَ المُستحِقُّ ذِميًّا (٤). وقالَ الحَنابلةُ: فإنْ كانَ الوَقفُ على كافرٍ مُعيَّنٍ جازَ شَرطُ النَّظرِ فيه لكافرٍ، كما لو وقَفَ على أولادِه الكُفَّارِ وشرَطَ النَّظرَ لأحَدِهم أو غَيرِهم مِنْ الكُفَّارِ فيَصحُّ، كما في وَصيَّةِ الكافِرِ لكافِرٍ على كافِرٍ (٥).

стр. 7030

الشَّرطُ الثاني: العَدالةُ: اختَلفَ الفُقَهاءُ في الناظِرِ على الوَقفِ، هل يُشترطُ فيهِ العَدالةُ أم لا؟ فقيلَ: إنها شَرطُ صِحةٍ، كما هو قَولٌ للحَنفيةِ ومَذهبُ الشافِعيةِ. وقيلَ: إنها شَرطُ أَولوِيةٍ، كما هو ظاهِرُ مَذهبِ الحَنفيةِ. وقيلَ: إنها شَرطُ صِحةٍ ما لم يَكُنِ الناظِرُ هو المَوقوفَ عليه أو مَنصوبًا مِنْ قِبَلِ الواقفِ، كما هو قَولُ المالِكيةِ والحَنابلةِ على تَفصيلٍ عندَهُم. وقيلَ: إنها ليسَتْ شَرطًا مُطلَقًا إذا كانَتْ على مُعيَّنينَ، وهو قَولٌ ضَعيفٌ للشافِعيةِ. وبَيانُه على التَّفصيلِ الآتي: أمَّا الحَنفيةُ فاختَلَفوا هل العَدالةُ شَرطُ صِحةٍ؟ أم شَرطُ أَولوِيةٍ؟ على قَولينِ: الأولُ: أنَّ العَدالةَ شَرطُ صِحَّةٍ، قالَ في «الإسْعَاف»: لا يُوَلَّى إلَّا أمينٌ قادِرٌ بنَفسِه أو بنائِبِه؛ لأنَّ الوِلايةَ مُقيَّدةٌ بشَرطِ النَّظر، وليسَ مِنْ النَّظرِ تَولِيةُ الخائِنِ؛ لأنه يُخِلُّ بالمَقصودِ، وكذا تَولِيةُ العاجزِ؛ لأنَّ المَقصودَ لا يَحصلُ به، ويَستوي فيهِ الذَّكرُ والأُنثى، وكذا الأعمَى والبَصيرُ، وكذا المَحدودُ في قَذفٍ إذا تابَ؛ لأنه أمينٌ، ومَن طلَبَ التَّولِيةَ على الوَقفِ لا يُعطَى له، وهو كمَن طلَبَ القَضاءَ لا يُقلَّدُ (١).

