← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 30067

طبقات القراء السبعة وذكر مناقبهم وقراءاتهم

ابن السلار

Полный текст (262 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

ـ[طبقات القراء السبعة]ـ المؤلف: عبد الوهاب بن يوسف بن إبراهيم، ابن السَّلَّار الشافعي (المتوفى: ٧٨٢هـ) المحقق: أحمد محمد عزوز الناشر: المكتبة العصرية - صيدا بيروت الطبعة: الأولى، ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٣ م عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

[مقدمات التحقيق] كلمة الناشر الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعث للناس أجمعين، وبعد: فهذا كتاب في معرفة القراء الكبار، الذين أكرمهم الله تعالى بخدمة كتابه العزيز، وجعلهم من حفظته، ذكر فيه مؤلفه بأسلوب أدبي رائع بليغ فضل القرآن العظيم، وأنه سعادة للناس في دنياهم، ومنجاة لهم في أخراهم، يشفع لقارئه وحافظه، ويرقى به الدرجات العلى في جنات الخلود. ثم ثنى بذكر أسانيد هؤلاء القراء إلى رسول الله ﷺ ، معددا بعض مناقبهم، كنموذج تحتذي به الأجيال وتسير وراءه الأمة، كي تستعيد عزتها وكرامتها التي ضاعت منها يوم ألقته وراءها ظهريا. ونحن إذ نقدم هذا الكتاب لأول مرة بطبعته المحققة، إنما نعد هذا العمل إثراء للمكتبة القرآنية التي تشكو فقرها وعوزها، كما نعده حسنة من حسنات مؤلفه، شيخ القراء في عصره وصاحب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهما الله جميعا. نسأل الله تعالى التوفيق لنا في خدمة كتابه العزيز، وأن يجعلنا خير خلف لخير سلف. الناشر

стр. 3

مقدمة التحقيق الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب، ولم يجعل له عوجا، والصلاة والسلام على خير البرية، خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد: فإن القرآن الكريم هو الذكر الحكيم، والنور المبين، تكفل الله بحفظه فقال: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ (١). وكان من أسباب حفظه أن قيض له رجالا مخلصين صادقين، من عهد النبوة إلى يوم يرجعون. تلقاه الرعيل الأول منهم عن المصطفى ﷺ بحفظ دقيق وفهم عميق، ثم جاء من بعدهم خلف صالح عنوا بقراءاته ورواياته، فبرز فيهم أئمة أعلام أجهدوا أنفسهم، ودأبوا ليل نهار في تلقيها وتلقينها، ودراستها وتدريسها، فنسبت إليهم نسبة تمييز لا نسبة إنشاء. أكرمهم الله تعالى بذخر في الآخرة لا يبيد، وبذكر في الدنيا لا يزول، سجلته كتب التاريخ وحفظته دواوين الطبقات. وكتابنا هذا واحد من أهم الكتب في معرفة القراء وأسانيدهم، ألفه أمين الدين أبو محمد عبد الوهاب بن السّلّار، شيخ قراء دمشق في عصره، صاحب ابن تيمية، وأول أستاذ انتفع به الشيخ شمس الدين بن الجزري الشهير. استهله مؤلفه بجملة من الأحاديث والآثار، تحث على تعلم القرآن وتعليمه، وتحذر من عاقبة هجره ومخالفة أمره.

стр. 4

ثم ذكر أسانيد القراء الذين اصطفاهم الله لخدمة كتابه العزيز، فبدأ بإسناد شيخه تقي الدين بن الصائغ، ثم وحيد الدين الخلاطي، ثم مجير الدين الدمشقي، ثم بدر الدين بن بصخان، ثم مجد الدين التونسي، ثم شهاب الدين الحراني، يذكر أسانيد كل قارئ وإجازاته في جميع القراءات التي قرأها الشيخ بجميع طرقها ورواياتها، على وجه الاستقصاء والتفصيل، من شيخه إلى النبي ﷺ ، إلى جبريل ﵇، إلى رب العزة ﷻ . وعند ذكر إسناد كل قراءة يترجم للقارئ الذي نسبت إليه معددا بعض مناقبه ومحاسنه. قال المؤلف في ختام كتابه: ومن تدبر هذه الإجازات الشريفة والأسانيد العالية المنيفة، ونظر بعين العلم والإنصاف، وعدل عن التعصب والإجحاف، وجدها من أجل الأسانيد وأعلاها، وأرفع روايات على وجه الأرض وأسناها. اه. - وقد قمت بتحقيق هذا السفر الجليل على نسخة تلميذه زين الدين عمران بن إدريس الجلجولي- التي كتبها في حياة المؤلف- وعليها بعض تصحيحاته، لم أعثر لها على ثانية، مما ألزمني مضاعفة الجهود، وبذل المزيد من الوقت، والرجوع إلى كثير من المراجع المتخصصة وغير المتخصصة، عساها تجنبني الوقوع في الخطأ، وتمكنني من إدراك الصواب. - كما قمت بترقيم الآيات القرآنية، وتخريج الأحاديث والآثار، والحكم عليها، ناقلا ذلك عن أهل النقد المشهود لهم بالدقة والإتقان. - ذكرت ترجمة موجزة للمؤلف، ركزت فيها على أهم جوانب شخصيته ومحطات حياته العلمية. - وزعت النص إلى فقرات، ورقمته، وضبطت ما يحتاج منه إلى ضبط. - شرحت بعض الألفاظ والمصطلحات العلمية.

