← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9416–9455 · переход к 9421.

стр. 9416

العُرفُ ظاهرًا بمثلِه في الجهازِ كمَا في ديارِنا فالقولُ قولُ الزوجِ، وإنْ كانَ مُشتَرَكًا فالقولُ قولُ الأبِ. ولو أبرَأَتْ زوجَها مِنْ مَهرِها أو وهبَتْه إياهُ ثم ماتَتْ بعدَ مدةٍ فقالتِ الورَثةُ: «أبرأَتْه في مَرضِ موتِها» وأنكَرَ الزوجُ فالقولُ له، وقيلَ: ينبغي أنْ يكونَ القولُ قولَ الورَثةِ؛ لأنَّ الزوجَ يدَّعي سُقوطَ ما كانَ ثابِتًا وهم يُنكِرونَ، وجهُ الظاهرِ: أنَّ الورثةَ لم يكنْ لهم حَقٌّ وإنما كانَ لها وهُمْ يدَّعونَه لأنفسِهم والزوجُ يُنكرُه فكانَ القولُ له (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا أَهدَى الزوجُ هديةً لزوجتِه قبلَ العقدِ أو في حينِ العقدِ فإنها تَتشطَّرُ بالطلاقِ قبلَ الدخولِ عليها؛ لأنها هبةٌ لأجلِ النكاحِ، وسواءٌ اشترطَتْ أو لا، جرَى العرفُ بها أو لا، وسواءٌ كانَتِ الهديةُ لها أو لغيرِها. وأما إذا أهدَى الزوجُ لزوْجتِه بعدَ أنْ عقَدَ نكاحها هَديةً تطوُّعًا وقَبضَتْها الزوجةُ أو لم تَقبضْها ثم إنه طلَّقَها قبلَ البناءِ فإنَّ الهديةَ تَتشطَّرُ بهذا الطلاقِ عندَ الإمامِ مالكٍ ويَرجعُ بنصفِها. وقالَ ابنُ القاسمِ: لا تَتشطَّرُ ولا شيءَ له فيها وإنْ كانَت قائمةً بيَدِها؛

стр. 9417

لأنه طلَّقَ باختيارِه، ورواه ابنُ نافعٍ عن مالكٍ، وهو ظاهرُ المَذهبِ، وهذا في النكاحِ الصحيحِ إذا طلَّقَ قبلَ البناءِ. وأما إنْ كانَ النكاحُ فاسدًا وفُسخَ قبلَ البناءِ فللزوجِ أخذُ ما وجَدَ مِنْ الهديةِ بيَدِ الزوجةِ ولو كانَ مُتغيِّرًا؛ لأنه مَغلوبٌ على الفراقِ، وهو قولُ ابنِ القاسمِ، فإنْ لم يَجدْ بيدِها شيئًا فلا شيءَ له. وإنْ طلَّقَ أو فسَخَ بعدَ البناءِ فإنَّ الزوجَ لا يأخذُ شيئًا مِنْ الهبةِ وإنْ كانت قائمةً بيَدِ الزوجةِ؛ لأنَّ النكاحَ الذي أعطى لأجْلِه قد انتَفعَ بسببِه تلكَ المدةَ، والفسخُ كطَلاقٍ حادثٍ (١). وقالَ الشافِعيةُ: لو اشتَرى الزوجُ حليًّا أو دِيباجًا ونحوَهما مِنْ كلِّ ما يُتخذُّ للزينةِ لزوجتِه وزيَّنَها بذلكَ لا يَصيرُ مِلكًا لها بنفسِ التَّزيينِ المذكورِ، بل إنما يَصيرُ بصدورِ الإيجابِ والقبولِ منهما أو بقَصدِ الهديةِ منه لها بذلكَ. ولو اختلَفَتْ هيَ والزوجُ في الإهداءِ والعاريةِ فادَّعتْ هيَ أنه أهدَى لها الحُليَّ والديباجَ المذكورَينِ وادَّعى هو أنه لم يُهدِهما لها وإنما جعَلَهما عندها عاريةً صُدِّقَ الزوجً؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ التمليكِ، ومثلُ الزوجِ في ذلك وارثُه، يعني: لو اختلَفَتْ هي ووارِثُ الزوجِ في الإهداءِ والعاريةِ صُدِّقَ الوارثُ.

стр. 9418

ولو أعطاها بعدَ العقدِ مالًا فقالَتْ: «الذي أعطَينتَي هَديةٌ» وقالَ: «بل الذي أعطَيتُكِ إياهُ الصداقُ الذي في ذمَّتي» صُدِّقَ الزوجُ بيَمينهِ وإنْ كانَ المُعطَى مِنْ غيرِ جنسه. وما يعطيه الزوجُ لزَوجتِه صُلحةً -اسمٌ للشَّيء المُعطَى لأجْلِ المُصالَحةِ إذا غضَبَتْ- أو صَباحيةً -هي اسمٌ للشيءِ المُعطَى صُبحَ الزواجِ، ويُسمَّى صَبيحةً- كما اعتِيدَ إعطاءُ الصُّلحةِ والصَّباحيةِ ببَعضِ البلادِ لا تَملِكُه المرأةُ إلا بلفظٍ أو قصدِ إهداءٍ. وقيلَ: أنها تملِكُه كما في «فتاوى ابنِ الخياطِ»: إذا أَهدَى الزوجُ للزوجةِ بعدَ العقدِ بسَببِه فإنها تَملكُه ولا يَحتاجُ إلى إيجابٍ وقبولٍ، ومِن ذلكَ ما يَدفعُه الرجلُ إلى المرأةِ صبحَ الزواجِ ممَّا يُسمَّى «صُبحيةً» في عُرفِنا وما يَدفعُه إليها إذا غضَبَتْ أو تزوَّجَ عليها فإنَّ ذلكَ تَملكُه المرأةُ بمُجرَّدِ الدفعِ إليها (١). ولو خطَبَ امرأةً ثم أرسَلَ أو دفعَ إليها بلا لفظٍ يدلُّ على التبرعِ مالًا قبلَ العقدِ -أي ولم يَقصدِ التبرعَ، ويُعرفُ القصدُ بإقرارِه- ثم وقَعَ الإعراضُ عن العقدِ منها أو منه رجَعَ عليها أو على وليِّها أو وكيلِها ما وَصلَها منه، كما صرَّحَ به جَمْعٌ مُحقِّقونَ.

стр. 9419

ولو طلَّقَ في مسألتِنا بعدَ العقدِ لم يَرجعْ بشيءٍ كمَا رجَّحَه الأذرعيُّ خِلافًا للبغَويِّ؛ لأنه إنما أعطَى لأجلِ العقدِ وقد وُجدَ. ولو دفَعَ لمخطوبتِه قبلَ العقدِ مالًا وقالَ: «جعلْتُه مِنْ الصداقِ الذي سَيجبُ بالعقدِ، أو مِنْ الكسوةِ التي سَتجبُ بالعقدِ والتمكينِ» وقالَتْ: «بل هي هديةٌ» فالذي يتَّجِه تصديقُها؛ إذ لا قَرينةَ هنا على صدقِه في قصدِه (١). وقالَ الحَنابلةُ: وهديةُ زوجٍ ليسَتْ مِنْ المهرِ، فمَا أهداهُ الزوجُ مِنْ هديةٍ قبلَ عقدٍ إنْ وعدوُه بأنْ يزوِّجُوه ولم يَفُوا بأنْ زوَّجُوا غيرَه رجَعَ بها، قالَه الشيخُ تقيُّ الدِّينِ؛ لأنه بذَلَها في نظيرِ النكاحِ ولم يُسلَّمْ له، وعُلِمَ منه أنه إنِ امتَنعَ هو لا رُجوعَ له كالمُجاعِلِ إذا لم يَفِ بالعملِ. وقالَ شيخُ الإسلامِ ابن تَيميةَ ﵀: فيما إنِ اتَّفقَ الخاطبُ معَ المرأةِ ووليِّها على النكاحِ مِنْ غيرِ عقدٍ فأَعطَى الخاطبُ إياها لأجْلِ ذلكَ شيئًا مِنْ غير الصداقِ فماتَتْ قبلَ العقدِ ليسَ له استِرجاعُ ما أعطاهُمْ. انتهى. لأنَّ عدمَ التمامِ ليسَ مِنْ جهتِهم، وعلى قياسِ ذلكَ لو ماتَ الخاطبُ لا رُجوعَ لوَرثتِه. وما قُبضَ بسببِ النكاحِ كالذي يُسمُّونَه المَأكلةَ فحُكمُه حكمُ المهرِ فيما يُسقطُه أو يُنصِّفُه أو يُقرِّرُه، ويكونُ ذلكَ لها، ولا يَملكُ منه الوليُّ شيئًا إلا أنْ تهَبَه له بشَرطهِ، إلا الأبَ فله أنْ يأخُذَ بالشرطِ وبلا شَرطٍ مِنْ مالِها ما

