← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9521–9560 · переход к 9526.

стр. 9521

«ما أصبْتُها» فالقُولُ قَولُها، بِكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا؛ لأنَّ العادةَ أنَّ الرَّجلَ يَنشطُ في بَيتِه. وكذلكَ إذا كانَتْ زائِرةً وادَّعتْ عدَمَ الوَطءِ وكَذَّبها، فإنْ كانَ كلٌّ مِنهُما زائِرًا -أي زارَا غيْرَهما- فيُصدَّقُ الزَّوجُ، وأمَّا إنِ اختَليَا في بَيتٍ ليسَ بهِ أحدٌ فتُصدَّقُ المَرأةُ؛ لأنهُ يَنشطُ فيهِ. وإذا اختَلَى بزَوجتِه خَلوةَ اهتِداءٍ أو خَلوةَ زيارةٍ أو لَم تُعلَمْ بيْنَهما خَلوةٌ وأقَرَّ أنهُ وَطِئَها وقالَتْ هيَ: «لم يَطأْنِي» فإنهُ يُؤاخَذُ بإقرارِهِ ويَلزمُه جَميعُ الصَّداقِ إنْ كانَتِ المَرأةُ سَفيهةٌ أو أمَةً أو صَغيرةً. وأمَّا إذا أقَرَّ الزَّوجُ أنهُ أصابَ زَوجتَه الرَّشيدةَ وقالَتْ: ما أصابَنِي واستَمرَّتْ على إنكارِها لذلكَ ففِيهِ تأوِيلانِ (١). وأمَّا الشَّافعيَّةُ: فقالَ الماوَرديُّ ﵀: فلا يَخلُو حالُ الزَّوجَينِ إذا خَلَوا مِنْ أربعةِ أحوالٍ: إحداهُنَّ: أنْ يَتَّفقا على الإصابةِ، فيَكمُلُ المَهرُ وتَجِبُ العدَّةُ وتُستحَقُّ الرَّجْعةُ إجماعًا على الأقاوِيلِ كُلِّها.

стр. 9522

والحالُ الثَّانيةُ: أنْ يَتَّفقا على عَدمِ الإصابةِ، فعلَى قَولِ الشَّافِعيِّ في الجديدِ و «الإملاء» لا يَكمُلُ المَهرُ ولا تَجبُ العدَّةُ ولا تُستحَقُّ الرَّجعةُ. فعلَى هذا: لو جاءَتْ بوَلدٍ لستَّةِ أشهرٍ فصاعِدًا مِنْ وَقتِ العَقدِ وقَدِ اتَّفقَا على أنَّ الإصابَةَ بيْنَهما لَحِقَ به الوَلدُ؛ لأنها فِراشٌ، وفي استِكمالِ المَهرِ على الجَديدِ و «الإملاء» وَجهانِ: أحدُهُما: يُستكمَلُ المَهرُ؛ لأنَّ حُدوثَ الوَلدِ دليلٌ على تَقدُّمِ الإصابةِ. والوَجهُ الثَّاني: أنهُ لا يُستكمَلُ المَهرُ ولا يكونُ لها إلَّا نِصفُه؛ لجَوازِ أنْ يكونَ قد استَدخلَتْ مَنيَّهُ فعَلِقَتْ منهُ مِنْ غَيرِ إصابةٍ. فأمَّا على قَولِه في القَديمِ ففِيه وَجهانِ لأصحابِنا: أحدُهُما: أنَّ المَهرَ كامِلٌ والعدَّةَ واجِبةٌ والرَّجعةَ مُستحَقَّةٌ؛ اعتِبارًا بحُكمِ الخَلوةِ. والوَجهُ الثَّاني -وهو قَولُ أبي عَليّ بنِ أبي هُريرةَ-: أنهُ لا يُكمَلُ المَهرُ ولا تَجبُ العدَّةُ ولا تُستحَقُّ الرَّجعةُ؛ اعتِبارًا بعَدمِ الإصابةِ. والحالُ الثَّالثةُ: أنْ تَدَّعي الزَّوجةُ الإصابةَ ويُنكِرَها الزَّوجُ، فقَد وَجبَتْ عليها العدَّةُ بإقرارِها على الأقاوِيلِ كلِّها، إلَّا على أحَدِ وَجْهَي قَولِه في القَديمِ، فأمَّا استِكمالُ المَهرِ فعلى قَولِه في القَديمِ قدِ استَكملَتْه بلا يَمينٍ. وعلى قَولِه فِي «الإملاء»: لا تَستَكملُه إلَّا بيَمينٍ؛ لأنهُ يَجعَلُ الخَلوةَ يَدًا.

стр. 9523

وعلى قَولِه في الجَديدِ: القَولُ قَولُ الزَّوجِ معَ يَمينِه، وليسَ لها مِنَ المَهرِ إلَّا نِصفُه. فإنَّ أقامَتِ الزَّوجَةُ البَيِّنةَ على إقرارِ الزَّوجِ بالإصابةِ سُمعَتِ البَيِّنةُ بشاهِدٍ وامرأتَينِ، وشاهِدٍ ويَمينٍ؛ لأنها بَيِّنةٌ لإثباتِ مالٍ. والحالُ الرَّابعةُ: أنْ يَدَّعي الزَّوجُ الإصابةَ وتُنكِرَها الزَّوجةُ، فهذهِ الدَّعوى مِنهُ إنِّما هي لوُجوبِ العدَّةِ واستِحقاقِ الرَّجعةِ، فعلَى قَولِه في القَديمِ: القَولُ قولُ الزَّوجِ بلا يَمينٍ، وعلى قَولِه في «الإملاء»: القَولُ قَولُه معَ يَمينِه، ويُحكَمُ بوُجوبِ العدَّةِ عليها، وباستِحقاقِ الرَّجعةِ لهُ، وعلى قَولِه في الجَديدِ: القَولُ قولُ الزَّوجةِ معَ يَمينِها، ولا عِدَّةَ عليها ولا رَجعةَ لهُ. فأمَّا المَهرُ فقدِ استَكملَتْه على قَولهِ في القَديمِ، فأمَّا في الجَديدِ و «الإملاء» فليسَ لها إلَّا نِصفُه، لَكنْ إنْ كانَ المَهرُ في يَدِها فليسَ للزَّوجِ استِرجاعُ نِصفِه؛ لأنهُ لا يدَّعِيه، وإنْ كانَ في يدِ الزَّوجِ فليسَ لها أنْ تُطالِبَه إلَّا بنِصفِه؛ لأنها تُنكِرُ استِحقاقَ جَميعِه، فلو أقامَ الزَّوجُ البَيِّنةَ على إقرارِها بالإصابةِ لتَثبُتَ لهُ الرَّجعةُ والعِدَّةُ سُمعَتْ بشاهِدَينِ عَدلَينِ، ولم تُسمَعْ بشاهِدٍ وامرأتَينِ؛ لأنها على غَيرِ مالٍ (١). وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀ مُبيِّنًا سَببَ اختِلافِ العُلماءِ في هذهِ المَسألةِ: واختَلفُوا هل مِنْ شَرطِ وُجوبِه -أي المَهرِ- معَ الدُّخولِ

стр. 9524

المَسيسُ؟ أم ليسَ ذلكَ مِنْ شَرطِه بل يَجبُ بالدُّخولِ والخَلوةِ وهو الَّذي يَعنُونَ بإرخاءِ السُّتورِ؟ فقالَ مالِكٌ والشَّافعيُّ وداوُدُ: لا يَجبُ بإرخاءِ السُّتورِ إلَّا نِصفُ المَهرِ ما لم يَكنِ المَسيسُ. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجبُ المَهرُ بالخَلوةِ نَفسِها إلَّا أنْ يكونَ مُحرِمًا أو مَريضًا أو صائِمًا في رَمضانَ أو كانَتِ المَرأةُ حائِضًا. وقالَ ابنُ أبي لَيلَى: يَجبُ المَهرُ كلُّهُ بالدُّخولِ، ولَم يَشتَرِطْ في ذلكَ شَيئًا. وسَببُ اختِلافِهم في ذلكَ مُعارَضةُ حُكمِ الصَّحابةِ في ذلكَ لظاهِرِ الكتابِ، وذلكَ أنهُ نَصَّ ﵎ في المَدخولِ بها المَنكوحةِ أنهُ ليسَ يَجوزُ أنْ يُؤخَذَ مِنْ صَداقِها شيءٌ في قَولِه تعالَى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، ونَصَّ في المُطلَّقةِ قبْلَ المَسيسِ أنَّ لها نِصفَ الصَّداقِ فقالَ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذا نَصٌّ كما تَرى في حُكمِ كلِّ واحِدةٍ مِنْ هاتَينِ الحالَتَينِ، أعني قبْلَ المَسيسِ وبعْدَ المَسيسِ، ولا وَسَطَ بيْنَهما، فوجَبَ بهذا إيجابًا ظاهِرًا أنَّ الصَّداقَ لا يَجبُ إلَّا بالمَسيسِ، والمَسيسُ هَاهُنا الظَّاهِرُ مِنْ أمرِهِ أنهُ الجِماعُ، وقَد يُحتَملُ أنْ يُحمَلَ على أصلِهِ في اللُّغةِ وهوَ المَسُّ، ولَعلَّ هذا هوَ الَّذي تَأوَّلَتِ

стр. 9525

الصَّحابةُ، ولذلكَ قالَ مالكٌ في العِنِّينِ المُؤجَّلِ: إنهُ قدْ وجَبَ لها الصَّداقُ عليهِ إذا وقَعَ الطَّلاقُ لطُولِ مُقامِهِ مَعها، فجَعلَ لهُ دُونَ الجِماعِ تأثِيرًا في إيجابِ الصَّداقِ. وأمَّا الأحكامُ الوارِدةُ في ذلكَ عَنِ الصَّحابةِ فهوَ «أنَّ مَنْ أغلَقَ بابًا أو أرخَى سِترًا فقدْ وجَبَ عليهِ الصَّداقُ»، لَم يُختَلفْ عليهِم في ذلكَ فيما حَكَمُوا. واختَلفُوا مِنْ هذا البابِ في فَرعٍ، وهو إذا اختَلفَا في المَسيسِ، أعنِي القائلِينَ باشتِراطِ المَسيسِ، وذلكَ مِثلَ أنْ تَدَّعِي هيَ المَسيسَ ويُنكِرَ هو، فالمَشهورُ عَنْ مالِكٍ أنَّ القولَ قَولُها. وقيلَ: إنْ كانَ دُخولَ بناءٍ صُدِّقَتْ، وإنْ كانَ دُخولَ زيارةٍ لَم تُصدَّقْ. وقيلَ: إنْ كانَتْ بِكرًا نظَرَ إليها النِّساءُ، فيَتحصَّلُ فيها في المَذهبِ ثلاثةُ أقوالٍ. وقالَ الشَّافعيُّ وأهلُ الظَّاهِرِ: القَولُ قَولُه؛ وذلكَ لأنهُ مُدَّعًى عليهِ. ومالِكٌ ليسَ يَعتبِرُ في وُجوبِ اليَمينِ على المُدَّعَى عليهِ مِنْ جِهةِ ما هوَ مُدَّعًى عليهِ، بل مِنْ جِهةِ ما هوَ أقوَى شُبهةً في الأكثَرِ، ولذلكَ يَجعَلُ القولَ في مَواضِعَ كثيرةٍ قَولَ المُدَّعي إذ كانَ أقوَى شُبهةً. وهذا الخِلافُ يَرجِعُ إلى: هل إيجابُ اليَمينِ على المُدَّعَى عليهِ مُعلَّلٌ أو غَيرُ مُعلَّلٍ؟ وكذلكَ القَولُ في وُجوبِ البَيِّنةِ على المُدَّعِي (١).

