فلو أخرجَهُما القاضي ثُمَّ عتَقَ العَبدُ وأسلَمَ الذِّميُّ لا تَعودُ إليهما. اه «بَحر» مُلخَّصًا، ونَحوُه في «النَّهر».
وفي «فَتاوى العَلَّامةِ الشَّلَبيِّ»: وأمَّا الإسنادُ للصَّغيرِ فلا يَصحُّ بحالٍ، لا على سَبيلِ الاستِقلالِ بالنَّظرِ ولا على سَبيلِ المُشارَكةِ لغيرِه؛ لأنَّ النَّظرَ على الوَقفِ مِنْ بابِ الوِلايةِ، والصَّغيرُ يُولَّى عليه لقُصورِه، فلا يَصحُّ أنْ يُولَّى على غَيرِه. اه
وفي «أنفَع الوَسائِلِ» عن «وَقف هِلالٍ»: لو قالَ: «وِلايتُها إلى وَلدِي» وفيهِم الصَّغيرُ والكَبيرُ يُدخِلُ القاضي مَكانَ الصَّغيرِ رَجلًا، وإنْ شاءَ أقامَ الكِبارَ مَقامَه، ثُمَّ نقلَ عنه ما مَرَّ عن «الإسعَاف» بهذه النُّقولِ صَريحةً بأنَّ الصَّبيَّ لا يَصلحُ ناظِرًا.
وأمَّا ما في «الأَشْبَاه» في أحكامِ الصِّبيانِ مِنْ أنَّ الصَّبيَّ يَصلحُ وَصيًّا وناظِرًا، ويُقِيمُ القاضي مَكانَه بالِغًا إلى بُلوغِه، كما في «مَنظومَة ابنِ وَهْبانَ مِنْ الوَصايا» اه، ففيهِ أنه لم يَذكرْ في المَنظومةِ قَولَه: «وناظِرًا»، ثمَّ رَأيتُ شارحَ «الأَشباه» نبَّهَ على ذلكَ أيضًا.
وأمَّا ما ذكَرَه الشارِحُ في بابِ الوَصيِّ عن «المُجتَبى» مِنْ أنه لو فوَّضَ وِلايةَ الوَقفِ للصَّبيِّ صَحَّ استِحسانًا، ففي أنَّ ما ذكَرَه صاحِبُ «المُجتبَى» صرَّحَ به نَفسُه في «الحاوي» بقَولِه: ولو أَوصَى إلى صَبيٍّ في وَقفِه فهو باطِلٌ في القِياسِ، ولكنِ اُستُحْسِنَ أنْ تَكونَ الوِلايةُ إليه إذا كَبِرَ. اه، وهذا هو ما مَرَّ عن «الإسْعَاف».
стр. 7037
نَعمْ، رَأيتُ في «أحكَام الصِّغارِ» لِلأْسْتُرُوشَنِيِّ عن «فَتاوى رَشيدِ الدِّينِ» قالَ القاضي: إذا فوَّضَ التَّولِيةَ إلى صَبيٍّ يَجوزُ إذا كانَ أهلًا للحِفظِ، وتَكونُ له وِلايةُ التَّصرُّفِ، كما أنَّ القاضيَ يُملِّكُ الصَّبيَّ وإنْ كانَ الوَليُّ لا يَأذَنُ. اه
وعليهِ فيُمكِنُ التَّوفيقُ بحَملِ ما في «الإسْعَاف» وغَيرِه على غيرِ الأهلِ للحِفظِ بأنْ كانَ لا يَقدِرُ على التَّصرفِ، أمَّا القادِرُ عليه فتَكونُ تَوليتُه مِنْ القاضي إذنًا له في التَّصرُّفِ، وللقاضي أنْ يَأذنَ للصَّغيرِ وإنْ لم يَأذنْ له وَليُّه.
مَطلَبٌ فيما شاعَ في زَمانِنا مِنْ تَفويضِ نَظرِ الأوقافِ للصَّغيرِ:
وبهذا نَعلمُ أنَّ ما شاعَ في زَمانِنا مِنْ تَفويضِ نَظرِ الأوقافِ لصَغيرٍ لا يُعقَلُ، وحُكمُ القاضي الحَنفيِّ بصِحةِ ذلكَ خَطأٌ مَحضٌ، ولا سِيَّما إذا شرَطَ الواقفُ تَولِيةَ النَّظرِ للأرشَدِ فالأرشَدِ مِنْ أهلِ الوَقفِ، فإنه حِينئذٍ إذا وُلِّيَ بالغٌ عاقِلٌ رَشيدٌ وكانَ مِنْ أهلِ الوَقفِ أرشَدُ منه لا تَصحُّ تَوليَتُه؛ لمُخالَفتِها شرْطَ الواقفِ، فكيفَ إذا كانَ طِفلًا لا يَعقِلُ وثَمَّ بالغٌ رَشيدٌ؟! إنَّ هذا لهُوَ الضَّلالُ البَعيدُ، واعتِقادُهم أنَّ خبَرَ الأبِ لابنِهِ لا يُفيدِ؛ لِما فيه مِنْ تَغييرِ حُكمِ الشَّرعِ ومُخالَفةِ شَرطِ الواقفِ، وإعطاءِ الوَظائفِ مِنْ تَدريسٍ وإمامَةٍ وغَيرِها إلى غَيرِ مُستحِقِّها، كما أوضَحْتُ ذلكَ في الجِهادِ في آخِرِ فَصلٍ الجِزيةِ، كيفَ ولو أَوصَى الواقفُ بالتَّولِيةِ لابنِهِ لا تَصحُّ ما دامَ صَغيرًا حتى يَكبَرَ، فتَكونُ الوِلايةُ له كما مَرَّ، وكذلكَ اعتِقادُهم أنَّ الأرشَدَ إذا فوَّضَ وأسنَدَ في مَرَضِ مَوتِه لمَن أرادَ صَحَّ لأنَّ مُختارَ الأرشَدِ أرشَدٌ فهو باطِلٌ؛ لأنَّ الرُّشدَ في أُمورِ الوَقفِ صِفةٌ قائِمةٌ بالرَّشيدِ لا تَحصلُ به بمُجرَّدِ اختِيارِ غَيرِه له، كما لا يَصيرُ الجاهِلُ
стр. 7038
عالِمًا بمُجرَّدِ اختيارِ الغَيرِ له في وَظيفةِ التَّدريسِ، وكلُّ هذه أُمورٌ ناشِئةٌ عن الجَهلِ واتِّباعِ العادةِ المُخالَفةِ لصَريحِ الحَقِّ بمُجرَّدِ تَحكيمِ العَقلِ المُختَلِّ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ العَليِّ العَظيمِ (١).
وقالَ المالِكيةُ والحَنابلةُ: يُشترطُ أنْ يَكونَ الناظِرُ رَشيدًا، فإنْ كانَ مَحجورًا عليه وهو المُستحِقُّ للوَقفِ فوَليُّه يَقومُ مَقامَه.
قالَ المالِكيةُ: يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ في تَخصيصِ ناظِرٍ مُعيَّنٍ، أو ناظِرٍ مُعيَّنٍ وله عَزلُ نَفسِه، فيُولِّي صاحِبُه مَنْ شاءَ إنْ كانَ حَيًّا وإلَّا فالحاكِمُ، فإنْ لم يَجعلْ ناظِرًا فإنْ كانَ المُستحِقُّ مُعيَّنًا رَشيدًا فهو الذي يَتولَّى أمْرَ الوَقفِ، وإنْ كانَ غيرَ رَشيدٍ فوَليُّه، وإنْ كانَ المُستحِقُّ غيرَ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ فالحاكِمُ يُولِّي عليه مَنْ شاءَ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ يُشترطُ في الناظِرِ التَّكليفُ؛ لأنَّ غيرَ المُكلَّفِ لا يَنظرُ في مِلكِه المُطلَقِ، ففي الوَقفِ أَولى، وهذا إذا لم يَكنْ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ، فإنْ كانَ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ فالنَّظرُ فيهِ إلى وَليِّه يَقومُ مَقامَه.
قالوا: يَنظرُ في الوَقفِ المَوقوفُ عليه إنْ كانَ مُكلَّفًا رَشيدًا، أو يَنظرُ فيه وَليُّه إنْ كانَ المَوقوفُ عليه صَغيرًا أو مَجنونًا أو سَفيهًا، وقالَ ابنُ أبي موسى: يَنظرُ فيهِ الحاكِمُ (٣).
стр. 7039
وأمَّا الشافِعيةُ فنَصُّوا على أنَّ الصَّغيرَ مَحجورٌ عليه، ولا يَصحُّ تَصرُّفُه إلا ببُلوغِه (١).
الشَّرطُ الرَّابعُ: العَقلُ:
يَتَّفقُ الفُقهاءُ في الجُملةِ على أنه يُشترطُ في الناظِرِ حالَةَ النَّظرِ أنْ يَكونَ عاقِلًا، فلا يَصحُّ تَوليةُ المَجنونِ ناظِرًا على الوَقفِ؛ لأنه غيرُ مُكلَّفٍ، وهو لا يَنظرُ في مِلكِه المُطلَقِ، ففي الوَقفِ أَولى.
قالَ المالِكية والحَنابلة: يُشترطُ أنْ يَكونَ الناظِرُ رَشيدًا، فإنْ كانَ مَحجورًا عليه وهو المُستحِقُّ للوَقفِ فوَليُّه يَقومُ مَقامَه.
قالَ المالِكية: يُتَّبعُ شَرطُ الواقفِ تَخصيصِ ناظِرٍ مُعيَّنٍ، أو ناظِرٍ مُعيَّنٍ وله عَزلُ نَفسِه، فيُولِّي صاحِبُه مَنْ شاءَ إنْ كانَ حَيًّا وإلَّا فالحاكِمُ، فإنْ لم يَجعلْ ناظِرًا فإنْ كانَ المُستحِقُّ مُعيَّنًا رَشيدًا فهو الذي يَتولَّى أمْرَ الوَقفِ، وإنْ كانَ غيرَ رَشيدٍ فوَليُّه، وإنْ كانَ المُستحِقُّ غيرَ مُعيَّنٍ كالفُقراءِ فالحاكِمُ يُولِّي عليه مَنْ شاءَ (٢).
وقالَ الحَنابلة: يُشترطُ في الناظِرِ التَّكليفُ؛ لأنَّ غيرَ المُكلَّفِ لا يَنظرُ في مِلكِه المُطلَقِ، ففي الوَقفِ أَولى، وهذا إذا لم يَكنْ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ، فإنْ كانَ على مُعيَّنٍ مَحصورٍ فالنَّظرُ فيهِ إلى وَليِّه يَقومُ مَقامَه.