стр. 7031

والقَولُ الثاني: أنَّ العَدالةَ شَرطُ أَولوِيةٍ، قالَ ابنُ نُجيمٍ وتَبِعَه ابنُ عابدِينَ: والظاهِر أنها شَرائطُ الأَولوِيةِ لا شَرائِطُ الصِّحةِ، وأنَّ الناظِرَ إذا فسَقَ استَحقَّ العَزلَ، ولا يَنعزِلُ؛ لأنَّ القَضاءَ أشرَفُ مِنْ التَّولِيةِ ويُحتاطُ فيهِ أكثَرَ مِنْ التَّولِيةِ، والعَدالةُ فيهِ شَرطُ الأولوِيةِ، حتى يَصحَّ تَقليدُ الفاسِقِ، وإذا فسَقَ القاضي لا يَنعزِلُ على الصَّحيحِ المُفتى به، فكذا الناظِرُ، ويُقرَأُ «يُخْرَجُ» في عِبارةِ ابنِ الهُمامِ بالبِناءِ للمَجهولِ، أي: يَجبُ إخراجُه ولا يَنعزلُ (١). وقالَ المَرغِينانِيُّ ﵀: ولو أنَّ الواقفَ شرَطَ وِلايتَه لنَفسِه وكانَ الواقفُ غيرَ مَأمونٍ على الوَقفِ فللقاضي أنْ يَنزعَها مِنْ يَدِه نَظرًا للفُقراءِ، كما له أنْ يُخرجَ الوَصيَّ نَظرًا للصِّغارِ، وكذا إذا شرَطَ أنْ ليس لسُلطانٍ ولا لقاضٍ أنْ يُخرجَها مِنْ يَدِه ويُولِّيَها غيرَه؛ لأنه شَرطٌ مُخالِفٌ لحُكمِ الشَّرعِ فبطَلَ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنفيةُ في أحَدِ القَولينِ-كما تَقدَّمَ- إلى أنه يُشترطُ في الناظِرِ على الوَقفِ العَدالةُ الظاهِرةُ والباطِنةُ، سَواءٌ كانَ مَنصوبَ الواقفِ أو الحاكِمِ على ما قالَه الأذرَعيُّ ورجَّحَه ابنُ حَجرٍ والرَّمليُّ وإنْ كانَ هو الواقفَ؛ لأنَّ النَّظرَ وِلايةٌ على الغَيرِ، فاشتُرِطَ فيه العَدالةُ كما في الوَصيِّ والقيِّمِ، فيُعزَلُ بالفِسقِ المُحقَّقِ، بخِلافِ نَحوِ كَذبٍ أمكَنَ أنَّ له فيهِ عُذرًا، وإذا انعَزلَ بالفِسقِ فالنَّظرُ للحاكِمِ. ولا فرْقَ في ذلكَ بينَ الجِهاتِ العامَّةِ والأشخاصِ المُعيَّنينَ الرُّشداءِ.

стр. 7032

وقالَ السُّبكيُّ: يَنبغِي أنْ يُكتفَى في مَنصوبِ الحاكِمِ بالعَدالةِ الظاهِرةِ، ورَجَّحَه الخَطيبُ الشِّربينيُّ. وقالَ الدَّميريُّ: ولو كانَ لشَخصٍ النَّظرُ على أماكِنَ فأثبَتَ أهلِيتَهُ في مَكانٍ ثبَتَ في باقي الأماكِنِ مِنْ حيثُ الأمانةُ، ولا يَثبتُ مِنْ حيثُ الكِفايةُ، إلا أنْ تَثبتَ أهلِيتُه في سائِرِ الوَقفِ، قالَه ابنُ الصَّلاحِ، وهو ظاهِرٌ إذا كانَ الباقي فوقَ ما أثبَتَ أهلِيتَه فيهِ أو مثلَه بكَثرةِ مَصارِفِه وأعمالِه، فإنْ كانَ قَليلًا فلا. ولو فسَقَ الناظِرُ ثمَّ عادَ عَدلًا عادَتْ وِلايتُه إنْ كانَتْ له بشَرطِ الواقفِ وإلَّا فلا، كذا أَفتَى به المُصنِّفُ، وقالَ الإمامُ: هو كفِسقِ الوَصيِّ، ومُقتَضاهُ عَدمُ عَودِ الوِلايةِ. ولو فوَّضَ النَّظرَ إلى مُتصِفٍ بالعَدالَةِ والكِفايةِ فاختَلَّتْ إحداهُما ونزَعَ الحاكِمُ الوَقفَ منه قالَ ابنُ الرِّفعةِ: يُشبِهُ أنْ يَنزعَه لمَن يَستحِقُّ النَّظرَ بعدَه؛ تَنزيلًا لخُروجِه عن الأهلِيةِ مَنزلةَ المَوتِ، كما تَنتقلُ وِلايةُ النِّكاحِ إلى الأبعَدِ بفِسقِ الأقرَبِ، فإنْ عادَتِ الأهلِيةُ عادَتِ الوِلايةُ (١). وذهبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العَدالةَ شَرطٌ إذا كانَ الناظِرُ مَنصوبًا مِنْ قِبَلِ القاضي أو مِنْ قِبلِ الواقفِ، قالوا: النَّظرُ في الحَبسِ لمن جعَلَه إليه مُحبِّسُه،