стр. 9420

شاءَ بشَرطِه، وما كتبَ فيه المهرِ لها ولو طَلُقتْ، قالَه الشيخُ؛ لأنَّ العادةَ أخذُها له. ولو فُسخَ النكاحُ في فُرقةٍ قَهريةٍ كَفسخِها لفَقدِ كَفاءةٍ قبلَ الدخولِ رُدَّ للزوجِ كلُّ الصَّداقِ وما دفَعَه ولو هديةً؛ لدَلالةِ الحالِ على أنه وهَبَ بشَرطِ بقاءِ العقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرجوعَ كالهبةِ بشَرطِ الثوابِ. قالَ البُهوتيُّ ﵀: قلتُ: قياسُ ذلكَ لو وهَبَتْه هيَ شيئًا قبلَ الدخولِ ثم طلَّقَ ونحوَه. وكذا يُرَدُّ إليه الكلُّ ولو هَديةً في فُرقةٍ اختياريةٍ مُسقِطةٍ للمهرِ كفَسخِها لعَيبِه ونحوِه قبلَ الدخولِ؛ لدَلالةِ الحالِ على أنه وهَبَ بشَرطِ بقاءِ العقدِ، فإذا زالَ ملَكَ الرجوعَ كالهبةِ بشرطِ الثوابِ. وتَثبتُ الهديةُ للزوجةِ معَ فسخٍ للنكاحِ مُقرِّرٍ له -أي للصَّداقِ- مِنْ وَطءٍ أو خَلوةٍ، أو لنصفِه كطلاقٍ ونحوِه، فلا رُجوعَ له في الهديةِ إذنْ؛ لأنَّ زوالَ العقدِ ليسِ مِنْ قِبَلِها وهو المُفوِّتُ على نفسِه. وإنْ كانَتِ العطيةُ لغير العاقدَينِ بسببِ العقدِ كأجرةِ الدلَّالِ ونحوِها كأجرةِ الكيَّالِ والوزَّانِ، قالَ ابنُ عقيلٍ في «النَّظريَّات»: إنْ فُسخَ بيعٌ بإقالةٍ ونحوِها ممَّا يَقفُ على تَراضٍ مِنْ العاقدَين لم يَرُدَّ الدلَّالُ ما أخَذَه، وإنْ لم يَقفِ الفسخُ على تراضِيهما كالفسخِ لعَيبٍ ونحوِه ردَّ الدلَّالُ ما أخَذَه؛ لأنَّ المَبيعَ وقَعَ مُتردِّدًا بينَ اللزومِ وعَدمِه، وقياسُ المبيعِ نكاحٌ فُسخَ لفَقدِ كفاءةِ

стр. 9421

الزوجِ أو ظهورِ عيبٍ في أحدِهما، فيَردُّه -أي: يَردُّ الخاطبُ ما أخَذَه مِنْ الزوجَين أو مِنْ أحدِهما بسَببِ توسُّطِه الَّتزويجَ-؛ لأنه أخَذَ على عقدٍ لم يُسلَّمْ، ولا يَردُّ المأخوذَ إنْ انفَسخَ النكاحُ لرِدةٍ ورَضاعٍ ومُخالَعةٍ (١).

стр. 9422

تَجهيزُ المَرأةِ نَفسَها بالمهرِ: لا خِلافَ بينَ علماءِ المُسلمِينَ أنَّ الزوجةَ لا يَجبُ عليها تَجهيزُ بيتِها إذا لم يُعطِها الزوجُ مهرَها. إلا أنَّ الفقهاءَ اختَلفوا فيما لو أعطَى الزوجُ إلى زَوجتِه المهرَ، هل يَلزمُها أنْ تتجهَّزَ بجهازِ العُرسِ بهذا المَهرِ؟ أم لا يَلزمُها ويكونُ المهرُ خالصَ حقِّها؟ فذهَبَ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ (والظاهِريةُ) وابنُ وَهبٍ مِنَ المالِكيةِ إلى أنه لا يَجبُ على المرأةِ أنْ تجهِّزَ نفسَها بالمهرِ، وأنَّ المهرَ خالصٌ لها تتصرَّفُ فيه كيفَما شاءَتْ، وليسَ عليها أنْ تَشتريَ به أو تُعِدَّ به بيتَ الزَّوجيةِ، ولا يُوجَدُ نصٌّ ولا شيءٌ ورَدَ في الشريعةِ الإسلاميةِ أنه يَجبُ عليها ذلكَ، ولا يجبُ على وليِّها أيضًا؛ لأنه لم يُوجدْ نصٌّ مِنْ الشريعةِ يُوجبُ عليه ذلكَ، إلا أنْ تتَطوَّعَ بذلك أو وليُّها كما هو العُرفُ في كثيرٍ مِنْ بلدانِ المسلمينَ الآنَ كمِصرَ أنْ يُجهِّزَ والدُ الزوجةِ نصفَ ما يَستلزمُ البيتُ مِنْ المَفروشاتِ، فهذا تَبرعٌ منه غيرُ واجبٍ. والدليلُ على أنَّ المهرَ مِلكُ المرأةِ وحقُّها قولُه : ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤]، أضافَ المهرَ إليها، فدَلَّ أنَّ المهرَ حقُّها ومِلكُها، ولأنه بَدلُ بُضعِها، وبضعُها حقُّها ومِلكُها، وقولُه : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤]، وقولُه تعالَى: ﴿مِنْهُ﴾ أي مِنَ الصداقِ؛ لأنه هو المُكَنَّى السابقُ، أباحَ للأزواج التناوُلَ مِنْ مُهورِ النساءِ إذا

стр. 9423

طابَتْ أنفسُهنَّ بذلكَ، ولذا علَّقَ الإباحةَ بطيبِ أنفُسِهنَّ، فدَلَّ ذلكَ كلُّه على أنَّ مهرَها مِلكُها وحقُّها (١).

стр. 9424

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9425

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 9426

وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الزوجةَ إذا قبَضَتِ الحالَّ مِنْ صداقِها قبلَ أنْ يَبنيَ بها زوجُها فللزوجِ أنْ يُلزِمَها أنْ تَتجهَّزَ بذلكَ لا بأزيَدَ منه على

стр. 9427

العادةِ في جهازِ مِثلِها لمثلِه مِنْ حَضَرٍ وبَدْوٍ، حتى لو كانَ العُرفُ شِراءَ خادمٍ أو دارٍ لَزمَها ذلكَ. وأما إذا تأخَّرَ القبضُ عن البناءِ فإنه لا يَلزمُها التجهيزُ به، سواءٌ كانَ حالًّا أو مُؤجَّلًا فحَلَّ قبلَه أو بعدَه؛ لأنه رَضيَ حيثُ دخَلَ بعَدمِ التجهيزِ، إلا لشَرطٍ أو عُرفٍ. وكما لو كانَ الصداقُ ممَّا يُكالُ أو يُوزَنُ أو حيوانًا أو عُروضًا أو عَقارًا، فإنه لا يَلزمُ بيعُه لتَتجهَّزَ به، وإنما يَلزمُها التجهيزُ إذا كانَ ما قبضَتْه عينًا -أي ذهَبًا أو فِضةً أو أموالًا-. ومثلُ حالِّ الصَّداقِ إذا عجَّلَ لها المؤجَّلَ وكانَ نقدًا، وإنْ كانَ لا يَلزمُها قبولُه. وإذا دعَا زوجتَه إلى قبضِ ما حَلَّ مِنْ صداقِها والتَّجهيزِ به وأبَتْ أخْذَه لئلَّا يُلزمَها التجهيزَ به فإنه يُقضَى عليها بأنْ تَقبضَ ذلكَ على المَشهورِ وتتجهَّزَ به. إلا أنْ يُسمِّي شَيئًا أزيدَ ممَّا قبضَتْه أو يَجري به عُرفٌ فيَلزمُ ما سَمَّاه، بأنْ شرَطَ الزوجُ لنفسِه كِسوةً تُخرجُها له الزوجةُ في الشُّوَارِ للِباسِه. ولا تُنفِقُ مِنْ الصداقِ على نَفسِها ولا تَقضي منهُ دَينًا؛ لأنه يَلزمُها التَّجهيزُ بما قبضَتْه، إلا المحتاجةَ؛ لأنها تُنفِقُ منه وتَكتسي الشيءَ القليلَ بالمَعروفِ، وإلا الدَّينَ القليلَ كالدينارِ مِنْ مَهرٍ كثيرٍ، وأما إنْ كانَ قَليلًا فتَقضي منه بحَسبهِ.

стр. 9428

ثمَّ إنْ طلَّقَ قبلَ البناءِ وهي مُعسِرةٌ اتبعَ ذِمتَها بنصفِ ما أنفَقَتْ. وإذا شرَطَ الزوجُ على المرأةِ التجهيزَ بأكثرَ مِنْ صداقِها أو جرتِ العادةُ بذلكَ فتجهَّزَتْ بما شُرطَ أو اعتيدَ ثمَّ ماتَتِ المرأةُ قبلَ البناءِ فطالَبَ أولياؤُها زوْجَها بما يَخصُّهم مِنْ الصداقِ أو ما حَلَّ منه -أي بقدرِ ميراثِهم منهُ- فطالَبَهم الزوجُ أنْ يُبْرِزوا جهازَها المُشتَرَطَ أو المُعتادَ ليَنظرَ قدْرَ ميراثِه منه فلا يَلزمُهم ذلكَ، ويُحَطُّ عن الزوجِ مِنْ الصَّداقِ ما زادَه لأجْلِ جهازِها، ويُخيَّرُ الزوجُ بينَ الرضا بالجهازِ المُساوِي لمَهرِها والطلاقِ ولا شيءَ عليه؛ لأنَّ الموضوعَ قبلَ البناءِ، وأما إنْ فاتَ النكاحُ بالدخولِ أُجبِرَ الأبُ على ما جرَى به العرفُ مِنْ تجهيزِها به مِنْ مالِها (١). وقالَ القاضِي عبدُ الوَهابِ ﵀: إذا اشتَرَت بالصداقِ جهازًا أو ما يُصلِحُها ويُصلحُ زوْجَها ممَّا جرَى مِنْ العرفِ في موضِعها بأنَّ المرأةَ تتجهَّزُ به للرَّجلِ ثمَّ طلَّقَها قبلَ الدخولِ فله نِصفُ ما اشتَرتْ، ولا يَلزمُها أنْ تغرمَ له عَينًا. وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: عليها أنْ تَردَّ له نصفَ العينِ التي قبَضَتْ منه. فدليلُنا أنَّ العرفَ إذا كانَ جاريًا في مَوضعِها بأنَّ المرأةَ تتجهَّزُ للرجلِ وأنه يَلتمسُ ذلك منها فعليه دخَلَا، فكأنها فعلَتْ ذلك بأمرِه؛ لأنه قد عَلِمَ

