ولو خرَجَتْ لم يكنْ للزوجِ أنْ يَستردَّ منها ما قبَضَتْ؛ لأنها قبضَتْه بحقٍّ؛ لكَونِ المقبوضِ حقًّا لها، والمَقبوضُ بحقٍّ لا يَحتملُ النقضَ، هذا إذا كانَ المهرُ مُعجَّلًا بأنْ تزوَّجَها على صداقٍ عاجلٍ (١).
الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ المَهرُ مُعجَّلًا ودخَلَ بها الزَّوجُ: وهذهِ على ضَربينِ:
الضَّربُ الأولُ: أنْ يَدخلَ بها برِضاها وهي مُطاوِعةٌ:
اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو كانَ المهرُ حالًّا إلا أنَّ المرأةَ سمَحَتْ للزوجِ أنْ يَدخلَ بها قبلَ قبضِ مهرِها، هل لها بعدَ الوطءِ أنْ تَمنعَ نفسَها حتى تقبضَ المهرَ؟ أم لا يَجوزُ لها حِينئذٍ أنْ تَمنعَ نفسَها؟
فذهبَ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ في المَشهورِ
стр. 9452
والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المهرَ إذا كانَ حالًّا إلَّا أنَّ المرأةَ لم تَستلمْه وسلَّمَتْ نفسَها مطاوِعةً إلى الزوجِ ودخَلَ بها ووَطئَها برِضاها ثم أرادَتْ منْعَ نفسِها بعدَ ذلكَ حتى تَقبضَ مهرَها فإنه لا يَجوزُ لها بعدَ ذلكَ أنْ تَمتنعَ منه ولا أنْ تَحبسَ نفسَها حتَّى تَقبضَ مهرَها، ولكنْ لها الحقُّ في المُطالَبةِ بمهرِها دونَ أنْ تَحبسَ نفسَها؛ لأنَّ التسليمَ استَقرَّ به العوضُ برضَى المُسلِّمِ، فلمْ يكنْ لها أنْ تَمتنعَ منه بعدَ ذلك، كما لو سلَّمَ البائعُ المَبيعَ؛ لأنها بالوطءِ مرةً واحدةً أو بالخَلوةِ الصحيحةِ سلَّمَتْ جَميعَ المعقودِ عليه برِضاها وهي مِنْ أهل التَّسليمِ، فبطَلَ حقُّها في المنعِ كالبائعِ إذا سلَّمَ المبيعَ، ولا شَكَّ في الرِّضا وأهليةِ التسليمِ، والدليلُ على أنها سلَّمَتْ جَميعَ المعقودِ عليه أنَّ المَعقودَ عليه في هذا البابِ في حُكمِ العَينِ، ولهذا يتأكَّدُ جميعُ المهرِ بالوطءِ مرةً واحدةً، ومعلومٌ أنَّ جميعَ البدلِ لا يتأكَّدُ بتسليمِ بعضِ المعقودِ عليه، وما يتكررُ مِنْ الوَطَآتِ مُلتحِقٌ بالاستخدامِ، فلا يُقابِلُه شيءٌ مِنْ المهرِ.
ولأنَّ أحكامَ العقدِ إذا تعلَّقَتْ بالوطءِ اختصَّتْ بالوطءِ الأولِ وكانَ ما بعدَه تبَعًا، وقد رفَعَ الوطءُ الأولُ حُكمَ الإمساكِ في حقِّه، فوجَبَ أنْ يرفَعَه في حقِّ تَبَعِه كالإحلالِ (١).
стр. 9453
وذهبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وبعضُ المالِكيةِ وابنُ حامدٍ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يَحقُّ للمرأةِ في هذه الحالةِ أنْ تَحبسَ نفسَها وتَمتنعَ عن الزوجِ حتى يُعطيَها مهرَها؛ لأنَّ المهرَ مُقابَلٌ بجَميعِ ما يُستوفَى مِنْ مَنافعِ البُضعِ في جميعِ الوطَآتِ التي تُوجَدُ في هذا الملكِ، لا بالمُستوفَى بالوطأةِ الأُولى خاصةً؛ لأنه لا يَجوزُ إخلاءُ شيءٍ مِنْ مَنافعِ البضعِ عن بدلٍ يُقابلُه؛ احتِرامًا للبُضعِ وإبانةً لخَطرِه، فكانَتْ هي بالمنع مُمتنِعةً عن تسليمِ ما يُقابلُه بَدلٌ، فكانَ لها ذلكَ بالوطءِ في المرةِ الأُولى، فكانَ لها أنْ تَمنعَه عن الأولِ حتى تَأخذَ مهرَها، فكذا عن الثاني والثالثِ، إلا أنَّ المهرَ يتأكَّدُ بالوطءِ مرةً واحدةً؛ لأنه مَوجودٌ معلومٌ وما وراءَه مَعدومٌ مَجهولٌ، ثم عندَ الوجودِ يتعيَّنُ قطعًا، فيَصيرُ مُزاحمًا، فيأخُذُ قِسطًا مِنْ البدلِ، كالعبدِ إذا جنَى جنايةً يجبُ دفعُه بها، فإنْ جنَى جنايةً أُخرى فالثانيةُ تُزاحِمُ الأُولى عندَ وُجودِها في وجوبِ الدفعِ بها، وكذا الثالثةُ والرابعةُ إلى ما لا يَتناهى، بخلافِ البائعِ
стр. 9454
إذا سلَّمَ المَبيعَ قبلَ قبضِ الثَّمنِ أو بعدَما قبضَ شَيئًا منه ثمَّ أرادَ أنْ يَستردَّ أنه ليسَ له ذلكَ؛ لأنه سلَّمَ كلَّ المبيعِ، فلا يَملكُ الرجوعَ فيما سلَّمَ، وههُنا ما سلَّمَتْ كلَّ المَعقودِ عليه بل البعضَ دونِ البعضِ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه مَنافعُ البضعِ وما سلَّمَتْ كلَّ المَنافعِ بل بعضَها دونَ البعضِ، فهي بالمنعِ تَمتنعُ عن تَسليمِ ما لم يَحصلْ مُسلَّمًا بعدُ، فكانَ لها ذلكَ، كالبائعِ إذا سلَّمَ بعضَ المبيعِ قبلَ استيفاءِ الثَّمنِ كانَ له حَقُّ حبسِ الباقي ليَستوفِيَ الثَّمن، كذا هذا (١).
الضَّربُ الثَّاني: أنْ يَدخلَ بها وهي مُكرَهةٌ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ المهرَ إذا كان حالًّا معجَّلًا ودخَلَ الزوجُ بالزوجة وهي مكرَهةٌ ولم يُسلِّمْها المهرَ أنه مِنْ حقِّها أنْ تَمتنعَ مِنْ تَسليمِ نفسِها له حتى تَقبضَ مهرَها، ولا يَسقطُ حقُّها مِنْ الامتناعِ؛ لأنه حصَلَ بغير رضاها، كالمَبيعِ إذا أخَذَه المُشتري مِنْ البائع كرهًا (٢).
стр. 9455
الحَالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ المَهرُ مُؤجَّلاً:
إذا كانَ المهرُ مؤجَّلًا فهذا لا يخلو مِنْ ضروبٍ:
الضَّربُ الأولُ: أنْ يَكونَ اشترطَ تأجيلَه إلى أجَلٍ مَعلومٍ واشترطَ الدخولَ:
اتفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا تزوَّجَ امرأةً على مهرٍ مؤجَّلٍ أجَلًا معلومًا واشتَرطَ عليها الدخولَ صحَّ؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ صحَّ بعينٍ وبدَينٍ صحَّ أنْ يكونَ معجَّلًا ومؤجَّلًا كالبيع، وإذا كانَ الصداقُ مُؤجَّلًا فعَليها تسليمُ نفسِها ولا يجوزُ لها أنْ تَحبسَ نفسَها عن الزوج بعدَ ذلكَ؛ لأنها رَضيَتْ بالتأخيرِ، فليسَ لها حَبسُ نفسِها؛ لأنه لمَّا شرَطَ الدخولَ لم يَرْضَ بتأخيرِ حقِّه في الاستمتاعِ.
الضَّربُ الثَّاني: أنْ يكونَ المَهرُ مؤجَّلًا إلى أجَلٍ مَعلومٍ ولم يَشترطِ الدُّخولَ:
اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو عقَدَ الرجلُ على امرأةٍ وسمَّى لها مهرًا مَعلومًا إلى أجلٍ معلومٍ، هل يَحقُّ لها أنْ تَحبسَ نفسَها حتى تقبضَه في الأجَلِ؟ أم لا يَجوزُ لها أنْ تحبسَ نفسَها؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ لها في هذه الحالةِ أنْ تَحبسَ نفسَها عن الزوج؛ لأنَّ المرأةَ بالتأجيلِ رَضيَتْ بإسقاطِ حقِّ نفسِها، فلا يَسقطُ حقُّ الزوجِ،
стр. 9456
كالبائع إذا أجَّلَ الثمنَ أنه يَسقطُ حقُّ حبسِ المبيعِ، بخِلافِ ما إذا كانَ التأجيلُ إلى مُدةٍ مَجهولةٍ جَهالةً متفاحِشةً؛ لأنَّ التأجيلَ ثمَّةَ لم يَصحَّ، فلم يَثبتِ الأجلُ فبقي المهرُ حالًّا.
