← История

История · id 30068

جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك

ابن إياس

Полный текст (444 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ثم تولى من بعده حفص بن الوليد العامرى (١). ثم تولى من بعده عبد الملك بن رفاعة (٢). ثم أخوه الوليد. ثم الوليد بن رفاعة. ثم تولى عبد الرحمن بن خالد الفهمى (٣). ثم تولى من بعده الأمير حسان بن

стр. 37

عتاهية التجيبى (١). تولى بها فى أيام مروان الحمار (٢) إلى أن قتل بمصر. ثم تولى من بعده الحوثرة بن سهيل الباهلى (٣)، فأقام بها نحو ثلاث سنين وعزل عنها.

стр. 38

ثم تولى من بعده المغيرة بن عبيد الله بن المغيرة بن مسعدة الفزارى (١) فأقام بها سنتين وأشهر ثم عزل عنها. ثم تولى من بعده عبد الله بن مروان (٢) وشهرته ولى لحم فأقام بها نحو ثلاث سنين وعزل عنها. فكان أخر من تولى على مصر من تحت أيدى الخلفاء الأموية الذين كانوا فى دمشق، فلما انقرضت دولتهم وابتدت دولة بنى العباس فتولى فى أيامهم جماعة كثيرة أكبر ممن تولى فى دولة الأمويين وكانوا يسمون عمال الخراج، وقيل كان الخلفاء يشترطون عليهم فى تقليدهم ضيافة العسل النحل المصرى من عسل بنها وهى من ضياع مصر.

стр. 39

ذكر من تولى على مصر من دولة بنى العباس فأول من تولى فى دولتهم على مصر: صالح بن على بن عبد الله (١) تولى بها فى سنة ثلاث وثلاثين ومائة، فتولى على مصر مرتين. ثم تولى من بعده أبو عون عبد الملك الأزدى (٢) فلم تطل أيامه بها. ثم تولى من بعده موسى بن كعب (٣) أبو عيينة فى سنة إحدى وأربعين ومائة.

стр. 40

ثم تولى حميد بن قحطبة (١). ثم تولى يزيد بن حاتم (٢). ثم تولى عبد الله بن عبد الرحمن (٣). ثم تولى محمد أخو عبد الرحمن (٤).

стр. 41

ثم تولى موسى بن على اللخمى (١). ثم تولى عيسى بن لقمان (٢). ثم تولى واضح المنصورى (٣). ثم تولى منصور بن يزيد (٤). ثم تولى يحيى بن داود من بعده (٥). ثم تولى سالم بن سوادة (٦)، قتل فى ولاية يزيد بن حاتم المهلبى فى سنة سبع وأربعين ومائة.

стр. 42

ثم تولى من بعده محمد بن الأشعث الخزاعى (١)، تولى على مصر تلك السنة فلم تطل أيامه بها. ثم تولى من بعده إبراهيم بن صالح العبسى (٢) وتولى على الديار المصرية أيام هارون الرشيد (٣).

стр. 43

وكان الرشيد زوج إبراهيم بن عبد الملك (١) بابنته الغالية وولاه على مصر وذلك فى سنة خمس وستين ومائة. ثم تولى من بعده موسى بن مصعب (٢) مولى خثعم (٣) تولى فى سنة سبع وستين ومائة ولم تطل أيامه بها. ثم تولى من بعده عسامة بن عمرو المعافرى (٤)، تولى على مصر فى سنة تسع وستين ومائة.

стр. 44

ثم تولى من بعده ولاة الذين تقدموا جماعة كثيرة من أقارب الخلفاء العباسيين، حذفت أسماؤهم خوف الإطالة فى ذلك، ولكن نذكر منهم بعض جماعة ممن تولى على مصر. فمنهم: الفضل بن صالح العباسى (١)، ومنهم على بن سليمان (٢) ثم موسى بن عيسى العباسى (٣)، ثم تولى من بعدهم مسلمة بن يحيى الأخمسى (٤)، تولى فى سنة

стр. 45

اثنتين وسبعين ومائة، ثم تولى من بعده محمد بن زهير الأزدى (١)، ثم تولى من بعده داود بن يزيد المهلبى (٢)، تولى هو ومحمد بن زهير الأزدى فى سنة واحدة وهى سنة ثلاث وسبعون ومائة. ثم تولى إبراهيم بن صالح العباسى ثانى مرة ومات بمصر سنة ست وسبعين ومائة. ثم تولى من بعده عبد الله بن المسيب الضبى (٣). ثم تولى من بعده إسحاق بن سليمان العباسى (٤) فى سنة سبع وسبعين ومائة.