стр. 9429

أنها تَتصرَّفُ فيه فكانَ كما لو صرَّحَ فقالَ: «قد أذِنْتُ لكِ أنْ تَشتري بصداقِكِ جهازًا»، ولو فعَلَ ذلكَ لم يكنْ له إلا نصفُ ما اشتَرتْهُ. فدليلُنا على وُجوبِ تجهيزِ المرأةِ للزوجِ إذا كانَ العرفُ عندَهم جاريًا بذلكَ، فدليلُنا قولُه تعالى: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، ولأنه ﷺ أخَذَ صَداقَ فاطمةَ ﵍ فصرَفَه في جهازِها مِنْ طِيبٍ وفرشٍ وغيرِ ذلكَ، ولأنَّ عليًّا ﵁ قضَى بذلكَ في قضيةٍ ارتفعَ إليه فيها، فقَضَى على الأبِ بوُجوبِ تجهيزِ ابنتِه وقالَ الزوجُ لمَّا طلَّقَ فطلَبَ نصفَ ما دفَعَ فقالَ: آخُذُ صُوفًا وخِرَقًا وقد أعطَيْتُ دراهمَ؟ قالَ: أنتَ أضَعْتَ مالَكَ، ولم يُخالِفْ عليه أحدٌ (١). قالَ المالِكيةُ أيضًا: للزوجِ التَّمتعُ بشَورتِها -الشَّورَةُ بفتحِ الشينِ هيَ مَتاعُ البيتِ، وبضَمِّها هي الجَمالُ-، والمعنى أنه يَجوزُ للرجلِ أنْ يَتمتعَ مع زوجتِه بشَورتِها التي تجهَّزَتْ بها ودخَلَتْ عليه بها مِنْ غِطاءٍ ووِطاءٍ ولباسٍ ونحوِها، وسواءٌ تمتَّعَ بها معَها أو وحدَه، وتَمتعُه بها حقٌّ له، فله مَنعُها مِنْ بيعِها وهِبتِها؛ لأنه يَفوتُ عليه التمتعُ بها وهو حقٌّ له، والمُرادُ بشَورتِها التي دخَلَتْ بها مِنْ مَقبوضِ صَداقِها التي تجهَّزتْ به، وأما لو لم تَقبضْ شيئًا وإنما تجهَّزَتْ مِنْ مالِ نفسِها فليسَ له عليها إلا الحَجرُ إذا تبَرَّعتْ بزائدِ الثلثِ.

стр. 9430

ولا يَلزمُ الزوجَ بَدلُ الشَّورةِ التي دخَلَتْ بها عليه، ولكنْ يَلزمُه أنْ يَشتريَ لها شَورةَ ما لا يُستغنَى عنه (١). مِنْ شَرطِ المَهرِ أنْ يَكونَ مَعلومًا: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ الأصلَ في المهرِ أنْ يكونَ معلومًا. إلا أنهُم اختَلفوا فيما لو كانَ مَجهولًا، هل يَصحُّ أم لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنه يُشترطُ في الصداقِ أنْ يكونَ معلومًا يَصحُّ بمثلِه البيعُ؛ لأنَّ الصداقَ عوضٌ في عقدِ مُعاوَضةٍ، فلم يَصحَّ مَجهولًا كعوضِ البيعِ والإجارةِ، ولأنَّ المجهولَ لا يصلحُ عِوضًا في البيع، فلمْ تَصحَّ تسميتُه كالمحرَّمِ. فإنْ أصدَقَها دارًا غيرَ مُعينةٍ لم يَصحَّ، أو أصدَقَها دابَّةً مُبهَمةً أو أصدَقَها عبدًا مُطلَقًا بأنْ لم يعيِّنْه ولم يصفْهُ ولم يَقلْ: «مِنْ عَبيدي» لم يَصحَّ. أو أصدَقَها شَيئًا مَعلومًا كأنْ يتزوَّجَها على ما يُثمرُ شَجرُه ونحوه كالذي يكتسِبُه عبدُه، أو أصدَقَها مَجهولًا كمتاعِ بيتهِ وما يَحكمُ به أحدُ الزوجَين أو ما يَحكمُ به زيدٌ، أو أصدَقَها ما لا مَنفعةَ فيه كالحشراتِ، أو أصدَقَها ما لا يَقدرُ على تسليمِه كالطيرِ في الهواءِ والسَّمكِ في الماءِ، وما لا يُتموَّلُ عادةً كقِشرةِ جَوزةٍ وحَبَّةِ حنطةٍ لم يَصحَّ الصداقُ؛ للجَهالةِ أو الغررِ أو عدمِ التموُّلِ.

стр. 9431

إذا ثبَتَ هذا فإنَّ لها مهرَ المثلِ، وكذا في كلِّ مَوضعٍ حكَمْنا بفسادِ التسميةِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وبعضُ الحَنابلةِ إلى أنَّ المهرَ إذا كانَ مَجهولًا صَحَّ ووجَبَ الوسطُ، على تَفصيلٍ عندَهم. قالَ الحَنفيةُ: يُشترطُ في المهرِ أنْ لا يكونَ مَجهولًا جَهالةً تَزيدُ على جَهالةِ مهرِ المثلِ. والمسمَّى لا يَخلو: إما أنْ يكونَ مَجهولَ الجنسِ والنوعِ والقدرِ والصفةِ، وإما أنْ يكونَ مَعلومَ الجنسِ والنوعِ والقدرِ والصفةِ. فإنْ كانَ مَجهولًا كالحيَوانِ والدابةِ والثوبِ والدارِ، بأنْ تزوَّجَ امرأةً على حيَوانٍ أو دابةٍ أو ثوبٍ أو دارٍ ولم يُعيِّنْ لم تصحَّ التسميةُ وللمرأةِ مهرُ مثلِها بالغًا ما بلَغَ؛ لأنَّ جَهالةَ الجنسِ مُتفاحشةٌ؛ لأنَّ الحيوانَ اسمُ جنسٍ تَحتَه أنواعٌ مُختلِفةٌ وتحتَ كلِّ نوعٍ أشخاصٌ مُختلفةٌ، وكذا الدابةُ، وكذا الثوبُ؛ لأنَّ اسمَ الثوبِ يقَعُ على ثوبِ القطنِ والكتَّانِ والحريرِ والخَزِّ والبَزِّ، وتحتَ كلِّ واحدٍ مِنْ ذلكَ أنواعٌ كثيرةٌ مُختلِفةٌ، وكذا الدارُ؛ لأنها

стр. 9432

تَختلفُ في الصِّغَر والكِبَرِ والهيئةِ والتقطيعِ، وتَختلفُ قيمتُها باختلافِ البلادِ والمَحَالِّ والسككِ اختلافًا فاحشًا، فتفاحشَتِ الجَهالةُ فالتحقَتْ بجهالةِ الجنسِ. والأصلُ: أنَّ جَهالةَ العوضِ تَمنعُ صحةَ تَسميتِه كما في البيعِ والإجارةِ؛ لكونِها مُفضِيةً إلى المُنازَعةِ، إلا أنه يُتحمَّلُ ضربٌ مِنْ الجَهالة في المهرِ بالإجماعِ، فإنَّ مهرَ المثلِ قد يَجبُ في النكاحِ الصحيحِ، ومَعلومٌ أنَّ مهرَ المثلِ مجهولٌ ضَربًا مِنْ الجَهالةِ، فكلُّ جَهالةٍ في المسمَّى مَهرًا مثلَ جَهالةِ مهرِ المثلِ أو أقلَّ مِنْ ذلكَ يُتحمَّلُ، ولا يَمنعُ صحةَ التسميةِ؛ استدلالًا بمهرِ المثلِ، وكلُّ جهالةٍ تَزيدُ على جَهالةِ مهرِ المثلِ يَبقى الأمرُ فيها على الأصلِ، فيَمنعُ صحةَ التسميةِ كما في سائرِ الأعواضِ. إذا ثَبتَ هذا فنقولُ: لا شَكَّ أنَّ جَهالةَ الحيَوانِ والدابةِ والثَّوبِ والدارِ أكثرُ مِنْ جهالةِ مهرِ المثلِ؛ لأنَّ بعدَ اعتبارِ تَساوي المرأتَين في المالِ والجمالِ والسنِّ والعقلِ والدِّينِ والبلدِ والعِفةِ يَقلُّ التفاوتُ بينَهما فتَقلُّ الجَهالةُ، فأما جَهالةُ الجنسِ والنوعِ فجهالةٌ مُتفاحشةٌ، فكانَت أكثرَ جهالةً مِنْ مهرِ المثلِ، فتَمنعُ صحةَ التسميةِ. وإنْ كانَ المسمَّى معلومَ الجنسِ والنوعِ مَجهولَ الصفةِ والقدرِ كما إذا تزوَّجَها على عبدٍ أو أَمَةٍ أو فَرسٍ أو جَملٍ أو حِمارٍ أو ثَوبٍ مَرْويٍّ أو هَرَوِيٍّ صحَّتِ التسميةُ ولها الوسطُ مِنْ ذلكَ، وللزوجِ الخيارُ، إنْ شاءَ أعطاها الوسطَ وإنْ شاءَ أعطاها قيمتَه؛ لأنَّ النكاحَ مُعاوضةُ المالِ بما ليسَ بمالٍ،

стр. 9433

والحيوانُ الذي هو معلومُ الجنسِ والنوعِ مجهولُ الصفةِ يجوزُ أنْ يَثبتَ دَينًا في الذمةِ بَدلًا عمَّا ليسَ بمالٍ كما في الذمَّةِ، قالَ النبيُّ ﷺ : «في النفسِ المُؤمنةِ مِائةٌ مِنَ الإبِلِ»، والبُضعُ ليسَ بمالٍ، فجازَ أنْ يَثبتَ الحيَوانُ دَينًا في الذمةِ بَدلًا عنه، ولأنَّ جَهالةَ الوسطِ مِنْ هذه الأصنافِ مثلُ جَهالةِ مهرِ المثلِ أو أقلُّ، فتلكَ الجهالةُ لمَّا لم تمنَعْ صحةَ تَسميةِ البدلِ فكذا هذه، إلا أنه لا تَصحُّ تسميتُه ثمنًا في البيع؛ لأنَّ البيعَ لا يَحتملُ جهالةَ البدلِ أصلًا، قلَّت أو كثرَتْ، والنكاحُ يَحتملُ الجهالةَ اليسيرةَ مثلَ جهالةِ مهرِ المثلِ، وإنما كانَ كذلكَ؛ لأنَّ مبنَى البيعِ على المُضايقةِ والمُماكَسةِ فالجهالةُ فيه وإنْ قلَّتْ تُفضي إلى المُنازعةِ، ومبنى النكاحِ على المُسامحةِ والمُروءةِ، فجهالةُ مهرِ المثلِ فيه لا تُفضي إلى المنازعةِ، فهوَ الفرقُ. وأما وجوبُ الوسطِ فلأنَّ الوسطَ هو العدلُ؛ لِمَا فيه مِنْ مُراعاةِ الجانبَين؛ لأنَّ الزوجَ يتضررُ بإيجابِ الجيِّدِ والمرأةَ تتضررُ بإيجابِ الرديءِ، فكانَ العدلُ في إيجابِ الوسطِ، وهذا معنَى قولِ النبيِّ ﷺ : «خيرُ الأمورِ أَوْسَاطها». ولو تزوَّجَها على مَكيلٍ أو مَوزونٍ ولم يَصِفْ صحَّتِ التسميةُ؛ لأنه مالٌ معلومُ الجنسِ والنوعِ، فتَصحُّ تسميتُه، فإنْ شاءَ الزوجُ أعطاها الوسطَ مِنْ ذلكَ، وإنْ شاءَ أعطاها قيمتَه، كذا ذَكَرَ الكَرخيُّ في «جامِعِه»، وذكَرَ الحسَنُ عن أبي حنيفةَ أنه يُجبَرُ على تسليمِ الوسطِ. ولو قالَ: «تزوَّجْتُكِ على هذا العبدِ، أو على ألفٍ، أو على ألفَينِ»

