وتَدخُلُ في مِلكِه: مِنْ حِينِ قَبولِه (١). فَما حَدَثَ (٢) مِنْ نَماءٍ مُنفَصِلٍ (٣) قَبلَ ذَلِكَ: فلِلوَرَثَةِ (٤).
وتَبطُلُ الوَصِيَّةُ بخَمسَةِ أشيَاءَ: بِرُجُوعِ المُوصِي (٥) بِقَولٍ (٦) أو فِعْلٍ (٧)(١) قوله: (وتدخُلُ في مِلكِهِ مِنْ حِينِ قَبولِه): بعدَ المَوتِ، فلا يصحُّ تصرُّفُه في الموصَى به قبلَ القَبولِ. الوالد.
(٢) قوله: (فما حَدَثَ): مِنْ عَينٍ مُوصًى بها بعدَ مَوتِ مُوصٍ، وقبلَ قَبولِ موصًى له بها. فهو مفرَّعٌ على قولِه: «وتدخل في مِلكِه».
(٣) قوله: (مِنْ نَمَاءٍ مُنفَصِلٍ): بيان ل «ما» ككَسْبٍ، وثَمرَةٍ، وولَدٍ.
(٤) قوله: (قَبلَ ذلِكَ): أي: قبلَ قَبولِ موصًى له بها (ف) هو (للورثَةِ) أي: لورثَةِ موصٍ؛ لمِلكِهم للعَينِ حينئذٍ. ويتبعُ العينَ المُوصَى بها نَماءٌ متَّصل، كسِمَنٍ، وتعلُّمِ صَنعَةٍ، كسائِر العقودِ والفُسوخِ. م ص [¬١].
(٥) قوله: (برجُوعِ المُوصِي): في وصيَّتِه.
(٦) قوله: (بقَولٍ): ك: رجَعتُ في وصيَّتي، أو أبطلتُها، أو رَددتُها، أو فسختُها. أو قال مُوصٍ في مُوصًى به: هذا لورثَتي، أو في مِيراثِي. أو قال: ما وصَّيتُ به لزيدٍ فلعَمرو. فهو رجُوعٌ عن الوصيَّةِ الأولى؛ لمُنافاتِه لها. وإن وصَّى بشيءٍ لإنسانٍ، ثم وصَّى به لآخر، ولم يقل: ما وصَّيتُ به لزيدٍ فلعمرو. فالمُوصَى به بينَهُما. ع ب [¬٢].
(٧) قوله: (أو فِعلٍ): بأن أزالَ اسمَه، فطَحَنَ الحِنطَةَ، أو خَبَزَ الدَّقيقَ المُوصَى
стр. 1297
يَدُلُّ عَلَيهِ (١). وبِمَوتِ المُوصَى لَهُ قَبلَ المُوصِي (٢). وبقَتلِهِ للمُوصِي (٣). وبِرَدِّهِ للوَصِيَّةِ (٤).
به، أو جَعَلَ الخبزَ فَتيتًا، أو نَسَجَ الغَزلَ، أو عَمِلَ الثوبَ قَميصًا، أو ضَرَبَ النَّقرَةَ دراهِمَ، أو ذبحَ الشاةَ، أو بَنَى الحَجَرَ، أو الآجُرَّ المُوصَى به، أو غرَسَ نوى موصًى به، فصار شَجرًا، أو نجَرَ الخَشَبةَ بابًا، أو كُرسِيًّا، أو دُولابًا، أو أعادَ دارًا انهدَمت، أو جَعَلَها حمَّامًا، أو نحوه، فرجُوعٌ. ع ب [¬١].
(١) قوله: (يَدلُّ عَليه): أي: يدلُّ ذلِكَ القَولُ أو الفِعلُ على الرُّجوعِ. ع ب بإيضاح [¬٢].
(٢) قوله: (وبمَوتِ المُوصَى له قَبلَ المُوصِي): هذا هو الشرطُ الثاني مِنْ شروطِ إبطالِ الوصيَّةِ: مَوتُ المُوصَى له قبلَ المُوصِي، لأنها عَطيَّةٌ صادَفت المُعطَى له ميتًا، فلم تصح، كَهبتِه مَيتًا. ع ب [¬٣].
(٣) قوله: (وبقَتلِهِ): والشَّرطُ الثالث: تبطلُ الوصيةُ بقَتلِ المُوصَى له (للمُوصِي) قتلاً مضمُونًا، ولو خطأ، أي: مَضمونًا بقصَاصٍ أو دِيةٍ أو كَفَّارة، كما قاله ابن نصر الله. نقله عثمان [¬٤]. لأنه يمنعُ الميراثَ، وهو آكدُ منها، فهي أولَى. م ص [¬٥].
(٤) قوله: (وبرَدِّهِ للوصيَّةِ): والشرطُ الرابع: تبطلُ الوصيَّةُ بردِّ المُوصَى له للوصيَّةِ قبَل قبضِها. الوالد.
стр. 1298
وبتَلَفِ العَينِ (١) المُعَيَّنةِ المُوصَى بِهَا.
(١) قوله: (وبتَلَفِ): والشرطُ الخامِسُ: تبطلُ الوصيَّةُ بتلَفِ (العَينِ) المُوصَى بها؛ بأنْ انهدَمتِ الدَّارُ، أو ماتَ العبدُ المُوصَى به قبلَ مَوتِ مُوصٍ، أو بعدَه قبلَ قبولِها؛ لأنَّ حَقَّ موصًى له لم يتعلَّق بغيرِ العَين، فإذا ذهبت زالَ حقُّه، بخِلافِ إتلافِ وارِثٍ، أو غيرِه له؛ لأنه [¬١] إذا قَبِلَ موصًى له، فإنَّ على مُتلِفِه ضَمانُه له. ع ب [¬٢].
стр. 1299
بَابُ المُوصَى لَهُ
تصِحُّ الوَصِيَّةُ: لِكُلِّ مَنْ يَصِحُّ تَملِيكُهُ (١)، ولو مُرتَدًّا (٢)، أو حَرْبيًّا (٣)، أو لا يَملِكُ، كحَملٍ (٤)،
بَابُ المُوصَى لَهُ
وهو الثالِثُ من أركانِ الوصيَّةِ.
(١) قوله: (لِكُلِّ منْ يصِحُّ تملِيكُهُ): من مسلم وكافرٍ معيَّنٍ، أو كالفُقراء. وخرجَ بقوله: «يصِحُّ تمليكُه»: الجِنيُّ، والمَعدُومُ، والحَائِطُ، ونحو ذلك. حفيد.
(٢) قوله: (ولو مُرتدًا): أي: ولو كان الذي يصِحُّ تمليكُه مرتدًّا.
(٣) قوله: (أو حَربيًّا): فلا تصِحُّ لعامَّةِ النَّصارى، أو نحوهم، لكنْ لو وَصَّى لكافِرٍ بعبدٍ مُسلمٍ، أو مُصحَفٍ، أو سِلاحٍ، أو حَدِّ قَذفٍ، لم يصِحَّ. ع ب [¬١].
(٤) قوله: (أو لا يَملِكُ، كحَملٍ): لأنه يَرِثُ، وهي في معنى الإرث من جهَة الانتقالِ عن الميِّت مَجَّانًا، إن كان موجُودًا حالَ الوصيَّةِ؛ لأنها تمليكٌ، فلا تصِحُّ لمَعدُومٍ؛ بأن تضَعَه حَيَّا لأقلَّ من سِتَّةِ أشهرٍ من حِينِ الوَصيَّةِ؛ لأن أقلَّ مدَّةِ الحَمْلِ ستَّةُ أشهر، كما يأتي، فإذا وضَعَتْهُ لأقلَّ منها، وعَاشَ، لزِمَ أن يكونَ موجُودًا حينَها، فِراشًا كانت لزوجٍ، أو سيِّدٍ، أو بائنًا، أو تضَعَه لأقلَّ من أربعِ سنين، إن لم تكُن فِراشًا، أو كانت فِراشًا لزوجٍ أو سيِّدٍ إلاَّ أنه لا
стр. 1300
وبَهيمَةٍ، ويُصرَفُ في عَلَفِها (١).
وتَصِحُّ: للمَسَاجِدِ (٢)، والقَنَاطِرِ (٣)
يطؤُها؛ لكونِه غائبًا في بَلدٍ بعيدٍ، أو مَريضًا مَرَضَا يَمنعُ الوَطءَ، أو كانَ أسيرًا، أو محبُوسًا [¬١]، أو عَلِمَ الورثةُ أنه لم يطأها، أو أقرُّوا بذلك؛ للحَاقهِ بأبيه. فإن وضَعَتْهُ لأكثرَ من أربعِ سنين، لم يستحقَّ؛ لاستحَالَةِ الوُجودِ حِينَ الوصيَّةِ. ع ب [¬٢].
(١) قوله: (وبَهيمَةٍ): أي: وتصِحُّ الوصيَّةُ لبهيمَةٍ (ويُصرَفُ في عَلَفِها) قال في «المنتهى» و «شرحه» [¬٣]: وتصِحُّ الوصيَّةُ لفَرسٍ حَبيسٍ يُنفَقُ عليه؛ لأنه من أنواعِ البرِّ. فإن ماتَ الفرسُ المُوصَى له قبلَ صَرفِ مُوصًى به، أو بعضِه، رُدَّ موصًى به، أو باقيه للورثَةِ، ولا يُصرَف في فَرسٍ حَبيسٍ آخَرَ، نصًّا.
(٢) قوله: (وتَصِحُّ للمسَاجِدِ): أي: وتَصِحُّ الوصيَّةُ للمسَاجِد، وتُصرفُ في مصَالِحِهم؛ لأنه العُرفُ، كما لو وَقَفَ عليها. ويَبدأُ الناظِرُ بالأهمِّ والأصلَحِ باجتِهادٍ. فإن قال: إن مِتُّ، فبيتِي للمسجِدِ، أو فأعطُوه مائةً من مالِي. فقال في «الفروع»: يتوجَّه صِحَّتُهُ. فلو أرادَ بها تمليكَ المسجِد، لم يصِحَّ، كما صرَّح بعدَم الصحة بذلك في «المبدع» وكذا حُكمُ الرِّباطِ والمَدرَسة في ذلِك، ولعلَّ مثلَ ذلِك الكَعبَةُ، والضَّريحُ النبويُّ. ع ب [¬٤].
(٣) قوله: (والقَنَاطِرِ): ويُصرَفُ في عِمَارتِهم.
стр. 1301
ونَحوِهَا (١). وللَّهِ (٢) ولِرَسُولِهِ، وتُصرَفُ في المَصَالِحِ العَامَّةِ (٣).