стр. 46

ثم تولى من بعده هرثمة (١) بن أعين فى سنة ثمان وسبعين ومائة فلم يعلو سنة وعزل عنها. ثم تولى من بعده عبد الملك بن صالح العباسى (٢) فتولى فى سلخ السنة المذكورة ومات عقبها. ثم تولى من بعده عبد الله (٣) ابن أمير المؤمنين المهدى العباسى تولى فى سنة تسع وسبعين ومائة ثم عزل عنها. وتولى من بعده موسى بن عيسى العباسى المقدم

стр. 47

ذكره فتولى على مصر ثلاث مرات، وأقام بها إلى سنة ثمانين ومائة، ثم أعيد عبد الله ابن الخليفة المهدى ثانى مرة وأقام بها إلى سنة إحدى وثمانين ومائة وعزل عنها. وقد تقدم أن الذين كانوا يتولون على مصر فى أيام الخلفاء يقيمون مدة يسيرة ويعزلون عنها، ويتولى غيرهم فلا يزالون على ذلك فى أيام الخلفاء. ثم تولى من بعده إسماعيل بن صالح العباسى (١)، وتولى من بعده إسماعيل بن عيسى (٢) العباسى تولى فى سنة اثنتين وثمانين ومائة. ثم تولى من بعده الليث (٣) بن الفضل الأبيوردى فى سنة أربع وثمانين ومائة. ثم تولى من بعده أحمد بن إسماعيل العباسى (٤). تولى فى سنة تسع وثمانين ومائة.

стр. 48

ثم تولى من بعده عبد الله بن محمد العباسى (١) الذى يقال له ابن زينب تولى فى سنة تسع وثمانين ومائة. ثم تولى من بعده الحسين بن جميل العباسى (٢) فى السنة المذكورة أيضا. ثم تولى من بعده مالك بن دلهم الكلبى (٣) فى سنة اثنتين وتسعين [ومائة]. ثم تولى من بعده ابن التختاخ (٤) فى سنة ثلاث وتسعين ومائة. ثم تولى من بعده حاتم بن هرثمة بن أعين (٥) وعزل عنها. ثم تولى من بعده جابر بن الأشعث الطائى (٦) فى سنة خمس وتسعين ومائة.

стр. 49

ثم تولى من بعده عباد بن محمد (١) فى سنة ست وتسعين ومائة. ثم تولى من بعده المطلب بن عبد الله الخزاعى (٢) فى سنة ثمان وتسعين ومائة. ثم تولى من بعده العباس بن موسى العباسى (٣) فلم تطل أيامه وعزل عنها، ثم أعيد المطلب ثانى مرة فى سنة تسع وتسعين ومائة. ثم تولى من بعده السرى بن الحكم (٤) فى سنة مائتين.

стр. 50

ثم تولى محمد بن السرى (١). ثم عبيد الله بن السرى (٢) أيضا. وفى ولاية المطلب فى سنة تسع وتسعين ومائة توفى القاضى بكار بن قتيبة (٣) وكان من كبار الحنفية ودفن بمصر. ثم تولى من بعده عبد الله بن طاهر الخزاعى (٤) وكان حذاق عمال الخراج.

стр. 51

قال: لما قلدنى الخليفة المتوكل (١) على الله ولاية مصر قال لى: يا عبد الله قد قلدتك أمر مصر، وهى سلة الخبز. وكان تولى أيام الرشيد على مصر مرتين فلا تهاون فى أمر الخراج. ثم أعيد السرى بن الحكم ثانيا على مصر فى سنة إحدى ومائتين. ثم تولى من بعده محمد بن السرى (٢) فى سنة خمس ومائتين، ثم تولى من بعده

стр. 52

أخوه عبيد الله بن السرى (١) فى سنة ست ومائتين. قيل وفى أيام عبيد الله بن السرى هذا توفيت السيدة نفيسة (٢) ﵂ بنت الأمير الحسن أمير المدينة على زين العابدين بن الحسين بن على بن أبى طالب، توفيت فى شهر رمضان سنة ثمان ومائتين وأدركت أيام الإمام الشافعى (٣) محمد بن إدريس ﵃

