بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
مقدمة المحقق
بسم الله الرّحمن الرّحيم وبه نستعين
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل خلق الله الصادق الأمين وصاحب السيرة الزكية وعلى آله وصحبه ومن تبع الهدى، وبعد:
تفخر أمتنا العربية بتراثنا الكبير، هذا التراث ملئ فى متاحف أوروبا وأمريكا وخاصة المخطوطات، هذا التراث أيضا أثار دهشة العالم على مختلف العصور.
ومن الأعمال التراثية المهمة كتاب "جواهر السلوك فى أمر الخلفاء والملوك" لابن إياس. وسوف نتطرق نظرة عامة على ابن إياس والتاريخ فى عصره وما ذكره المؤرخون وكتاب التاريخ عنه.
وحول ابن إياس المصرى ومنهجه فى البحث التاريخى يقول الأستاذ الدكتور الفاضل عبد اللطيف الخالدى: كان لانقطاع سلسلة المؤرخين العباسيين الكبار إثر سقوط بغداد بأيدى المغول وزوال الخلافة العباسية أن أخذ زمام المبادرة لوصل ما انقطع من تلك السلسلة مؤرخون آخرون ينتمون إلى أقطار شتى من العالم الإسلامى.
وقد واصل أولئك المؤرخون الأفذاذ نشاطهم العلمى فى حركة رائعة تشكل أعمالهم مع أعمال من سبقوهم من المؤرخين الصورة التى بلغها العالم العربى والإسلامى من النواحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية حتى بداية العصر الحديث.
ولعل أبرز سمات حركة التدوين التاريخى فى القرون المتأخرة التى أعقبت سقوط بغداد - ويمكن حصرها فيما بين القرنين الثامن والعاشر للهجرة - الرابع عشر والسادس عشر للميلاد - ظهور طائفة من المؤرخين كتبوا مؤلفاتهم على طريقة
стр. 2
الحوليات، وتدل وفرة المعلومات التى دونوها على جهد عظيم فى البحث والمراجعة والنقل والتأليف.
والواقع فالبلاد المصرية استأثرت أكثر من غيرها فى عدد المؤرخين الحوليين والموسوعيين الذين ظهروا فيها وبخاصة فى العصر التركى المملوكى، ولكن بدخول الأتراك العثمانيين القاهرة فإن سلسلة هؤلاء المؤرخين تنقطع وعلى الأخص بموت أحد كبار مؤرخى هذا العصر وهو أبو البركات محمد بن أحمد بن إياس الحنفى.
ومن المؤرخين المصريين الذين عاشوا فى العصر التركى المملوكى وسجلوا أحداثه ووقائعه بيبرس الدوادار فى "زبدة الفكرة" وابن دقماق فى "الجوهر الثمين" وابن أيبك الدوادار فى "الدرر الفاخرة" والمقريزى فى "السلوك" والسخاوى فى "التبر المسبوك" وأبو المحاسن فى "النجوم الزاهرة" والسيوطى فى "تاريخ الخلفاء" والعينى فى "عقد الجمان" وابن إياس فى بدائع الزهور فى وقائع الدهور.
وينفرد ابن إياس عن غيره من مؤرخى ذلك العصر فى أنه عاش عصرين وشهد أحداث جيلين: أواخر العصر التركى المملوكى ومستهل العصر التركى العثمانى، لذلك فإن لكتاباته أهمية خاصة، فهو يكاد يكون المؤرخ المصرى الوحيد الذى عاصر تلك الفترة الحاسمة فى تاريخ مصر، وكان شاهد عيان لما وقع فيها من أحداث وتمتد هذه الفترة التى أرخ وقائعها من سنة ٨٧٢ هـ/ ١٤٦٨ م إلى سنة ٩٢٨ هـ/ ١٥٢٢ م.
فضلا عن أن هذه الفترة تشكل حلقة مهمة فى سلسلة تاريخ مصر فى عصر المماليك، تلك السلسلة التى تتوالى حلقاتها فى كتاب "السلوك" للمقريزى و"التبر المسبوك" للسخاوى و"النجوم الزاهرة" لأبى المحاسن، وتنتهى ببدائع الزهور لابن إياس.
تذكر المصادر التى تناولت شخصية ابن إياس أن اسم المؤرخ هو: محمد بن أحمد بن إياس الحنفى وأنه ينحدر من أصل تركى مملوكى يرجع إلى النصف الأول من القرن الثامن الهجرى، فأبوه أحمد كان متصلا بالأمراء ورجال الدولة وتوفى فى شعبان من سنة ٩٠٨ هـ وجده الأمير إياس الفخرى الظاهرى كان من مماليك الظاهر برقوق وعين بوظيفة دوادار ثان فى دولة الناصر فرج بن برقوق. أما مولد مؤرخنا ابن إياس وكما تشير إليه هذه المصادر، فكان فى السادس من ربيع الأخر سنة ٨٥٢ هـ/ ١٤٧٨ م ولم يؤثر عن ابن إياس أنه كان موظفا فى دولة المماليك أو تقاضى مرتبا من دواوين الحكومة أو وصل بجائزة نقدية أو عينية
стр. 3
من حكام ذلك العصر أو كانت له صلة بقصورهم، فقد عاش المؤرخ من موارد إقطاعه الذى ورثه عن أسرته تلك الموارد التى أعانته طوال حياته على التفرغ للتأليف وكتابة التاريخ ونظم الشعر أو سواها من الأعمال الأخرى.
ولعل هذه الظروف التى ذكرتها فضلا عن ظروف نشأته الأولى وصحبته لبعض شيوخ عصره ممن تلقى عنهم تعليمه كانت من العوامل التى بلورت شخصيته وجعلت منه مؤرخا يتحرى الحقيقة فيما يكتب وفيما يصدره من أحكام على معاصريه من السلاطين والأمراء.
وتأتى شهرة ابن إياس من كتابه التاريخى الكبير المعروف "بدائع الزهور فى وقائع الدهور" وهو بلا شك أهم مؤلفاته ويحتل مكانة مرموقة بين كتب التاريخ التى صنفت فى العصر المملوكى وبخاصة الأجزاء المعاصرة، وتزداد القيمة العلمية للكتاب عندما يصف المؤلف وقائع الفتح العثمانى لمصر والسنوات القليلة التى عاشها المؤلف فى ظل النظام السياسى الجديد فالجزء الأخير من كتابه "بدائع الزهور" كان المصدر العربى الوحيد عن تاريخ مصر فى تلك الفترة الحاسمة من تاريخ الشرق العربى وعن تطور العلاقات بين العرب والأتراك العثمانيين.
يستهل المؤلف كتابه التاريخى هذا - الذى وصل فيه إلى حوادث سنة ٩٢٨ هـ/ ١٥٢٢ م ويختمه فى الجزء الحادى عشر - بالحديث عن مصر منذ أقدم العصور، فهو يذكر أخبار مصر، وما ورد فيها من الآيات وما خصت به من المحاسن والعجائب، وما قيل فيها، ومن حكمها وما قامت عليها من الدول إلى نهاية عصر الأيوبيين، يذكر المؤلف تلك الأخبار باختصار تمهيدا للدخول فى تاريخ مصر فى عصر المماليك حيث يشرع المؤلف فى كتابة هذه الفترة بالتفصيل.
والدارس لتاريخ ابن إياس يلحظ أن المؤلف اعتمد كثيرا على كتب التاريخ وخاصة حين كتب عن تاريخ مصر قبل عصر المماليك فيذكر أنه قرأ نحو سبعة وثلاثين مؤلفا فى ذلك، فمن بين المؤرخين الذين قرأ لهم: المسعودى والطبرى وابن عبد الحكم والواقدى والذهبى والجاحظ والصولى وابن زولاق وابن الداية وابن خلكان وابن عساكر وابن الجوزى وابن شداد وابن الأثير والكندى والقضاعى وأبو شامة وابن كثير وأبو الفدا وسبط ابن الجوزى وابن فضل العمرى وابن وصيف شاه وغيرهم.
стр. 4
أما فى القسم الذى كتب فيه عن تاريخ مصر فى عهد المماليك فيبدو أن ابن إياس قرأ لمؤرخين كثيرين ولعل هؤلاء كانوا أنفسهم من المماليك أو من موظفى الدولة التركية المملوكية أو من سواهم فمن بين هؤلاء: ابن واصل وابن الشحنة وابن أيبك الدوادار وابن الفرات والسيوطى والديار بكرى وابن دقماق وبيبرس الدوادار وابن الطولونى والعينى وخليل بن شاهين الصفوى والصيرفى والسخاوى وأبو المحاسن وغيرهم من مؤرخى العصر.
كتب ابن إياس مؤلفه التاريخى على طريقة الحوليات وهى الطريقة التى كانت شائعة بين مؤرخى ذلك العصر، فكان يدون الحوادث شهرا بعد شهر فى الأجزاء غير المعاصرة، ثم يوما بعد يوم فى الأجزاء الأخيرة، ويشبه منهجه فى ذلك كثيرا منهج ابن الجوزى فى كتابه "المنتظم فى تاريخ الملوك والأمم"، فالمعروف عن كتاب المنتظم أن مؤلفه كان يدون أخباره على هيئة تقارير شهرية أو يومية حيث تتضمن أهم الوقائع السياسية والمراسيم التى تصدرها الحكومة العباسية بتعيين أو عزل كبار موظفى الدولة على إختلاف ألقابهم، فضلا عن الأخبار التى تتصل بمظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية كالوفيات وحفلات الزواج والأعياد وانتشار الأوبئة والمجاعات والرخاء وارتفاع الأسعار والنقود وبناء المدارس والمساجد والربط أو وصفه الظواهر الطبيعية كالخسوف والكسوف وفيضانات الأنهار وظهور المذنبات وهبوب الرياح وسقوط الأمطار وغيرها من الأمور التى تتصل بحياة الأفراد والأرصاد الجوية.