стр. 5

- زودت الكتاب بفهارس للآيات، والأحاديث والآثار، والأعلام، والكتب، والموضوعات. - وضعت قائمة لأهم المصادر والمراجع التي تم الرجوع إليها. نسأل الله تعالى أن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، وأن يتقبله منّا، وأن يجعله صدقة جارية تشفع لنا يوم نلقاه، إنه نعم المولى ونعم النصير. أحمد محمد عزوز

стр. 6

ترجمة المؤلف (١) هو أمين الدين أبو محمد عبد الوهاب بن يوسف بن إبراهيم بن بيرم بن بهرام بن بختيار بن السّلّار، الشافعي، شيخ قراء دمشق في عصره. ولد سنة ٦٩٨ هـ، وتلا بالسبع مفردا وجامعا بدمشق على الشيخ وحيد الدين أبي حامد يحيى بن أحمد خذاذاذ الخلاطي الشافعي إمام الكلّاسة بجوار المسجد الأموي سنة ٧٢٠ هـ، وعلى الشيخ مجير الدين أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن غازي الدمشقي الشافعي بمسجد السلّالين المعلّق سنة ٧١٨ هـ، ثم رحل إلى مصر فتلا بالسبع أيضا على الشيخ تقي الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق الصائغ المصري الشافعي سنة ٧٢٤ هـ، ثم رجع إلى دمشق فتلا بالسبع أيضا على الشيخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن إسماعيل الحراني الحنبلي فوصل عليه إلى سورة المؤمنون وتوفي الشهاب ﵀، وقرأ على الشيخ بدر الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن بصخان بتربة أم الصالح بدمشق سنة ٧١٩ هـ، وسمع من الحجار، والمزي، وأيوب الكحال، وخلق بالشام ومصر وبغداد والبصرة وغيرها. أخذ عنه القراءة أهل الشام وغيرهم منهم: الشيخ نصر الدين الجوخي، ومحمد بن مسلم الخراط، وأحمد بن البانياسي، وشعبان الحنفي، ومحمد السمناني، ومحمد بن محمد البلوي، وعمر الخفاف، وشمس الدين بن الجزري، وغيرهم. وكان إماما خيرا جامعا لفنون من العلم كالنحو والفقه والتفسير، انتهت إليه رئاسة الإقراء، وولي المشيخة الكبرى بدمشق بعد الشيخ أبي المعالي محمد بن أحمد بن علي، المعروف بابن اللبان، المتوفى سنة ٧٧٦ هـ.

стр. 7

قال شمس الدين بن الجزري: هو أول شيخ انتفعت به، ولازمته، وصححت عليه الشاطبية دروسا وعرضا. وقال ابن حجر: خرّج له السرمري مشيخة قرئت عليه وحدث بها، وألف في القراءات، وكان يقرئ العربية والفرائض، وله خطب مدونة. وقال أيضا: كان ثقة صحيح النقل، وله نظم، وألف مؤلفات محررة. وقال ابن العماد: تفرد بدمشق وأتقن الفرائض والعربية والقراءات وله فيها مؤلفات حسنة مفيدة. توفي ليلة الأربعاء ١٨ شعبان ٧٨٢ هـ، عن ٨٥ سنة. قال ابن قاضي شهبة: دفن عند قبر ابن تيمية، وكان يعدّ في أصحابه، وهو متزوج بعض أقاربه. رحمه الله تعالى، ونفعنا بعلمه، وجعلنا وإياه من المقبولين يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

стр. 8

() صفحة الغلاف

стр. 9

() الصفحة الأولى، الوجه (أ)

стр. 10

() الصفحة الأخيرة، الوجه (ب)

стр. 11

[مقدمة المؤلف] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلا بالله الحمد لله الواحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، هو الذي خلق الأنام بحكمته، وفطر السماوات والأرض بقدرته، الأول بلا عديل، والآخر بلا تمثيل، والأحد بلا نظير، والقاهر بلا ظهير، ذو العظمة والملكوت، والعزة والجبروت، الحي الذي لا يموت، هو الذي لا يئوده حفظ ما ابتدأ، ولا تدبير ما برأ، جلّ عن تحديد الصفات فلا يرام بالتدبير، وخفي عن الأوهام فلا يقاس بالتفكير، لا تتصرف به الأحوال، ولا يضرب له الأمثال، له المثل الأعلى والأسماء الحسنى، أحمده حمد من شكر نعماه، ورضي في الأمور كلها قضاه، وآمن به إيمان من أخلص عبادته، واستشعر طاعته، وأتوكل عليه توكل من وثق به، وفوض أمره إليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة من اعترف له بالوحدانية والربوبية، وأقرّ له بالصمدانية والألوهية، وأشهد أن محمدا عبده المصطفى ورسوله المرتضى، بعثه إلى الثقلين بالدين القيم، والبرهان البيّن، بالكتاب العربي المنور، المنزل على سبعة أحرف من سبعة أبواب، المفضل على كل كلام، والكتاب المحفوظ من التغيير والتبديل، المصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل، المنزه قائله عن التشبيه والتجديد، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، معجز التأليف والنظام، بائن عن جميع الكلام، خارج/ عن تحسين المخلوقين، تنزيل من رب العالمين، فرض فيه الفرائض، وأوضح فيه الشرائع، وأحلّ وحرّم، وأدّب وعلّم، وأنزله بأيسر الوجوه وأفصح اللغات، وأذن فيه بتغاير الألفاظ واختلاف القراءات، وجعله مهيمنا على كل كتاب أنزله قبل القرآن، ووعد من تلاه حق

стр. 12

تلاوته بجزيل الأجر والثواب والرضوان، وحفظه الله من تحريف المبطلين وخطل الزائغين، وأورثه من اصطفاه من خليقته وارتضاه من بريته، فهم خاص عباده ونور بلاده، فلله الحمد على ما أنعم، وأولى ووهب، وأعطى من آلائه التي لا تحصى، ونعمائه التي لا تخفى. وصلى الله على نبيه محمد، أمين وحيه وخاتم رسله، صلاة زاكية نامية على مرّ الزمن وتتابع الأمم، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين وأزواجه أمهات المؤمنين، ثم السلام عليه وعليهم أجمعين. أما بعد حمد الله والثناء عليه بما هو أهله والصلاة على نبيه، فإن أولى ما تفكر فيه المتفكرون، واعتبر به المعتبرون، وأنصت إليه المستمعون، كلام الله، الذي هو شفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين. روي عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله : من شغله قراءة القرآن عن دعائي ومسألتي أعطيته أفضل ثواب الشاكرين» (١). وروي عن النبي ﷺ أنه قال: «[كان الكتاب الأول ينزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة] (٢) أبواب على سبعة أحرف، زاجر وآمر/ وحلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم [به] (٣) وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله،

стр. 13

واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنّا به كلّ من عند ربّنا» (١). وروي أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال: «اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل ﵇: استزده، حتى بلغ سبعة أحرف، وكلّ شاف كاف، ما لم تختم آية عذاب بآية رحمة، وآية رحمة بآية عذاب» (٢). وروي عنه ﷺ أنه قال: «أقرأني جبريل ﵇ على حرف، فلم أزل أستزيده حتى انتهى إلى سبعة أحرف» (٣).