وإن أوْصَى بإحرَاقِ ثُلُثِ مالِهِ: صَحَّ، وصُرِفَ في تَجمِيرِ الكَعْبَةِ (٤)، وتَنويرِ المسَاجِدِ. و: بِدَفنِهِ في التُّرَابِ: صُرِفَ في تَكفِينِ المَوتَى. و: برَميهِ في المَاءِ (٥): صُرِفَ في عَمَلِ سُفُنٍ للجِهَادِ (٦).
ولا تَصِحُّ: لِكَنِيسَةٍ (٧)،
(١) قوله: (ونَحوِها): أي: نحو ما تقدَّمَ من الصُّور، كسِقَايَةٍ.
(٢) قوله: (ولله … إلخ): أي: وتصح الوصيَّةُ لله.
(٣) قوله: (في المصَالِح العامَّةِ): كالفيء.
(٤) قوله: (وصُرِفَ في تَجمِيرِ الكَعبَةِ): أي: تبخِيرِها.
(٥) قوله: (وبرَمِيه): أي: ومن وصَّى بثلُثِه «برميه … إلخ».
(٦) قوله: (عَمَلِ سُفُنٍ للجهَادِ): محافظةً على تصحيحِ كلامِ [¬١] المكلَّفِ مهمَا أمكَنَ.
وإن وصَّى بجعلِه في الهَواءِ، قال ابنُ نصر الله: يتوجَّه أن يُعمَلَ به بادَهْنَجٍ لمسجدٍ ينتفِعُ به المصلُّون. قال تلميذُه صاحِبُ «المبدع»: وفيه شيء. انتهى. ولو قيل: يُعمَل به نَبلٌ ونُشَّابٌ للجِهاد. لم يَبعُدْ. ش ع [¬٢].
(٧) قوله: (ولا تَصِحُّ): الوصيَّةُ (لكنيسَةٍ) مُسلِمًا كان المُوصِي أو كافِرًا، ولا لحُصُرِهَا، وقنادِيلِها، ولو من ذِميٍّ؛ لأنَّ ذلِك إعانةٌ على معصيةٍ. وصَحَّ أن
стр. 1302
أو بَيتِ نَارٍ، أو كُتُبِ التَّورَاةِ والإنجِيلِ (١)، أو مَلَكٍ (٢)، أو مَيِّتٍ، أو جِنِّيٍّ (٣)، ولا لِمُبَهمٍ، كأحَدِ هَذَين (٤).
فلو أوصَى بثُلُثِ مالِه لِمَنْ تَصِحُّ له الوَصيَّةُ ولِمَن لا تَصِحُّ (٥):
يوصِي ببناءِ ما يسكُنه المُجتَازُ مِنْ ذميٍّ وحربيٍّ. عثمان [¬١].
(١) قوله: (أو بيتِ نَارٍ): أو مكانٍ من أماكِنِ الكُفْرِ (أو كُتُبِ التَّورَاةِ والإنجيلِ) فلا تصحُّ الوصيةُ لذلِك؛ لأنهما منسُوخَان، وفيهما تَبديلٌ، والاشتغالُ بهما غَيرُ جائِزٍ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (أو مَلَكٍ): بفتح اللام، واحدُ الملائِكةِ.
(٣) قوله: (أو مَيِّتٍ): فلا تصحُّ الوصيةُ لهما؛ لأنَّهما لا يَملِكَانِ، أشبهَ ما لو وصَّى لحَجَرٍ (أو جِنِّي) كالهِبةِ لهم؛ لعدَمِ صحَّةِ تمليكهم. ع ب [¬٣].
(٤) قوله: (ولا لِمُبهَمٍ، كأحَدِ هَذينِ): أي: ولا تصِحُّ الوصيَّةُ لمُبهَمٍ؛ بأن قال: وصَّيتُ بثلُثِي لأحدِ هذين، أو لجَاري فلان، أو قَريبي فُلان، باسمٍ مُشتَرَكٍ معَه؛ لإبهام الموصَى له، وتعيينُه شَرطٌ لصحَّتِها، وإذا فُقِدَ الشَّرطُ فُقِدَ المشرُوطُ.
(٥) قوله: (ولِمَن لا تَصِحُّ): كما لو وصَّى لإنسانٍ ومَلَكٍ، أو حَائِطٍ؛ بأن قال: ثُلُثُ مالِي لزيدٍ ولجِبرِيلَ مثلاً، أو له وللحَائِط، أو الحَجَرِ، فلزيدٍ في المثالِ، الجميعُ، أي: جَميعُ الثُّلُث؛ لأنَّ مَنْ أشرَكَه معه لا يَملِكُ، فلا يصحُّ
стр. 1303
كانَ الكُلُّ لِمَنْ تَصِحُّ لَهُ. لكِنْ: لو أوصَى لِحَيٍّ ومَيِّتٍ: كانَ للحَيِّ النِّصفُ فَقَط (١).
التَّشرِيكُ. م ص [¬١].
(١) قوله: (كانَ للحَيِّ النِّصفُ فَقَطْ): من المُوصَى به؛ لأنه أضافَ الوصيَّةَ إليهِمَا، فإن لم يَكُنْ أحدُهُما أهلاً للتَّمليكِ، بطلَت الوصيَّةُ في نصيبِه دونَ نصيبِ الحيِّ؛ لخلوِّه عن المُعَارِض، كما لو كانت لِحَيَّين، فماتَ أحدُهُما.
وقوله: «للحيِّ النصف». إن جَهِلَ المُوصِي موتَ أحدِهِما، وأما إن عَلِمَ موتَه، فالكلُّ للحَيِّ؛ لأنه لما أوصَى بذلِك مع عِلمِه بموتِه فكأنه قَصَدَ الوصيَّةَ للحيِّ وحدَه. م ص [¬٢].
стр. 1304
فَصْلٌ
وإذا أوصَى لأَهلِ سِكَّتِهِ (١): فَلِأَهلِ زُقَاقِهِ (٢)
فَصْلٌ
(١) قوله: (لأَهلِ سِكَّتِه): بكسرِ السِّين.
(٢) قوله: (فلأَهلِ زُقَاقِه): أي: المُوصِي، بضمِّ الزاي، وهو دربُه، والجَمعُ: أزقَّة.
قال الأخفش والفراء: أهلُ الحجَاز يؤنِّثُونَ الزُّقَاقَ والطريقَ والسَّبيلَ والصِّراطَ والسُّوقَ. وتَميمٌ تذَكِّرُ.
قال الحارثي: والوصيَّةُ لأهلِ خِطِّه بكسر الخاء، وكثير من أهل العُرف يقولون بالضم يستحقها أهلُ دربِه، وما قارَبَه من الشَّارع يكونُ به؛ لأنه العُرفُ. والوصيَّةُ [¬١] لأهلِ مَحلَّتِه، كالوصيَّةِ لأهلِ حَارَتِه.
تتمة: أهلُ العِلمِ من اتَّصَفَ به، أي: اشتغَلَ به. وأهلُ القرآن: حَفَظَتُه. ولو وصَّى للمحدِّثِين، فالمُرادُ بهم: كلُّ من اعتَنَى بكتَابَةِ الحَديثِ وسَماعِه، وأخذَهُ عن الرُّواةِ والنَّظرِ في أسانِيدِه، وأسماءِ رجالِه، ومتعلَّقات ذلك. ولا يدخُلُ المقتَصِرُ على حِفظِ مُتونِه، أو مَعرِفَةِ شَيءٍ من أحوالِ رُواتِه، أو السَّماعِ المجرَّدِ، أو مَعرِفَةِ فقهِ الحَديثِ. ولو وصَّى للمُفسِّرينَ، فالمرادُ بهم: العَالِمُون بمعانِي القرآن، ولو وصَّى لأهلِ السنَّة، فالعُرفُ: الاختِصَاصُ بما يتعلَّقُ بمسَائِلِ العقيدَةِ، وهو ما يُعبِّر عنه بعضُهم بمَذهَبِ السَّلف، وهو المُقَابِلُ لمذهَب المُعتَزِلَة ونحوِهم. حفيد. وزيادة.
стр. 1305
حَالَ الوَصِيَّةِ (١). ولِجِيرَانِه: تَنَاوَلَ أربَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٢).
والصَّغيرُ، والصَّبيُّ، والغُلامُ، واليَافِعُ، واليَتِيمُ (٣):
(١) قوله: (حَالَ الوصيَّةِ): نصًّا؛ لأنه قد يَلحَظُ سُكَّانها الموجُودين لحَصرِهم. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (مِنْ كلِّ جَانِبٍ): نصًّا؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «الجارُ أربعون دَارًا هَكذا، وهَكذا، وهَكذا، وهكذا» [¬٢]. وجَارُ المَسجِد: مَنْ سَمِعَ أذانَه؛ لقول علي في حديث: «لا صلاةَ لجَارِ المَسجدِ إلاَّ في المَسجِدِ» [¬٣]. قال: مَنْ سَمِعَ النِّداء. كما في «الإقناع».
وطريقُ قَسْمِ المُوصَى به على الجِيران؛ بأن يَقسِمَ المَالَ على عَددِ الدُّور، وكُلُّ حِصَّةِ دارٍ تُقسَمُ على سُكَّانِها، ولا يَدخُلُ فيهم مَنْ وُجِدَ بينَ الوصيَّةِ والمَوتِ، كمَنْ وُجِدَ بعدَ المَوتِ. عثمان [¬٤] وزيادة.
(٣) قوله: (واليَتيمُ): من لا أبَ له، وفي غَيرِ النَّاسِ: من لا أمَّ له. فإن ماتَ الأَبَوان، فالصَّغيرُ لَطِيمٌ، فإن ماتت أمُّه، فالصَّغيرُ: عَجِيٌّ. قاله صاحب «الإقناع» في «حاشيته» عليه [¬٥].
стр. 1306
مَنْ لم يبلُغ (١). والمُميِّزُ: مَنْ بَلَغَ سَبعًا. والطِّفلُ: مَنْ دَونَ سَبعٍ (٢). والمُراهِقُ: مَنْ قَارَبَ البُلُوغَ (٣).
والشَّابُ، والفَتَى: مِنَ البُلوغِ إلى ثَلاثِينَ. والكَهْلُ: مِنَ الثَّلاثِيَن إلى الخَمسِين (٤).
(١) قوله: (من لم يَبلُغْ): فتُطلَقُ هذه الأسماء على الولَد مِنْ وِلادَتِه إلى بُلوغِه، بخلافِ الطفلِ، فإلى تَمييزِه. قال الجوهري: الصَّبيُّ: الغُلامُ. م ص [¬١].