لقد كان كتاب "بدائع الزهور" من هذا الطراز من المدونات فهو من هذه الناحية عظيم الفائدة لمن يبحث فى تاريخ مصر عصر المماليك والعصر العثمانى فى النواحى السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية والثقافية فقد كتب عن دولة المماليك وعن السلاطين والأمراء والخلفاء الذين عاشوا فى ظلهم، ووصف المنازعات التى كانت تقوم بين الأمراء المماليك على السلطة وما كان يصحب ذلك من إراقة للدماء ودمار للبلاد كذلك وصف فساد الإدارة فى العصر المملوكى واستيلاء الجند على الممتلكات الخاصة والعامة واعتداءاتهم المتكررة على المواطنين من أفراد الشعب المصرى واغتصابهم لأراضى الفلاحين وتوزيعها على شكل إقطاعات على أمراء الجند وكبار موظفى الدولة.
وفيما يخص النظم الحربية والعسكرية التى كانت قائمة فى مصر فى عصر المماليك يذكر ابن إياس معلومات قيمة عن طبيعة هذه النظم وعن الوظائف المدنية والعسكرية التى
стр. 5
تتصل بالنظام السياسى المملوكى لا يمكن أن يجدها الباحث فى أى مصدر تاريخى سواه، فمن بين الوظائف التى ذكرها المؤلف، وكان يشغلها الأتراك الذين كانت تعج بهم دواوين الدولة: الحسبة والولاية والجمدارية والخاصكية والوزارة والأستادارية وإمرة المجلس وإمرة السلاح والخازندارية الكبرى ووكالة بيت المال والأتابكية والنظر فى الخزينة والنظر فى الجيش والنظر فى الكسوة والنظر فى الأسطبل وكتابة السر والزردكاشية الكبرى والرأس نوبة الكبرى وولاية الشرطة وشادية الشرابخانة ورأس نوبة الثانية وأمير أخور ثانى والدوادارية ومقدم ألف ومشير مملكة وغيرها من الوظائف التى تحمل أسماء وألقابا فارسية وتركية ومغولية.
أما الوظائف التى ذكرها ابن إياس وكان يشغلها مصريون فهى الوظائف التى تتصل بالدين والشريعة منها: النظر فى الأوقاف والقضاء، وكان للمسلمين فى مصر فى عصر المماليك: أربعة قضاة على أربعة مذاهب سنية وخطباء المساجد والأئمة وشيوخ الربط والمدارس وغيرها من الوظائف التى لها علاقة بأمور الأفراد الدينية.
وعن الأحوال الاقتصادية فى مصر فى عصر المماليك كتب ابن إياس فى كثير من يومياته عن مظاهر هذه الأحوال فأشار إلى مما كانت تسببه الكوارث الطبيعية من أضرار اقتصادية ويحتل منسوب نهر النيل أهمية بالغة فى حوليات المؤرخ ومدى تأثيره فى أسعار المحاصيل كما أشار المؤلف إلى التعامل النقدى وإلى أنواع المسكوكات وقيمة كل نوع منها تبعا للحالة الاقتصادية فى البلاد وذكر عمليات تزييف النقود وأضرارها وموقف السلطة من القائمين بأمرها، كذلك ذكر فى مواضع متعددة أنواع الضرائب التى كان يفرضها الحكام على المواطنين والأساليب اللا إنسانية التى كان يلجأ إليها موظفو الحكومة لاستيفائها.
وحول الأحوال الاجتماعية فى مصر فكتب ابن إياس عن الأعياد والمواسم والحفلات الشعبية ومواكب الخلفاء والسلاطين والأمراء واستقبال سفراء الدول وما يرتبط بذلك من خلع وهدايا ورسائل. ولم يخل تاريخ ابن إياس من الإشارة - وفى مواضع كثيرة من كتابه الكبير - إلى ظواهر الطبيعة: كالجفاف وهبوب الرياح وسقوط الأمطار وانخفاض وارتفاع درجة الحرارة أو إلى الخسوف والكسوف وغيرها من الظواهر أو إلى ما أنشئ من محال ومبان ومساجد وربط ومدارس وقباب ومدافن أو الإشارة إلى أخبار العلماء والأدباء والشعراء والأعيان وتراجم من توفى منهم.
стр. 6
وبالنسبة لمصادر ابن إياس فهو مؤرخ صادق يستقى معلوماته عن العصر المملوكى المتأخر أوثق المصادر وأكثرها صلة بالأحداث الجارية فى مصر وقتذاك فهو على علاقة جيدة من رجال الدولة وكتاب السر وخواص السلطان فضلا عن أن أخيه الجمالى يوسف كان يعد من كبار موظفى الدولة المملوكية إذ تولى وظيفة زردكاش فى القلعة فكان يزوده بالكثير مما يحتاج إليه من مواد رسمية أو سرية لتدوين حولياته.
وابن إياس لا يتحرج فى ذكر مساوئ حكام عصره فكما يذكر محاسنهم لا يجد حرجا فى تعرية تصرفاتهم وإظهار عيوبهم وتعداد مثالبهم ومثالب خواصهم من الموظفين وعلى الرغم من أنه كتب الجزء الأخير من كتابه فى ظل السيادة العثمانية وإنتمائه إلى العنصر التركى فهو لا يتردد فى تسخيف الأتراك والتعبير عن احتقاره أياهم ولا يرقى ابن إياس من حيث اللغة والقدرة البلاغية إلى مرتبة مسكوية وبخاصة فى تأليف المناظر الجديرة بالتصوير المفزعة وتصوير الشخصيات التى يستطيع القارئ أن يتخيلها وتبقى واضحة فى ذهنه فأغلب تفاصيله أجف وأقل من أن تحقق هذا الغرض، ولكن التأثير الذى يتركه بالرغم من قصوره فى هذه الناحية، تأثير راوية أمين لحقائق مكتشفه ومكتشف واع يلاحظ ويدون الأمور التى تدل على معرفتها على قيمتها.
وكثيرا ما استعان ابن إياس بأشعاره أو أشعار غيره من شعراء ذلك العصر للتعبير عن الانفعالات التى كانت تتولد فى أعماقه بسبب حالة سياسية أو اجتماعية معينة، ومن يطفح بالكثير من الأبيات والمقطوعات الشعرية فهو يبدو من خلال أشعاره أنه عاش فردا متتبعا عن كثب حوادث المجتمع الذى تقلب فيه وليس ذلك بصفته مؤرخا معنيا بتدوين الوقائع والأخبار، بل لأنه كان إنسانا يتأثر بما حوله وبما كان يجرى فى دولة بدت عليها مخايل الاحتضار والزوال فحين توفى نور الدين على بن رحاب سنة ٨٩٦ هـ، وكان ابن رحاب واحدا من أشهر المطربين المصريين عصر ذاك، رثاه ابن إياس بقوله:
توفى نزهة الأسماع طرا … وصار العيش منا فى ذهاب
وناحت بعده الآلآت حزنا … وأظهرت الصراخ مع انتحاب
وأبدى الدف والماصول زعقا
стр. 7
كمن جاء المأتم فى المصاب … وأضحى الناس فى قلق ولم لا
وقد ضاق الوجود بلا رحاب
كذلك هجا ابن إياس أحد رؤساء ديوان بيت المال ويعرف بركات الصالحى، وكان هذا الموظف المملوكى ظلوما فى جبايته للضرائب من أقواله فيه بعد وفاته.
بركات زاد الظلم فى أيامه … وعلى الورى قد جار فى توكيله
من أجله كان الهلاك بعامة … فمشى إلى نار الجحيم برجله
وعندما غمرت المصريين موجة من الغضب والاستنكار بسبب ما فرضه السلطان قايتباى سنة ٨٩٦ هـ من ضرائب وعزمه على جباية سبعة أشهر على ما بحوزتهم من الممتلكات على أن يدفع القسط الأول عن شهرين، ويدفع القسط الثانى عن خمسة أشهر دفعة واحدة.
وصف ابن إياس هذه الحادثة نثرا وضمنها أبياتا لشاعر معاصر للتعبير عما كان يستشعره الناس من هم وألم وقلق، وقال الشاعر المعاصر فى ذلك:
فعرفت شهرين عن أجرة مكانى أمس … وأصبحت مغموسا فى بحر المغارم غمس
اقسم ورب الخلائق والقمر والشمس … وما طقت شهرين كيف أقدر أطيق الخمس
هذه بالإضافة إلى أشعار كثيرة نظمها ابن إياس أو اقتبسها عن شعراء معاصرين تتناول مختلف المناسبات وتصلح كمصدر مهم يفيد مؤرخى الأدب كما يفيد الباحثين فى تاريخ مصر فى العصر التركى المملوكى من وجوه كثيرة. وأخيرا لابد من أن نشير إلى اللغة التى كتب بها ابن إياس تاريخه والإشارة إلى لغة المؤلف أمر يتصل بالحضارة ويكشف عن عمق المؤثرات الأجنبية ثم هو صورة لفعاليات شعبية أو فولكلور، فضلا عن الفائدة التى يجنيها الباحث فى دراسة تطور اللغة وعلاقة اللهجة المصرية بالفترة الزمنية التى كتب بها ابن إياس تاريخه.