стр. 9526

مقدمات الجماع: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو عقَدَ الرَّجلُ على امرأةٍ وقَبَّلَها أو باشَرَها أو وَطِئَها فيما دُونَ الفَرجِ، هل يَكمُلُ الصَّداقُ بذلكَ أم لا؟ أصلُ المَسألةِ أنها على الخِلافِ السَّابقِ، فمَن قالَ أنَّ الخَلوةَ تُوجِبُ المَهرَ كامِلًا قالَ: إذا باشَرَها أو قَبَّلَها أو استَمتَعَ بها وجَبَ عليهِ المَهرُ كامِلًا، وهمُ الحَنفيَّةُ والحنابِلةُ في المَذهبِ (١). ومَن قالَ أنَّ الخَلوةَ لا تُوجِبُ كَمالَ المَهرِ قالَ: إذا قَبَّلَها أو باشَرَها فيما دُونَ الفَرجِ أو رَآها مُتجرِّدةً ثمَّ طَلَّقَها فلا يَجِبُ لها إلَّا نِصفُ المَهرِ، وبهذا قالَ المالكيَّةُ والشَّافِعيةُ وبَعضُ الحنابِلةِ. قالَ المالكيَّةُ: القُبلةُ والمُباشَرةُ والتَّجرُّدُ والوطءُ دُونَ الفَرجِ لا يُوجِبُ عليهِ الصَّداقَ (٢). وهذا إنِ استَمتعَ بزَوجتِهِ وتَلذَّذَ بها بدُونِ وَطءٍ ولم تَطُلِ المُدَّةُ كعامٍ أو قَريبٍ مِنْ العامِ ثمَّ طلَّقَها فلا يَكمُلُ لها الصَّداقُ، وأمَّا إنْ طالَتْ إقامَتُه كعامٍ وتَلذَّذَ بها وجَبَ الصَّداقُ كامِلًا (٣).

стр. 9527

وقالَ الشَّافِعيةُ: لا يَستَقِرُّ المَهرُ بمُباشَرةٍ فيما دُونَ الفرجِ، ولا باستِدخالِ مَنيٍّ ولَو في القُبُلِ، ولا بإزالةِ بَكارةٍ بغَيرِ آلةِ الجِماعِ، فإنْ طلَّقَها بعْدَ إزالةِ البَكارةِ بغَيرِ آلةٍ وجَبَ لها الشَّطرُ دُونَ أرْشِ البَكارةِ، فإنْ فُسِخَ النِّكاحُ ولم يَجِبْ لها مَهرٌ وجَبَ أرْشُ البَكارةِ (١). وقالَ العَمرانِيُّ ﵀: إنْ وَطِئَها فيما دُونَ الفَرجِ فسَبَقَ الماءُ إلى فَرجِها … وَجبَتْ عليها العِدَّةُ وَجهًا واحدًا؛ لأنَّ رَحِمَها قد صارَ مَشغولًا بمائِهِ، وإنْ أتَتْ مِنْ ذلكَ بوَلدٍ … لَحِقَه نَسَبُه، وهلْ يَستَقرُّ بذلكَ صَداقُها؟ فيهِ وَجهانِ: أحدُهُما: يَستَقرُّ؛ لأنَّ رَحِمَها قد صارَ مَشغولًا بمائِه، فهوَ كما لو وَطِئَها. والثَّاني: لا يَستَقرُّ بهِ المَهرُ؛ لأنهُ لم يُوجَدِ الجِماعُ التَّامُّ، فهو كما لو لم يَسبِقْ ماؤُهُ إلى فَرجِها. ولو استَدخلَتِ المَرأةُ ماءً غيْرَ ماءِ زَوجِها وَظنَّتْه ماءَ زَوجِها … لم يَثبُتْ لهُ حُكمٌ مِنْ الأحكامِ؛ لأنَّ الشُّبهةَ تُعتبَرُ في الرَّجلِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: يُقرَّرُ الصَّداقُ كامِلًا إذا لمَسَ زَوجةً بشَهوةٍ أو نَظَرَ إلى

стр. 9528

فَرجِها بشَهوةٍ أو قَبَّلَها ولَو بحَضرةِ النَّاسِ؛ لأنَّ ذلكَ نَوعُ استِمتاعٍ فأَوجَبَ المَهرَ كالوَطءِ، ولأنهُ نالَ شَيئًا لا يُباحُ لغَيرِه، ولمَفهومِ قَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآيَة، وحَقيقةُ اللَّمسِ التِقاءُ البَشرَتَينِ. ولا يَتقرَّرُ الصَّداقُ بالنَّظَرِ إليها دُونَ فَرجِها؛ لأنهُ ليسَ مَنصوصًا عليهِ، ولا في مَعنَى المَنصوصِ عليهِ، ولا يُقرِّرُه أيضًا تَحمُّلُها ماءَ الزَّوجِ -أي مَنيَّهُ- مِنْ غَيرِ خَلوةٍ منهُ بها ولا وَطءٍ؛ لأنهُ لا استِمتاعَ منهُ بها فيهِ. ويَثبُتُ بتَحمُّلِها ماءَهُ النَّسبُ، فإذا تَحمَّلَتْ بمائِهِ وأتَتْ بوَلدٍ لستَّةٍ أشهرٍ فأكثرَ لَحِقَه نَسبُه (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنِ استَمتَعَ بامرَأتِه بمُباشَرةٍ فيما دُونَ الفَرجِ مِنْ غَيرِ خَلوةٍ كالقُبلةِ ونَحوِها فالمَنصوصُ عَنْ أحمَدَ أنهُ يَكمُلُ بهِ الصَّداقُ، فإنهُ قالَ: إذا أخَذَها فمَسَّها وقبَضَ عليها مِنْ غَيرِ أنْ يَخلُوَ بها لها الصَّداقُ كامِلًا إذا نالَ مِنها شَيئًا لا يَحِلُّ لغَيرِهِ، وقالَ في رِوايةِ مُهنَّا: إذا تَزوَّجَ امرَأةً ونَظَرَ إليها وهيَ عُريانةٌ تَغتسلُ أُوجِبُ عليهِ المَهرَ، ورَواهُ عَنْ إبراهيمَ: إذا اطَّلعَ مِنها على ما يَحرُمُ على غَيرِه فعَليهِ المَهرُ؛ لأنهُ نَوعُ استِمتاعٍ فهوَ كالقُبلةِ. قالَ القاضي: يَحتمِلُ أنَّ هذا يَنبَني على ثُبوتِ تَحريمِ المُصاهَرةِ بذلكَ، وفيهِ رِوايتانِ، فيَكونُ في تَكميلِ الصَّداقِ بهِ وَجهانِ:

стр. 9529

أحدُهُما: يَكمُلُ بهِ الصَّداقُ؛ لِمَا رَوى الدَّارَقُطنيُّ عَنْ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ ثَوبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ كَشَفَ خِمارَ امرَأةٍ ونَظَرَ إليها فقَدْ وجَبَ الصَّداقُ، دخَلَ بها أو لم يَدخُلْ» (١)، ولأنهُ مَسيسٌ فيَدخُلُ في قَولِه: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، ولأنهُ استِمتاعٌ بامرَأتِه فكَملَ بهِ الصَّداقُ كالوَطءِ. والوَجهُ الآخَرُ: لا يَكمُلُ بهِ الصَّداقُ، وهُو قَولُ أكثَرِ الفُقهاءِ؛ لأنَّ قَولَه تعالَى: ﴿تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] إنما أُريدَ بهِ في الظَّاهِرِ الجِماعُ، ومُقتَضى قَولِه: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] أنْ لا يَكمُلَ الصَّداقُ لغَيرِ مَنْ وَطِئَها ولا تَجِبَ عليها العدَّةُ، تُرِكَ عُمومُه فيمَن خَلا بها؛ للإجماعِ الوَاردِ عن الصَّحابةِ، فيَبقَى فيمَا عَداهُ على مُقتَضى العُمومِ (٢). إزالةُ البَكارةِ بغَيرِ آلةِ الجِماعِ مِنْ الزَّوجِ أو غَيرِه: قالَ الحَنفيَّةُ: لو أزالَ بَكارتَها بحَجَرٍ ونَحوِه فإنَّ لها كَمالَ المَهرِ، بخِلافِ ما إذا أَزالَها بدَفعةٍ فإنهُ يَجبُ النِّصفُ لو طَلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ. ولو دفَعَها أجنَبيٌّ فزالَتْ بَكارَتُها وطَلُقَتْ قبْلَ الدُّخولِ وجَبَ نِصفُ المُسمَّى على الزَّوجِ وعلى الأجنَبيِّ نِصفُ صَداقِ مِثلِها، هكذا قالَ ابنُ نُجيمٍ (٣).

стр. 9530

قالَ ابنُ عابدِينَ ﵀: الَّذي يَظهَرُ لي دُخولُ هذا فيما قبْلَه وهوَ الخَلوةُ؛ لأنَّ العادةَ أنَّ إزالةَ البَكارةٍ بحَجرٍ ونَحوِه كإصبعٍ إنَّما تكونُ في الخَلوةِ، فلِذا وجَبَ كلُّ المَهرِ، بخِلافِ إزالتِها بدَفعةٍ، فإنَّ المُرادَ حُصولُها في غَيرِ خَلوةٍ، ثمَّ رَأيتُ ما يُفيدُ ذلكَ في جِناياتِ «الفَتاوَى الهِنديَّة» عَنْ «المُحيط» حَيثُ قالَ: ولو دفَعَ امرَأتَه ولم يَدخُلْ بها فذَهبَتْ عُذْرَتُها ثمَّ طلَّقَها فعَليهِ نِصفُ المَهرِ، ولو دفَعَ امرأةَ الغَيرِ وذهَبَتْ عُذرَتُها ثمَّ تَزوَّجَها ودَخلَ وجَبَ لها مَهرانِ. اه. أي مَهرٌ بالدُّخولِ بحُكمِ النِّكاحِ ومَهرٌ بإزالةِ العُذرَةِ بالدَّفعِ كما في جِناياتِ «الخانِيَّة»، فقَولُه: ولو دفَعَ امرَأتَه ولَم يَدخُلْ بها ذكَرَ مِثلَه في جِناياتِ «الخانيَّةِ»، ومِثلُه في «الفَتْح» هُنا، وهو صَريحٌ فيما قُلناهُ في مَسألةِ الدَّفعِ، ومُشِيرٌ إلى أنَّ مَسألةَ الحَجَرِ في الخَلوةِ، إذْ لا يَظهَرُ الفَرقُ بَينَ مُجرَّدِ إزالَتها بحَجرٍ أو دَفعةٍ، ويَدلُّ عليهِ أنَّ المُفادَ مِنْ إيجابِ نِصفِ المَهرِ في مَسألةِ الدَّفعِ أنَّ الزَّوجَ لا ضَمانَ عليهِ في إِزالةِ بَكارةِ الزَّوجةِ بأيِّ سَببٍ كانَ؛ لأنَّ وُجوبَ نِصفِ المَهرِ عليهِ إنما هو بحُكمِ الطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، وإلَّا لَوجَبَ عليهِ مَهرٌ آخَرُ لإزالتِها بالدَّفعِ كما في مَسألةِ امرَأةِ الغَيرِ. وبهِ عُلِمَ أنَّ لُزومَ كَمالِ المَهرِ فيما لو أزالَها بحَجَرٍ إنَّما هوَ بحُكمِ الطَّلاقِ بعْدَ الخَلوةِ لا بسَببِ إزالتِها بالحَجَرِ، وإلَّا لَكانَ الواجِبُ عليهِ مَهرَينِ، حتَّى لو كانَ قَدْ ضرَبَها بحَجَرٍ بدُونِ خَلوةٍ فأزالَ بَكارَتَها لا يَلزمُه شيءٌ لإزالةِ البَكارةِ، فإذا طلَّقَها قبْلَ الخَلوةِ أيضًا فعَليهِ نِصفُ المَهرِ بحُكمِ الطَّلاقِ كما في مَسألةِ الدَّفعِ.