стр. 14

وروي عنه ﷺ أنه قال: «إن القرآن مأدبة الله، فتعلّموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن اتّبعه، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الردّ، فاتلوه، فإنّ الله يأجركم على تلاوته بكلّ حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول الم عشر، ولكن ألف عشر، [ولام عشر، وميم عشر] (١)». وروي عنه ﷺ أنه قال: «إنّ الله أهلين من خلقه، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: أهل القرآن هم أهل الله وخاصّته» (٢). وروي عنه ﷺ أنه قال: «يقال لقارئ القرآن يوم القيامة: اقرأ وارق، فإن كان يهذّه أعطي بقدر هذّه، وإن كان يرتّله أعطي بقدر ترتيله» (٣). وروي عنه ﷺ أنه قال: «إنّ الله تعالى/ يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين» (٤). وروي عنه ﷺ أنه قال: «إنكم لن ترجعوا إلى الله بشيء أفضل ممّا خرج منه» (٥).

стр. 15

وعنه ﷺ : «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه» (١). وروي عنه ﷺ أنه قال: «لا حسد إلا في اثنتين، رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فيقول الرجل: لو آتاني مما أوتي فلان فعلت مثل ما يفعل، ورجل آتاه الله مالا [فهو ينفقه] (٢) في حقّه، فيقول رجل: لو آتاني مثل ما أوتي فلان فعلت مثل ما يفعل» (٣). وعنه ﷺ أنه قال: «إنّ هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد»، قيل: فما جلاؤها يا رسول الله؟ قال: «قراءة القرآن» (٤).

стр. 16

وروي عنه ﷺ : «الماهر بالقرآن مع السّفرة الكرام البررة» (١). وعنه ﷺ أنه قال: «أعربوا القرآن والتمسوا غرائبه» (٢). وعنه ﷺ : «من حفظ القرآن فكأنما أدرج النبوة بين كتفيه إلا أنه لا يوحى إليه» (٣). وقال ابن عباس ﵄: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب، وذلك بأن الله يقول (٤): فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى (٥) (٦).

стр. 17

قال ابن عباس ﵁: تضمن الله سبحانه لمن اتبع القرآن لا يضلّ في الدنيا، ولا يشقى في الآخرة (١). وقوله ﷺ : «من شفع له القرآن يوم القيامة نجا» (٢). وقوله ﷺ : «تعلّموا القرآن، فإنّه نعم الشفيع لأهله يوم القيامة» (٣). / وقوله ﷺ : «اقرءوا البقرة، فإنها تجيء يوم القيامة شفيعا لأصحابها» (٤).

стр. 18

وقوله ﷺ : «من قرأ القرآن وعمل بما فيه- وفي رواية أخرى: «وعلم ما فيه» - ألبس والده يوم القيامة تاجا ضوؤه أحسن من ضوء الشمس» (١). وقوله ﷺ : «من قرأ القرآن ألبس والده التيجان والحلل» (٢). وجاء في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «أشراف أمّتي حملة القرآن وأصحاب الليل» (٣). وما رواه أبو موسى ﵁، عن النبي ﷺ : «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجّة، طعمها طيّب وريحها طيّب» (٤). وكيف يتعلق بهذه الدنيا من فهم قوله تعالى: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (٥)، وقوله ﷺ : «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء» (٦).

стр. 19

وقوله ﷺ : «القرآن غنى لا فقر بعده ولا غنى دونه» (١). وقوله ﷺ : «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» (٢). قال ابن عيينة: يستغنى به، وكذلك أبو عبيد، واحتج بقول من دخل على سعد قال: دخلت عليه وعنده متاع رث، فقال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن».

стр. 20

قال أبو عبيد: فذكر رثاث المتاع عند هذا الحديث دليل على أنه أراد الاستغناء، وليس الصوت من هذا في شيء (١). وقد قال ابن مسعود ﵁: من قرأ سورة آل عمران فهو غنيّ (٢). وقال:/ نعم كنز الصعلوك آل عمران يقوم بها من آخر الليل (٣). وفي الحديث: «من جمع القرآن فظنّ أنّ أحدا أغنى منه فقد حقّر عظيما وعظّم صغيرا» (٤). قال أبو عبيد (٥): ومعنى الحديث أنه لا ينبغي لحامل القرآن [أن] (٦) يرى أحدا من أهل الأرض أغنى منه، ولو ملك الدنيا برحبها، ولو كان وجهه ما تأوله بعض الناس من الترجيع بالقراءة وحسن الصوت لكانت العقوبة قد عظمت في ترك ذلك أن يكون من لم يرجع صوته بالقرآن فليس من النبي ﷺ . قال (٥): ويقول العرب: تغنيت تغنيا وتغانيت تغانيا، بمعنى استغنيت. قال الأعشى: وكنت امرأ زمنا بالعراق ... عفيف المناخ طويل التّغنّ (٧) يريد الاستغناء. قلت: ولو كان معنى الحديث ترجيعا للزم أن يكون النبي ﷺ وأصحابه كانوا يقرءون ترجيعا إذ قال: «ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن» (٨)، أي: نحن