(٢) قوله: (والطِّفلُ مَنْ دَونَ سَبعٍ): وظاهِره: مِنْ ذَكَرٍ وأُنثى. قال في «البدر المنير»: الطِّفلُ: الولَدُ الصَّغيرُ مِنْ الإنسَانِ والدَّوابِّ. قال بعضُهم: ويبقَى هذا الاسمُ للولَدِ حتَّى يُميِّز، ثم لا يُقالُ له بعدَ ذلك: طِفلٌ، بل صَبيٌّ، وحَزَوَّرٌ، ويافِعٌ، ومُراهِقٌ، وبَالغٌ. ش ع [¬٢].
(٣) قوله: (والمُراهِقُ من قارب البُلوغَ): قال في «القاموس»: راهقَ الغُلامُ: قَاربَ الحُلُمَ. م ص [¬٣].
(٤) قوله: (إلى ثَلاثِينَ): سَنةً (والكَهلُ: مِنَ الثَّلاثِينَ إلى الخَمسِين) سنةً. قال في «القاموس»: الكَهْلُ: من وخَطَه الشَّيبُ ورؤيت له بَجَالَةٌ. أو مَنْ جَاوزَ الثَّلاثين، أو أربعًا وثلاثين إلى إحدَى وخمسين. انتهى. والبَجَالَةُ: مصدر بَجُلَ، كعَظُمَ؛ لفظًا ومعنى. م ص [¬٤].
стр. 1307
والشَّيخُ: مِنَ الخَمْسِينَ إلى السَّبعِينَ. ثمَّ بَعدَ ذلِكَ: هَرِمٌ (١).
والأَيِّمُ، والعَازِبُ: مَنْ لا زَوجَ لَهُ، مِنْ رَجُلٍ وامرَأةٍ. والبِكرُ (٢): مَنْ لَم يَتزَوَّج.
ورَجُلٌ ثيِّبٌ، وامرَأةٌ ثَيِّبَةٌ: إذا كانَا قَدْ تزَوَّجَا. والثُّيُوبَةُ: زوالُ البَكَارَةِ، ولو مِنْ غَيرِ زَوجٍ.
والأرَامِلُ (٣): النِّسَاءُ اللَّاتِي فارَقَهُنَّ أزوَاجُهُنَّ بمَوتٍ أو حَيَاةٍ.
والرَّهْطُ: ما دَونَ العَشَرَةِ مِنَ الرِّجَالِ خَاصَّةً.
(١) قوله: (هَرِمٌ): إلى آخِرِ عُمُرِه.
(٢) قوله: (والبِكرُ): والعَانِسُ: من بَلَغَ حدَّ التزويجِ ولم يتزوَّج.
(٣) قوله: (والأرامِلُ): جمعُ أرمَلةٍ.
стр. 1308
بَابُ المُوصَى بِهِ
تَصِحُّ الوصيَّةُ، حتَّى بِمَا لا يَصِحُّ بَيعُهُ (١)؛ كالآبِقِ والشَّارِدِ (٢)، والطَّيرِ بالهَوَاءِ، والحَمْلِ بالبَطْنِ (٣)، واللَّبَنِ بالضَّرعِ (٤).
بابُ المُوصَى بِه
وهو المُكمِّلُ لأركَانِ الوَصيَّةِ الأربَعَةِ.
(١) قوله: (حتَّى بِمَا لا يَصِحُّ بيعُه): لعَدَمِ القُدرَةِ على تسليمه، وللوَصيِّ السَّعيُ في تَحصِيله. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (والشَّارِدِ): والمَغصُوبِ.
(٣) قوله: (والحَمْلِ بالبَطْنِ): سواء كانَ الحمْلُ حَمْلَ بَهيمَةٍ أو أَمَةٍ، تحقَّق وجودُه حينَ الوصيَّةِ؛ لجَريانِها مَجرَى الإرثِ. وتصحُّ الوصيَّةُ أيضًا له أي: للحَمْلِ إن تَحقَّق وجودُه قبلَ الوصيَّةِ؛ بأن تضَعَهُ حيًّا لا ميتًا لأقلَّ مِنْ ستَّةِ أشهُرٍ مِنْ الوصيَّة إن كانت فِراشًا، أو لأقلَّ من أربَعِ سِنين إن لم تكُن فِراشًا لزَوجٍ أو سَيِّد، أو كانت إلاَّ أنه لم يَطأْ لمَرَضٍ، أو أسرٍ، أو حَبسٍ، أو بُعدٍ، أو عَلِمَ الورثةُ أنه لم يطأ، أو أقرُّوا بذلِك. عثمان [¬٢].
(٤) قوله: (واللَّبَنِ بالضَّرْعِ): وسَمَكٍ في لُجَّةٍ. وناقَشَ الحَارثيُّ في التمثيلِ باللَّبنِ في الضَّرع؛ بأنه غَيرُ معجُوزٍ عن تَسلِيمِه، لكنَّه من نَوعِ المَجهُولِ أو المعدُومِ؛ لتجدُّدِه شَيئًا فشيئًا. عثمان [¬٣].
стр. 1309
وبالمَعدُومِ؛ كبِمَا تَحمِلُ أمَتُهُ (١)، أو شَجَرَتُه أبَدًا، أو مُدَّةً مَعلُومَةً (٢).
فإن حَصَلَ شَيءٌ: فللمُوصَى لَهُ (٣)، إلا حَمْلَ الأمَةِ (٤)، فَقِيمَتُهُ يَومَ وَضْعِهِ (٥).
(١) قوله: (وبالمَعدُومِ … إلخ): أي: وتصحُّ الوصيَّةُ بالمعدُومِ (كبِمَا تَحمِلُ أمتُه) قال أبو العباس في «تعاليقه القديمة»: ويظهَرُ لي أنه لا تصحُّ الوصيَّةُ بالحَملِ نظرًا إلى عِلَّةِ التَّفرِيقِ؛ إذ ليسَ التَّفرِيقُ مُختَصًّا بالبيعِ، بل هو عَام في كلِّ تفريقٍ، إلاَّ العِتقَ، وافتداءَ الأسرى. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (أو شَجَرتُه): عطفٌ على أمتِه. أي: وتصحُّ الوصيَّةُ بما تَحمِلُ شجرتُه (أبدًا، أو مدَّةً معلومَةً) كسَنةٍ، أو سنتين.
(٣) قوله: (فإن حَصَلَ شَيءٌ): ممَّا وصَّى به مِنْ المَعدُومِ (فللمُوصَى له) بمُقتَضى الوصيَّةِ، وإلاَّ يحصُل شيء من ذلك، بطَلت الوصيَّةُ؛ لأنها لم تُصادِف محلاًّ، وكذا لو لم تَحمِل الأمةُ حتَّى صارت حُرَّةً، فإن وُطِئَت، وهي في الرِّق بشُبهَةٍ، وحَمَلَت، فعلَى واطِئٍ قيمَةُ الولَدِ لمُوصًى له به. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (إلاَّ حَملَ الأمَةِ): مستثنى من قوله: «والحمل [¬٣] بالبطن». أي: حمل الأمة المُوصَى له به.
(٥) قوله: (فَقيمَتُه يومَ وَضعِهِ): أي: فيكونُ للمُوصَى له به قِيمَتُه؛ لئلا يُفرَّقَ بين ذِي الرَّحم في الملك. وتُعتَبرُ القِيمَةُ بيومِ الوِلادَةِ إن قُبِلَ قَبلَها، وإلاَّ قُوِّمَت
стр. 1310
وتَصِحُّ: بغَيرِ مَالٍ، كَكَلبٍ مُباحِ النَّفعِ (١)، وزَيتٍ مُتَنَجِّسٍ (٢). وتَصِحُّ: بالمَنَفَعَةِ المُفرَدَةِ (٣)، كَخِدمَةِ عَبدٍ، وأُجرَةِ دَارٍ، ونَحوِهِما (٤). وتَصِحُّ: بالمُبهَمِ، كثَوبٍ، ويُعطَى ما يَقَعُ علَيهِ الاسْمُ (٥).
وقتَ القَبول. فلو ماتَت أمةٌ بمجرَّدِ وضعِه، فمُقتَضَى التَّعليل: أن يكونَ للمُوصَى له، وإن كانَ ظاهر الإطلاق خلافه. حفيد.
(١) قوله: (كَكَلبٍ مُباحِ النَّفعِ): وهو: كلبُ صَيدٍ، ومَاشيةٍ، وزَرعٍ، غير كلبٍ أسودَ بَهيمٍ؛ لأنه لا يباحُ صيدُه، ولا اقتناؤه. الوالد.
(٢) قوله: (وزَيتٍ متنجِّسٍ): لغيرِ مَسجدٍ؛ لأن فيه نَفعًا مُباحًا، وهو الاستصبَاحُ، بخلافِ المَسجدِ، فإنه يحرُم فيه. وللمُوصَى له بكَلبٍ، أو زَيتٍ مُتنجِّسٍ، ثُلُثُهما، أي: ثلثُ الكَلبِ والزَّيتِ المتنجِّسِ، ولو كَثُرَ المَالُ، إن لم يُجِزْ وارِثٌ. الوالد.
(٣) قوله: (وتَصِحُّ بالمَنفَعَةِ المُفَرَدةِ): أي: وتصح الوصيةُ بالمنفعَةِ المُفرَدَةِ عن الرقبة؛ لأنه يصحُّ تمليكُها بعَقدِ المُعاوَضَةِ، فصحَّت الوصيَّةُ بها، كالأعيان. ع ب [¬١].
(٤) قوله: (ونَحوِهِما): كمنافِعِ أمةٍ، وثَمرَةِ بُستَانٍ، أو ثَمرَةِ شَجَرةٍ، سَواء وَصَّى بذلِكَ مدَّةً معلومَةً كسَنَةٍ، أو أوصَى بجَميعِ الثَّمرَةِ والمَنفَعَةِ في الزَّمان كلِّه؛ لأن غايتَه جَهالَةُ القَدْرِ، وجَهَالَتُه لا تَقْدَحُ. ولو قال: وصَّيتُ بمنافِعه، وأطلَقَ، أفادَ التأبيدَ أيضًا؛ لوجُودِ الإضافَةِ المُعَمَّمَةِ. ع ب [¬٢].
(٥) قوله: (ويُعطَى): المُوصَى له (ما يَقعُ عليهِ الاسمُ) أي: اسمُ الثَّوبِ؛ لأنه
стр. 1311
فإن اختَلَفَ الاسمُ بالعُرفِ والحَقِيقَةِ (١): غُلِّبَتِ الحَقِيقَةُ (٢).