стр. 9531

ويَدلُّ أيضًا على ما قُلنا مِنْ عَدَمِ الفَرقِ بيْنَ إزالَتِها بحَجَرٍ أو دَفعٍ أنهُ صَرَّحَ في «الخانيَّة» بأنهُ لو دفَعَ بِكرًا أجنبيَّةً صَغيرةً أو كَبيرةً فذَهبَتْ عُذرَتُها لَزمَه المَهرُ، وذكَرَ مِثلَه فيما لو أزالَها بحَجَرٍ أو نَحوِه، فلَم يُفرَّقْ بيْنَ الدَّفعِ والحَجَرِ في الأجنبيَّةِ، فعُلِمَ أنَّ الفَرقَ بيْنَهما في الزَّوجةِ مِنْ حَيثُ الخَلوةُ وعَدَمُها، إذْ لا شيءَ على الزَّوجِ في مُجرَّدِ إزالَتِها بالدَّفعِ لمِلكِه ذلكَ بالعَقدِ فلا وَجهَ لضمانِه بهِ بخِلافِ الأجنَبيِّ، وحَيثُ لم يَلزمْه شيءٌ بمُجرَّدِ الدَّفعِ لا يَلزمُه شيءٌ أيضًا بمُجرَّدِ إزالَتِها بالحَجَرِ ونَحوِه، إذ لا فرْقَ بيْنَ آلةٍ وآلةٍ في هذهِ الإزالةِ، فالدَّفعُ غَيرُ قَيدٍ. ثُمَّ رَأيتُ في «جِناياتِ أحكام الصِّغارِ» صَرَّحَ بأنَّ الزَّوجَ لو أزالَ عُذرتَها بالأُصبُعِ لا يَضمَنُ ويُعزَّرُ. اه. ومُقتضاهُ أنهُ مَكروهٌ فقَطْ، وهلْ تَنتَفي الكَراهةُ بسَببِ العَجزِ عَنْ الوُصولِ إليها بِكرًا؟ الظَّاهِرُ: لا؛ فإنهُ يَكونُ عِنِّينًا بذلكَ، ويكونُ لها حَقُّ التَّفريقِ، ولو جازَ ذلكَ لَمَا ثَبتَتْ عُنَّتُه بذلكَ العَجزِ، واللهُ أعلمُ، فافْهَم (١). وقالَ الإمامُ الطحَاويُّ ﵀: فيمَن أذهَبَ عُذرةَ المَرأةِ بغَيرِ وَطءٍ. قالَ مُحمدٌ في «الإملاء»: إذا دفَعَ امرَأتَه فأذهَبَ عُذرتَها قبْلَ الخَلوةِ ثمَّ طلَّقَها فلَها نِصفُ الصَّداقِ في قَولِ أبي حَنيفةَ. وفي قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ جَميعُ الصَّداقِ وهوَ كوَطئِه إيَّاها. قالَ: ولَو أنَّ رَجلًا أجنَبيًّا دفَعَها فأذهَبَ عُذرتَها فعَليهِ صَداقُ مِثلِها في

стр. 9532

قولِ أبي حَنيفةَ، وإنْ طلَّقَها زَوجُها قبْلَ الدُّخولِ فعَليهِ نِصفُ الصَّداقِ في قَولِهم جَميعًا. وإنْ دفَعَها زَوجُها ورَجلٌ أجنَبيٌّ فأذهَبَا عُذرتَها فعلَى الأجنَبيِّ نِصفُ صَداقِ مِثلِها، فإنْ طلَّقَها زَوجُها قبْلَ الدُّخولِ فعَليهِ نصفُ صَداقِها الَّذي تَزوَّجَها عليهِ في قَولِهم جَميعًا. وقالَ الحَسنُ عَنْ زُفرَ في رَجلٍ دفَعَ امرَأتَه قبْلَ أنْ يَدخلَ بها فأذهَبَ عُذرتَها ثمَّ طَلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فعَليهِ الصَّداقُ. وقالَ أبو يُوسفَ: نِصفُ الصَّداقِ. قالَ زُفرُ: إنْ دفَعَها هوَ وآخَرُ قبْلَ أنْ يَدخلَ بها فأذهَبَ عُذرتَها ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فعلَى الزَّوجِ ثلاثةُ أرباعِ الصَّداقِ وعلى الأجنَبيِّ النِّصفُ. وقالَ أبو يُوسفَ: على الزَّوجِ وعلى الأجنَبيِّ النصفُ (١). وقالَ المالكيَّةُ: إذا أزالَ الزَّوجُ بَكارةَ زَوجتِه بأصبعِه؛ فإنْ طلَّقَها قبْلَ وَطئِها فلها نِصفُ الصَّداقِ معَ أرْشِ البَكارةِ، ولابنِ القاسمِ في «المَوَّازيَّة» أنَّ عليهِ المَهرَ كامِلًا لها. وإنْ طلَّقَها بعْدَ أنْ وَطئَها فلها الصَّداقُ فقطْ وتَندَرجُ تَحتَ المَهرِ؛ إذْ لا يُمكِنُ الوَطءُ إلَّا بزَوالِها، فهي مِنْ لَواحِقِ الوَطءِ، وإزالةُ البَكارةِ بالأصبعِ حَرامٌ، فيُؤدَّبُ الزَّوجُ عليهِ (٢).

стр. 9533

وقالَ الحَطَّابُ ﵀: مَسألةٌ: مَنْ دفَعَ امرَأةً فَسقطَتْ عُذرَتُها فعَليهِ ما نقَصَها بذلكَ مِنْ صَداقِها عِنْدَ الأزواجِ وعليهِ الأدبُ، وكذا لو أزالَها بأُصبُعِه، والأدبُ هُنا أشَدُّ، وسَواءٌ فعَلَ ذلكَ رَجلٌ أو غُلامٌ أو امرأةٌ. هذا في غَيرِ الزَّوجِ، وأمَّا الزَّوجُ فحُكمُه في الدَّفعةِ مِثلُ غَيرِه، عليهِ ما نَقَصَها عندَ غَيرِه وإنْ فارَقَها ولم يُمسِكْها. وإنْ فعَلَ بها ذلكَ بأُصبُعِه فاختُلفَ، هلْ يَجبُ عليهِ بذلكَ الصَّداقُ؟ أو لا يَجبُ عَليهِ بذلكَ الصَّداقُ وإنِّما يَجبُ عليهِ ما شانَها عندَ غيرِه مِنْ الأزواجِ إنْ طلَّقَها ولَم يُمسِكْها؟ قولانِ … وقالَ في «التَّوضيح»: إنْ أصابَها بأُصبُعِه وطلَّقَها فإنْ كانَتْ ثيِّبًا فلا شيءَ لها، وإنْ كانَتْ بِكرًا وافتَضَّها بهِ فقيلَ: يَلزمُه كلُّ المَهرِ، وقيلَ: يَلزمُه ما شانَها مع نِصفِه، وقيلَ: إنْ رُئِيَ أنها لا تَتزوَّجُ بعْدَ ذلكَ إلَّا بمَهرٍ فكالأوَّلِ، وإلَّا فكالثَّاني، ومالَ أصبَغُ إلى الثَّاني، واستَحسنَه اللَّخميُّ. انتهى باختِصارٍ منهُ ومِن ابنِ عَرفةَ. قالَ في «النَّوادِر»: ولا أدَبَ عليهِ، ولو فعَلَ بها ذلكَ غَيرُ زَوجِها فعَليهِ الأدبُ وما شانَها، وتَقدَّمَ هذا في كلامِ «العُتبيَّة» (١). وقالَ الشَّافعيةُ: لا يَستَقرُّ المَهرُ بإزالةِ البَكارةِ بغَيرِ آلةِ الجِماعِ، فإنْ

стр. 9534

طلَّقَها بعْدَ إزالةِ البكارةِ بغَيرِ آلةٍ وجَبَ لها الشَّطرُ دُونَ أرشِ البَكارةِ، فإنْ فسَخَ النِّكاحَ ولَم يَجبْ لها مَهرٌ وجَبَ أرشُ البكارةِ (١). وسُئلَ الإمامُ ابنُ حَجَرٍ الهَيتميُّ عَنْ رَجلٍ أزالَ بكارةَ زَوجتِه بغَيرِ ذكَرِه ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ، فهل يَلزمُه شيءٌ غَيرُ نصفِ مَهرِها لتَفويتِ البكارةِ عليها؟ فأجابَ ﵀ بقولِه: لا يَلزمُه شيءٌ لإزالةِ البكارةِ؛ لأنهُ يَستحِقُّها، لَكنَّه يُعزَّرُ؛ لكَونِه أذاها بإزالتِها بغَيرِ الذَّكَرِ، واللهُ أعلمُ (٢). وأمَّا الحَنابلةُ: فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا دفَعَ زَوجتَه فأذهَبَ عُذرتَها ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فليسَ عليهِ إلَّا نِصفُ صَداقِها. وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: عليهِ الصَّداقُ كامِلًا؛ لأنهُ أذهَبَ عُذرتَها في نِكاحٍ صَحيحٍ، فكانَ عَليهِ المَهرُ كامِلًا كما لو وَطِئَها. ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وهذهِ مُطلَّقةٌ قبْلَ المَسيسِ فأشبَهَ ما لو لم يَدفَعْها، ولأنهُ أتلَفَ ما يَستحِقُّ إتلافَهُ بالعَقدِ، فلم يَضمنْهُ لغَيرِه كما لو أتلَفَ عُذرةَ أمَتِه. ويَتخرَّجُ أنْ يَجبَ لها الصَّداقُ كامِلًا؛ لأنَّ أحمَدَ قالَ: إنْ فعَلَ ذلكَ