ولأنَّ المهرَ إذا كان مُؤجَّلًا تأجيلًا صَحيحًا فمِن حُكمِه أنْ يَتأخرَ تسليمُه عن تَسليمِ النفسِ؛ لأنَّ تَقديمَ تسليمِه ثبَتَ حقًّا لها؛ لأنه ثبَتَ تَحقيقًا للمُعاوَضةِ المُقتضيةِ للمُساواةِ حقًّا لها، فإذا أجَّلَتْه فقدْ أسقَطَتْ حقَّ نفسِها فلا يَسقطُ حقُّ زوجِها؛ لانعدامِ الإسقاطِ منه والرِّضا بالسقوطِ، لهذا المعنَى سقَطَ حقُّ البائِع في الحَبسِ بتأجيلِ الثمنِ، كذا هذا.
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ إلى أنه يَجوزُ لها أنْ تَمنعَ نفسَها عنه، سواءٌ كانَتِ المدَّةُ قصيرةً أو طويلةً بعدَ أنْ كانت مَعلومةً أو مَجهولةً جَهالةً متقارِبةً كجَهالةِ الحَصادِ والدياسِ؛ لأنَّ مِنْ حُكمِ المهرِ أنْ يتقدَّمَ تسليمُه على تسليمِ النفسِ بكلِّ حالٍ؛ لأنه لو كانَ مُعينًا أو غيرَ مُعينٍ وجَبَ تقديمُه فلمَّا قبلَ الزَّوجُ التأجيلَ كانَ ذلكَ رضًا بتأخيرِ حقِّه في القبضِ، بخلافِ البائعِ إذا أجَّلَ الثمنَ أنه ليسَ له أنْ يَحبسَ المبيعَ، ويَبطلُ حقُّه في الحَبسِ بتأجيلِ الثَّمنِ؛ لأنه ليسَ مِنْ حُكمِ الثمنِ تَقديمُ تسليمِه على تسليمِ المبيعِ لا مَحالةَ، ألَا تَرى أنَّ الثمنَ إذا كانَ عَينًا يُسلَّمانِ معًا، فلم يكنْ قبولُ المُشتري التأجيلَ رضًا منه بإسقاطِ حقِّه في القبضِ (١).
стр. 9457
الضَّربُ الثالثُ: إذا كانَ الأجَلُ مَعلومًا وحَلَّ الأجلُ:
اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو تَزوجَ المرأةَ على مَهرٍ مؤجَّلٍ أجَلًا مَعلومًا وقد حَلَّ الأجلُ، هل لها أنْ تَحبسَ نفسَها بعدَ ذلك أم لا؟
فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والشافعيةُ في الأصحِّ والحَنابلةُ إلى أنَّ المهرَ إذا كانَ مُؤجلًا أجَلًا مَعلومًا فحَلَّ الأجلُ فليسَ لها أنْ تَمنعَ نفسَها لتَستوفِيَ المهرَ؛ لأنَّ حَقَّ الحَبسِ قد سقَطَ بالتأجيلِ، والساقِطُ لا يَحتملُ العودَ كالثمن في المبيعِ؛ لأنَّ التسليمَ قد وجَبَ عليها واستَقرَّ قبلَ قبضِه، فلم يكنْ لها أنْ تَمتنعَ منه؛ لأنها رَضِيَت أولًا بكونِه في ذمَّته، ووجَبَ عليها التَّسليمُ قبلَ القبضِ، فلم تَرتفعْ بحُلولِ الحقِّ.
وذهَبَ الإمامُ أبو يُوسفَ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصحِّ إلى أنَّ لها أنْ تَحبسَ نفسَها؛ لاستحقاقِها المُطالبةَ بعدَ الحُلولِ كما في الابتِداءِ، ولأنها عندَ أبي يُوسفُ لها أنْ تَمنعَ نفسَها قبلَ حُلولِ الأجلِ فبعدَه أَولى (١).
стр. 9458
وأمَّا المالِكيةُ فقالُوا: إذا لم يُسلِّمْ لها المهرَ المُعيَّنَ -كعَبدٍ بعَينِه أو دارٍ أو عَرضٍ- أو حالَّ الصَّداقِ المَضمونِ فلها مَنعُ نفسِها مِنْ الدُّخولِ حتى يُسلِّمَه لها؛ لأنها بائِعةٌ، والبائعُ له مَنعُ سِلعتِه حتَّى يَقبضَ الثَّمنَ.
وإنْ لم يَكُنِ الصَّداقُ مُعيَّنًا فلها مَنعُ نَفسِها مِنْ الوَطءِ بعدَ الدخولِ، هذا إنْ لم يَحصلْ وَطءٌ ولا تَمكينٌ.
أمَّا إنْ سلَّمَتْ نفْسَها له -وَطئَ أو لم يَطأْ- فليسَ لها مَنعٌ بعدَ ذلكَ، مُوسِرا كانً أو مُعسِرًا، وإنما لها المُطالَبةُ به فقطْ ورَفعُه للحاكِمِ كالمَدينِ، نَصَّ عليه ابنُ القاسِمِ، وقالَ مُحمدٌ بنُ الموَّازِ: لها الامتِناعُ، والأولُ هو الصَّحيحُ (١).
الحالةُ الثالثةُ: أنْ يَكونَ المَهرُ بَعضُه حالاًّ وبَعضُه مُؤجَّلاً:
إذا تزوجَها على مَهرٍ بعضُه حالٌّ وبعضُه مؤجَّلٌ إلى أجَلٍ معلومٍ فيَجوزُ لها بالإجماعِ أنْ تَمتنعَ عن تسليمِ نفسِها حتى تقبِضَ الحالَّ وليس لها أنْ تمَتنعَ مِنْ تسليمِ نفسِها لقَبضِ المؤجَّلِ، فيكونُ حُكمُ الحالِّ منه كحُكمِه لو كانَ جَميعُه حالًّا، وحُكمُ المؤجَّلِ منه كحُكمِه لو كانَ جَميعُه مؤجَّلًا على الخلافِ السابقِ بينَ العلماءِ (٢).
стр. 9459
إذا أعسَرَ الزَّوجُ بالمَهرِ قبلَ الدُّخولِ هل لها أنْ تَفسخَ النِّكاحَ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أعسَرَ الزَّوجُ بالمَهرِ، هل يَحقُّ للمَرأةِ أنْ تَفسخَ النكاحَ أم لا؟
فذهَبَ الحَنفيةُ (والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولِ لهما) إلى أنَّ الزَّوجَ إذا أعسَرَ بالصَّداقِ فلا يَحقُّ للمَرأةِ فَسخُ النِّكاحِ، سواءٌ كانَ قبلَ الدُّخولِ أو بعدَ الدُّخولِ.
قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: المُعسِرُ عن الصَّداقِ.
قالَ أصحابُنا: لا يُفرَّقُ بينَهما، وهو قولُ الثَّوريِّ (١).
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ -في الجُملَةِ على تَفصيلٍ عندَهم- إلى أنه إذا أعسَرَ الزوجُ بالمَهرِ قبلَ الدخولِ أنهُ يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَفسخَ النِّكاحَ بسبَبِ إعسارِ الزوجِ بالمهرِ.
وأما إذا أعسَرَ بعدَ الدُّخولِ ليسَ لها الفَسخُ عندَ المالِكيةِ وقولٍ للشافِعيةِ وللحَنابلةِ.
والمَذهبُ عندَ الحَنابلةِ وقَولٌ للشافِعيةِ أنَّ لها الفسخَ قبلَ الدُّخولِ وبعدَهُ.
стр. 9460
قالَ المالكيةُ: إذا نكَحَ امرأةً بصَداقٍ ثمَّ أرادَ الدُّخولَ قبلَ أنْ يَنقُدَها صَداقَها فليسَ لهُ ذلكَ إلا برضاها، ولها أنْ تَمنعَه نفْسَها حتَّى يُعطيَها صَداقَها، فإنْ كانَ له مالٌ مَعلومٌ أُخذَ منهُ ودُفعَ إليها.
وإذا أعسَرَ بالصَّداقِ قبلَ أنْ يَدخلَ بها والصَّداقُ حالٌّ ضُربَ لهُ فيهِ أجَلٌ بعدَ أجَلٍ على ما يَراهُ الحاكمُ، ليسَ في ذلك حَدٌّ إلا الاجتهادُ على قَدرِ ما يُرجَى مِنْ مالِه مِنْ تجارةٍ أو غيرِها، فإنْ قدَرَ عليهِ وإلا فُرِّقَ بينَهما واتْبعَتْه بنِصفِ الصَّداقِ دَينًا في ذمَّتِه، فإنْ أيسَرَ أخذَتْه منه، ولا نَفقةَ لها عليه؛ لأنها ليسَتْ في عِدَّةٍ منه، ولو كانَ يُجرِي النَّفقةَ عليها قبلَ البناءِ بها لمْ يَمنعْها ذلكَ مِنَ الامتناعِ منه مِنْ أجْلِ صَداقِها الحَالِّ عليهِ على ما ذكَرْنا.
