← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

فلا خِلافَ عِنْدَ الجَميعِ أنهُ يَجبُ مَهرُ المِثلِ إذا دخَلَ بها، وإنَّما اختَلفُوا إذا طلَّقَ قبْلَ الدُّخولِ كما تَقدَّمَ. ج- فَسادُ النِّكاحِ: ذهَبَ عامَّةُ فُقهاءِ المَذاهبِ إلى أنَّ النَّكاحَ إذا كانَ فاسِدًا كنِكاحِ المُتعةِ أو الشِّغارِ أو لعَدمِ وُجودِ وَليٍّ أو شُهودٍ أو لأيِّ سَببٍ آخَرَ وفُسِخَ قبْلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها مُطلَقًا. وذهَبَ عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنهُ إذا دخَلَ بها في النِّكاحِ الفاسِدِ وجَبَ لها المَهرُ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجبُ المَهرُ للمَنكوحةِ نِكاحًا صَحيحًا والمَوطوءةِ في نِكاحٍ فاسِدٍ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه (١). إلَّا أنَّهمُ اختَلفُوا هل يَجبُ مَهرُ المِثلِ؟ أم يَجبُ المُسمَّى إنْ كانَ؟ وهل مَهرُ المِثلِ يَكونُ بالِغًا ما بلَغَ؟ أم بشَرطِ أنْ لا يَزيدَ عنِ المُسمَّى؟ قالَ الحَنفيَّةُ: التَّسميةُ لا تَصحُّ في النِّكاحِ الفاسِدِ، حتَّى لا يَلزمُ المُسمَّى؛ لأنَّ ذلكَ ليسَ بنِكاحٍ، إلَّا أنهُ إذا وُجدَ الدُّخولُ يَجبُ مَهرُ المِثلِ، لكنْ بالوَطءِ لا بالعَقدِ (٢).

стр. 9557

قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا النِّكاحُ الفاسِدُ فلا حُكمَ لهُ قبْلَ الدُّخولِ، وأمَّا بعْدَ الدُّخولِ فيَتعلَّقُ بهِ أحكامٌ: مِنها ثُبوتُ النَّسبِ، ومِنها وُجوبُ العِدَّةِ، وهوَ حُكمُ الدُّخولِ في الحَقيقةِ. ومِنها وُجوبُ المَهرِ، والأصلُ فيهِ أنَّ النِّكاحَ الفاسِدَ ليسَ بنِكاحٍ حَقيقةً؛ لانعِدامِ مَحلِّهِ -أعني محَلَّ حُكمِه- وهوَ المِلكُ؛ لأنَّ المِلكَ يَثبتُ في المَنافعِ، ومَنافعُ البُضعِ مُلحَقةٌ بالأجزاءِ، والحُرُّ بجَميعِ أجزائِهِ ليسَ مَحَلًّا للمِلكِ؛ لأنَّ الحُرِّيةَ خُلوصٌ، والمِلكُ يُنافي الخُلوصَ، ولأنَّ المِلكَ في الآدَميِّ لا يَثبتُ إلَّا بالرِّقِّ، والحُرِّيةُ تُنافي الرِّقَّ، إلَّا أنَّ الشَّرعَ أسقَطَ اعتِبارَ المُنافي في النِّكاحِ الصَّحيحِ؛ لحاجَةِ النَّاسِ إلى ذلكَ، وفي النِّكاحِ الفاسِدِ بعْدَ الدُّخولِ؛ لحاجَةِ النَّاكِحِ إلى دَرءِ الحَدِّ وصِيانةِ مائِهِ عنِ الضَّياعِ بثَباتِ النَّسبِ ووُجوب العدَّةِ، وصيانةُ البُضعِ المُحتَرَمِ عنِ الاستِعمالِ مِنْ غَيرِ غَرامةٍ ولا عُقوبةٍ تُوجِبُ المَهرَ، فجُعلَ مُنعقِدًا في حَقِّ المَنافعِ المُستَوفاةِ لهذهِ الضَّرورةِ، ولا ضَرورةَ قبْلَ استِيفاءِ المَنافعِ وهو ما قبْلَ الدُّخولِ، فلا يُجعَلُ مُنعقِدًا قبْلَه. ثمَّ الدَّليلُ على وُجوبِ مَهرِ المِثلِ بعْدَ الدُّخولِ ما رُويَ عَنْ رَسولِ اللهِ ﷺ أنهُ قالَ: «أيُّما امرَأةٍ أَنكَحَتْ نفْسَها بغَيرِ إذنِ مَواليها فنِكاحُها باطِلٌ، فإنْ دخَلَ بها فلَها مَهرُ مِثلِها» (١)، جعَلَ ﷺ لها مَهرَ المِثلِ فيما لهُ حُكمُ النِّكاحِ الفاسِدِ وعَلَّقَه بالدُّخولِ، فدَلَّ أنَّ وُجوبَه مُتعلِّقٌ بهِ، ثمَّ اختُلفَ في تَقديرِ هذا المَهرِ وهوَ المُسمَّى بالعُقْرِ:

стр. 9558

قالَ أصحابُنا الثَّلاثةُ: يَجبُ الأقلُّ مِنْ مَهرِ مِثلِها ومِن المُسمَّى. وقالَ زُفرُ: يَجبُ مَهرُ المِثلِ بالِغًا ما بلَغَ، وكذا هذا الخِلافُ في الإجارةِ الفاسِدَةِ. وَجهُ قَولِ زُفرَ: أنَّ المَنافِعَ تَتقوَّمُ بالعَقدِ الصَّحيحِ والفاسِدِ جَميعًا كالأَعيانِ، فيَلزمُ إظهارُ أثَرِ التَّقوُّمِ، وذلكَ بإيجابِ مَهرِ المِثلِ بالِغًا ما بلَغَ؛ لأنَّه قِيمةُ مَنافعِ البُضعِ، وإنَّما العُدولُ إلى المُسمَّى عِنْدَ صحَّةِ التَّسميةِ، ولَم تَصحَّ، لهذا المَعنَى أَوجَبْنا كَمالَ القيمةِ في العَقدِ الفاسِدِ، كذا ههُنا. ولنا: أنَّ العاقدَينِ ما قَوَّمَا المَنافعَ بأكثَرَ مِنْ المُسمَّى، فلا تَتقوَّمُ بأكثَرَ مِنْ المُسمَّى، فحَصلَتِ الزِّيادةُ مُستَوفاةً مِنْ غيرِ عَقدٍ، فلَم تكنْ لها قِيمةٌ، إلَّا أنَّ مَهرَ المِثلِ إذا كانَ أقَلَّ مِنَ المُسمَّى لا يَبلُغُ بهِ المُسمَّى؛ لأنها رَضيَتْ بذلكَ القَدْرِ لرِضاها بمَهرِ مِثلِها (١). وقالَ المالِكيةُ: النِّكاحُ الفاسِدُ -ولا يكونُ فَسادُه إلَّا لعَقدِه، أو لعَقدِه وصَداقِه مَعًا- سواءٌ كانَ مُتَّفَقًا على فَسادِه أو مُختلَفًا فيهِ: إمَّا أنْ يُفسَخَ قبْلَ البِناءِ أو يُفسخَ بعْدَه، وفي كُلٍّ: إمَّا أنْ يكونَ هُناكَ مُسمَّى أو لا يكونُ. فإنْ فُسخَ بعْدَ البِناءِ وكانَ هُناكَ مُسمًّى صَحيحٌ فالمُسمَّى واجِبٌ للمَرأةِ إنْ كانَ حَلالًا. وإنْ لم يَكنْ فيهِ مُسمًّى كصَريحِ الشِّغارِ أو كانَ المُسمَّى حَرامًا كخَمرٍ فيَجبُ عليهِ صَداقُ المِثلِ باعتِبار يَومِ الوَطءِ؛ لأنهُ يَومُ الاستِيفاءِ، لا يَوم العَقدِ.

стр. 9559

وإنْ فُسخَ قبْلَ البناءِ سقَطَ كلٌّ مِنَ المُسمَّى وصَداقِ المِثلِ ولو مُختلَفًا فيهِ، فكُلُّ نِكاحٍ فُسخَ قبْلَ الدُّخولِ فلا شيءَ فيهِ، كانَ مُتَّفَقًا على فَسادِه أو مُختلَفًا فيهِ، كانَ الفَسادُ لعَقدِه أو لصَداقِه أو لهُمَا، فليسَ الفَسخُ قبْلَ الدُّخولِ مِثلَ الطَّلاقِ قبْلَ البناءِ في النِّكاحِ الصَّحيحِ. وكذا بالمَوتِ قبْلَ الدُّخولِ إنْ فسَدَ لصَداقِه مُطلَقًا، سواءٌ كانَ مُتَّفَقًا على الفَسادِ بهِ كالخَمرِ، أو مُختلَفًا فيهِ كالآبِقِ، أو فسَدَ لعَقدِهِ واتُّفقَ عليهِ كنِكاحِ المُتعةِ ونِكاحِ المَرأةِ على عمَّتِها أو خالَتِها، أو اختُلفَ فيهِ وأثَّرَ خَلَلًا في الصَّداقِ كالمُحلِّلِ أو على حُرِّيةِ ولَدِ الأمَةِ أو على أنْ لا ميراثَ بيْنَهما. فإنْ كانَ مُختلَفًا فيهِ ولَم يُؤثِّرْ فيهِ كنِكاحِ المُحرِمِ ففيهِ الصَّداقُ (١). وقالَ الشَّافِعيةُ: الوَطءُ في النِّكاحِ الفاسِد يُوجِبُ مَهرَ المِثلِ باعتِبارِ يَومِ الوَطءِ كالوَطءِ بالشُّبهةِ، ولا يُعتبَرُ يَومَ العَقدِ؛ إذْ لا حُرمةَ للعَقدِ الفاسِدِ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: إذا افتَرَقا في النِّكاحِ الفاسِدِ المُختلَفِ فيهِ قبْلَ الدُّخولِ والخَلوةِ بطَلاقٍ أو مَوتٍ أو غَيرِهما كاختِلافِ دِينٍ ورَضاعٍ فلا مَهرَ ولا مُتعةَ، سواءٌ طلَّقَها أو ماتَ عنها؛ لأنَّ العَقدَ الفاسِدَ وُجودُه كعَدمِه. وإنِ افتَرَقا بعْدَ الدُّخولِ في النِّكاحِ الفاسِدِ أو الخَلوةِ أو ما يُقرِّرُ الصَّداقَ

стр. 9560

يَجبُ المُسمَّى لها في العَقدِ؛ قِياسًا على الصَّحيحِ، وفي بَعضِ ألفاظِ حَديثِ عائِشةَ قالَتْ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أيُّما امرَأةٍ نُكحَتْ بغَيرِ إذنِ وليِّها فنِكاحُها باطِلٌ مَرَّتَينِ، ولها ما أَعطاها بما أَصابَ» (١). ويَجبُ مَهرُ المِثلِ لمَن وُطِئَتْ في نِكاحٍ باطِلٍ مُجمَعٍ على بُطلانِه كنِكاحِ خامِسةٍ أو مُعتدَّةٍ، ولو كانَ الوَطءُ مِنْ مَجنونٍ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجبُ لها بالخَلوةِ شيءٌ في قَولِ أكثرِ أهلِ العِلمِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَلَ لها المَهرَ بما استَحلَّ مِنْ فَرجِها، يَعني أصابَها أو لَم يُصِبْها، والمَنصوصُ عَنْ أحمَدَ أنَّ المَّهرَ يَستقرُّ بالخَلوةِ قِياسًا على العَقدِ الصَّحيحِ، وبِناءً على أنَّ الواجِبَ المُسمَّى بالعَقدِ، وقَد ذَكَرْنا ذلكَ. فَصلٌ: ولا حَدَّ في الوَطءِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، سَواءٌ اعتَقدَا حِلَّهُ أو حُرمتَه، وعَن أحمَدَ ما يَدلُّ على أنهُ يَجبُ بالوَطءِ في النِّكاحِ بلا وَليٍّ إذا اعتَقدَا حُرمَتَه، وهوَ اختيارُ الصَّيْرَفِيِّ مِنْ أصحابِ الشَّافعيِّ؛ لِمَا رَوى الدَّارَقُطنيُّ بإسنادِهِ عَنْ أبي هُرَيرةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تُزوِّجُ المَرأةُ المَرأةَ، ولا تُزوِّجُ المَرأةُ نفْسَها، إنَّ الزَّانيَةَ هيَ الَّتي تُزوِّجُ نفْسَها»، وبإسنادِهِ