فالشَّاةُ (٣)، والبَعيرُ (٤)، والثَّورُ: اسمٌ للذَّكَرِ والأُنثَى، مِنْ صَغِيرٍ وَكَبيرٍ. والحِصَانُ (٥)، والجَمَلُ (٦)، والحِمَارُ، والبَغْلُ (٧)، والعَبدُ: اسمٌ للذَّكَرِ خاصَّةً (٨).
اليقينُ، سواء كانَ منسُوجًا من حَريرٍ، أو كتَّان، أو قُطْن، أو صُوفٍ، أو شَعْرٍ، ونحوه، مصبُوغًا أو لا، صغيرًا أو كبيرًا؛ لأن غايتَه أنه مجهولٌ، والوصيَّةُ تصِحُّ بالمعدُومِ، فبهذا أولَى. م ص [¬١].
(١) قوله: (فإنْ اختَلَفَ): أي: الاسمُ المُوصَى به. (بالعُرْفِ والحَقيقَةِ) اللُّغَويَّة.
(٢) قوله: (غُلِّبت الحَقيقَةُ): اللُّغويةُ على العُرفِ؛ لأنها الأصلُ، ولهذا يُحمَلُ عليها كلامُ اللَّه تعالى، وكلامُ رسوله ﷺ .
(٣) قوله: (فالشَّاةُ): تفريع على قوله: «فإن اختلف الاسم … إلخ». ويَشمَلُ لفظُ الشَّاةِ: الضَّأنَ والمَعْزَ.
(٤) قوله: (والبَعيرُ): بفتح الباء وكسرِها، يشمَلُ: الذَّكرَ والأُنثَى، من صَغير وكَبير؛ لصَلاحيةِ اللَّفظ له.
(٥) قوله: (والحِصَانُ): بكسر الحاء المهملة، اسمٌ للذَّكَر.
(٦) قوله: (والجَمَلُ): بفتح الميم وسكونها، اسمٌ للذَّكَر.
(٧) قوله: (والحِمَارُ والبَغلُ): اسمٌ للذَّكَر خاصَّةً فقط.
(٨) قوله: (والعبدُ: اسمٌ للذَّكَر خاصَّةً): لقوله تعالى: ﴿وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم﴾ [النُّور: ٣٢]. والعطفُ يقتَضي المُغايَرةَ؛
стр. 1312
والحِجْرُ (١)، والأتَانُ (٢)، والنَّاقَةُ (٣)، والبَقَرَةُ: اسمٌ للأُنثَى. والفَرَسُ، والرَّقِيقُ: اسمٌ لهُمَا (٤). والنَّعْجَةُ: اسمٌ لِلأُنثَى مِنَ الضَّأنِ. والكَبشُ: اسمٌ للذَّكَرِ الكَبيرِ مِنهُ (٥). والتَّيسُ: اسمٌ للذَّكَرِ الكَبيرِ مِنَ المَعْزِ. والدَّابَّةُ عُرفًا: اسمٌ للذَّكَرِ والأُنثَى (٦)، مِنَ الخَيلِ والبِغَالِ والحَمِيرِ.
ولأنَّه المفهومُ من إطلاقِ اسمِ العَبدِ. فلو وكَّلَه في شراء عَبدٍ، فليسَ له شِراءُ أمَةٍ. وقيل: العبدُ: للذَّكر والأنثى. ويؤيِّدُه ما يأتي في العِتقِ، إذا قال: عَبيدِي أحرارٌ، عتَق مكاتبُوه، ومدبَّرُوه، وأمَّهاتُ أولادِه. أفاده. م ص [¬١].
(١) قوله: (والحِجْرُ): بكسر الحاءِ المُهملة، وسكونِ الجيم: الأُنثَى من الخَيلِ. قال في «القاموس»: وبالهاء: لَحْنٌ. م ص [¬٢].
(٢) قوله: (والأَتَانُ): للحِمَارَةِ. قال في «القاموس»: والأَتَانةُ قَليلَةٌ.
(٣) قوله: (والنَّاقَةُ): وبَكْرةٌ [¬٣]، وقَلوصٌ [¬٤]: للأُنثَى. ع ب [¬٥] [¬٦].
(٤) قوله: (والرَّقيقُ اسمٌ لهُما): أي: للذَّكَرِ والأُنثَى، وكذا الخُنثَى. ع ب [¬٧].
(٥) قوله: (اسمٌ للذَّكَرِ الكَبيرِ منه): أي: مِنْ الضَّأن.
(٦) قوله: (والدَّابَّةُ عُرفًا اسمٌ للذَّكَرِ والأُنثَى … إلخ): فتتقيِّدُ يمينُ مَنْ حلَفَ لا يركبُ دابَّةً بها؛ لأن الاسمَ في العُرفِ لا يقعُ إلاَّ علَى ذلِك، ولم تغلِب
стр. 1313
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحَقيقَةُ هنا؛ لأنها صارت مهجُورَةً فيما عَدَا الثلاثَةِ، كما أشارَ إليه الحَارثي. لكِنْ إن قُرِنَ به ما يَصرِفُه إلى أحدها؛ كدَابَّةٍ يقاتِلُ عليها، أو يُسهِمُ لها، انصرَفَ إلى الخَيلِ، أو دابَّةٍ ينتفِعُ بظَهرِها ونَسلِها، خرجَ البِغَالُ؛ لأنه لا نَسلَ لها، وخرجَ الذُّكورُ. عثمان [¬١].
стр. 1314
بَابُ المُوصَى إليهِ
تَصِحُّ وصيَّةُ المُسلِمِ: إلى كُلِّ مُسلِمٍ (١)، مُكلَّفٍ (٢)،
بابُ المُوصَى إليهِ
أي: المأذون بالتصرُّفِ في المَالِ وغَيرِه، ممَّا للمُوصِي التصرُّفُ فيهِ حَالَ الحَياةِ، وتدخُلُه النيابَةُ، ولا بأسَ بالدُّخولِ في الوصيَّةِ لِمن قَوِيَ عليه، وَوَثِقَ من نفسِه؛ لأنه قُرَبَةٌ؛ لفِعلِ الصَّحابَةِ [¬١] ﵃، وتركُه أولَى في هذه الأزمِنَةِ؛ لما فيه من الخَطَرِ، وهو لا يُعدَلُ بالسَّلامَةِ. عثمان [¬٢] وزيادة.
(١) قوله: (تصِحُّ وصيَّةُ المُسلِمِ إلى كلِّ مُسلِم): بلفظ: فوَّضتُ، أو أوصَيتُ إليكَ، أو إلى زَيدٍ بكذَا، أو هو وصيٌّ، أو جعلتُكَ، أو جعلتُه وصِيًّا. فمتَى قَبِلَ صَارَ وصيًّا، فلو تصرَّف موصًى [¬٣] إليه قَبْلَ القَبولِ، فاستظْهَر ابنُ رجَبٍ قِيامَه مقَامَ القَبولِ. ذكره في القاعدة (٥٤). عثمان [¬٤].
(٢) قوله: (مُكلَّفٍ): أي: إلاَّ أن تكونَ لمُنتَظَرٍ، كما سيأتي في قوله: «كإذا بلغ». وعُلِمَ منه: أنها لا تصِحُّ إلى مَجنُونٍ، أو طِفلٍ، أو مُراهِقٍ. قال الحارثي: أو أبلَه. لأنهم لا يتأهلُونَ إلى تصرُّفٍ، أو وِلايَةٍ. حفيد.
стр. 1315
رَشِيدٍ (١)، عَدْلٍ، ولو ظَاهِرًا (٢)، أو أعمَى (٣)، أو امرَأَةً، أو رَقِيقًا، لكِنْ لا يَقبَلُ إلَّا بإذنِ سَيِّدِهِ (٤). وتَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ: إلى عَدْلٍ في دِينِهِ (٥). ويُعتَبرُ وجُودُ هَذهِ الصِّفَاتِ: عِنْدَ الوَصِيَّةِ (٦) والمَوتِ (٧).
(١) قوله: (رَشيدٍ): فلا تصِحُّ إلى سَفيهٍ؛ لأنه لا يصحُّ توكيلُه. ع ب [¬١].
(٢) قوله: (عَدْلٍ ولو ظَاهِرًا): أي: مَستُورًا. أي: ظاهِرَ العَدالَةِ. الوالد.
(٣) قوله: (أو أعمَى): أي: أو عَاجِزًا. ويُضَمُّ إليه قَويٌّ أمينٌ معاوِنٌ، ولا تُزالُ يدُهُ عن المالِ، ولا نظرُهُ. والأوَّلُ هو الوصيُّ دونَ الثاني، فالتصرُّفُ للأوَّلِ وحدَه، والثاني إنما هو مُعينٌ، فدلَّ أن الناظِرَ الحِسْبِيَّ حيثُ سَاغتْ إقامتُه لا تصرُّفَ له، وإنما التصرُّفُ للأوَّل. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (لكن لا يَقبَلُ): غَيرُ عَبدِ المُوصِي الوصيَّةَ. أي: لا يتصرَّفُ. فهو استدراك على قوله: «رقيقًا» (إلا بإذن سَيِّدِه) لأن المنافِعَ له، فلا بدَّ من إذنِه فيها.
(٥) قوله: (وتصِحُّ): الوصيَّةُ (من كَافِرٍ إلى) كافِرٍ (عَدلٍ في دِينِه) لأنه يَلي على غَيرِه بالنَّسَبِ، فيلي بالوصيَّةِ، كالمُسلِم. ع ب [¬٣].
(٦) قوله: (ويُعتَبَرُ وجُودُ هذه الصِّفَاتِ): من الإسلام، والتَّكليفِ، والرُّشدِ، والعدالة (عِنْدَ الوَصيَّةِ) إليه؛ لأنها شُروطٌ لصحَّتها فاعتُبِرَ وجودُها حالَها. فالظَّرفُ متعلق ب: «يعتبر».
(٧) قوله: (والمَوتِ): أي: ويُعتَبرُ وجودُ هذه الصِّفاتِ عندَ المَوتِ؛ لأنه
стр. 1316
وللمُوْصَى إليهِ: أن يَقبَلَ (١). وأنْ يَعزِلَ نَفسَهُ مَتَى شَاءَ (٢).
وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ: مُعَلَّقَةً؛ ك: إذا بَلَغَ، أو: حَضَرَ، أو: رَشَدَ، أو: تَابَ
الوقتُ الذي يَملِكُ المُوصَى إليه التصرُّفَ فيه بالإيصَاءِ.