وإذا دخَلَ بها ثمَّ أعسَرَ بصَداقِها أو بباقِي صَداقِها لمْ يُفرَّقْ بينَهما ولم يَكنْ لها أنْ تَمنعَه نفسَها، ويُضرَبُ للمُعسِرِ بالصَّداقِ أجَلٌ على قَدرِ حالِه وما يُرجَى له مِنْ مالِه مِنْ تِجارةٍ أو صَنعةٍ، وأجَلُه في ذلكَ غيرُ مَحصورٍ ولا مَحدودٍ، وهو إلى اجتِهادِ الحاكِمِ مَوكولٌ (١).
وأما الشافِعيةُ فعِندَهم تَفصيلٌ بيَّنَه أكثَرُ مِنْ واحدٍ كالماوَرديِّ والعَمرانِيِّ وغيرِهم.
قالَ العَمرانِيُّ ﵀: وإذا أعسَرَ الرَّجلُ بالصَّداقِ .. فهل يَثبتُ لها الخِيارُ في فَسخِ النكاحِ؟ فيهِ ثلاثةُ طُرقٍ، حَكاها ابنُ الصبَّاغِ.
стр. 9461
ومِن أصحابِنا مَنْ قالَ: إنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ .. لم يَثبتْ لها الخِيارُ قَولًا واحِدًا، وإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ .. ففيهِ قَولانِ:
أحَدُهما: يَثبتُ لها الخِيارُ؛ لأنه تَعذَّرَ عليهِ تَسليمُ العِوضِ، والمُعوَّضُ باقٍ بحالِه، فكانَ لها الرُّجوعُ إلى المُعوَّضِ، كما لَو أفلَسَ المُشتري بالثَّمنِ والمَبيعُ باقٍ بحالِه.
والثَّاني: لا يَثبتُ لها الخِيارُ؛ لأنَّ تأخيرَ المَهرِ ليسَ فيهِ ضَررٌ مُتحقِّقٌ، فهو بمَنزلةِ الخادمِ في النَّفقةِ إذا أعسَرَ بها الزوجُ.
ومنهم مَنْ قالَ: إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ .. ثبَتَ لها الخِيارُ قولًا واحِدًا، وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ .. ففيهِ قَولانِ:
أحَدُهما: لا يَثبتُ لها الخِيارُ؛ لأنَّ المَعقودَ عليهِ قدْ تلَفَ، فهوَ كما لو تلَفَ المَبيعُ في يدِ المُشتري ثمَّ أفلَسَ.
والثَّاني: يَثبتُ لها الخِيارُ، وهو اختيارُ الشَّيخِ أبي إسحاقَ؛ لأنَّ المرأةَ يَجبُ عليها التَّمكينُ مِنْ الوَطءِ، وجَميعُه في مُقابلةِ الصَّداقِ وإنْ سلَّمَتْ بعضَه، فكانَ لها الفَسخُ في الباقي، فهو كما لو وجَدَ البائعُ بعضَ المَبيعِ في يدِ المُفلسِ.
ومنهم مَنْ قالَ: إنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ .. ثبَتَ لها الخِيارُ قولًا واحِدًا، وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ .. لمْ يَثبتْ لها الخِيارُ قَولًا واحدًا؛ لأنَّ قبلَ الدُّخولِ لم يَتلَفِ البضعُ، وبعدَ الدُّخولِ قد تلَفَ البضعُ؛ لأنَّ المُسمَّى يَستقرُّ بالوَطأةِ
стр. 9462
الأُولى كما يَستقرُّ الثَّمنُ بتَسليمِ جَميعِ المَبيعِ، وباقي الوَطَآتِ تَبعٌ للأُولى.
فإذا تَزوَّجَتِ امرأةٌ رَجلًا معَ العِلمِ بإعسارِه بالمَهرِ وقُلنا: يَثبتُ لها الخيارُ إذا لم تَعلمْ بهِ .. فهلْ يَثبتُ لها الخِيارُ هاهُنا؟ فيهِ وَجهانِ، حَكاهُما ابنُ الصبَّاغِ:
أحَدُهما: لا يَثبتُ لها الخِيارُ؛ لأنها رَضِيَتْ بتَأخيرِه، بخِلافِ النَّفقةِ؛ فإنَّ النَّفقةَ لا تَجبُ بالعَقدِ، ولأنه قد يَتمكَّنُ المُعسِرُ مِنْ النفقةِ بالكَسبِ والاجتِهادِ بخِلافِ الصَّداقِ.
والثَّاني: يَثبتُ لها الخِيارُ؛ لأنه يَجوزُ أنْ يقدرَ عليه بعدَ العَقدِ، فلا يَكونُ عِلمُها بإعسارِه .. رضًا بتأخيرِ الصَّداقِ كالنفقةِ.
وإنْ أعسَرَ بالصَّداقِ فرَضِيَتْ بالمقامِ معه .. لم يَكنْ لها الخِيارُ بعدَ ذلكَ؛ لأنَّ حقَّ الصَّداقِ لم يَتجدَّدْ، بخِلافِ النَّفقةِ، هذا تَرتيبُ البَغداديينَ.
وقالَ المَسعوديُّ في «الإبانَة»: إذا رَضيَتْ بإعسارِه بالمَهرِ ثمَّ رجَعَتْ فإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ .. كانَ لها الامتِناعُ، وإنْ كانَ بعدَ الدُّخولِ .. لم يكنْ لها الامتِناعُ.
وإنْ رَضيَتْ بالمقامِ معه بعدَ ما أعسَرَ بالصَّداقِ .. سقَطَ حَقُّها مِنْ الفَسخِ، ولا يَلزمُها أنْ تُسلِّمَ نفسَها، بلْ لها أنْ تَمتَنعَ حتَّى يُسلِّمَ صَداقها؛ لأنَّ رَضاها إنَّما يؤثِّرُ في إسقاطِ الفَسخِ دُونَ الامتِناعِ.
стр. 9463
ولا يَصحُّ الفَسخُ للإعسَارِ بالصَّداقِ إلا بالحاكمِ؛ لأنهُ مُجتهَدٌ فيهِ، فهو كفَسخِ النكاحِ بالعَيبِ (١).
وقالَ الحَنابلةُ: إنْ أعسَرَ الزَّوجُ بالمَهرِ الحالِّ قبلَ الدُّخولِ فلها الفَسخُ؛ لأنه تَعذَّرَ الوُصولُ إلى عِوضِ العَقدِ قبلَ تَسليمِ المُعوَّضِ، فكانَ لها الفَسخُ كما لو أعسَرَ المُشتري بالثَّمنِ قبلَ تَسليمِ المَبيعِ.
وإنْ أعسَرَ بعدَ الدُّخولِ فلها الفَسخُ أيضًا في المَذهبِ؛ لأنه تَعذَّرَ عليها الوصولُ إلى العِوضِ، أشبَهَ ما لو أفلَسَ المُشتري.
وفي وَجهٍ: ليسَ لها الفَسخُ؛ بناءً على القَولِ أنهُ ليسَ لها مَنعُ نَفسِها، كما لو أفلَسَ بدَينٍ لها لآخَرَ.
ولا يَجوزُ الفَسخُ إلا بحُكمِ حاكمٍ؛ لأنه مُجتهَدٌ فيهِ.
إلا أنها لو رَضِيَتْ بالمقامِ معهُ بعدَ عُسرَتِه امتَنعَ الفَسخُ، وكذا لو تَزوَّجتْه عالِمةً بعُسرتِه امتَنعَ الفَسخُ؛ لرِضاها بهِ، هذا هو المَذهبُ، وقيلَ: لها الفَسخُ.
وللتي رَضِيَتْ بالمقامِ مع العُسرةِ أو تَزوَّجتْه عالِمةً بالعُسرَةِ مَنعُ نَفسِها حتَّى تَقبضَ مَهرَها الحالَّ؛ لأنه لم يَثبتْ له عليها حَقُّ الحَبسِ (٢).
стр. 9464
تكملة النكاح
стр. 9465
فصل في أحكامِ المُفوضةِ
تعريفُ المُفوضةِ:
التَّفويضُ لُغةً: الإهمالُ، كأَنَّ المَهرَ أُهمِلَ حَيثُ لمْ يُسَمَّ، ومنهُ قولُ الشَّاعِرِ:
لا يَصلُحُ النَّاسُ فَوضَى لا سَراةَ لهُم … ولا سَراةَ إذا جهَّالُهُم سادُوا
يعنِي: مُهمِلِينَ (١).
والمُفوّضَةُ: بكَسرِ الواوِ وفَتحِها، فالكَسرُ (المُفَوِّضةُ) على نِسبةِ التَّفويضِ إلى المَرأةِ على أنها فاعِلةٌ، والفَتحُ (المُفَوَّضةُ) على نِسبتِه إلى وَليِّها.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: التَّفوِيضُ في النِّكاحِ: أنْ تُنكِحَ المَرأةُ نفْسَها بغَيرِ مَهرٍ.
فمَن منَعَ النِّكاحَ بغَيرِ وَليٍّ قالَ: امرأةٌ مُفوَّضةٌ، بفَتحِ الواوِ.
ومَن أجازَهُ بغَيرِ وَليٍّ قالَ: مُفوِّضةٌ، بكَسرِ الواوِ (٢).