стр. 9561

عَنِ الشَّعبيِّ قالَ: ما كانَ أحَدٌ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ أشَدَّ في النِّكاحِ بغَيرِ وَلِيٍّ مِنْ عَليٍّ ﵁، كانَ يَضرِبُ فيهِ. ورَوى الشَّالَنْجيُّ بإسنادِهِ عَنْ عِكرِمةَ بنِ خالِدٍ أنَّ الطَّريقَ جَمَعَتْ رَكْبًا فيهِ امرأةٌ ثَيِّبٌ، فخطَبَها رَجلٌ، فأنكَحَها رَجلٌ وهوَ غَيرُ وَليٍّ بصَداقٍ وشُهودٍ، فلمَّا قَدِمُوا على عُمرَ ﵁ رُفِعَ إليهِ أمرُهُما، ففرَّقَ بيْنَهما وجلَدَ النَّاكحَ والمُنكِحَ. ولَنا: أنَّ هذا مُختلَفٌ في إباحَتِه، فَلم يَجبْ بهِ الحَدُّ كالنِّكاحِ بغَيرِ شُهودٍ، ولأنَّ الحَدَّ يُدرَأُ بالشُّبُهاتِ، والاختِلافُ فيهِ أَقوى الشُّبهاتِ، وتَسميتُها زانيَةً يَجوزُ بدَليلِ أنهُ سَمَّاها بذلكَ بمُجرَّدِ العَقدِ، وعُمَرُ جلَدَهما أَدَبًا وتَعزيرًا، ولذلكَ جلَدَ المُنكِحَ ولَم يَجلِدِ المَرأةَ، وجَلَدَهما بمُجرَّدِ العَقدِ معَ اعتِقادِهما حِلَّه، وكذلكَ حَديثُ عليٍّ، علَى أنَّ حَديثَ عليٍّ حُجَّةٌ على مَنْ أوجَبَ الحَدَّ فيهِ؛ فإنَّ عَليًّا أشَدُّ الناسِ فيهِ، وقدِ انتَهى الأمرُ إلى الجَلدِ، فدَلَّ على أنَّ سائِرَ النَّاسِ والصَّحابةِ لَم يَرَوْا فيهِ جَلدًا. فإنْ قيلَ: فَقد أوجَبْتُم الحَدَّ على شارِبِ النَّبيذِ معَ الاختِلافِ فيهِ. قُلنا: هوَ مُفارِقٌ لمَسألَتِنا، بدَليلِ أنَّا نَحُدُّ مَنْ اعتَقدَ حِلَّه، ولأنَّ يَسيرَ النَّبيذِ يَدعو إلى كَثرةِ المُتَّفَقِ على تَحريمِه، وهذا المُختَلفُ فيهِ يُغنِي عنِ الزِّنَى المُجمَعِ على تَحريمِه، فافتَرَقا. فإذا ثبَتَ هذا فإنَّ مَنْ اعتَقدَ حِلَّهُ ليسَ عليهِ إثمٌ ولا أدَبٌ؛ لأنهُ مِنْ

стр. 9562

مَسائلِ الفُروعِ المُختلَفِ فيها، ومَن اعتَقدَ حُرمتَه أَثِمَ وأُدِّبَ، وإنْ أتَتْ بوَلَدٍ منهُ لَحِقَه نَسبُه في الحالَينِ. فَصلٌ: فأمَّا الأنكِحةُ الباطِلةُ كنِكاحِ المَرأةِ المُزوَّجةِ أو المُعتدَّةِ أو شَبَهِه، فإذا عَلِمَا الحِلَّ والتَّحريمَ فهُمَا زَانيانِ وعلَيهما الحَدُّ، ولا يَلحقُ النَّسبُ فيهِ (١). د- المَوطوءةُ بشُبهَةٍ: لا خِلافَ بيْنَ فُقهاءِ المُسلمِينَ على أنَّ المَوطوءةَ بشُبهةٍ يَجبُ لَها المَهرُ، كمَن وَطئَ امرَأةً يَظنُّها زَوجتَه، أو أمَةً يَظنُّها مِلكَه. قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقَد أجمَعُوا أنَّ المَوطوءةَ بشُبهةٍ يَجبُ لها المَهرُ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجبُ المَهرُ للمَنكوحةِ نِكاحًا صَحيحًا والمَوطوءةِ في نِكاحٍ فاسِدٍ والمَوطوءةِ بشُبهةٍ بغَيرِ خِلافٍ نَعلمُه (٣). والواجِبُ هو مَهرُ المِثلِ عِنْدَ عامَّةِ الفُقهاءِ. قالَ في «الشَّرْح الكَبير»: المَوطوءةُ بشُبهةٍ يَجبُ لها مَهرُ المِثلِ بغَيرِ خِلافٍ عَلِمناه (٤).

стр. 9563

وقالَ البُهوتِيُّ ﵀: ويَجبُ مَهرُ المِثلِ للمَوطوءةِ بشُبهةٍ، كمَن وَطئَ امرأةً ليسَتْ زَوجةً لهُ ولا مَملوكةً، قالَ في «الشَّرْح» و «المُبدِع»: بغَيرِ خِلافٍ عَلِمناهُ كبَدلِ مُتلَفٍ (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه إذا وَطئَ مِرارًا بشُبهةٍ واحدَةٍ أو في نِكاحٍ فاسِدٍ واتَّحدَتِ الشُّبهةُ وجَبَ مَهرٌ واحِدٌ؛ لأنَّ ذلكَ بمَنزلةِ إتلافٍ واحِدٍ، ولا يَتعدَّدُ المَهرُ أيضًا بتَعدُّدِ الوَطءِ في نِكاحٍ فاسِدٍ؛ لدُخولِها على أنْ تَستحِقَّ مَهرًا واحِدًا. وأمَّا إنْ تَعدَّدَتِ الشُّبهةُ بأنْ وَطئَ بِشُبهةٍ ثمَّ زالَتْ ثمَّ وَطئَ بشُبهةٍ أُخرى وجَبَ مَهرانِ (٢). قال المالِكيَّةُ: اتَّحدَ صَداقُ المِثلِ في وَطءِ الشُّبهةِ مِرارًا إنِ اتَّحدَتِ الشُّبهةُ، كالغالِطِ بأجنبيَّةٍ غَيرِ عالِمةٍ مِرارًا يَظنُّها زَوجتَه أو أمَتَه، مرَّةً أو أكثَرَ، كما لو كانَ لهُ أربعُ زَوجاتٍ ووَطئَ أجنبيَّةً حُرَّةً مَرَّةُ يَظنُّها زَوجتَه أمَّ كلثومٍ، وفي الثَّانيةِ يَظنُّها زَوجتَهُ عائِشةَ، وفي الثَّالثةِ يَظنُّها زَوجتَه فاطمةَ، وفي الرَّابعةِ يَظنُّها زَوجتَه زينبَ، فلا يَتعدَّدُ؛ لأنهُ نَوعٌ واحِدٌ؛ لأنَّ ما كانَ بالتَّزويجِ فهوَ نوعٌ ولو تَعدَّدَ المَحَلُّ.

стр. 9564

وهذا إذا كانَتْ غيْرَ عالِمةٍ بأنهُ أجنبيٌّ، بأنْ كانَتْ نائِمةً أو اعتَقدَتْ أنَّه زَوجُها، فإنَّ عليهِ مَهرًا واحِدًا، ولو كانَتْ عالِمةً حُدَّتْ ولا شيءَ لها، كانَ هوَ غالِطًا أو عالِمًا؛ لأنَّها زانيةٌ. وإنْ لم تَتَّحدِ الشُّبهةُ بل تَعدَّدَتْ فإنَّه يَلزمُه لِكلِّ وَطءٍ صَداقٌ، كما إذا ظَنَّها في المَرَّةِ الأُولَى زَوجَتَه وفي الثَّانيةِ أمَتَه، فيَتعدَّدُ المَهرُ عليهِ بتَعدُّدِ الظُّنونِ (١). وقالَ الشَّافِعيةُ: لا يَتعدَّدُ المَهرُ بتَعدُّدِ الوَطءِ في شُبهةٍ واحِدةٍ، فإذا وَطئَ مِرارًا بشُبهةٍ واحِدةٍ أو في نِكاحٍ فاسِدٍ لم يَجبْ إلَّا مَهرٌ واحِدٌ. ولو وَطئَ بشُبهةٍ فزالَتْ تِلكَ الشُّبهةُ ثمَّ وَطئَ بشُبهةٍ أُخرى وجَبَ مَهرانِ، كأنْ وَطئَ امرأةً مرَّةً بنِكاحٍ فاسِدٍ ففُرِّقَ بيْنَهما، ثمَّ مرَّةً أُخرى بنِكاحٍ آخرَ فاسِدٍ، أو وَطئَها يَظنُّها زَوجَتَه ثمَّ عَلِمَ الواقِعَ ثمَّ ظنَّها مَرَّةً أُخرى زَوجَتَه فوَطئَها، أو وَطئَها مرَّةً يَظنُّها زَوجَتَه ومرَّةً أُخرى يَظنُّها زَوجَتَه الأُخرى، فيَتعدَّدُ المَهرُ؛ لتَعدُّدِ سَببِه، لكنْ يُعتبَرُ أكمَلُ الأحوالِ في الوَطآتِ؛ لأنهُ لو لَم يُوجَدْ إلَّا الوَطأةُ الواقِعةُ في تلكَ الحالَةِ لَوجَبَ ذلكَ المهرُ، فالوَطآتُ الباقيةُ إذا لم تَقْتَضِ زِيادةً لا تُوجِبُ نُقصانًا (٢).

стр. 9565

وقالَ الحَنابلةُ: لا يَتعدَّدُ المَهرُ بتَعدُّدِ وَطءٍ في شُبهةٍ واحِدةٍ، مثلَ أنِ اشتَبهَتِ المَوطوءةُ عليهِ بزَوجتِه ودامَتْ تلكَ الشُّبهةُ حتَّى وَطئَ مِرارًا، فعَليهِ مَهرٌ واحِدٌ؛ لأنَّ ذلكَ بمَنزلةِ إتلافٍ واحِدٍ. ولا يَتعدَّدُ المَهرُ أيضًا بتَعدُّدِ الوَطءِ في نِكاحٍ فاسِدٍ؛ لدُخولِها على أنْ تَستحِقَّ مَهرًا واحِدًا. ويَتعدَّدُ المَهرُ في وَطءِ شُبهةٍ بتَعدُّدِ الشُّبهةِ، كأنْ وَطئَها ظانًّا أنَّها زَوجَتُه خَديجة، ثمَّ وَطئَها ظانًّا أنها زَوجتُه زَينب، ثمَّ وَطئَها ظانًّا أنها سَرِيَّتُه، فيَجبُ لها ثلاثةُ مُهورٍ، فإنِ اتَّحدَتِ الشُّبهةُ وتَعدَّدَ الوَطءُ فمَهرٌ واحِدٌ. ولا مَهرَ بوَطئِها -أي المُشتبِهةُ- في دُبُرٍ، ولا في اللِّواطِ بالذَّكَرِ؛ لأنهُ غَيرُ مَضمونٍ على أحَدٍ؛ لأنَّ الشَّرعَ لم يَرِدْ ببَدلِه، ولا هُو إتلافٌ لشيءٍ، فأشبَهَ القُبلةَ والوَطءَ دُونَ الفَرجِ (١). قالَ الإمامُ القَرَافِيُّ ﵀: لو اتَّحدَتِ الشُّبهةُ واختَلفَتْ أحوالُ المَوطوءةِ بالغِنى والفَقرِ والصحَّةِ والسَّقَمِ ممَّا يُوجِبُ اختِلافَ صَداقِ المِثلِ في تلكَ الأحوالِ فهلْ يُخيِّرُها في صَداقِ المِثلِ بيْنَ الوَطأةِ الأُولى أو الأخيرةِ أَوْ الوُسْطَى؛ لأنَّ ذلكَ قَدْ يَزيدُ لها في صَداقِها أو يُحتمُ عليها الحالةَ المُقارِنةَ للوَطأةِ الأُولى، ولَم أرَ فيهِ نَقلًا للأصحابِ، وظاهِرُ أقوالِهم تَعيينُ الحالةِ الأُولى كيفَ كانَتْ.