стр. 9434

فالتسميةُ فاسدةٌ في قولِ أبي حنيفةَ ويُحكَّمُ مهرُ مثلِها، فإنْ كانَ مهرُ مثلِها مثلَ الأَدْوَنِ أو أقلَّ فلها الأَدْوَنُ إلا أنْ يرضَى الزوجُ بالأرفعِ، وإنْ كانَ مهرُ مثلِها مثلَ الأرفَعِ فلها الأرفَعُ إلا أنْ تَرضى المرأةُ بالأدوَنِ، وإنْ كانَ مهرُ مثلِها فوقَ الأَدْوَنِ أو أقلَّ مِنْ الأرفَعِ فلها مهرُ مثلِها. ولو تزوَّجَ امرأةً على ألفٍ إنْ لم يكن له امرأةٌ وعلى ألفَين إنْ كانت له امرأةٌ، أو تزوَّجَها على ألفٍ إنْ لم يُخرِجْها مِنْ بلدها وعلى ألفَين إنْ أَخْرَجَها مِنْ بلدِها، أو تزوَّجَها على ألفٍ إنْ كانَتْ مَولاةً وعلى ألفَين إنْ كانَت عربيةً وما أشبَهَ ذلكَ فلا شكَّ أنَّ النكاحَ جائزٌ؛ لأنَّ النكاحَ المؤبَّدَ الذي لا تَوقيتَ فيه لا تُبطلُه الشروطُ الفاسدةُ؛ لمَا قُلنا أنَّ الشروطَ لو أثَّرَت لَأثَّرَتْ في المهرِ بفسادِ التسميةِ، وفسادُ التسميةِ لا يكونُ فوقَ العدمِ، ثم عدمُ التسميةِ رأسًا لا يُوجِبُ فسادَ النكاحِ، ففسادُها أَولى. وأمَّا المهرُ فالشرطُ الأولُ جائزٌ بلا خِلافٍ، فإنْ وقَعَ الوفاءُ به فلَها ما سمَّى على ذلكَ الشرطِ، وإنْ لم يقَعِ الوفاءُ به فإنْ كانَ على خلافِ ذلكَ أو فعَلَ خلافَ ما شرَطَ لها فلها مهرُ مثلِها لا يُنْقَصُ مِنْ الأصلِ ولا يُزادُ على الأكثرِ، وهذا قولُ أبي حنيفةَ. وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: الشَّرطانِ جائزانِ، وقالَ زُفرُ: الشَّرطانِ فاسدانِ، وهذه فُرَيْعةُ مسألةٍ مَشهورةٍ في الإجاراتِ وهو: أنَ يدفعَ رجلٌ ثوبًا إلى الخياطِ فيقولَ: «إنْ خيَّطتَه اليومَ فلَكَ درهمٌ، وإنْ خيَّطتَه غدًا فلكَ نصفُ درهمٍ».

стр. 9435

وجهُ قولِ زفرَ: أنَّ كلَّ واحدٍ مِنْ الشرطَين يُخالِفُ الآخرَ، فأوجَبَ ذلكَ جهالةً، فلم تَصحَّ التسميةُ. وجهُ قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ: أنَّ المسمَّى معلومٌ في الشرطِ الثاني كمَا هوَ معلومٌ في الشرطِ الأولِ، فتصحُّ التسميتانِ، كمَا إذا قالَ للخيَّاطِ: «إنْ خيَّطتَه رُوميًّا فبِدرهمٍ، وإنْ خيَّطتَه فارسيًّا فبِنصفِ درهمٍ». ولأبي حنيفةَ: أنَّ الشرطَ الأولَ وقعَ صحيحًا بالإجماعِ ومُوجَبُه ردُّ مهرِ المثلِ إنْ لم يَقعِ الوفاءُ به، فكانَت التسميةُ الأُولَى صحيحةً، فلو صحَّ الشرطُ الثاني لَكانَ نافيًا مُوجَبَ الشرطِ الأولِ، والتسميةُ الأُولى والتسميةُ بعدما صحَّتْ لا يجوزُ نفيُ موجَبِها، فبطَلَ الشرطُ الثاني ضرورةً (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا تزوَّجَها بشَورةِ بيتٍ -أي مَتاعِ البيتِ- بأنْ يقولَ: «أتزوَّجُها وأجعَلُ صداقَها جهازِها»، أو تزوَّجها على عَددٍ مَحصورٍ مِنْ إبلٍ أو غنمٍ أو رَقيقٍ أو نحوِ ذلكَ، أو تزوَّجها على صَداقِ المثلِ صَحَّ ولها الوسطُ مِنْ كلِّ ذلكَ، أي لها الوسطُ مِنْ الإبلِ والرقيقِ والغَنمِ ونحوِها، وكذلكَ يجبُ لها الوسطُ مِنْ صداقِ مثلِها إنْ اختَلفَ عندَ الناسِ، وكذا الوسطُ مِنْ الشَّورةِ، فإنْ كانَت حضَريةً فلها الوسطُ مِنْ شَورةِ مثلِها في الحاضرةِ، أو بدَويةً فالوسطُ مِنْ أهلِ الباديةِ، ويكونُ ذلكَ كلُّه حالًّا، ففي

стр. 9436

«المُدوَّنة»: مَنْ تزوَّجَ على عبدٍ بغيرِ عينِه ولم يَصفْه ولا ضرَبَ له أجلًا جازَ وكانَ لها عبدٌ وسطٌ حالًّا، وليسَ له دفعُ قيمتِه إلا أنْ ترضَى المرأةُ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَصحُّ الصداقُ إلا مَعلومًا يَصحُّ بمثلِه البيعُ، وهذا اختيارُ أبي بكرٍ ومذهبُ الشافعيِّ. وقالَ القاضي: يصحُّ مَجهولًا ما لم تَزدْ جهالتُه على مهرِ المثلِ؛ لأنَّ جعفرَ بنَ محمدٍ نقَلَ عن أحمدَ في رَجلٍ تزوَّجَ امرأةً على ألفِ درهمٍ وخادمٍ فطلَّقَها قبلَ أنْ يدخلَ بها: يُقوَّمُ الخادمُ وَسطًا على قَدرِ ما يَخدمُ مثلَها، ونحو هذا قولُ أبي حنيفةَ، فعلى هذا إذا تزوَّجَها على عبدٍ أو أمَةٍ أو فرسٍ أو بَغلٍ أو حيَوانٍ مِنْ جنسٍ معلومٍ أو ثوبٍ هَرَويٍّ أو مَرْوِيٍّ وما أشبهَهُ ممَّا يُذكرُ جنسُه فإنه يَصحُّ ولها الوسطُ، وكذلكَ قَفيزُ حِنطةٍ وعشرةُ أرطالِ زيتٍ. وإنْ كانَت الجَهالةُ تَزيدُ على جَهالةِ المهرِ كثَوبٍ أو دابةٍ أو حيوانٍ أو على حُكمِها أو حُكمِه أو حكمِ أجنبيٍّ أو على حنطةٍ أو شعيرٍ أو زيتٍ أو على ما اكتسَبَه في العامِ لم يَصحُّ؛ لأنه لا سبيلَ إلى معرفةِ الوسطِ فيَتعذَّرُ تسليمُه، وفي الأول يَصحُّ؛ لقولِ النبيِّ ﷺ : «العَلائقُ ما تَراضَى عليه الأهلُونَ»، وهذا قد تَراضَوا عليه، ولأنه مَوضعٌ يَثبتُ فيه الحيوانُ في الذمةِ بَدلًا عمَّا ليسَ المقصودُ فيه المالَ، فثبَتَ مطلَقًا كالديَّةِ، ولأنَّ جهالةَ

стр. 9437

التسميةِ هاهُنا أقلُّ مِنْ جَهالةِ مهرِ المثلِ؛ لأنه يُعتبَرُ بنِسائها ممَّن يُساويها في صفاتِها وبلدِها وزمانِها ونسبِها، ثم لو تزوَّجَها على مهرِ مثلِها صحَّ، فهاهنا مع قلَّةِ الجهلِ فيه أَولى، ويُفارقُ البيعَ؛ فإنه لا تُحتملُ فيه الجَهالةُ بحالٍ. وقالَ مالكٌ: يصحُّ مَجهولًا؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بأكثرَ مِنْ تَركِ ذِكرِه. وقالَ أبو الخطَّابِ: إنْ تَزوجَها على عبدٍ مِنْ عَبيده أو قميصٍ مِنْ قُمصانِه أو عمامةٍ مِنْ عَمائمِه ونحوِ ذلكَ صَحَّ؛ لأنَّ أحمدَ قالَ في رِوايةِ مُهنَّا فيمَن تزوَّجَ على عبدٍ مِنْ عَبيده: جائزٌ، فإنْ كانوا عشرةَ عبيدٍ تُعطى مِنْ أوسطِهم، فإنْ تَشاحَّا أقرعَ بينَهم، قلتُ: وتَستقيمُ القرعةُ في هذا؟ قالَ: نعم، ووجهُهُ: أنَّ الجَهالةَ هاهُنا يسيرةٌ ويُمكنُ التعيينُ بالقرعةِ، بخِلافِ ما إذا أصدَقَها عبدًا مُطلَقًا فإنَّ الجهالةَ تَكثرُ فلا يَصحُّ … (١). ولا خِلافَ بينَهم على أنَّ الصداقَ إذا كانَ مَجهولًا أنَّ النكاحَ صحيحٌ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا فسَدَ الصداقُ لجَهالتِه أو عَدَمِه أو العجزِ عن تسليمِه فإنَّ النكاحَ ثابتٌ لا نعلمُ فيه خِلافًا (٢). الحُكمُ إذا فسَدَ المَهرُ لحُرمتِه أو لجَهالتِه، هل يفسدُ النِّكاح أم لا؟ لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ المهرَ إذا فسَدَ لجَهالتِه أو عَدمِه أو عَجزٍ عن تَسليمِه فإنَّ النكاحَ ثابتٌ.