стр. 7033

يَجعلُه لمَن يَثقُ به في دِينِه، فإنْ غفَلَ المُحبِّسُ عن ذلكَ كانَ النَّظرُ فيهِ للحاكِمِ يُقدِّمُ له مَنْ يَرتضيهِ، هذا إذا لم يَكنِ المُحبَّسُ عليه مُعيَّنًا مالِكًا أمْرَ نَفسِه. وأمَّا إنْ كانَ مالِكًا أمْرَ نَفسِه ولم يُوَلِّ المُحبِّسُ على حَبسِه أحَدًا فهو الذي يَجوزُ ويَتولَّاهُ. والناظِرُ على الحَبسِ إذا كانَ سَيِّئَ النَّظرِ غيرَ مَأمونٍ فإنَّ القاضيَ يَعزلُه، إلَّا أنْ يَكونَ المُحبَّسُ عليه مالِكًا أمْرَ نَفسِه ويَرضَى به ويَستمرُّ. وقالَ القَرافِيُّ: القاضي لا يَعزِلُ ناظِرًا إلا بجُنحةٍ، وللواقِفِ عَزلُه ولو بغَيرِ جُنحةٍ (١). وقالَ الحَنابلةُ: متى كانَ النَّظرُ للمَوقوفِ عليه إمَّا بجَعلِ الواقفِ ذلكَ له أو لكَونِه أحَقَّ بذلكَ عند عَدمِ ناظِرٍ سِواهُ وكانَ واحِدًا مُكلَّفًا رَشِيدًا فهو أحَقُّ بذلكَ، رَجلًا كانَ أو امرَأةً، عَدلًا كانَ أو فاسِقًا؛ لأنه يَنظرُ لنَفسِه، فكانَ له ذلكَ في هذه الأحوالِ كمِلكِه المُطلَقِ، ويُحتملُ أنْ يُضَمَّ إلى الفاسِقِ أمينٌ؛ حِفظًا لأصلِ الوَقفِ عن البَيعِ أو التَّضييعِ. وإنْ كانَ الوَقفُ لجَماعةٍ رَشيدينَ فالنَّظرُ للجَميعِ لكُلِّ إنسانٍ في نَصيبِه، وإنْ كانَ المَوقوفُ عليه غيرَ رَشيدٍ إمَّا لصِغرٍ أو سَفهٍ أو جُنونٍ قامَ وَليُّه في النَّظرِ مَقامَه، كما يَقومُ مَقامَه في مالِه المُطلَقِ.

стр. 7034

وإنْ كانَ النَّظرُ لغَيرِ المَوقوفِ عليه بأنْ وقَفَ على الفُقراءِ أو وَلَّى الحاكِمُ ناظِرًا مِنْ غَيرِهم، أو كانَ النَّظرُ لبَعضِ المَوقوفِ عليهم وكانَتْ وِلايتُه مِنْ حاكِمٍ، بأنْ كانَ وَقفٌ على الفُقراءِ أو و وَلَّى الحاكِمُ مِنهم ناظِرًا عليه، أو مِنْ ناظِرٍ أصليٍّ، فلا بُدَّ مِنْ شَرطِ العَدالةِ فيهِ؛ لأنها وِلايةٌ على مالٍ، فاشتُرطَ لها العَدالةُ كالوِلايةِ على مالِ اليَتيمِ. فإنْ لم يَكُنِ الأجنَبيُّ المَولَّى مِنْ حاكِمٍ أو ناظِرٍ أصليٍّ عَدلًا لم تَصحَّ وِلايتُه؛ لفَواتِ شَرطِها وهو العَدالةُ، وأُزيلَتْ يَدُه عن الوَقفِ؛ حِفظًا له. وإنْ تَولَّى الأجنَبيُّ وهو عَدلٌ ثمَّ فسَقَ عُزِلَ؛ لأنها وِلايةٌ على حقِّ غَيرِه، فنَافاها الفِسقُ، ولأنَّ ما منَعَ التَّولِيةَ ابتِداءً منَعَها دَوامًا. فإنْ عادَ إلى أهلِيتِه عادَ حقُّه مِنْ النَّظرِ المَشروطِ له، كما لو صرَّحَ الواقفُ بأنه إذا عادَ إلى أهليَّتِه عادَ حقُّه كالمَوصوفِ بأنْ قالَ: النَّظرُ للأرشَدِ ونحوَه، فإذا زالَ هذا الوَصفُ عنه أُزيلَتْ يَدُه، فإنْ عادَ عادَ حقُّه. ويَتَّجهُ أنه إذا عادَ إلى أهليَّتِه يُعادُ إلى النَّظرِ ما لم يُقرِّرِ الحاكِمُ شَخصًا غيرَه قبلَ عَودِه، فإنْ قرَّرَه قبلَ عَودِه لم يَكنْ له إزالَتُه بدونِ مُوجِبٍ شَرعيٍّ؛ لمُصادَفةِ تَقريرِه مَحلَّه. وإنْ وَلَّاهُ -أي الأجنَبيَّ- الواقفُ أو شرَطَه له وهو -أي الأجنَبيُّ- فاسِقٌ أو وهو عَدلٌ ثُمَّ فسَقَ يُضَمُّ إليهِ أمينٌ لحِفظِ الوَقفِ، ولم تُزَلْ يَدُه؛ لأنه أمكَنَ الجَمعُ بينَ الحَقَّينِ.