стр. 9566

وقالَ الشَّافعيةُ: تأخُذُ صَداقَ المِثلِ باعتِبارِ أفضلِ الحالاتِ، ويَسقطُ ما عَداها؛ لأنَّ الوَطآتِ كُلَّها مَنافِعُها، فلها الأخذُ بأيِّها أَحبَّتْ (١). هـ- المُكرَهةُ على الزِّنا: اختَلفَ الفُقهاءُ في المَرأةِ المُكرَهةِ على الزِّنا، هل يَجبُ لها مَهرُ المِثلِ أم لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَرأةَ المُكرَهةَ على الزِّنا يَجبُ لها مَهرُ المِثلِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «فلَها المَهرُ بما استَحلَّ مِنْ فَرْجِها»، فإنَّ المُكرِهَ مُستحِلٌّ لفرْجِها، فإنَّ الاستِحلالَ الفِعلُ في غَيرِ مَوضعِ الحِلِّ، كقَولِه ﵇: «ما آمَنَ بالقُرآنِ مَنِ استَحلَّ مَحارِمَه»، وهوَ حُجَّةٌ على مَنْ أوجَبَ الأرْشَ؛ لكَونِه أوجَبَ المَهرَ وحْدَه مِنْ غَيرِ أرْشٍ، ولأنهُ استَوفى ما يَجبُ بَدلُه بالشُّبهةِ، فوجَبَ بَدلُه كإتلافِ المالِ وأكْلِ طَعامِ الغَيرِ. وإذا تَعدَّدَ الوَطءُ وجَبَ بكلِّ وَطءٍ مَهرٌ؛ لأنَّ كلَّ وَطأةٍ لو كانَتْ بعْدَ عَقدٍ أوجَبَتْ مَهرَ المِثلِ، ولأنَّ الوُجوبَ هُنا بالإتلافِ وقَد تَعدَّدَ. قالَ الحَنابلةُ: لكنْ لو اتَّحَدَ الإكراهُ وتَعدَّدَ الوطءُ فالواجِبُ مَهرٌ واحِدٌ (٢).

стр. 9567

ونَصَّ الحَنابلةُ على أنهُ لا يَجِبُ المَهرُ بوَطئِها في دُبُرٍ؛ لأنهُ ليسَ مَحَلًّا للوَطءِ، ولا يَجبُ المَهرُ في لواطٍ؛ لأنهُ غَيرُ مَضمونٍ على أحَدٍ؛ لعَدمِ وُرودِ الشَّرعِ ببَدلِه ولا هو إتلافٌ لشَيءٍ، فأشبَهَ القُبلةَ والوَطءَ دُونَ الفَرجِ. وَلا يجبُ أرْشُ بَكارةٍ معَ المَهرِ؛ لأنَّ الأرْشَ يَدخلُ في مَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ يُعتبَرُ ببِكرٍ مِثلِها، فلا تَجبُ مَرَّةً أُخرَى، وسَواءٌ كانَتِ المُوطوءةُ أجنبيَّةً أو مِنْ ذَواتِ مَحارِمِه؛ لأنَّ ما ضُمِنَ للأجنبيِّ ضُمِنَ للقَريبِ كالمالِ. قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا فرْقَ بيْنَ كَونِ المَوطوءةِ أجنبيَّةً أو مِنْ ذَواتِ مَحارِمِه، وهوَ اختيارُ أبي بكرٍ، ومَذهبُ النَّخَعيِّ ومَكحولٍ وأبي حَنيفةَ والشَّافعيِّ. وعن أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّ ذَواتِ مَحارِمِه مِنَ النِّساءِ لا مَهرَ لهُنَّ، وهوَ قولُ الشَّعبيِّ؛ لأنَّ تَحريمَهنَّ تَحريمُ أصلٍ، فلا يُستحَقُّ به مَهرٌ كاللِّواطِ، وفارَقَ مَنْ حُرِّمَتْ تَحريمَ المُصاهَرةِ؛ فإنَّ تَحريمَها طارِئٌ، وكذلكَ يَنبغي أنْ يكونَ الحُكمُ فيمَن حُرِّمَتْ بالرَّضاعِ؛ لأنهُ طارِئٌ أيضًا. وعن أحمَدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّ مَنْ تَحرُمُ ابنَتُها لا مَهرَ لها، كالأُمِّ والبنتِ والأُختِ، ومَن تَحلُّ ابنَتُها كالعَمَّةِ والخالَةِ فلها المَهرُ؛ لأنَّ تَحريمَها أخَفُّ.

стр. 9568

ولنا: إنَّ ما ضُمِنَ للأجنَبيِّ ضُمِنَ للمُناسِبِ كالمالِ ومَهرِ الأمَة، ولأنهُ أتلَفَ مَنفعةَ بُضعِها بالوَطءِ، فلَزمَه مَهرُها كالأجنبيَّةِ، ولأنهُ مَحلٌّ مَضمونٌ على غَيرِه، فوجَبَ عليهِ ضَمانُه كالمالِ، وبهذا فارَقَ اللِّواطَ؛ فإنهُ ليسَ بمَضمونٍ على أحَدٍ. فَصلٌ: ولا يَجبُ المَهرُ بالوَطءِ في الدُّبرِ ولا اللِّواطِ؛ لأنَّ الشَّرعَ لم يَرِدْ ببَدلِه، ولا هو إتلافٌ لشَيءٍ، فأشبَهَ القُبلةَ والوَطءَ دُونَ الفَرجِ، ولا يَجبُ للمُطاوِعةِ على الزِّنى؛ لأنها باذِلةٌ لِما يَجبُ بَدَلُه لها، فلَم يَجبْ لها شيءٌ، كما لو أَذِنَتْ له في قَطعِ يَدِها فقطَعَها، إلَّا أنْ تكونَ أمَةً، فيكونُ المَهرُ لسَيِّدِها، ولا يَسقطُ ببَذلِها؛ لأنَّ الحَقَّ لغَيرِها، فأشبَهَ ما لو بَذلَتْ قطْعَ يَدِها … ومَن نِكاحُها باطِلٌ بالإجماعِ كالمُزوَّجةِ والمُعتدَّةِ إذا نكَحَها رَجلٌ فوَطئَها عالِمًا بالحالِ وتَحريمِ الوَطءِ وهيَ مُطاوِعةٌ عالِمةٌ فلا مَهرَ لها؛ لأنهُ زَنًى يُوجِبُ الحَدَّ وهيَ مُطاوِعةٌ عليهِ، وإنْ جَهلَتْ تَحريمَ ذلكَ أو كَوْنَها في العدَّةِ فالمَهرُ لها؛ لأنهُ وَطءُ شُبهةٍ. وقد رَوى أبو داوُدَ بإسنادِه أنَّ رَجلًا يُقالُ لهُ بَصرَةُ بنُ أكثَمَ نكَحَ امرأةً فولَدَتْ لأربَعةِ أشهرٍ، فجعَلَ النَّبيُّ ﷺ لها الصَّداقَ، وفي لفظٍ قالَ: «لها الصَّداقُ بما استَحللْتَ مِنْ فَرجِها، فإذا ولَدَتْ فاجلِدُوها»، ورَوى سَعيدٌ في سُننِهِ عَنْ عِمرانَ بنِ كَثيرٍ أنَّ عُبيدَ اللهِ بنَ الحُرِّ تَزوَّجَ جارِيةً مِنْ قَومِه يُقالُ لها الدَّرداءُ، فانطَلقَ عُبيدُ اللهِ فلَحِقَ بمُعاويةَ، وماتَ أبو الجارِيةُ،

стр. 9569

فزَوَّجَها أهلُها رَجلًا يُقالُ له عِكرِمة، فبلَغَ ذلكَ عُبيدَ اللهِ فقَدِمَ فخاصَمَهم إلى عليٍّ ﵁، فقَصُّوا عليهِ قِصَّتَهم، فرَدَّ عليهِ المرأةَ، وكانَتْ حامِلًا مِنْ عِكرِمةَ، فوَضعَتْ على يَدَي عَدلٍ، فقالَتِ المَرأةُ لعليٍّ: أنا أحَقُّ بمالي أو عُبيدُ اللهِ؟ قالَ: بلْ أنتِ أحَقُّ بِمالِكِ، قالَتْ: فاشهَدُوا أنَّ ما كانَ لي على عِكرِمةَ مِنْ صَداقٍ فهوَ لهُ، فلمَّا وَضعَتْ ما في بَطنِها رَدَّها على عُبيدِ اللهِ بنِ الحُرِّ، وألحَقَ الولَدَ بأبيهِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: واختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ الصَّداقِ على المُغتصِبِ، فقالَ مالكٌ واللَّيثُ والشَّافعيُّ: عليهِ الصَّداقُ والحَدُّ جَميعًا. وقالَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ وسُفيانُ الثَّوريُّ: عليهِ الحَدُّ ولا مَهرَ عليهِ، وهو قولُ ابنِ شُبرمةَ، لا يَجتمِعُ عِندَهم صَداقٌ وحَدٌّ. قالَ أبو عُمرَ: هذا على مَذاهبِهم في السَّارقِ، أنهُ إذا قُطِعَ لم يَجبْ عليهِ غُرمٌ. ومَسألةُ السَّارِقِ مُختلَفٌ فيها أيضًا. والصَّحيحُ في المَسألتَينِ وُجوبُ الصَّداقِ ووُجوبُ الغُرمِ؛ لأنَّ حَدَّ اللهِ

стр. 9570

تعالَى لا يَسقطُ بهِ حَقُ الآدَميِّ، وهُمَا حَقَّانِ واجِبانِ أوجَبَهما اللهُ تعالَى ورَسولُه، فلا يَضُرُّ اجتِماعُهما (١). وقالَ الإمامُ الماوَرْديُّ ﵀: قالَ الشَّافعيُّ: «وإنْ أكرَهَها على الزِّنا فعليهِ الحَدُّ دُونَها ومَهرُ مِثلِها» … فأمَّا المَهرُ فمُختلَفٌ في وُجوبِه، فمَذهبُ الشَّافعيِّ أنَّ عليهِ لها مَهر مِثلِها. وقالَ أبو حَنيفةَ: لا مَهرَ عليهِ؛ احتِجاجًا بنَهيِ رَسولِ اللهِ ﷺ عن مَهرِ البَغْي، رَواهُ بالتَّسكِينِ، والبَغيُ الزِّنا، وهذا زِنا. قالَ: ولأنهُ وَطءٌ وجَبَ بهِ الحَدُّ على الواطِئِ، فوجَبَ أنْ يَسقطَ عنهُ المَهرُ كالمُطاوِعةِ. قالَ: ولأنَّ الحَدَّ يَجبُ معَ انتِفاءِ الشُّبهةِ، والمَهرُ يَجبُ معَ وُجودِ الشُّبهةِ، فامتَنعَ اجتِماعُهما. ودَليلُنا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أيُّما امرَأةٍ نُكحَتْ بغَيرِ إذنِ وليِّها فنِكاحُها باطِلٌ، فإنْ مَسَّها فلها المَهرُ بما استَحلَّ مِنْ فَرْجِها»، وهذا مُستحِلٌّ لفَرجِها، فوجَبَ أنْ يَلزمَه مَهرُها. فإنْ قيلَ: إنِّما لَزمَه المَهرُ في العَقدِ الفاسِدِ. قيلَ: كُلُّ ما ضُمِنَ بالبَدلِ مِنَ العَقدِ الفاسِدِ ضُمِنَ بالغَصبِ والإكراهِ كالأموالِ؛ لأنهُ وَطءٌ في غَيرِ مِلكٍ، فإذا سقَطَ بهِ الحَدُّ عنِ المَوطوءةِ وجَبَ