«تتمة»: ما أنفقَهُ وصيٌّ متبرِّعٌ بمَعرُوفٍ في ثُبوتِها، فَمِنْ مالِ يَتيمٍ. ذكرَه الشيخُ تقي الدين في «فتاويه». إذا أخرج عن اليتيم إقطاعه، للوصي الصرف بالمعروف من ماله في إعادته. وعَلى قِياسِ ذلِك: الوظائِفُ، وهو متوجِّه؛ لأنه مَصلحَةٌ له. قاله م ص [¬١].
(١) قوله: (وللموصَى إليه أن يَقْبَلَ): الإيصاءَ إليه في حَياةِ المُوصِي؛ لأنه إذنٌ في التصرُّفِ، فصحَّ قبولُه بعدَ العقدِ، كالوكَالة، بخلافِ الوصيَّة بالمَال، فإنها تَمليكٌ في وَقتٍ، فلم يصِح القبولُ قبلَه. ويصِحُّ القبولُ أيضًا بعدَ مَوتِه؛ لأنها نوعُ وصيَّةٍ، فصحَّ قبولُها إذن كوصيَّةِ المَال. فمتَى قَبِلَ، صارَ وَصِيًّا. قال الحارثي: ويقومُ فِعلُ التصرُّفِ مقامَ اللفظ، كمَا في الوكَالَة. ع ب [¬٢].
(٢) قوله: (وأن يعزِلَ نفسَه متَى شَاءَ): مع القُدرَةِ والعَجزِ، في حَياةِ المُوصِي وبعدَ موتِه، وفي حُضُورِه وغَيبتِه؛ لأنه متصرِّفٌ بالإذن، كالوكِيل. ع ب [¬٣].
стр. 1317
مِنْ فِسْقِهِ (١)، أو: إن ماتَ زيدٌ فَعَمْرٌو مَكَانَهُ. وتَصِحُّ: مُؤَقَّتَةً؛ ك: زَيدٍ وَصِيٌّ سَنَةً، ثُمَّ عَمرٌو (٢).
ولَيسَ للوَصيِّ: أن يُوصِيَ (٣)، إلَّا إن جَعَلَ (٤) لَهُ ذَلِكَ. ولا نَظَر للحَاكِم مَعَ الوَصِيِّ الخَاصِّ إذا كانَ كُفْؤًا (٥).
(١) قوله: (أو حَضَرَ): كأوصيتُ إليكَ، فإذا تابَ ابني عن فِسقِه، أو صَحَّ من مَرضِه، أو اشتغَل بالعِلمِ، أو صَالَح أمَّه، أو رَشَدَ، فهو وَصيٌّ، ونحوه. عثمان [¬١].
(٢) قوله: (كزَيدٍ وَصيٌّ سَنَةً، ثمَّ عَمرو): وصيٌّ بعدَه؛ للخَبرِ الصَّحيح [¬٢]: «أميرُكم زيدٌ، فإن قُتِلَ فجعفَرٌ، فإن قُتِلَ فعبدُ اللَّه بنُ رواحَه». والوصيَّةُ كالتَّأمِير. ع ب [¬٣].
(٣) قوله: (وليسَ للوصيِّ أن يُوصِي): كالوَكِيلِ. قال الحارثي: لو غلَبَ على الظنِّ أن القاضِيَ يستَنِدُ إلى مَنْ ليسَ أهلاً، اتَّجَه جَوازُ الإيصَاء، قَولاً واحِدًا، بل يَجبُ؛ لصُونِ المَالِ عن التَّلفِ والضياعِ. حفيد.
(٤) قوله: (إلاَّ إن جَعَلَ): الوَصيُّ للمُوصَى إليه أنْ يوصِي، فَيملِكه.
(٥) قوله: (إذا كَان): الوَصيُّ (كُفؤًا) في ذلك التصرُّفِ الذي أُسنِدَ إليه، فقُطِعَ نَظَرُ الحاكِمِ، لكن له الاعتِراضُ عليه، إن فَعَلَ ما لا يَسوغُ، على ما تقدَّم في ناظِرِ الوَقفِ. ع ب [¬٤].
стр. 1318
فَصْلٌ
ولا تَصِحُّ الوصيَّةُ: إلَّا في شَيءٍ مَعلُومٍ (١) يَملِكُ المُوصِي فِعْلَهُ (٢)؛ كقَضَاءِ الدَّينِ، وتَفريقِ الوَصِيَّةِ، ورَدِّ الحُقُوقِ إلى أهلِها، والنَّظَرِ في أمرِ غَيرِ مُكَلَّفٍ (٣). لا: باستِيفَاءِ الدَّينِ مَعَ رُشْدِ وَارِثِهِ (٤).
فَصْلٌ
(١) قوله: (إلاَّ في شَيءٍ مَعلُومٍ): ليعلَمَ وَصيُّ ما وصِّيَ إليه به؛ ليحفَظَه، ويتصرَّفَ فيه. م ص [¬١].
(٢) قوله: (يَملِكُ المُوصِي [¬٢] فِعلَه): نحوَ ما ذَكرَه المُصنِّفُ، أمَّا ما لا يملِكُ فِعلَه، كالنَّظَرِ في مالِ أولادِه الذين لا وِلَايةَ له عَليهِم، وهم العُقلاءُ الراشِدُون، ومَالِ غيرِ أولادِه، كإخوتِه، وأعمَامِه، وأولادِ ابنهِ، وسَائِر أقارِبه، وأيضًا المَرأةُ بالنَّظَرِ في مالِ أولادِها. حفيد.
(٣) قوله: (والنَّظَرِ في أمرِ غَيرِ مُكلَّفٍ): رَشيدٍ مِنْ طِفلٍ، ومَجنُونٍ، وسَفيهٍ مِنْ أولادٍ، وتَزويجِ مَولِيَّاتِه، ويقومُ وصيُّ مقامَه في الإجبار. عثمان [¬٣].
(٤) قوله: (لا باستيفَاءِ الدَّينِ مَعَ رُشدِ وارِثهِ): أي: ولا تصِحُّ الوصيَّةُ باستيفاءِ الدين مع بُلوغِ وارِثه؛ لأن المالَ انتقَلَ عن الميِّت إلى ورثَتِه الذينَ لا وِلايةَ له
стр. 1319
ومَنْ وُصِّيَ في شَيءٍ: لَم يَصِرْ وَصِيًّا في غَيرِهِ (١).
وإنْ صَرَفَ أجنَبِيٌّ (٢) المُوصَى بِهِ لِمُعَيَّنٍ في جِهَتِهِ: لم يَضمَنْهُ (٣). وإذا قالَ له: ضَعْ ثُلُثَ مالِي حَيثُ شِئتَ، أو: أعطِهِ، أو: تَصَدَّقَ بهِ عَلَى مَنْ شِئْتَ: لم يَجُزْ لَهُ أخْذُهُ (٤)،
عَليهِم، فلم تصِح الوصيَّةُ باستيفَائِه، كمَا لو لم يكونوا وارثين. ع ب [¬١].
(١) قوله: (ومن وُصِّيَ في شَيءٍ، لم يَصِرْ وصيًّا فِي غَيرِه): لأنه استفَادَ التصرُّفَ بالإذنِ مِنْ جِهَتِه، فكانَ مقصُورًا على ما أُذِنَ فيه، كالوَكِيلِ، فإنْ وَصَّى إليهِ في تَرِكَتِه وأنْ يَقُومَ مَقامَه، فهذا وَصِيٌّ في جَميعِ أمورِه، يَبيعُ ويَشتَري إذا كانَ نَظَرًا لهم. وإذا ظَهرَ دَينٌ مُستَغرِقٌ للتَّرِكَةِ بعدَ تَفرِقَةِ وَصِيٍّ الثُّلُثَ المُوصَى إليه بتَفرِقَتِه، لم يَضْمَن الوَصِيُّ لربِّ الدَّينِ شَيئًا؛ لأنه مَعذُورٌ لِعَدَمِ عِلمِه. وإنْ أمكَنَ الرُّجُوعُ على آخِذٍ، رَجَعَ عليه، ووفَّى به الدَّين. قاله ابنُ نصر اللَّه بَحثًا. الوالد.
(٢) قوله: (وإنْ صَرَفَ أجنَبيٌّ): وهو: مَنْ لَيسَ بوارِثٍ، ولا وَصيٍّ.
قوله: (لمُعيَّنٍ في جِهَتِه): المُوصَى به فِيهَا.
(٣) قوله: (لم يَضمَنْهُ): لمُصَادَفَةِ الصَّرفِ مُستَحِقَّه. وظاهِرُه: ولو فِي غَيبَةِ الوَرَثَةِ. وظاهِرُه أيضًا: أن المُوصَى به لغَيرِ مُعيَّنٍ، كالفُقَراءِ إذا صَرَفَه الأجنبيُّ فِي جِهَتِه، ضَمِنَه؛ لأنَّ المدفُوعَ إليه لم يتعيَّن مُستحِقًا، ولا نَظَرَ للدَّافع فِي تَعيينِه. م ص [¬٢].
(٤) قوله: (لم يَجُزْ له أخذُه): لأنه منفِّذٌ، كالوَكيلِ في تَفرِقَةِ مَالٍ.
стр. 1320
ولا دَفْعُهُ إلى أقارِبِهِ الوَارِثِينَ (١)، ولا إلى وَرَثَةِ المُوصِي (٢).
ومَنْ مَاتَ بِبَرِّيَّةٍ ونَحوِهَا (٣)، ولا حَاكِمَ (٤)، ولا وَصِيَّ (٥): فلِكُلِّ مُسلِمٍ (٦) أخْذُ تَرِكَتِهِ، وبَيعُ ما يَرَاهُ، ويُجَهِّزُهُ مِنهَا إنْ كانَتْ (٧)، وإلَّا جَهَّزَهُ (٨) مَنْ عِندَهُ. وَلَهُ الرُّجوُعُ بمَا غَرِمَه، إنْ نَوَى الرُّجُوعَ (٩).
(١) قوله: (ولا دفعُه إلى أقارِبِه): أي: ولم يَجُزْ له دفعُه إلى أقارِبِ الوَصيِّ (الوارِثينَ) ولو كانوا فُقراءَ. وهل المُرادُ بالوارِثينَ كونُهم وارِثينَ حَالَ الدَّفعِ، أو حالَ الوصيَّةِ؟ واحترز به عن أقارِبه غيرِ الوَارثين، فإنه يجُوزُ له الدَّفعُ إليهم، حفيد.
(٢) قوله: (ولا إلى وَرَثةِ المُوصِي): أي: لم يجُز له دفعُه إلى ورَثَةِ المُوصِي، نصًّا. لأنه قد وَصَّى بإخراجِه، فلا يُرجَعُ إلى وَرثَتِه.