стр. 8
والواقع فاللغة التى كتب بها ابن إياس لغة سهلة وبسيطة أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى وهذه اللغة كانت شائعة بين مؤرخى العصر المملوكى، كما أن لغة ابن إياس كانت تحف بالكثير من الألفاظ التى لا تضمها معاجم اللغة فضلا عن وجود عدد كبير من الألفاظ والمصطلحات الأجنبية وبخاصة الألفاظ والمصطلحات التركية التى لا تزال اللهجة المصرية المعاصرة تضم عددا كبيرا منها، كالبعثات الدبلوماسية لدولة سلاطين المماليك كما وصفها ابن إياس يقول الأستاذ الدكتور حسن أحمد محمود: إن أسلوب المؤرخ مرآة صادقة تعكس ثقافته وانفعاله بعصره بل يكشف عن أصالته وصدقه أو ضحالته وزيغه. فإلى أى حد كان مؤرخنا ابن إياس أصيلا وصادقا؟
من هذا المنطلق نظرنا فيما نقله ابن إياس عن السفارات المتبادلة بين مصر ودول العالم الأخرى لعلنا نستطيع أن نلقى مزيدا من الضوء على شخصية المؤرخ العظيم ابن إياس.
وأول ما نلاحظه ذلك الإلتزام الدقيق بالأمانة فى النقل والرواية وهذا ما اسميه بالانضباط التاريخى وتحرى الخبر إلى قاعه وتتبعه إلى جميع تفاصيله وهو سعى حقيقى إلى الكشف عن الحقيقة كاملة فى كثير من الأناة والصبر وكأنه مراسل صحفى بآلة تصوير يصور كل شئ، فهو إذا أشار إلى حضور القصاد أعنى الرسل ذكر موعد حضورهم باليوم والشهر والسنة بل فى أغلب الأحيان يذكر أسماء الوافدين وألقابهم ويذكر وسيلة حضورهم بالبر أو البحر ويصف طريقهم إلى القاهرة وموكبهم واستقبال السلطان لهم والحفاوة بهم ويصف بالتفصيل الهدايا التى يحملونها كما يصف خلع السلطان وهداياه وأنواعها وطريقة توديعهم للسفر حتى عودتهم لبلادهم، بل يحدد المهمة التى جاء الوفد من أجلها وهل صادفت نجاحا أو إخفاقا.
وهو مثلا يتحدث عن وفد الحبشة سنة ٨١٦ هـ لتولية أحد البطاركة ووفد البنادقة سنة ٩١٧ هـ لفتح كنيسة القيامة أمام الأفرنج ثم وفد أهل الأندلس لدفع الضغط عن غرناطة وفك حصارها ووفد الشاه إسماعيل الصفوى لإزالة التوتر مع سلاطين مصر. ووفد قبرص الذى جاء مستنجدا ووفد تيمور لنك سنة ٨٠٣ هـ لتبادل الأسرى، ووفد بغداد مستنجدا من الشاه إسماعيل ووفد الهند الذى يطلب النجدة ضد البرتغال سنة ٩١٦ هـ الأمر الذى يدل على أن سلاطين المماليك بلغوا الغاية من الدبلوماسية، بل يمضى ابن إياس أبعد من هذا فى تحرى الدقة، فإذا أرسلت مصر سفارة إلى بلد أخر روى ابن إياس الخبر بطريقته المعهودة فى
стр. 9
تحديد ساعة الرحيل ووسيلته ويصف الأزياء والأشكال، بل يشير أحيانا إلى انطباع الناس او انطباع البلاط. فقد وصف رسول البنادقة إلى مصر سنة ٩١٧ هـ بأنه رجل شيخ بذقن بيضاء وهو جسيم وعليه وقار. كما وصف رسل الشاه إسماعيل الذين حضروا إلى مصر فى سنة ٩١٣ هـ وأن على رؤوسهم طراطين حمر ليس عليهم رونق، بل هو يقارن بين رسل إيران ورسل العثمانيين بين غلظة هؤلاء ورقة أولئك وتلطفهم، بل تمضى به الدقة فى الوصف إلى أبعد من ذلك فيسجل انطباع الناس أنفسهم، فقد عرض لرسول الشاه إسماعيل وجماعته وأنه فى غاية الغلاسة.
وإن دل هذا على شئ فإنما يدل على أن ابن إياس كان مقربا من بلاط السلطان وإن لم يتول وظائفه وأنه يستقى المعلومات من مصادرها الأصلية من ديوان الإنشاء أو رجال القصر أنفسهم، الأمر الذى يعطى روايته قيمة تاريخية عظيمة ويدعونا بحق إلى أن نمعن النظر فى حولية ابن إياس فاحصين مدققين، ناحية أخرى تنعكس صورتها بعمق من رواية ابن إياس وهى المكانة الدولية الرفيعة التى ظلت مصر تحتلها فى العالم الإسلامى حتى الفتح العثمانى فتتجه إليها أبصار المسلمين تطلب المشورة حينا أو النجدة حينا أخر.
يصور ابن إياس هذه المكانة من خلال روايته عن الرسل إلى مصر ويصدر تعليقات قيمة جدا تدل على ثقافته الواسعة ومعرفته العميقة بالعلاقات الدولية وباتجاهات السياسة المصرية رواية رجل ذواقه لا يروى الخبر لمجرد الرواية إنما يرويه عن علم وخبرة.
لهذا حرصت على إجراء توزيع جغرافى يصور دائرة العلاقات الدولية للمماليك عن طريق إحصاء للسفراء الوافدين أو الصادرين بل اقتبست من الحولية نصا مهما جدا يصور مكانة الدولة فى عصر ابن إياس فهو يقول فى أحداث سنة ٩١٧ هـ.
ومن العجائب أنه فى هذا الشهر اجتمع عند السلطان نحو من أربعة عشر قاصدا "رسولا" وكل قاصد من عند ملك، قاصد شاه إسماعيل الصفوى - قاصد ملك الكريج - قاصد ابن رمضان أمير التركمان - قاصد ابن عثمان - قاصد يوسف الصوفى - قاصد صاحب تونس - قاصد من مكة - قاصد الملك محمود - قاصد ابن درغل أمير التركمان - قاصد ملك الفرنج الفرانسة - قاصد البنادقة.
وإليكم هذا التوزيع الجغرافى:
المغرب: الحدة زوجة ملك المغرب.
стр. 10
قبرس: حصور جاكم ابن ملك قبرس وطلب نجدة فأرسلت إليه بقيادة يونس الدوادار.
إيطاليا: فى سنة ٨٨٣ هـ أرسل السلطان الخواجا محمد بن محفوظ المغرب إلى ملك القليات الافرنجى.
البندقية: فى سنة ٩١٧ هـ رسول ملك الإفرنج البنادقة ومعه هدية عظيمة لفتح كنيسة القيامة أمام الأفرنجى.
الأندلس: فى سنة ٨٩٣ هـ سفارات من بلاد الأندلس يطلب تجريدة تعينهم على قتال الأفرنج عندما أشرفوا على أخذ غرناطة واضطر السلطان إلى الكتابة إلى أساقفة القدس لمراسلة صاحب أشبيلية ليكفه عن ذلك وإلا منع الأفرنج من الحج إلى بيت المقدس السفارة الأفريقية.
وفى سنة ٨٨٦ هـ رسول ملك الحبشة لتوليه أحد البطاركة ومعه هدية عظيمة.
وفى سنة ٩١٢ هـ وفد ملك النوبة إلى مصر ومعه الهدايا.
التكرور: حضور موسى ملك التكرور ومعه الهدايا العظيمة فى طريقه إلى الحج.
البلاد الآسيوية: سفارة أحمد بن أويس صاحب بغداد لينحدر من تيمور لنك ويفضى بأخباره، ثم اتصال أخر بالقاهرة لإبلاغها بالقضاء على أحد الخارجين وعودة الحج العراقى.
ثم عاودت بغداد الاتصال مرة أخرى فى سنة ٩١٣ هـ عندما استصرخ مراد خان بن يعقوب بن حسن الطويل ضد الشاه إسماعيل الصفوى.
العلاقات مع المغول
فى ٧٩٩ هـ رسول تيمور لنك بإطلاقه أحد الأسرى.
فى ٨٠٣ هـ تيمور لنك يطلب الصلح وإطلاق سراح القواد الذين أسروا فى عهد برقوق وكان تيمور لنك حريصا على الصلح ويعرض تبادل الأسرى.
العلاقات مع الإمارات الإسلامية فى الهند
علاقات متصلة من سنة ٨٧٦ هـ إلى ٩١٩ هـ.
стр. 11
ففى ٨٧٦ هـ رسول صاحب الهند ومعه هدية عظيمة للسلطان وطلب تقليدا من الخليفة العباسى، وفى سنة ٨٨٤ هـ سفارة أخرى من الهند وفى سنة ٩١٦ هـ محمود شاه من ملوك الهند لإرسال تجريدة إلى جهات الهند بسبب عبث الفرنج هناك وشرعوا فى أخذ البلاد.
اليمن: فى ٧١٢ هـ رسول صاحب اليمن ومعه هدايا عظيمة وفى سنة ٧٩٩ هـ رسول الملك الأشرف محمد بن الفضل ومعه أحد تجار الكارمه ومعه هدية عظيمة.