стр. 9535

أجنَبيٌّ عليهِ الصَّداقُ، ففيمَا إذا فعَلَه الزَّوجُ أَولَى، فإنَّ ما يَجبُ بهِ الصَّداقُ ابتِداءً أحَقُّ بتَقريرِ المَهرِ، ونَصَّ أحمَدُ في مَنْ أخَذَ امرَأتَه وقبَضَ عليها، وفي مَنْ نظَرَ إليها وهي عُريانةٌ: عليهِ الصَّداقُ كامِلًا، فهذا أَولَى. فصلٌ: وإنْ دفَعَ امرَأةً أجنبيَّةً فأذهَبَ عُذرتَها أو فعَلَ ذلكَ بإصبعِه أو غَيرِها: فقالَ أحمَدُ: لها صَداقُ نِسائِها، وقالَ: إنْ تزوَّجَ امرأةً عَذراءَ فدفَعَها هوَ وأخوهُ فأذهَبَا عُذرتَها ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فعلى الزَّوجِ نِصفُ الصَّداقِ وعلى الأخِ نِصفُ العَقدِ، ورُويَ ذلكَ عن عَليٍّ وابنِه الحسَنِ وعبدِ اللهِ بنِ مَعقِلٍ وعَبدِ المَلكِ بنِ مَروانَ. وقالَ الشَّافعيُّ: ليسَ عليهِ إلَّا أرشُ بَكارتِها؛ لأنهُ إتلافُ جُزءٍ لم يَرِدِ الشَّرعُ بتَقديرِ عِوضِه، فرُجعَ في دِيَتِه إلى الحُكومةِ كسائِرِ ما لم يُقدَّرْ عليهِ؛ لأنهُ إذا لَم يَكمُلْ بهِ الصَّداقُ في حقِّ الزَّوجِ ففي حقِّ الأجنبيِّ أَولَى. ولنا: ما رَوى سَعيدٌ قالَ: حدَّثَنا هُشَيمٌ حدَّثَنا مُغيرةُ عن إبراهيمَ أنَّ رَجلًا كانَتْ عِندَه يَتيمةٌ فخافَتِ امرأتُه أنْ يَتزوَّجَها، فاستَعانَتْ بنِسوةٍ فضَبَطْنَها لها، فأفسَدَتْ عُذرَتَها وقالَتْ لِزَوجِها: إنها فَجَرَتْ، فأخبَرَ عَليًّا ﵁ بذلكَ، فأرسَلَ عَليٌّ إلى امرأتِه والنِّسوةِ، فلمَّا أتَينَهُ لم يَلبَثْنَ أنِ اعتَرفنَ بما صَنَعْنَ، فقالَ للحسَنِ بنِ عليٍّ: اقضِ فيها يا حَسَنُ، فقالَ: الحَدُّ على مَنْ قذَفَها والعَقْرُ عليها وعلى المُمسكاتِ، فقالَ عليٌّ: لو كُلِّفَتِ الإبلُ طَحنًا لَطحَنَتْ، وما يَطحَنُ يومئذٍ بَعيرٌ.

стр. 9536

وقالَ: حدَّثَنا هُشَيمٌ قالَ: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ سالِمٍ حدَّثَنا الشَّعبيُّ أنَّ جَواريَ أربَعًا قالَتْ إحداهُنَّ: هيَ رَجلٌ، وقالَتِ الأُخرى: هيَ امرَأةٌ، وقالَتِ الثَّالثةُ: هيَ أبو الَّتي زَعمَتْ أنها رَجلٌ، وقالَتِ الرَّابعةُ: هي أبو الَّتي زَعمَتْ أنها امرَأةٌ، فخَطبَتِ الَّتي زَعمَتْ أنها أبو الرَّجلِ إلى الَّتي زَعمَتْ أنها أبو المَرأةِ، فزَوَّجُوها إيِّاها، فعَمدَتْ إليها فأفَسدَتْها بأُصبُعِها، فرُفِعَ ذلكَ إلى عَبدِ المَلكِ بنِ مَروانَ فجعَلَ الصَّداقَ بَينَهنَّ أرباعًا وألغَى حِصَّةَ الَّتي أَمكنَتْ مِنْ نَفسِها، فبلَغَ عبدَ اللهِ بنَ مَعقِلٍ فقالَ: لو وُلِّيتُ أنا لَجَعلْتُ الصَّداقَ على الَّتي أفسَدَتِ الجارِيةَ وحْدَها، وهذِه قَصَصٌ تَنتشرُ فلَم تُنكَرْ فكانَتْ إجماعًا، ولأنَّ إتلافَ العُذرةِ مُستَحَقٌّ بعَقدِ النِّكاحِ، فإذا أتلفَهُ أجنَبيٌّ وجَبَ المَهرُ كمَنفعةِ البُضعِ (١).

стр. 9537

المواضِعُ التي يجبُ فيها نِصفُ المَهرِ: لا خِلافَ بيْنَ الفُقهاءِ أنَّ المَهرَ يَتنصَّفُ في أحوالٍ، ومِن ذلكَ ما يلي: أ - إذا طلَّقَ قبْلَ الدُّخولِ أو الخَلوةِ بها وقَد سمَّى لها مَهرًا صَحيحًا: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على المَرأةِ عَقدًا صَحيحًا وسَمَّى لها مَهرًا ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ أو الخَلوةِ بها أنهُ يَجبُ لها نِصفُ المَهرِ المُسمَّى؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. قال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: اتَّفقَوا اتِّفاقًا مُجمَلًا أنهُ إذا طلَّقَ قبْلَ الدُّخولِ وقد فَرَضَ صَداقًا أنهُ يَرجعُ عليها بنِصفِ الصَّداقِ؛ لقَولِه تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] الآيَة (١). ولا خِلافَ بيْنَهم أنَّ البِكرَ والثَّيبَ في هذا سَواءٌ، قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: وقد أجمَعَ المُسلِمونَ أنَّ الثَّيبَ والبِكرَ في استِحقاقِ نِصفِ المَهرِ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ سَواءٌ، ثمَّ قالَ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فكذلكَ هوَ في البِكرِ وغَيرِ البكرِ (٢).

стр. 9538

ب - إذا فرَضَ لها مَهرًا بعْدَ العَقدِ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ: ذهَبَ المالكيَّةُ والشافعيَّةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وأبو يُوسفَ في قَولِه الأَوَّلِ إلى أنَّ الرَّجلَ إذا عقَدَ على امرأةٍ ولم يُسمِّ لها صَداقًا أثناءَ العَقدِ ثمَّ فرَضَ لها وسَمَّى صَداقًا لها بعْدَ العَقدِ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ أنهُ يَجبُ لها نِصفُ المَهرِ المُسمَّى أو المَفروضِ ولا مُتعةَ لها؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فلم يَجعلْ لها إلَّا نِصفَ المَهرِ، ولأنها قَدْ مَلكَتْ نِصفَ المَهرِ بما ابتَذلَتْ مِنْ العَقدِ، فلم يُجعلْ لها غَيرُه؛ لِئلَّا يُجمعَ بيْنَ بَدلينِ. ولأنَّ المَفروضَ بعْدَ العَقدِ إذا أُلحِقَ بالعَقدِ لَحِقَه في حُكمِ التَّشطيرِ، واختِلافُ زَمانِ الفَرضِ لا يُغيِّرُ حَقيقةَ المَفروضِ. وقَولُه تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَتناولُ -بطريقِ العُمومِ- ما بعْدَ العَقدِ. ولو تَوهَّمَ مُتوهِّمٌ أنَّ فيما قبْلَه ما يَمنَعُ مِنْ هذا العُمومِ فليسَ كذلكَ، فإنَّ ما قبْلَه عَدمُ الفَرضِ مُطلَقًا، وما بعْدَه إثباتُ الفَرضِ، وإثباتُ الفَرضِ يَعُمُّ الأحوالَ. ولو كانَ النَّصُّ على المَفروضِ عِنْدَ العَقدِ كُنَّا نُلحِقُ بهِ المَفروضَ بعْدَ

стр. 9539

العَقدِ بطَريقِ الاعتِبارِ، مثلَ إلحاقِ الشيءِ بمِثلِ ما في مَعناهُ (١). وذهَبَ الحَنفيَّةُ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنهُ لا يَجبُ نِصفُ المُسمَّى، وإنما يَجبُ لها المُتعةُ فقَطْ؛ لأنهُ نِكاحٌ عَرِيَ عَنْ تَسميتِه، فوَجبَتْ بهِ المُتعةُ كما لو لم يُفرضْ لها، ولأنَّ السَّببَ مَخصوصٌ بالمَفروضِ في العَقدِ بالنَّصِّ، وهو قَولُه تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، والمَفروضُ بعْدَه ليسَ في مَعناهُ (٢). ج- الخلعُ قبْلَ الدُّخولِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو خالَعَ زَوجَتَه قبْلَ الدُّخولِ، هل يَتنصَّفُ المَهرُ؟ أم يَسقُطُ كلُّهُ؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الفُرقةَ الَّتي تَأتي مِنْ قبَلِ الزَّوجِ كالخُلعِ قبْلَ الدُّخولِ بها تُوجِبُ نِصفَ المُسمَّى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ

стр. 9540

طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقِيسَ عليهِ سائِرُ ما استَقلَّ بهِ الزَّوجُ؛ لأنهُ في مَعناهُ، وإنَّما يُنصَّفُ المَهرُ بالخُلعِ؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيه جانِبُ الزَّوجِ، بدَليلِ أنهُ يَصحُّ مِنها ومِن غَيرِها، فصارَ الزَّوجُ كالمُنفرِدِ به. قالَ الشَّافعيةُ: يَتشطَّرُ الصَّداقُ بالطَّلاقِ والخُلعِ قبْلَ الدُّخولِ ولو باختِيارِها، كأنْ فَوَّضَ الطَّلاقَ إليها فطَلَّقتْ نفْسَها، أو علَّقَه بفِعلِها ففَعلَتْ، كما لو علَّقَ طَلاقَها بدُخولِ الدَّارِ فدَخلَتْ. وإنْ خالَعَ زَوجَتَه قبْلَ الدُّخولِ على شيءٍ غَيرِ الصَّداقِ فلهُ المُسمَّى الَّذي خالَعَ عليهِ ولها نِصفُ الصَّداقِ. وإنْ خالَعَها على صَداقِها فقَدْ خالَعَها على مالِه وعلى مالِها؛ لأنهُ عادَ إليهِ نِصفُ الصَّداقِ بالخُلعِ، فتَحصلُ البَينونةُ وتَبطُلُ التَّسميةُ في نَصيبِه وفي نَصيبِها، وللزَّوجِ الخِيارُ إنْ كانَ جاهِلًا بالتَّشطيرِ والتَّفريقِ، فإنْ فسَخَ رجَعَ عليها بمَهرِ المِثلِ على الأظهَرِ، وفي قَولٍ: ببَدلِ المُسمَّى، المِثلِ إنْ كانَ مِثليًّا أو القِيمةِ، وإنْ أجازَ رجَعَ عليها بنِصفِ مَهرِ المِثلِ على الأظهَرِ، وعلى القَولِ الآخَرِ: بمِثلِ نِصفِ الصَّداقِ أو قِيمتِه (١). وقالَ الحَنابلةُ: الفُرقةُ الَّتي تأتي مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ كالخُلعِ قبْلَ الدُّخولِ بها