стр. 53

ومات الإمام الشافعى فى سنة أربع ومائتين، وقيل إن السيدة نفيسة صلت على الإمام الشافعى لما مات، كما أوصى بذلك ﵁. ثم تولى من بعده عبد الله بن طاهر وتقدم ذلك أولا. ثم تولى على مصر فى سنة أربعة عشرة ومائتين. ثم تولى من بعده عيسى بن يزيد الجلودى (١) فى سنة ثلاثة عشرة ومائتين. ثم تولى من بعده عمير بن الوليد (٢) التميمى فى سنة أربعة عشرة ومائتين فى خلافة المعتصم بالله (٣). ثم أعيد عيسى بن يزيد ثانى مرة على ولاية مصر.

стр. 54

ثم تولى من بعده عبدويه بن جبلة (١) فى سنة خمسة عشرة ومائتين. ثم تولى من بعده عيسى بن منصور الرافقى (٢) تولى فى أيام الخليفة المأمون، وفى أيام عيسى هذا خرج قبط مصر على الطاعة وامتنعوا عن وزن الخراج وطردوا العمال عن البلاد، وكانت فتنة عظيمة بمصر حتى كادت مصر أن تخرب، وقدم الخليفة المأمون إلى مصر حتى أصلح بينهم وعزل عنهم عيسى بن منصور وذلك فى سنة سبعة عشرة ومائتين وقد تقدم ذلك.

стр. 55

ثم تولى من بعده نصر السعدى المسمى بكيدر (١). ثم تولى من بعده ابنه المظفر بن كيدر. ثم من بعده أعيد عيسى بن منصور الرافقى ثانى مرة وذلك فى سنة تسع عشرة ومائتين. ثم تولى من بعده موسى بن أبى العباس وذلك فى سنة ثلاث وعشرين ومائتين. ثم من بعده تولى موسى بن على (٢) فأقام بها شهرا وعزل عنها. ثم تولى من بعده مالك بن كيدر (٣) فى سنة أربع وعشرين ومائتين.

стр. 56

ثم تولى من بعده على بن يحيى الأرمنى (١) سنة خمس وعشرين ومائتين. ثم تولى بعده هرثمة بن نصر الجبلى (٢). ثم ابنه حاتم (٣)، ثم إسحاق بن يحيى (٤)، ثم الأمير عبد الواحد بن يحيى (٥) المسمى حوط وهو مولى خزاعة تولى فى سنة ست وثلاثين ومائتين.

стр. 57

ثم تولى من بعده العنبسة بن إسحاق بن شمر (١) تولى فى سنة ثمان وثلاثين ومائتين. وفى أيام العنبسة هذا نزل بنى الأصفر على دمياط وأعمالها وقتلوا جماعة من المسلمين. خرج إليهم العنبسة فى يوم عيد النحر ومن معه من عساكر الفسطاط وتحاربوا معهم وكانوا نحو مائتين مركب فانهزموا بإذن الله، ونصر الله المسلمين عليهم وذلك فى سنة ثمان وثلاثين ومائتين. ثم تولى من بعده يزيد بن عبد الله التركى (٢)، وكان من الموالى، ولى على مصر فى سنة اثنتين وأربعين ومائتين وهو الذى بنى المقياس الموجود الآن بالروضة وقد تقدم ذلك فى خلافة المتوكل على الله جعفر. ثم تولى من بعده شخص يسمى مزاحم بن خاقان (٣).

стр. 58

ثم بعده ابنه أحمد (١) فلم تطل أيامهما. ثم تولى من بعده شخص تركي يسمى أرخور وذلك كله إلى سنة أربع وخمسين ومائتين وقد تلاشى أمر الديار المصرية إلى الخراب وانحط خراج مصر فى تلك الأيام انحطاطا فاحشا وانتهكت حرمة الديار المصرية فى أيام من تولى عليها من ولاتها الذين تقدم ذكرهم إلى أن تولى أمر الديار المصرية الأمير أحمد بن طولون وكانت ولايته على مصر وأعمالها فى سنة أربع وخمسين ومائتين وذلك نيابة عن الخليفة المتوكل على الله.