إيران: العلاقات مع الشاه إسماعيل الصفوى: فى سنة ٩١٣ هـ عندما أرسل وفدا يعتذر عن الإغارة على بعض الأطراف، ثم عاود الاتصال مرة أخرى سنة ٩١٧ هـ وهنا يشير ابن إياس إلى أن السلطان لم يكن مرتاحا لعلاقته بالشاه إسماعيل، ويشير إلى بداية العلاقات السيئة مع الشاه إسماعيل وإلى أن رسل مصر قاسوا الشدائد والمحن، أن للمؤرخ أحيانا اهتمامات خاصة بناحية معينة تشد انتباهه ويركز عليها أضواءه كلها ويعطينا فيها المزيد من الوضوح. وأقصد هنا للعلاقات المملوكية العثمانية فقد ظل ابن إياس حريصا على التأريخ لها حتى تم الفتح. فهو يذكر أن السفارات تبودلت منذ سنة ٧٩٥ هـ بدأت بيزيد بن مراد بك حذر مصر من خطر تيمور لنك وبعث فى طلب طبيب حاذق. وظلت العلاقات ودية سنة حتى سنة ٨٠٣ هـ وفى سنة ٨٥٨ هـ أرسل ملك العثمانيين بخبر بفتح القسطنطينية العظمى وكان الفتح فى يوم الثلاثاء العشرين من جمادى الأولى ودقت البشائر بالقلعة ونودى فى القاهرة بالزينة.
وكان العثمانيون حريصين كل الحرص على إبلاغ المماليك بأن فتحا جديدا يفتح عليهم بل طلبوا المحالفة سنة ٨٧٧ هـ ضد حسن الطويل الذى أراد الاستنجاد بالفرنج.
شفاعة العثمانيين
بل كان العثمانيون أحيانا يطلبون الشفاعة لأمير مملوكى يلجأ إليهم كما حدث سنة ٨٧٩ هـ بل يطلعنا ابن إياس على جانب أخر من تاريخ هذه العلاقات فيذكر فى سنة ٨٩٠ هـ بأن تقليدا من الخليفة العباسى أرسل فى هذه السنة لابن عثمان بتوليته على بلاد الروم وما يفتحه الله من البلاد الكفارية، أول احتكاك بين العثمانيين والمماليك فى سنة ٨٩٤ هـ.
ساءت العلاقات وداود باشا وزير بنى عثمان يشير على السلطان بإرسال مبعوث لمصالحة السلطان ولكنه اشترط إطلاق سراح المماليك الذين استولى عليهم ورد القلاع. وفى سنة ٨٩٥ هـ تحولت العلاقات إلى عمليات عسكرية إلى أن توسط سنة ٨٩٦ هـ على جلبى قاضى بروسة فى الصلح بين المماليك والعثمانيين ورد مفاتيح القلاع وتبودل الأسرى.
стр. 12
لكن الأمر الذى يدعو إلى الملاحظة حقا فى تاريخ هذه العلاقات أنه ابتداء سنة ٩٠٨ هـ والسلطنة المملوكية تسرف فى الحفاوة برسل آل عثمان حفاوة قلما قابلت بها سفراء آخرين وأرى فى ذلك مظهر فزع من ناحية المماليك من هذه القوة النامية التى يطرد ظهورها ومظهر ضعف من ناحية المماليك ومدارة هذا الضعف بهذا الملق الظاهر ولم تنقطع السفارات إما طلبا لشراء الأخشاب أو الحديد والبارود حتى أن السلطان العثمانى سنة ٩١٦ هـ رفض أخذ ثمن البضاعة وأرسلها هدية لمصر. وفى سنة ٩٢٠ هـ السلطان سليم يراسل سلطان مصر ويشير إلى قرب محاربة شاه إسماعيل، الصفوى ويطلب محالفة ضده ثم يبلغ السلطان خبر انتصاره على الشاه إسماعيل والانطباع الذى نخرج به من حولية ابن إياس أن التحول من الصداقة إلى العداوة ومن الحلف إلى الفتح كان تحولا مفاجئا وليست له جذور قديمة ولنبحث عن جذوره فى أحوال نواب المماليك ببلاد الشام وصراعاتهم على السلطة.
مكانة ابن إياس بين مؤرخى مصر فى العصور الوسطى
تقول الدكتورة سيدة إسماعيل كاشف: حين قدم العرب إلى مصر فى بداية القرن الأول الهجرى "السابع الميلادى" فاتحين محررين لها من الروم بدأت مصر تفتح عينها على العروبة والإسلام وأخذت تندمج فى مجموعة الشعوب العربية الإسلامية.
وأنجبت مصر منذ أواخر القرن الثانى الهجرى "الثامن الميلادى" وأوائل القرن الثالث الهجرى "التاسع الميلادى" رجال أدب ودين ومؤرخين انتجوا بالعربية كما لو كانوا أبناءها، وكان علماء مصر أساتذة لعلماء أفريقية والأندلس بوجه خاص والمعروف أن المسلمين أقبلوا على كتابة تاريخهم إقبالا شديدا وكان للمؤلفات التاريخية نسبة مرتفعة من تراث الشعوب العربية الإسلامية. وقدم التاريخ الإسلامى أكبر ما يمكن من نتائج العلوم والفنون وسائر المعرفة كما ساعد على شدة التمسك بالتراث الحضارى للإسلام، وعلى إبقاء التراث القومى لمختلف الشعوب العربية الإسلامية حيا لا يستطيع الزمن مهما طال أن يبعد بين ماضى الأمة العربية والإسلامية وبين حاضرها.
وكان للدين الإسلامى أثر كبير فى نشأة علم التاريخ عند العرب وتطوره حتى فاق المسلمون فى هذا العالم غيرهم من الأمم. فالقرآن الكريم نبه الناس إلى التاريخ الماضى وإلى تاريخ الأنبياء والرسل.
стр. 13
كذلك كان التاريخ عند المسلمين يهدف فى البداية إلى دراسة سيرة النبى ﷺ وأعمال الصحابة والجماعة الإسلامية الناشئة وأخبار الغزوات والجهاد وكانت معرفة التاريخ فى الإسلام هى سمة الثقافة العامة سواء بين أصحاب النفوذ السياسى أو العلماء أو النشء أو العامة.
وأنتجت مصر انتاجا وفيرا فى الثقافة الأدبية الإسلامية فى العصور الوسطى وكان إنتاج المصريين فى الدراسات التاريخية وفيرا لم تضارعهم فيه أية أمة أخرى من أمم الدولة العربية الإسلامية وكتب المؤرخون المصريون فى التاريخ السياسى وفى التراجم وفى الخطط والآثار. وحسبنا لنعرف إزدهار المدرسة المصرية فى التاريخ فى العصور الوسطى أن نذكر ابن عبد الحكم وابن الداية والكندى وابن زولاق وابن أبى اصيبعة وابن الراهب القبطى وابن خلكان والعماد الأصفهانى وأبا شامة وابن واصل والقفطى وابن شداد والذهبى والمقريزى وأبا المحاسن وأبا الفدا والسخاوى وابن إياس.
أما أبو البركات محمد بن أحمد بن أحمد بن إياس المصرى الحنفى فقد ولد فى القاهرة فى ٦ ربيع الآخر سنة ٨٥٢ هـ - ٨ يونية ١٤٤٨ م أى بعد وفاة المقريزى عمدة مؤرخى مصر الإسلامية بحوالى سبع سنوات وقبل وفاة أبى المحاسن بن تغرى بردى بحوالى اثنين وعشرين عاما. أما وفاة ابن إياس فكانت بعد فتح العثمانيين لمصر بأكثر من ست سنوات أى فى سنة ٩٣٠ هـ - ١٥٢٣ م.
ابن إياس والفتح العثمانى
مؤرخان قدر لكل منهما أن يشهد فتحا من الفتوحات العثمانية المدمرة، سقطت فى كل منهما إمبراطورية مؤثلة، وسحقت حضارة عظيمة هما خاتمة المؤرخين البيزنطيين، جورجيوس فرانتزا أو فرانتريس والمؤرخ المصرى محمد بن أحمد بن إياس.
شهد أولهما فتح الترك العثمانيين للقسطنطينية فى سنة ١٤٥٣ م وما ترتب عليه من اختتام الإمبراطورية الرومانية وسحق الحضارة البيزنطية، وشهد ثانيهما بعد ذلك بنحو سبعين عاما، فتح الترك العثمانيين لمصر فى سنة ١٥١٦ م وما ترتب عليه من سقوط إمبراطورية السلاطين المصرية الشامخة، وسحق الحضارة الإسلامية التى تأثلت بمصر مدى قرون.
стр. 14
شهد فرانتزا سائر حوادث الحصار التركى للقسطنطينية، وهو يومئذ وزير لقسطنطين باليولوجوس آخر القياصرة، وشهد دخول الجند الظافرين عاصمة القياصرة، التى أباحها لهم السلطان الفاتح محمد الثانى، ثلاثة أيام كاملة، ووعدهم بأن الغنائم كلها ستكون من نصيبهم وأنه يهبهم سائر الأسرى وكنوز المال والجمال، كما شهد ما ارتكبوه خلال ذلك، من أعمال السفك والاغتصاب والتدمير وشنيع الاعتداء على الأنفس والأموال والأعراض ودون ذلك كله فى مذكراته.
وسقط فرانتزا وأسرته أسرى فى أيدى الغزاة ولكنه تمكن بعدئذ من الفرار إلى المورة تاركا زوجته وأولاده رهن الإسار. ثم لجأ فى أواخر حياته إلى دير طار شنيوتس فى جزيرة كورفو، وهنالك كتب تاريخه الشهير عن آل باليولوج أخر الأسر الإمبراطورية البيزنطية من سنة ١٢٥٨ م إلى سنة ١٤٧٦ م وضمنه سائر فظائع الفتح العثمانى، فى صور تنفطر لها الأفئدة روعا وتأثرا. ثم توفى سنة ١٤٧٧ هـ وقد جاوز الخامسة والسبعين.