стр. 7040
قالوا: يَنظرُ في الوَقفِ المَوقوفُ عليه إنْ كانَ مُكلَّفًا رَشيدًا، أو يَنظرُ فيه وَليُّه إنْ كانَ المَوقوفُ عليه صَغيرًا أو مَجنونًا أو سَفيهًا، وقالَ ابنُ أبي موسى: يَنظرُ فيهِ الحاكِمُ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: يَنعزِلُ الناظِرُ بالجُنونِ المُطبِقِ إذا دامَ سَنةً، لا إنْ دامَ أقلَّ مِنْ ذلكَ، ولو عادَ إليهِ عَقلُه وبَرِئَ مِنْ عِلَّتِه عادَ إليهِ النَّظرُ.
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قالَ في «النَّهر»: والظاهِرُ أنَّ هذا في المَشروطِ له النَّظرُ، أمَّا مَنصوبُ القاضِي فلا (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: بالجُنونِ تَنسلِبُ الوِلاياتُ؛ لأنه إذا لم يَلِ أمْرَ نَفسِه فأمرُ غَيرِه أَولى، ويَرتفعُ حَجرُ المَجنونِ بالإفاقةِ، وتَعودُ للناظِرِ الوِلايةُ بنَفسِ الإفاقةِ مِنْ غيرِ تَولِيَةٍ (٣).
الشَّرطُ الخامِسُ: الكِفايةُ:
نَصَّ الفُقهاءُ على شَرطِ الكِفايةِ في الناظِرِ على الوَقفِ، والمَقصودُ بها قُوَّةُ الشَّخصِ وقُدرَتُه على التَّصرُّفِ فيما هو ناظِرٌ عليهِ (٤).
стр. 7041
قالَ الحَنفيةُ -كما في «الإسْعَاف» -: لا يُولَّى إلا أمينٌ قادِرٌ بنَفسِه أو بنائِبِه؛ لأنَّ الوِلايةَ مُقيَّدةٌ بشَرطِ النَّظرِ، وليسَ مِنْ النَّظرِ تَولِيةُ الخائِنِ؛ لأنه يُخلُّ بالمَقصودِ، وكذا تَولِيةُ العاجِزِ؛ لأنَّ المَقصودَ لا يَحصلُ به، ويَستوِي فيهِ الذَّكرُ والأُنثى، وكذا الأَعمَى والبَصيرُ، وكذا المَحدودُ في قَذفٍ إذا تابَ؛ لأنه أمينٌ (١).
وقالَ المالِكيةُ: الناظِرُ على الحَبسِ إذا كانَ سَيِّئَ النَّظرِ غيرَ مَأمونٍ فإنَّ القاضيَ يَعزِلُه، إلَّا أنْ يَكونَ المُحبَّسُ عليه مالِكًا أمْرَ نَفسِه ويَرضَى به ويَستمرُّ (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: يُشترطُ في الناظِرِ الكِفايةُ لِما يَتولَّاهُ مِنْ نَظرٍ عامٍّ أو خاصٍّ، وهي قُوَّةُ الشَّخصِ وقُدرَتُه على التَّصرُّفِ فيما هو ناظِرٌ عليه، أو الاهتِداءُ إلى التَّصرُّفِ الذي فُوِّضَ له؛ قِياسًا على الوَليِّ والقَيِّمِ؛ لأنها وِلايةٌ على الغَيرِ، فاشتُرطَتْ.
فإنِ اختَلَّتْ نزَعَ الحاكِمُ الوَقفَ منه وإنْ كانَ المَشروطُ له النَّظرُ الواقفَ.
قالَ الخَطيبُ الشِّربينِيُّ ﵀: وقَضيةُ كَلامِ الشَّيخينِ أنَّ الحاكِمَ يَتولَّاهُ استِقلالًا فيُولِّيهِ مَنْ أرادَ، وأنَّ النَّظرَ لا يَنتقِلُ لمَن بعدَه إذا شرَطَ الواقفُ النَّظرَ لإنسانٍ بعدَ آخَرَ، أي: إلا أنْ يَنُصَّ عليه الواقفُ كما قالَه السُّبكيُّ وغَيرُه، فإنْ زالَ الاختِلالُ عادَ نَظرُه إنْ كانَ مَشروطًا في الوَقفِ مَنصوصًا
стр. 7042
عليه بعَينِه كما ذكَرَه المُصنِّفُ في «فَتاويهِ» وإنِ اقتَضَى كَلامُ الإمامِ خِلافَه، وما في «الفَتاوى» يَدلُّ على أنه لا يَنفذُ عَزلُه مِنْ نَفسِه ولا مِنْ غَيرِه، وهو كذلكَ مِنْ غيرِه أو مِنْ نَفسِه إذا تَعيَّنَ.
ولو كانَ له النَّظرُ على مَواضِعَ فأثبَتَ أهليَّتَه في مَكانٍ ثبَتَ في باقي الأماكِنِ مِنْ حيثُ الأمانةُ، ولا يَثبتُ مِنْ حيثُ الكِفايةُ، إلا إنْ ثبَتَتْ أهلِيتُه في سائِرِ الأوقافِ، قالَه ابنُ الصَّلاحِ، وهو كما قالَ الدَّميريُّ ظاهِرٌ إذا كانَ الباقي فوقَ ما أثبَتَ أهلِيتَهُ فيهِ أو مثلَه بكَثرةِ مَصارفِه وأعمالِه، فإنْ كانَ أقلَّ فلا.
ولا يَتصرَّفُ الناظِرُ إلا على وَجهِ النَّظرِ والاحتِياطِ؛ لأنه يَنظرُ في مَصالِحِ الغَيرِ، فأشبَهَ وَليَّ اليَتيمِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: يُشترطُ في الناظِرِ على الوَقفِ كِفايةٌ في التَّصرفِ وخِبرةٌ -أي: عِلمٌ- بالتَّصرفِ وقُوةٌ عليه؛ لأنَّ مُراعاةَ حِفظِ الوَقفِ مَطلوبةٌ شَرعًا، وإذا لم يَكُنِ المُتصرِّفُ مُتَّصِفًا بهذه الصِّفاتِ لم يُمكِنْه مُراعاةُ حِفظِ الوَقفِ، وإنِ اختَلَّتِ الكِفايةُ لم يُعزلْ، ويَضمُّ إلى ناظِرٍ ضَعيفٍ قَويًّا أمينًا؛ ليَحصُلَ المَقصودُ، سَواءٌ كانَ ناظِرًا بشَرطٍ أو مَوقوفًا عليه (٢).
стр. 7043
أُجرةُ ناظِرِ الوَقفِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ في الجُملةِ على أنَّ الناظِرَ يَستحِقُّ أُجرةً مُقابلَ عَملِه وقِيامِه بإدارةِ الوَقفِ والعِنايةِ بمَصالِحِه، والأصلُ في ذلكَ ما فعَلَه عُمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ حَيثُ قالَ لوالي هذه الصَّدقةِ: «أنْ يَأكلَ منها غيرَ مُتأثِّلٍ مالًا»، وما فعَلَه عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵁ حَيثُ جعَلَ نَفقةَ العَبيدِ الذينَ وقَفَهُم مع صَدَقتِه ليَقوموا بعِمارتِها مِنْ الغَلةِ، وهو بمَنزلةِ الأجيرِ في الوَقفِ (١).
ورَوَى البُخاريُّ في «صَحيحِه»: باب نَفقَة القَيِّمِ للوَقفِ، ثُمَّ رَوَى عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «لا يَقتَسمْ وَرَثَتي دِينارًا، ما تَرَكتُ بعدَ نَفقةِ نِسائي ومَئُونةِ عاملِي فهو صَدقةٌ» (٢).
وعَن ابنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ عُمرَ اشتَرطَ في وَقفِه أنْ يَأكلَ مَنْ وَلِيَه ويُؤكِلَ صَديقَه غيرَ مُتَموِّلٍ مالًا» (٣).
قالَ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: إنَّما أرادَ البخاريُّ بقَولِه «نَفقةُ القَيِّمِ للوَقفِ» -واللهُ أعلَمُ- أنْ يُبيِّنَ أنَّ المُرادَ بقَولِه ﷺ : «مَئُونةِ عامِلي» أنه عامِلُ أرضِه التي أَفاءَها اللهُ عليه مِنْ بَني النَّضيرِ وفَدَكَ وسَهمِه مِنْ خَيبَرَ، وليسَ عامِلهُ حافِرَ قَبْرِه كما تَأوَّلَ بَعضُ الفُقهاءِ، واستَشهدَ على ذلكَ البخاريُّ
стр. 7044
بحَديثِ عُمرَ الذي أردَفَه بعدَه؛ أنه شرَطَ في وَقفِه أنْ يَأكلَ مَنْ وَلِيَه بالمَعروفِ، فبانَ بهذا أنَّ العامِلَ في الحَبسِ له منه أُجرةُ عَملِه وقِيامِه عليه، وليسَ ذلكَ بتَغييرٍ للحَبسِ ولا نَقضٍ لشَرطِ المُحبِّسِ إذا حَبسَ على قَومٍ بأعيانِهم، لا غِنى عن عامِلٍ يَعملُ للمالِ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وهو دالٌّ على مَشروعيَّةِ أُجرةِ العامِلِ على الوَقفِ، والمُرادُ بالعامِلِ في هذا الحَديثِ القيِّمُ على الأرضِ والأجيرُ ونَحوُهما (٢).
تَقديرُ أُجرَةِ الناظِرِ:
أُجرةُ الناظِرِ لا تَخلو: إمَّا أنْ تَكونَ مَشروطةً مِنْ قِبَلِ الواقفِ، وإمَّا أنْ تَكونَ مُقدَّرةً مِنْ قِبَلِ القاضِي، وإمَّا ألا يَكونَ شَيئًا مِنْ ذلكَ.
الحالَةُ الأُولى: أنْ تَكونَ مَشروطةً مِنْ قِبَلِ الواقفِ:
نَصَّ الفُقهاءُ على أنَّ الواقفَ لو شرَطَ للناظِرِ على الوَقفِ أُجرةً استَحقَّها ولو كانَتْ أكثَرَ مِنْ أُجرةِ المِثلِ -على تَفصيلٍ سَيأتي-؛ لأنه لو جعَلَ له ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ يَشترطَ عليه القِيامَ بأمرِه يَجوزُ، فهذا أَولى بالجَوازِ.