стр. 7035

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتمَلُ ألَّا يَصحَّ تَوليَتُه، وأنه يَنعزِلُ إذا فسَقَ في أثناءِ وِلايتِه؛ لأنها وِلايةٌ على حقِّ غَيرِه، فنافاها الفِسقُ، كما لو وَلَّاهُ الحاكِمُ، وكما لو لم يُمكِنُ حِفظُ الوَقفِ منه مع بَقاءِ وِلايتِه على حقِّ غَيرِه، فإنه مَتى لم يُمكِنْ حِفظُه منه أُزيلَتْ وِلايتُه، فإنَّ مُراعاةَ حِفظِ الوَقفِ أهَمُّ مِنْ إبقاءِ وِلايةِ الفاسِقِ عليه (١). وفي قَولٍ للشافِعيةِ ضَعيفٍ أنه لا تُشترطُ العَدالةُ إذا كانَ الوَقفُ على مُعيَّنينَ ولا طِفلَ فيهِم، فإنْ خانَ حَمَلوهُ على السَّدادِ (٢). الشَّرطُ الثَّالثُ: البُلوغُ: نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ في الجُملةِ على شَرطِ البُلوغِ في الناظِرِ. أمَّا الحَنفيةُ فقدْ قالَ ابنُ عابدِينَ: مَطلبٌ في تَولِيةِ الصَّبيِّ: ويُشترطُ للصِّحةِ بُلوغُه وعَقلُه، لا حُرِّيتُه وإسلامُه؛ لِما في «الإسْعَاف»: لو أوصَى إلى الصَّبيِّ تَبطلُ في القِياسِ مُطلَقًا، وفي الاستِحسانِ هِي باطِلةٌ ما دامَ صَغيرًا، فإذا كَبِرَ تَكونُ الوِلايةُ له، ولو كانَ عَبدًا يَجوزُ قِياسًا واستِحسانًا؛ لأهلِيتِه في ذاتِه، بدَليلِ أنَّ تَصرُّفَه المَوقوفَ لحَقِّ المَولى يَنفذُ عليه بعد العِتقِ؛ لزَوالِ المانعِ، بخِلافِ الصبيِّ، ثُمَّ الذِّمِيُّ في الحُكمِ كالعَبدِ،