стр. 59

١ - ولاية أحمد بن طولون قال إبراهيم (١) بن وصيف شاه: كان أحمد بن طولون أصله من بنى الأتراك، وكان أبوه تركيا من مماليك الخليفة المأمون وكان أحمد رجلا شجاعا بطلا له همة عالية ولازالت الأقدار تساعده حتى تولى على مصر، وكان الخلفاء يخشون منه، فلما تولى أمر مصر استقل بخراجها وخرج على طاعة الخلفاء. وقيل لما دخل أحمد بن طولون إلى مصر كان فى ضيق حال يحتقر برأيه، وكان بمصر رجل يقال له على بن معبد البغدادى، وكان من أكابر أهل مصر فى السعة والغناء، فلما بلغه حضور الأمير أحمد بن طولون خرج إلى ملتقاه وسلم عليه ثم أرسل إلى الأمير أحمد بعشرة آلاف دينار وكتب إليه فى رقعة ليستعين الأمير بهذا القدر فى أموره. قال: اتسعت يده وزد على هذا القدر قبلته منه وإن لم يرده فهو فى حل من ذلك فلما حضر ذلك بين يدى أحمد بن طولون فحسن موقعه عنده إلى الغاية وقبلها منه وحظى عنده على بن معبد وقدمه على سائر أهل البلد وكان يأخذ رأيه ويفضى إليه بأسراره. وكان أحمد بن طولون يركب إلى دار على بن معبد ويعوده إذا مرض، وكانت له عنده منزلة عظيمة، فاتفق أن سعر القمح تشحط فى أيام أحمد بن طولون، فجمع أعيان الناس من أهل مصر وشاورهم فى أن يسعر القمح. فقال له على بن معبد: لا تفعل ذلك أيها الأمير. "فإن رسول الله ﷺ سئل أن يسعر القمح فأبى، وقال" السعر بيد الله، أنى لا أحب أن يأتى يوم القيامة وأحد منكم يطالبنى بدينار ولا درهم " (٢). فاغتاظ أحمد بن طولون على علي بن معبد مع وجود مكانته عنده، وقال: أنا أدعك وأدع الناس مع هذا الحديث إلى مثل اليوم، فاشتعل قلبه على بن معبد وخاف على نفسه منه، فلم يمض ثلاثة أيام حتى أقلب الله السعر ونقص منه الضعف فازداد قدر على بن معبد عند أحمد بن طولون وعظمت منزلته عنده.

стр. 60

وقيل: إن أحمد بن طولون ركب يوما إلى الصيد فبينما هو فى البرية إذ غاصت رجل فرسه فى مكان، فأمر بكشفه فكشف فوجده مطليا مملوءا ذهبا فنقله إلى خزانته، واتسع حاله به، واستكثر من الجند حتى قيل بلغت عدة عساكره بمصر أربعة وعشرين ألف غلام تركى، وأربعين ألف عبد أسود، وسبعة آلاف من شنائرة العرب، حتى كانت تخشاه خلفاء بنى العباس وتخاف من سطوته، حتى أن الخليفة المعتضد (١) بالله تزوج بابنته الست قطر الندى (٢)، وبلغ خراج مصر فى أيامه أربعة آلاف دينار وثلاثمائة ألف دينار بعدما كان قد انحط خراج مصر إلى ثمانمائة ألف دينار فى أيام أحمد بن مدبر عامل خراج مصر. وكان أحمد بن طولون فى آخر دولته جادا فى حق الرعية إلى الغاية وأظهر فيهم العدل حتى قيل: أبيع القمح فى أيامه كل خمسة أرادب بدينار، وقد عم الرخاء فى أيامه أهل مصر إلى الغاية. وهو الذى أنشأ الجامع الكبير الطولونى وقيل إنه أنفق على بنائه مائتى ألف دينار، وكان بناؤه فى سنة تسع وخمسين ومائتين. وأنشأ بمصر مارستانا ولم تكن بمصر قبله مارستان غيره، وكان منفق الجامع والمارستان كل شهر برسم الصدقات ثلاثة وعشرين ألف دينار.