стр. 9571

بهِ المَهرُ على الواطِئِ كالواطِئِ بالشُّبهةِ، ولأنهُ لمَّا وجَبَ المَهرُ للمَوطوءةِ بنِكاحٍ فاسِدٍ كانَ وُجوبُه للمُستكرَهةِ أَولَى مِنْ وَجهينِ: أحدُهُما: أنَّ المَنكوحةَ معَ عِلمِها عاصِيةٌ، والمُستكرَهةَ غَيرُ عاصِيةٌ. والثَّاني: أنَّ المَنكوحةَ مُمكِّنةٌ، والمُستكرَهةَ غَيرُ مُمكِّنةٍ. فأمَّا الجَوابُ عن نَهيِه عَنْ «مَهرِ البَغْيِ»: فالرِّوايةُ المَشهورةُ «البَغِيِّ» بالتَّشدِيدِ، يَعني الزَّانيةَ، وليسَتْ هذهِ الزَّانيةَ، ولا دَليلَ أيضًا لِمَنْ رَوى بالتَّخفيفِ، يَعني الزِّنا؛ لأنَّ هذا الوَطءَ زنًا في حَقِّ مَنْ حُدَّ، وليسَ بزِنًا في حَقِّ مَنْ لم يُحدَّ. وأمَّا قياسُهُم على المُطاوِعةِ فالمَعنى فيهِ وُجوبُ الحَدِّ عليها، وأمَّا استِحالةُ وُجودِ الشُّبهةِ وعَدمِها في الفِعلِ الواحِدِ فهوُ مُستحيلٌ في حَقِّ الواحِدِ، وليسَ بمُستحيلٍ في حَقِّ الاثنَينِ، كما لم يَستَحِلْ أنْ يَجبَ الحَدُّ على الواطِئِ ويَسقطَ الحَدُّ عنِ المَوطوءةِ. وجُملتُه: أنَّ الَّذي يَختصُّ بالرَّجلِ ثلاثةُ أحكامٍ: الحَدُّ والمَهرُ والنَّسبُ، وأمَّا النَّسبُ: فيُعتبَرُ بهِ شُبهةُ الواطِئِ دُونَ المَوطوءةِ، فإنْ كانَتْ لهُ شُبهةٌ لَحِقَ بهِ، وإنْ لم يكنْ لهُ شُبهةٌ لم يَلحقْ بهِ. وأمَّا المَهرُ: فيُعتبَرُ بهِ شُبهةُ المَوطوءةِ دُونَ الواطِئِ، فإنْ كانَ لها شُبهةٌ وجَبَ لها، وإنْ لم يكنْ لها شُبهةٌ لم يَجبْ. وأمَّا الحَدُّ: فيُعتبَرُ بهِ شُبهةُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، فإنْ كانَتْ لهُمَا شُبهةٌ سقَطَ

стр. 9572

الحَدُّ عنهُما، وإنْ لم يكن لهُمَا شُبهةٌ وجَبَ الحَدُّ عليهما، وإنْ كانَتْ لأحدِهِما شُبهةٌ دُونَ الآخَرِ وجَبَ على مَنِ انتَفَتْ عنهُ الشُّبهةُ وسقَطَ عمَّن لَحِقَتْ بهِ الشُّبهةُ (١). وذهَبَ الحَنفيَّةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ وهوَ اختِيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميةَ إلى أنَّ المُكرَهةَ على الزِّنا لا مَهرَ لها. قالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحَاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: إذا استَكرَه امرَأةً فزَنَى بها فعليهِ الحَدُّ ولا مَهرَ عَليهِ، وهوَ قولُ ابنِ شُبرمةَ والثَّوريِّ. وقالَ مالِكٌ واللَّيثُ والشَّافعيُّ: عليهِ الحَدُّ والمَهرُ جَميعًا. قالَ: لم يَختلِفُوا في الأمَةِ إذا طاوَعَتْ على الزِّنا، ولا مَهرَ لها، وكذلكَ الحُرَّةُ المُستكرَهةُ (٢). وقالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ولا يَجبُ المَهرُ للمُكرَهةِ على الزِّنا، وهوَ رِوايةٌ عَنْ أحمَدَ، ومَذهبُ أبي حَنيفةَ واختِيارُ أبي البَرَكاتِ، وذكَرَ أبو العبَّاسِ في مَوضِعٍ آخَرَ عَنْ أبي بكرٍ التَّفرقةَ، فأوجَبَه للبِكرِ دُونَ الثيِّبِ، ورَواهُ ابنُ مَنصورٍ عنِ الإمامِ أحمَدَ، لكنَّ الأمَةَ البِكرَ إذا وُطئَتْ مُكرَهةً أو شُبهةً أو مُطاوِعةً فلا يَنبغِي أنْ يُختلَفَ في وُجوبِ أرْشِ البَكارةِ، وهوَ ما نقَصَ مِنْ قيمتِها بالثُّيوبةِ (٣).

стр. 9573

وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ ﵀: ولا نِزاعَ بيْنَ الفُقهاءِ في أنَّ الحُرَّةَ البالِغةَ العاقِلةَ إذا مَكَّنَتْ رَجلًا مِنْ نَفسِها فزَنَى بها أنهُ لا مَهرَ لها، واختُلِفَ في مَسألتَينِ: إحداهُما: الحُرَّةُ المُكرَهةُ، والثَّانيةُ: الأمَةُ المُطاوِعةُ. فأمَّا الحُرَّةُ المُكرَهةُ على الزِّنى ففيها أربَعةُ أقوالٍ، وهيَ رِواياتٌ مَنصوصاتٌ عَنْ أحمَدَ. أحَدُها: أنَّ لها المَهرَ، بِكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا، سواءٌ وُطئَتْ في قُبُلِها أو دُبُرِها. والثَّاني: أنها إنْ كانَتْ ثيِّبًا فلا مَهرَ لها، وإنْ كانَتْ بِكرًا فلها المَهرُ، وهل يَجبُ معهُ أرْشُ البَكارةِ؟ على رِوايتَينِ مَنصوصتَينِ، وهذا القَولُ اختيارُ أبي بكرٍ. والثَّالثُ: أنها إنْ كانَتْ ذاتَ مَحرَمٍ فلا مَهرَ لها، وإنْ كانَتْ أجنبيَّةً فلها المَهرُ. والرَّابعُ: أنَّ مَنْ تَحرُمُ ابنَتُها كالأمِّ والبنتِ والأُختِ فلا مَهرَ لها، ومَن تَحلُّ ابنَتُها كالعمَّةِ والخالَةِ فلها المَهرُ. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: لا مَهرَ للمُكرَهةِ على الزِّنَى بحالٍ، بِكرًا كانَتْ أو ثيِّبًا. فمَن أوجَبَ المَهرَ قالَ: إنَّ استيفاءَ هذهِ المَنفعةِ جُعِلَ مُقوَّمًا في الشَّرعِ بالمَهرِ، وإنَّما لم يَجبْ للمُختارةِ؛ لأنها باذِلةٌ للمَنفعةِ الَّتي عِوضُها لها، فلَم يَجبْ لها شيءٌ، كما لو أذنَتْ في إتلافِ عُضوٍ مِنْ أعضائِها لمَن أتلَفَه.

стр. 9574

ومَن لَم يُوجِبْه قالَ: الشَّارعُ إنما جعَلَ هذهِ المَنفعةَ مُتقوِّمةً بالمَهرِ في عَقدٍ أو شُبهةِ عَقدٍ، ولم يُقوِّمْها بالمَهرِ في الزِّنَى ألبَتَّة، وقياسُ السِّفاحِ على النِّكاحِ مِنْ أفسَدِ القياسِ. قالُوا: وإنَّما جعَلَ الشَّارعُ في مُقابَلةِ هذا الاستِمتاعِ الحَدَّ والعُقوبةَ، فلا يُجمَعُ بيْنَه وبيْنَ ضَمانِ المَهرِ. قالُوا: والوُجوبُ إنَّما يُتلَقَّى مِنْ الشَّارعِ مِنْ نَصِّ خِطابِه أو عُمومِه أو فَحْواهُ أو تَنبيهِه أو مَعنَى نَصِّه، وليسَ شيءٌ مِنْ ذلكَ ثابِتًا مُتحقِّقًا عنهُ. وغايةُ ما يُدَّعَى قياسُ السِّفاحِ على النِّكاحِ، ويَا بُعْدَ ما بيْنَهما. قالُوا: والمَهرُ إنِّما هوَ مِنْ خَصائِصِ النِّكاحِ لفْظًا ومَعنًى، ولهذا إنَّما يُضافُ إليهِ فيُقالُ: مَهرُ النِّكاحِ، ولا يُضافُ إلى الزِّنَى، فلا يُقالُ: مَهرُ الزِّنا، وإنَّما أطلَقَ النَّبيُّ ﷺ المَهرَ وأرادَ بهِ العَقدَ، كما قالَ: «إنَّ اللهَ حَرَّمَ بيْعَ الخَمرِ والمَيتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ»، وكما قالَ: «ورَجلٌ باعَ حُرًّا فأكَلَ ثَمنَه»، ونَظائرُه كثيرةٌ. والأوَّلونَ يَقولونَ: الأصلُ في هذهِ المَنفعةِ أنْ تُقوَّمَ بالمَهرِ، وإنَّما أسقَطَه الشَّارعُ في حَقِّ البَغيِّ، وهي الَّتي تَزنِي باختيارِها، وأمَّا المُكرَهةُ على الزِّنى فليسَتْ بَغيًّا، فلا يَجوزُ إسقاطُ بَدلِ مَنفعتِها الَّتي أُكرَهَتْ على استيفائِها، كما لو أُكرِه الحُرُّ على استيفاءِ مَنافعِه، فإنهُ يَلزمُه عِوضُها، وعِوضُ هذهِ المَنفعةِ شَرعًا هوَ المَهرُ، فهذا مَأخَذُ القولَينِ.

стр. 9575

ومَن فرَّقَ بيْنَ البِكرِ والثيِّبِ رَأى أنَّ الواطِئَ لم يُذهِبْ على الثيِّبِ شيئًا، وحَسْبُه العُقوبةُ التي تَرتَّبَتْ على فِعلِه، وهذهِ المَعصيةُ لا يُقابِلُها شَرعًا مالٌ يَلزمُ مَنْ أقدَمَ عليها، بخِلافِ البِكرِ؛ فإنهُ أزالَ بَكارتَها، فلا بُدَّ مِنْ ضَمانِ ما أزالَه، فكانَتْ هذهِ الجِنايةُ مَضمونةً عليهِ في الجُملةِ، فضَمِنَ ما أتلَفَه مِنْ جُزءِ مَنفعةٍ، وكانَتِ المَنفعةُ تابِعةً للجُزءِ في الضَّمانِ كما كانَتْ تابِعةً لهُ في عَدمِه مِنَ البِكرِ المُطاوِعةِ. ومَن فرَّقَ بيْنَ ذَواتِ المَحارِمِ وغَيرِهنَّ رأَى أنَّ تَحريمَهنَّ لمَّا كانَ تَحريمًا مُستقِرًّا وأنهُنَّ غَيرُ مَحلِّ الوَطءِ شَرعًا كانَ استِيفاءُ هذهِ المَنفعةِ مِنهنَّ بمَنزلةِ التَّلوُّطِ، فلا يُوجِبُ مَهرًا، وهذا قولُ الشَّعبيِّ، وهذا بخِلافِ تَحريمِ المُصاهَرةِ؛ فإنهُ عارِضٌ يُمكِنُ زوالُه. قالَ صاحِبُ «المُغْنِي»: وهكذا يَنبغِي أنْ يَكونَ الحُكمُ فيمَن حَرُمَتْ بالرَّضاعِ؛ لأنهُ طارِئٌ أيضًا. ومَن فرَّقَ في ذَواتِ المَحارِمِ بيْنَ مَنْ تَحرُمُ ابنتُها وبيْنَ مَنْ لا تَحرُمُ فكأنهُ رَأى أنَّ مَنْ لا تَحرُمُ ابنَتُها تَحريمُها أخَفُّ مِنْ تَحريمِ الأُخرى، فأشبَهَ العارِضَ. فإنْ قيلَ: فما حُكمُ المُكرَهةِ على الوَطءِ في دُبُرِها، أو الأمَةِ المُطاوِعةِ على ذلكَ؟ قيلَ: هو أَولَى بعَدمِ الوُجوبِ؛ فهذا كاللِّواطِ لا يَجبُ فيهِ المَهرُ اتِّفاقًا.