стр. 9541

تُوجِبُ نِصفَ المُسمَّى؛ لقَولِه تعالَى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، وقِسْنا عليهِ سائِرَ ما استَقلَّ بهِ الزَّوجُ؛ لأنهُ في مَعناهُ؛ وإنَّما يُنصَّفُ المَهرُ بالخُلعِ؛ لأنَّ المُغلَّبَ فيهِ جانِبُ الزَّوجِ، بدَليلِ أنهُ يَصحُّ مِنها ومِن غيرِها، فصارَ الزَّوجُ كالمُنفردِ به. ولو خالَعَها الزَّوجُ بنِصفِ صَداقِها قبْلَ الدُّخولِ صَحَّ ذلكَ، وصارَ الصَّداقُ كلُّهُ له، نِصفُه لهُ بالطَّلاقِ ونِصفُه لهُ بالخُلعِ عِوضًا له. وإنْ خالَعَها قبْلَ الدُّخولِ على مِثلِ نِصفِ الصَّداقِ في ذَمِّتِها وكانَتْ لَم تَقبضِ الصَّداقَ مِنهُ صَحَّ ذلكَ وسقَطَ عنهُ جَميعُ الصَّداقِ، نِصفُه بالطَّلاقِ ونِصفُه بالمُقاصَّةِ حَيثُ وُجدَتْ بشُروطِها. ولو قالَتِ المَرأةُ لزَوجِها قبْلَ الدُّخولِ وقبْلَ قَبضِ الصَّداقِ: «اخْلَعنِي بما يُسلَّمُ إليَّ مِنْ صَداقِي، أو اخْلَعنِي على أنْ لا تَبِعةَ عليكَ في المَهرِ» ففعَلَ وخالَعَها على ذلكَ صَحَّ الخُلعُ؛ لأنهُ بمَعنَى سُؤالِها الخُلعَ على نِصفِ الصَّداقِ، وبَرئَ الزَّوجُ مِنْ جَميعِه، نِصفِه بالخُلعِ ونِصفِه بجَعلِه عِوضًا لهُ فيه. وإنْ خالَعَها قبْلَ الدُّخولِ بمِثلِ جَميعِ الصَّداقِ في ذِمَّتِها أو خالَعَها بصَداقِها كلِّهِ صَحَّ الخُلعُ؛ لصُدورِه مِنْ أهلِه في مَحَلِّه، ويَرجِعُ عليها بنِصفِه وسقَطَ عنهُ الصَّداقُ. وإذا جعَلَ الزَّوجُ لها الخِيارَ فاختارَتْ نفْسَها أو وكَّلَها في الطَّلاقِ فطَلَّقتْ نفْسَها فهُو كطَلاقِه، لا يَسقُطُ مَهرُها؛ لأنَّ المرأةَ وإنْ باشرَتِ الطَّلاقَ فهي نائِبةٌ عنهُ ووكيلةٌ لهُ، وفِعلُ الوَكيلِ كفِعلِ المُوكِّلِ، فكأنهُ صدَرَ عن مُباشرتِه.

стр. 9542

وإنْ علَّقَ طَلاقَها على فِعلٍ مِنْ قِبَلِها لم يَسقُطْ مَهرُها؛ لأنَّ السَّببَ مِنه وُجدَ، وإنَّما هي حَقَّقتْ شَرْطَه، والحُكمُ يُنسَبُ إلى صاحِبِ السَّببِ. وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: لو عَلَّقَ طَلاقَها على صِفةٍ مِنْ فِعلِها الَّذي لها منه بدٌّ كدُخولِها دارَ أجنبيٍّ وفَعلَتْه قبْلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها، وقوَّاه ابنُ رجبٍ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالكيَّةُ -في الجُملةِ على تَفصِيلٍ عِندَهم- إلى أنَّ المرأةَ إذا خالَعَتْ زوْجَها قبْلَ الدُّخولِ لا شيءَ لها، ولا يَتنصَّفُ الصَّداقُ. قالَ الحَنفيَّةُ: إذا اختَلعَتْ قبْلَ الدُّخولِ على ألفٍ ومَهرُها ألفٌ ولَم تَقبضْ شَيئًا فالقياسُ أنْ يَجبَ عليها خَمسُمِائةٍ للزَّوجِ؛ لأنَّ خَمسَمِائةٍ مِنْ المَهرِ سَقطَتْ بالطَّلاقِ قبْلَ الدخولِ، وقدِ التَزمَتِ المرأةُ الألفَ، ونَصفُ الألفِ سقَطَ عن ذمَّتِها بطريقِ المُقاصَّةِ؛ لأنَّ لها على الزَّوجِ خَمسَمائةٍ باقيةً بعْدَ سُقوطِ نِصفِ المَهرِ، فوجَبَ عليها خَمسُمائةٍ زائِدةٌ على الألفِ تَتْميمًا للألفِ الَّتي التَزمَتْها. وفي الاستِحسانِ: لا شيءَ عليها؛ لأنَّ مَقصودَ الزَّوجِ سُقوطُ كلِّ المَهرِ عَنْ ذِمَّتِه وقَد حصَلَ، فلا يَلزمُها شيءٌ زائِدٌ على ذلكَ. وأمَّا إذا قَبضَتْ جَميعَ المَهرِ فعَلى القياسِ: تَرُدُّ المرأةُ الألفَ وخَمسَمِائةٍ،

стр. 9543

الألفَ بدَلَ الخُلعِ وخَمسَمائةٍ نِصفَ المَهرِ للطَّلاق قبْلَ الدُّخولِ. وفي الاستِحسانِ: تَرُدُّ الألفَ لا غَير، خَمسَمائةٍ بدَلَ الخُلعِ وخَمسَمائةٍ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ (١). وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ ما يَسقطُ بهِ كلُّ المَهرِ: … ومِنها الخُلعُ على المَهرِ قبْلَ الدُّخولِ وبعْدَه، ثمَّ إنْ كانَ المَهرُ غيْرَ مَقبوضٍ سقَطَ عنِ الزَّوجِ، وإنْ كانَ مَقبوضًا رَدَّتْه على الزَّوجِ، وإنْ كانَ خالَعَها على مالٍ سِوى المَهرِ يَلزمُها ذلكَ المالُ، ويَبرأُ الزَّوجُ عن كلِّ حَقٍّ وجَبَ لها عليهِ بالنَّكاحِ كالمَهرِ والنَّفقةِ الماضيةِ في قولِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الخُلعَ وإنْ كانَ طلاقًا بعِوضٍ عِندَنا لكنَّ فيهِ مَعنَى البَراءةِ؛ لِمَا نَذكُره إنْ شاءَ اللهُ تعالى في مَسألةِ المُخالَعةِ والمُبارَأةِ في كتابِ الطَّلاقِ في بَيانِ حُكمِ الخُلعِ وعَملِه إنْ شاءَ اللهُ تعالى (٢). وعِندَهم تَفصيلٌ آخَرُ ذكَرَه الإمامُ الحَدَّادُ ﵀ في «الجَوهَرة»، حَيثُ قالَ: قَولُه: (والمُبارَأةُ كالخُلعِ)، وصُورتُها: أنْ يَقولَ: «بَرئْتِ مِنْ النَّكاحِ الَّذي بَيني وبيْنَكِ على ألفٍ» فقَبِلَتْ. قَولُه: (والخُلعُ والمُبارَأةُ يُسقِطانِ كلَّ حقٍّ لكلِّ واحدٍ مِنَ الزوجَينِ على الآخَرِ ممَّا يَتعلَّقُ بالنِّكاحِ عِنْدَ أبي حَنيفةَ)، يَعني النِّكاحَ القائِمَ حالةَ المُبارَأةِ، أمَّا الَّذي قبْلَه لا يُسقِطُ حُقوقَه.

стр. 9544

وقالَ أبو يوسفَ في المُبارَأةِ مِثلَ قولِ أبي حَنيفةَ، وأمَّا الخُلعُ فهوَ كالطَّلاقِ على مالٍ لا يُسقِطُ إلَّا ما سَمَّياهُ. وقالَ مُحمدٌ فيهما جَميعًا: لا يُسقِطُ إلَّا ما سَمَّياهُ. وصُورةُ المَسألةِ: اختَلعَتْ منهُ على شيءٍ مُسمًّى، عَينٍ أو دَينٍ، وكانَ المَهرُ غيْرَ ذلكَ وهوَ في ذمَّةِ الزَّوجِ، وقَد دخَلَ بها أو لم يَدخلْ، لَزِمَها ما سَمَّتْ له، ولا شيءَ لها عليهِ مِنْ المَهرِ عندَ أبي حَنيفةَ، وعِندَهما: لَها أنْ تَرجعَ عليهِ بالمَهرِ إنْ دخَلَ بها، أو بنِصفِه إنْ لم يَدخلْ بها، ولو أنها كانَتْ قد قَبضَتِ المَهرَ ثمَّ بارَأَها أو خالَعَها قبْلَ أنْ يَدخلَ بها على شيءٍ فهو جائِزٌ، والمَهرُ كُلُّه لها، ولا يَتبَعُ كلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحِبَه بعْدَ الخُلعِ والمُبارَأةِ بشيءٍ مِنْ المَهرِ. وكذا لو كانَتْ قَبضَتْ منهُ نِصفَ المَهرِ أو أقَلَّ أو أكثَرَ ثمَّ اختَلعَتْ منهُ بدَراهمَ مُسمَّاةٍ قبْلَ أنْ يَدخلَ بها، فللزَّوجِ ما سَمَّتْ له، ولا شيءَ لواحِدٍ مِنهُما على صاحِبِه ممَّا في يَدهِ مِنْ المَهرِ. وفي «التَّتمَّة»: إذا خالَعَها على مالٍ مَعلومٍ ولم يَذكُرِ المَهرَ وقَبلَتْ، هل يَسقطُ المَهرُ؟ هذا مَوضِعُ الخِلافِ، فعِندَ أبي حَنيفةَ يَسقُطُ، وعندَهُما لا يَسقطُ ولها أنْ تَرجعَ بهِ إنْ دخَلَ بها، أو بنِصفِه إنْ لم يَدخلْ بها، وفي شَرحِه: إذا خالَعَها أو بارَأَها على عَبدٍ أو ثَوبٍ أو دَراهمَ وكانَ المَهرُ غيْرَ ذلكَ فلا شيءَ لهُ غَيرُ ذلكَ، وإنْ كانَ قد أعطاها المَهرَ لا يَرجعُ عليها بشيءٍ منهُ، وإنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ ولم يُعطِها شَيئًا مِنهُ لم يكنْ لها عليهِ شيءٌ، وهذا قولُ أبي