وما زالت رواية فرانتزا حتى يومنا أعظم وأوثق مصدر يرجع إليه عن حوادث الفتح العثمانى المروعة لعاصمة الدولة الشرقية.
وشهد مؤرخنا ابن إياس حوادث الفتح العثمانى لمصر، بعد أن اجتاحت الجيوش العثمانية الشام وفلسطين، وشهد القسم الأخير من المأساة عند دخولهم القاهرة، وما ارتكبوه فيها من فظائع السفك والتقتيل والتخريب، ودون لنا عنها فى تاريخه صورا لا تقل فى روعتها عما دونه لنا فرانتزا.
كان ابن إياس خاتمة هذه المدرسة المصرية التاريخية الزاهرة التى افتتحها المقريزى أعظم أساتذتها بخططه وآثاره الخالدة، والتى برز فيها أبو المحاسن بن تغرى بردى والسخاوى وبدر الدين العينى، ولكن ابن إياس مع اقتفائه لتقاليد هذه المدرسة الزاهرة، فى التوفر على كتابة تاريخ مصر، لم يوهب كثيرا من كفايتها الباهرة، سواء من حيث الطرافة أو الإفاضة أو البيان. ولو لم يقدر لابن إياس أن يشهد حوادث الفتح العثمانى، وأن يدونها بإسهاب وإفاضة، لما كان لأثره عن تاريخ مصر، كبير قيمة أو أهمية. ولكن رواية ابن إياس عن الفتح العثمانى، وهى ثمرة المتابعة والمشاهدة الشخصية تسبغ على أثره قيمة كبرى.
والحقيقة أن مجهود ابن إياس التاريخى، يتركز قبل كل شئ فى الفترة التى عاصرها، والتى يعنى عناية خاصة بالاحاطة بتدوين حوادثها، ولا سيما حوادث الأعوام
стр. 15
القلائل التى سبقت الفتح العثمانى، ثم حوادث الفتح ذاته، ثم الأعوام القلائل التى تلته، حتى وفاة المؤلف فى سنة ٩٣٠ هـ - ١٥٢٣ م. ففى هذا النطاق تبدو أهمية مجهود ابن إياس التاريخى، ولا سيما على ضوء ما ظفر به البحث الحديث من نصوص جديدة، مكملة لهذا القسم الأخير من تاريخ ابن إياس المسمى "بدائع الزهور فى وقائع الدهور" وكانت ساقطة فى النص المختصر الذى نشرته مطبعة بولاق من تاريخه. وتشمل هذه الفترة التى كانت ساقطة من تاريخ ابن إياس، حوادث خمس عشرة سنة من سنة ٩٠٦ هـ إلى آخر سنة ٩٢١ هـ (سنة ١٥٠٠ م - ١٥١٦ م) وهى مدة سلطنة السلطان الغورى آخر ملوك مصر المستقلة.
وفى هذا النص الجديد الذى ظهر من تاريخ ابن إياس والذى نشرته جمعية المستشرقين الألمانية فى مجلد ضخم، يتناول ابن إياس عصر السلطان الغورى، منذ بدايته باسهاب ويدون حوادثه شهرا فشهرا ويوما فيوما تقريبا، ويتحدث عن كل ما يتعلق بالسياسة والحرب، والبلاط والحكومة والأمن والقضاء والشئون المالية والاقتصادية، ويتتبع بالأخص علائق البلاط القاهرى بالبلاط العثمانى، ويبدو جليا من روايته، أن بلاط القاهرة كان يشعر بأن خطر الفتح التركى لمصر، غدا قريب الانقضاض ويصانع بلاط قسطنطينية ما استطاع إلى ذلك سبيلا.
وكان سلطان الترك سليم الأول من جانبه يخادع سلطان مصر ويهاديه ويراسله، على أن بلاط القاهرة لم يخدع ولم يطمئن، بل كان الغورى دائب الأهبة والاستعداد. ولكن الانحلال كان يسود شئون مصر يومئذ. وكانت الثورات الداخلية تفت فى نظمها وأهبتها، وكان الفساد يقضم أسس نظمها العامة سواء فى الإدارة أو القضاء أو تنظيم الدفاع عن البلاد.
أجل لقد كانت حكومة السلاطين بعد عصور طويلة من المجد والسلم والرخاء، قد شاخت يومئذ، وانحدرت إلى نوع من الفتور والدعة وذلك بالرغم مما كان يساورها من التوجس والخوف من خطر انسياب تلك القوة الإسلامية الجديدة الصاعدة الجارفة - قوة الدولة العثمانية، وكانت الدولة العثمانية منذ فتح قسطنطينية الذى كان مسرحا لتجارب سلاح المدفعية الجديد، تعنى بتزويد جيوشها بهذا السلاح المدمر بصورة تضمن لها التفوق على أية قوة خصيمة ولم يكن باستطاعة حكومة السلاطين أن تجاريها فى تلك الأهبة العسكرية العظيمة. ويتحدث ابن إياس عن مقدمات الفتح، ويقص علينا كيف أن أميرا مصريا من الأمراء المماليك، نقم على السلطان وفر إلى القسطنطينية، ونقل إلى سليم الأول
стр. 16
أخبار مصر وأحوالها وأطلعه على مبلغ قوتها وأسرار دفاعها، وحدثه عما يسودها من الاضطراب والضعف وقصور الأهبة والتسليح. ثم يقول: فعندئذ طمعت آمال ابن عثمان بأن يملك مصر، والله تعالى غالب أمره، وهو مما يدلى بأن المجتمع القاهرى كان يشعر بدنو النكبة وانقضاضها.
كانت حوادث الفتح العثمانى آخر ما دون قلم ابن إياس، فهو يصل فى روايته حتى خاتمة سنة ٩٢٨ هـ - ١٥٢٢ م بعد الفتح بنحو ستة أعوام. ونحن نعرف أن المؤرخ توفى بعد ذلك بنحو عامين فى سنة ٩٣٠ هـ، ورواية ابن إياس عن الفتح العثمانى هى كما قدمنا أهم وأنفس ما فى أثره، وإن كان بيانه لم يسبغ عليها كل ما يجب من دقة وقوة. فهو يترك لنا من هذه الحوادث الشهيرة الحاسمة فى تاريخ مصر وتاريخ الإسلام سجلا يوميا مسهبا، يستند إلى تحقيق المعاصرة والمشاهدة وهو لا يمهد فيه إلى الحوادث ولا يعنى بربطها، بل يدونها مرسلة كما وقعت، ويحصى آثارها إحصاء من رأى وسمع.
ويضيف الأستاذ محمد عبد الله عنان فى ندوته فى الجمعية التاريخية عن ابن إياس والعصر العثمانى فيقول:
وما كان لابن إياس أن يمهد أو يكثر التعليق، فى رواية انقلاب مفاجئ صعقت مصر لحوادثه السريعة المدهشة، وقضت من بعده حينا بين التصديق والتكذيب، والرجاء واليأس.
وكل ما هنالك أن ابن إياس يطلق العنان لشعوره وعواطفه، بالاستناد إلى الحوادث دائما.
فنراه يحمل على السفاكين والظلمة، فى عبارات شديدة، وأحيانا مؤثرة، ويغتبط بمصرعهم، ويعنى بالافاضة فى سرد فظائع الترك وجرائم الفاتح، ويشيد ببطولة طومان باى، أخر الزعماء المدافعين عن استقلال مصر ضد الغزاة، ويبكى مصرعه ومصرع أعوانه وجنده، ويرسل عبارات التأثر والسخط، أو الغضب أو الاشفاق كلما عن له ذلك. على أن قصور بيانه، كثيرا ما يعجزه عن أن يسبغ على هذه البوادر النفسية كل ما يجب من القوة والوضوح. وهذا القصور فى البيان، ينتقص كثيرا، من قيمة الرواية التى تركها لنا ابن إياس عن حوادث الفتح العثمانى وهذا بعكس ما نراه فى رواية فرانتزا، عنّ فظائع الترك فى قسطنطينية، من قوة البيان وروعة التصوير. والحقيقة أن ابن إياس كان بحاجة إلى بيان كبيان جيبون، ليستطيع إخراج الصور التى يقدمها إلينا، فى أثوابها الرائعة، وليصف لنا فظائع الغزاة فى القاهرة، وما جنوا على الأنفس والأموال والنظم، كما وصف جيبون بقلمه
стр. 17
الجبار، فظائعهم فى قسطنطينية، وما جنوا على الحضارة البيزنطية العظيمة. من صنوف الدمار والمحو. غير أن ابن إياس لم يكن مصورا بارعا للحوادث، ولم يكن بالأخص ناقدا قوى التعليل، يقرأ فى الحوادث غير نواحيها المادية، ولكن كثيرا من الافاضة وقليلا من التأمل، وطرفا من الملاحظة القوية، تعوض عن هذا النقص فى كثير من المواقف، وتقدم إلى النقدة مادة لا بأس بها.
وقد بينا أن مصر كانت ترجف لشبح هذا الفتح قبل وقوعه، وكيف أن المؤرخ كان يستشعر النكبة ولكن مصر لم تكن تتوقع أن يسحق استقلالها ومجدها التالد فى لمحة صاعقة. فكانت "مرج دابق" مفاجأة مروعة، ذهلت لها مصر وصعقت، ويبدو أثر هذا الروع واضحا فى أول صرخة تبدر من المؤرخ فى ذكر النكبة إذ يقول: "وفى يوم السبت السادس عشر من شعبان أشيع خبر هذه الكائنة العظيمة، التى طمت وعمت، وزلزلت لها الأقطار".