قالَ الحَنفيةُ: ولو جعَلَ الواقفُ للقائِمِ بوَقفِه أكثَرَ مِنْ أجرِ مِثلِه يَجوزُ؛ لأنه لو جعَلَ له ذلكَ مِنْ غيرِ أنْ يَشترطَ عليه القِيامَ بأمرِه يَجوزُ، فهذا أَولَى
стр. 7045
بالجَوازِ، ولا يَجوزُ له أخذُ زيادةٍ على ما قرَّرَه له الواقفُ، وقيلَ: لو عيَّنَ له الواقفُ أقَلَّ مِنْ أجرِ المِثلِ فللقاضي أنْ يُكملَ له أجرَ المِثلِ بطَلبِه (١).
وقالَ في «الإسْعَاف»: يَجوزُ أنْ يَجعلَ الواقفُ للمُتولِّي على وَقفِه في كلِّ سَنةٍ مالًا مَعلومًا لقِيامِه بأمرِه، والأصلُ في ذلكَ ما فعَلَه عُمرُ بْنُ الخطَّابِ ﵁ حَيثُ قالَ لوالي هذه الصَّدقةِ: «أنْ يَأكلَ منها غَيرَ مُتأثِّلٍ مالًا»، وما فعَلَه عَليُّ بنُ أبي طالِبٍ ﵁ حيثُ جعَلَ نَفقةَ العَبيدِ الذينَ وقَفَهُم مع صَدَقتِه ليَقوموا بعِمارتِها مِنْ الغَلَّةِ، وهو بمَنزلةِ الأجيرِ في الوَقفِ، ألَا تَرى أنه يَجوزُ له أنْ يَستأجِرَ أُجَراءَ لِما يَحتاجُ إليهِ الوَقفُ مِنْ العِمارةِ، وعليه عَمَلُ الناسِ، وليسَ له حَدٌّ مُعيَّنٌ، وإنَّما هو على ما تَعارَفَه الناسُ مِنْ الجُعلِ عندَ عَقدِه الوَقفَ ليَقومَ بمَصالحِه (٢).
وقالَ المالِكيةُ: يَجوزُ للقاضي أنْ يَجعلَ للناظِرِ أُجرةً مِنْ رَيعِ الوَقفِ على حَسبِ المَصلحةِ إذا لم يَكنْ له شيءٌ، خِلافًا لقَولِ ابنِ عَتَّابٍ أنه لا يَحلُّ له أخذُ شيءٍ مِنْ غَلَّةِ الوَقفِ بل مِنْ بَيتِ المالِ إلا إذا عَيَّنَ الواقفُ شيئًا، وهو ضَعيفٌ (٣).
стр. 7046
وقالَ الشافِعيُة: يَستحِقُّ الناظِرُ ما شُرطَ له مِنْ الأُجرةِ وإنْ زادَ على أُجرةِ المِثلِ، ما لم يَكنْ هو الواقفَ، فلو شرَطَ لنَفسِه النَّظرَ بأُجرةِ المِثلِ صَحَّ؛ لأنَّ استِحقاقَه لها مِنْ جِهةِ العَملِ لا مِنْ جِهةِ الوَقفِ، فإنْ شرَطَ النَّظرَ بأكثَرَ منها لم يَصِحَّ الوَقفُ؛ لأنه وَقفٌ على نَفسِه (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ شرَطَ الواقفُ له شيئًا فله ما شرَطَ الواقفُ فقط، قَليلًا كانَ المَشروطُ أو كَثيرًا لنَظرِه، قالَه في «القَواعِد».
فإنْ شرَطَ الواقفُ للناظِرِ أُجرةً -أي: عِوضًا مَعلومًا- فإنْ كانَ المَشروطُ بقَدرِ أُجرةِ المِثلِ اختَصَّ به، وكانَ ما يَحتاجُ إليهِ الوَقفُ مِنْ أُمَناءَ وغَيرِهم مِنْ غَلةِ الوَقفِ، وإنْ كانَ المَشروطُ أكثَرَ فكُلفةُ ما يَحتاجُ إليهِ الوَقفُ مِنْ نَحوِ أُمَناءَ وعُمَّالٍ على الناظِرِ، يَصرِفُها مِنْ الزيادةِ حتى يَبقَى له أُجرةُ مِثلِه، إلَّا أنْ يَكونَ الواقفُ شرَطَه له خالِصًا.
وللناظِرِ الأُجرةُ على عَملِه مِنْ وَقتِ نظَرَه في الوَقفِ، قالَ الرُّحَيبانِيُّ: وهذا المَذكورُ في الناظِرِ نقَلَه الحارِثيُّ عن الأصحابِ، وقالَ: ولا شَكَّ أنَّ التَّقديرَ بقَدرٍ مُعيَّنٍ صَريحٌ في اختِصاصِ الناظِرِ به، فتَوقُّفُ الاختِصاصِ على ما قالُوا لا معنَى له … إلى أن قالَ: وصَريحُ المُحاباةِ لا يَقدحُ في الاختِصاصِ به إجماعًا، ويَتَّجهُ: ليسَ مِنْ المَعروفِ مُجاوَزةُ أجرِ مِثلِه، وهو مُتجِهٌ، قالَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ: له -أي: لناظِرِ الوَقفِ- أخذُ أُجرةِ عَملِه مع
стр. 7047
فَقرِه، وقالَ: ولا يُقدَّمُ بمَعلومِه بلا شَرطٍ إلا بأخذِ أُجرةِ عَملِه مع فَقرِه كوَصيِّ اليَتيمِ (١).
الحالَةُ الثانِيةُ: أنْ تكونَ مُقدَّرةً مِنْ قِبَلِ القاضي:
إذا لم يُعيِّنِ الواقفُ أُجرةً للناظِرِ فهل يَكونُ له أُجرةٌ؟ وهل يَجوزُ للقاضي أنْ يُقدِّرَها؟ وهَل له أنْ يَزيدَ عن أُجرةِ المِثلِ أم لا؟
فَذهَبَ جُمهورُ الفُقَهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الواقفَ إذا لم يَشرِطْ للناظِرِ أُجرةً أنَّ للقاضي أنْ يُعطيَه أُجرةً مِنْ رَيعِ الوَقفِ حَسبَ ما يُؤدِّيه اجتِهادُه عندَ المالِكيةِ، وعندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ لا تَزيدُ عن أُجرةِ المِثلِ.
قالَ الحَنفيةُ: الواقِفُ إنْ عيَّنَ له شيئًا فهو له، كَثيرًا كانَ أو قَليلًا، على حَسبِ ما شرَطَه، عَمِلَ أو لم يَعمَلْ حَيثُ لم يَشرِطْه في مُقابَلةِ العَملِ على حَسبِ ما شَرَطَه، وإنْ لم يُعَيِّنْ له الواقِفُ وعيَّنَ له القاضِي أُجرةَ مِثلِه جازَ، وإنْ عيَّنَ أكثَرَ يُمنَعُ عنه الزائِدُ عن أُجرةِ المِثلِ، هذا إنْ عَمِلَ، وإنْ لم يَعمَلْ لا يَستحِقُّ أُجرةً، قالَ ابنُ عابدِينَ: وبمِثلِه صرَّحَ في «الأشبَاه» في كِتابِ الدَّعوى، وإنْ نصَبَه القاضي ولم يُعَيِّنْ له شيئًا يُنظَرُ، إنْ كانَ المَعهودُ أنْ لا يَعملَ إلَّا بأُجرةِ المِثلِ فله أُجرةُ المِثلِ؛ لأنَّ المَعهودَ كالمَشروطِ، وإلَّا فلا
стр. 7048
شيءَ له، فاغتَنمْ هذا التَّحريرِ، فإنه يَجبُ إليهِ المَصيرُ؛ لأنه المَفهومُ مِنْ عِباراتِهم والمُتبادِرُ مِنْ كَلِماتِهم (١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: قالَ في «القُنيَة»: عُزِلَ القاضي فادَّعَى القيِّمُ أنه قد أجرَى له كذا مُشاهَرةً أو مُسانَهةً وصدَّقَه المَعزولُ فيهِ، لا يُقبَلُ إلا ببيِّنةٍ، ثمَّ إنْ كانَ ما عيَّنَه أجْرَ مِثلِ عَملِه أو دُونَه يُعطيهِ الثاني، وإلا يَحُطُّ الزِّيادةَ ويُعطيهِ الباقيَ. اه
فقدْ أفادَ أنَّ القاضيَ الثانِيَ يَحُطُّ ما زادَ على أجرِ المِثلِ، فأفادَ عدَمَ صِحةِ تَقريرِ القاضي للناظِرِ مَعلومًا أكثَرَ مِنْ أجْرِ المِثلِ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ لم يُسَمِّ الواقفُ للنَّاظِرِ شيئًا فقِياسُ المَذهبِ: إنْ كانَ مَشهورًا بأخذِ أجرِ المِثلِ على عَملِه -أي: مُعَدَّا لأخذِ العِوضِ على عَملِه- فله أجرةُ مِثلِ عَملِه، وإلَّا بأنْ لم يَكُنْ مُعَدًّا لأخذِ العِوضِ على عَملِه فلا شيءَ له؛ لأنه مُتبَرِّعٌ بعَملِه.
قالَ البُهوتيُّ ﵀: وهذا في عامِلِ الناظِرِ واضِحٌ، وأمَّا الناظِرُ فقدْ تقدَّمَ إذا لم يُسَمَّ له شيءٌ يَأكلُ بالمَعروفِ (٣).
стр. 7049
وقالَ قبلَ ذلكَ: قالَ الشَّيخُ -ابنُ تَيميةَ-: ومَتى فرَّطَ الناظِرُ سقَطَ ممَّا له -أي: مِنْ المَعلومِ- بقَدرِ ما فوَّتَه على الوَقفِ مِنْ الواجِبِ عليه مِنْ العَملِ، فيُوزَّعُ ما قُدِّرَ له على ما عَمِلَ وعلى ما لَم يَعملْه، ويَسقطُ قِسطُ ما لم يَعملْه.
ويُؤيِّدُه ما ذكَرَه بقَولِه: وفي «الأحكَام السُّلطانيَّة» في العامِلِ يَستحِقُّ ما جُعلَ له إنْ كانَ الجُعلُ مَعلومًا، فإنْ قصَّرَ العامِلُ فترَكَ بَعضَ العملِ لم يَستحِقَّ ما قابَلَ بعضَ العَملِ المَتروكَ، وإنْ كانَ العَملُ قد وُجدَ لكنْ مع جِنايةٍ مِنْ العامِلِ استَحقَّ الجُعلَ؛ لوُجودِ العملِ، ولا يَستحِقُّ الزِّيادةَ على الجُعلِ وإنْ كانَ عَملُه يُساوِي أكثَرَ مِمَّا جُعلَ له؛ لأنَّ الجاعِلَ لم يَلتزمْها، وإنْ كانَ الجُعلُ مَجهولًا ولم يَكنْ مِنْ مالِ كُفَّارٍ فالجِعالةُ فاسِدةٌ، وللعامِلِ أجرةُ مِثلِه، فإنْ كانَ الجُعلُ مُقدَّرًا في الدِّيوانِ وعَمِلَ به -أي: بذلكَ المِقدارِ- جَماعةٌ مِنْ العُمَّالِ فهو أجرَةُ المِثلِ، يَستحقُّه ذلكَ العامِلُ الذي لم يُسَمَّ له شَيءٌ؛ لأنَّ الظاهِرَ مُوافَقتُه للواقِعِ (١).