стр. 9545

حَنيفةَ، ووافَقَه أبو يُوسفَ في المُبارَأةِ، وأمَّا في الخُلعِ فلَم يُوافِقْه، وقالَ: إنَّ الخُلعَ لا يُوجبُ ذلكَ. وقالَ مُحمدٌ في كِلَيهما: هو كالطَّلاقِ على مالٍ. فأبو يُوسفَ معَ مُحمدٍ في الخُلعِ، ومع أبي حَنيفةَ في المُبارَأةِ. قالَ في «اليَنابِيع»: إنْ كانَ الخُلعُ بلَفظِ الخُلعِ بَرِئَ الزَّوجُ مِنْ كلِّ حَقٍّ وجَبَ لها بالنِّكاحِ، كالمَهرِ والنَّفقةِ الماضيةِ والكِسوةِ الماضيةِ، ولا يَسقطُ عنهُ نَفقةُ العدَّةِ، وإنْ كانَ بلَفظِ المُبارَأةِ فكذلِكَ أيضًا عندَ أبي حَنيفةَ، فإنْ كانَتْ قد قَبضَتْ مَهرَها سَلَّمَ لها، وإنْ كانَتْ لم تَقبضْه فلا شيءَ لها على الزَّوجِ، سَواءٌ كانَ قبْلَ الدُّخولِ أو بعْدَه. وقالَ أبو يُوسفَ: إنْ كانَ بلَفظِ المُبارَأةِ فكَمَا قالَ أبو حَنيفةَ، وإنْ كانَ بلَفظِ الخُلعِ لم يَسقطْ إلَّا ما سَمَّيا عِنْدَ الخُلعِ. وقالَ مُحمدٌ: لا يَسقطُ إلَّا ما سَمَّيا، سواءٌ كانَ بلَفظِ الخُلعِ أو بلَفظِ المُبارَأةِ، فعلَى قَولِه: إنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ وقد قَبضَتْ مَهرَها وجَبَ عليها رَدُّ النِّصفِ منهُ، وإنْ كانَ بعْدَ الدُّخولِ فهوَ لها، ولهُ عليها جَميعُ ما سَمَّتْ. وأجمَعُوا أنهُ إذا كانَ لأحَدِهما على صاحِبِهِ دَينٌ غَيرُ المَهرِ بسَببٍ آخَرَ لا يَسقُطُ، وهوَ الَّذي احتَرزَ بهِ الشَّيخُ بقَولِه: (مِنْ حُقوقِ النِّكاحِ) (١). وقالَ المالكيَّةُ: المرأةُ الرَّشيدةُ إذا خالَعَتْ زوْجَها قبْلَ البناءِ بأنْ قالَتَ لهُ: «خالِعْني على كذا» فهذا لا يَخلُو:

стр. 9546

إمَّا أنْ تَقولَ: «خالِعْني على كذا -عَشرةِ دَنانيرَ مَثلًا- مِنْ صَداقي، أو طَلِّقْني على عَشرةٍ مِنْ صَداقِي» فلها نِصفُ ما بقيَ بعْدَ أخذِه العَشرةَ، كما لو كانَ صَداقُها ثَلاثينَ وقالَتَ: «خالِعْني على عَشرةٍ مِنْ صَداقِي» كانَ لها نِصفُ ما بقيَ بعْدَها، وهوَ عَشرةٌ مِنْ عِشرينَ. وإمَّا أنْ تَقولَ: «خالِعْني على كذا -عَشرةِ دَنانيرَ مَثلًا-» ولم تَقُلْ: «هو مِنْ صَداقِي» فلا نِصفَ لها مِنْ الصَّداقِ، ولا تَستحِقُّ شَيئًا مِنْ الصَّداقِ؛ لأنَّ لفْظَ الخُلعِ يَقتضِي ترْكَ كُلِّ ما لها عليهِ مِنْ الحُقوقِ، وتَدفعُ ما خالَعَتْه به مِنْ مالِها زِيادةً على الصَّداقِ، ولو كانَتْ قَبضَتْه رَدَّتْهُ ودفَعَتْ ما ذُكِرَ مِنْ مالِها زِيادةً عليه. وأمَّا إنْ قالَتْ: «طَلِّقْني على عَشرةٍ» ولم تَقُلْ: «مِنْ صَداقي» فطلَّقَها فلها جَميعُ النِّصفِ، وتَدفعُ ما وقَعَ عليهِ الطَّلاقُ فقط (١). د- إذا أسلَمَ الزَّوجُ قبْلَ الدُّخولِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أسلَمَ الزَّوجُ قبْلَ الدُّخولِ وكانَ مُتزوِّجًا بوَثنيَّةٍ غَيرِ كِتابيَّةٍ، هل يَتشطَّرُ الصَّداقُ أم لا؟ فذهَبَ الشَّافعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا أسلَمَ قبْلَ الدُّخولِ وجَبَ للزَّوجةِ نِصفُ المُسمَّى؛ لأنَّ فسْخَ النكاحِ لاختِلافِ

стр. 9547

الدِّينِ، وذلكَ حاصِلٌ بإسلامِه؛ لأنهُ أفسَدَ نِكاحَ غَيرِه بإسلامِهِ وإنْ كانَ واجِبًا عليهِ، كما في نَظيرهِ مِنَ الرَّضاعِ الواجِبِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ وَالمالِكيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزَّوجَ إذا تَزوَّجَ وَثنيَّةً وأسلَمَ قبْلَ الدُّخولِ بها فلا مَهرَ عليهِ ولا شيءَ؛ لأنهُ فعَلَ الواجِبَ عليهِ، وحَصلَتِ الفُرقةُ بامتِناعِها مِنْ مُوافَقتِه على الواجِبِ، فكانَ مِنْ جِهتِها، ولأنَّ الفُرقةَ مِنْ قِبَلِها والمَهرُ لم يَتأكَّدْ، فأشبَهَ الردَّةَ والمُطاوِعةَ (٢). قالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحَاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: إذا أبَى أحَدُ الزَّوجَين الإسلامَ بعْدَ العَرضِ فيما لا يُقَرُّ عليهِ فُرِّقَ بيْنَهما، فإنْ كانَ الزَّوجُ الَّذي أبَى قبْلَ الدُّخولِ فعَليهِ نِصفُ المَهرِ، وإنْ كانَتْ المرأةُ هيَ التي أبَتْ فلا شيءَ لها، وهو قولُ الثَّوريِّ. وقالَ مالِكٌ: أيُّهما أسلَمَ ففُرِّقَ بيْنَهما قبْلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها؛ لأنهُ فَسخُ بُطلانٍ. وقالَ ابنُ شُبرُمةَ في المَجوسيِّ تُسلِمُ امرَأتُه ولم يَدخُلْ بها فقدِ انقَطعَتِ

стр. 9548

العِصمةُ ولا صَداقَ لها، وإنْ أسلَمَ هو ولَم يَدخلْ ثمَّ لم تُسلِمْ حتَّى انقَضَتْ عِدَّتُها فلها نِصفُ الصَّداقِ، وإنْ أسلَمَتْ قبْلَ أنْ تَنقضِيَ العدَّةُ فهُمَا على النِّكاحِ. وقالَ الشَّافعيُّ في المُزَنِيِّ: وإذا أسلَمَ الزَّوجُ الوَثنيُّ ولهُ امرأةٌ كذلكَ قبْلَ الدُّخولِ فلها نِصفُ المَهرِ، فإنْ أسلَمَتْ هيَ قبْلَه فلا صَداقَ لها؛ لأنَّ الفَسخَ مِنْ قِبَلِها (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفُوا في الوَثنيَّينِ يُسلِمُ الزَّوجُ مِنهما قبْلَ الدُّخولِ ويَعرِضُ عليها الإسلامَ فتَأبَى أنهُ لا شيءَ لها مِنَ المَهرِ. وقالَ الشَّافِعيُّ في المُزَنِيِّ: فإذا أسلَمَ الزَّوجُ قبْلَ الدُّخولِ فلها نِصفُ المَهرِ إنْ كانَتْ مَجوسيَّةً أو وَثنيَّةً، وإنْ أسلَمَتْ هيَ قبْلَهُ فلا صَداقَ لها؛ لأنَّ الفَسخَ جاءَ مِنْ قِبَلِها. قالَ أبو عُمرَ: لأنهُ لا عِدَّةَ فيمَن لَم يَدخلْ بها يَنتظِرُ إليها. وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه: إذا عُرِضَ الإسلامُ على الَّذي لَم يُسلِمْ مِنْ الزَّوجَينِ وأبَى فُرِّقَ بيْنَهما، إلَّا أنْ تكونَ الزَّوجةُ كِتابيَّةً فيُسلِمُ الرَّجلُ وتأبَى امرَأتُه فإنهُ يُقيمُ على نِكاحِه مَعها. فإنْ كانَ الزَّوجُ هو الذي أبَى قبْلَ الدُّخولِ كانَ عليهِ نِصفُ الصَّداقِ، وإنْ كانَتِ المرأةُ هي التي أبَتْ فلا شيءَ لها، وهوَ قَولُ الثَّوريِّ.

стр. 9549

وقالَ ابنُ شُبرُمةَ في المَجوسيِّ تُسلِمُ امرَأتُه ولم يَدخلْ بها فقدِ انقَطعَتِ العِصمةُ بيْنَهما ولا صَداقَ لها. وإنْ أسلَمَ هو ولم يَدخلْ ثمَّ لم تُسلِمْ هي حتَّى انقَضَتْ عدَّتُها فلها نِصفُ الصَّداقِ، وإنْ أسلَمَتْ قبْلَ أنْ تَنقضِيَ العدَّةُ فهُمَا على النِّكاحِ. قالَ أبو عُمرَ: … وأمَّا مَنْ لم يَرَ نصفَ الصَّداقِ واجِبًا للمرأةِ إذا أسلَمَتْ قبْلَ زَوجِها ولم يُسلِمْ ولمْ يَدخلْ بها؛ فلأنَّ الفَسخَ جاءَ مِنْ قِبَلِها، فلم يكنْ لها شيءٌ مِنَ الصَّداقِ. ومَن رَأى لها نِصفَ الصَّداقِ زعَمَ أنها فَعلَتْ فِعلًا مُباحًا لها يَرضاهُ اللهُ مِنها، فلمَّا أبَى زَوجُها أنْ يُسلِمَ كانَ كالمُفارِقِ المُطلِّقِ لها، فوجَبَ عليهِ نِصفُ الصَّداقِ. وأمَّا إسلامُ الزَّوجِ قبْلَ امرَأتِه ولَم يَدخلْ بها، فإنْ كانَتْ كِتابيَّةً أقامَ عليها. وإنْ كانَتْ مَجوسيَّةً أو وَثنيَّةً فوَجْهُ مَنْ قالَ لها نِصفُ الصَّداقِ إنْ أبَتْ مِنَ الإسلامِ؛ لأنهُ المُفارِقُ لها بإسلامِهِ، وقد كانَا عقَدَا نكاحَهُما على دِينِهما، ومن قالَ: «لا شيءَ لها» فِعلُه وقَولُه نَحوُ ما تَقدَّمَ ذِكرُه؛ لأنهُ فعَلَ ما لهُ فِعلُه، فلَو أسلَمَتْ قَرَّتْ مَعه، فلمَّا أبَتْ كانَتْ هيَ المُفارِقةَ، وإنما جاءَتِ الفُرقةُ مِنْ قِبَلِها، فلا شيءَ لها مِنْ الصَّداقِ (١).

стр. 9550

هـ - إذا ارتَدَّ الزَّوجُ قبْلَ الدُّخولِ: اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الزَّوجَ إذا ارتَدَّ -والعِياذُ باللهِ- بعْدَ الدخولِ فإنَّ المَهرَ يَجبُ كامِلًا للمرأةِ؛ لأنهُ قدِ استَقرَّ بالدُّخولِ، فلا يُتصوَّرُ سُقوطُه. وإنِ ارتَدَّ الزَّوجُ قبْلَ الدُّخولِ وجَبَ لها نِصفُ المَهرِ عِنْدَ الحنفيَّةِ والمالِكيةِ في قَولٍ والشَّافعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنها فُرقةٌ حَصلَتْ مِنه قبْلَ الدُّخولِ، فصارَتْ كالطَّلاقِ. وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ إلى أنهُ لا شيءَ لها (١).