стр. 9466
والتَّفويضُ اصطِلاحًا:
قالَ الحَنفيةُ: المُفوِّضةُ: هيَ الَّتي نَكحَتْ بلا ذِكرِ مَهرٍ، أو على أنْ لا مَهرَ لها (١).
وقالَ المالكيَّةُ: نِكاحُ التَّفويضِ: عَقدٌ بلا ذِكرِ -أي تَسميةِ- مَهرٍ ولا دُخولٍ على إسقاطِه، فإنْ دخَلا على إسقاطِه فليسَ مِنَ التَّفويضِ، بل نِكاحٌ فاسِدٌ، فيُفسخُ قبْلَ البِناءِ، ويَثبُتُ بعْدَه بصَداقِ المِثلِ.
ولا صَرفِه -أي الصَّداقِ- لحُكمِ أحدٍ، فإنْ صُرِفَ الصَّداقُ لحُكمِ أحدٍ فيما يُعيِّنه مِنْ مَهرِها فهو نِكاحُ تَحكيمٍ، وهو جائزٌ أيضًا (٢).
وقالَ الشَّافعيةُ: التَّفويضُ ضَربانِ:
الأولُ: تَفوِيضُ بُضعٍ، وهو إخلاءُ النِّكاحِ عنِ المَهرِ.
والثَّاني: تَفويضُ مَهرٍ، ك: «زوِّجْني بما شِئتَ، أو شاءَ فلانٌ، أو على ما يَشاءُ الخاطِبُ، أو ما شِئتُ أنا»، والمُرادُ هنا هو الأوَّلُ (٣).
وقالَ الحَنابلةُ: التَّفويضُ على ضَربَينِ:
الأوَّلُ: تَفويضُ البُضعِ -وهو الَّذي يَنصَرفُ الإطلاقُ إليهِ- وهو أنْ
стр. 9467
يُزوِّجَ الأبُ ابنتَه المُجبَرَةَ بغيرِ صَداقٍ، أو تأذَنَ المَرأةُ لوليِّها أنْ يُزوِّجَها بغيرِ صَداقٍ، سواءٌ سَكتَ عن الصَّداقِ أو شرَطَ نَفيَه.
والضَّربُ الثَّاني: تَفويضُ المَهرِ، وهو أنْ يَتزوَّجَها على ما شاءَتْ أو على ما شاءَ الزَّوجُ أو الوليُّ أو على ما شاءَ أجنَبيٌّ -أي غَيرُ الزَّوجَينِ- أو يقولَ الوَليُّ: «زَوَّجتُكَها على ما شِئْنا، أو على حُكمِنا» ونَحوِه ك: «على حُكمِكَ، أو حُكمِ زيدٍ» (١).
وهُنا بعضُ المَسائلِ في أحكامِ المُفوّضةِ:
حكمُ نكاحِ التَّفويضِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ وغَيرُهم على أنَّ نِكاحَ المُفوّضةِ بأنْ تَزوَّجَ امرأةً ولمْ يُسمِّ لها صَداقًا أنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ.
وكذا عِنْدَ الجُمهورِ خِلافاً للمالكيَّةِ -كما تقدَّمَ- لو اشتَرَطَا في عَقدِ النَّكاحِ إسقاطَ المَهرِ أو نَفيَه أو أنْ لا مَهرَ؛ فإنَّ النَّكاحَ صَحيحٌ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فأثبَتَ الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ فَرضٍ، والطَّلاقُ لا يَقعُ إلَّا في نِكاحٍ صَحيحٍ؛ لأنَّ اللهَ رفَعَ الجُناحَ عمَّن طلَّقَ في نكاحٍ لا تَسميةَ فيهِ، والطَّلاقُ لا يكونُ إلَّا بعْدَ النِّكاحِ، فدَلَّ على جَوازِ النِّكاحِ بلا تَسميةٍ.
стр. 9468
ولقَولِه تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، والمُرادُ منهُ الطَّلاقُ في نِكاحٍ لا تَسميةَ فيهِ، بدَليلِ أنهُ أوجَبَ المُتعةَ بقَولِه: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾، والمُتعةُ إنِّما تَجبُ في نِكاحٍ لا تَسميةَ فيهِ، فدَلَّ على جَوازِ النِّكاحِ مِنْ غَيرِ تَسميةٍ.
وعَن عَلقَمةَ والأسوَدِ عنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ أنَّ رَجلًا أتاهُ فسَألَهُ عنْ رَجلٍ تزوَّجَ امرأةً فماتَ عَنها ولمْ يَدخُلْ بها ولمْ يَفرِضْ لها، فلم يَقُلْ شيئًا ورَدَّدهُم شَهرًا، ثمَّ قالَ: أقولُ برأيِي، فإنْ كانَ صوابًا فمِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَ خطأً فمِن قِبَلِي، أرَى لها صَداقَ نِسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ ولها الميراثُ، فقامَ فُلانٌ الأشجَعيُّ وقالَ: قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ في بَروَعَ بِنتِ واشِقٍ بمِثلِ ذلكَ، قالَ: ففَرِحَ عبدُ اللهِ بذلكَ وكبَّرَ» (١).
ولأنَّ المَقصودَ في النِّكاحِ أَعيانُ الزَّوجَينِ دُونَ المَهرِ، ولهذا يَجبُ ذِكرُ الزَّوجَينِ في العَقدِ، وإنِّما العِوضُ فيه تَبَعٌ، بخلافِ البَيعِ فإنَّ المَقصودَ فيهِ العِوضُ، ولهذا لا يَجبُ ذِكرُ البائعِ والمُشتري في العَقدِ إذا وقَعَ بيْنَ وكيلَيهما (٢).
стр. 9469
قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ ﵀: نِكاحُ التَّفويضِ جائزٌ، وهو كُلُّ نِكاحٍ عُقدَ مِنْ غيرِ ذِكرِ الصَّداقِ، ولا خِلافَ فيه، ويُفرضُ بعدَ ذلكَ الصَّداقُ، فإنْ فُرِضَ التَحقَ بالعَقدِ وجازَ، وإنْ لَم يُفرَضْ لها وكانَ الطَّلاقُ لم يَجبْ صَداقٌ إجماعًا (١). أيْ: قَبْلَ الدُّخولِ.
وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعُوا على أنَّ نِكاحَ التَّفويضِ جائزٌ، وهوَ أنْ يُعقدَ النكاحُ دُونَ صداقٍ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] (٢).
وقالَ ابنُ جُزَي ﵀: نِكاحُ التَّفويضِ جائزٌ اتِّفاقًا (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ عُلماءُ المُسلمينَ أنهُ لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يَطَأ فَرجًا وُهِبَ له دُونَ رَقبتِه، وأنهُ لا يَجوزُ له وَطءٌ في نِكاحٍ بغَيرِ صَداقٍ مُسمًّى، دَينًا أو نَقدًا، وأنَّ المُفوَّضَ إليه لا يَدخلُ حتَّى يُسمِّي صَداقًا، فإنْ وَقعَ الدُّخولُ في ذلكَ لَزمَ فيهِ صَداقُ المِثلِ (٤).
стр. 9470
وقالَ ابنُ القَطَّان الفاسِي ﵀: وأجمَعُوا أنَّ مَنْ تَزوَّجَ امرأةً على غَيرِ صَداقٍ ذكَرَه أنَّ النِّكاحَ ثَابتٌ، دخَلَ بها أو لم يَدخُلْ (١).
وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ تَزوَّجَ امرأةً ولم يُقدِّرْ لها مَهرًا صَحَّ النِّكاحُ، ووجَبَ لها المَهرُ إذا دَخلَ بها، وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فليسَ لها مَهرٌ، بل لها المُتعَةُ بنصِّ القرآنِ (٢).
المَسألةُ الثانيةُ: إذا لم يُسَمِّ لها صَداقًا أو نَفاهُ أو أسقَطَه وطلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الرَّجلِ إذا عقَدَ على امرأةٍ نِكاحًا ولم يُسَمِّ لها مَهرًا -وهو ما يُسمَّى التَّفويضَ-، أو نَفَى المَهرَ عِنْدَ العَقدِ، أو أسقَطَه ثمَّ طلَّقَها قبْلَ أنْ يَدخلَ بهَا، هل يَسقُطُ المَهرُ؟ أم يَجبُ نِصفُ مَهرِ مِثلِها؟ أم يَكونُ لها المُتعةُ وُجوبًا أو نَدبًا؟
فذهَبَ المالكيَّةُ -كما تَقدَّم- إلى أنهُم يُفسِدونَ عقْدَ النِّكاحِ إذا نَفيَا المَهرَ أو أسقَطاهُ، ويكونُ لها صَداقُ المِثلِ إذا دخَلَ بها، ولا شيءَ لها على الصَّحيحِ إذا لم يَدخُلْ بها، وإنْ طلَّقَها في نِكاحِ التَّفويض قبْلِ الدُّخولِ ولَم يَفرضْ لها صَداقًا فلا يَجبُ عليهِ شَيءٌ، ولا يَجبُ عليهِ المُتعةُ كما سيأتي (٣).