стр. 21

نتغنى فمن لم يفعل فقد خالفنا وخرج عن جملتنا، وهذا باطل، وقد نعتت (١) أم سلمة ﵂ قراءة رسول الله ﷺ فوصفت قراءة مفسرة حرفا حرفا (٢). وروى عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ قال: كانت قراءة النبيّ ﷺ المدّ، ليس فيها ترجيع (٣). وقد روي عن النبي ﷺ : «اقرءوا القرآن بألحان العرب» (٤). وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله- يتعاطون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم/ السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (٥). وقال فضيل (٦) ﵀: حامل القرآن حامل راية الإسلام (٧)، وقال:

стр. 22

ينبغي لحامل القرآن أن لا يكون له حاجة إلى أحد من الخلق، الخليفة (١) ومن دونه، وينبغي أن تكون حوائج الخلق إليه (٢). وقد قال الشافعي رحمة الله عليه: من حفظ القرآن عظمت حرمته، ومن طلب الفقه نبل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجته (٣). وقد قال أحمد بن حنبل ﵁: رأيت رب العزة في المنام فقلت: يا رب، ما أفضل ما يتقرب به المتقربون إليك؟ قال: بكلامي يا أحمد، فقلت: يا رب، بفهم أو بغير فهم، قال: بفهم وبغير فهم (٤). وقد نقل هذه الرؤيا كبار العلماء. وروى سفيان، عن عاصم الأحول، عن عكرمة، قال: من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا، ثم قرأ: ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٥) (٦). قال أصحاب القرآن: وعن ابن عباس ﵄: من سمع آية من كتاب الله كانت له نورا يوم القيامة (٧).

стр. 23

وعن الحسن ﵀: من تلا آية من كتاب الله تعالى كانت له نورا يوم القيامة (١). وعن مجاهد: من ختم القرآن نهارا واحدا وكّل به سبعون ألف ملك يصلون عليه حتى يمسي، ومن ختمه ليلا وكّل به سبعون ألف ملك يصلون عليه حتى يصبح. وقال ابن مسعود ﵁: من قرأ القرآن يبتغي به وجه الله تعالى كان له بكل حرف عشر حسنات، ومحو عشر/ سيئات (٢). وروى زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ سئل: أيّ الأعمال أفضل، قال: «الحالّ المرتحل» (٣)، يريد الذي يختم، ثم يفتتحه يرتحل.

стр. 24

وقال كعب الأحبار ﵀: إن في التوراة أن الغلام إذا تعلم القرآن وهو حديث السن، وحرص عليه، وعمل به، خلطه بلحمه ودمه، وكتبه عنده من السفرة الكرام البررة، فإذا تعلم الرجل القرآن وقد دخل في السن، وحرص عليه وهو في ذلك يتفلت منه، كان له أجره مرتين، ويكسى حلة من الكرامة، ويتوج بتاج الوقار، ويقول الله تعالى: هل رضيت هذا لعبدي؟ فيقول القرآن: ما رضيت ما أعطيته، فيعطى النعيم بيمينه والخلد بشماله، فيقول الله : هل رضيت ما أعطيته لعبدي؟ فيقول: نعم (١). قال: وحدثنا الكديمي، قال: حدثنا يونس بن عبد الله العمري، قال: حدثنا داود أبو (٢) بحر الكرماني، عن مسلم بن شداد، عن عبيد بن عمير، عن عبادة بن الصامت ﵁، قال: إذا قام أحدكم من الليل فليجهر بقراءته، فإنه يطرد بقراءته مردة الشياطين وفساق الجان، وإن الملائكة الذين في الهواء وسكان الدار يصلون لصلاته، ويستمعون لقراءته، فإذا مضت هذه الليلة قالت لليلة المستأنفة: تحفظي لساعاته، وكوني عليه خفيفة، فإذا حضرته الوفاة وقف عند رأسه وهم يغسلونه، فإذا غسلوه وكفنوه جاء القرآن فدخل حتى صار بين صدره وكفنه، فإذا دفن جاء منكر ونكير، خرج حتى صار فيما بينه وبينهما فيقولان: إليك عنا فإنا نريد أن نسأله، فيقول: والله ما أنا بمفارقه أبدا حتى أدخله الجنة، فإن كنتما أمرتما/ فيه بشيء فشأنكما، قال: ثم ينظر إليه فيقول: هل تعرفني؟ فيقول: ما أعرفك، فيقول: أنا القرآن الذي كنت أسهّر ليلك، وأظمئ نهارك، وأمنعك شهوتك وسمعك وبصرك، فأبشر، فما عليك بعد مساءلة منكر ونكير من همّ ولا غمّ ولا حزن، ثم يعرج

стр. 25

القرآن إلى الله فيسأله له فراشا ودثارا، فيأمر له بفراش ودثار وقنديل من نور الجنة فيحمل إليه (١). وعن ابن مسعود ﵁: ينبغي لحامل القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس مفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يحتالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون، وينبغي له أن يكون ممن يؤمن شرّه، ويرجى خيره، ويسلم من ضرّه، فقد قال رسول الله ﷺ : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (٢). وقال أبو سعيد الخدري ﵁: قال النبي ﷺ : «إذا كان يوم القيامة وضعت منابر من نور متضرمة بنور، عند كلّ منبر ناقة من نوق الجنة، ثم ينادي مناد: أين من حمل كتاب الله تعالى، أجلسوه على هذه المنابر، فلا روع عليكم، ولا حزن عليكم حتى يفرغ الله تعالى ممّا بينه وبين العباد،

стр. 26

فإذا فرغ من حساب الخلق حملوا على تلك الأينق، ورفعوا إلى الجنة» (١). وعن سليك قال: سمع رسول الله ﷺ يقول: «من قرأ القرآن نظرا خفّف الله عن أبويه العذاب وإن كانا مشركين» (٢)، و «من قرأ القرآن ظاهرا فظنّ أن الله لا يغفر له فهو بكتاب الله من المستهزئين» (٣)،/ و «لحامل كتاب الله في بيت مال المسلمين مائتا دينار في كلّ سنة، فإن مات وعليه دين قضى الله من ذلك المال» (٤). وقال رسول الله ﷺ : «اقرءوا القرآن بألحان العرب، وإيّاكم وألحان أهل الفسق وأهل الكتابين قبلكم، فإنه سيجيء أقوام من بعدي يرجّعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية، لا يجاوز حناجرهم، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم» (٥).