стр. 9551

المواضع التي يجب فيها مهر المثل: ذكَرَ الفُقهاءُ مَواضِعَ يَجبُ فيها مَهرُ المِثلِ اتِّفاقًا، ومَواضِع اختَلفُوا فيها، وهيَ على التَّفصيلِ التَّالي: أ - التَّفويضُ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وغَيرُهم على أنَّ نِكاحَ المُفوّضةِ السَّابقِ ذِكرُه بالتَّفصيلِ -بأنْ تَزوَّجَ امرأةً ولم يُسمِّ لها صَداقًا- أنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ، وكذا عِنْدَ الجُمهورِ خِلافًا للمالِكيةِ -كما تَقدَّمَ- لو اشتَرطَا في عَقدِ النِّكاحِ إسقاطَ المَهرِ أو نفْيَه أو أنْ لا مَهرَ فإنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فأثبَتَ الطَّلاقَ مِنْ غَيرِ فَرضٍ، والطَّلاقُ لا يَقعُ إلَّا في نِكاحٍ صَحيحٍ؛ لأنَّ اللهَ رَفَعَ الجُناحَ عمَّنْ طلَّقَ في نِكاحٍ لا تَسميةَ فيهِ، والطَّلاقُ لا يكونُ إلَّا بعْدَ النِّكاحِ، فدَلَّ على جَوازِ النِّكاحِ بلا تَسميةٍ. وعَن عَلقَمةَ والأسوَدِ عنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ أنَّ رَجلًا أتاهُ فسَألَهُ عنْ رَجلٍ تزوَّجَ امرأةً فماتَ عَنها ولمْ يَدخُلْ بها ولمْ يَفرِضْ لها، فلم يَقُلْ شيئًا ورَدَّدهُم شَهرًا، ثمَّ قالَ: أقولُ برأيِي، فإنْ كانَ صوابًا فمِنَ اللَّهِ، وإنْ كانَ خطأً فمِن قِبَلِي، أرَى لها صَداقَ نِسائِها، لا وَكْسَ ولا شَطَطَ، وعليها العدَّةُ ولها الميراثُ، فقامَ فُلانٌ الأشجَعيُّ وقالَ: «قَضَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ في بَروَعَ بِنتِ واشِقٍ بمِثلِ ذلكَ، قالَ: ففَرِحَ عبدُ اللهِ بذلكَ وكبَّرَ» (١).

стр. 9552

ولأنَّ المَقصودَ في النِّكاحِ أعيانُ الزَّوجَينِ دُونَ المَهرِ، ولهذا يَجبُ ذِكرُ الزَّوجَينِ في العَقدِ، وإنَّما العِوضُ فيهِ تَبَعٌ، بخِلافِ البَيعِ؛ فإنَّ المَقصودَ فيهِ العِوضُ، ولهذا لا يَجبُ ذِكرُ البائعِ والمُشتَري في العَقدِ إذا وقَعَ بيْنَ وَكيلَيْهما (١). وقد تَقدَّمَ هذا كُلُّه بالتَّفصيلِ، ولا خِلافَ بيْنَ العُلماءِ على أنهُ يَجبُ هنا مَهرُ المِثلِ. قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ عُلماءُ المُسلمِين أنهُ لا يَجوزُ لأحَدٍ أنْ يَطأَ فَرجًا وُهِبَ لهُ دُونَ رَقبتِه، وأنهُ لا يَجوزُ لهُ وَطءٌ في نِكاحٍ بغَيرِ صَداقٍ مُسمًّى، دَينًا أو نَقدًا، وأنَّ المُفوَّضَ إليه لا يَدخلُ حتَّى يُسمِّي صَداقًا، فإنْ وقَعَ الدُّخولُ في ذلكَ لَزمَ فيهِ صَداقُ المِثلِ (٢).

стр. 9553

وقالَ ابنُ القَّطانِ الفاسِي ﵀: والمَدخولُ بها ولَم يُسمَّ لها مَهرٌ إنْ وَطئَها كانَ لها مَهرُ نِسائِها، لا وَكسَ وَلا شَطَطَ، ولا تَنازُعَ بيْنَ أهلِ العِلمِ في ذلكَ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفقُوا أنَّ لكُلِّ مَوطوءةٍ بنِكاحٍ صَحيحٍ ولم يَكنْ سَمَّى لها مَهرًا فلها مَهرُ مِثلِها (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ مَنْ تَزوَّجَ امرأةً ولم يُقدِّرْ لها مَهرًا صَحَّ النِّكاحُ ووجَبَ لها المَهرُ إذا دخَلَ بها، وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ فليسَ لها مَهرٌ، بل لها المُتعةُ بنصِّ القرآنِ (٣). ب- فسادُ التَّسميةِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحنفيَّةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ تَسميةَ المَهرِ إذا فَسدَتْ -كما لو كانَ مَجهولًا أو حَرامًا كأنْ كانَ خَمرًا أو خِنزيرًا أو ما لا يَصحُّ أنْ يكونَ مَهرًا- ودخَلَ بها أو ماتَ عنها وجَبَ لها مَهرُ المِثلِ بالِغًا ما بلَغَ؛ لأنَّ البُضعَ مُفوَّتٌ بالعَقدِ فلمْ تَقدِرْ على استِرجاعِه، فوجَبَ أنْ تَعدِلَ إلى قِيمتِه وهيَ مَهرُ المِثلِ، لأنها دَخلَتْ في العَقدِ على أنْ يكونَ لها المُسمَّى، فإذا لم يُسمِّ وتَعذَّرَ رُجوعُها إلى بُضعِها رَجعَتْ إلى قِيمتِه، كمَنِ اشْتَرى عَبدًا بثَوبٍ فماتَ في يَدِه ورَدَّ بائِعُه الثَّوبَ بعَيبٍ رجَعَ بقِيمةِ العَبدِ حينَ فاتَ الرُّجوعُ بعَينِه.

стр. 9554

ولأنَّ العِوضَ الأصليَّ في هذا البابِ هو مَهرُ المِثلِ؛ لأنهُ قِيمةُ البُضعِ، وإنَّما يُعدَلُ عنهُ إلى المُسمَّى إذا صَحَّتِ التَّسميةُ وكانَتِ التَّسمِيةُ تَقديرًا لتِلكَ القِيمةِ، فإذا لَم تَصحَّ التَّسميةُ أو تَزلزلَتْ لم يَصحَّ التَّقديرُ، فإذا لَم يَصحَّ التَّقديرُ وجَبَ المَصيرُ إلى الفَرضِ الأصليِّ، ولهذا كانَ المَبيعُ بَيعًا فاسِدًا مَضمونًا بالقِيمةِ في ذَواتِ القيَمِ لا بالثَّمنِ، كذا هذا. وإنْ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ وجَبَ لها نِصفُ مَهرِ المِثلِ عِنْدَ الشَّافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، وعِندَ الحَنفيةِ يَجبُ لها المُتعةُ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ طلَّقَ قبْلَ الدُّخولِ فلها نِصفُ مَهرِ المِثلِ، وبهذا قالَ الشَّافِعيُّ، وقالَ أصحابُ الرَّأيِ: لها المُتعةُ؛ لأنهُ لو لم يُسمِّ لها صَداقًا كانَ لها المُتعةُ، فكذلكَ إذا سَمَّى لها تَسميةً فاسِدةً؛ لأنَّ هذهِ التَّسميةَ كعَدَمِها. وذكَرَ القاضي في «الجامِع» أنهُ لا فَرْقَ بيْنَ مَنْ لَم يُسمِّ لها صَداقًا وبيْنَ مَنْ سَمَّى لها مُحرَّمًا كالخَمرِ أو مَجهولًا كالثَّوبِ، وفي الجَميعِ رِوايتانِ: إحداهُما: لها المُتعةُ إذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ؛ لأنَّ ارتِفاعَ العَقدِ يُوجبُ رفْعَ ما أوجَبَه مِنْ العِوضِ كالبَيعِ، لكنْ تَركْناهُ في نِصفِ المُسمَّى لتَراضيهِما عليهِ، فكانَ ما تَراضَيَا عليهِ أَولَى، ففي مَهرِ المِثلِ يَبقى على الأصلِ في أنهُ يَرتفعُ وتَجبُ المُتعةُ. والثَّانيةُ: أنَّ لها نِصفَ مَهرِ المِثلِ؛ لأنَّ ما أوجَبَه عَقدُ النِّكاحِ يَتنصَّفُ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، ومَهرُ المِثلِ قد أوجَبَه العَقدُ فيَتنصَّفُ بهِ كالمُسمَّى،

стр. 9555

والخِرَقِيُّ فرَّقَ بيْنَهما، فأوجَبَ في التَّسميةِ الفاسِدةِ نِصفَ مَهرِ المِثلِ، وفي المُفوِّضةِ المُتعةَ، وهوَ مَذهبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ المُفوِّضةَ رَضيَتْ بلا عِوضٍ وعادَ إليها بُضعُها سَليمًا، وإيجابُ نِصفِ المَهرِ لها لا وجْهَ له؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أوجَبَ لها المُتعةَ، ففي إيجابِ نِصفِ المَهرِ جَمعٌ بيْنَهما أو إسقاطٌ للمُتعةِ المَنصوصِ عليها، وكِلاهُما فاسِدٌ، وأمَّا الَّتي اشتَرطَتْ لنَفسِها مَهرًا فلم ترْضَ إلَّا بعِوضٍ، ولَم يَحصلْ لها العِوضُ الَّذي اشتَرطَتْه، فوجَبَ لها بَدلُ ما فاتَ عليها مِنَ العِوضِ وهوَ مَهرُ المِثلِ، أو نِصفُهُ إنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ، ولأنَّ الأصلَ وُجوبُ مَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ وجَبَ بالعَقدِ، بدَليلِ أنهُ يَستقرُّ بالدُّخولِ والمَوتِ، وإنَّما خُولِفَ هذا في المُفوِّضةِ بالنَّصِّ الوارِدِ فيها، ففِيما عَداها يَبقى على الأصلِ (١). إلَّا أنَّ المالِكيةَ في المَشهورِ والحَنابلةَ في رِوايةٍ قالُوا بفَسادِ النِّكاحِ إذا كانَ الصَّداقُ ممَّا لا يَجوزُ تَملُّكُه كالخَمرِ والخِنزيرِ والحُرِّ -كما تَقدَّمَ مُفصَّلًا-، إلَّا أنهُم قالُوا: إنِ اطُّلِعَ على ذلكَ قبْلَ الدُّخولِ فُسخَ النِّكاحُ ولا شيءَ لها، وإنِ اطُّلِعَ على ذلكَ بعْدَ البناءِ فلَها صَداقُ المِثلِ (٢).

стр. 9556

فلا خِلافَ عِنْدَ الجَميعِ أنهُ يَجبُ مَهرُ المِثلِ إذا دخَلَ بها، وإنَّما اختَلفُوا إذا طلَّقَ قبْلَ الدُّخولِ كما تَقدَّمَ. ج- فَسادُ النِّكاحِ: ذهَبَ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ إلى أنَّ النَّكاحَ إذا كانَ فاسِدًا كنِكاحِ المُتعةِ أو الشِّغارِ أو لعَدمِ وُجودِ وَليٍّ أو شُهودٍ أو لأيِّ سَببٍ آخَرَ وفُسِخَ قبْلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها مُطلَقًا. وذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنهُ إذا دخَلَ بها في النِّكاحِ الفاسِدِ وجَبَ لها المَهرُ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجبُ المَهرُ للمَنكوحةِ نِكاحًا صَحيحًا والمَوطوءةِ في نِكاحٍ فاسِدٍ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه (١). إلَّا أنَّهمُ اختَلفُوا هل يَجبُ مَهرُ المِثلِ؟ أم يَجبُ المُسمَّى إنْ كانَ؟ وهل مَهرُ المِثلِ يَكونُ بالِغًا ما بلَغَ؟ أم بشَرطِ أنْ لا يَزيدَ عنِ المُسمَّى؟ قالَ الحَنفيَّةُ: التَّسميةُ لا تَصحُّ في النِّكاحِ الفاسِدِ، حتَّى لا يَلزمُ المُسمَّى؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بنِكاحٍ، إلَّا أنهُ إذا وُجدَ الدُّخولُ يَجبُ مَهرُ المِثلِ، لكنْ بالوَطءِ لا بالعَقدِ (٢).