стр. 9471
وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا لم يُسَمِّ للمَرأةِ مَهرًا في عَقدِ النِّكاحِ أو عقَدَ على نَفي المَهرِ أو إسقاطِه ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ أنهُ يَجبُ لها المُتعةُ، ولا يَجبُ نِصفُ صَداقِ المِثلِ؛ لقَولهِ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] (١).
وذهَبَ المالكيَّةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في روايةٍ إلى أنهُ يَجبُ نِصفُ صَداقِ المِثلِ؛ لأنهُ نِكاحٌ صَحيحٌ يُوجِبُ مَهرَ المِثلِ بعْدَ الدُّخولِ، فيُوجِبُ نِصفَه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ كما لو سَمَّى مَهرًا (٢).
المَسألةُ الثَّالثةُ: هلِ المُتعةُ واجِبةٌ أم مُستحَبةٌ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في المرأةِ المُطلَّقةِ قبْلَ الدُّخولِ ولَم يُفرَضْ لها صَداقٌ أو نُفِيَ الصَّداقُ أو أُسقطَ مِنْ عَقدِ النِّكاحِ، هل يَجبُ لها المُتعةُ؟ أم يُستَحبُّ فقَطْ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى
стр. 9472
أنهُ يَجبُ لها المُتعةُ إذا طُلقَتْ قبْلَ الدُّخولِ ولم يُسَمِّ لها مَهرًا أو نفَى المَهرَ أو أسقَطَه؛ لقَولِه تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، تَقديرُه: (ما لمْ تَمسُّوهُنَّ ولمْ تَفرِضُوا لهُنَّ فَريضةً)، وهذا أمرٌ، والأمرُ يَقتَضي الوُجوبَ.
وقالَ تعالَى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]، وقالَ تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ [الأحزاب: ٤٩]، ولأنهُ طلاقٌ في نكاحٍ يَقتَضي عِوَضًا، فلَم يَعْرَ عن العِوضِ كما لو سَمَّى مَهرًا، وأداءُ الواجِبِ مِنْ الإحسانِ، فلا تَعارُضَ بيْنَهما، ولأنهُ قد ملَكَ بُضعَها، وهي لا تَستَحقُّ شيئًا مِنَ المَهرِ إذا لم يُسمَّ قبْلَ الدُّخولِ، فلو لم يَجبْ لها المُتعةُ لَخَلا بُضعُها مِنْ بَدلٍ، فصارَتْ كالمَوهوبةِ الَّتي خُصَّ بها رَسولُ اللهِ ﷺ دُونَ غيرِه مِنْ أمَّتِه، ولأنها قد ابتَذلَتْ بالعَقدِ الَّذي لم تَملِكْ لهُ بَدلًا، فاقتَضى أنْ تكونَ المُتعةُ فيهِ بدلًا؛ لِئلَّا تَصيرَ مُبتذِلةً بغَيرِ بَدلٍ (١).
стр. 9473
وذهَبَ المالكيَّةُ إلى أنَّ المُتعةَ مُستحَبَّةٌ وليسَتْ واجِبةٌ؛ لظاهِرِ قَولِه تعالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١)﴾ [البقرة: ٢٤١]، وفي مَوضِعٍ آخَرَ: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ [البقرة: ٢٣٦]، وفي هذا إشارةٌ إلى أنها مُستحَبةٌ؛ إذْ لو كانَتْ واجِبةً لَأطلَقَها على الخَلقِ أجمعِينَ، فإنَّ الواجِبَ يكونُ حَتمًا على المُتَّقينَ وغَيرِ المُتقِينَ، فقَولُه تعالَى: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾، أي: على المُتفضِّليِنَ المُتجمِّلِينَ، وما كانَ مِنْ بابِ الإجمالِ والإحسانِ فليسَ بواجِبٍ؛ ولأنَّ الطَّلاقَ تأثيرُه الإسقاطُ لا الإيجابُ، بدَليلِ أنهُ إذا سَمَّى مَهرًا ثمَّ طلَّقَ سقَطَ نِصفُه ولم يَلزمْهُ شيءٌ آخَرُ، فلَم يَجبْ بهِ شيءٌ؛ لأنَّ ما كانَ واجِبًا قبْلَه قد سقَطَ، فهو عن أنْ يَجبَ به شيءٌ آخَرُ لم يكنْ واجِبًا أبعَدُ، ولأنَّ الطَّلاقَ نوعٌ مِنَ البَينونةِ فلم يَجبْ بهِ مُتعةٌ كالمَوتِ، ولأنَّ كلَّ امرأةٍ لو ماتَتْ لم يَكنْ لها مُتعةٌ، كذلكَ إذا طُلقَتْ، أصلُهُ إذا طُلقَتْ قبْلَ الدُّخولِ وقد سُمِّيَ لها، ولأنَّا لم نَرَ في النِّكاحِ شيئًا وجَبَ للمَرأةِ بزوالِ العَقدِ اعتِبارًا بسائِرِ الواجِباتِ، ولأنها عَطيَّةٌ غَيرُ مُعتبَرٍ بها على وجهٍ، فلَم تَكنْ واجِبةً كالهِبةِ والصَّدقةِ (١).
وسيأتي إنْ شاء اللهُ مُفصَّلاً مِقدارُ المُتعةِ، وهل هي لكُلِّ مُطلَّقةٍ أم لا في فَصلِ المُتعةِ.
стр. 9474
المَسألةُ الرابعَةُ: إذا فرَضَ لها مَهرًا بعْدَ العقدِ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو تَزوَّجَ امرأةً ولَم يُسمِّ لها مَهرًا أثناءَ العَقدِ ثمَّ فرَضَ لها مَهرًا بعْدَ العَقدِ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ، هل يكونُ لها نِصفُ ما فرَضَ لها أم لها المُتعةُ؟
فذهَبَ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وأبو يُوسفَ في قَولِه الأوَّلِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرأةٍ ولم يُسَمِّ لها صَداقًا أثناءَ العَقدِ ثمَّ فرَضَ لها وسَمَّى صَداقًا لها بعْدَ العَقدِ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ أنهُ يَجبُ لها نِصفُ المَهرِ المُسمَّى أو المَفروضِ ولا مُتعةَ لها؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فلم يَجعَلْ لها إلَّا نِصفَ المَهرِ، ولأنها قَدْ مَلكَتْ نِصفَ المَهرِ بما ابتَذلَتْ مِنْ العَقدِ فلَم يُجعَلْ لها غَيرُه؛ لِئلَّا يُجمَعَ بيْنَ بَدلَينِ.
ولأنَّ المَفروضَ بعْدَ العَقدِ إذا أُلحِقَ بالعَقدِ لَحِقَه في حُكمِ التَّشطيرِ، واختِلافُ زَمانِ الفَرضِ لا يُغيِّرُ حَقيقةَ المَفروضِ.
وقَولُه تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ يَتناولُ -بطريقِ العُمومِ- ما بعْدَ العَقدِ.
ولو تَوهَّمَ مُتَوهِّمٌ أنَّ فيمَا قبْلَه ما يَمنَعُ مِنْ هذا العُمومِ فليسَ كذلكَ، فإنَّ ما قبْلَه عَدمُ الفَرضِ مُطلَقًا، وما بعْدَه إثباتُ الفَرضِ، وإثباتُ الفَرضِ يَعُمُّ الأحوالَ.
стр. 9475
ولو كانَ النَّصُّ على المَفروضِ عِنْدَ العَقدِ كُنَّا نُلحِقُ بهِ المَفروضَ بعْدَ العَقدِ بطَريقِ الاعتِبارِ، مِثلَ إلحاقِ الشيءِ بمِثلِ ما في مَعناهُ (١).
وذهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنهُ لا يَجبُ نِصفُ المُسمَّى وإنَّما يَجبُ لها المُتعةُ فَقطْ؛ لأنهُ نِكاحٌ عَرِيَ عَنْ تَسميتِه، فوجَبَتْ بهِ المُتعةُ كما لو لم يُفرَضْ لها، ولأنَّ السَّببَ مَخصوصٌ بالمَفروضِ في العَقدِ بالنَّصِّ وهو قَولُه تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، والمَفروضُ بَعدَه ليسَ في مَعناهُ (٢).
المسألةُ الخامسةُ: إذا ماتَ الزَّوجُ أو الزَّوجةُ قبْلَ الدُّخولِ ولم يُسمِّ لها مَهرًا أو نفاهُ في العَقدِ أو أسقَطَه:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ أحَدَ الزَّوجَينِ إذا ماتَ قبْلَ الدُّخولِ فإنَّ الآخَرَ منهُما يَرثُه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى فرَضَ لكلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوجَينِ فرضًا، ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢] الآيَة، وهذهِ زَوجةٌ بلا رَيبٍ، وعقْدُ الزَّوجيةِ هاهُنا صَحيحٌ ثابتٌ، فوَرثَ بهِ؛ لدخُولِه في عُمومِ النَّصِّ.
стр. 9476
قالَ الإمامُ الماوَرْديُّ ﵀: أمَّا المُفوَّضةُ إذا ماتَ عنها زَوجُها قبْلَ الدُّخولِ أو ماتَتْ فإنهما يَتوارثانِ بالإجماعِ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢]، وهمَا زَوجانِ لصحَّةِ النِّكاحِ بيْنَهما (١).