стр. 9576

وقَدِ اختَلفَ في هذهِ المَسألةِ الشَّيخانِ أبو البَرَكاتِ ابنُ تَيميةَ وأبو مُحمدٍ ابنُ قُدامةَ، فقالَ أبو البَرَكاتِ في مُحرَّرِه: ويَجبُ مَهرُ المِثلِ للمَوطوءةِ بشُبهةٍ والمَكرَهةِ على الزِّنى في قُبلٍ أو دُبرٍ، وقالَ أبو مُحمَّدٍ في «المُغنِي»: ولا يَجبُ المَهرُ بالوطءِ في الدُّبرِ ولا اللِّواطِ؛ لأنَّ الشَّرعَ لم يَرِدْ ببَدلِه ولا هو إتلافٌ لشيءٍ، فأشبَهَ القُبلةَ والوَطءَ دُونَ الفَرجِ، وهذا القولُ هوَ الصَّوابُ قَطعًا، فإنَّ هذا الفِعلَ لَم يَجعلْ لهُ الشَّارعُ قيمةً أصلًا، ولا قدَّرَ لهُ مَهرًا بوَجهٍ مِنْ الوُجوهِ، وقياسُه على وَطءِ الفَرجِ مِنْ أفسَدِ القياسِ، ولازِمُ مَنْ قالَهُ إيجابُ المَهرِ لمَن فُعلَتْ بهِ اللُّوطيةُ مِنْ الذُّكورِ، وهذا لم يَقلْ بهِ أحَدٌ ألبَتَة (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: المُكرَهةُ على الزِّنا، هل عَلى مُكرِهِها معَ الحَدِّ صَداقٌ أم لا؟ فقالَ مالِكٌ والشَّافعيُّ واللَّيثُ: عليهِ الصَّداقُ والحَدُّ جَميعًا. وقالَ أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ: عليهِ الحَدُّ ولا صَداقَ عليهِ، وهوَ قولُ ابنِ شُبرمةَ. وعُمدةُ مالكٍ أنهُ يَجبُ عليهِ حَقَّانِ: حَقُّ اللهِ وحَقٌّ للآدَميِّ، فلَم يُسقِطْ أحدُهُما الآخَرَ، أصلُه السَّرقةُ التي يَجبُ بها عِندهُم غُرمُ المالِ والقَطعُ. وأمَّا مَنْ لم يُوجِبِ الصَّداقَ فتَعلَّقَ في ذلكَ بمَعنيَينِ: أحدُهُما: أنهُ إذا اجتَمعَ حَقَّانِ: حَقٌّ للهِ وحَقٌّ للمَخلوقِ، سقَطَ حقُّ

стр. 9577

المَخلوقِ لحَقِّ اللهِ، وهذا على رأيِ الكُوفيِّينَ في أنهُ لا يُجمَعُ على السَّارقِ غُرمٌ وقَطعٌ. والمَعنى الثَّاني: أنَّ الصَّداقَ ليسَ مُقابِلَ البُضعِ، وإنما هو عِبادةٌ إذ كانَ النِّكاحُ شَرعيًّا، وإذا كانَ ذلكَ كذلكَ فلا صَداقَ في النِّكاحِ الذي على غَيرِ الشَّرعِ (١). و- النِّكاحُ في مرَضِ المَوتِ: اتَّفقَ الفُقَهاءُ على أنَّ المَريضَ مرَضَ المَوتِ إذا تَزوَّجَ في مَرضِه ثمَّ ماتَ منهُ سقَطَ المُسمَّى إنْ كانَ أكثَرَ مِنْ صَداقِ المِثلِ، ووجَبَ لها مَهرُ المِثلِ. سُئِلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عَنْ مَريضٍ تَزوَّجَ في مرَضِه فهل يَصحُّ العَقدُ؟ فأجابَ: نِكاحُ المَريضِ صَحيحٌ، تَرِثُ المرأةُ في قولِ جَماهيرِ عُلماءِ المُسلمِينَ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابِعِينَ، ولا تَستحِقُّ إلَّا مهرَ المِثلِ، لا تَستحِقُّ الزِّيادةَ على ذلكَ بالاتِّفاقِ (٢). وقد تَقدَّمَتِ المسألةُ بالتَّفصيلِ.

стр. 9578

المَواضعُ الَّتي يَسقطُ فيها المَهرُ كامِلاً: اتَّفقَ الفُقهاءُ على سُقوطِ المَهرِ كامِلًا في أحوالٍ، واختَلفُوا في أُخرَى، وهيَ على البَيانِ التَّالي: أ - إذا فُسِخَ النِّكاحُ قبْلَ الدُّخولِ: نَصَّ جُمهورُ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربعَةِ الحَنفيَّةُ والمالكيَّةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الفُرقةَ الحاصِلةَ مِنْ جِهةِ الزَّوجةِ قبْلَ الدُّخولِ -كفَسخِها النِّكاحَ بعَيبِه، أو كانَتِ الفُرقةُ ليسَتْ مِنْ جِهتِها بل بسَببِها كفَسخِه بعَيبِها- تُسقطُ المَهرَ المُسمَّى ابتداءً والمَفروضَ الصَّحيحَ بعْدَ العَقدِ ومَهرَ المِثلِ؛ لأنها إنْ كانَتْ هيَ الفاسِخةَ فهيَ المُختارةُ للفُرقةِ، فكأنها أتلَفَتِ المُعوَّضَ قبْلَ التَّسليمِ، فسقَطَ العِوضُ كما لو أتلَفَتِ المَبيعَ قبْلَ التَّسليمِ، وإنْ كانَ هو الفاسِخَ بعَيبِها فكأنها هيَ الفاسِخةُ، كما لو ارتَدَّتْ أو فَسخَتِ النِّكاحَ بعِتقٍ أو عَيبٍ أو أرضَعَتْ زَوجةً أُخرَى له صَغيرةً (١). قالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: فَصلٌ: وأمَّا بَيانُ ما يَسقطُ بهِ كلُّ المَهرِ

стр. 9579

فالمَهرُ كلُّه يَسقطُ بأسبابٍ أربعةٍ، مِنها: الفُرقةُ بغَيرِ طَلاقٍ قبْلَ الدُّخولِ بالمرأةِ وقبْلَ الخَلوةِ بها، فكُلُّ فُرقةٍ حَصلَتْ بغَيرِ طلاقٍ قبْلَ الدُّخولِ وقبْلَ الخَلوةِ تُسقِطُ جَميعَ المَهرِ، سواءٌ كانَتْ مِنْ قِبَلِ المرأةِ أو مِنْ قِبَلِ الزَّوجِ، وإنَّما كانَ كذلكَ؛ لأنَّ الفُرقةَ بغَيرِ طلاقٍ تكونُ فَسخًا للعَقدِ، وفَسخُ العَقدُ قبْلَ الدُّخولِ يُوجِبُ سُقوطَ كُلِّ المهرِ؛ لأنَّ فسْخَ العَقدِ رفَعَه مِنْ الأصلِ وجعَلَه كأنْ لم يكنْ (١). ومِن أمثِلةِ هذا النَّوعِ مِنْ الفُرقةِ عندَ الحَنفيةِ اختيارُ المَرأةِ نفْسَها لعَيبِ الجَبِّ والعُنَّةِ والخِصاءِ والخُنوثةِ (٢). وقالَ ابنُ شاسٍ ﵀: وإنَّما يَسقطُ جَميعُ المَهرِ قبْلَ المَسيسِ بالفَسخِ أو باختيارِهِ رَدَّها لعَيبِها، وفي اختِيارِها لرَدِّهِ بعَيبه خِلافٌ؛ لأنهُ غارٌّ (٣). وقالَ الشَّافِعيةُ: إذا كانَ الفِراقُ منها أو بسَببٍ فيها -بأنْ أسلَمَتْ أو ارتَدَّتْ أو فَسخَتِ النِّكاحَ بعِتقٍ أو عَيبٍ أو أرضَعَتْ زَوجةً أُخرَى له صَغيرةً أو فسَخَ النِّكاحَ بعَيبِها- فيَسقطُ جَميعُ المَهرِ؛ لأنَّ البُضعَ تَلفَ قبْلَ الدُّخولِ بسَببٍ مِنْ جِهتِها، فسقَطَ ما يُقابِلُه، كالمَبيعِ إذا تَلفَ قبْلَ القَبضِ (٤).

стр. 9580

وقالَ الحَنابلةُ: كُلُّ فُرقةٍ جاءَتْ مِنْ قِبَلِ الزَّوجةِ قبْلَ الدُّخولِ كإسلامِها تَحتَ كافِرٍ ورِدَّتِها، أو إرضاعِها مَنْ يَنفسخُ نِكاحُها برَضاعِهِ كما لو أرضَعَتْ زَوجةً له صُغرَى، وارتِضاعِها وهيَ صَغيرةٌ مِنْ أمِّهِ أو أُختِه ونَحوِها، وفَسخِها لعَيبِه -أي الزَّوجِ- ككَونِه مَجبوبًا أو مَجذومًا ونَحوَه، وفَسخِها بإعسارِه بمَهرٍ أو نَفقةٍ أو غَيرِهما، أو لعِتقِها تَحتَ عَبدٍ، وفَسخِه لعَيبِها، أو فَسخِه لفَقدِ صِفةٍ شَرَطَها فيها كأنْ شَرَطَها بِكرًا فبانَتْ ثيِّبًا، وفُسخَ قبْلَ الدُّخولِ فإنهُ يَسقطُ بهِ مَهرُها، ويَسقطُ بهِ أيضًا مُتعتُها إنْ كانَتْ مُفوِّضةً أو سُمِّيَ لها مهرٌ فاسدٌ؛ لأنها أتلَفَتِ العِوضَ قبْلَ تَسليمِه فسقَطَ البَدلُ كلُّه، كالبائعِ يُتلِفُ المَبيعَ قبْلَ تَسليمِه. وكذا فَسخُها بشَرطٍ صَحيحٍ شُرِطَ عليهِ حالَةَ العَقدِ، كأنْ تَزوَّجَها بشَرطِ أنْ لا يَتزوَّجَ عليها أو لا يَتسرَّى أو لا يُخرجَها مِنْ دارِها فلمْ يَفِ بهِ فلا مَهرَ لها ولا مُتعةَ؛ لِما تَقدَّمَ. وفُرقةُ اللِّعانِ تُسقِطُ كلَّ المَهرِ؛ لأنَّ الفَسخَ مِنْ قِبَلِها؛ لأنهُ إنما يَحصُلُ عندَ تَمامِ لِعانِها (١).

стр. 9581

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: (وإذا فسخَ قبْلَ المَسيسِ فلا مَهرَ، وإنْ كانَ بعْدَه وادَّعى أنهُ ما عَلِمَ حلَفَ وكانَ له أنْ يَفسخَ، وعليهِ المَهرُ يَرجعُ به على مَنْ غَرَّه). الكَلامُ في هذه المَسألةِ في فُصولٍ أربعةٍ: أحَدُها: أنَّ الفَسخَ إذا وُجدَ قبْلَ الدُّخولِ فلا مَهرَ لها عليهِ، سَواءٌ كانَ مِنَ الزَّوجِ أو المَرأةِ، وهذا قولُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ الفَسخَ إنْ كانَ منهُما فالفُرقةُ مِنْ جِهتِها، فسقَطَ مَهرُها كما لو فَسخَتْه برَضاعِ زَوجةٍ له أُخرَى، وإنْ كانَ منهُ فإنما فسَخَ لعَيبٍ بها دَلَّستْه بالإخفاءِ، فصارَ الفَسخُ كأنهُ مِنها. فإنْ قيلَ: فهَلَّا جَعلْتُم فسْخَها لعَيبٍ كأنهُ مِنه لحُصولِه بتَدليسِه؟ قُلنا: العِوضُ مِنَ الزَّوجِ في مُقابَلةِ مَنافعِها، فإذا اختارَتْ فسْخَ العَقدِ مع سَلامةِ ما عقَدَتْ عليهِ رجَعَ العِوضُ إلى العاقِدِ معها، وليسَ مِنْ جِهتِها عِوضٌ في مُقابَلةِ مَنافعِ الزَّوجِ، وإنما ثبَتَ لها الخِيارُ لأجْلِ ضَررٍ يَلحقُها، لا لتَعذُّرِ ما استَحقَّتْ عليهِ في مُقابَلتِه عِوضًا، فافتَرَقا. الفَصلُ الثَّاني: أنَّ الفَسخَ إذا كانَ بعْدَ الدُّخولِ فلها المَهرُ؛ لأنَّ المَهرَ يَجبُ بالعَقدِ ويَستقِرُّ بالدُّخولِ، فلا يَسقطُ بحادِثٍ بعْدَه، ولذلكَ لا يَسقطُ برِدَّتِها، ولا بفَسخٍ مِنْ جِهتِها، ويَجبُ المَهرُ المُسمَّى، وذكَرَ القاضي في «المُجَرَّد» فيهِ رِوايتَينِ: إحداهُما: يَجبُ المُسَمَّى.