وقالَ المالِكيةُ: النَّظرُ في الحَبسِ لمَن جعَلَه إليه مُحبِّسُه، يَجعلُه لمَن يَثقُ به في دِينِه وأمانتِه، فإنْ غَفِلَ المُحبِّسُ عن ذلكَ كانَ النَّظرُ فيهِ للقاضي، يُقدِّمُ له مَنْ يَرتضِيهِ، ويُجعلُ للقائِمِ به مِنْ كِراءِ الوَقفِ ما يَراهُ القاضي سَدادًا على حَسبِ اجتِهادِه (٢).
стр. 7050
وقالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ ابنُ عَرفةَ عن ابنِ فَتُّوحٍ: للقاضي أنْ يَجعلَ لمَن قدَّمَه للنَّظرِ في الأحباسِ رِزقًا مَعلومًا في كُلِّ شَهرٍ باجتِهادِه في قَدرِ ذلكَ بحَسبِ عَملِه، وفعَلَه الأئمَّةُ.
ابنُ عَتَّابٍ عن المُشاوِرِ: لا يَكونُ أجرُه إلَّا مِنْ بَيتِ المالِ، فإنْ أخَذَها مِنْ الأحباسِ أُخِذتْ منه ورجَعَ بأجرِه في بَيتِ المالِ، فإنْ لم يُعْطَ منها فأجرُه على اللهِ.
وإنَّما لم يُجعلْ له فيها شَيءٌ لأنه تَغييرٌ للوَصايا، وبمِثلِ قَولِ المُشاوِرِ أفتَى ابنُ وَردٍ وقالَ: لا يَجوزُ أخذُ أُجرَتِه مِنْ الأحباسِ إلَّا أنْ يُحمَلَ على مَنْ حَبسَ.
وخالَفَه عَبدُ الحَقِّ وابنُ عَطيَّةَ وقالَ: ذلكَ جائِزٌ، لا أعلَمُ فيهِ نَصَّ خِلافٍ. انتهى، ونقَلَ البُرزُليُّ كَلامَ عَبدِ الحَقِّ وابنِ عَطيَّةَ، واللهُ أعلَمُ (١).
وأمَّا الشافِعيةُ فقالوا: إذا لم يَشرِطِ الواقفُ للناظِرِ أجرةً لم يَستحقَّ أجرةً على الصَّحيحِ كالغَسَّالِ ونَحوِه، فإنْ أخَذَ شيئًا مِنْ مالِ الوَقفِ ضَمِنَه، ولا يَبرأُ إلا بإقباضِهِ.
نَعمْ، له رَفعُ الأمرِ إلى الحاكِمِ ليُقرِّرَ له أجرةَ مِثلِه وإنْ كانَ غَنيًّا كوليِّ اليَتيمِ، ولأنه الأحوَطُ للوَقفِ، وقيلَ: يُقدَّرُ له الأقلُّ مِنْ نَفقتِه وأجرةِ مِثلِه.
وأَفتَى ابنُ الصَّبَّاغِ بأنَّ له الاستِقلالَ بذلكَ مِنْ غَير حاكِمٍ.
стр. 7051
قالَ الشِّروانِيُّ ﵀: قد يُقالُ: ما الحُكمُ لو فُقدَ الحاكِمُ بذلكَ المَحلِّ أو تَعذَّرَ الرَّفعُ إليهِ لِما يُخشَى منه مِنْ المَفسَدةِ على الوَقفِ، فهَل له الاستِقلالُ بما ذُكِرَ أو لا؟ مَحَلُّ تَأمُّلٍ، وعلى الأولِ فيُحتمَلُ أنْ يَكونَ هو مَحمَلَ كلامِ ابنِ الصَّبَّاغِ ما لم يَثبتْ عنه نَصٌّ بالتَّعميمِ، واللهُ أعلَمُ. اه، «سَيِّد عُمَر»: ويُؤيِّدُ الأولَ ما مَرَّ في الشَّرحِ قُبيلَ الفَرعِ، ولكنَّ الأحوَطَ أنْ يُحكِّمَ فيهِ عالِمًا دَيِّنًا يُقرِّرُ له ما ذُكِرَ (١).
الحالَةُ الثالثةُ: ألا يَشرِطَ له الواقفُ ولم يُعيِّنْ له القاضِي أُجرةً:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو لم يَشرِطِ الواقفُ للناظِرِ شيئًا، ولم يُعيِّنْ له القاضي أُجرةً، هل يَستحقُّ أُجرةً مُقابِلَ عَملِه أم لا؟
قالَ الحَنفيةُ: إنْ نَصبَه القاضي ولم يُعيِّنْ له شيئًا يُنظَرُ؛ إنْ كانَ المَعهودُ ألا يَعملَ إلا بأُجرةِ المِثلِ فله أجرةُ المِثلِ؛ لأنَّ المَعهودَ كالمَشروطِ، وإلَّا فلا شيءَ له، هكذا ذكَرَه ابنُ عابدِينَ (٢).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: وإنْ كانَ مَنصوبَ القاضي فله أجرُ مِثلِه، واختَلَفوا هل يَستحقُّه بلا تَعيينِ القاضي؟ فنقَلَ في «القُنْيَة» أولًا: أنَّ القاضيَ لو نَصَبَ قيِّمًا مُطلَقًا ولم يُعيِّنْ له أجرًا فسَعَى فيهِ سَنةً فلا شيءَ له.
стр. 7052
وثانيًا: أنَّ القيِّمَ يَستحقُّ أجْرَ مِثلِ سَعيِه، سَواءٌ شرَطَ له القاضي أو أهلُ المَحَلَّةِ أجرًا أو لا؛ لأنه لا يَقبلُ القَوامةَ ظاهِرًا إلَّا بأجرٍ، والمَعهودُ كالمَشروطِ (١).
قالَ ابنُ عابدِينَ بَعدَما ذكَرَ كَلامَ ابنِ نُجَيمٍ: ووَفَّقَ الخيرُ الرَّمليُّ في «حَواشيه» بحَملِ القَولِ الأولِ على ما إذا لم يَكنْ مَعهودًا (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: إذا لم يَشرِطِ الواقفُ للناظِرِ أجرةً لم يَستحقَّ أجرةً على الصَّحيحِ.
وأفتَى ابنُ الصَّباغِ بأنَّ له الاستِقلالَ بذلكَ مِنْ غيرِ حاكِمٍ.
قالَ الشِّروانِيُّ ﵀: قد يُقالُ: ما الحُكمُ لو فُقدَ الحاكِمُ بذلكَ المَحلِّ أو تَعذَّرَ الرَّفعُ إليهِ لِما يُخشَى منه مِنْ المَفسَدةِ على الوَقفِ، فهَل له الاستِقلالُ بما ذُكِرَ أو لا؟ مَحَلُّ تَأمُّلٍ، وعلى الأولِ فيُحتمَلُ أنْ يَكونَ هو مَحمَلَ كلامِ ابنِ الصَّبَّاغِ ما لم يَثبتْ عنه نَصٌّ بالتَّعميمِ، واللهُ أعلَمُ. اه، «سَيِّد عُمَر»: ويُؤيِّدُ الأولَ ما مَرَّ في الشَّرحِ قُبيلَ الفَرعِ، ولكنَّ الأحوَطَ أنْ يُحكِّمَ فيهِ عالِمًا دَيِّنًا يُقرِّرُ له ما ذُكِرَ (٣).
стр. 7053
وقالَ الحَنابلةُ: ناظِرُ الوَقفِ إذا لم يُسَمِّ له شَيئًا ففيهِ قَولانِ:
الأولُ: أنه يَأكلُ مِنْ غلَّةِ الوَقفِ بالمَعروفِ، سَواءٌ كانَ مُحتاجًا أو غيرَ مُحتاجٍ؛ إلحاقًا له بعامِلِ الزَّكاةِ (١).
الثَّاني: وإنْ لم يُسَمِّ الواقفُ للناظِرِ شيئًا فقِياسُ المَذهبِ: إنْ كانَ مَشهورًا بأخذِ أجرِ المِثلِ على عَملِه -أي: مُعَدًّا لأخذِ العِوضِ على عَملِه- فله أجرةُ مِثلِ عَملِه، وإلَّا بأنْ لم يَكنْ مُعَدًّا لأخذِ العِوضِ على عَملِه فلا شيءَ له؛ لأنه مُتبَرِّعٌ بعَملِه (٢).
والمالِكيةُ لم يَنصُّوا على ما إذا لم يُقدِّرْ له الواقِفُ أو القاضي.
وَظيفةُ الناظِرِ على الوَقفِ:
نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ وَظيفةَ الناظِرِ هي حِفظُ الوَقفِ وعِمارتُه وإيجارُه وتَحصيلُ رَيعِه وكلُّ شيءٍ يُفيدُ الوَقفَ.
قالَ الحَنفيةُ: على الواقفِ أنْ يَقومَ بمَصالحِ الوَقفِ مِنْ عِمارةٍ واستِغلالٍ وبَيعِ غَلَّاتٍ وصَرفِ ما اجتَمعَ عندَهُ فيما شرَطَه الواقفُ، ولا يُكلَّفُ مِنْ العَملِ بنَفسِه إلا مثلَ ما يَفعلُه أمثالُه، ولا يَنبغي له أنْ يُقصِّرَ عنه، وأمَّا ما تَفعلُه الأُجَراءُ والوُكلاءُ فليسَ ذلكَ بواجِبٍ عليهِ، حتَّى لو جعَلَ الوِلايةَ إلى امرأةٍ وجعَلَ لها أجرًا مَعلومًا لا تُكلَّفُ إلَّا مثلَ ما تَفعلُه النِّساءُ عُرفًا.