стр. 61

وقيل: كان أحمد بن طولون يحب جماعة العلماء والفقهاء ويحضر مجالسهم ويحضر جنائز وجوه أهل البلد ويتولى الصلاة عليهم بنفسه، وكان كثير الإنعام على أصحابه وحاشيته وكان يقول: إنى لأجد فى فهم الرجل عنى إذا خاطئته من اللذة ما لا يجده مجامع الحسناء فى جماعة. قال الحسن بن حماد: وكان من أكابر العلماء: كنت راقدا فى منزلى وإذا بالباب يدق، فنظرت من الطاق، فإذا مشاعل رجال عند بابى. فقلت: من تريدون؟ فقالوا: الحسن بن حماد فخرجت إليهم فأرتعدت أعصابى ثم قمت فركبت وسرت معهم إلى أن وصلت إلى دار الأمير أحمد بن طولون فدخلت وسلمت ووقفت بين يديه فقال "اجلس"، فجلست فقال: لأى شئ تصلح هذه القبة؟ وكانت قبة لطيفة، يجلس فيها نحو أربعة أنفس، فقلت: تصلح للفكر، وتلاوة القرآن ومطالعة العلم، ومنادمة المحبين ". فتبسم ثم قال: ماذا تقول فى هذه المسألة؟ قلت: يقول الأمير عبد الله أيده الله بنصره. فقال: ما تقول فيمن سلط على شئ ففعله فهل يعذب عليه؟ قال الحسن: فعلمت أنها مسألته لا محالة. فقلت: على الفور من غاز فكر، لو كان مسلطا معذبا لكان ملك الموت أشد الناس عذابا يوم القيامة، فاستوى الأمير أحمد بن طولون جالسا وقال: أعد ما قلته، فقلت: أصلح الله الأمير لو كان كل مسلط معذبا لكان ملك الموت أشد الناس عذابا يوم القيامة. ثم قال لى: انصرف فخرجت من عنده وأنا لم أصدق بذلك فتبعنى الحاجب ودفع إلىّ مائتى دينار، وانصرفت إلى منزلى وقد ردت إلىّ روحى. واستمر أحمد بن طولون فى ولايته على مصر إلى أن مرض وسلسل فى المرض وأشرف على الموت، فعند ذلك خرج أهل مصر إلى الصحراء ومعهم المصاحف وخرج اليهود ومعهم التوراة والنصارى ومعهم الأناجيل وخرجوا بالأطفال من الكتاتيب وتوجهوا إلى الصحراء يدعون له بالعافية فلا يزال مريضا حتى مات. قيل فى أيام أحمد بن طولون فى سنة تسع وخمسين ومائتين تهدم المقياس الذى بالروضة، فركب أحمد بن طولون وتوجه إلى هناك ودخل إلى المقياس وكان معه القاضى بكار بن قتيبة فأمر أحمد بن طولون للمقياس بألف دينار ليصلحوا بها

стр. 62

ما تهدم منه. وقيل بنى أحمد بن طولون مقياسا إلى جانب هذا المقياس وكان عليه العمل عند كثرة المياه وترادف الأمواج ثم بطل فعله. وكان ولايته على مصر نحو اثنتى عشرة سنة، ولما مات خلف من الأولاد ثلاثة وثلاثين ولدا من ذكور وأناث، وخلف من المماليك أربعة وعشرين ألف مملوك مشتراواته وخمسة وأربعين ألف عبد أسود وسبعة آلاف فرس وسبعمائة بغل وألفين وستمائة جمل. وخلف من المال والتحف ما لا يحصى عدده، وهذا على سبيل الاختصار من أخبار الأمير أحمد بن طولون، ولما مات عهد إلى ولده أبى الجيوش خمارويه. ٢ - ذكر ولاية الأمير أبى الجيوش خمارويه بن الأمير أحمد بن طولون (١) تولى على مصر بعد موت أبيه أحمد بن طولون فى سنة سبعين ومائتين، وكان ماشيا على مشى أبيه أحمد، واستكثر من العساكر وبلغ خراج مصر فى أيامه ألف ألف دينار مع رخاء الأسعار بمصر. كان مولعا بالعمائر وغرس الأشجار، قيل إنه جدد عمارة الميدان الكبير الذى كان أبوه أحمد أنشأه عند الجامع، وحمل إليه الأشجار من سائر البلاد حتى من بلاد الهند ومن خراسان ومن مكة ومن سائر الأراضى، وزرع فى هذا الميدان سائر الرياحين حتى الزعفران والقرنفل والكادى وزرعها كالسطور تقرأ، وكان لها أقوام موكلون بها وبأيديهم مقاريض من الذهب والفضة يصلحون بها ما يفسد منها من الأوراق ويخرج عن قالب الإعتدال وصنع فى ذلك البستان فسقية كبيرة وملأها من الزئبق، وكان يفرش على هذه الفسقية فراشا من أديم ناعم. قيل: إنه كان من جلد الحيات وكان يمتلئ بالريح ويشدقاه ويطرح على ذلك الزئبق وينام عليها الأمير خمارويه. وقيل كان يعتريه ضربان المفاصل فيصنع ذلك ليجد له راحة حتى ينام. وقيل: إنه اخترع ذلك البستان حتى ألبس قوائم الأشجار الكبار بالنحاس الأصفر المطلى بالذهب، فكانت الشمس إذا طلعت عليها لا يقدر أحد أن ينظر