стр. 9582

والأخرَى: مَهرُ المِثلِ؛ بناءً على الرِّوايتَين في العَقدِ الفاسِدِ. وقالَ الشَّافعيُّ: الواجِبُ مَهرُ المِثلِ؛ لأنَّ الفَسخَ استَندَ إلى العَقدِ، فصارَ كالعَقدِ الفاسِدِ. ولنا: إنها فُرقةٌ بعْدَ الدُّخولِ في نِكاحٍ صحيحٍ فيهِ مُسمًّى صَحيحٌ، فوجَبَ المُسمَّى لغَيرِ المَعِيبةِ، وكالمُعتَقةِ تَحتَ عَبدٍ، والدَّليلُ على أنَّ النِّكاحَ صَحيحٌ أنهُ وُجدَ بشُروطِه وأركانِه، فكانَ صَحيحًا كما لو لم يَفسخْه، ولأنهُ لو لم يَفسخْه لَكانَ صَحيحًا، فكذلكَ إذا فسَخَه، كنِكاحِ الأمَةِ إذا عُتقَتْ تَحتَ عَبدٍ، ولأنهُ تَترتَّبُ عليهِ أحكامُ الصِّحةِ مِنْ ثُبوتِ الإحصانِ والإباحةِ للزَّوجِ الأوَّلِ وسائِرُ أحكامِ الصِّحةِ، ولأنهُ لو كانَ فاسِدًا لَمَا جازَ إبقاؤُه وتَعيَّنَ فَسخُه. وما ذكَرُوه غَيرُ صَحيحٍ؛ فإنَّ الفَسخَ يَثبتُ حُكمُه في حينِه غيْرَ سابِقٍ عليهِ، وما وقَعَ على صِفةٍ يَستحِيلُ أنْ يكونَ واقِعًا على غَيرِها، وكذلكَ لو فُسخَ البَيعُ بعَيبٍ لم يَصِرِ العَقدُ فاسِدًا ولا يَكونُ النَّماءُ لغَيرِ المُشتري، ولو كانَ البَيعُ أمَةً فوَطئَها لَم يَجبْ بهِ مَهرُها، فكذلكَ النِّكاحُ. الفَصلُ الثَّالثُ: إذا عَلِمَ بالعَيبِ وقْتَ العَقدِ أو بعْدَه ثمَّ وُجدَ منه رِضًى أو دَلالةٌ عليهِ، كالدُّخولِ بالمرأةِ أو تَمكينِها إيَّاه مِنَ الوطءِ، لم يَثبتْ لهُ الفَسخُ؛ لأنهُ رَضيَ بإسقاطِ حَقِّهِ، فسقَطَ كما لو عَلِمَ المُشتري بالعَيبِ فرَضِيَه، وإذا اختَلفَا في العِلمِ فالقولُ قولُ مَنْ يُنكرُه؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُه.

стр. 9583

الفَصلُ الرَّابعُ: أنهُ يَرجِعُ بالمَهرِ على مَنْ غَرَّه، وقالَ أبو بكرٍ: فيهِ رِوايتانِ: إحداهُما: يَرجعُ بهِ، والأُخرَى: لا يَرجعُ. والصَّحيحُ أنَّ المَذهبَ رِوايةٌ واحِدةٌ، وأنهُ يَرجعُ بهِ، فإنَّ أحمَدَ قالَ: كنتُ أذهَبُ إلى قَولِ عَليٍّ فهِبْتُه، فمِلْتُ إلى قَولِ عُمرَ: إذا تَزوَّجَها فرأَى جُذامًا أو بَرَصًا فإنَّ لها المَهرَ بمَسيسِهِ إياها، ووَليُّها ضامِنٌ للصَّداقِ، وهذا يَدلُّ على أنهُ رجَعَ إلى هذا القَولِ، وبهِ قالَ الزُّهريُّ وقَتادةُ ومالكٌ والشَّافعيُّ في القديمِ، ورُويَ عَنْ عَليٍّ أنهُ قالَ: لا يَرجعُ، وبهِ قالَ أبو حَنيفةَ والشَّافعيُّ في الجَديدِ؛ لأنهُ ضَمِنَ ما استَوفى بَدلَه، وهو الوَطءُ، فلا يَرجعُ بهِ على غَيرِه، كما لو كانَ المَبيعُ مَعيبًا فأكَلَه. ولنا: ما رَوى مالكٌ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيّبِ قالَ: قالَ عُمرُ بنُ الخطَّابِ: «أيُّما رَجلٍ تَزوَّجَ بامرأةٍ بها جُنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ فمَسَّها فلها صَداقُها، وذلكَ لزَوجِها غُرمٌ على وَليِّها»، ولأنهُ غَرَّهُ في النِّكاحِ بما يَثبتُ بهِ الخِيارُ، فكانَ المَهرُ عليهِ، كما لو غَرَّهُ بحُريةِ أمَةٍ. فإذا ثبَتَ هذا فإنْ كانَ الوَليُّ عَلِمَ غَرِمَ، وإنْ لم يكنْ عَلِمَ فالتَّغريرُ مِنْ المرأةِ، فيرجعُ عليها بجميعِ الصَّداقِ. فإنِ اختَلفُوا في عِلمِ الوَليِّ فشَهدَتْ بَيِّنةٌ عليهِ بالإقرارِ بالعِلمِ، وإلَّا فالقولُ قَولُه معَ يَمينِه، قالَ الزُّهريُّ وقَتادةُ: إنْ عَلِمَ الوَليُّ غَرِمَ، وإلَّا استُحلِفَ باللهِ العَظيمِ أنهُ ما عَلِمَ، ثُمَّ هو على الزَّوجِ. وقالَ القاضي: إنْ كانَ أبًا أو جَدًّا أو مِمَّنْ يَجوزُ له أنْ يَراها فالتَّغريرُ مِنْ

стр. 9584

جِهتِه، عَلِمَ أو لم يَعلمْ، وإنْ كانَ مِمَّنْ لا يَجوزُ له أنْ يَراها كابْنِ العَمِّ والمَولَى وعَلِمَ غَرِمَ، وإنْ أنكَرَ ولم تَقُمْ بيِّنةٌ بإقرارِه فالقَولُ قَولُه، ويَرجعُ على المرأةِ بجَميعِ الصَّداقِ، وهذا قولُ مالكٍ، إلَّا أنهُ قالَ: إذا رَدَّتِ المَرأةُ ما أَخذَتْ ترَكَ لها قَدْرَ ما تُستحَلُّ بهِ؛ لِئلَّا تَصيرَ كالمَوهوبةِ، وللشَّافعيِّ قَولانِ كقَولِ مالِكٍ والقاضي. ولنا على أنَّ الوليَّ إذا لم يَعلمْ لا يَغرمُ: أنَّ التَّغريرَ مِنْ غَيرِه، فلمْ يَغرمْ كما لو كانَ ابنَ عَمٍّ، وعلى أنهُ يَرجعُ بكُلِّ الصَّداقِ: أنهُ مَغرورٌ مِنها، فرجَعَ بكُلِّ الصَّداقِ كما لو غَرَّهُ الوليُّ، وقَولُهم: «لا يَخفَى على مَنْ يَراها» لا يَصحُّ؛ فإنَّ عُيوبَ الفَرْجِ لا اطِّلاعَ له عَليها ولا يَحلُّ له رُؤيتُها، وكذلكَ العُيوبُ تَحتَ الثِّيابِ، فصارَ في هذا كمَن لا يَراها، إلَّا في الجُنونِ؛ فإنهُ لا يَكادُ يَخفَى على مَنْ يَراها، إلَّا أنْ يكونَ غائبًا، وأمَّا الرُّجوعُ بالمَهرِ فإنهُ لسَببٍ آخرَ، فيكونُ بمَنزلةِ ما لو وَهبَتْه إياهُ، بخِلافِ المَوهوبةِ. فَصلٌ: إذا طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ ثمَّ عَلِمَ أنهُ كانَ بها عَيبٌ فعَليهِ نِصفُ الصَّداقِ، ولا يَرجعُ بهِ؛ لأنهُ رَضيَ بالتِزامِ نِصفِ الصَّداقِ، فلمْ يَرجعْ على أحَدٍ. وإنْ ماتَتْ أو ماتَ قبْلَ العِلمِ بالعَيبِ فلها الصَّداقُ كاملًا، ولا يَرجعُ على أحَدٍ؛ لأنَّ سبَبَ الرُّجوعِ الفَسخُ، ولمْ يُوجَدْ، وهاهُنا استَقرَّ الصَّداقُ بالموتِ، فلا يَرجعُ بهِ (١).

стр. 9585

ب- إذا أسلَمَتِ المرأةُ قبْلَ الدُّخولِ: لا خِلافَ بيْنَ الفُقهاءِ في أنَّ الزَّوجَ إذا دخَلَ بزَوجتِه ثمَّ أسلَمَ وجَبَ عليهِ المَهرُ. قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: لا خِلافَ أنهُ إذا دخَلَ في وُجوبِ المَهرِ (١). إلَّا أنَّ الفُقَهاءَ اختَلفُوا فيما لو أسلَمْتِ الزَّوجةُ قبْلَ الدُّخولِ، هل يَسقطُ مَهرُها أم لا؟ فذهَبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا أسلَمَتْ وأبَى الزَّوجُ أنْ يُسلِمَ؛ فإنْ كانَ قبْلَ الدُّخولِ فعليهِ نِصفُ المَهرِ، وإنْ كانَ بعْدَ الدُّخولِ فلها المَهرُ كامِلًا؛ لتأكُّدِه بِالدُّخولِ، فلا يَسقطُ بعْدَه بِالفُرقةِ. قالَ الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحَاويُّ ﵀: قالَ أصحابُنا: إذا أبَى أحَدُ الزَّوجَينِ الإسلامَ بعْدَ العَرْضِ فيما لا يُقَرُّ عليهِ فُرِّقَ بيْنَهما، فإنْ كانَ الزَّوجُ الَّذي أبَى قبْلَ الدُّخولِ فعليهِ نِصفُ المَهرِ، وإنْ كانَتِ المرأةُ هيَ الَّتي أبَتْ فلا شيءَ لها، وهو قولُ الثَّوريِّ (٢). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ المرأةَ إذا أسلَمَتْ تَحتَ كافِرٍ قبْلَ الدُّخولِ بها سقَطَ مَهرُها؛ لأنَّ البُضعَ تَلفَ قبْلَ

стр. 9586

الدُّخولِ بسَببٍ مِنْ جِهتِها فسقَطَ ما يُقابِلُه، كالمَبيعِ إذا تَلفَ قبْلَ القَبضِ (١). قالَ الإِمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: في سَماعِ ابنِ أبي أُوَيسٍ عن مالِكٍ أنهُ قالَ: الأمرُ عِندَنا في المَرأةِ تُسلِمُ وزَوجُها كافِرٌ قبْلَ أنْ يَدخلَ بها أنهُ لا صَداقَ لها، سَمَّى لها أو لمْ يُسمِّ، وليسَ لزَوجِها عليها رَجعةٌ؛ لأنهُ لا عِدَّةَ عليها. قالَ: ولو دخَلَ بها كانَ لهُ عليها الرَّجعةُ إنْ أسلَمَ في عدَّتِها، وكانَ لها صَداقُها كامِلًا، فإنْ بَقيَ لها عليهِ شيءٌ مِنْ مَهرِها فلها بَقيَّتُه، أسلَمَ في عِدَّتِها أو لمْ يُسلِمْ. قالَ: وقالَ مالِكٌ في المَجوسيَّةِ يَتزوَّجُها المَجوسيُّ ثمَّ يُسلِمُ أحدُهُما ولم يَدخُلْ بها، فرَضَ لها أو لمْ يَفرضْ لها: إنهُ لا صَداقَ لها إنْ أسلَمَتْ قبْلَه وأبَى هو أنْ يُسلِمَ، أو أسلَمَ قبْلَها وأبَتْ هيَ أنْ تُسلِمَ في الوَجهَينِ جَميعًا. قالَ أبو عُمرَ: قَولُ مالِكٍ ليسَ عليها رَجعةٌ إنْ لم يُسلِمْ في عدَّتِها بذلكَ إنَّ أهلَ العلمِ يُنزِلونَ إسلامَه أو إسلامَها مَنزلةَ الطَّلاقِ، يُراعونَ في رَجعتِه بعْدَ الإسلامِ الدُّخولَ (٢).