(٣) قوله: (ومَن مَاتَ ببرَيَّةٍ): بفتح البَاءِ، وهي الصَّحراء (ونحوِها) كجزائرَ لا عُمرَانَ بها.
(٤) قوله: (ولا حَاكِمَ): حَضَرَ موتَهُ.
(٥) قوله: (ولا وَصِيَّ): له؛ بأن لم يُوصِ لأحدٍ، أو لم يَقبَل المُوصَى إليه.
(٦) قوله: (فلكُلِّ مُسلمٍ): حَضَرَ.
(٧) قوله: (إنْ كَانَتْ): أي: وُجِدَتْ.
(٨) قوله: (وإلاَّ جَهَّزَهُ): أي: وإن لا يكُن معَهُ شيءٌ، جهَّزهُ مَنْ حَضَرَهُ.
(٩) قوله: (إنْ نَوى الرُّجوعَ): رجَعَ على تَرِكَتِه حيثُ وُجِدَت، وإلاَّ فعلَى مَنْ يلزَمُ كَفَنُهُ، كما في «الإقناع» وهو أولَى من قَولِ «المنتهى»: على مَنْ تلزَمُه نفقَتُه. إذ الرَّجُلُ يلزمُه نفقَةُ زوجَتِه، ولا يلزمُه كفنُها، فلا يَرجِعُ عليه، بل
стр. 1321
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
على أبيها، أو نحوِه. وسواءٌ استأذَن حَاكِمًا، أو لَا، أشهَدَ على نِيَّةِ الرُّجُوعِ، أو لَا، ما لم يَنوِ التبرُّعَ، فإن نواهُ، فلا رُجوعَ له. وكذا لو لم ينوِ تبرُّعًا ولا رُجُوعًا، فإنه لا رُجُوعَ له على مُقتَضَى قولهِ: إن نواه. وهو قياسُ ما تقدَّمَ فيمَنْ قامَ عَنْ غَيرِهِ بدَينٍ واجِبٍ. ش ع [¬١].
стр. 1322
كِتابُ الفَرائِضِ
كِتَابُ الفَرائِضِ
جمعُ فريضَةٍ، بمعنى: مفروضَةً، أي: مُقدَّرةً. فهي: نَصيبٌ مقدَّرٌ شَرعًا لمُستحِقِّهِ. وقد حثَّ ﷺ على تعلُّمِه وتَعلِيمِه فقال: «تعلَّموا الفرائضَ، وعلِّمُوها النَّاسَ، فإنِّي امرؤٌ مقبُوضٌ، وإنَّ العِلْمَ سَيُقبضُ، وتظهَرُ الفِتنُ، حتَّى يختَلِفَ اثنانِ في الفَريضَةِ، فلا يَجِدَانِ مَنْ يفصِلُ بينَهما». رواه الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، ولفظه له عن ابن مسعود [¬١]. وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: «تعلَّمُوا الفرائِضَ، وعلِّمُوها، فإنَّها نِصفُ العِلمِ، وهو يُنسَى، وهو أوَّلُ عِلمٍ يُنزَعُ من أمَّتي» رواه ابن ماجه، والدارقطني [¬٢]. وعن ابن عمر أنه ﷺ قال: «العِلمُ ثلاثةٌ، وما سِوَى ذلِكَ فضلٌ؛ آيةٌ مُحكَمَةٌ، وسُنَّةٌ قائِمَةٌ، وفَريضَةٌ عَادِلَةٌ». رواه ابن ماجه [¬٣].
وحُكي أنَّ الوليدَ بنَ مُسلم: رأى في منامِه أنه دخَل بُستانًا، فأكَلَ من جَميعِ ثَمرِهِ إلاَّ العِنَبَ الأبيضَ، فقصَّه على شَيخِه الأوزاعيِّ، فقال: تُصيبُ من العُلومِ كُلِّها إلاَّ الفرائضَ، فإنَّها جَوهَرُ العِلمِ، كما أنَّ العِنَبَ الأبيضَ جَوهَرُ العِنَبِ [¬٤].
стр. 1323
وهِيَ: العِلمُ بقِسْمَةِ المَوَارِيثِ (١).
وإذا مَاتَ الإنسانُ: بُدِئَ مِنْ تَرِكَتِهِ بِكَفَنِه، وحَنُوطِهِ، ومُؤْنَةِ تَجْهِيزِهِ (٢): مِنْ رأسِ مالِهِ، سَواءٌ كانَ قَدْ تَعَلَّق بهِ (٣)
والأصلُ فيها الكِتابُ والسنَّةُ. وستَقِفُ على ذلِكَ مُفَصَّلاً. ع ب [¬١].
(١) قوله: (وهِيَ العِلمُ بِقِسْمَةِ المَوارِيثِ): أي: والفرائِضُ: العِلمُ بفقِهِ المَوارِيثِ، ومَعرِفَةُ الحِسَابِ المُوصِلِ إلى قِسمَتِها بينَ مُستحقِّيها. والمَوارِيثُ أي: التَّركَاتُ جَمعُ مِيرَاثٍ، وهي: المَالُ المُخلَّفُ عَنْ مَيِّتٍ. وأصلُه: موراثٌ، قُلبت الوَاوُ ياءً؛ لانكِسَار ما قَبلَها وسُكونِها. ويُقالُ له أيضًا: التُّرَاثُ، وتاؤهُ مُنقَلِبَةٌ عن وَاوٍ.
والإرثُ لغةً: البقاءُ، وانتقالُ الشَّيءِ من قَومٍ إلى قَومٍ آخرين. ويُطلَقُ بمعنَى الميراثِ.
ويُسمَّى القائِمُ بهذا العِلمِ: فارِضًا، وفَرِيضًا، وفَرَضِيًّا، بفتح الراء وسكونها، وفرَّاضًا، وفرائِضِيًّا.
وموضوعُه: التَّرِكاتُ؛ لأنَّها التي يُبحَثُ فيه عن عَوارِضِها، لا العَدَدُ؛ لأنَّه موضُوعُ عِلمِ الحِسَاب.
وغايتُه: معرِفَةُ ما يُخَصُّ كُلٌّ مِنَ التَّرِكَةِ. الوالد.
(٢) قوله: (ومَؤُنَةِ تَجهِيزِه): ودَفنِه بالمَعروفِ.
(٣) قوله: (سَواءٌ كانَ قد تعلَّقَ به): أي: المَال. هذا التعميمُ متعلِّقٌ بقوله: «بُدئَ مِنْ تركَتِه … إلخ».
стр. 1324
حَقُّ رَهْنٍ (١)، أو أَرْشِ جِنَايَةٍ، أوْ لَا (٢).
وما بَقِيَ بَعدَ ذَلِكَ (٣): يُقْضَى مِنهُ دُيونُ اللَّه (٤)، ودُيُونُ الآدَمِيِّينَ (٥). وما بَقِيَ بَعدَ ذلِكَ: تُنَفَّذُ وَصَايَاهُ (٦) مِنْ ثُلُثِهِ (٧).
(١) قوله: (حَقُّ رَهنٍ): أي: حَقٌّ هو رَهنٌ. فالإضَافَةُ بيانيَّة.
(٢) قوله: (أوْ لَا): أي: أو لم يتعلَّق به شيءٌ من ذلك، كحَالِ الحَياةِ؛ إذ لا يُقضَى دينُه إلاَّ بما فَضَلَ عن حَاجَتِه. ع ب [¬١].
(٣) قوله: (ومَا بَقِيَ بعدَ ذلِكَ): أي: بعدَ مَؤُنَةِ تَجهِيزِه، بالمَعرُوف.
(٤) قوله: (يُقضَى مِنهُ دُيونُ الله): كزَكَاة المَالِ، وصَدَقَةِ الفِطرِ، والكفَّارَاتِ، والحجِّ الواجِبِ، والنَّذرِ. ع ب [¬٢].
(٥) قوله: (ودُيونُ الآدميِّينَ): أي: وتُقضَى منه دُيونُ الآدميِّين من قَرضٍ، وثَمَنٍ، وأُجرَةٍ، وجَعَالَةٍ استقرَّت، ونحوِها. ويُبدَأُ منها بالمتعلِّقِ بعَينِ المَالِ، كدَينٍ برَهنٍ، وأرشِ جِنَايَةٍ برقَبَةِ العَبدِ الجَانِي، ونحوِه، ثُمَّ الدُّيونِ المُرسَلَةِ في الذِّمَّةِ.
(٦) قوله: (تُنفَّذُ وصَايَاه): لأجنَبيٍّ، وتبرُّعاتُه التي في المَرضِ، والعِتقُ، والتَدبيرُ. الوالد.
(٧) قوله: (من ثُلُثِه [¬٣]): إلاَّ أن تُجيزَ الوَرثَةُ، فمِنْ جَميعِ البَاقِي، فتنفَّذُ وإن زَادَت على الثُّلُثِ. الوالد.
стр. 1325
ثُمَّ يُقسَمُ ما بَقِيَ بَعدَ ذَلِكَ: علَى وَرَثَتِهِ (١).
(١) قوله: (ثمَّ يُقسَمُ ما بَقِيَ … إلخ): لقوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ [النِّساء: ١١]. ع ب [¬١].
стр. 1326
فَصْلٌ
وأسبابُ الإرثِ (١) ثَلاثَةٌ (٢): النَّسبُ (٣)،
فَصْلٌ
(١) قوله: (وأَسبَابُ الإرثِ): جَمعُ سَبَبٍ، وهو لغةً: ما يُتوصَّلُ به لغَيرِه، كالسُلَّم لطُلوعِ السَّطحِ. واصطلاحًا: ما يَلزمُ من وُجودِه الوُجودُ، ومِنْ عَدمِه العَدَمُ لذاتِه. أي: انتقالُ التَّركَةِ عن ميِّتٍ إلى حَيٍّ بمَوتِه.
(٢) قوله (ثَلاثَةٌ): أحدُها: «النَّسَبُ … إلخ». وأركانُه ثَلاثَةٌ: مُورِّث، ووَارِثٌ، وحَقٌّ مورُوثٌ.