ولا غرو فقد خرج السلطان الغورى إلى شمال الشام قاصية الحدود المصرية يومئذ، بجيشه الزاهر ليرد عادية الغزاة عن مصر، فكانت مرج دابق قبرا له ولحريات مصر. يقول المؤرخ:
"وزال ملك الأشرف الغورى فى لمح البصر، فكأنه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه".
ويفيض بعد ذلك فى تفاصيل الموقعة الهائلة التى نشبت بين الغزاة وبين الجيش المصرى فى "مرج دابق" فى الخامس والعشرين من شهر رجب سنة ٩٢٢ هـ (أغسطس سنة ١٥١٦ م) وما أوقعه الغزاة بمعسكر مصر من سفك ونهب، ويصف صدى النكبة فى القاهرة، وكيف كان نعى السلطان فى ذلك اليوم، ونعى الأمراء والأعيان الذين قتلوا. وصار فى كل حارة وزقاق وشارع من القاهرة صراخ وبكاء .. ورجت القاهرة، وضجت الناس، واضطربت الأحوال، وكثر القيل والقال. ثم يقف المؤرخ قليلا ليصف الغورى وخلاله، ويعدد مآثره ومثالبه، ويختتم ابن إياس حديثه عن الغورى، وعن عصره وأعماله، بإيراد زجل طويل مؤثر لصديقه بدر الدين الزيتونى وهو من أشهر أدباء هذا العصر، وفيه يصف النكبة، ويرثى الغورى فى مقاطيع مبكية نقتبس منها ما يأتى:
غربت شمس دولة الغورى … وابن عثمان نجمو طلع ساير
وبهذا رب السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير
والعجائب فى قتلة الغورى … راح برجلو لقتلتو خاطر
стр. 18
وحسبنا كل الحساب إلا … ما جرى لو ما مر بالخاطر
دمعة العين منى على الغورى … من دماها تجرى لحزنى عين
كان عليه ترقب زمان ملكو … والسعادة حتى أصابوا عين
ذى العساكر شبهتها روضة … فيها أغصان فرسان عليها زهور
واللبوس من الحديد تحكى … ورد أحمر بين الرياض منثور
والأمارة تحكى شجر مثمر … فى رياض نشروا غدا عاطر
والمدافع ترمى سفرجل كبار … ول رمان يحكى من الفحول فاخر
كم اسلى قلبى على الغورى … وأقلوا يا قلب من تفكر
كل حادث بأمر القديم راحل … والاقامة للأول الآخر
***
يا للذى جا يسمع عقود نظمه … خذ وحر عنو بديع نقلوا
وان أتى من يطلب التاريخ … والوقايع عن الملوك قلوا
غربت شمس دولة الغورى … وابن عثمان نجوا طلع ساير
وبهذا رب السما قد حكم … والفلك دار ولم يزل داير
ويتتبع ابن إياس حركات الغزاة بإفاضة منذ "مرج دابق" حتى قدومهم إلى القاهرة فى أواخر شهر ذى الحجة ٩٢٢ هـ (ديسمبر سنة ١٥١٦ م) ويصف أهبة السلطان طومان باى، لمقاومة الفاتح، بحماسة، وينوه بهمته العالية، فى إعداد وسائل الدفاع، ويجيد شرح الوقائع الهائلة، التى نشبت متعاقبة بين الجيش التركى وعلى رأسه سليم الأول. وبين الجيش المصرى وعلى رأسه طومان باى والمماليك، وكيف عبس القدر لمصر وجيشها، فهزم طومان باى مرارا فى أنحاء القاهرة وضواحيها، ولكنه استمر فى دفاعه جلدا مستبسلا، حتى انفض عنه معظم أنصاره وجنده، ففر إلى الصعيد، يجمع هناك أشتات جيشه، وعتاده، وقد كان من الواضح أن تفوق الترك فى السلاح، ولا سيما فى المدفعية، كان له أكبر الأثر فى هزائم القوات المصرية المتوالية، هذا إلى سريان التفكك والفوضى، والخيانة بين الأمراء والقادة. وكان من المتعذر بعد هزيمة مرج دابق الساحقة أن تجتمع القوات المصرية مرة أخرى، فى جيش كثيف متماسك، يستطيع صد الغزاة.
стр. 19
وانقض الغزاة على القاهرة كالضوارى المفترسة، فأوقعوا فى سكانها السفك الذريع، وأمعنوا فى الآمنين قتلا وعبثا وهتكا ونهبا. ودامت هذه المذبحة الهائلة أياما أربعة، وذلك من ثامن المحرم سنة ٩٢٣ هـ (أوائل فبراير ١٥١٧ م) ويصفها ابن إياس "بالمصيبة العظمى التى لم يسمع بمثلها فيما تقدم من الزمان، ثم يقول:" إن الجثث كانت مرمية فى الطرقات من باب زويلة إلى الرميلة ومن الرميلة إلى الصليبة، إلى قناطر السباع، إلى الناصرية، إلى مصر العتيقة، ويقدر القتلى بأكثر من عشرة آلاف ويقدر من قتل من المماليك فقط بثمانمائة، ويقدر البعض الآخر ضحايا هذه الجريمة الشائنة بخمسة وعشرين ألفا، ولم يمض على ذلك أسابيع قلائل حتى أمر سليم الأول بإعدام من بقى من الأمراء المماليك، وكان قد احتال عليهم، ووعدهم بالأمان حتى ظهروا، وعددهم أربعة وخمسون أميرا وقائدا، وقبض على نسائهم وفرضت عليهن الغرامات الفادحة. ثم كانت الموقعة الأخيرة والفاصلة فى السادس من ربيع الأول (أبريل سنة ١٥١٧ م) بين الغزاة وبين جيش طومان باى، فإن هذا الأمير الجلد الشجاع، عاد بقواته على مقربة من الجيزة يحاول مرة أخرى إنقاذ الوطن من براثن الوندال ولكن القدر ظل على عبوسه له، فهزم للمرة الخامسة وغاص كل أمل فى إنقاذ حريات مصر واستقلالها. كان طومان باى قرين قسطنطين باليولوج، أخر القياصرة الرومان، يكافح وحياته تهتز فى يده، ويطلب الموت كما كان يطلبه أخر القياصرة، ولا يشعر بأى أمل حقيقى فى دفع الغزاة. وقد ظفر الفاتح بعد ذلك بطومان باى، وأمر بإعدامه فشنق على باب زويلة، أمام أعين ذلك الشعب الذى كان مليكه قبل ذلك بأشهر قلائل، والذى أحبه وقدر خلاله وبطولته. ويرثيه المؤرخ فى قوله: "صرخت الناس عليه صرخة عظيمة، وكثر عليه الحزن والأسف. وكان شجاعا بطلا، تصدى لقتال ابن عثمان، وثبت وقت الحرب بنفسه، وفتك فى عسكر ابن عثمان، وقتل منهم ما لا يحصى، ووقع منه فى الحرب أمور لم تقع من الأبطال العناترة .. وقاسى شدائد ومحنا، وحروبا وشرورا وهجاجا. ولم يسمع بمثل هذه الوقعة فيما تقدم من الزمان، أن سلطان مصر شنق على باب زويلة قط".
ولبث سليم الأول فى القاهرة زهاء ثمانية أشهر، يذيق وجنده المصريين أشنع ألوان السفك والظلم والمصادرة، ويجمع من تراث مصر وثرواتها الفنية، كل ما وصلت إليه يده، ويخرب المساجد والآثار الخالدة لينتزع منها نفائسها الفنية، ويبعث بها إلى قسطنطينية.
ويقبض على أكابر مصر وزعمائها وعلمائها، ورجال المهن والفنون فيها، ومهرة الصناع والعمال، ويحشدهم أكداسا فى السفن ويبعث بهم إلى قسطنطينية وكان فى مقدمة هؤلاء
стр. 20
المتوكل على الله أخر خلفاء بنى عباس بمصر وأفراد أسرته وجماعة كبيرة من الأمراء والقواد والقضاة، وكان الفاتح يرمى بذلك إلى غرضين: الأول تجريد مصر من أكابرها وزعمائها ليحطم بذلك عصبيتها، ويقتل قواها المعنوية، والثانى نقل تراث مصر الفنى والفكرى والصناعى، وهو الذى تكدس بالقاهرة مدى قرون طويلة إلى قسطنطينية. ويقول ابن إياس معلقا على ذلك: "وكانت هذه الواقعة من أشنع الوقائع المنكرة التى لم يقع لأهل مصر قط مثلها" ثم يعقد فصلا خاصا يذكر فيه أسماء كل من نفى إلى قسطنطينية من أكابر مصر وأعيانها ومفكريها وفنانيها.