стр. 27

وقال ﷺ : «يا أبا هريرة، تعلم القرآن وعلّمه الناس، ولا تزل كذلك حتى يأتيك الموت، فإنّه إن أتاك وأنت كذلك حجّت الملائكة إلى قبرك كما يحجّ الناس إلى بيت الله الحرام» (١). والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى. قال زين الدين عمران (٢): قال الشيخ الإمام العالم العامل، الزاهد العابد، الصدر الكامل، بغية المريد، وغنية المستفيد، تاج الأفاضل، جامع الفضائل، أمين الدين أبو محمد عبد الوهاب بن الشيخ الإمام زين الدين يوسف بن الشيخ الإمام بهاء الدين إبراهيم بن السّلّار، الشافعي مذهبا، الدمشقي نسبا، نفع الله ببركته، وأمتع المسلمين بطول حياته: أما على إثر ما سبق، وبعد ما انتظم واتسق، فإني أحمد الله معيدا، وأسبحه ترديدا، وأمجده تمجيدا على ما منّ به من نعمة الإيمان والتمهير في القرآن، إذ كان قوام العقل واللّسن، ومعيار القبيح والحسن، وما خلصت إلى هذه المرتبة، ولا فزت بتلك المأثرة الجليلة والمنقبة بعد فضل الله الذي يؤتيه من يشاء وينيله فينال به العليا، حتى اكتحلت بالسهاد، وشمرت على ساعد/ الاجتهاد، وجردت سيف

стр. 28

العزم، وأخذت ذلك بالجد والحزم، طلبا بالإتقان والتجويد، وحرصا على الشمول في مجيد حملة القرآن المجيد، فقلّ إمام به مذكور، إلا وقد تهاداني إليه رواح وبكور، إلى أن نسقهم سلك إسنادي، ووريت بلقائهم زنادي، وخدمت أنديتهم التي تحتم الرحمة فيها، وتضع الملائكة أجنحتها لمنتديها، فصدرت بحمد الله عن الأئمة والرواة كما صدر الظمآن عن الفرات، والله تعالى ينفع بعمر أنفقته في سبيله، وقطعته بين قديم تنزيله وحديث رسوله، ويوجه ذلك إلى رضاه وقبوله، فقدر الحامل قدر محموله. وما امتطيت من المشقة ما امتطيت، ولا تخطيت إلى الأئمة ما تخطيت، إلا لتلقي القرآن غضّا من أفواههم، وتثقيف أود الحروف عن ألسنتهم وشفاههم، فيتصل بالأداء الأداء، ويرتقي بنا الاهتداء في أقوام سمت غير ذي عوج، ولاءمت بين سماطي ثقات وسطوي هداة أثبات، يهدوننا في كل مجهل، ويورد بنا إليه ﷺ من منهل إلى منهل، حتى تصافح بنانه، وتسمع فصاحته وبيانه، وتراه يقرئ زيدا وأبيّا، ويبشرهم بالإيمان حيّا فحيّا. ومن ركب هذه المحجة البيضاء، واستنار بنور الله واستضاء، ولم يعد إلى هذه المنزلة طافح همته ولامح طرفه، وتمسك بكتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقد استمسك بالعروة الوثقى، ورقى أعلى مرتقى، وترك الخلاف للإجماع والافتراق للاجتماع، وفاز بملء القلوب والأسماع، كتاب عزيز أحكمه وفصله، وقرآن عظيم/ نزّله ووصله، وتكفل بحفظه ولا ضيعه على ما تكفله، لا يدركه البلى، ولا يزيده إلا جدة كثرة ما يتلى، معدن الحكم ومعجز الأمم، ومناح الفكر والفطن، وينبوع الفرائض والسنن، ينفد (١) البحر ولا ينفد (١) عجائبه، ويحصى القطر ولا تحصى غرائبه، يسره بلسان نبيه ﷺ للذكر والإفهام، وجعله قيما غير ذي عوج من الكلام، ووصله بالنظائر والأشكال، وفصله بالحكم البالغة والأمثال، وجلّ عن المثال، وتمت به النعمة، وكمل الدين كل الكمال، لو أنزل على الجبال لتصدعت من خشية

стр. 29

ذي الجلال، وتهيّلت تهيّل الرمال؛ فصلاة الله وسلامه بالغدوّ والآصال، على المتحمّل له حقّ الاحتمال، والمستقلّ به كنه الاستقلال، ومفسّره بسنّته المبيّنة للحرام والحلال، ومودعه كما استودعه صدور الرجال، والمفضي به إلى خيار الأمة، أصحابه الأئمة، وتابعيهم من أبدال الأمة، بتسلّمه صدر عن صدر، وبنقله بدر زاهر عن بدر، محفوظا بالحلاة والعصمة، محمولا من ذمة وافية إلى ذمة، من كل جليل مهيب، من نظر إليه سرّه، أو كلّمه وقّره وبرّه، أو ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبرّه، أو منع القطر استنزله واستدرّه، تشرق الأرض بنورهم، وتحضر البركة بحضورهم، ويستسقى الغمام بعدهم بقبورهم، كانوا عصرا عصرا وزمانا زمانا، للأمة ملاذا وأمانا، وللرحمة حتما واقعا وضمانا، اعتزوا بالقناعة والزهادة، وجمعوا العلم للعبادة، وجلت أقدارهم ومراتبهم عن الزبادة، لولاهم لكان الدهر مبهما، والناس عطاشا هيّما، كرمهم الله وأحظاهم، وأزلفهم/ لديه وأرضاهم، كما آتاهم رشدهم وتقواهم، وأيّدهم بالعصمة وقواهم، وكافأهم على الوفاء بميثاقه الذي أخذه عليهم، وأداء الأمانة التي أفضى بها إليهم، وأعطى بها حقها من الإشاعة والنشر، وتخليد مآثرها على وجه الدهر، مكافأة تقرّ في جواره وبحبوحة داره عيونهم، وتستغرق أمانتهم وطنونهم، فقد بثّوا ما علموه، وبيّنوه لنا ولم يكتموه، وورّثوه وخياره فيه كما ورثوه. وبعد، أيها الحريص المستوفز، والمستبطئ المستنجز، من غريب إلى أهله بارز، ومقيم همه إجازة يحرز بها ما يحرز، أنيخوا يسيرا ركائب سفركم، وأصبحوا قليلا بين يدي صدركم، حتى أنصح لكم جهدي، وأبرأ إليكم فيما تأخذونه عني بميثاقي وعهدي، فمن حار بعد وتحيّر، وبدّل وغيّر، وألقي في الحيرة مضطربا، فإن له معادا ومنقلبا، والله من ورائهم محيط، ولن يعجزه هربا؛ عليكم بتقوى الله، فهي نظام مماتكم ومحياكم، وقوام دينكم ودنياكم، والتجارة الرابحة التي تشترون، والغاية الطامحة التي إليها تجأرون، وتأدبوا بأدب الله تعالى فيما (١) يتلى عليكم وتتلون، ولا تولّوا عنه