стр. 63

إليها من شدة اتقادها، وكان يسحق المسك والكافور وينثره على تلك الرياحين والأزهار. وكان يحب الجياد من الخيل وأتخذ منها ما ضاقت به الاسطبلات، وكان عنده خيل لها أنساب كأنساب الناس مثبوتة فى الدواوين، ولها سواس يخدمونها، ودام الأمير خمارويه مستوليا على مصر حتى مات بها. ٣ - تولى الأفضل أمير جيش بدر الجمالى (١) ثم تولى من بعده ابنه الأفضل أمير جيش بدر الجمالى وهو صاحب سوق مرجوش، وقيل إن الأفضل هو الذى حفر خليج أبى المنجا وكان المتولى على حفره أبى المنجا شعيا اليهودى فعرف به يومئذ، وقيل هو الذى بنى المسجد المعروف بالرصد المطل على بركة الحبش، وإنما سمى الرصد قيل كان فوقه أكرة من نحاس أصفر وزنها قنطار مركبة على أعمدة من الرخام لأجل رصد الساعات فعرف من حينئذ بالرصد، وهذا المسجد من قبل وجود الحاكم بأمر الله الفاطمى بمدة طويلة. وكانت ولاية الأفضل أمير جيش ابن خمارويه على مصر فى سنة ثمانين ومائتين، واستمر على ذلك حتى مات بها، ذكر ذلك تقى الدين المقريزى (٢) فى كتاب الخطط ونسبه للأفضل.

стр. 64

ثم تولى من بعده ابنه هارون (١) فكانت ولايته ثمانية أشهر، ثم تولى من بعده شيبان بن أحمد بن طولون وكان يكنى بأبى القاسم تولى مصر فى سنة اثنتين وتسعين ومائتين فلم تطل أيامه بها وعزل عنها. ثم من بعده تولى عيسى النوشرى (٢) فى السنة المذكورة وعزل عنها. وتولى شخص" تكين " (٣) وعزل عنها فى السنة المذكورة. ثم تولى بعده شخص يسمى أبى الحسن ذكا الأعور (٤) تولى فى سنة ثلاث وثلاثمائة ثم أعيد تكين ثانى مرة وعزل عنها، ثم تولى من بعده شخص يسمى هلال بن بدر (٥) فى سنة تسع وثلاثمائة.

стр. 65

الدولة الإخشيدية ثم ابتدأت من بعد هؤلاء الدولة الإخشيدية فتولى منهم جماعة، فأولهم شخص يسمى أحمد بن كيغلغ (١) وعزل عنها. ثم تولى تكين ثالث مرة وذلك فى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة متوليا فى سنة واحدة، ثم تولى بعده محمد بن طغج (٢) الفرغانى. فلم تطل أيامه وعزل عنها وأعيد أحمد بن كيغلغ ثانى مرة، وأقام بها مدة ثم عزل عنها، وأعيد محمد بن طغج ثانى مرة، وتولى من بعده أبو القاسم على (٣) الإخشيدى تولى فى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. وقيل: كل من تولى على مدينة فرغانة يسمى الإخشيدى، ثم تولى من بعده الأمير أبى بكر بن محمد بن طغج الإخشيدى فأقام بها إلى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وكان فى غاية الضخامة والشهامة، قيل: بلغت عدة عساكره بمصر والشام نحو أربعمائة ألف مقاتل يشتمل على عدة طوائف من الأجناس، وبلغ خراج مصر فى أيامه ألفين ألف دينار، غير الضياع التى كانت فى ملكه، والأمير أبى بكر هذا هو الذى رتب الرواتب وأفرض الجوامك للعسكر على قدر مراتبهم.