ويفيض المؤرخ فى سرد أعمال الفاتح وجوره، وما أصاب شعب مصر من بطشه وعسفه، حتى مغادرته مصر. ثم يتتبع أخباره بعد ذلك حتى وفاته عام ٩٢٦ هـ (١٥٢٠ م) ويترجمه بهذه المناسبة ويرثيه بأبيات من نظمه. ومن الغريب أن ابن إياس يبدى فى عواطفه نحو الفاتحين ترددا واضطرابا فنراه يحمل على سليم الأول، ويعدد جرائمه ومثالبه فى حق وطنه، ثم نراه فى نفس الوقت يلقبه بالملك المظفر، ويترحم عليه حين يذكر نبأ وفاته، ويدعو بالنصر لولده وخلفه السلطان سليمان. ومن الصعب أن نضبط عواطف المؤرخ. فى هذا الموقف، وفى كثير غيره. ومن الصعب أيضا أن نتعرف حقيقة المؤثرات التى ربما دفعت قلم المؤرخ، بما قد يخالف حقيقة عواطفه. فلعله هو ينحدر من أصل شركسى أو تركي، يتأثر هنا بنوع من عصبية الجنس. ومن جهة أخرى فقد كان ابن إياس "يدون روايته، فى عهد اضطراب وفتنة، وربما كان هذا التردد بين المديح والذم، نوعا من حرية التقدير والنقد عن ابن إياس.
هذه هى رواية ابن إياس عن حوادث الفتح العثمانى - وهى وثيقة تستمد قيمتها رغم ضعف بيانها، من المعاصرة والمشاهدة. بيد أنه يجب ألا نبالغ فى تقدير مدى هذه المشاهد - فإن ابن إياس لم يكن جنديا يخترق الصفوف، ولم يكن من رجال الدولة أو القادة. والظاهر أيضا أنه كان قليل الطواف والتنقل فى تلك الأيام العصيبة التى يدون لنا حوادثها، فهو مثلا لم يحاول أن يرى سليم الأول بالرغم من إقامته فى القاهرة عدة أشهر، وهو لذلك يعتمد فى وصف شخصية على صديق رآه، ولا غرو فقد كان ابن إياس فى ذلك الحين شيخا يجاوز السبعين. وربما لحقته أوصاب المرض. غير أن ابن إياس كان أديبا ومفكرا كبيرا، يتصل بأكابر عصره - وكان فى وسعه أن يتحرى من المصادر والجهات المطلعة. وكان يشهد بعينيه كثيرا من المناظر والآثار المادية لما يدون من الحوادث. ومن ثم كانت أهمية روايته ونفاستها.
стр. 21
وإذا كانت رواية ابن إياس عن حوادث الفتح العثمانى لمصر، تقل فى عرضها ووصفها، من حيث البيان والتصوير، عن رواية قرينه فرانتزا عن حوادث الفتح العثمانى للقسطنطينية، وتخلو من التعليقات النقدية التى تمتاز بها رواية فرانتزا، فإنها مع ذلك، تبقى إلى جانب الرواية البيزنطية، قرينتها الوحيدة من حيث التماثل والقيمة التاريخية، فى تاريخ الفتوحات العثمانية.
صفوة القول أن ابن إياس أخر المؤرخين الذين أرخوا تاريخ مصر بدقة وتفاصيل حيث سيبقى اسمه إلى قيام القيامة لما تركه من مؤلفات ومصنفات يشيد بها كل الناس فى جميع الأمصار والأقطار، فلهذا حرصت كل الحرص على إبراز عمل جديد لهذا المؤرخ وهو " جواهر السلوك فى أمر الخلفاء والملوك "وقد قمت بتصوير هذه المخطوطة من معهد المخطوطات العربية رقم ٢٠٥ تاريخ ويقع فى ١٦٥ ورقة، فالمخطوطة بخط المؤلف وبها بعض الصفحات القليلة مطموسة الأسطر، فرجعت إلى بعض المصادر وقمت بتكملتها ووضعت بعض التعليقات والهوامش وضبط الأعلام والمواقع الجغرافية والقبائل والبطون والفرق والمذاهب، إلى جانب تخريج الآيات والأحاديث والأشعار وإضافة الكتب والمصادر الموجودة فى النص. فالكتاب هو تلخيص لمصنفات ومؤلفات ابن إياس وخاصة كتاب" بدائع الزهور "مع إضافة معلومات جديدة لم تذكر فى الكتاب السابق ذكره، إلى جانب تصحيح بعض التواريخ كان قد ذكرها فى مصنفاته. فابن إياس صاحب المدرسة التاريخية المعروفة على مر العصور. فالكتاب" جواهر السلوك "مصدر مهم للدراسين والباحثين فى العلوم الإنسانية فهو يشمل علم التاريخ والجغرافيا والفلسفة والفقه والحديث والأدب وعلم النفس والطب والكيمياء والطبيعة والفلك والرياضيات إلخ.
وفى النهاية أرجو من الله أن ينال هذا العمل رضاء الله والباحثين والدارسين وعشاق التاريخ ومصر، والله المعين، يا أرحم الراحمين.
الدكتور محمد زينهم محمد عزب
القاهرة فى غرة المحرم ١٤٢٦ هـ
الموافق ١٠ فبراير ٢٠٠٥ م
стр. 22
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه الإعانة والتوفيق
مقدمة المؤلف
ذكر من تولى على مصر بعد فتحها فى الإسلام
وقد تولى عليها جماعة كثيرة فى أيام الخلافة (١) الأموية وفى أيام الخلافة (٢) العباسية وكانوا يسمون عمال الخراج (٣) لمصر، يقيم الواحد مدة يسيرة ثم يعزل ويتولى غيره. وكان يتولى منهم جماعة كثيرة فى مدة يسيرة، وكانوا يتولونها نيابة من تحت أيدى الخلفاء إلى أن تولى عليها خلفاء بنى عبيد (٤) الفاطميين ولا بأس بإيراد شئ من أمرهم، وذلك على سبيل الاختصار مما يحسن إيراده من ذلك.
стр. 23
أقول أخر من ملك مصر فى الديار المصرية ملوك القبط وغيره فكان أخرهم المقوقس (١) عظيم القبط بن بطران بن جريج بن منياهى. فلما فتحت مصر فى أيام عمر بن الخطاب (٢) ﵁ على يد عمرو بن العاص (٣) وذلك فى يوم الجمعة مستهل المحرم من سنة عشرين من الهجرة النبوية.
стр. 24
فلما فتحها عمرو بن العاص فولاه عمر بن الخطاب ﵁ عليها نيابه عنه.
نكته لطيفة
قيل إن القبط كانوا يجتمعون فى يوم معلوم من السنة عند عامود السوارى الذى بالإسكندرية ويلعبون بالأكرة وكان يجتمع فى هذا الملعب الخالد أنهار من الناس فلا يمسون فيهم أحد إلا وهو ينظر فى وجه صاحبه عند وقع الأكرة، وكانوا يتلقونها باكمامهم ولا يقع فى حجر واحد من الحاضرين إلا ملك مصر.
فاتفق أن عمرو بن العاص حضر فى بعض السنين يوم الملعب فوقعت الأكرة فى حجره. فقال القبط: ما كذبنا هذه الأكرة قط إلا فى هذه المرة. أترى هذا الأعرابى يملك مصر، فلا يكون هذا أبدا فلازال حتى ملكها فى الإسلام فى خلافة عمر بن الخطاب ﵁ كما تقدم.
ولما افتتح عمرو بن العاص الديار المصرية كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: أما بعد" فإنى فتحت مدينة لا أقدر [أن] (١) أصف لك ما فيها، غير أنى وجدت فيها أربعة آلاف دار بأربعة آلاف حمام، ووجدت بها أربعين ألف يهودى قد وجبت عليهم الجزية، ووجدت بها أربعة آلاف بقال يبيعون البقولات بعد العصر".
وبلغ خراج مصر فى أيام عمرو بن العاص اثنى عشر ألف ألف دينار. واستمر عمرو بن العاص على مصر حتى توفى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وتولى الإمام عثمان بن عفان (٢) ﵁ فعزل عمرو بن العاص عن مصر
стр. 25
وولى ابن أبى سرح (١).
ذكر ولاية عبد الله بن أبى سرح العامرى
وكان أخا للإمام عثمان بن عفان من الرضاعة، فلما تولى على مصر، كانت جباية خراجها فى تلك السنة أربعة عشر ألف ألف دينار، فنظر الإمام عثمان بن عفان إلى عمرو بن العاص وكان عنده بالمدينة فقال له الإمام عثمان: درت اللقمة بعدك يا عمرو. فقال: نعم ولكن أجاعت أولادها وهذا الذى جباه عبد الله بن أبى سرح إنما هو على الجماجم عن كل رأس دينار خارجا عن الخراج، فحصل الضرر لأهل مصر فى تلك السنة. وكانت ولاية عبد الله بن أبى سرح على
стр. 26
مصر فى سنة خمس وعشرين وكانت وفاته فى سنة ست وثلاثين من الهجرة وقيل مات بفلسطين.
ثم تولى بعده قيس بن سعد بن عبادة الخزرجى (١) الأنصارى وكان من الصحابة تولى فى سنة سبع وثلاثين من الهجرة. ثم تولى من بعده مالك بن الحارث المخزومى الأسدى (٢)، وكان من الصحابة من تولى فى خلافة الإمام على (٣) رضى
стр. 27
الله عنه، وقيل مات عنده أخر عبده فى سوق شربة فمات، فلما بلغ خبره إلى الإمام على تأسف عليه وتألم لمصابه. وقال: كان لى كما كنت لرسول الله ﵊.
ثم تولى من بعده الأمير محمد بن أبى بكر الصديق (١) ﵁. تولى على مصر فى سنة ثمان وثلاثين من الهجرة، وقتل فى تلك السنة، فكانت ولايته على مصر خمسة أشهر وقد تقدم ذلك فى أول الكتاب.
ثم تولى من بعده عمرو بن العاص ثانيا وذلك فى خلافة معاوية بن أبى سفيان (٢) وذلك فى سنة ثمان وثلاثين بعد قتله محمد بن أبى بكر ﵁.