стр. 30

وأنتم معرضون، ولا تكونوا كالذين قالوا: سمعنا وهم لا يسمعون، ولا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون الكتاب أفلا تعقلون، ولا أعلمنّ (١) منكم مقعد الإقراء، مهذب الردّ والإصغاء، نبل الهيئة والرواء، عبق الثوب والفناء، مجتنبا للسمعة والرياء، كخضراء الدّمن، يا بؤس لتلك الخضراء، من نظر إلى ظاهره أسرع ورفرف، ومن استشف باطنه جدع/ وأفف (٢)، أولئك الذين نبأنا رسول الله ﷺ من أخبارهم، ووسمهم بنارهم، يقولون من خير قول البريّة، ويمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة. عصمنا الله وإياكم من مضارعة صفة من صفاتهم، أو منازعة جهة من جهاتهم، نعم ومن آخرين لا يرجون لله وقارا، ولا يرفعون للقرآن العظيم منارا، ولا يرمون للقارئ أسماعا ولا أبصارا، كأنهم لا يعتقدون الأمر جدّا، ولا يرون الباطل للحق ضدّا، ألم يعلموا أن الله سميع قريب، وأنه مطلع عليهم رقيب، وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ (١٢) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (٣). ولله قوم ركبوا المحجة البيضاء، واقتبسوا نور الهدى فأضاء، يلقون إلى القارئ بالسمع، وتفيض أعينهم من الدمع، منازلهم عند الله مكينة، وقلوبهم خاشعة مستكينة، تنزل عليهم الرحمة والسكينة، يتخايلون الله بين أعينهم، لا يستخفهم أمر من الأمن أو الخوف لتبينهم وتثبتهم، وحق لمن بين يدي مولاه وعالم سرّه ونجواه، ألا تعدو (٤) عما ائتمنه عليه عيناه، وأن يعدل بين يسراه ويمناه. روي عن عبد الله بن الزبير (٥) ﵄ في حصار الحجاج إياه أنه قام إلى صلاة في بعض تلك الشدائد التي (٦) يكاد الفرض فيها يحذف،

стр. 31

والكعبة بحجارة المنجنيق تحذف، وفلقها يرفض، والمنايا بها تسمو ثم تنفض، فبينما هو قائم في أربط جأش وأمكنه، إذ مرت فلقة منها بين نحره وذقنه، فما تطامن ولا قهقر،/ ولا تقدم ولا تأخّر، ولا بالى لها بالا، ولا التفت يمينا وشمالا، فقال له قائل وقد استعظم ما رأى من جلده، والكل قد ألقى بيده: هلا انحرفت عن إقبالك، والتفتّ حذارا عن يمينك أو شمالك! فقال (١): وما عسى كانت تقي التفاتة لو التفتها من صلاتي. وروي أن الإمام أبا عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (٢) ﵀ في قصة شائعة مستفيضة، قام إلى نافلة بعد فريضة فأطال، وأصحابه يستبطون أمثاله، وينهون محادثته وسؤاله، فبعد لأي ما سلّم، وبدا على وجهه أنه شكا أو تألّم، فقال لبعضهم: تأمل ثوبي فإني أجد فيه شيئا، فرفعه فإذا زنبور قد أبره بضع عشرة إبرة، وجسمه قد أسر، فعجب الحاكي واعتبر، وقال: هلا أوجزت وتكلمت لأول ما تألمت، فقال: كنت في سورة لم أرد قطعها. فهذه عصمكم الله طريقة القوم المثلى، وهديهم الأوضح الأجلى، ومحلهم الأرفع الأعلى؛ فعليكم أمم قصدهم فاسلكوه، ودعوا فضل جهدهم فلن تدركوه، أما أن التعليق بهم كيف كانت شهادة، والنظر إلى سبقهم مع التقصير عنهم عبادة، واعلموا أنّ لأهل القرآن إذا كانوا من أهله وأصابوا وجه تلاوته وحمله الفضل الذي لا يدرك، والحظ الذي لا ينازع ولا يشرك؛ لأنهم إلى ربهم منقطعون، ولكلامه الذي أنزل على نبيه ﷺ تالون ومستمعون، وإلى تعلمه وتعليمه مجتمعون، فما منهم إلا عبق اللسان، طيب الحجرات والأردان، مشغول مشغوف بالقرآن، قد جعله هجيراه وراحته/ وذكراه، لا يثنون إلى غيره طرفا، ولا يعجبون بكلام ما خلاه حرفا، ولا يقبلون للحروف عدلا ولا صرفا، حتى تخرج من مخارجها، وتسير على