стр. 9587

ج- إذا ارتَدَّتِ الزوجةُ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالكيَّةُ في المَذهبِ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا ارتَدَّتْ -والعياذُ باللهِ- قبْلَ الدُّخولِ أنهُ لا مَهرَ لها؛ لأنها مَنعَتْ بُضعَها بالارتِدادِ، فصارَتْ كالبائعِ إذا أتلَفَ المَبيعَ قبلَ القَبضِ. وإنِ ارتَدَّتْ بعْدَ الدُّخولِ فلها جَميعُ المَهرِ؛ لأنهُ قدِ استَقرَّ بِالدُّخولِ (١). وذهَبَ عَبدُ المَلكِ بنُ الماجشُونِ مِنْ المالِكيَّةِ إلى أنَّ المرأةَ إذا ارتَدَّتْ قبْلَ البناءِ وجَبَ لها نِصفُ الصَّداقِ (٢). د- الإبراءُ (إبراءُ المرأةِ زوْجَها منَ المَهرِ): نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشَّافِعيةُ والحَنابلةُ على صحَّةِ إبراءِ المرأةِ زوْجَها مِنَ المَهرِ إذا كانَ دَيْنًا؛ لأنَّ الإبراءَ لا يكونُ إلَّا في الدَّينِ. قالَ الحَنفيَّةُ: الإبراءُ عَنْ كُلِّ المَهرِ قبْلَ الدُّخولِ وبعْدَه إذا كانَ المَهرُ دَيْنًا يُسقِطُ كلَّ المَهرِ؛ لأنَّ الإبراءَ إسقاطٌ، والإسقاطُ مِمَّنْ هو

стр. 9588

مِنْ أهلِ الإسقاطِ في مَحَلٍّ قابِلٍ للسُّقوطِ يُوجِبُ السُّقوطَ (١). وقالَ الشَّافِعيةُ: إذا كانَ المَهرُ دَيْنًا لها على زَوجِها فأبرأَتْه منهُ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ صَحَّ وسقَطَ مَهرُها، ولا يَرجعُ عليها بشيءٍ على الصَّحيحِ مِنَ المَذهبِ؛ لأنها لَم تأخُذْ منهُ مالًا ولَم تَتحصَّلْ على شيءٍ (٢). وقالَ الحَنابلةُ: إنْ أبرأَتْه مِنْ صَداقِها ثُمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ صَحَّ الإبراءُ وبَرِئَ الزوجُ مِنهُ، ولا يُشتَرطُ قَبولُه، ورجَعَ عليها الزَّوجُ بنِصفِهِ؛ لأنَّ عَوْدَ نِصفِ الصَّداقِ إلى الزَّوجِ بالطَّلاقِ وهوَ غَيرُ الجِهةِ المُستحَقِّ بها الصَّداقُ أوَّلًا فهوَ كما لو أبرَأَ إنسانًا مِنْ دَينٍ عليهِ ثمَّ استَحقَّ عليهِ مِثلَ ما أبرَأَه مِنهُ بوَجهٍ آخرَ فلا يَتساقَطانِ بذلكَ. وإنْ أبرَأَتْه مِنْ نِصفِه أو وَهبَتْه نِصفَ الصَّداقِ ثمَّ طلَّقَها الزَّوجُ قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ في النِّصفِ الباقي؛ لأنهُ وجَدَ نِصفَ ما أصدَقَها بعَينِه، فأشبَهَ ما لو لمْ تَهبْهُ لهُ. وإنْ أبرَأَتْ مُفوَّضةٌ المَهرَ -وهيَ الَّتي تَزوَّجَها على ما شاءَتْ أو شاءَ زَيدٌ ونَحوُه- مِنَ المَهرِ صَحَّ، أو أبرَأَتْ مُفوَّضةٌ البُضعَ -وهيَ مَنْ تَزوَّجَتْ بغَيرِ صَداقٍ- مِنْ المَهرِ صَحَّ، أو أبرَأَتْ مَنْ سُميَ لها مَهرٌ فاسِدٌ كالخَمرِ

стр. 9589

والمَجهولِ مِنْ المَهرِ صَحَّ الإبراءُ قبْلَ الدُّخولِ وبعْدَه؛ لانعِقادِ سَببِ وُجوبِه وهوَ عَقدُ النِّكاحِ، كالعَفوِ عنِ القَصاصِ بعْدَ الجَرحِ وقبْلَ الزُّهوقِ. فإنْ طلَّقَ الزَّوجُ المُفوَّضةَ أو مَنْ سُمِّيَ لها مَهرٌ فاسِدٌ بعْدَ البَراءةِ وقبْلَ الدُّخولِ رجَعَ المُطلِّقُ بنِصفِ مَهرِ المِثلِ؛ لأنهُ الَّذي وجَبَ بالعَقدِ، فهوَ كما لو أبرَأتْهُ مِنْ المُسمَّى ثمَّ طلَّقَها وعَفَا، وقيلَ: لها المُتعةُ. فإنْ كانَتِ البَراءةُ مِنَ المُفوَّضةِ ومَن سُمِّيَ لها مَهرٌ فاسِدٌ مِنْ نِصفِه ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ عليها بنِصفِ مَهرِ المِثلِ الباقي بعْدَ النِّصفِ السَّاقِطِ بالبَراءةِ، ولا مُتعةَ لها في أحَدِ الوَجهَينِ، والوَجهُ الثَّاني: لا تَسقطُ. وإنِ ارتَدَّتْ مَنْ أبرَأتْه مِنه قبْلَ الدُّخولِ رجَعَ الزَّوجُ عليها بجَميعِ الصَّداقِ؛ لعَودِه إليهِ بذلكَ، وكمَا يَرجعُ عليها بنِصفِه لو تَنصَّفَ (١). قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا عَفَتِ المَرأةُ عَنْ صَداقِها الَّذي لها على زَوجِها أو عَنْ بَعضِه أو وَهبَتْه لهُ بعْدَ قَبضِه وهيَ جائِزةُ الأمرِ في مالِها جازَ ذلكَ وصَحَّ، ولا نَعلَمُ فيهِ خِلافًا؛ لقَولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] يَعني الزَّوجات، وقالَ تعالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾ [النساء: ٤] … سَمَّاهُ غيرَ المَهرِ تَهبُه المَرأةُ للزَّوجِ، وقالَ عَلقمةُ لامرَأتِه: هَبِي لي مِنْ الهَنيءِ المَريءِ، يَعني مِنْ صَداقِها.

стр. 9590

وهَل لها الرُّجوعُ فيما وَهبَتْ زوْجَها؟ فيهِ عنْ أحمَدَ رِوايَتانِ واختِلافٌ بيْنَ أهلِ العِلمِ ذكَرْناه فيما مَضَى. فَصلٌ: إذا طَلُقَتْ قبْلَ الدُّخولِ وتَنصَّفَ المَهرُ بَينَهما لم يَخْلُ مِنْ أنْ يكونَ دَينًا أو عَينًا، فإنْ كانَ دَينًا لَم يَخْلُ إمَّا أنْ يكونَ دَينًا في ذمَّةِ الزَّوجِ لَم يُسلِّمْه إليها، أو في ذمَّتِها بأنْ تكونَ قد قَبضَتْه وتَصرَّفتْ فيهِ أو تَلفَ في يَدِها، وأيَّهما كانَ فإنَّ للَّذي لهُ الدَّينُ أنْ يَعفوَ عن حقِّهِ منهُ بأنْ يَقولَ: «عَفوتُ عَنْ حَقِّي مِنْ الصَّداقِ، أو أسقَطْتُه، أو أبرَأتْك مِنه، أو مَلَّكتُك إياهُ، أو وَهبْتُك أو أحلَلتُك منهُ، وأنت منهُ في حِلٍّ، أو تَركْتُه لك»، وأيَّ ذلكَ قالَ سقَطَ بهِ المَهرُ وبَرئَ مِنه الآخَرُ وإنْ لم يَقبَلْه؛ لأنهُ إسقاطُ حَقٍّ فلَم يَفتقِرْ إلى قَبولٍ، كإسقاطِ القِصاصِ والشُّفعةِ والعِتقِ والطَّلاقِ، ولذلكَ صَحَّ إبراءُ الميِّتِ مع عَدمِ القَبولِ مِنه، ولو رَدَّ ذلكَ لم يَرتدَّ مِنه وبَرِئَ مِنه لِمَا ذكَرْناهُ، وإنْ أحَبَّ العَفوَ مِنَ الصَّداقِ في ذِمَّتِه لمْ يَصِحَّ العَفوُ؛ لأنهُ إنْ كانَ في ذمَّةِ الزَّوجِ فقدْ سقَطَ عنهُ بالطَّلاقِ، وإنْ كانَ في ذمَّةِ الزَّوجةِ فلا يَثبتُ في ذمَّتِها إلَّا النِّصفُ الَّذي يَستحِقُّه الزَّوجُ، وأمَّا النِّصفُ الَّذي لها فهوَ حَقُّها تَصرَّفتْ فيهِ، فلم يَثبتْ في ذمَّتِها مِنه شيءٌ، ولأنَّ الجَميعَ كانَ مِلكًا لها تَصرَّفتْ فيه، وإنَّما يَتجدَّدُ مِلكُ الزَّوجِ للنِّصفِ بطَلاقِه، فلا يَثبتُ في ذمَّتِها غيرُ ذلكَ، وأيُّهما أرادَ تَكميلَ الصَّداقِ لصاحِبِه فإنهُ يُجدِّدُ لهُ هِبةً مُبتدَأةً. وأمَّا إنْ كانَ الصَّداقُ عَينًا في يدِ أحدِهِما فعَفَا الَّذي هو في يَدِه للآخَرِ فهوَ هِبةٌ لهُ، تَصحُّ بلَفظِ العَفوِ والهِبةِ والتَّمليكِ، ولا تَصحُّ بلَفظِ الإبراءِ

стр. 9591

والإسقاطِ، ويَفتقِرُ إلى القَبضِ فيما يُشتَرطُ القَبضُ فيهِ، وإنْ عفَا غيرُ الَّذي هوَ في يَدِه صَحَّ بهذهِ الألفاظِ وافتَقرَ إلى مُضِيِّ زمَنٍ يَتأتَّى القَبضُ فيهِ إنْ كانَ المَوهوبُ مِمَّا يَفتقِرُ إلى القَبضِ (١). هـ- هبةُ المرأةِ صَداقَها لزَوجِها: نَصَّ عامَّةُ الفُقَهاءِ على أنَّ الزَّوجةَ إذا وَهبَتْ صَداقَها لزَوجِها صَحَّ وسقَطَ مَهرُها كلُّه على الصَّحيحِ عِندَهم. قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ المَرأةَ المالِكةَ لأمرِ نَفسِها إذا وَهبَتْ صَداقَها لزَوجِها نفَذَ ذلكَ عليها ولا رُجوعَ لها فيهِ، إلَّا أنَّ شُرَيحًا رَأى الرُّجوعَ لها فيهِ، واحَتجَّ بقَولِه: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]، وإذا كانَتْ طالِبةً لهُ لم تَطِبْ بهِ نَفْسًا. قالَ ابنُ العَربِيِّ ﵀: وهذا باطِلٌ؛ لأنها قد طابَتْ وقد أكَلَ فلا كَلامَ لها؛ إذْ ليسَ المُرادُ صُورةَ الأكلِ، وإنَّما هو كِنايةٌ عنِ الإحلالِ والاستِحلالِ، وهذا بيِّنٌ (٢). وتَفصيلُه فيما يلي: قالَ الحَنفيَّةُ: إذا وَهبَتِ المَرأةُ كُلَّ المَهرِ قبْلَ القَبضِ عَينًا كانَ أو دَينًا وبعْدَه إذا كانَ عَينًا صَحَّ وسقَطَ مَهرُها.