стр. 7054
ولو نازَعَ أهلُ الوَقفِ القَيِّمَ وقالوا للحاكِمِ: «إنَّ الواقفَ إنَّما جعَلَ له هذا في مُقابَلةِ العملِ وهو لا يَعملُ شيئًا» لا يُكلِّفُه الحاكِمُ مِنْ العَملِ ما لا يَفعلُه الوُلاةُ، ولو حَلَّ به آفَةٌ يُمكنُه معها الأمرُ والنهيُ والأخذُ والإعطاءُ فله الأجرُ، وإلَّا فلا أجْرَ له، ولو طعَنَ أهلُ الوَقفِ في أمانتِه لا يُخرجُه الحاكِمُ إلا بخِيانةٍ ظاهِرةٍ ببيِّنةٍ، وإنْ رَأى أنْ يُدخِلَ معه رَجلًا آخَرَ فعَلَ، ومَعلومُه باقٍ له، وإنْ رَأى أنْ يَجعلَ لمَن أدخَلَه معَه حِصَّةً مِنْ مَعلومِه فلا بَأسَ، وإنْ رَآهُ ضَيِّقًا فجعَلَ لمَن أدخَلَه مِنْ غَلةِ الوَقفِ قَدرًا مُعيَّنًا جازَ، ويَنبَغي له أنْ يَقتصدَ فيما يَجعلُ له مِنْ الغَلةِ (١).
وقالَ الشافِعيةُ: وَظيفةُ المُتولِّي عندَ الإطلاقِ أو التَّفويضِ جَميعُ أُمورِ العِمارةِ والإجارةِ وتَحصيلِ الغَلَّةِ وقِسمتِها على المُستحِقِّينَ وحِفظُ الأُصولِ والغلَّاتِ على الاحتِياطِ؛ لأنه المَعهودُ في مِثلِه.
وكذا الاقتِراضُ على الوَقفِ عندَ الحاجةِ، لكنْ إنْ شرَطَه الواقفُ أو أَذِنَ له القاضي، سَواءٌ مالُ نَفسِه أو غيرُه.
فإنْ فوَّضَ إليه بعضَ هذه الأُمورِ لم يَتعَدَّه؛ اتِّباعًا للشَّرطِ كالوَكيلِ.
ويَجوزُ أنْ يَنصبَ الواقفُ مُتولِّيًا لبَعضِ الأُمورِ دونَ بَعضٍ، بأنْ يَجعلَ إلى واحِدٍ العِمارةَ وتَحصيلَ الغلَّةِ، وإلى آخَرَ حِفظَها وقِسمتَها على المُستحِقِّينَ، أو يَشرِطَ لواحِدٍ الحِفظَ واليَدَ ولآخَرَ التَّصرفَ (٢).
стр. 7055
وقالَ الحَنابلةُ: ووَظيفةُ الناظِر حِفظُ الوَقفِ وعِمارتُه وإيجارُه وزَرعُه ومُخاصَمةٌ فيه وتَحصيلُ رَيعِه مِنْ أجرةٍ أو زَرعٍ أو ثَمرٍ، والاجتِهادُ في تَنميتِه وصَرفُه في جِهاتِهِ مِنْ عِمارةٍ وإصلاحٍ وإعطاءِ مُستحِقٍّ ونحوُه كشِراءِ طَعامٍ أو شَرابٍ شرَطَه الواقفُ؛ لأنَّ الناظرَ هو الذي يَلي الوَقفَ وحِفظَه وحِفظَ رَيعِه وتَنفيذَ شَرطِ واقفِهِ، وطَلبُ الحَظِّ فيه مَطلوبٌ شَرعًا، فكانَ ذلكَ إلى الناظِرِ.
وللناظِرِ وَضعُ يَدِه على الوَقفِ وعلى رَيعِه، وله التَّقريرُ في وَظائفِه، ذكَروهُ في ناظِرِ المَسجدِ، فيَنصِبُ مَنْ يَقومُ بوَظائفِه مِنْ إمامٍ ومُؤذِّنٍ وقَيِّمٍ وغيرِهم، كما أنَّ للناظِرِ المَوقوفِ عليه نصْبَ مِنْ يَقومُ بمَصلحتِه مِنْ جابٍ ونَحوِه كحافِظٍ.
قالَ الحارِثيُّ: ومَتى امتَنعَ مِنْ نَصبِ مَنْ يَجبُ نَصبُه نصَبَه الحاكِمُ كما في عَضلِ الوَليِّ في النكاحِ (١).
وقالَ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ القُرطبيُّ ﵀: لو حَبسَ حَبسًا على وَلدِه وهُم صِغارٌ كلُّهُم فحِيازَةُ أبيهِم لهُم حَوزٌ إذا أشهَدَ لهم وبتَّلَ لهم صَدَقتَهم أو حبْسَهُم، فكانَ هو القائمَ بأمرِهم والناظرَ لهم في كِراءٍ إنْ كانَ أو ثَمرةٍ أو ما تَحتاجُ إليه الصَّدقاتُ مِنْ المَرمَّةِ والإصلاحِ (٢).
стр. 7056
تَعدُّدُ نُظَّارِ الوَقفِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ أنْ يَكونَ للوَقفِ أكثَرُ مِنْ ناظِرٍ، واحِدٌ أو اثنانِ أو أكثَرُ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا فيما لو أسنَدَ الواقفُ النَّظرَ لاثنَينِ، هل يَجوزُ لأحَدِهِما الانفِرادُ بالتَّصرفِ دُونَ الآخَرِ أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الواقفَ لو أسنَدَ الوَقفَ إلى ناظِرَينِ فلا يَصحُّ تَصرُّفُ أحَدِهما مُستقِلًّا عن الآخَرِ.
قالَ الشافِعيةُ: فلو فوَّضَ الواقفُ النَّظرَ لاثنَينِ لم يَستقلَّ أحَدُهما بالتَّصرفِ ما لم يَنُصَّ عليه، ولو جعَلَ النَّظرَ لعَدلَينِ مِنْ أولادِه وليسَ فيهم إلَّا عَدلٌ ضَمَّ الحاكِمُ إليه عَدلاً آخَرَ، وإنْ شرَطَه للأرشَدِ مِنْ أولادِه فالأرشَدِ فأثبَتَ كُلٌّ مِنهم أنه الأرشَدُ اشتَركُوا في النَّظرِ بلا استِقلالٍ إنْ وُجدَتِ الأهلِيةُ فيهِم؛ لأنَّ الأرشَدِيةَ قد سقَطَتْ بتَعارضِ البيِّناتِ فيها وبَقيَ أصلُ الرُّشدِ، وإنْ وُجدَتِ الأرشَدِيةُ في بعضٍ مِنهمُ اختَصَّ بالنَّظرِ؛ عَملًا بالبيِّنةِ، ويَدخلُ في الأرشَدِ مِنْ أولادِ أولادِه الأرشَدُ مِنْ أولادِ البَناتِ؛ لصِدقِه به (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إذا شرَطَ النَّظرَ لاثنَينِ فأكثَرَ لم يَصحَّ تَصرُّفُ أحَدِهما بدونِ الآخَرِ بلا شَرطِ واقِفٍ كالوكيلَينِ والوَصيَّينِ عن واحِدٍ، وإنْ شرَطَ واقِفٌ النَّظرَ لكلٍّ مِنهما بأنْ قالَ: «جَعَلتُ النَّظرَ لكلِّ واحِدٍ منهُما» صَحَّ، أو
стр. 7057
جعَلَ التصرُّفَ لواحِدٍ وجعَلَ اليَدَ لآخَرَ صَحَّ، أو جعَلَ عِمارتَه -أي الوَقفِ- لواحِدٍ وجعَلَ تَحصيلَ رَيعِه لآخَرَ صَحَّ، ولكُلٍّ مِنهُما ما شرَطَ له؛ لوُجوبِ الرُّجوعِ إلى شَرطِه.
وإنْ شرَطَه لاثنَينِ مِنْ أفاضلِ وَلدِه فلمْ يوجَدْ منهُما إلا فاضِلٌ واحدٌ ضُمَّ إليهِ أمينٌ؛ لأنَّ الواقفَ لم يَرْضَ بنَظرِ واحِدٍ، وكذا لو جعَلَه لاثنَينِ فماتَ أحَدُهما أو انعَزلَ (١).
وقالَ المِرداويُّ ﵀: قالَ الحارِثيُّ: إذا أسنَدَ النَّظرَ إلى اثنَينِ لم يَتصرَّفْ أحَدُهما بدونِ شَرطٍ، وكذا إنْ جعَلَه الحاكِمُ أو الناظِرُ إليهما.
وأمَّا إذا شرَطَه لكلِّ واحِدٍ مِنْ اثنَينِ استَقلَّ كلٌّ مِنهما بالتَّصرفِ؛ لاستِقلالِ كُلٍّ منهُما بالنظرِ.
وقالَ في «المُغني»: إذا كانَ المَوقوفُ عليه ناظرًا إمَّا بالشَّرطِ وإمَّا لانتِفاءِ ناظِرٍ مَشروطٍ وكانَ واحِدًا استَقلَّ به، وإنْ كانوا جَماعةً فالنَّظرُ للجَميعِ، كلُّ إنسانٍ في حِصَّتِه. انتَهى
قالَ الحارِثيُّ: والأظهَرُ أنَّ الواحِدَ مِنهم في حالةِ الشَّرطِ لا يَستَقلُّ بحِصتِه؛ لأنَّ النَّظرَ مُسنَدٌ إلى الجَميعِ، فوجَبَتِ الشركةُ في مُطلَقِ النَّظرِ، فما مِنْ نظَرٍ إلا وهو مُشتَرَكٌ.
стр. 7058
وإنْ أسنَدَه إلى عَدلَينِ مِنْ وَلدِه فلمْ يُوجَدْ إلا واحِدٌ أو أبَى أحَدُهما أو ماتَ أقامَ الحاكِمُ مَقامَه آخَرَ؛ لأنَّ الواقفَ لم يَرْضَ بواحِدٍ.
وإنْ جعَلَ كُلًّا مِنهما مُستقِلًّا لم يَحتجْ إلى إقامةِ آخَرَ؛ لأنَّ البَدلَ مُستغنًى عنه، واللَّفظُ لا يَدلُّ عليه.
وإنْ أسنَدَه إلى الأفضَلِ فالأفضَلِ مِنْ وَلدِه وأبَى الأفضَلُ القَبولَ، فهل يَنتقلُ إلى الحاكمِ مُدَّةَ بَقائِه أو إلى مَنْ يَليهِ؟ فيه الخِلافُ الذي فيما إذا رَدَّ البَطنُ الأولُ على ما تَقدَّمَ، قالَه الحارِثيُّ.
قُلتُ: وهي قَريبةٌ ممَّا إذا عضَلَ الوَليُّ الأقرَبُ، هل تَنتقلُ الوِلايةُ إلى الحاكِمِ أو إلى مَنْ يَليهِ مِنْ الأولياءِ؟ على ما يَأتي في كَلامِ المُصنِّفِ في أركانِ النكاحِ.