стр. 32

مناهجها ومدارجها، فكم للمعنى بترتيبها المتكلف لإتقانها وتهذيبها من أجر مكتوب غير محسوب، اقتفاء للآثار، وترتيلا مطولا للكلم القصار، لا هذّا كهذّ الأشعار، وقد ثبت أن قراءته ﷺ كانت بالترجيع والمدّ (١)، وأن حديثه كان لا يعجله عن الإفهام والعدّ (٢)، فمن ذا الذي يطلع رأسه للردّ، أو يتعرض لتعدي الحدّ، أو يرى تمره كبير الدقل في الصاع والمدّ. وأحب ﷺ أن يسمعه من سواه، وقال له: «حسبك»، وقد ذرفت عيناه (٣). وقال لأبي موسى وقد ركب في قراءته ذلك المنهج المحمود: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» (٤). وقال ﷺ : «لا حسد إلا في اثنتين، رجل علّمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وأطراف النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل؛ ورجل آتاه الله مالا فهو يهلكه في الحقّ، فقال رجل: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل» (٥). وروى أبو عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان ﵁ (٦) [عن النبي ﷺ ] (٧)، قال: «خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه».

стр. 33

قال أبو عبد الرحمن: فذاك الذي أقعدني هذا المقعد. وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج (١). وكم للمؤمن القارئ من فخر وحجة، في أن جعله ﷺ كالأترجّة، استبدّ كما استبدت بالمديح، وجمعت من الطيبين في العظم والريح، فرجّحوا المرجح الأولى، ولا ترضوا إلا بالمثل الأعلى، وشبّه/ المؤمن الذي لا يقرؤه بالتمرة، أعطاه حظا من حظين، ومنزلة من منزلتين، وشبّه المنافق الذي يقرؤه بالريحانة تعبق، وطعم يغص به ويشرق، نعوذ بالله منه ومن الفاجر الذي لم يتمسك بفضيلة، ولا يعلق بوسيلة، فمثّله بالحنظلة، خصت بالأمرّين، وجمعت بين الشرّين (٢). وعنه ﷺ أنه قال: «من قرأ القرآن وعمل بما فيه ألبس والداه يوم القيامة تاجا ضوؤه أحسن من ضوء الشمس في بيوت الدنيا، فما ظنكم بالذي عمل بهذا» (٣). وقال ﷺ : «الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السّفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو يشتدّ عليه فله أجران» (٤).

стр. 34

وقال ﷺ : «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده» (١). وقال ﷺ وقد خرج على أصحابه في الصّفّة، فقال: «أيّكم يحبّ أن يغدو إلى بطحان أو العقيق، فيأخذ كوماوين زهراوين في غير إثم ولا قطيعة رحم؟»، فقالوا: كلنا يا رسول الله، قال: «فلأن يغدو أحدكم كلّ يوم إلى المسجد فيتعلّم آيتين من كتاب الله خير له من اثنين وثلاث وأربع، خير له من أربع ومن أعدادهنّ من الإبل» (٢). وعن أسيد بن حضير قال: بينما هو من الليل يقرأ سورة البقرة وفرسه مربوط (٣) عنده إذ جالت الفرس، فسكت وسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها فأشفق أن تصيبه، ولما اجترّه (٤) رفع رأسه إلى السماء حتى/ ما يراها، فلما أصبح حدّث النبيّ ﷺ فقال له: «اقرأ يا ابن حضير (٥)، اقرأ يا ابن حضير»، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء وإذا مثل الظلّة (٦)، فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها،

стр. 35

قال: «وتدري ما ذاك»، قال: لا، قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منها (١)» (٢). فما ظنكم بهذا الفضل وفوقه، ومن تدنو الملائكة إلى صوته، وكيف لا يتنافس في شيء فينال به النعيم، ويرقى بها السليم، وينتكب صاحبه الشيطان الرجيم، الكلمة للخائف منه أمان، وللنجاة ضمان. وعن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ : «إنّ هذا القرآن مأدبة الله، فتعلّموا مأدبته ما استطعتم، إنّ هذا القرآن حبل الله المتين، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسّك به، ونجاة لمن تبعه، لا يعوجّ فيقوّم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلق على كثرة الردّ، فاتلوه فإنّ الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا أقول: الم حرف، ولكن ألف عشر، ولام عشر، وميم عشر» (٣). وعنه ﷺ قال: «عرضت عليّ الذنوب فلم أر فيها شيئا أعظم من حامل القرآن وتاركه» (٤).

стр. 36

وعنه ﷺ في خطبة يوم غدير خمّ: «أمّا بعد، فإني تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به»، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: «وأهل بيتي، أذكّركم الله في أهل بيتي ... » وذكر الحديث، وفي رواية: «أولهما/ كتاب الله، فيه الهدى والنور، من استمسك وأخذ به كان على الهدى، ومن أخطأه ضلّ» (١). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ لله أهلين من الناس»، قالوا: ومن هم يا رسول الله؟ قال: «أهل القرآن أهل الله وخاصّته» (٢). وعن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لله أشدّ أذنا إلى الرجل

стр. 37

الحسن الصوت بالقرآن يجهر به من صاحب القينة إلى قينته (١)» (٢). وعن عبد الرحمن بن سابط أنه قال: إن البيوت التي يقرأ فيها القرآن لتضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: من جمع القرآن فقد حمل أمرا عظيما، لقد أدرجت النبوة بين كتفيه غير أنه لا يوحى إليه، فلا ينبغي لحامل القرآن أن يخلّ مع من أخلّ، ولا يجهل مع من جهل، لأن في جوفه كلام الله (٣). وعن ابن عباس ﵄ قال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة إلى الهدى، ووقاه يوم القيامة سوء الحساب؛ لأن الله تعالى يقول: فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى. تضمّن (٤) الله تعالى لمن قرأ القرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (٥). وعن مسروق أنه قال: لا يسأل أصحاب محمد ﷺ عن شيء إلا وعلمه في القرآن، غير أن علمنا يقصر عنه (٦).