стр. 28
وعمرو بن العاص هذا هو الذى بنى الجامع الكبير لمصر العتيقة سنة ثلاثة وعشرين ولما مات عمرو بن العاص خلف ولدا يسمى عبد الله (١) وكان يقارب معه فى العمر حتى قيل كان بينه وبين ابنه فى السن ثلاثة عشر عاما، وهذا من العجائب، وهو الذى أنشأ مدينة الفسطاط فى أول الإسلام عندما فتح مصر. وكان أولها من خدرة بن قمحة وآخرها عند الرصد، وآثارها باقية إلى الآن وأقام عمرو بن العاص فى ولايته هذه مدة إلى أن مات فى سنة ثلاث وأربعين من الهجرة وذلك
стр. 29
فى خلافة معاوية بن أبى سفيان، وقيل لما اعتل عمرو بن العاص عند موته أحضر ما حصله من الأموال فى مصر فكانت مائة وأربعين شيكارة من الدنانير، فقال لابنه عبد الله إذا أنا مت فأردد إلى كل ذى حق حقه من هذا المال. فلما بلغ معاوية ذلك، قال:
نحن أحق بذلك وأرسل ثم أخذ الأموال وأدخلها فى بيت مال المسلمين.
وسبب جمع هذه الأموال التى جمعها عمرو بن العاص من مصر، قال الأستاذ إبراهيم بن وصف شاه (١) فى أخبار مصر: إن عمرو بن العاص لما افتتح مصر جمع من فيها من القبط، وقال لهم كل من كان عنده كنز وهمنى خبره قتلته، فقيل لعمرو بن العاص إن قبطيا من أهل الصعيد يقال له بطرس (٢) عنده كنز.
فأرسل إليه عمرو، فلما حضر بين يديه قال له: بلغنى أن عندك كنزا، فأنكر ذلك بطرس وصمم على إنكاره، فحبسه عمرو فى السجن، وقال للموكلين به هل تسمعونه يسأل عن أحد من أصحابه. فقالوا له: قد سمعناه يسأل عن راهب فى مدينة الطور (٣)، فأرسل عمرو بن العاص إلى بطرس وهو فى السجن وأمره أن ينتزع خاتمه من أصبعه، فنزعه فأرسله عمرو إلى ذلك الراهب الذى فى الطور وهو يقول له الوديعة التى عندك احضرها، فأرسل ذلك الراهب حقه مختومة بالرصاص، ففتحها عمرو بن العاص فوجد فيها صحيفة مكتوب فيها أن أموالكم تحت الفسقية الكبيرة فحبس عنها الماء ثم قلع البلاط الذى تحتها فوجدها مخبأ فيها ذهب سلب، فكان قدره اثنين وخمسين أردبا ذهبا دنانير. فأرسل عمرو وأحضر بطرس وضرب عنقه عند باب الجامع الكبير، فخاف جميع القبط على أنفسهم من القتل، وصار كل من كان عنده كنز أظهره وإلا صار مثل بطرس، فهذا كان سببا لجمع الأموال التى وجدت عند عمرو بن العاص.
وكانت وفاة عمرو بن العاص فى أخر يوم من شهر رمضان سنة ثلاث وأربعين من الهجرة، ومات و- له من العمر خمس وتسعون سنة، فأخرجه ابنه عبد الله فى
стр. 30
يوم عيد الفطر إلى المصلى القديمة التى كانت بمصر ووضعه فى المحراب حتى تكاملت الناس وصلى بهم العيد ثم صلى على أبيه ودفنه فى مقابر مصر على طريق الحجاج كما أوصى ﵁.
ثم تولى بعده عتبة بن أبى سفيان (١) وهو أخو معاوية بن أبى سفيان وذلك فى سنة ثلاث وأربعين من الهجرة فلم تطل أيامه فكانت ولايته أشهر قلائل ومات.
ثم تولى من بعده عقبة بن عامر الجهنى (٢) صاحب رسول الله ﷺ ورديفه، وراوى أحاديث رسول الله ﷺ ، تولى على مصر فى سنة أربع وأربعين من الهجرة، وأقام بها إلى أن مات شهيدا فى يوم النهروان، فكانت ولايته على مصر سنتين وثلاثة أشهر، ومات فى سنة سبع وأربعين من الهجرة، ودفن بالقرافة الكبرى وقبره يزار إلى الآن.
ثم تولى مسلمة بن مخلد (٣) بعد عقبة بن عامر فى سنة سبع وأربعين من الهجرة.
стр. 31
ثم تولى من بعده سعيد بن يزيد بن علقمة الأزدى (١) تولى بها فى سنة اثنتين وستين من الهجرة.
ثم تولى من بعده الأمير عبد الرحمن بن جحدم (٢) الفهرى القرشى تولى فى أيام عبد الله بن الزبير (٣) فى سنة أربع وستين من الهجرة فلم تطل أيامه بها.
ثم تولى من بعده الأمير عبد العزيز بن مروان (٤) ولاه أبوه مروان (٥) على مصر وهو أخو عبد الملك بن مروان، قيل لما تولى عبد العزيز بن مروان وقع بها الطاعون.
стр. 32
فخرج عبد العزيز بن مروان من مدينة الفسطاط إلى حلوان فنزل بها، فكان ابن خديج (١) يرسل فى كل يوم إلى عبد العزيز بن مروان ويخبره بما يحدث فى البلد
стр. 33
من أمر الموت وغيره. فما مر قليل حتى مات عبد العزيز بن مروان وهو بحلوان، ونقل إلى مدينة الفسطاط وقد تغيرت رائحته، فكان حول نعشه مجامر النار وفيها العود لتخفى تلك الرائحة الكريهة منه.
قال ابن عفير (١): كان لعبد العزيز بن مروان فى كل يوم ألف حفنة نظيف حول داره للفقراء والمساكين، وكان له مائة وست تحمل على عجل من كبرها ويطاف بها على القبائل واستمر ذلك فى كل يوم إلى أن مات.
ثم تولى من بعده عبد الله بن عبد الملك بن مروان (٢) تولى على مصر فى سنة ثلاث وثمانين من الهجرة.
ثم تولى من بعده قرة بن شريك العبسى (٣) فى سنة تسعين من الهجرة، فلم تطل أيامه بها.
стр. 34
ثم تولى من بعده عبد الملك بن رفاعة الفهمى (١) تولى فى سنة ست وتسعين، تولى بمصر مرتين.
ثم تولى من بعده أيوب بن شرحبيل الأصبحى (٢) فى سنة إحدى ومائة من الهجرة.
ثم تولى من بعده بشر بن صفوان (٣) تولى على مصر ثلاث مرات إلى أن عزل عنها بعد الولاية الثالثة فى سنة ثمان وعشرين ومائة.
стр. 35
ثم تولى من بعده أخوه حنظلة بن صفوان الفهمى (١) وهو الذى نقلت بنى قيس إلى مصر فى أيامه وذلك فى سنة سبع وعشرين ومائة، ولم يكن بها قبل ذلك أحد من بنى قيس، وتوفى حنظلة هذا فى سنة تسع وعشرين ومائة.
ثم تولى من بعده محمد بن عبد الملك بن مروان (٢) فكان ولايته على مصر سبعة أشهر وخمسة أيام.
ثم تولى من بعده حنظلة بن صفوان أيضا تولى على مصر ثلاث وعزل عنها.
ثم تولى الحر بن يوسف (٣).
стр. 36
ثم تولى من بعده حفص بن الوليد العامرى (١).
ثم تولى من بعده عبد الملك بن رفاعة (٢). ثم أخوه الوليد. ثم الوليد بن رفاعة.
ثم تولى عبد الرحمن بن خالد الفهمى (٣). ثم تولى من بعده الأمير حسان بن
стр. 37
عتاهية التجيبى (١). تولى بها فى أيام مروان الحمار (٢) إلى أن قتل بمصر.
ثم تولى من بعده الحوثرة بن سهيل الباهلى (٣)، فأقام بها نحو ثلاث سنين وعزل عنها.
стр. 38
ثم تولى من بعده المغيرة بن عبيد الله بن المغيرة بن مسعدة الفزارى (١) فأقام بها سنتين وأشهر ثم عزل عنها.
ثم تولى من بعده عبد الله بن مروان (٢) وشهرته ولى لحم فأقام بها نحو ثلاث سنين وعزل عنها. فكان أخر من تولى على مصر من تحت أيدى الخلفاء الأموية الذين كانوا فى دمشق، فلما انقرضت دولتهم وابتدت دولة بنى العباس فتولى فى أيامهم جماعة كثيرة أكبر ممن تولى فى دولة الأمويين وكانوا يسمون عمال الخراج، وقيل كان الخلفاء يشترطون عليهم فى تقليدهم ضيافة العسل النحل المصرى من عسل بنها وهى من ضياع مصر.
стр. 39
ذكر من تولى على مصر من دولة بنى العباس
فأول من تولى فى دولتهم على مصر: صالح بن على بن عبد الله (١) تولى بها فى سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فتولى على مصر مرتين.
ثم تولى من بعده أبو عون عبد الملك الأزدى (٢) فلم تطل أيامه بها.
ثم تولى من بعده موسى بن كعب (٣) أبو عيينة فى سنة إحدى وأربعين ومائة.
стр. 40
ثم تولى حميد بن قحطبة (١).
ثم تولى يزيد بن حاتم (٢).
ثم تولى عبد الله بن عبد الرحمن (٣).
ثم تولى محمد أخو عبد الرحمن (٤).