стр. 9438

قالَ ابنُ قدامةَ ﵀: إذا فسدَ الصداقُ لجهالتِه أو عَدَمِه أو العجزِ عن تسليمِه فإنَّ النكاحَ ثابتٌ لا نعلمُ فيه خلافًا (١). إلا أنهم اختَلفوا فيما لو فسَدَ المهرُ بأنْ كانَ حرامًا كأنْ كانَ خَمرًا أو خِنزيرًا أو ما لا يَصحُّ أنْ يكونَ مَهرًا، هل يَفسدُ العقدُ بذلك لفسادِ المهرِ؟ أم يَصحُّ العقدُ ويَفسدُ المسمَّى ويكونُ لها صَداقُ المثلِ؟ وسببُ اختلافهم: هل حكمُ النكاحِ في ذلكَ حُكمُ البيعِ أم ليس كذلكَ؟ فمَن قالَ: «حكمُه حكمُ البيعِ» قالَ: يَفسدُ النكاحُ بفسادِ الصداقِ كما يفسدُ البيعُ بفسادِ الثمَنِ، ومَن قالَ: «ليس مِنْ شرطِ صِحةِ عقدِ النكاحِ صحةُ الصداقِ، بدَليل أنَّ ذِكرَ الصداقِ ليسَ شرطاً في صحة العقدِ» قالَ: يَمضي النكاحُ ويُصحَّحُ بصداقِ المثلِ (٢). فذهبَ المالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابلةُ في روايةٍ إلى أنَّ النكاحَ يَفسدُ إذا كانَ الصداقُ ممَّا لا يَجوزُ تملُّكُه كالخمرِ والخنزيرِ والحُرِّ؛ لأنَّ شرْطَ الصداقِ أنْ يكونَ متموَّلًا يَصحُّ تملُّكُه شَرعًا؛ لقولِه تعالَى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، فأخبَرَ أنَّ مِنْ شَرطِ الإباحةِ أنْ يَبتغيَها بالمالِ، وهذا ابتغاءٌ بغيرِ مالٍ، ولأنه عقدُ مُعاوَضةٍ، فوجَبَ متى حصَلَ العوضُ فيه خمرًا أو خنزيرًا أنْ لا يَصحَّ العقدُ كسائرِ عقودِ المعاوَضاتِ، ولأنَّ العوضَ في

стр. 9439

النكاحِ آكَدُ، بدليلِ أنه يجبُ لحَقِّ اللهِ تعالى، فكانَ فسادُ العقدِ بفساده أَولى منه في سائرِ العقودِ. فإنِ اطُّلِعَ على ذلكَ قبلَ الدخولِ فُسخَ النكاحُ ولا شيءَ لها، وإنِ اطُّلعَ على ذلك بعدَ البناءِ فلها صَداقُ المثلِ. وقيلَ: يَمضي مُطلَقًا، وقيلَ: يُفسخُ مُطلقًا، ولا شَكَّ أنَّ الفسخَ هنا بطَلاقٍ؛ للخلافِ المذكورِ، ولا شيءَ على الزوجِ فيما هلكَ مِنْ ذلك (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قولٍ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المهرَ إذا فسَدَ بأنْ عُقِدَ النكاحُ على مهرٍ باطلٍ كالخمرِ أو الخنزيرِ أو مَجهولٍ لم يَبطلِ النكاحُ؛ لحَديثِ ابنِ عباسٍ ﵄ مَرفوعًا: «لا نِكاحَ إلا بوَليٍّ مُرشِدٍ وشاهِدَي عَدلٍ» (٢)، فتَضمَّنَ هذا الخبَرُ نفيَ النكاحِ بعَدمِ الوليِّ والشاهدَينِ، وإثباتَ النكاحِ بوُجودِ الولي والشاهدَين، وهذا نكاحٌ بوليٍّ وشاهدَينِ، فوجَبَ أنْ يكونَ صَحيحًا؛ لأنه لم يفصِّلْ بينَ أنْ يكونَ المهرُ صَحيحًا أو فاسدًا.

стр. 9440

ولأنَّ فسادَ المهرِ لا يُوجِبُ فسادَ العقدِ كالمهرِ المَغصوبِ، ولأنَّ كلَّ نكاحٍ صحَّ بالمَهرِ الصحيحِ صحَّ بالمهرِ الفاسدِ، كما لو أصدَقَها عَبدًا فبانَ حرًّا. ولأنه ليسَ في فسادِ المهرِ أكثرُ مِنْ سقوطِه، وليسَ في سُقوطِه أكثرُ مِنْ فَقدِ ذِكرِه، ولو فُقدَ ذِكرُه لم يَبطلِ النكاحُ، فكذلكَ إذا ذُكرَ فاسدًا. وعلى هذا إذا دخَلَ بها أو ماتَ عنها وجَبَ لها مهرُ المثلِ بالِغًا ما بلغَ عندَ عامَّةِ العُلماءِ؛ لأنَّ البُضعَ مفوتٌ بالعقدِ، فلمْ تَقدرْ على استِرجاعِه، فوجَبَ أنْ تعدلَ إلى قيمتِه وهي مهرُ المثلِ؛ لأنها دخَلَتْ في العقدِ على أنْ يكونَ لها المسمَّى، فإذا لم يُسَمّ وتعذَّرَ رجوعُها إلى بضعِها رجَعَتْ إلى قيمتِه، كمَن اشتَرى عبدًا بثوبٍ فماتَ في يدِه وردَّ بائعُه الثوبَ بعَيبٍ رجَعَ بقيمةِ العبدِ حينَ فاتَ الرجوعُ بعينِه. ولأنَّ العوضَ الأصليَّ في هذا الباب هو مهرُ المثلِ؛ لأنه قيمةُ البضعِ، وإنما يُعدَلُ عنه إلى المسمَّى إذا صحَّتِ التسميةُ، وكانَتِ التسميةُ تَقديرًا لتلكَ القيمةِ، فإذا لم تَصحَّ التسميةُ أو تزلزَلَتْ لم يَصحَّ التقديرُ، فإذا لم يَصحَّ التقديرُ فوجَبَ المَصيرُ إلى الفرضِ الأصليِّ؛ ولهذا كانَ المبيعُ بيعًا فاسدًا مَضمونًا بالقيمةِ في ذواتِ القِيَمِ لا بالثمنِ، كذا هذا. وإنْ طلَّقَها قبلَ الدخولِ وجَبَ لها أيضًا نصفُ مهرِ المثلِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، وعندَ الحَنفيةِ يَجبُ لها المتعةُ. قالَ الإمامُ ابنُ قدامةَ ﵀: وإنْ طلَّقَ قبلَ الدخولِ فلها نصفُ مهرِ

стр. 9441

المثلِ، وبهذا قالَ الشافعيُّ، وقالَ أصحابُ الرأيِ: لها المُتعةُ؛ لأنه لو لم يُسَمِّ لها صداقًا كانَ لها المتعةُ، فكذلكَ إذا سمَّى لها تسميةً فاسدةً؛ لأنَّ هذه التَّسميةَ كعدمِها. وذكرَ القاضِي في «الجامِع» أنه لا فرْقَ بينَ مَنْ لم يُسمِّ لها صداقًا وبينَ مَنْ سمَّى لها مُحرَّمًا كالخمرِ أو مَجهولًا كالثوبِ، وفي الجَميعِ روايتَان: إحداهُما: لها المتعةُ إذا طلَّقَها قبلَ الدخولِ؛ لأنَّ ارتفاعَ العقدِ يُوجبُ رفْعَ ما أوجَبَه مِنْ العوضِ كالبيعِ، لكنْ ترَكْناه في نصفِ المسمَّى لتَراضيهِما عليهِ، فكانَ ما تراضَيَا عليه أَولى، ففي مهرِ المثلِ يَبقى على الأصلِ في أنه يَرتفعُ وتَجبُ المتعةُ. والثانيةُ: أنَّ لها نصفَ مهرِ المثلِ؛ لأنَّ ما أوجَبَه عقدُ النكاحِ يتنصَّفُ بالطلاقِ قبلَ الدخولِ، ومهرُ المثلِ قد أوجَبَه العقدُ فيَتنصَّفُ به كالمسمَّى، والخِرقيُّ فرَّقَ بينَهما فأوجَبَ في التسميةِ الفاسدةِ نِصفَ مهرِ المثلِ وفي المُفوِّضةِ المُتعةَ، وهو مذهبُ الشافعيِّ، لأنَّ المفوِّضةَ رَضيَتْ بلا عِوضٍ وعادَ إليها بُضعُها سَليمًا، وإيجابُ نِصفِ المهرِ لها لا وجْهَ له؛ لأنَّ اللهَ تعالى أوجَبَ لها المتعةَ، ففي إيجابِ نصفِ المهرِ جَمعٌ بينَهما أو إسقاطٌ للمُتعةِ المنصوصِ عليها، وكِلاهُما فاسدٌ، وأما التي اشتَرطتْ لنَفسِها مهرًا فلمْ تَرْضَ إلا بعوضٍ ولم يَحصلْ لها العوضُ الذي اشتَرطَتْه، فوجَبَ لها بدلُ ما فاتَ عليها مِنْ العوضِ وهو مهرُ المثلِ، أو نصفُه إنْ كانَ قبلَ الدخولِ، ولأنَّ الأصلَ وُجوبُ مهرِ المثلِ؛ لأنه وجَبَ بالعقدِ بدليلِ أنه