стр. 38

وعن معاذ ﵁ أنه قال: من استظهر القرآن كانت له دعوة إن شاء الله يعجّلها لدنياه، وإن شاء لآخرته (١). والقرآن رحمكم الله أعظم قدرا عند الله تعالى من أن تصفه ألسنة الواصفين وإن أطنبوا ويبلغوا منه إلى غاية في التعظيم وإن/ أسهبوا، أو يستطيع الركوب تحمل ما يغشاها منه إلا بما حجب الله عنها، ولم يكشفه لها، رفقا من الله تعالى بأقوام قد رآهم له أهلا فأظهر لهم ما شاء على علمه بقدر ما جعله منهم من القوة على حمله، وهلاكا لأقوام لم يرهم للانتفاع به، قال الله تعالى: وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً (٢). وقد نحلت لكم أرشدكم الله نصحي، وأوردت مما يغشى عليه إشفاقي وشحي ما أرجوه أن أكون قضيت به ما عليّ، وبلغت به عذرا فيما توجه من نصحتكم إليّ، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وهو السميع القريب، المجازي المنيب. [ذكر جملة من الأسانيد] ثم إن الشيخ الإمام الفاضل المقرئ، المتقن المجود المحقق، الحافظ اللافظ، الذكي الفهم، شمس الدين فخر المحصلين، زين المقرئين، جمال المجودين، أبا عبد الله بن الشيخ الإمام العالم المتقن المحقق، شهاب الدين أحمد أبي علي الجزري الحموي الشافعي لما أشرب محبة العلم فؤاده، وتوالى إلى تكراره وترداده، واجتهد في الطلب فأتم اجتهاده، وسمع هذه المناقب الشريفة، ولمح هذه المراتب المنيفة، وتحقق أن بساحة العلوم تلتقي أطراف معاني الفضائل، وبفنائه ينتظم عقود مناصب الوسائل، وأنه حجة الله العليا، ومحجته العظمى، ومورث النبوة، ومنصب الرسالة، وحكم وتيقّن أن كتاب الله العزيز ووحيه المجيد ينبوع العلوم ومنشؤها، ومفتاح الفوائد/ ومبدؤها أهوى إلى علومه إهواء الكوكب الساري، وبادر إلى تحصيل فنونه

стр. 39

مبادرة السيل الجاري، وأرسل عنان الاجتهاد في ميدان فهم تأويله، وجرد له سيف العزم بكثير الوسع وقليله، وخصّ اعتناؤه لحروفه السبعة المنقولة عن أئمته؛ ليبحث عن حقائق معانيها، ويكشف بحسن السؤال عن حقائق خافيها، فهاجر من تلقاء نفسه إليّ، واشتغل عليّ، وقرأ القرآن العظيم جلّ منزله من أوله إلى آخره ختمة واحدة جامعة، جمع فيها بين الأئمة السبعة (١) المشهورين، وهم: نافع بن أبي نعيم المدني، وعبد الله بن كثير المكي، وأبو عمرو بن العلاء البصري، وعبد الله بن عامر الشامي، وعاصم، وحمزة، والكسائي الكوفيون، (٢) وبما اشتمل عليه كتاب «التيسير» لأبي عمرو عثمان بن سعيد الداني، والقصيدة الموسومة ب «حرز الأماني ووجه التهاني» للإمام أبي القاسم بن فيرة الرّعيني ثم الشاطبي، وبما وافق ذلك من الكتب المشهورة، فحوى بقراءته جميع ما في الكتب الثلاثة المتقدم ذكرها قراءة مرضية متقنة مجودة في غاية الجودة، أجزتها وارتضيتها، فتعين عليّ إجازته فيها؛ لأنه أتقن الترتيل والحدر (٣)، وميّز في قراءته بين المدّ والقصر (٤)، وجوّد قراءته وأقام حروفها، وعرّفته مخارج الحروف وصنوفها، وحقق الهمزات وليّنها، وترك ما يجوز تركه منها لتاركها فأحسنها، وأمال ما تجب فيه الإمالة (٥)

стр. 40

من الأسماء والأفعال، وارتفع عنه بذلك اللبس والإشكال، وفتح ما لا خلاف بين القراء فيه، وميزت/ له من الأقوال ما يوافقه فأبدى الإشمام للعيان، وأهدى الرّوم (١) للآذان، وبينت في حال وقفه عليها أيهما أتم، وعرّفته جواز الوقوف بالسكون، فكان ذلك أنفع وأعم، ونبهته على الأحكام المتباينة في التنوين والنون الساكنة، وعرفته الأصول التي (٢) لا يجوز للطالب أن يجاز إلا بعد معرفتها أصلا فأصلا، وعرفته اختلاف القراء تعريفا يوجب له تقدما وفضلا، فرأيته لإقراء المسلمين أهلا، وسترت دينه وأمانته، فكان أحق من نقل كتاب الله وأولى، فعكف عليه وتبتّل، ورتّل مرجّعا صوته بآياته، مقيما بطرقه ورواته، إن هلّ بلّ وأدرج، شرح الصدور بحسن تلاوته وفرح، واستعاذ وبسمل وفصل، وكبر عند ختمه وهلّل، يستميل العقول بصداه، ويعم القلوب بما منح من النعم فأبداه، الأسماع تلتذ بتلاوته، والنفوس تخشع عند قراءته. ولما أكمل علي مراده، وأحكم ذلك وأجاده، وألفيته فطنا لقنا، ومجيدا للتلاوة متقنا، صنع اللسان مشرفا على ذروة الإحسان، فوجب أن يلحق نظراءه، ويتميز بالتقديم ممن وراءه، وأن أنصب له بالإجازة لواءه، وأدل عليه، وأشير بالأصابع إليه، اقتداء بالسلف الصالح، وتنبيها على المصالح، والغادي مجيب الرائح، فأتحت له أن يقرأ بما قرأ به علي، إذ رأيته أهلا لذلك. وأخبرته أنني قرأت القرآن الكريم جلّ منزله بالأحرف السبعة المذكورة على أشياخ ثلاثة من أئمة الاقتداء، ونجوم الاهتداء/ أهل التحقيق، المشهورين بالبحث والتدقيق، شموس الأعصار، وأقمار الأمصار،
следующие страницы →