стр. 9557

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا النِّكاحُ الفاسِدُ فلا حُكمَ لهُ قبْلَ الدُّخولِ، وأمَّا بعْدَ الدُّخولِ فيَتعلَّقُ بهِ أحكامٌ: مِنها ثُبوتُ النَّسبِ، ومِنها وُجوبُ العِدَّةِ، وهوَ حُكمُ الدُّخولِ في الحَقيقةِ. ومِنها وُجوبُ المَهرِ، والأصلُ فيهِ أنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ ليسَ بنِكاحٍ حَقيقةً؛ لانعِدامِ مَحلِّهِ -أعني محَلَّ حُكمِه- وهوَ المِلكُ؛ لأنَّ المِلكَ يَثبتُ في المَنافعِ، ومَنافعُ البُضعِ مُلحَقةٌ بالأجزاءِ، والحُرُّ بجَميعِ أجزائِهِ ليسَ مَحَلًّا للمِلكِ؛ لأنَّ الحُرِّيةَ خُلوصٌ، والمِلكُ يُنافي الخُلوصَ، ولأنَّ المِلكَ في الآدَميِّ لا يَثبتُ إلَّا بالرِّقِّ، والحُرِّيةُ تُنافي الرِّقَّ، إلَّا أنَّ الشَّرعَ أسقَطَ اعتِبارَ المُنافي في النِّكاحِ الصَّحيحِ؛ لحاجَةِ النَّاسِ إلى ذلكَ، وفي النِّكاحِ الفاسِدِ بعْدَ الدُّخولِ؛ لحاجَةِ النَّاكِحِ إلى دَرءِ الحَدِّ وصِيانةِ مائِهِ عنِ الضَّياعِ بثَباتِ النَّسبِ ووُجوب العدَّةِ، وصيانةُ البُضعِ المُحتَرَمِ عنِ الاستِعمالِ مِنْ غَيرِ غَرامةٍ ولا عُقوبةٍ تُوجِبُ المَهرَ، فجُعلَ مُنعقِدًا في حَقِّ المَنافعِ المُستَوفاةِ لهذهِ الضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ قبْلَ استِيفاءِ المَنافعِ وهو ما قبْلَ الدُّخولِ، فلا يُجعَلُ مُنعقِدًا قبْلَه. ثمَّ الدَّليلُ على وُجوبِ مَهرِ المِثلِ بعْدَ الدُّخولِ ما رُويَ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ: «أيُّما امرَأةٍ أَنكَحَتْ نفْسَها بغَيرِ إذنِ مَواليها فنِكاحُها باطِلٌ، فإنْ دخَلَ بها فلَها مَهرُ مِثلِها» (١)، جعَلَ ﷺ لها مَهرَ المِثلِ فيما لهُ حُكمُ النِّكاحِ الفاسِدِ وعَلَّقَه بالدُّخولِ، فدَلَّ أنَّ وُجوبَه مُتعلِّقٌ بهِ، ثمَّ اختُلفَ في تَقديرِ هذا المَهرِ وهوَ المُسمَّى بالعُقْرِ:

стр. 9558

قالَ أصحابُنا الثَّلاثةُ: يَجبُ الأقلُّ مِنْ مَهرِ مِثلِها ومِن المُسمَّى. وقالَ زُفرُ: يَجبُ مَهرُ المِثلِ بالِغًا ما بلَغَ، وكذا هذا الخِلافُ في الإجارةِ الفاسِدَةِ. وَجهُ قَولِ زُفرَ: أنَّ المَنافِعَ تَتقوَّمُ بالعَقدِ الصَّحيحِ والفاسِدِ جَميعًا كالأَعيانِ، فيَلزمُ إظهارُ أثَرِ التَّقوُّمِ، وذلكَ بإيجابِ مَهرِ المِثلِ بالِغًا ما بلَغَ؛ لأنَّه قِيمةُ مَنافعِ البُضعِ، وإنَّما العُدولُ إلى المُسمَّى عِنْدَ صحَّةِ التَّسميةِ، ولَم تَصحَّ، لهذا المَعنَى أَوجَبْنا كَمالَ القيمةِ في العَقدِ الفاسِدِ، كذا ههُنا. ولنا: أنَّ العاقدَينِ ما قَوَّمَا المَنافعَ بأكثَرَ مِنْ المُسمَّى، فلا تَتقوَّمُ بأكثَرَ مِنْ المُسمَّى، فحَصلَتِ الزِّيادةُ مُستَوفاةً مِنْ غيرِ عَقدٍ، فلَم تكنْ لها قِيمةٌ، إلَّا أنَّ مَهرَ المِثلِ إذا كانَ أقَلَّ مِنَ المُسمَّى لا يَبلُغُ بهِ المُسمَّى؛ لأنها رَضيَتْ بذلكَ القَدْرِ لرِضاها بمَهرِ مِثلِها (١). وقالَ المالِكيةُ: النِّكاحُ الفاسِدُ -ولا يكونُ فَسادُه إلَّا لعَقدِه، أو لعَقدِه وصَداقِه مَعًا- سواءٌ كانَ مُتَّفَقًا على فَسادِه أو مُختلَفًا فيهِ: إمَّا أنْ يُفسَخَ قبْلَ البِناءِ أو يُفسخَ بعْدَه، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ يكونَ هُناكَ مُسمَّى أو لا يكونُ. فإنْ فُسخَ بعْدَ البِناءِ وكانَ هُناكَ مُسمًّى صَحيحٌ فالمُسمَّى واجِبٌ للمَرأةِ إنْ كانَ حَلالًا. وإنْ لم يَكنْ فيهِ مُسمًّى كصَريحِ الشِّغارِ أو كانَ المُسمَّى حَرامًا كخَمرٍ فيَجبُ عليهِ صَداقُ المِثلِ باعتِبار يَومِ الوَطءِ؛ لأنهُ يَومُ الاستِيفاءِ، لا يَوم العَقدِ.

стр. 9559

وإنْ فُسخَ قبْلَ البناءِ سقَطَ كلٌّ مِنَ المُسمَّى وصَداقِ المِثلِ ولو مُختلَفًا فيهِ، فكُلُّ نِكاحٍ فُسخَ قبْلَ الدُّخولِ فلا شيءَ فيهِ، كانَ مُتَّفَقًا على فَسادِه أو مُختلَفًا فيهِ، كانَ الفَسادُ لعَقدِه أو لصَداقِه أو لهُمَا، فليسَ الفَسخُ قبْلَ الدُّخولِ مِثلَ الطَّلاقِ قبْلَ البناءِ في النِّكاحِ الصَّحيحِ. وكذا بالمَوتِ قبْلَ الدُّخولِ إنْ فسَدَ لصَداقِه مُطلَقًا، سواءٌ كانَ مُتَّفَقًا على الفَسادِ بهِ كالخَمرِ، أو مُختلَفًا فيهِ كالآبِقِ، أو فسَدَ لعَقدِهِ واتُّفقَ عليهِ كنِكاحِ المُتعةِ ونِكاحِ المَرأةِ على عمَّتِها أو خالَتِها، أو اختُلفَ فيهِ وأثَّرَ خَلَلًا في الصَّداقِ كالمُحلِّلِ أو على حُرِّيةِ ولَدِ الأمَةِ أو على أنْ لا ميراثَ بيْنَهما. فإنْ كانَ مُختلَفًا فيهِ ولَم يُؤثِّرْ فيهِ كنِكاحِ المُحرِمِ ففيهِ الصَّداقُ (١). وقالَ الشَّافِعيةُ: الوَطءُ في النِّكاحِ الفاسِد يُوجِبُ مَهرَ المِثلِ باعتِبارِ يَومِ الوَطءِ كالوَطءِ بالشُّبهةِ، ولا يُعتبَرُ يَومَ العَقدِ؛ إذْ لا حُرمةَ للعَقدِ الفاسِدِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: إذا افتَرَقا في النِّكاحِ الفاسِدِ المُختلَفِ فيهِ قبْلَ الدُّخولِ والخَلوةِ بطَلاقٍ أو مَوتٍ أو غَيرِهما كاختِلافِ دِينٍ ورَضاعٍ فلا مَهرَ ولا مُتعةَ، سواءٌ طلَّقَها أو ماتَ عنها؛ لأنَّ العَقدَ الفاسِدَ وُجودُه كعَدمِه. وإنِ افتَرَقا بعْدَ الدُّخولِ في النِّكاحِ الفاسِدِ أو الخَلوةِ أو ما يُقرِّرُ الصَّداقَ

стр. 9560

يَجبُ المُسمَّى لها في العَقدِ؛ قِياسًا على الصَّحيحِ، وفي بَعضِ ألفاظِ حَديثِ عائِشةَ قالَتْ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أيُّما امرَأةٍ نُكحَتْ بغَيرِ إذنِ وليِّها فنِكاحُها باطِلٌ مَرَّتَينِ، ولها ما أَعطاها بما أَصابَ» (١). ويَجبُ مَهرُ المِثلِ لمَن وُطِئَتْ في نِكاحٍ باطِلٍ مُجمَعٍ على بُطلانِه كنِكاحِ خامِسةٍ أو مُعتدَّةٍ، ولو كانَ الوَطءُ مِنْ مَجنونٍ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجبُ لها بالخَلوةِ شيءٌ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَ لها المَهرَ بما استَحلَّ مِنْ فَرجِها، يَعني أصابَها أو لَم يُصِبْها، والمَنصوصُ عَنْ أحمَدَ أنَّ المَّهرَ يَستقرُّ بالخَلوةِ قِياسًا على العَقدِ الصَّحيحِ، وبِناءً على أنَّ الواجِبَ المُسمَّى بالعَقدِ، وقَد ذَكَرْنا ذلكَ. فَصلٌ: ولا حَدَّ في الوَطءِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، سَواءٌ اعتَقدَا حِلَّهُ أو حُرمتَه، وعَن أحمَدَ ما يَدلُّ على أنهُ يَجبُ بالوَطءِ في النِّكاحِ بلا وَليٍّ إذا اعتَقدَا حُرمَتَه، وهوَ اختيارُ الصَّيْرَفِيِّ مِنْ أصحابِ الشَّافعيِّ؛ لِمَا رَوى الدَّارَقُطنيُّ بإسنادِهِ عَنْ أبي هُرَيرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُزوِّجُ المَرأةُ المَرأةَ، ولا تُزوِّجُ المَرأةُ نفْسَها، إنَّ الزَّانيَةَ هيَ الَّتي تُزوِّجُ نفْسَها»، وبإسنادِهِ
следующие страницы →