стр. 9592

قالَ الكاسانِيُّ ﵀: وجُملةُ الكَلامِ في هِبةِ المَهرِ أنَّ المَهرَ لا يَخلو: إمِّا أنْ يكونَ عَينًا -وهوَ أنْ يكونَ مُعيَّنًا مُشارًا إليه ممَّا يَصحُّ تَعيينُه-، وإمَّا أنْ يكونَ دَينًا -وهوَ أنْ يكونَ في الذِّمةِ كالدَّراهمِ والدَّنانيرِ، مُعيَّنةً كانَتْ أو غيْرَ مُعيَّنةٍ والمَكيلاتِ والمَوزُوناتِ في الذِّمةِ والحَيوانِ في الذِّمَّةِ كالعَبدِ والفَرَسِ والعَرضِ في الذِّمةِ كالثَّوبِ الهَرَويِّ-، والحالُ لا يَخلو: إمَّا أنْ يكونَ قبْلَ القَبضِ، وإمَّا أنْ يكونَ بعْدَ القَبضِ، وهَبَتْ كلَّ المَهرِ أو بَعضَه، فإنْ وَهبَتْه كُلَّ المَهرِ قبْلَ القَبضِ ثُمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها فلا شيءَ لهُ عليها، سَواءٌ كانَ المَهرُ عَينًا أو دَينًا في قَولِ أصحابِنا الثَّلاثةِ. وقالَ زُفرُ: يَرجعُ عليها بنِصفِ المَهرِ إنْ كانَ دَينًا، وبهِ أخَذَ الشَّافعيُّ. وَجهُ قَولِ زُفرَ: أنها بالهِبةِ تَصرَّفتْ في المَهرِ بالإسقاطِ، وإسقاطُ الدَّينِ استِهلاكُه، والاستِهلاكُ يَتضمَّنُ القَبضَ، فصارَ كأنها قَبضَتْ ثمَّ وَهبَتْ. ولنا: أنَّ الَّذي يَستحِقُّه الزَّوجُ بالطَّلاقِ قبْلَ القَبضِ عادَ إليهِ مِنْ جِهتِها بسَببٍ لا يُوجبُ الضَّمانَ؛ لأنهُ يَستحِقُّ نِصفَ المَهرِ فقدْ عادَ إليهِ بالهِبةِ، والهِبةُ لا تُوجِبُ الضَّمانَ، فلا يكونُ لهُ حَقُّ الرُّجوعِ عليها بالنِّصفِ كالنِّصفِ الآخَرِ. وإنْ وَهبَتْ بعْدَ القَبضِ؛ فإنْ كانَ المَوهوبُ عَينًا فقَبضَه ثمَّ وهَبَه منها لم يَرجعْ عليها بشيءٍ؛ لأنَّ ما تَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ هوَ نِصفُ المَوهوبِ بعَينِه، وقَد رجَعَ إليهِ بعَقدٍ لا يُوجبُ الضَّمانَ، فلم يَكنْ لهُ الرُّجوعُ عليها.

стр. 9593

وإنْ كانَتْ دَينًا في الذِّمةِ؛ فإنْ كانَ حَيوانًا أو عَرضًا فكذلكَ لا يَرجعُ عليها بشيءٍ؛ لأنَّ الَّذي تَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ نِصفُ ذلكَ الشَّيءِ بعَينِه مِنَ العَبدِ والثَّوبِ، فصارَ كأنهُ تَعيَّنَ بالعَقدِ. وإنْ كانَ دَراهمَ أو دَنانيرَ مُعيَّنةً أو غيْرَ مُعيَّنةٍ أو مَكيلًا أو مَوزونًا سِوى الدَّراهمِ والدَّنانيرِ فقَبضتْه ثمَّ وَهبتْه منه ثمَّ طلَّقَها يَرجعُ عليها بمِثلِ نِصفِه؛ لأنَّ المُستحَقَّ بالطَّلاقِ ليسَ هوَ الَّذي وَهبتْه بعَينِه بل مِثلُه؛ بدَليلِ أنها كانَتْ مُخيَّرةً في الدَّفعِ، إنْ شاءَتْ دَفعَتْ ذلكَ بعَينِه وإنْ شاءَتْ دَفعَتْ مِثلَه، كما كانَ الزَّوجُ مُخيَّرًا في الدَّفعِ إليها بالعَقدِ، فلم يَكنِ العائِدُ إليهِ عيْنَ ما يَستحِقُّه بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ، فصارَ كأنها وَهبَتْ مالًا آخَرَ، ولو كانَ كذلكَ لرجَعَ عليها بمِثلِ نِصفِ الصَّداقِ، كذا هذا. وقالَ زُفرُ في الدَّراهمِ والدَّنانيرِ إذا كانَتْ مُعيَّنةً فقَبضَتْها ثمَّ وَهبَتْها ثمَّ طلَّقَها أنهُ لا رُجوعَ للزَّوجِ عليها بشيءٍ؛ بناءً على أنَّ الدَّراهمَ والدَّنانيرَ عِندَه تَتعيَّنُ بالعَقدِ، فتَتعيَّنُ بالفَسخِ أيضًا كالعُروضِ، وعِندَنا لا تَتعيَّنُ بالعَقدِ فلا تَتعيَّنُ بالفَسخِ … وكذلكَ إذا كانَ المَهرُ دَينًا فقَبضَتِ الكُلَّ ثمَّ وَهبَتِ البعضَ فللزَّوجِ أنْ يَرجعَ عليها بنِصفِ المَقبوضِ؛ لأنَّ لهُ أنْ يَرجعَ عليها إذا وَهبَتِ الكلَّ، فإذا وَهبَتِ البَعضَ أَولى، وإذا قَبضَتِ النِّصفَ ثمَّ وَهبَتِ النِّصفَ الباقي أو وَهبَتِ الكُلَّ ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها قالَ أبو حَنيفةَ: لا يَرجعُ الزَّوجُ عليها بشيءٍ، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: يَرجعُ عليها برُبعِ المَهرِ.

стр. 9594

وَجهُ قَولِهما: أنَّ المُستحَقَّ للزَّوجِ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ نِصفُ المَهرِ، فإذا قَبضَتِ النِّصفَ دُونَ النِّصفِ فَقدِ استَحقَّ النِّصفَ مُشاعًا فيما في ذمَّتِه وفيما قَبضَتْ، فكانَ نِصفُ النِّصفِ -وهوَ رُبعُ الكُلِّ- في ذمَّتِه، ونِصفُ النِّصفِ فيما قَبضَتْ، إلَّا أنها إذا لَم تكنْ وَهبَتْه حتَّى طلَّقَها لَم يَرجعْ عليها بشيءٍ؛ لأنهُ صارَ ما في ذمَّتِه قِصاصًا بما لهُ عليها، فإذا وَهبَتْ بَقيَ حَقُّه في نِصفِ ما في يَدِها وهوَ الرُّبعُ، فيَرجعُ عليها بذلكَ. ولأبي حَنيفةَ: أنَّ الَّذي يَستحِقُّه الزَّوجُ بالطَّلاقِ قبْلَ الدُّخولِ ما في ذمَّتِه، بدَليلِ أنها لو لَم تَكنْ وَهبَتْ وطلَّقَها لَم يَرجعْ عليها بشيءٍ، وقدْ عادَ إليهِ ما كانَ في ذمَّتِه بسَببٍ لا يُوجبُ الضَّمانَ وهوَ الهِبةُ، فلا يَكونُ لهُ الرُّجوعُ بشيءٍ. ولو كانَ المَهرُ جارِيةً فوَلدَتْ بعْدَ القَبضِ أو جَنَى عليها فوجَبَ الأرشُ، أو كانَ شَجرًا فأثمَرَ أو دخَلَه عَيبٌ ثمَّ وَهبَتْه مِنه ثمَّ طلَّقَها قبْلَ الدُّخولِ بها رجَعَ عليها بنِصفِ القِيمةِ؛ لأنَّ حَقَّ الزَّوجِ يَنقطِعُ عَنْ العَينِ بهذهِ العَوارِضِ، بدَليلِ أنهُ لا يَجوزُ لهُ أخذُها معَ الزِّيادةِ، وإذا كانَ حَقُّه مُنقطِعًا عنها لم يَعُدْ إليهِ بالهِبةِ ما استَحقَّهُ بالطَّلاقِ، فكانَ لهُ قِيمتُها، وإذا حدَثَ بهِ عَيبٌ فالحقُّ وإنْ لَم يَنقطِعْ عَنِ العَينِ بهِ، لكنْ يَجوزُ لهُ تَركُه معَ العَيبِ، فلم يكنِ الحقُّ مُتعلِّقًا بالعَينِ على سَبيلِ اللُّزومِ، ولم يَكنِ الواصِلُ إلى الزَّوجِ عيْنَ ما يَستحِقُّه بالطَّلاقِ. ولو كانَتِ الزِّيادةُ في بَدَنِها فوَهبَتْها لهُ ثمَّ طلَّقَها كانَ لهُ أنْ يضمنَها في

стр. 9595

قولِ أبي يُوسفَ وأبي حَنيفةَ، خِلافًا لمُحمدٍ؛ بناءً على أنَّ الزِّيادةَ المُتَّصلةَ لا تَمنعُ التَّنصيفَ عِندَهما، وعِندَه تَمنعُ، وإذا باعَتْه المَهرَ أو وَهبَتْه على عِوضٍ ثمَّ طلَّقَها رجَعَ عليها بمِثلِ نِصفِه فيما له مِثلٌ، وبنِصفِ القِيمةِ فيما لا مِثلَ لهُ؛ لأنَّ المَهرَ عادَ إلى الزَّوجِ بسَببٍ يَتعلَّقُ بهِ الضَّمانُ، فوجَبَ له الرُّجوعُ، وإذا ثبَتَ له الرُّجوعُ ضمنَها كما لو باعَتْه مِنْ أجنَبيٍّ ثمَّ اشتَراهُ الزَّوجُ مِنْ الأجنَبيِّ، ثُمَّ إنْ كانَتْ باعَتْ قبْلَ القَبضِ فعليها نِصفُ القِيمةِ يَومَ البَيعِ؛ لأنه دخَلَ في ضَمانها بالبَيعِ، وإنْ كانَتْ قَبضَتْ ثمَّ باعَتْ فعليها نِصفُ القِيمةِ يَومَ القَبضِ؛ لأنهُ دخَلَ في ضَمانها بالقَبضِ (١). وقالَ المالِكيَّةُ: الزَّوجَةُ المالِكةُ لأمرِ نَفسِها إذا وَهبَتْ صَداقَها المُسمَّى لزَوجِها قبْلَ البِناءِ أو وَهبَتْ لهُ ما يَتزوَّجُها بهِ ففعَلَ فإنَّ الهِبةَ صَحيحةٌ، لَكنْ يُجبَرُ على أنْ يَدفعَ لها مِنْ مالِهِ أقلَّ الصَّداقِ قبْلَ أنْ يَبنيَ بها، وهوَ رُبعُ دِينارٍ أو ثلاثةُ دَراهمَ خالِصةٍ؛ لاحتِمالِ التَّواطؤِ على تَركِ الصَّداقِ فيُعرَّى البُضعُ عنِ الصَّداقِ بالكُلِّيةِ، وليسَ على الزَّوجِ شيءٌ إنْ طلَّقَ قبْلَ البناءِ، ومَحلُّه ما لم تَقبضِ الصَّداقَ، فإنْ قَبضَتْه ثمَّ وَهبَتْه لهُ فإنهُ لا يُجبَرُ على دَفعِ أقلِّهِ، كهِبتِه بعْدَ البِناءِ. وإذا وَهبَتْ لزَوجِها صَداقَها كُلَّه أو بَعضَه بعْدَ البِناءِ فإنهُ إذا طلَّقَها بعْدَ ذلكَ لَم تَرجعْ عليهِ بشيءٍ مِنه، وكذلكَ إذا وَهبَتْ لهُ بَعضَ صَداقِها قبْلَ البِناءِ، فإنَّ البَعضَ الباقي هوَ الصَّداقُ، فإنْ كانَ رُبعَ دينارٍ أو ثلاثةَ دَراهمَ
следующие страницы →