стр. 7036

فلو أخرجَهُما القاضي ثُمَّ عتَقَ العَبدُ وأسلَمَ الذِّميُّ لا تَعودُ إليهما. اه «بَحر» مُلخَّصًا، ونَحوُه في «النَّهر». وفي «فَتاوى العَلَّامةِ الشَّلَبيِّ»: وأمَّا الإسنادُ للصَّغيرِ فلا يَصحُّ بحالٍ، لا على سَبيلِ الاستِقلالِ بالنَّظرِ ولا على سَبيلِ المُشارَكةِ لغيرِه؛ لأنَّ النَّظرَ على الوَقفِ مِنْ بابِ الوِلايةِ، والصَّغيرُ يُولَّى عليه لقُصورِه، فلا يَصحُّ أنْ يُولَّى على غَيرِه. اه وفي «أنفَع الوَسائِلِ» عن «وَقف هِلالٍ»: لو قالَ: «وِلايتُها إلى وَلدِي» وفيهِم الصَّغيرُ والكَبيرُ يُدخِلُ القاضي مَكانَ الصَّغيرِ رَجلًا، وإنْ شاءَ أقامَ الكِبارَ مَقامَه، ثُمَّ نقلَ عنه ما مَرَّ عن «الإسعَاف» بهذه النُّقولِ صَريحةً بأنَّ الصَّبيَّ لا يَصلحُ ناظِرًا. وأمَّا ما في «الأَشْبَاه» في أحكامِ الصِّبيانِ مِنْ أنَّ الصَّبيَّ يَصلحُ وَصيًّا وناظِرًا، ويُقِيمُ القاضي مَكانَه بالِغًا إلى بُلوغِه، كما في «مَنظومَة ابنِ وَهْبانَ مِنْ الوَصايا» اه، ففيهِ أنه لم يَذكرْ في المَنظومةِ قَولَه: «وناظِرًا»، ثمَّ رَأيتُ شارحَ «الأَشباه» نبَّهَ على ذلكَ أيضًا. وأمَّا ما ذكَرَه الشارِحُ في بابِ الوَصيِّ عن «المُجتَبى» مِنْ أنه لو فوَّضَ وِلايةَ الوَقفِ للصَّبيِّ صَحَّ استِحسانًا، ففي أنَّ ما ذكَرَه صاحِبُ «المُجتبَى» صرَّحَ به نَفسُه في «الحاوي» بقَولِه: ولو أَوصَى إلى صَبيٍّ في وَقفِه فهو باطِلٌ في القِياسِ، ولكنِ اُستُحْسِنَ أنْ تَكونَ الوِلايةُ إليه إذا كَبِرَ. اه، وهذا هو ما مَرَّ عن «الإسْعَاف».