وشروطُه أربَعةٌ: تَحقُّقُ مَوتِ المُورِّثِ، أو إلحَاقُه بالأمَواتِ حُكمًا في المَفقُودِ، أو تَقدِيرًا في الجَنينِ الذي انفصَلَ ميتًا بجنَايَةٍ على أمِّه تُوجِبُ الغُرَّةَ؛ إذ لا يورَثُ عنه غيرها. وتحَقُّقُ حَياةِ الوَارِثِ حَياةً مُستقرَّةً لوقتٍ يَظهَرُ وجُودُه فيهِ عِنْدَ المَوتِ. والعِلمُ بالجِهَةِ المقتَضِيَةِ للإرِث، هل هِيَ قَرابَةٌ، أو نِكَاحٌ، أو وَلاءٌ. والعِلمُ بالدَّرَجَةِ التي اجتمعَا فيها تَفصِيلاً، هل هيَ أخوَّةٌ أو غيرُها؟. الوالد.
(٣) قوله: (النَّسَبُ): أي: قرابةٌ، وهي: الاتِّصالُ بينَ إنسانين بالاشتِراكِ في وِلادَةٍ قريبَةٍ أو بَعيدَةٍ، فَيرِثُ بها؛ لقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفَال: ٧٥]. ع ب [¬١].
стр. 1327
والنِّكَاحُ الصَّحيحُ (١)، والوَلاءُ (٢).
(١) قوله: (والنِّكَاحُ الصَّحيحُ): والثاني: النكاحُ، وهو: عَقدُ الزوجيَّةِ الصَّحيحُ، حَصَلَ دُخولٌ، أوْ لَا. فلا تَوارُثَ في نِكَاحٍ باطِلٍ، إجماعًا، كمُعتدَّةٍ، ولا فِي فاسِدٍ لم يُحكَمْ به؛ كبِلَا وَليٍّ. حفيد.
(٢) قوله: (والوَلاءُ): والثالث: الوَلاءُ، بفتح الواو والمَدِّ، أي: ولاءُ عِتقٍ؛ بأنْ يُعتِقَ الإنسانُ عَبدًا، فيَموتُ العَتيقُ، ولا وَارِثَ له من النَّسَب، فيرِثُه مُعتِقُه؛ لإنعامِه عليه بعتقِه. واحترز بوَلاءِ العِتقِ عن وَلاءِ المُوالَاةِ، أي: المُؤاخَاةِ.
والوَلاءُ هو: نِعمَةُ السيِّدِ على عَبدِه بالإعتَاقِ؛ لحَديث: «الولاءُ لُحمَةٌ كلُحمَةِ النَّسَب» [¬١]. شَبَّه الولاءَ بالنَّسَب، والنَّسَبُ يُورَثُ به، فكذا الوَلاءُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ: أنَّ السيِّد أخرَجَ عبدَه بعتقِه مِنْ حيِّزِ المملوكيَّةِ التي يُساوِي بها البَهائِمَ إلى حَيِّزِ المَالِكيَّةِ التي يُساوِي بها الأناسيَّ، فأشبَهَ بذلِكَ الوِلَادَةَ التي أخرَجَتِ المَولُودَ مِنْ العَدَمِ إلى الوُجُودِ.
تنبيه: يُمكِنُ اجتمَاعُ الأنسَابِ الثَّلاثَةِ فيمَنْ مَلَكَ ابنةَ عَمِّه وأعتقَهَا، ثمَّ تزوَّجَها وماتَتْ، فهو زَوجُها، وابنُ عمِّها، ومُعتِقُها.
ولا يُورَثُ بغيرِ هَذِه الثَّلاثَةِ أيضًا، فلا إرثَ بالمُوالَاةِ والمُعاقَدَةِ أي: المُحالَفَةِ ولا بإسلامِه على يَدَيهِ، وكَونِهِمَا مِنْ أهلِ دِيوَانٍ أي: مَكتُوبَينِ فِي دِيوانٍ واحدٍ والتِقَاطِ طِفْلٍ. واختَارَ الشيخُ تقيُّ الدين، وصاحِبُ «الفائق»: بَلَى [¬٢]، عندَ عَدَمِ الرَّحِمِ والنكاحِ والوَلاء.
стр. 1328
وموانِعُهُ ثَلاثَةٌ: القَتلُ، والرِّقُّ، واختِلَافُ الدِّينِ (١).
وقد روي عن الإمام أحمد ﵁: أن الإرثَ يثبُتُ عندَ عَدَمِ هذِه الأسبَابِ الثلاثَةِ بأسبَابٍ ثَلاثَةٍ أُخَرَ:
أحدُها: عَقدُ المُوالَاةِ، وهي: المُعاقَدَة على التوارُث؛ لقوله تعالى: ﴿والذين عقدت أيمانكم فاتوهم نصيبهم﴾ [النِّساء: ٣٣]. وكانَ التوارُثُ بذلِكَ في صَدرِ الإسلامِ، فلمَّا نزَلَ قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ [الأنفَال: ٧٥]. نُسِخَ على المَشهُورِ. وهذِه الروايةُ تقتَضِي أنه لم تُنسَخ جُملَةً، وإنَّما قُدِّمَ عليه أولُوا الأرحَامِ.
والثاني: إسلامُ الكَافِرِ على يَدِ المُسلم، فيرِثُه المُسلِمُ عندَ عَدَمِ وارِثٍ له بشيءٍ من الأسبَابِ الثَّلاثَةِ السَّابقَةِ؛ لما روى راشدُ بن سعد [¬١] قال: قال رسول اللَّه ﷺ : «مَنْ أسلَم على يَديهِ رَجُلٌ، فهو مَولَاهُ، يَرِثُه، ويَدِي عَنهُ». رواه سعيد [¬٢].
الثالث: كونُهُما من أهلِ الدِّيوان، أي: كونُهما مَكتُوبَينِ في دَفتَرِ العَطَاءِ، ومِنْ قَبيلَةٍ واحِدَةٍ؛ لدِلالَتِه على اجتِمَاعِ نَسبِهِمَا في أبٍ واحِدٍ، ذكَرَه ابنُ نَصرِ اللَّه البغدادي في شرحه على فرائض «المحرر».
(١) قوله: (وموانِعُه ثلاثَةٌ … إلخ): أي: مَوانِعُ التَّوارُثِ ثلاثَةٌ: أحدُها: «القَتْلُ» والثاني: «الرِّقُ»، والثالث: «اختلافُ الدِّينِ» وتأتي في أبوابِها مُفصَّلةً.
стр. 1329
والمُجمَعُ على تَوريثِهم مِنَ الذُّكُورِ بالاختِصَارِ عَشَرَةٌ (١): الابنُ، وابنُهُ وإن نَزَلَ (٢)، والأبُ، وأبوهُ وإنْ عَلا (٣)، والأخُ مُطلَقًا (٤)، وابنُ الأَخِ لا مِنَ الأُمِّ (٥)،
(١) قوله: (بالاختِصَارِ عَشَرَةٌ): وأما بطَريقِ البَسْطِ فخَمْسَةَ عَشَرَ؛ لأنَّ الأخَ: إمَّا شَقِيقٌ، أو لأبٍ، أو لأمٍّ. وابنَهُ: إمَّا شَقيقٌ، أو لأبٍ. والعَمَّ: إمَّا شَقيقٌ، أو لأبٍ. وابنَه كَذلِكَ. حفيد.
(٢) قوله: (وابنُه وإنْ نَزَلَ): بمَحْضِ الذُّكُورِ؛ لقوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ [النِّساء: ١١] الآية. وابنُ الابن ابنٌ؛ لما تقدَّم في الوَقفِ. ع ب [¬١].
(٣) قوله: (والأبُ، وأبوهُ وإنْ عَلَا): بمَحْضِ الذُّكُورِ؛ لقوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس﴾ [النِّساء: ١١] الآية. والجَدُّ أبٌ. وقيلَ: ثبتَ إرثُه بالسنَّةِ؛ لأنه ﵇ أعطاهُ السُّدُسَ [¬٢]. ع ب [¬٣].
(٤) قوله: (والأخُ مُطلَقًا): أي: سواءٌ كانَ لأبٍ، أو لأمٍّ، أو لَهُمَا؛ لقوله تعالى: ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ [النِّساء: ١٧٦]، وقوله: ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس﴾ [النِّساء: ١٢].
(٥) قوله: (وابنُ الأخِ لا): إن كانَ أبوه أخا الميِّتِ (مِنَ الأمِّ) لأنَّه مِنْ ذَوِي الأرحَامِ. وابنُ الأخِ لأبوينِ، أو لأبٍ عَصَبَةٌ.
стр. 1330
والعَمُّ (١)، وابنُهُ كذَلِكَ (٢)، والزَّوجُ، والمُعْتِقُ (٣).
ومِنَ الإنَاثِ بالاختِصَارِ سَبْعٌ (٤): البنتُ، وبِنتُ الابنِ وإنْ نَزلَ أبُوهَا (٥)، والأُمُّ، والجَدَّةُ مُطلَقًا (٦)، والأُختُ مُطلَقًا (٧)، والزَّوجَةُ (٨)،
(١) قوله: (والعَمُّ): لا مِنَ الأُمِّ.
(٢) قوله: (وابنُه كَذَلِكَ): لا مِنَ الأُمِّ.
(٣) قوله: (والزَّوجُ، والمُعتِقُ): وعَصبَتُه المتعصِّبونَ بأنفُسِهِم؛ للخَبرِ والإجمَاعِ.
(٤) قوله: (ومِنَ الإنَاثِ): أي: والمُجمَعُ على تَوريثهنَّ مِنَ الإنَاثِ. وقوله: (بالاختصَارِ سَبْعٌ) وأمَّا بطَريقِ البَسْطِ فعَشَرَةٌ؛ لأنَّ الجَدَّة: إمَّا أمُّ أمٍّ، أو أمُّ أبٍ. والأُختُ: إمَّا شَقيقَةٌ، أو لأبٍ، أو لأمٍّ. حفيد.
(٥) قوله: (وإنْ نَزَلَ أبوهَا): بمَحْضِ الذُّكُورِ.
(٦) قوله: (والأمُّ، والجدَّةُ مُطلَقًا): سواءٌ كانت أمَّ أمٍّ، أو أمَّ أبٍ، على تَفصيلٍ يأتي.
(٧) قوله: (والأُختُ مُطلَقًا): أي: سَواءٌ كانت شَقيقَةً، أو لأبٍ، أو لأمٍّ.
(٨) قوله: (والزَّوجَةُ): أي: الواحِدَةُ فأكثَرَ، إلى أربَعٍ، وسيأتي توريثُ الثَّمَانِ زَوجَاتٍ في «باب المُطلَّقة» وإثباتُ الهَاءِ في «الزوجَةِ» لغةٌ قليلَةٌ، واقتصَرَ الفُقهاءُ والفرضيُّونَ عليها؛ للإيضَاحِ وخَوفِ اللَّبْسِ، فهيَ أحسَنُ، كما نقَلَه النوويُّ. والأفصَحُ الأشهَرُ تَركُ الهَاءِ، وبها جَاءَ القرآنُ، ومنه قوله تعالى: ﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ [النِّساء: ١٢]، وقوله: ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [البَقَرَة: ٣٥]. حفيد بإيضاح.