стр. 9442

يَستقرُّ بالدخولِ والموتِ، وإنما خُولِفَ هذا في المُفوِّضةِ بالنصِّ الواردِ فيها، ففيما عَداها يبقَى على الأصلِ (١). تَعجيلُ المَهرِ وتَأجيلُه: للعُلماءِ تفصيلٌ في حُكمِ تَعجيلِ المَهرِ وتأجيلِه، وإنْ كانَ الجَميعُ مُتفِقًا على جوازِ تَعجيلِه وتأجيلِه إلى مُدةٍ معلومةٍ، وكذا يَجوزُ تعجيلُ بعضِه وتأجيلُ بعضِه. إلا أنَّ لهم كلامًا وتَفصيلًا في حالةِ السُّكوتِ والعرفِ عندَ الناسِ، هل يُحكَمُ بتعجيلِه أم بتأجيلِه أم يُرجَعُ إلى العرفِ في هذا؟ قالَ الحَنفيةُ: المهرُ يَصحُّ أنْ يكونَ حالًّا ومؤجَّلًا وبعضُه حالٌّ وبعضُه مُؤجَّلٌ. قالُوا: المهرُ في النكاحِ الصَحيحِ يجبُ بالعقدِ؛ لأنه إحداثُ المِلكِ والمهرُ يجبُ بمُقابلةِ إحداثِ المِلكِ، ولأنه عقدُ مُعاوَضةٍ وهوَ مُعاوضةُ البضعِ بالمهرِ، فيَقتضي وجوبَ العوضِ كالبيع، سواءٌ كانَ المهرُ مَفروضًا في العقدِ أو لم يَكنْ.

стр. 9443

وفي النكاحِ الفاسدِ يَجبُ المهرُ لكنْ لا بنفسِ العقدِ بل بواسطةِ الدخولِ؛ لعَدمِ حدوثِ الملكِ قبلَ الدخولِ أصلًا وعدمِ حدوثِه بعدَ الدخولِ مُطلَقًا ولانعدامِ المُعاوضةِ قبلَ الدخولِ رأسًا وانعدامِها بعدَ الدخولِ مُطلَقًا. ويَجبُ المهرُ عَقيبَ العقدِ بلا فَصلٍ، وإذا طالبَتِ المرأةُ بالمهرِ يَجبُ على الزوجِ تَسليمُه أولًا؛ لأنَّ حقَّ الزوجِ في المرأةِ مُتعينٌ وحَقَّ المرأةِ في المهرِ لم يَتعينْ بالعقدِ، وإنما يَتعينُ بالقبضِ، فوجَبَ على الزوج التسليمُ عند المُطالَبةِ ليَتعيَّنَ، وللمرأةِ أنْ تَمنعَ نفسَها حتى تقبضَ مهرَها. هذا إذا كانَ المهرُ معجَّلًا بأنْ تزوَّجَها على صَداقٍ عاجلٍ. وإذا كانَ المهرُ مُؤجلًا بأنْ تزوجَها على مهرٍ آجِلٍ، فإنْ لم يَذكرِ الوقتَ لشيءٍ مِنْ المهرِ أصلًا بأنْ قالَ: «تزوَّجتُكِ على ألفٍ مُؤجَّلةٍ» أو ذكَرَ وقتًا مَجهولًا جَهالةً مُتفاحشةً بأنْ قالَ: «تَزوَّجتُكِ على ألفٍ إلى وقتِ المَيسرةِ، أو هبوبِ الرياحِ، أو إلى أنْ تُمطرَ السماءُ» فكذلكَ يَجبُ تعجيلُه؛ لأنَّ التأجيلَ لم يَصحَّ؛ لتَفاحُشِ الجَهالةِ، فلم يَثبتِ الأجلُ. وإنْ تزوَّجَها ولم يُشترطْ تَعجيلُ شيءٍ مِنْ المهرِ ولا تأجيلُه بل سَكَتوا عن تَعجيلِه وتأجيلِه فقيلَ: إنه يَجبُ تعجيلُه؛ لأنَّ حُكمَ المَسكوتِ حكمُ المُعجَّلِ، وهو ظاهرُ الروايةِ. والصحيحُ المُفتَى به: أنه يَرجعُ في ذلكَ إلى العرفِ، فإنْ كانَا في مَوضعٍ يُعجَّلُ فيه البعضُ ويُؤجَّلُ الباقي إلى الطلاقِ أو المَيسرةِ أو الموتِ يُنظَرُ كم

стр. 9444

يكونُ المُعجَّلُ لمِثلِ هذه المرأةِ مِنْ مثلِ هذا المهرِ في مُتعارَفِ ذلكَ القَومِ؟ فيكونُ ذلكَ مُعجَّلًا والباقي مُؤجَّلًا، ولا يَتقدَّر بالرُّبُعِ والخُمُسِ، بل يُعتبَرُ المُتعارَفِ، فإنَّ الثابتَ عرفًا كالثابتِ شَرطًا. ولو قالَ: «نِصفُه معجَّلٌ ونصفُه مؤجَّلٌ أو مُقَسَّطٌ» كما جرتِ العادةُ في كثيرٍ مِنْ بلادِ المُسلمينَ ولم يَذكرِ الوقتَ للمُؤجلِ اختَلفَ المشايخُ فيهِ. قالَ بعضُهم: لا يَجوزُ الأجَلُ ويجبُ حالًّا، كمَا إذا قالَ: «تزوَّجتُكِ على ألفٍ مؤجَّلةٍ». وقالَ بعضُهم: يَجوزُ ويقعُ ذلكَ على وَقتِ وقوعِ الفرقةِ بالطلاقِ أو الموتِ، وهوَ الصحيحُ، وهذا لأنَّ الغايةَ مَعلومةٌ في نفسِها وهو الطلاقُ أو الموتُ. ولو كانَ بعضُه حالًّا وبعضُه مؤجَّلًا أجَلًا مَعلومًا فله أنْ يَدخلَ بها إذا أعطاها الحالَّ بالإجماعِ. ولو كانَ الكلُّ مؤجَّلًا أجَلًا مَعلومًا وشرَطَ أنْ يَدخلَ بها قبلَ أنْ يعطيَها كلَّه فله ذلكَ عند أبي يوسفَ؛ لأنه لمَّا شرَطَ الدخولَ لم يَرْضَ بتأخيرِ حقِّه في الاستمتاعِ (١).

стр. 9445

وأما المالِكيةُ فقالُوا: يُكرَهُ الأجلُ في الصَّداقِ ولو بعضُه ولو إلى سَنةٍ؛ لئلَّا يَتذرَّعَ الناسُ إلى النكاحِ بغيرِ صداقٍ ويُظهِرونَ أنَّ هناكَ صَداقًا ثم تُسقطُه المرأةُ، ولمُخالَفتِه لفِعلِ السَّلفِ (١). وقالوا: يَصحُّ تعجيلُ المهرِ وهوَ الأفضلُ ويَجوزُ تأجيلُه إلى أجَلٍ معلومٍ بشَرطِ أنْ لا يَزيدَ عن خمسِينَ سنةً، فإنْ زادَ الأجلُ عن خمسِينَ سنَةً فسَدَ العقدُ، فيُفسخُ قبلَ الدخولِ ويَثبتُ بعدَ الدخولِ بالأكثرِ مِنْ مهرِ المثلِ أو المسمَّى. وإنْ كانَ الأجلُ غيرَ معلومٍ أو عُجِّلَ بعضُه وأُجِّلَ بعضُه لأجلٍ غيرِ مَعلومٍ ولم يتقيَّدِ الأجلُ بوَقتٍ مثلَ أنْ يتزوَّجَ على صداقٍ نصفُه حالًّا أو نصفُه إلى سنَةٍ مُعينةٍ والباقي إلى الموتِ أو الفراقِ أو جعَلَ الأجَلَ مَوكولًا إلى مَشيئتِه فالنكاحُ باطلٌ، ويُفسخُ قبلَ البناءِ بالاتفاقِ، حتى وإنْ رَضيَتْ بإسقاطِ المجهولِ وهوَ بعضُ الصداقِ أو رَضيَ بتعجيلِه على المذهبِ، ويَثبتُ بعدَ البناءِ بالأكثرِ مِنَ المسمَّى وصداقِ المثلِ. وهذا إذا لم يَجْرِ العرفُ بشيءٍ، فإنْ جرَى العرفُ عندَ الإطلاقِ بزَمنٍ مُعينٍ يُدفعُ فيه لم يَفسدْ. وإذا تزوَّجَها ولم يَذكرِ الأجَلَ أصلًا بأنْ تزوَّجَها بمائةٍ وأطلَقَ فإنَّ النكاحَ يَصحُّ ويُحمَلُ على الحُلولِ.