إلَّا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا فيما لو ماتَ الزَّوجُ أو الزَّوجةُ بعْدَ العَقدِ وقبْلَ الدُّخولِ ولَم يكنْ سَمَّى لها مهرًا، هل يَجبُ لها مَهرٌ أم لا يَجبُ؟ أم يجبُ نِصفُ مَهرِ مِثلِها فقط؟
فذهَبَ المالكيَّةُ والشَّافعيةُ في الأظهَرِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرأةٍ ولم يَفرضْ لها صَداقًا وماتَ قبْلَ الدُّخولِ أو ماتَتْ هيَ قبْلَ الدُّخولِ ولَم يُسمِّ لها صَداقًا أنهُ لا صَداقَ لها ولا مُتعةَ؛ لأنها فُرقةٌ ورَدَتْ على تَفويضٍ صَحيحٍ قبْلَ فَرضٍ ومَسيسٍ، فلم يَجبْ بها مَهرٌ كفُرقةِ الطَّلاقِ، ولأنَّ الصَّداقَ عِوضٌ فلمَّا لم يَقبضِ المُعوَّضَ لم يَجبِ العِوضُ؛ قياسًا على البَيعِ، ولمَا رَوى مالِكٌ في المُوطَّأِ عن نافِعٍ أنَّ ابنةَ عُبيدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ وأُمُّها بِنتُ زَيدِ بنِ الخطَّابِ كانَتْ تحتَ ابنٍ لعَبدِ اللَّهِ بنِ عُمرَ فماتَ ولم يَدخُلْ بها ولَم يُسمِّ لها صَداقًا، فابتَغَتْ أُمُّها صَداقَها، فقالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عُمرَ: «ليسَ لها صَداقٌ، ولو كانَ لها صَداقٌ لمْ نُمسِكْه ولم نَظلِمْها، فأَبتْ أُمُّها أنْ تَقبلَ ذلكَ، فجَعلُوا بيْنَهم زَيدَ بنَ ثابتٍ، فقَضَى أنْ لا صَداقَ لها ولها المِيراثُ» (٢).
стр. 9477
ولمَا رُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قالَ: «أَدُّوا العَلائقَ، قيلَ: وما العَلائقُ يا رَسولَ اللهِ؟ قالَ: ما تَراضَى بهِ الأهلُونَ» (١)، فدَلَّ على أنَّ المُستحَقَّ بالعَقدِ ما تَراضَى بهِ الأهلُونَ دُونَ غيرِه.
ومِن طريقِ القياسِ: أنهُ فِراقُ مُفوَّضةٍ قبْلَ فَرضٍ وإصابةٍ، فلم يُستحَقَّ بهِ مهرٌ كالطَّلاقِ، ولأنَّ المَوتَ سَببٌ يَقعُ بهِ الفُرقةُ، فلَم يَجبْ بهِ المَهرُ كالرَّضاعِ والرِّدةِ، ولأنَّ مَنْ لَم يُنتصَفْ صَداقُها بالطَّلاقِ لَم يُستفَدْ بالمَوتِ جَميعُ الصَّداقِ كالمُبَرِّئةِ لزَوجِها مِنْ صَداقِها، ولأنَّ كلَّ ما لَم يُنتصَفْ بالطَّلاقِ لَم يُتكمَّلْ بالمَوتِ، كالزِّيادةِ على مَهرِ المِثلِ، فأمَّا حَديثُ بَروَعَ فقدِ اختُلِفَ في ثُبوتِه (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأظهَرِ -وهوَ الَّذي رَجَّحَه النَّوويُّ وغَيرُه- والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا ماتَ يَجبُ عليهِ الصَّداقُ كامِلًا، ويُكمَّلُ لها مَهرُ نِسائِها؛ لمَا رُوِيَ عَنْ عَلقَمةَ والأسوَدِ عَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ
стр. 9478
مَسعودٍ ﵁ أنَّ رَجلًا أتاهُ فسَألَهُ عنْ رَجلٍ تزوَّجَ امرأةً فماتَ عَنها ولمْ يَدخُلْ بها ولمْ يَفرِضْ لها، فلم يَقُلْ شيئًا ورَدَّدهُم شَهرًا، ثمَّ قالَ: أقولُ برأيِي، فإنْ كانَ صوابًا فمِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَ خطأً فمِن قِبَلِي، أرَى لها صَداقَ نِسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ ولها الميراثُ، فقامَ فُلانٌ الأشجَعيُّ وقالَ: «قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ في بَروَعَ بِنتِ واشِقٍ بمِثلِ ذلكَ، قالَ: ففَرِحَ عبدُ اللهِ بذلكَ وكبَّرَ» (١)، وهو نَصٌّ في مَحلِّ النِّزاعِ، ولأنَّ المَوتَ مَعنًى يَكمُلُ بهِ المُسمَّى، فكَملَ بهِ مَهرُ المِثلِ للمُفوِّضةِ كالدُّخولِ، وقياسُ المَوتِ على الطَّلاقِ غَيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ الموتَ يَتمُّ بهِ النِّكاحُ فيَكمُلُ بهِ الصَّداقُ، والطَّلاقُ يَقطَعُه ويُزيلُه قبْلَ إتمامِه، ولذلكَ وَجبَتِ العدَّةُ بالموتِ قبْلَ الدُّخولِ ولم تَجبْ بالطَّلاقِ، وكَملَ المُسمَّى بالمَوتِ ولم يَكمُلْ بالطَّلاقِ.
ولأنَّ الواجِبَ بالعَقدِ في مِثلِه مَهرُ المِثلِ، ولهذا كانَ لها أنْ تُطالِبَه بهِ قبْلَ الدُّخولِ، فيَتأكَّدُ ويَتقرَّرُ بمَوتِ أحدِهِما أو بالدُّخولِ على ما مَرَّ في المَهرِ المُسمَّى في العَقدِ.
стр. 9479
وكذا الذِّمِّيةُ عندَ الشَّافعيةِ والحَنابلةِ كالمُسلِمةِ أو كما لو سَمَّى لها، ولأنَّ المُسلِمةَ والذِّمِّيةَ لا يَختلِفانِ في الصَّداقِ في مَوضِعٍ، فيَجبُ أنْ لا يَختلفَا هاهُنا (١).
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنهُ يَتنصَّفُ الصَّداقُ بمَوتِها فيَجبُ لها نِصفُ صَداقِ مِثلِها بالمَوتِ؛ لأنَّ المَفروضَ لها يُخالِفُ الَّتي لَم يُفرضْ لها في الطَّلاقِ، فجازَ أنْ يُخالِفَها بعْدَ المَوتِ، ولأنها فُرقةٌ ورَدَتْ على تَفويضٍ صَحيحٍ قبْلَ فَرضٍ ومَسيسٍ، فلَم يَجبْ لها مَهرُ المِثلِ كفُرقةِ الطَّلاقِ.
إلَّا أنْ يكونَ قد فرَضَه لها الحاكِمُ فإنهُ لا يَتنصَّفُ؛ لأنَّ الفَرضَ يَجعَلُه كالمُسمَّى، ولو سَمَّى ثمَّ ماتَ لَوجَبَ كلُّه، فكذا إذا فرَضَه (٢).
والإمامُ الشَّافعيُّ ﵁ علَّقَ القَولَ في هذهِ المَسألةِ على ثُبوتِ حَديثِ بَروَعَ بنتِ واشقٍ، فقالَ ﵀: التَّفويضُ الَّذي إذا عقَدَ الزَّوجُ النِّكاحَ به عُرِفَ أنهُ تَفويضٌ في النِّكاحِ: أنْ يَتزوَّجَ الرَّجلُ المَرأةَ الثَّيبَ المالِكةَ لأمرِها برِضاها ولا يُسمِّي مَهرًا، أو يقولَ لها: «أتَزوَّجُكِ على غَيرِ مَهرٍ»؛ فالنِّكاحُ في هذا ثابِتٌ، فإنْ أصابَها فلها مَهرُ مِثلِها، وإنْ لم يُصِبْها حتَّى طلَّقَها فلا مُتعةَ ولا نِصفَ مَهرٍ لها، وكذلكَ أنْ يَقولَ: «أتَزوَّجُكِ ولكِ عليَّ مِائةُ دِينارٍ مَهرٌ» فيكونُ هذا تَفويضًا وأكثرَ مِنَ التَّفويضِ، ولا يَلزمُه المِائةُ،
стр. 9480
فإنْ أخَذَتها منهُ كانَ عليها رَدُّها بكلِّ حالٍ، وإنْ ماتَ قبْلَ أنْ يُسمِّي لها مَهرًا أو ماتَتْ فسَواءٌ.