стр. 7037

نَعمْ، رَأيتُ في «أحكَام الصِّغارِ» لِلأْسْتُرُوشَنِيِّ عن «فَتاوى رَشيدِ الدِّينِ» قالَ القاضي: إذا فوَّضَ التَّولِيةَ إلى صَبيٍّ يَجوزُ إذا كانَ أهلًا للحِفظِ، وتَكونُ له وِلايةُ التَّصرُّفِ، كما أنَّ القاضيَ يُملِّكُ الصَّبيَّ وإنْ كانَ الوَليُّ لا يَأذَنُ. اه وعليهِ فيُمكِنُ التَّوفيقُ بحَملِ ما في «الإسْعَاف» وغَيرِه على غيرِ الأهلِ للحِفظِ بأنْ كانَ لا يَقدِرُ على التَّصرفِ، أمَّا القادِرُ عليه فتَكونُ تَوليتُه مِنْ القاضي إذنًا له في التَّصرُّفِ، وللقاضي أنْ يَأذنَ للصَّغيرِ وإنْ لم يَأذنْ له وَليُّه. مَطلَبٌ فيما شاعَ في زَمانِنا مِنْ تَفويضِ نَظرِ الأوقافِ للصَّغيرِ: وبهذا نَعلمُ أنَّ ما شاعَ في زَمانِنا مِنْ تَفويضِ نَظرِ الأوقافِ لصَغيرٍ لا يُعقَلُ، وحُكمُ القاضي الحَنفيِّ بصِحةِ ذلكَ خَطأٌ مَحضٌ، ولا سِيَّما إذا شرَطَ الواقفُ تَولِيةَ النَّظرِ للأرشَدِ فالأرشَدِ مِنْ أهلِ الوَقفِ، فإنه حِينئذٍ إذا وُلِّيَ بالغٌ عاقِلٌ رَشيدٌ وكانَ مِنْ أهلِ الوَقفِ أرشَدُ منه لا تَصحُّ تَوليَتُه؛ لمُخالَفتِها شرْطَ الواقفِ، فكيفَ إذا كانَ طِفلًا لا يَعقِلُ وثَمَّ بالغٌ رَشيدٌ؟! إنَّ هذا لهُوَ الضَّلالُ البَعيدُ، واعتِقادُهم أنَّ خبَرَ الأبِ لابنِهِ لا يُفيدِ؛ لِما فيه مِنْ تَغييرِ حُكمِ الشَّرعِ ومُخالَفةِ شَرطِ الواقفِ، وإعطاءِ الوَظائفِ مِنْ تَدريسٍ وإمامَةٍ وغَيرِها إلى غَيرِ مُستحِقِّها، كما أوضَحْتُ ذلكَ في الجِهادِ في آخِرِ فَصلٍ الجِزيةِ، كيفَ ولو أَوصَى الواقفُ بالتَّولِيةِ لابنِهِ لا تَصحُّ ما دامَ صَغيرًا حتى يَكبَرَ، فتَكونُ الوِلايةُ له كما مَرَّ، وكذلكَ اعتِقادُهم أنَّ الأرشَدَ إذا فوَّضَ وأسنَدَ في مَرَضِ مَوتِه لمَن أرادَ صَحَّ لأنَّ مُختارَ الأرشَدِ أرشَدٌ فهو باطِلٌ؛ لأنَّ الرُّشدَ في أُمورِ الوَقفِ صِفةٌ قائِمةٌ بالرَّشيدِ لا تَحصلُ به بمُجرَّدِ اختِيارِ غَيرِه له، كما لا يَصيرُ الجاهِلُ

стр. 7038

عالِمًا بمُجرَّدِ اختيارِ الغَيرِ له في وَظيفةِ التَّدريسِ، وكلُّ هذه أُمورٌ ناشِئةٌ عن الجَهلِ واتِّباعِ العادةِ المُخالَفةِ لصَريحِ الحَقِّ بمُجرَّدِ تَحكيمِ العَقلِ المُختَلِّ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ العَليِّ العَظيمِ (١). وقالَ المالِكيةُ والحَنابلةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ الناظِرُ رَشيدًا، فإنْ كانَ مَحجورًا عليه وهو المُستحِقُّ للوَقفِ فوَليُّه يَقومُ مَقامَه. قالَ المالِكيةُ: يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ في تَخصيصِ ناظِرٍ مُعيَّنٍ، أو ناظِرٍ مُعيَّنٍ وله عَزلُ نَفسِه، فيُولِّي صاحِبُه مَنْ شاءَ إنْ كانَ حَيًّا وإلَّا فالحاكِمُ، فإنْ لم يَجعلْ ناظِرًا فإنْ كانَ المُستحِقُّ مُعيَّنًا رَشيدًا فهو الذي يَتولَّى أمْرَ الوَقفِ، وإنْ كانَ غيرَ رَشيدٍ فوَليُّه، وإنْ كانَ المُستحِقُّ غيرَ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ فالحاكِمُ يُولِّي عليه مَنْ شاءَ (٢). وقالَ الحَنابلةُ يُشترطُ في الناظِرِ التَّكليفُ؛ لأنَّ غيرَ المُكلَّفِ لا يَنظرُ في مِلكِه المُطلَقِ، ففي الوَقفِ أَولى، وهذا إذا لم يَكنْ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ، فإنْ كانَ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ فالنَّظرُ فيهِ إلى وَليِّه يَقومُ مَقامَه. قالوا: يَنظرُ في الوَقفِ المَوقوفُ عليه إنْ كانَ مُكلَّفًا رَشيدًا، أو يَنظرُ فيه وَليُّه إنْ كانَ المَوقوفُ عليه صَغيرًا أو مَجنونًا أو سَفيهًا، وقالَ ابنُ أبي موسى: يَنظرُ فيهِ الحاكِمُ (٣).