стр. 9446

ويَجوزُ للرجلِ أنْ يتزوَّجَ المرأةَ على صَداقٍ معلومٍ بينَهما يَدفعُه لها عندَ الدُّخولِ عليها إنْ كانَ الدخولُ مَعلومًا عندَهما على المَشهورِ، كالنِّيلِ عندَ فلاحِي مِصرَ، والرَّبيعِ عندَ أربابِ الألبانِ، والجُذاذِ عندَ أربابِ الثمارِ، فإنْ لم يُعلمْ وقتُه فإنَّ النكاحَ يُفسخُ قبلَ الدخولِ ويثبتُ بعدَه بصداقِ المثلِ. وكذا يَجوزُ تأجيلُ الصداقِ إلى المَيسرةِ إنْ كانَ الزوجُ مليًّا بأنْ كانَ له سِلعٌ يَرصدُ بها الأسواقَ أو له مَعلومٌ في وَقفٍ أو وظيفةٍ، لا إنْ كانَ مُعدَمًا، ويُفسخُ قبلَ الدخولِ؛ لمَزيدِ الجهالةِ (١). وقالَ الشافِعيةُ: يَجوزُ أنْ يكونَ المهرُ حالًّا ومُؤجلًا، فإنْ كانَ حالًّا فيَجوزُ للزوجةِ أنْ تَحبسَ نفسَها ولو بلا عُذرٍ حتى تقبضَ المَهرَ المعيَّنَ والحالَّ كلَّه أو بعضَه في العقدِ أو الفرضَ الصَّحيحَ؛ دفعًا لضَررِ فواتِ البُضعِ، فيجبُ عليهِ تأديتُه، فإذا طلَبَ منها تسليمَ نفسِها وقد أخَرَّ تسليمَ الصَّداقِ لعُذرٍ أو لغيرِ عذرٍ .. لم تَلزمْها الإجابةُ إلا أنْ يُسلِّمَها الصداقَ بتمامِه في الصُّورتَينِ المذكورتَينِ، وهُمَا إذا كان مُعيَّنًا أو دَينًا حالًّا كيلَا يفوتَ عليها. وأما إذا كانَ المهرُ مُؤجلًا فلا يَجوزُ لها أنْ تحبسَ نفسَها؛ لأنها رَضِيَتْ بالتأخيرِ، فليسَ لها حبسُ نفسِها.

стр. 9447

فلو حَلَّ الأجَلُ قبلَ تسليمِ نفسِها للزوج .. فلا حبْسَ في الأصحِّ؛ لأنها رَضيَتْ أولًا بكونِه في ذمَّتِه، ووجَبَ عليها التَّسليمُ قبلَ القبضِ، فلم تَرتفعْ بحُلولِ الحقِّ. والثاني: أنَّ لها الحبسَ؛ لاستِحقاقِها المُطالَبةَ بعدَ الحُلولِ كما في الابتداءِ. ولو كانَ المهرُ بعضُه مُؤجَّلًا وبعضُه حالًّا .. ففي «الحاوِي» وغيرِه: لها الامتناعُ لقبضِ الحالِّ، قالَ الدَّميريُّ: والظاهرُ أنه ليسَ لها الحَبسُ؛ لأنها رَضِيَتْ بتأجيلِ بعضِه، وقالَ ابنُ الصَّلاحِ: إذا قبَضَتِ البعضَ ليس لها أنْ تَمتنعَ، ويكونُ كما لو كانَ بعضُه مُؤجَّلًا (١). وقالَ الحَنابلةُ: إذا سمَّى الصَّداقَ في العقدِ وأطلقَ فلم يُقيّدْ بحُلولٍ ولا تأجيلٍ صحَّ، ويكونُ الصداقُ حالًّا؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ الأجلِ. وإنْ فرضَ الصَّداق مُؤجَّلًا أو فرضَ بَعضه مُؤجلًا إلى وقتٍ مَعلومٍ أو إلى أوقاتٍ كلُّ جزءٍ منه إلى وَقتٍ معلومٍ صحَّ ذلكَ؛ لأنه عقدُ مُعاوضةٍ، فجازَ ذلكَ فيهِ كالثمنِ، وهو إلى أجَلِه، سواءٌ فارَقَها أو أبقاها كسائرِ الحُقوقِ المؤجَّلةِ. وإنْ أجَّلَ الصَّداقَ أو أجَّلَ بعضَه ولم يَذكرْ مَحلَّ الأجَلِ صحَّ نصًّا،

стр. 9448

ومَحلُّه الفرقةُ البائنةُ؛ لأنَّ اللفظَ المُطلَقَ يُحمَلُ على العرفِ، والعرفُ في الصَّداقِ المؤجَّلِ تَركُ المُطالبةِ به إلى الموتِ أو البَينونةِ، فيُحملُ عليه فيَصيرُ حينئذٍ مَعلومًا بذلكَ، وعُلِمَ منه أنه يَصحُّ جَعلُ بعضِه حالًّا وبعضِه يَحلُّ بالموتِ أو الفراقِ كما هو مُعتادٌ الآنَ، فلا يَحلُّ مهرُ الرَّجعيةِ إلا بانقضاءِ عدَّتها، قالَ أحمدُ: إذا تزوَّجَ على العاجلِ والآجِلِ لا يَحلُّ إلا بموتٍ أو فرقةٍ؛ لأنَّ كلَ لفظٍ مطلَقٍ يُحملُ على العرفِ، والعُرفُ في الصداق تركُ المطالبةِ به. فإنْ جعَلَ أجَلَه مدةً مجهولةً كقدومِ زيدٍ لم يَصحَّ التأجيلُ؛ لجَهالتِه، وإنما صَحَّ المطلَقُ لأنَّ أجَلَه الفرقةُ بحكمِ العادةِ، وقد صُرفَ هنا مِنْ العادةِ ذِكرُ الأجَلِ ولم يُبيِّنْه فبقيَ مَجهولًا، فيُحتملُ أنْ تَبطلَ التسميةُ، ويُحتملُ أنْ يَبطلَ التأجيلُ ويَحلُّ، وهوَ القياسُ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ أنْ يكونَ الصَّداقُ مُعجَّلًا ومؤجَّلًا وبَعضُه معجَّلًا وبعضُه مؤجَّلًا؛ لأنه عِوضٌ في مُعاوضةٍ، فجازَ ذلكَ فيه كالثمنِ، ثمَّ إنْ أطلَقَ ذِكرَه اقتَضى الحُلولَ كما لو أطلَقَ ذِكرَ الثمنِ، وإنْ شرَطَه مُؤجلًا إلى وقتٍ فهو إلى أجَلِه، وإنْ أجَّلَه ولم يَذكرْ أجلَه فقالَ القاضي: المهرُ صحيحٌ ومَحلُّه الفرقةُ، فإنَّ أحمدَ قالَ: إذا تزوَّجَ على العاجلِ والآجِلِ لا يَحلُّ الآجلُ إلا بمَوتٍ أو فرقةٍ، وهذا قولُ النخَعيِّ والشعبيِّ، وقالَ الحسَنُ وحمَّادُ

стр. 9449

بنُ أبي سليمانَ وأبو حَنيفةَ والثوريُّ وأبو عُبيدٍ: يَبطلُ الأجلُ ويكونُ حالًّا، وقالَ إياسُ بنُ مُعاويةَ وقتادةُ: لا يَحلُّ حتى يُطلِّقَ أو يَخرجَ مِنْ مِصرِها أو يتزوَّجَ عليها، وعن مَكحولٍ والأوزاعيِّ والعَنبريِّ: يَحلُّ إلى سَنةٍ بعدَ دخولِه بها، واختارَ أبو الخطَّابِ أنَّ المهرَ فاسدٌ ولها مهرُ المثلِ، وهوَ قولُ الشافعيِّ؛ لأنه عِوضٌ مجهولُ المَحلِّ، ففسدَ كالثَّمنِ في البيعِ. ووَجهُ القولِ الأولِ أنَّ المطلَقَ يُحمَلُ على العرفِ، والعادةُ في الصَّداقِ الآجِلِ تركُ المُطالَبةِ به إلى حينِ الفُرقةِ، فحُملَ عليهِ، فيصيرُ حينئذٍ مَعلومًا بذلكَ، فأما إنْ جعَلَ الأجَلَ مُدةً مجهولةً كقُدوم زيدٍ ومَجيءِ المطرِ ونحوِه لم يَصحَّ؛ لأنه مجهولٌ، وإنما صحَّ المطلَقُ؛ لأنَّ أجَلَه الفرقةُ بحُكمِ العادةِ، وهاهُنا صرَفَه عن العادة بذِكرِ الأجَلِ ولم يبيِّنْه، فبقيَ مَجهولًا، فيَحتملُ أنْ تَبطلَ التسميةُ، ويَحتملُ أنْ يبطلَ التأجيلُ ويَحلَّ (١). حَبسُ المَرأةِ نفسَها عنِ الزَّوجِ حتَّى تَقبضَ المَهرَ: لا يَخلو حالُ المهرِ مِنْ ثلاثِ حَالاتٍ: الحَالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ المَهرُ مُعجَّلاً حَالاًّ: وهذهِ لها صُورتانِ: الصُّورةُ الأُولى: أنْ يكونَ المهرُ مُعجَّلًا ولم يَدخلْ بها الزوجُ: أجمعَ أهلُ العلمِ على أنَّ المهرَ إذا كانَ حالًّا فإنه يَجوزُ للزوجةِ أنْ تمتَنِعَ مِنْ تسليمِ نفسِها للزوجِ حتى يُعطيَها مهرَها.

стр. 9450

قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمعَ كلُّ مَنْ نَحفظُ عنه مِنْ أهلِ العلمِ أنَّ للمرأةِ أنْ تَمتنعَ مِنْ دُخولِ الزوجِ عليها حتَّى يُعطيَها مهرَها (١). وكذا لو كانَتْ قد انتقَلَتْ إلى بيتِ زوجِها ولم يَدخلْ بها فإنه يَجوزُ للزوجة أنْ تَمنعَ نفسَها عن زوجِها ولا تُسلِّمَه نفسَها حتى تَقبضَ جميعَ مهرِها المُعجَّلِ ولو بلا عذرٍ؛ دفعًا لضَررِ فواتِ البضعِ، فإذا طلَبَ منها تسليمَ نفسِها وقد أخَّرَ تسليمَ الصداقِ لعذرٍ أو لغير عذرٍ … لم تَلزمْها الإجابةُ إلِّا أنْ يُسلِّمَها الصَّداقَ بتمامِه، كيلَا يفوتَ عليها. ولأنَّ المهرَ عِوضٌ عن بُضعِها كالثمنِ عوضٌ عن المبيعِ، وللبائع حَقُّ حبسِ المَبيعِ لاستيفاءِ الثمنِ، فكانَ للمرأةِ حقُّ حَبسِ نفسِها لاستيفاءِ المهرِ، وليسَ للزوجِ منعُها عن السَّفرِ والخروجِ مِنْ مَنزلِه وزيارةِ أهلِها قبلَ إيفاءِ المهرِ؛ لأنَّ حقَّ الحَبسِ إنما يَثبتُ لاستيفاءِ المُستحَقِّ، فإذا لم يَجبْ عليها تسليمُ النفسِ قبلَ إيفاءِ المهرِ لم يَثبتْ للزوج حقُّ الاستيفاءِ، فلا يثبتُ له حقُّ الحبسِ، وإذا أوفاها المهرَ فله أنْ يَمنعَها مِنْ ذلكَ كلِّه إلا مِنْ سَفرِ الحَجِّ إذا كانَ عليها حَجَّةُ الإسلامِ ووجَدَتْ مَحرَمًا، وله أنْ يَدخلَ بها؛ لأنه إذا أوفاها حقَّها يَثبتُ له حقُّ الحبسِ لاستيفاءِ المَعقودِ عليه، فإنْ أعطاها المهرَ إلا دِرهمًا واحدًا فلها أنْ تَمنعَ نفسَها وأنْ تَخرجَ مِنْ مِصرِها حتى تقبضَه؛ لأنَّ حقَّ الحبسِ لا يَتجزَّأُ، فلا يبطلُ إلا بتسليمِ كلِّ البدلِ كما في البيعِ.