وقد رُويَ عنِ النَّبيِّ ﷺ أنهُ قَضَى في بَروَعَ بنتِ واشقٍ ونُكِحَتْ بغَيرِ مهرٍ، فماتَ زَوجُها فقَضى لها بمَهرِ نِسائِها، وقَضَى لها بالميراثِ، فإنْ كانَ ثبَتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ فهوَ أَولَى الأمورِ بنا، ولا حُجَّةَ في قَولِ أحَدٍ دُونَ النَّبيِّ ﷺ وإنْ كَثُرُوا، ولا في قياسٍ، فلا شيءَ في قَولِه إلَّا طاعةُ اللهِ بالتَّسليمِ لهُ، وإنْ كانَ لا يَثبُتُ عنِ النَّبيِّ ﷺ لم يَكُنْ لأحَدٍ أنْ يُثبِتَ عنهُ ما لم يَثبُتْ، ولم أحفَظْه بعْدُ مِنْ وجهٍ يَثبُتُ مِثلُه، وهوَ مرَّةً يُقالُ: عن مَعقِلِ بنِ يَسارٍ، ومرَّةً: عن مَعقِلِ بنِ سِنانٍ، ومرَّةً: عَنْ بعضِ أَشجَعَ لا يُسَمَّى، وإنْ لم يَثبُتْ فإذا ماتَ أو ماتَتْ فلا مَهرَ لها، ولهُ مِنها الميراثُ إنْ ماتَتْ، ولها منهُ الميراثُ إنْ ماتَ، ولا مُتعةَ لها في المَوتِ؛ لأنها غَيرُ مُطلَّقةٍ، وإنَّما جُعلَتِ المُتعةُ للمُطلَّقةِ، قالَ: وإنْ كانَ عقَدَ عليها عُقدةَ النِّكاحِ بمَهرٍ مُسمًّى أو بغَيرِ مَهرٍ فسمَّى لها مَهرًا فرَضيَتْه أو رَفعَتْه إلى السُّلطانِ ففَرضَ لها مَهرًا فهوَ لها ولها الميراثُ.
قالَ الشَّافعيُّ: أخبَرَنا عَبدُ المَجيدِ عنِ ابنِ جُريجٍ قالَ: سَمِعتُ عَطاءً يَقولُ: سَمِعتُ ابنَ عبَّاسٍ يُسألُ عَنِ المَرأةِ يَموتُ عنها زَوجُها وقد فرَضَ صَداقَها، قالَ: لها الصَّداقُ والمِيراثُ.
أخبَرَنا مالِكٌ عن نافِعٍ أنَّ ابنَةَ عُبيدِ اللهِ بنِ عُمرَ وأُمُّها ابنَةُ زَيدِ بنِ الخَطَّابِ وكانَتْ تحتَ ابنٍ لعَبدِ اللهِ بنِ عُمرَ فماتَ ولم يَدخُلْ بها ولَم يُسَمِّ
стр. 9481
لها صداقًا، فابتَغَتْ أُمُّها صَداقَها، فقالَ لها ابنُ عُمرَ: ليسَ لها صَداقٌ، ولو كانَ لها صَداقٌ لم نَمنَعْكُموهُ ولَم نَظلِمْها، فأبَتْ أنْ تَقْبلَ ذلكَ، فجَعَلوا بيْنَهم زَيدَ بنَ ثابتٍ، فقَضى أنْ لا صَداقَ لها ولها الميراثُ.
أخبَرَنا سُفيانُ عن عَطاءِ بنِ السَّائِبِ قالَ: سَألتُ عبدَ خَيرٍ عَنْ رَجلٍ فُوِّضَ إليهِ فماتَ ولم يَفرِضْ، فقالَ: ليسَ لها إلَّا الميراثُ، ولا نَشُكُّ أنهُ قَولُ عليٍّ، قالَ الشَّافعيُّ: قالَ سُفيانُ: لا أدري «لا نَشُكُّ» أنهُ مِنْ قولِ عليٍّ أم مِنْ قَولِ عَطاءٍ أم مِنْ قولِ عبدِ خَيرٍ.
(قالَ الشَّافعيُّ:) وفي النِّكاحِ وجهٌ آخَرُ قد يَدخلُ في اسمِ التَّفويضِ وليسَ بالتَّفويضِ المَعروفِ نَفسِه، وهوَ مُخالِفٌ للبابِ قبْلَه، وذلكَ أنْ تقولَ المَرأةُ للرَّجلِ: «أتَزوَّجُكَ على أنْ تَفرِضَ لي ما شِئْتَ، أو ما شِئْتُ أنا، أو ما حَكمْتَ أنتَ، أو ما حَكمْتُ أنا، أو ما شاءَ فلانٌ، أو ما رَضيَ، أو ما حكَمَ فلانٌ» لرَجلٍ آخَرَ، فهذا كُلُّه وقَعَ بشَرطِ صَداقٍ، ولكنَّهُ شَرطٌ مَجهولٌ فهو كالصَّداقِ الفاسدِ، مِثلُ الثَّمرةِ الَّتي لم يَبدُ صَلاحُها على أنْ تُتركَ إلى أنْ تَبلُغَ، ومِثلُ المَيتةِ والخَمرِ وما أشبَهَه مِمَّا لا يَحِلُّ مِلكُه ولا يَحِلُّ بَيعُه في حالِهِ تلكَ أو على الأبدِ، فلها في هذا كُلِّهِ مَهرُ مِثلِها، وإنْ طلَّقَها قبْلَ أنْ يَدخلَ بها فلهَا نِصفُ مَهرِ مِثلِها، ولا مُتعةَ لها في قَولِ مَنْ ذهَبَ إلى أنْ لا مُتعةَ للَّتي فرَضَ لها إذا طَلُقَتْ قبلَ أنْ تُمَسَّ، ولها المُتعةُ في قَولِ مَنْ قالَ: المُتعةُ لِكلِّ مُطلَّقةٍ (١).
стр. 9482
المَسألةُ السَّادسةُ: إذا دخَلَ بها ولم يُسَمِّ لها صَداقًا، أو اشتَرطَ إسقاطَ الصَّداقِ أو نفْيَه:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرأةٍ ولم يُسمِّ لها صَداقاً ودخَلَ بها أنهُ يَجبُ لها مَهرُ المِثلِ مِنْ غَيرِ وَكْسٍ ولا شَطَطٍ؛ لأنَّ المَهرَ لمَّا وجَبَ بوَطءِ الشُّبهةِ فأَولَى أنْ يَجبَ بالوطءِ في نِكاحٍ صحيحٍ، والواجِبُ بهذا الدُّخولِ هو مَهرُ المِثلِ قولًا واحِدًا، سواءٌ تَعقَّبَه مَوتٌ أو طلاقٌ (١).
قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ عُلماءُ المُسلمِينَ أنهُ لا يَجوزُ لأحدٍ أنْ يَطَأ فرْجًا وُهِبَ له دونَ رَقَبتِه، وأنهُ لا يَجوزُ له وَطءٌ في نِكاحٍ بغَيرِ صَداقٍ مُسمًّى دَينًا أو نَقدًا، وأنَّ المُفوَّضَ إليهِ لا يَدخلُ حتَّى يُسمِّيَ صداقًا، فإنْ وقَعَ الدُّخولُ في ذلكَ لَزمَ فيهِ صَداقُ المِثلِ (٢).
وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسِي ﵀: والمَدخولُ بها ولم يُسمَّ لها مهرٌ إنْ وَطِئَها كانَ لها مَهرُ نِسائِها، لا وَكسَ ولا شَطَطَ، ولا تَنازعَ بيْنَ أهلِ العِلمِ في ذلكَ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ ﵀: نكاحُ التَّفويضِ جائِزٌ، وهو كلُّ نِكاحٍ عُقِدَ مِنْ غيرِ ذِكرِ الصَّداقِ، ولا خِلافَ فيهِ، ويُفرضُ بعْدَ ذلكَ الصَّداقُ، فإنْ
стр. 9483
فُرضَ التَحقَ بالعَقدِ وجازَ، وإنْ لَم يُفرضْ لها وكانَ الطَّلاقُ لم يَجبْ صَداقٌ إجماعًا (١).
وقالَ شَيخُ الإسلام ابنُ تَيميةَ ﵀: اتَّفَقَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ تَزوَّجَ امرأةً ولم يُقدِّرْ لها مَهرًا صَحَّ النِّكاحُ ووجَبَ لها المَهرُ إذا دخَلَ بها (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ لِكلِّ مَوطوءةٍ بنكاحٍ صَحيحٍ ولم يكنْ سَمَّى لها مَهرًا فلها مَهرُ مِثلِها (٣).
стр. 9484
تفسيرُ مهرِ المِثلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مَهرِ المِثلِ، هل المُعتبَرُ فيهِ أقارِبُ المَرأةِ مِنْ جِهةِ العَصَباتِ؟ وهل الأمُّ والخالَةُ وذَواتُ الأرحامِ يُعتبَرْنَ في هذا أم لا؟ أم المُعتبَرُ فقطْ هو حالُ المرأةِ دُونَ النَّسبِ؟
فقالَ الحَنفيةُ: مَهرُ المِثلِ يُعتبَرُ بعَشيرَتِها الَّتي مِنْ قِبَلِ أبيها، كالأخَواتِ والعَمَّاتِ وبَناتِ الأعمامِ؛ لقَولِ ابنِ مَسعودٍ ﵁: «لها مَهرُ مِثلِ نِسائِها»، وهُنَّ أقارِبُ الأبِ؛ لأنهُ أضافَ إليها، وإنَّما يُضافُ إلى أقارِبِ الأبِ؛ لأنَّ النَّسبَ إليهِ، ولأنَّ قِيمةَ الشَّيءِ إنَّما تُعرَفُ بالرُّجوعِ إلى قِيمةِ جِنسِه، والإنسانُ مِنْ جِنسِ قَومِ أبيهِ لا مِنْ جِنسِ قَومِ أمِّه؛ ألَا تَرَى أنَّ الأمَّ قدْ تكونُ أمَةً والابنةُ تكونُ قُرشِيةً تبَعًا لأبيها، ولا يُعتبَرُ بأُمِّها وخالَتِها إذا لم تكونَا مِنْ قَبيلتِها، بأنْ يكونَ أبوها تَزوَّجَ بنتَ عَمِّهِ، فإنَّ أُمَّها وخالتَها تَكونانِ مِنْ قَبيلتِها.