وإنْ تَعيَّنَ أحَدُهم لفَضلِه ثُمَّ صارَ فيهم مَنْ هو أفضَلُ منه انتَقلَ إليهِ؛ لوُجودِ الشرطِ فيهِ (١).
وقالَ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ما شرَطَه الواقفُ لاثنَينِ ليسَ لأحدِهِما الانفِرادُ إلَّا إذا شرَطَ الواقفُ الاستِبدالَ لنَفسِه وللآخَرِ، فإنَّ للواقِفِ الانفِرادَ لا لفُلانٍ، كما في «فتاوَى قاضِي خَان».
ومُقتَضاهُ: لو شرَطَ لهمَا الإدخالَ والإخراجَ ليسَ لأحدِهِما ذلكَ ولو بعدَ مَوتِ الآخَرِ، فيَبطلُ ذلكَ الشرطُ بمَوتِ أحَدِهما، وعلى هذا لو شرَطَ
стр. 7059
الانفِرادَ لهمَا فماتَ أحَدُهما أقامَ القاضي غيرَه مَقامَه، وليسَ للحَيِّ الانفِرادُ إلا إذا أقامَه القاضي كما في «الإسعَاف» (١).
وقالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: قولُه: (أو النظَر) أفادَ أنَّ الإقرارَ بالنَّظرِ برَيعِ الوَقفِ -أي غلَّتِه-، فلو أقَرَّ الناظِرُ أنَّ فُلانًا يَستحِقُّ معَه نِصفَ النَّظرِ مثلًا يُؤاخَذُ بإقرارِه، ويُشارِكُه فُلانٌ في وَظيفتِه ما داما حَيَّينِ.
بَقيَ لو ماتَ أحَدُهما، فإنْ كانَ هو المُقِرَّ فالحُكمُ ظاهِرٌ، وهو بُطلانُ الإقرارِ وانتِقالُ النَّظرِ لمَن شرَطَه له الواقفُ بعدَه، وأمَّا لو ماتَ المُقَرُّ له فهي مَسألةٌ تَقعُ كَثيرًا، وقد سُئِلتُ عَنها مِرارًا.
والذي يَقتَضيهِ النظرُ بُطلانُ الإقرارِ أيضًا، لكنْ لا تَعودُ الحِصةُ المُقَرُّ بها إلى المُقِرِّ؛ لِما مَرَّ، وإنَّما يُوجِّهُها القاضي للمُقِرِّ أو لمَن أرادَ مِنْ أهلِ الوَقفِ؛ لأنَّا صَحَّحْنا إقرارَه؛ حَملًا على أنَّ الواقفَ هو الذي جعَلَ ذلكَ للمُقَرِّ له كما مَرَّ عن «الخَصَّاف»، فيَصيرُ كأنه جعَلَ النَّظرَ لاثنَينِ.
قالَ في «الأشباه»: وما شرَطَه لاثنَينِ ليسَ لأحَدِهما الانفِرادُ، وإذا ماتَ أحَدُهما أقامَ القاضي غيرَه، وليسَ للحَيِّ الانفِرادُ إلَّا إذا أقامَه القاضي كما في «الإسْعَاف». اه
ولا يُمكِنُ هُنا القَولُ بانتِقالِ ما أقَرَّ به إلى المَساكينِ كما قُلنا في الإقرارِ بالغلَّةِ؛ إذ لا حقَّ لَهم في النَّظرِ، وإنَّما حقُّهم في الغلَّةِ فقط.
стр. 7060
هذا ما حَرَّرتُه في «تَنقِيح الحامِدِيةِ»، ولم أَرَ مَنْ نبَّهَ عليه، فاغتَنِمْه (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ إلى أنه يَجوزُ انفِرادُ كُلٍّ مِنهما بالتَّصرفِ (٢).
تَفويضُ ناظِرِ الوَقفِ النَّظَرَ لغَيرِه:
قالَ الحَنفيةُ: الواقفُ إمَّا أنْ يُفوِّضَ المُتولِّيَ على الوَقفِ تَفويضًا عامًّا بطَريقِ الاستِقلالِ بأنْ أقامَه مَقامَ نَفسِه وجعَلَ له أنْ يُسنِدَ النظَرَ ويُوصِيَ به إلى مَنْ شاءَ، ففي هذه الحالةِ يَجوزُ له أنْ يُفوِّضَ النَّظرَ إلى غَيرِه في حَياتِه وصِحتِه، وفي حالَةِ المَرضِ المُتَّصلِ بالمَوتِ، ولا يَملكُ عزْلَه إلا إذا كانَ الواقفُ جعَلَ له التَّفويضَ والعَزلَ.
وإنْ لم يَكنِ التَّفويضُ له عامًّا فإنْ فوَّضَ في صِحتِه لا يَصحُّ، وإنْ فوَّضَ في مَرضِ مَوتِه صَحَّ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ له العَزلُ والتَّفويضُ إلى غَيرِه كالإيصاءِ.
ويَنبغي أنْ يَكونَ له العَزلُ والتَّفْويضُ كالإيصاءِ، بخِلافِ الإسنادِ في حالِ الصِّحةِ؛ لأنه في حالِ الصِّحةِ كالوَكيلِ، ولا يَملكُ الوَكيلُ العَزلَ (٣).
وقالَ الشافِعيةُ: لو قالَ الواقفُ: «جَعَلتُ النَّظرَ لفُلانٍ وله أنْ يُفوِّضَ النَّظرَ إلى مَنْ أرادَ» ففوَّضَ النَّظرَ إلى شَخصٍ، فهلْ يَزولُ نَظرُ المُفوِّضِ؟ أو يَكونُ المُفوَّضُ إليه وَكيلًا عن المُفوِّضِ؟
стр. 7061
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وفائِدةُ ذلكَ أنه لو ماتَ المُفوِّضُ هل يَبقى النَّظرُ للمُفوَّضِ إليه، أو ماتَ المُفوَّضُ إليه هل يَعودُ للمُفوِّضِ أو لا؟
يَدلُّ للأولِ ما في «فَتاوَى المُصنِّفِ»: إذا شَرَطَ الواقفُ النَّظرَ لإنسانٍ وجعَلَ له أنْ يُسنِدَ إلى مَنْ شاءَ، وكذلكَ سَندٌ بعد سَندٍ فأسنَدَ إلى إنسانٍ، فهلْ للمُسنِدِ عَزلُ المُسنَدِ إليهِ أو لا؟ وهل يَعودُ النَّظرُ إلى المُسنِدِ أو لا؟ ولو أسنَدَ المُسنِدُ أو المُسنَدُ إليه إلى ثالِثٍ، فهل للأولِ عَزلُه أو لا؟
أجابَ: ليسَ للمُسنِدِ عَزلُ المُسنَدِ إليهِ ولا مُشارَكتُه، ولا يَعودُ النظرُ إليه بعد مَوتِه، وليسَ له ولا للثاني عَزلُ الثالثِ الذي أسنَدَ إليهِ الثاني (١).
وقالَ الحَنابلةُ: للناظرِ بالأصالةِ -وهو المَوقوفُ عليه المُعيَّنُ، والحاكِمُ فيما وُقِفَ على غيرِ مُعيَّنٍ ولم يُعيِّنِ الواقفُ غيرَه- نَصبُ وَكيلٍ عنه وعَزلُه؛ لأصالةِ وِلايتِه، أشبَهَ المُتصرِّفَ في مالِ نَفسِه وتَصرُّفَ الحاكمِ في مالِ اليَتيمِ.
وأما الناظرُ المَشروطُ فليسَ له نَصبُ ناظِرٍ ولا الوَصيةُ بالنظرِ؛ لأنَّ نظَرَه مُستفادٌ بالشَّرطِ، ولم يُشرَطْ له شيءٌ مِنْ ذلكَ، ما لم يَكُنْ مَشروطًا له أنْ يَنصِبَ مَنْ شاءَ أو يُوصيَ، فإنْ وَصَّى به ملَكَه، لكنْ لو كانَ المَوقوفُ عليه هو المَشروطَ له فالأشبَهُ أنَّ له النَّصبَ؛ لأصالةِ وِلايتِه؛ إذِ الشرطُ كالمُؤكِّدِ لمُقتضَى الوَقفِ عليه (٢).
стр. 7062
مُحاسَبةُ ناظِرِ الوَقفِ:
قالَ الحَنفيةُ: يَنبغِي للقاضي أنْ يُحاسِبَ الأُمَناءَ بما جَرى على أيديهم مِنْ أموالِ اليَتامى وغلَّاتِهم كُلَّ سِتةِ أشهُرٍ وكلَّ سَنةٍ على حَسبِ ما يَرَى، حتى يَنظُرَ هل أدَّى الأمانةَ فيما فُوِّضَ إليه أو خانَ؟ فإنْ أدَّى الأمانةَ قرَّرَه عليهِ، وإنْ خانَ استَبدلَ غيرَه.
وكانَ عُمرُ ﵁ يُحاسِبُ الأُمَناءَ كلَّ سَنةٍ، وكذلكَ يُحاسِبُ القُوَّامَ على الأوقافِ، ويَقبلُ قَولَهُم في مِقدارِ ما حصلَ في أيديهِم مِنْ الغلَّاتِ والأموالِ، الوَصيُّ والقيِّمُ في ذلكَ على السَّواءِ؛ فإنَّ الأصلَ في الشرعِ أنْ القَولَ قَولُ القاضي في مِقدارِ المَقبوضِ وفيما يُخبِرُ مِنْ الأوقافِ على اليَتيمِ أو على الضَّيعةِ، وما صُرِفَ منها في مُؤناتِ الأراضي، إنْ كانَ وَصيًّا يُقبلُ قَولُه في المُحتمِلِ، وإنْ كانَ فيما لا يُحتملُ لا يُقبلُ (١).
وقالَ ابنُ رُشدٍ في ناظرِ وَقفٍ على نِساءٍ: ولو كُنَّ غيرَ مالِكاتٍ لأُمورِ أنفُسِهنَّ لَوجَبَ إذا ثبَتَ عندَ السُّلطانِ أنه سَيِّئُ النظرِ غيرُ مَأمونٍ أنْ يَعزِلَه ويُقدِّمَ سِواهُ، ولم يَلتفِتْ إلى رِضا مَنْ رَضيَ به مِنهنَّ (٢).
وقالَ الحَنابلةُ: لأهلِ الوَقفِ مُطالَبةُ الناظِرِ بانتِساخِ كِتابِ الوَقفِ؛ لتَكونَ نُسخُه في أيديهِم وَثيقةً، والسُّؤالُ عن حالِه.