стр. 7039

وأمَّا الشافِعيةُ فنَصُّوا على أنَّ الصَّغيرَ مَحجورٌ عليه، ولا يَصحُّ تَصرُّفُه إلا ببُلوغِه (١). الشَّرطُ الرَّابعُ: العَقلُ: يَتَّفقُ الفُقهاءُ في الجُملةِ على أنه يُشترطُ في الناظِرِ حالَةَ النَّظرِ أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا يَصحُّ تَوليةُ المَجنونِ ناظِرًا على الوَقفِ؛ لأنه غيرُ مُكلَّفٍ، وهو لا يَنظرُ في مِلكِه المُطلَقِ، ففي الوَقفِ أَولى. قالَ المالِكية والحَنابلة: يُشترطُ أنْ يَكونَ الناظِرُ رَشيدًا، فإنْ كانَ مَحجورًا عليه وهو المُستحِقُّ للوَقفِ فوَليُّه يَقومُ مَقامَه. قالَ المالِكية: يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ تَخصيصِ ناظِرٍ مُعيَّنٍ، أو ناظِرٍ مُعيَّنٍ وله عَزلُ نَفسِه، فيُولِّي صاحِبُه مَنْ شاءَ إنْ كانَ حَيًّا وإلَّا فالحاكِمُ، فإنْ لم يَجعلْ ناظِرًا فإنْ كانَ المُستحِقُّ مُعيَّنًا رَشيدًا فهو الذي يَتولَّى أمْرَ الوَقفِ، وإنْ كانَ غيرَ رَشيدٍ فوَليُّه، وإنْ كانَ المُستحِقُّ غيرَ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ فالحاكِمُ يُولِّي عليه مَنْ شاءَ (٢). وقالَ الحَنابلة: يُشترطُ في الناظِرِ التَّكليفُ؛ لأنَّ غيرَ المُكلَّفِ لا يَنظرُ في مِلكِه المُطلَقِ، ففي الوَقفِ أَولى، وهذا إذا لم يَكنْ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ، فإنْ كانَ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ فالنَّظرُ فيهِ إلى وَليِّه يَقومُ مَقامَه.

стр. 7040

قالوا: يَنظرُ في الوَقفِ المَوقوفُ عليه إنْ كانَ مُكلَّفًا رَشيدًا، أو يَنظرُ فيه وَليُّه إنْ كانَ المَوقوفُ عليه صَغيرًا أو مَجنونًا أو سَفيهًا، وقالَ ابنُ أبي موسى: يَنظرُ فيهِ الحاكِمُ (١). وقالَ الحَنفيةُ: يَنعزِلُ الناظِرُ بالجُنونِ المُطبِقِ إذا دامَ سَنةً، لا إنْ دامَ أقلَّ مِنْ ذلكَ، ولو عادَ إليهِ عَقلُه وبَرِئَ مِنْ عِلَّتِه عادَ إليهِ النَّظرُ. قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قالَ في «النَّهر»: والظاهِرُ أنَّ هذا في المَشروطِ له النَّظرُ، أمَّا مَنصوبُ القاضِي فلا (٢). وقالَ الشافِعيةُ: بالجُنونِ تَنسلِبُ الوِلاياتُ؛ لأنه إذا لم يَلِ أمْرَ نَفسِه فأمرُ غَيرِه أَولى، ويَرتفعُ حَجرُ المَجنونِ بالإفاقةِ، وتَعودُ للناظِرِ الوِلايةُ بنَفسِ الإفاقةِ مِنْ غيرِ تَولِيَةٍ (٣). الشَّرطُ الخامِسُ: الكِفايةُ: نَصَّ الفُقهاءُ على شَرطِ الكِفايةِ في الناظِرِ على الوَقفِ، والمَقصودُ بها قُوَّةُ الشَّخصِ وقُدرَتُه على التَّصرُّفِ فيما هو ناظِرٌ عليهِ (٤).
следующие страницы →