стр. 9451

ولو خرَجَتْ لم يكنْ للزوجِ أنْ يَستردَّ منها ما قبَضَتْ؛ لأنها قبضَتْه بحقٍّ؛ لكَونِ المقبوضِ حقًّا لها، والمَقبوضُ بحقٍّ لا يَحتملُ النقضَ، هذا إذا كانَ المهرُ مُعجَّلًا بأنْ تزوَّجَها على صداقٍ عاجلٍ (١). الصُّورةُ الثانيةُ: أنْ يكونَ المَهرُ مُعجَّلًا ودخَلَ بها الزَّوجُ: وهذهِ على ضَربينِ: الضَّربُ الأولُ: أنْ يَدخلَ بها برِضاها وهي مُطاوِعةٌ: اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو كانَ المهرُ حالًّا إلا أنَّ المرأةَ سمَحَتْ للزوجِ أنْ يَدخلَ بها قبلَ قبضِ مهرِها، هل لها بعدَ الوطءِ أنْ تَمنعَ نفسَها حتى تقبضَ المهرَ؟ أم لا يَجوزُ لها حِينئذٍ أنْ تَمنعَ نفسَها؟ فذهبَ الصاحِبانِ مِنْ الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ في المَشهورِ

стр. 9452

والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المهرَ إذا كانَ حالًّا إلَّا أنَّ المرأةَ لم تَستلمْه وسلَّمَتْ نفسَها مطاوِعةً إلى الزوجِ ودخَلَ بها ووَطئَها برِضاها ثم أرادَتْ منْعَ نفسِها بعدَ ذلكَ حتى تَقبضَ مهرَها فإنه لا يَجوزُ لها بعدَ ذلكَ أنْ تَمتنعَ منه ولا أنْ تَحبسَ نفسَها حتَّى تَقبضَ مهرَها، ولكنْ لها الحقُّ في المُطالَبةِ بمهرِها دونَ أنْ تَحبسَ نفسَها؛ لأنَّ التسليمَ استَقرَّ به العوضُ برضَى المُسلِّمِ، فلمْ يكنْ لها أنْ تَمتنعَ منه بعدَ ذلك، كما لو سلَّمَ البائعُ المَبيعَ؛ لأنها بالوطءِ مرةً واحدةً أو بالخَلوةِ الصحيحةِ سلَّمَتْ جَميعَ المعقودِ عليه برِضاها وهي مِنْ أهل التَّسليمِ، فبطَلَ حقُّها في المنعِ كالبائعِ إذا سلَّمَ المبيعَ، ولا شَكَّ في الرِّضا وأهليةِ التسليمِ، والدليلُ على أنها سلَّمَتْ جَميعَ المعقودِ عليه أنَّ المَعقودَ عليه في هذا البابِ في حُكمِ العَينِ، ولهذا يتأكَّدُ جميعُ المهرِ بالوطءِ مرةً واحدةً، ومعلومٌ أنَّ جميعَ البدلِ لا يتأكَّدُ بتسليمِ بعضِ المعقودِ عليه، وما يتكررُ مِنْ الوَطَآتِ مُلتحِقٌ بالاستخدامِ، فلا يُقابِلُه شيءٌ مِنْ المهرِ. ولأنَّ أحكامَ العقدِ إذا تعلَّقَتْ بالوطءِ اختصَّتْ بالوطءِ الأولِ وكانَ ما بعدَه تبَعًا، وقد رفَعَ الوطءُ الأولُ حُكمَ الإمساكِ في حقِّه، فوجَبَ أنْ يرفَعَه في حقِّ تَبَعِه كالإحلالِ (١).

стр. 9453

وذهبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وبعضُ المالِكيةِ وابنُ حامدٍ مِنْ الحَنابلةِ إلى أنه يَحقُّ للمرأةِ في هذه الحالةِ أنْ تَحبسَ نفسَها وتَمتنعَ عن الزوجِ حتى يُعطيَها مهرَها؛ لأنَّ المهرَ مُقابَلٌ بجَميعِ ما يُستوفَى مِنْ مَنافعِ البُضعِ في جميعِ الوطَآتِ التي تُوجَدُ في هذا الملكِ، لا بالمُستوفَى بالوطأةِ الأُولى خاصةً؛ لأنه لا يَجوزُ إخلاءُ شيءٍ مِنْ مَنافعِ البضعِ عن بدلٍ يُقابلُه؛ احتِرامًا للبُضعِ وإبانةً لخَطرِه، فكانَتْ هي بالمنع مُمتنِعةً عن تسليمِ ما يُقابلُه بَدلٌ، فكانَ لها ذلكَ بالوطءِ في المرةِ الأُولى، فكانَ لها أنْ تَمنعَه عن الأولِ حتى تَأخذَ مهرَها، فكذا عن الثاني والثالثِ، إلا أنَّ المهرَ يتأكَّدُ بالوطءِ مرةً واحدةً؛ لأنه مَوجودٌ معلومٌ وما وراءَه مَعدومٌ مَجهولٌ، ثم عندَ الوجودِ يتعيَّنُ قطعًا، فيَصيرُ مُزاحمًا، فيأخُذُ قِسطًا مِنْ البدلِ، كالعبدِ إذا جنَى جنايةً يجبُ دفعُه بها، فإنْ جنَى جنايةً أُخرى فالثانيةُ تُزاحِمُ الأُولى عندَ وُجودِها في وجوبِ الدفعِ بها، وكذا الثالثةُ والرابعةُ إلى ما لا يَتناهى، بخلافِ البائعِ

стр. 9454

إذا سلَّمَ المَبيعَ قبلَ قبضِ الثَّمنِ أو بعدَما قبضَ شَيئًا منه ثمَّ أرادَ أنْ يَستردَّ أنه ليسَ له ذلكَ؛ لأنه سلَّمَ كلَّ المبيعِ، فلا يَملكُ الرجوعَ فيما سلَّمَ، وههُنا ما سلَّمَتْ كلَّ المَعقودِ عليه بل البعضَ دونِ البعضِ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه مَنافعُ البضعِ وما سلَّمَتْ كلَّ المَنافعِ بل بعضَها دونَ البعضِ، فهي بالمنعِ تَمتنعُ عن تَسليمِ ما لم يَحصلْ مُسلَّمًا بعدُ، فكانَ لها ذلكَ، كالبائعِ إذا سلَّمَ بعضَ المبيعِ قبلَ استيفاءِ الثَّمنِ كانَ له حَقُّ حبسِ الباقي ليَستوفِيَ الثَّمن، كذا هذا (١). الضَّربُ الثَّاني: أنْ يَدخلَ بها وهي مُكرَهةٌ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ المهرَ إذا كان حالًّا معجَّلًا ودخَلَ الزوجُ بالزوجة وهي مكرَهةٌ ولم يُسلِّمْها المهرَ أنه مِنْ حقِّها أنْ تَمتنعَ مِنْ تَسليمِ نفسِها له حتى تَقبضَ مهرَها، ولا يَسقطُ حقُّها مِنْ الامتناعِ؛ لأنه حصَلَ بغير رضاها، كالمَبيعِ إذا أخَذَه المُشتري مِنْ البائع كرهًا (٢).

стр. 9455

الحَالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ المَهرُ مُؤجَّلاً: إذا كانَ المهرُ مؤجَّلًا فهذا لا يخلو مِنْ ضروبٍ: الضَّربُ الأولُ: أنْ يَكونَ اشترطَ تأجيلَه إلى أجَلٍ مَعلومٍ واشترطَ الدخولَ: اتفقَ فقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الرَّجلَ إذا تزوَّجَ امرأةً على مهرٍ مؤجَّلٍ أجَلًا معلومًا واشتَرطَ عليها الدخولَ صحَّ؛ لأنَّ كلَّ عقدٍ صحَّ بعينٍ وبدَينٍ صحَّ أنْ يكونَ معجَّلًا ومؤجَّلًا كالبيع، وإذا كانَ الصداقُ مُؤجَّلًا فعَليها تسليمُ نفسِها ولا يجوزُ لها أنْ تَحبسَ نفسَها عن الزوج بعدَ ذلكَ؛ لأنها رَضيَتْ بالتأخيرِ، فليسَ لها حَبسُ نفسِها؛ لأنه لمَّا شرَطَ الدخولَ لم يَرْضَ بتأخيرِ حقِّه في الاستمتاعِ. الضَّربُ الثَّاني: أنْ يكونَ المَهرُ مؤجَّلًا إلى أجَلٍ مَعلومٍ ولم يَشترطِ الدُّخولَ: اختَلفَ الفقهاءُ فيما لو عقَدَ الرجلُ على امرأةٍ وسمَّى لها مهرًا مَعلومًا إلى أجلٍ معلومٍ، هل يَحقُّ لها أنْ تَحبسَ نفسَها حتى تقبضَه في الأجَلِ؟ أم لا يَجوزُ لها أنْ تحبسَ نفسَها؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنه لا يَجوزُ لها في هذه الحالةِ أنْ تَحبسَ نفسَها عن الزوج؛ لأنَّ المرأةَ بالتأجيلِ رَضيَتْ بإسقاطِ حقِّ نفسِها، فلا يَسقطُ حقُّ الزوجِ،
следующие страницы →