стр. 7063
قالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: واحتَجَّ شَيخُنا بمُحاسَبةِ النبيِّ ﷺ عامِلَه على الصَّدقةِ، مع أنَّ له وِلايةَ صَرفِها، والمُستحِقُّ غيرُ مُعيَّنٍ، فهُنا أَولَى، ونَصُّه: إذا كانَ مُتهَمًا ولم يَرضَوا به ونصْبَ المُستَوفي الجامِعُ للعمَّالِ المُتفرِّقينَ هو بحَسبِ الحاجةِ والمَصلحةِ، فإنْ لم تَتمَّ مَصلحةُ قَبضِ المالِ وصَرفِه إلا به وجَبَ.
وقد يَستَغني عنهُ لقلَّةِ العمَّالِ ومُباشَرةُ الإمامِ والمُحاسَبةُ بنَفسِه كنَصبِ الإمامِ للحاكِمِ، ولهذا كانَ ﵇ في المَدينةِ يُباشِرُ الحُكمَ واستيفاءَ الحِسابِ بنَفسِه ويُولِّي مع البُعدِ، ذكَرَه شَيخُنا (١).
ومِن الأدلَّةِ التي يُستدلُّ بها على مُحاسَبةِ العُمَّالِ ما رَواهُ الشيخانِ عن أبي حُميدٍ الساعِديِّ ﵁ «أنَّ النبيَّ ﷺ استَعملَ ابنَ اللُّتبيةِ على صَدَقاتِ بنِي سُليمٍ، فلمَّا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ وحاسَبَه قالَ: هذا الذي لكُم وهذه هَديةٌ أُهدِيتْ لي، فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : فهَلَّا جَلَستَ في بَيتِ أبيكَ وبَيتِ أمِّكَ حتى تَأتيَكَ هَديَّتُكَ إنْ كنتَ صادِقًا؟! ثمَّ قامَ رَسولُ اللهِ ﷺ فخطَبَ الناسَ وحَمِدَ اللهَ وأثنَى عليهِ، ثُمَّ قالَ: أمَّا بعدُ فإني أستَعملُ رِجالًا مِنكم على أُمورٍ ممَّا ولَّانِيَ اللهُ، فيَأتِي أحَدُكم فيَقولُ: «هذا لَكمْ وهذه هَديَّةٌ أُهدِيتْ لي»، فهَلَّا جلَسَ في بَيتِ أبيهِ وبَيتِ أمِّهِ حتى تَأتيَه هَديتُه إنْ كانَ صادِقًا؟! فوَاللَّهِ لا يَأخذُ أحَدُكم منها شيئًا
стр. 7064
بغيرِ حقِّه إلَّا جاءَ اللهَ يَحملُه يَومَ القِيامةِ، ألَا فلَأعرِفَنَّ ما جاءَ اللهَ رَجلٌ ببَعيرٍ له رُغاءٌ أو ببَقرةٍ لها خُوارٌ أو شاةٍ تَيعَرُ، ثمَّ رفَعَ يَديهِ حتى رَأيتُ بَياضَ إبطَيهِ ثمَّ قالَ: ألا هل بَلَّغتُ، بَلَّغتُ بَصُرَ عَيني وسَمِعَ أُذُني» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فيه مُحاسَبةُ العُمَّالِ ليعلَمَ ما قَبَضوهُ وما صَرَفوا (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ المُهلَّبُ: حَديثُ البابِ أصلٌ في مُحاسَبةِ المُؤتمَنِ، وأنَّ المُحاسَبةَ تَصحيحُ أمانتِه، وقالَ ابنُ المُنيرِ في «الحاشِيَة»: يُحتملُ أنْ يَكونَ العامِلُ المَذكورُ صرَفَ شيئًا مِنْ الزَّكاةِ في مَصارِفِه فحُوسِبَ على الحاصِلِ والمَصروفِ، قُلتُ: والذي يَظهرُ مِنْ مَجموعِ الطُّرقِ أنَّ سبَبَ مُطالبَتِه بالمُحاسَبةِ ما وُجدَ معَه مِنْ جِنسِ مالِ الصَّدقةِ وادَّعى أنه أُهديَ إليه (٣).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: وهذا -أي الحَديثُ- أصلٌ في مُحاسَبةِ العُمَّالِ المُتفرِّقينَ (٤).
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: وكانَ في هذا -أي الحَديثِ- حجَّةٌ على مُحاسَبةِ العمَّالِ والأُمَناءِ، فإنْ ظَهَرتْ خِيانتُهم عزَلَهم ووَلَّى أمينًا (٥).
стр. 7065
يَدُ الناظِرِ يَدُ أمانةٍ:
لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ على أنَّ يَدَ الناظِرِ على مالِ الوَقفِ يَدُ أمانةٍ لا يَدُ عُدوانٍ، فلا يَضمَنُ إلَّا إذا تَعدَّى أو فرَّطَ …
قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: صرَّحَ عُلَماؤُنا ﵏ أنَّ يَدَ الناظِرِ على الوَقفِ يَدُ أمانةٍ لا يَدُ عُدوانٍ.
قالَ ابنُ عابدِينَ: وفي «القُنيَة»: وقد صرَّحَ عُلَماؤُنا قاطِبةً بأنَّ يَدَ الناظِرِ على الوَقفِ يَدُ أمانةٍ لا يَدُ عُدوانٍ، قالَ في «الذَّخيرَة»: وإنْ باعَ الأرضَ فقبَضَ الثَّمنَ فهلَكَ في يَدِه فلا ضَمانَ عليه، ويَكونُ الثَّمنُ عندَهُ أمانةٌ، وأخذُ القاضي وأعوانِه المالَ كأخذِ اللُّصوصِ، وقد قالَ كَثيرٌ مِنْ عُلَمائِنا المُتأخِّرينَ عن قُضاةِ زَمانِهم: تَسمَّوا باسمِ القُضاةِ وهُم باسمِ اللُّصوصِ أحَقُّ (١).
عَزلُ ناظِرِ الوَقفِ ومَن له حَقُّ العَزلِ:
إذا نصَبَ الواقفُ ناظِرًا على وَقفِه، فهل له أنْ يَعزلَه لسَببٍ مِنْ الأسبابِ أم لا يَجوزُ؟ وهل للقاضي أيضًا أنْ يَعزلَه أم لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلكَ.
الحالَةُ الأُولى: عَزلُ الواقفِ للناظِرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الواقفِ، هل يَحقُّ له عَزلُ الناظِرِ الذي وَلَّاهُ أم لا؟
فذهَبَ أبو يُوسفَ مِنْ الحَنفيةِ -وعَليهِ الفتوَى عندَهُم- والمالِكيةُ إلى أنه يَجوزُ للواقِفِ عَزلُ الناظِرِ ولو بلا جُنحةٍ؛ لأنه وَكيلُه.
стр. 7066
وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: يَجوزُ إنْ كانَ بشَرطٍ ولا يَجوزُ مِنْ غيرِ شَرطٍ.
وأمَّا الشافِعيةُ والحَنابلةُ ففَصَّلوا كما سَيَأتي:
قالَ الحَنفيةُ: الواقفُ إذا عزَلَ الناظِرَ فإنْ شرَطَ له العَزلَ حالَ الوَقفِ صَحَّ اتِّفاقًا.
وإنْ لم يَشترطْ عزْلَه حالَ الوَقفِ فاختَلَفوا: فعندَ مُحمدٍ لم يَصحَّ عَزلُه، وعندَ أبي يُوسفَ يَصحُّ عَزلُه ولو بلا جُنحةٍ؛ لأنه وَكيلُه، والفتوَى على قَولِ أبي يُوسفَ (١).
وأمَّا المالِكيةُ فقالُوا -كما تقدَّمَ- أنه لا يَصحُّ أنْ يَشترطَ الواقفُ النَّظرَ لنَفسِه، لكنْ يُتَّبعُ شَرطُه في تَعيينِ الناظِرِ، فإنْ شرَطَ النَّظرَ لغيرِه جازَ له عَزلُه ولو لغَيرِ جُنحَةٍ.
قالَ ابنُ عَرفةَ ﵀: للواقِفِ عَزلُه ولو لغَيرِ جُنحةٍ.
وقالَ أيضًا: فلو قدَّمَ المُحبِّسُ مَنْ رآهُ لذلكَ أهلًا فله عَزلُه واستِبدالُه (٢).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ عندَهُما إلى التَّفريقِ بينَ ما إذا شرَطَ الواقفُ النَّظرَ لنَفسِه في ابتِداءِ الوَقفِ ثمَّ أسنَدَ النَّظرَ إلى غَيرِه، وبينَ ما إذا شرَطَ النَّظرَ لغيرِه في ابتِداءِ الوَقفِ:
стр. 7067
أ- فإذا شرَطَ النَّظرَ لنَفسِه في ابتِداءِ الوَقفِ ثُمَّ أسنَدَ النَّظرَ إلى غَيرِه بأنْ قالَ: «جَعَلتُ النظرَ، أو فوَّضْتُه، أو أسنَدتُه إلى زيدٍ» فله عَزلُه ونَصبُ غيرِه مكانَه؛ لأنه نائِبٌ عنه، أشبَهَ الوَكيلَ.
وفي وَجهٍ للشافِعيةِ والحَنابلةِ: ليسَ له العَزلُ؛ لأنَّ مِلكَه زالَ، فلا تَبقى وِلايتُه عليه (١).
ب- أنْ يَشترطَ الواقفُ النَّظرَ لغَيرِه حالَ الوَقفِ كأنْ يَقولَ: «وَقَفتُ هذا الشيءَ بشَرطِ أنْ يَكونَ فُلانٌ ناظرًا عليه»، فليسَ له عَزلُه عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنه لا نظَرَ له بعد شَرطِه لغَيرِه، إلا أنْ يَشترطَ الواقفُ لنَفسِه عزْلَ الناظرِ، فله عَزلُه عندَ الحَنابلةِ.
قالَ الشافِعيةُ: إذا شرَطَ الواقفُ لشَخصٍ نظَرَه حالَ الوَقفِ فليسَ له عَزلُه ولو لمَصلحةٍ؛ لأنه لا تَغييرَ لِما شرَطَه، كما ليسَ لغَيرِه ذلكَ، ولأنه لا نظَرَ له بعد شَرطِه لغَيرِه، وليسَ له عَزلُ مَنْ شرَطَ تَدريسَه أو فوَّضَ إليه حالَ الوَقفِ ولو لمَصلحةٍ، كما لو وقَفَ على أولادِه الفُقراءِ لا يَجوزُ تَبديلُهم بالأغنياءِ، بخِلافِ مَنْ جعَلَ له ذلكَ بعدَ تَمامِ الوقفِ فإنَّ له عزْلَه (٢).