ويُعتبَرُ في مَهرِ المِثلِ أنْ تَتساوَى المرأتانِ في السِّنِّ والجَمالِ والمالِ والعَقلِ والدِّينِ والبلَدِ والعَصرِ والعفَّةِ والبَكارةِ والثُّيوبةِ والعِلمِ والأدبِ وحُسنِ الخُلُقِ؛ لأنَّ مَهرَ المِثلِ يَختلفُ باختِلافِ هذهِ الأوصافِ، وهذا في الحرَّةِ، وأمَّا الأمَةُ فبِقَدرِ الرَّغبةِ فِيها.
قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: قولُه: ويُعتبَرُ في مِهرِ المِثلِ أنْ تَتساوَيا في الجَمالِ، يَعني بمُجرَّدِ تَحقِّقِ القَرابةِ المَذكورةِ، لا يَثبُتُ صحَّةُ الاعتبارِ بالمَهرِ حتَّى تَتساويَا سِنًّا وجَمالًا ومالًا وبَلدًا وعَصْرًا وعَقلًا ودِينًا وبَكارةً
стр. 9485
وأدبًا وكَمالَ خُلُقٍ وعَدمَ وَلَدٍ وفي العِلمِ أيضًا، فلَو كانَتْ مِنْ قَومِ أبيها لَكنِ اختَلفَ مَكانُهما أو زَمانُهما لا يُعتبَرُ بمَهرِها؛ لأنَّ البَلدينِ تَختلفُ عادةُ أهلِهما في المَهرِ في غَلائِه ورخْصِه، فلو زُوِّجتْ في غَيرِ البلدِ الَّذي زُوِّجَ فيهِ أقارِبُها لا يُعتبَرُ بمُهورِهنِّ.
وقيلَ: لا يُعتبَرُ الجَمالُ في بَيتِ الحَسَبِ والشَّرَفِ، بل في أوْساطِ النَّاسِ، وهذا جيِّدٌ، وقالُوا: يُعتبَرُ حالُ الزَّوجِ أيضًا، أيْ بأنْ يكونَ زَوجُ هذهِ كأزواجِ أمثالِها مِنْ نِسائِها في المالِ والحَسَبِ وعَدمِهما (١).
وقالَ المالكيَّةُ: مَهرُ المِثلِ ما يَرغَبُ بهِ مِثلُ الزَّوجِ في الزَّوجةِ باعتبارِ صِفاتٍ فيها مِنْ:
دِينٍ: أي مُحافظةٍ على أُصولِ دِينِ الإسلامِ مِنْ صَلاةٍ ونحوِها.
وجَمالٍ حِسِّيٍّ ومَعنويٍّ: كحُسنِ خلقٍ.
وحَسَبٍ: وهوَ ما يُعَدُّ مِنْ مَفاخِرِ الآباءِ كالكرَمِ والمُروءةِ والعِلمِ والصَّلاحِ.
ومالٍ، وبَلدٍ؛ إذْ هو يَختلفُ باختِلافِ البلادِ؛ لأنَّ الرَّغبةَ في المِصريَّةِ مَثلًا تُخالِفُ الرَّغبةَ في غَيرِها، كما أنَّ الرَّغبةَ في المُتَّصفةِ بالدِّينِ أو الجِمالِ أو المالِ تُخالِفُ الرَّغبةَ في غيرِها، فمَتى وُجدَتْ هذهِ الأشياءُ عَظُمَ مَهرُها،
стр. 9486
ومتى فُقدَتْ أو بَعضُها قَلَّ مَهرُها، فالَّتي لا يُعرَفُ لها أبٌ ولا هي ذاتُ مالٍ ولا جَمالٍ ولا دِيانةٍ ولا صِيانةٍ فمَهرُ مِثلِها رُبعُ دِينارٍ مَثلًا، والمُتَّصِفةُ بجَميعِ صِفاتِ الكَمالِ مَهرُ مِثلِها الألُوفُ، والمتَّصفةُ ببَعضِها بحَسبِه، فيكونُ لها بحَسبِ ذلكَ وما يكونُ مِثلُه لأقرانِها في السِّنِّ ومَن كانَ في مِثلِ حالِها، ولا اعتبارَ بنِساءِ عَصبَتها؛ لأنَّ صَداقَ المِثلِ يَقلُّ ويَكثُرُ ويَختلفُ باختِلافِ ما ذكَرْناه في النِّساءِ مِنْ المالِ والجَمالِ؛ لأنَّ الإنسانَ يَرغَبُ في جَمالِ المرأةِ، فيَرغَبُ ويَبذلُ أكثرَ مِنْ بَذلِه فيمَن دُونَها في المالِ والجَمالِ؛ لرِفقِه بمالِها وانتفاعِه به، فكانَ ما ذكَرْناه هوَ المُعتبَرَ دُونَ مَهرِ نِساءِ العَصبةِ، ولأنَّ مَهرَ المِثلِ بَدلٌ مِنْ مَنافعِ البُضعِ، والإبدالُ إنَّما يُقوَّمُ بحَسبِ اختِلافِ الأغراضِ والمَنافعِ وما لهُ يُرادُ ذلكَ الشَّيءُ كالبُيوعِ، لأنَّ الأثمانَ تَختلفُ بالقِلَّةِ والكَثرةِ، فكذلكَ النِّكاحُ.
ومَحلُ اعتِبارِ صَداقِ المِثلِ بالدِّينِ والجَمالِ والحَسَبِ والمالِ والبلَدِ إذا لم يَكنْ لها مُماثِلٌ في الأوصافِ مِنْ قَبيلتِها كأُختِها وعمَّتِها، وإلَّا كانَ المُعتبَرَ صَداقُهما ولو كانَ أكثرَ مِنْ صَداقِ مِثلِها مِنْ قَومٍ آخَرينِ، فإذا كانَ للمرأةِ أمْثالٌ في الأوصافِ المَذكورةِ مِنْ قَبيلتِها وأمْثالٌ فيها مِنْ غَيرِ قَبيلتِها اعتُبِرَ فيها ما يَتزوَّجُ بهِ أمْثالُها مِنْ قَبيلتِها وإنْ زادَ على صَداقِ أمْثالِها مِنْ غيرِ قَبيلتِها أو نقَصَ.
ولا يُعتبَرُ صَداقُ أُمَّهاتها وجَدَّاتها وخالاتها ولا أخَواتها ولا عَمَّاتها للأُمِّ؛
стр. 9487
لأنهنَّ مِنْ قَومٍ آخِرينِ، فقدْ تكونُ قُرَشِيةً وأمُّها مِنْ المَوالي، وأمَّا العَمَّةُ للأبِ فتُعتبَرُ (١).
وقالَ الشَّافعيةُ: مَهرُ المِثلِ ما يُرغَبُ بهِ في مِثلِها عادةً، وكلُّ مَوضِعٍ وَجبَ للمَرأةِ مهرُ مِثلِها وجَبَ أنْ يُعتبَرَ مَهرُ مِثلِها في حالتَينِ:
إحداهُما: في مَنصِبِها، والثَّانيةُ: في صِفاتِ ذاتِها.
فأمَّا المَنصِبُ فمُعتبَرٌ بنَظيرِها في النَّسبِ كالأخَواتِ مِنْ الأبِ والأمِّ، أو مِنْ الأبِ دُونَ الأخَواتِ مِنْ الأمِّ، وبَناتِ الإخوَةِ والعَمَّاتِ وبَناتِ الأعمامِ.
ولا تُعتبَرُ بنِساءِ ذَوي أرحامِها كأمَّهاتها وخالتِها، ولا ببَناتِ العمَّاتِ، ولا بنِساءِ بَلدِها مِنْ غَيرِ عصَبَتِها معَ وُجودِ نِساءِ عَصبتِها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قَضى في بَروَعَ بنتِ واشِقٍ بمَهرِ نِسائِها والمِيراثِ، ولأنَّ الأنسابَ مَعقودٌ في المَناكِحِ دُونَ البُلدانِ، ولأنها مِنْ صِفاتِ الذَّاتِ اللَّازِمةِ، ولأنَّ أهلَ البَلدِ قد يَختلفُ مُهورُهم باختِلافِ الأنسابِ، وإذا وجَبَ اعتِبارُ النَّظيرِ في النَّسبِ وجَبَ اعتِبارُ نَظيرِها مِنْ نِساءِ العَصَباتِ مِنْ قِبَلِ الأبِ، ولا اعتِبارَ بنِساءِ الأمِّ ولا بنِساءِ ذَوي الأرحامِ.
والمَقصودُ نِساءُ بَلدِها، فيَكونُ الاعتِبارُ بمَن كانَ مِنْ عَصَباتِها في بَلدِها