فَصْلٌ
والوُرَّاثُ (١) ثَلاثَةٌ: ذو فَرضٍ، وعَصَبةٍ، ورَحمٍ (٢).
والفُروضُ المُقَدَّرَةُ (٣)
فَصْلٌ
(١) قوله: (والوُرَّاثُ): بضمِّ الواو وتَشدِيدِ الراء، جَمعُ وارِثٍ.
(٢) قوله: (ثَلاثَة) أصنافٍ (ذوُ فَرضٍ): أي: يَرِثَ به (و) الثاني: (عَصَبَةٌ، و) الثالث: ذو (رَحِمٍ) ولكُلٍّ كلامٌ يخصُّه. وإذا اجتمَعَ جَميعُ الذُّكورِ، وَرِثَ منهم ثلاثَةٌ: الابنُ، والأبُ، والزَّوجُ، وجميعُ النِّسَاءِ، وَرِثَ منهنَّ خمسَةٌ: البنتُ، وبنتُ الابنِ، والأمُّ، والزوجَةُ، والشَّقيقَةُ. ومِنَ الصِّنفَينِ، وَرِثَ: الأبوانِ، والولَدَانِ، وأحدُ الزَّوجَينِ، كما سَيأتي في المَتنِ مُفصَّلاً.
الأُولى من اثنَى عَشَرَ؛ لأنَّ فيها سُدُسًا ورُبُعًا، يُضرَبُ نِصفُ أحَدِهِمَا في كامِلِ الآخَرِ، يحصُلُ ما ذُكِرَ، للأبِ السُّدُسُ اثنان، والزَّوجِ الرُّبعُ ثلاثَةٌ، وللابن الباقي سَبعَةٌ.
والثانيةُ من أربَعَةٍ وعِشرِينَ؛ لأنَّ فيها سُدُسَينِ، يُكتَفَى بأحَدِهما، ونصِفٌ داخِلٌ في السُّدُسِ، وثُمُنٌ. يُضرَبُ نصفُ الثَّمنِ في كامِلِ السُّدُسِ، أو بالعَكسِ، يَحصُل ما ذُكِرَ، فللبنتِ النِّصفُ اثنا عَشَر، ولبنتِ الابنِ السُّدُسُ أربعَةٌ، وللزَّوجَةِ الثُّمُنُ ثلاثَةٌ، وللأمِّ السُّدُسُ أربعَةٌ، وللأُختِ الشَّقيقَةِ ما بَقِيَ، وهو واحِدٌ.
(٣) قوله: (والفُروضُ المقدَّرَةُ): في كتاب الله، والثَّابِتُ بالاجتهادِ،
стр. 1333
سِتَّةٌ: النِّصفُ، والرُّبُعُ، والثُّمُنُ، والثُّلثَانِ، والثُّلُثُ، والسُّدُسُ (١).
وأصحَابُ هَذِه الفُرُوضِ بالاختِصَارِ عَشَرَةٌ: الزوجَان (٢)،
ومستحقِّيها. والفُروضُ: جَمعُ فَرضٍ، وهو في اللغة يقالُ لمعانٍ منها: الحَزُّ والقَطعُ. ومنها: التقديرُ. وفي الاصطلاح: النصيبُ المقدَّرُ شَرعًا لوارِثٍ خَاصٍّ، الذي لا يُزادُ إلاَّ بالردِّ، ولا يُنْقَصُ إلاَّ بالعَولِ.
(١) قوله: (سِتَّةٌ: النِّصفُ، والرُّبُعُ، والثُّمُنُ، والثُّلُثَان، والثُّلُثُ، والسُّدُسُ): والسَّابعُ وهو ثُلُثُ البَاقي ثَبَتَ باجتِهَادِ الصحابةِ ﵃.
[اعلم أن في النصف أربَعَ لُغات: تثليث نونه، والرابعة: نصيف. وفي الربع ثلاث لغات: ضم الباء وتسكينها، والثالثة: رَبيع. وفي الثمن ثلاث لغات: ضم الميم وسكونها، والثالثة: ثَمين. وفي الثلثين لغتان: ضم اللام وسكونها. ومثل ذلك في الثلث والسُدُس على ما قاله أبو عبيد. وحكى «الصحاح» ثليثًا، ففيه ثلاث لغات. قال ابن الهائم ﵀: وإذا ثبت ثليث ثبت ثليثان؛ لأنه على سنِّه فحينئذٍ تجري اللغات الثلاث في جميع الفروض الخمسة، أعني: ما عدا النصف.
فائدة: إنما بدأوا بالنصف لكونه أكبر من الكسور المفردة؛ لسهولة التدلي منه إلى غيره مع إفراده. قال السبكي رحمه اللَّه تعالى: .... [¬١] وإنما بدَّله به فأعجبني ذلك منهم. بولاقي على الشنشوري وزيادة] [¬٢].
(٢) قوله: (وأصحابُ هَذِه الفُروضِ بالاختِصَارِ عَشَرَةٌ: الزَّوجَانِ): على البَدَلِ. الزوجُ إذا كانَ معَ فَرعٍ وارِثٍ وهو الابنُ، وابنُه، والبنتُ، وبنتُ الابنِ، أخَذَ
стр. 1334
والأَبوَانِ (١)، والجَدُّ، والجَدَّةُ مُطلَقًا (٢)، والأُختُ مُطلَقًا (٣)، والبِنتُ، وبِنتُ الابنِ (٤)، والأخُ مِنَ الأُمِّ (٥).
فالنِّصفُ فَرضُ خَمسَةٍ (٦):
الرُّبُع. وإذا خَلَا عن الفَرعِ الوَارِثِ، له النِّصفُ. وأمَّا الزَّوجَةُ إذا خَلَتْ عن الفَرَعِ الوارِثِ، فلها الرُّبُعُ، ومعَهُ، فلَها الثُّمُنُ.
(١) قوله: (والأبَوَانِ): مجتمعَينِ ومُفتَرِقَينِ.
(٢) قوله: (والجَدُّ، والجَدَّةُ مُطلقًا): أي: لأمٍّ، أو لأبٍ.
(٣) قوله: (والأُختُ مُطلَقًا): لأبوينِ، أو لأبٍ، أو لأُمٍّ.
(٤) قوله: (وبنتُ الابنِ): وإن نَزَلَ أبوهَا.
(٥) قوله: (والأخُ مِنَ الأمِّ): ذكرًا كان أو أُنثَى. والإخوةُ لأبوين ذُكُورًا كانوا أو إناثًا، يُسمَّونَ بَني الأعيَانِ، لأنَّهم مِنْ عَينٍ واحِدَةٍ. ولأبٍ: بَني العَلاَّت، جَمعُ عَلَّةٍ، بفَتح العَين المُهمَلَةِ، وهي الضرَّةُ، فكأنه قيلَ: بنو الضرَّات. وللأمِّ فقط: بني الأخيَافِ، بالخاء المُعجَمة، أي: الأخلاطِ؛ لأنَّهم من أخَلاطِ الرِّجَالِ، وليسوا مِنْ رَجُلٍ واحِدٍ. م ص [¬١].
(٦) قوله: (فالنِّصفُ فَرضُ خَمسَةٍ) [الفاءُ فاءُ الفَصيحَةِ؛ لإفصَاحِها عن شَرطٍ مُقدَّر تقديرُه: إن أردتَ تفصيلَ أحوالِ أصحَابِ الفُروضِ، فالنِّصفُ فَرضُ خَمسَةٍ أفراد، فلا يرث كلُّ واحدٍ من هؤلاء الخمسة النِّصفَ على انفراده إلا إذا توفر في الجميع خمسة عشر شرطًا موزَّعةً على الجميع بقدر رُتَبهنَّ، فمن كان أوَّلَ رتبة، وَرِثَهُ بشرط ومن كان بثاني رتبة بشرطين … وهكذا.
стр. 1335
فَرضُ الزَّوجِ؛ حَيثُ لا فَرْعَ وارِثٌ للزَّوجَةِ (١). وفَرضُ البِنْتِ (٢)، وفَرضُ بِنتِ الابنِ؛ مَعَ عَدَمِ أولادِ الصُّلْبِ (٣).
فالزوج في الأولى يرثه بواحد، وهو عدم الولد مطلقًا، حقيقة أو مجازًا، سواء كان منه ومنها أو منها هي، ولو من زنى. والبنت في الثانية ترثه بشرطين وهما: عدم المعصِّب، وعدم المساوي لها. وبنت الابن في الثالثة ترثه بثلاثة شروط: عدم المعصب، وعدم المساوي، وعدم الفرع الوارث. والأختُ الشقيقَةُ في الرابعةِ تَرِثهُ بأربعةٍ: عَدمِ المعصِّب من الأخِ أو جدٍّ، وعَدَم المُساوِي، وعدمِ الأصلِ الوارِثِ، وعدمِ الفَرعِ الوارِث [¬١]. والأُختُ للأَبِ في الخامسة ترثه بخمسة: عدم المعصب، وعدم المساوي، وعدم الشقيقة أو الشقائق، وعدم الأصل الوارث، فجملة ما ذكر خمسة عَشر، لكن لا تعلم كلها من كلام المصنف. قهوقي على السبط] [¬٢].
(١) قوله: (فَرضُ الزَّوجِ): الأولُ: فَرضُ الزَّوجِ (حَيثُ لا فَرَعَ وارِثٌ للزَّوجَةِ) ذكرًا كان أو أُنثَى، مِنْ ولَدٍ أو مِنْ ولدِ ابنٍ، مِنهُ أو مِنْ غَيرِه.
(٢) قوله: (وفَرضُ البِنتِ): حيثُ كانت مُنفَرِدةً عمَّن يُساوِيهَا أو يُعصِّبها، وهو أخوها؛ لقوله تعالى: ﴿وإن كانت واحدة فلها النصف﴾ [النِّساء: ١١].
(٣) قوله: (وفَرضُ بِنتِ الابنِ): الواحِدَةِ، وإن نزلَ أبوهَا بمَحضِ الذُّكُورِ، كبنتِ ابنِ ابنٍ، وبنتِ ابنِ ابنِ ابنٍ، إجماعًا عندَ فَقْدِ البنتِ، وفَقدِ الابنِ أيضًا، وعندَ انفرادِهَا عن مُعصِّبٍ لها مِنْ أخٍ، أو ابنِ عَمٍّ، إجماعًا؛ قياسًا