стр. 7068
قالَ الحَنابلةُ: لو شرَطَ الواقِفُ النَّظرَ لغَيرِه مِنْ مَوقوفٍ عليهِ أو أجنَبيٍّ ثُمَّ عزَلَه لم يَصحَّ عَزلُه كإخراجِ بَعضِ المَوقوفِ عليهم، إلَّا أنْ يَشتَرطَ الواقفُ لنَفسِه عزْلَ الناظِرِ، فإنِ اشتَرطَه ملَكَه بالشَّرطِ، فإنْ شرَطَ الواقفُ النَّظرَ لنَفسِه ثمَّ جعَلَ النَّظرَ لغَيرِه أو أسنَدَه أو فوَّضَه -أي النَّظرَ- إليه بأنْ قالَ: «جَعَلتُ النَّظرَ، أو فوَّضْتُه، أو أسنَدتُه إلى زَيدٍ» فللواقِفِ عَزلُه -أي المَجعولِ، أو المُفوَّضِ، أو المُسنَدِ إليه-؛ لأنه نائِبُه، أشبَهَ الوَكيلَ (١).
الحالةُ الثَّانيةُ: عَزلُ القاضي الناظِرَ:
ناظِرُ الوَقفِ إمَّا أنْ يَكونَ الذي نَصَبَه هو الواقفُ، وإمَّا أنْ يَكونَ القاضي في حالَةِ عَدمِ نَصبِ الواقفِ له.
أ- فإذا نصَبَ الواقِفُ ناظِرًا على الوَقفِ فلا يَجوزُ للقاضي عَزلُه إلا بجُنحةٍ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ، ولو عزَلَه لا يَصيرُ مَعزولًا، ولا الثَّاني مُتولِّيًا (٢).
стр. 7069
وقالَ الحَنابلةُ: وإنْ ولَّاهُ الوقفَ أو شرَطَه له وهو فاسِقٌ أو وهو عَدلٌ ثمَّ فسَقَ يُضمَّ إليه أمينٌ لحِفظِ الوَقفِ، ولم تُزَلْ يَدُه؛ لأنه أمكَنَ الجَمعُ بينَ الحَقَّينِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُحتملُ ألَّا يَصحَّ تَوليَتُه، وأنه يَنعزلُ إذا فسَقَ في أثناءِ وِلايتِه؛ لأنها وِلايةٌ على حقِّ غَيرِه، فنَافاهَا الفِسقُ، كما لو وَلَّاهُ الحاكِمُ، وكما لو لم يُمكِنْ حِفظُ الوَقفِ منه مع بَقاءِ وِلايتِه على حقِّ غَيرِه، فإنه مَتى لم يُمكِنْ حِفظُه منه أُزيلَتْ ولايتُه، فإنَّ مُراعاةَ حِفظِ الوَقفِ أهَمُّ مِنْ إبقاءِ وِلايةِ الفاسقِ عليهِ (١).
ب- أنْ يَكونَ مَنصوبَ القاضي:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو كانَ القاضي هو مَنْ أسنَدَ إليهِ النَّظَارةَ، هل له أنْ يَعزِلَه أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه لا يَجوزُ عَزلُ القاضي للناظِرِ بلا جُنحةٍ أو سَببٍ مُوجِبٍ لذلكَ، وهو ظُهورُ خِيانةِ الأولِ أو شَيءٍ آخَرَ (٢).
стр. 7070
وذهَبَ الحَنفيةُ في القَولِ الثاني -والحَنابلةُ- إلى أنه يَجوزُ عَزلُ الناظِرِ ولو بلا خِيانةٍ إذا كانَ مَنصوبَ القاضي، وليسَ للقاضي الثاني أنْ يُعيدَه وإنْ عزَلَه الأولُ بلا سَببٍ؛ لحَملِ أمرِه على السَّدادِ إلا أنْ تَثبتَ أهليَّتُه (١).
قالَ الحَنابلةُ: للقاضِي فيما وُقفَ على غيرِ مُعيَّنٍ ولم يُعيِّنِ الواقفُ غيرَه نَصبُ ناظِرٍ مِنْ جِهتِه، ويَكونُ نائبًا عنه يَملكُ عزْلَه مَتى شاءَ؛ لأصالةِ وِلايتِه، فكانَ مَنصوبُه نائِبًا عنه كما في المِلكِ المُطلَقِ (٢).
عَزلُ النَّاظرِ نفْسَه:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عزَلَ الناظِرُ نفسَه عن نَظارةِ الوَقفِ، هل له ذلكَ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والسُّبكيُّ مِنْ الشافِعيةِ وهو وَجهٌ للحَنابلةِ إلى أنَّ الناظِرَ إذا عزَلَ نفسَه لا يَنفذُ عَزلُه لنَفسِه إلَّا أنْ يُخرِجَه القاضي أو الواقفُ، لَكنْ إنِ امتَنعَ مِنْ النَّظرِ أقامَ الحاكِمُ مَقامَه (٣).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ -خِلافًا للسُّبكِيِّ- وهو ظاهِرُ قَولِ الحَنابلةُ إلى أنه يَجوزُ للناظِرِ أنْ يَعزلَ نفسَه عن نَظارةِ الوَقفِ ويَنعزلُ بذلكَ.
стр. 7071
قالَ الشافِعيةُ: لو عزَلَ الناظِرُ المُعيَّنُ حالةَ إنشاءِ الوَقفِ نفْسَه فليسَ للواقفِ نَصبُ غيرِه، فإنه لا نظَرَ له بعدَ أنْ جعَلَ النَّظرَ في حالةِ الوَقفِ لغَيرِه، بل يَنصِبُ الحاكِمُ ناظِرًا.
وإذا جعَلَ في حالةِ الوَقفِ النَّظرَ لزَيدٍ بعدَ انتِقالِ الوَقفِ مِنْ عَمرٍو إلى الفُقراءِ فعزَلَ زَيدٌ نفسَهُ قبلَ انتِقالِه إلى الفُقراءِ لم يَنفذْ عَزلُه، ولا يَملكُ الواقفُ عزْلَ زَيدٍ في الحالِ ولا بعدَها كما تقدَّمَ (١).
وقالَ المالِكيةُ: للناظِرِ عَزلُ نَفسِه ولو وَلَّاهُ الواقفُ، فيُولِّي الواقِفُ غيرَه مِمَّنْ شاءَ، وإلا فالحاكِمُ (٢).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: مَنْ شرَطَ النَّظرَ لرَجلٍ ثمَّ لغَيرِه إنْ ماتَ فعزَلَ نفسَه أو فسَقَ فكَمَوتِه (٣).
стр. 7072
كتاب إحياء الموات
стр. 7073
كتاب إحياء الموات
تَعريفُ الإِحياءِ:
الإِحياءُ لغةً: مَصدرُ «أحيا» وهو جعلُ الشَّيءِ حيًّا، أي صاحِبَ قوَّةٍ حساسَةٍ أو قوَّةٍ ناميَةٍ (١)، أو بثُّ الحَياةِ في الهامِدِ، ومنه قولُهم: أَحياهُ اللهُ إِحياءً، أي جعَلَه حيًّا، وأَحيَا اللهُ الأرضَ، أي: أخصَبَها بعدَ الجَدبِ، جاءَ في كتابِ اللهِ تَعالَى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ [فاطر: ٩].
وإِحياءُ المَواتِ: أنْ يَعمدَ الشخصُ لأرضٍ لا يُعلمُ تقدُّمُ ملكٍ عليها لأحدٍ، فيُحيِيها بالسَّقيِ أو الزَّرعِ أو الغرسِ أو البناءِ، فتَصيرُ بذلك مِلكَه (٢). على تَفصيلٍ سيَأتي فيما لو كانَت قَريبةً منِ العُمرانِ أم بَعيدةً، وفيما إذا لَم يَأذنْ في ذلك الإمامُ، وهل يُشتَرطُ إذنُه أم لا؟
стр. 7074
تَعريفُ المَواتِ:
المَواتُ: هي الأرضُ التي ليسَ لها مالكٌ ولا بها ماءٌ ولا عِمارةٌ، ولا يُنتفَعُ بها إلا أنْ يَجريَ إليها ماءٌ، أو تُستنبَطَ فيها عَينٌ، أو يُحفَرَ فيها بئرٌ، ويُقالُ لها مَيتةٌ (١).
قالَ الحَنفيةُ: المَواتُ ما لا يُنتفَعُ به مِنْ الأرضِ؛ لانقِطاعِ الماءِ عنه، أو لغَلبةِ الماءِ عليه، أو كَونِها حَجرًا أو سَبخةً ونحوَ ذلك مما يَمنعُ الزِّراعةَ، وليسَتْ ملكًا لأحدٍ، وسُمِّيتْ بذلك تشبيهًا لها بالحَيوانِ الميتِ في عدمِ الانتِفاعِ به (٢).
وقالَ المالِكيةُ: مَواتُ الأرضِ ما سلِمَ عن الاختِصاصِ بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ (٣).
وقالَ الشافِعيةُ: المَواتُ: الأرضُ التي لا ماءَ لها، ولا يَنتفعُ بها أحدٌ إلا أنْ يُجرِيَ إليها ماءً، أو يَستنبِطَ فيها عينًا أو يَحفِرَ بِئرًا.
وحَدُّهُ: ما لَم يَكنْ عامرًا ولا حريمًا لعامرٍ قرُبَ منَ العامرِ أو بعُدَ.
стр. 7075
وهو طارِئٌ وأَصليٌّ، فالطارِئُ: ما خرِبَ بعدَ عِمارتِه، والأَصليُّ ما لَم يُعمَرْ قطُّ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: المَواتُ هي الأرضُ المُنفكَّةُ عن الاختِصاصياتِ ومِلكِ مَعصومٍ (٢).
وحَدُّه عندَهم: ما لَم يَكنْ عامِرًا ولا حَريمًا لعامرٍ وإنْ كانَ مُتصلًا بعامرٍ (٣).
تَعريفُ الإِحياءِ اصطِلاحًا:
قالَ الحَنفيةُّ: الإِحياءُ هو الإِعِمار، وهو جَعلُ الأَراضي المَواتِ صالِحةً للزِّراعةِ برفعِ أَشواكِها وتنقيةِ أَحجارِها ورَفعِها، ويُسمَّى المُعمِّرُ للأَرضِ مُحيِيًا (٤).
وقالَ الغنيميُّ ﵀: الإِحياءُ لغةً: جَعلُ الشيءِ حيًّا، أي ذا قوَّةٍ حَساسةٍ أو ناميةٍ. وشَرعًا: إِصلاحُ الأرضِ المَواتِ بالبناءِ أو الغرسِ أو الكِرابِ أو غيرِ ذلك كما في «القهستاني» (٥).