стр. 66

وكان وزيره يسمى ابن كلاقد، قيل إن ابن كلاقد كان يعمل لأولاده فى يوم الغطاس فوانيس شمع مزهر، ومن جملتها شمعة تحمل على عجلة، فكان مصروفها سبعين دينارا، واستمر الأمير أبو بكر فى ولايته على مصر إلى أن مات. ثم تولى من بعده أبو المسك كافور الإخشيدى الخصى، ولما تولى كافور أمر الديار المصرية فاستنجد بها من عدة من العبيد البربر. وكان كافور كريما كالمياه، قيل كان راتب مطبخه فى كل يوم ألفين رطل من لحم بقرى وسبعمائة رطل لحم ضانى، ومائة طير أوز، وثلاثمائة طير دجاج، وثلاثمائة فرخ حمام، وعشرين فرخ سمك كبار، وعشرين رميسا رضعا، وثلاثمائة صحن حلوى، وسبعة أفراد فاكهة، وألف كوز فقاع، ومائة قرابة، وعشرة قناطير سكر، وألف كماجة من الخبز، وخمسة أفراد بقولات. وكان إذا مد هذا السماط يأكل منه الخاص والعام. وكان كافور يعطى العطايا الجزيل للشعراء وغيرهم، فاتفق أن زلزلة وقعت بمصر فى أيامه فدخل عليه محمد بن عاصم الشاعر فأنشده قصيدة منها هذا البيت: ما زلزلت مصر من خوف يراد بها … لكنها رقصت من عدله طربا فأجازه على هذه القصيدة بألف دينار وهذه الجائزة هى التى هجت أبى الطيب المتبنى (١) حتى دخل إلى مصر وامتدح كافور بقصائد سنية وهى ثابتة فى ديوانه إلى الآن.

стр. 67

قيل: لما مات كافور الإخشيدى (١) اختل نظام مصر وقلت الأموال عن الجند، فكتب جماعة من أهل مصر إلى المعز، بأن يحضر هو القائد ومعه مائة فارس إلى مصر، أو يرسل لهم عسكرا ليسلموا إليه مصر، فأرسل المعز لهم جوهر القائد (٢) ومعه مائة فارس. وكانت ولاية كافور على مصر فى سنة خمس وخمسين وثلاثمائة، وأقام بها كافور إلى أن مات فى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، فكانت

стр. 68

ولايته نحو سنتين وأشهر، وقيل كانت علامته على مراسيمه، القلم يمده والسيف يحده والعبد يسعده لا بأبيه ولا بجده. ولما مات كافور تولى بعده الإمام المعز الفاطمى. ذكر ابتداء الدولة الفاطمية أو العبيدية ١ - المعز لدين الله (١) فكان أولهم: المعز لدين الله وهو معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بالله محمد ابن المهدى عبيد الله المغربى. وكان مولده بالمهدية (٢) ببلاد المغرب فى يوم الجمعة فى التاسع والعشرين من شوال سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، تولى الخلافة بعد موت أبيه إسماعيل (٣) ببلاد الغرب (المغرب) ثم قدم إلى الديار المصرية، وتولى إمارتها بعد انقضاء الدولة الإخشيدية، أخذها عن أبى المسك كافور فى سنة سبع

стр. 69

وخمسين وثلاثمائة، وافتتحها جوهر القائد قبل دخول المعز إليها فى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، ثم دخل إليها المعز فى سابع شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وصارت مصر والمغرب مملكة واحدة، وهو أول من قدم من بنى عبيد إلى مصر. قيل: إن المعز لما دخل إلى مصر حمل معه آباءه وأجداده الذين ماتوا ببلاد المغرب، فلما دخل إلى مصر حملهم فى توابيت ودفنهم فى مصر، هكذا ذكر بعض المؤرخين عنه. وقيل: إن الذى بنى جامع الأزهر هو جوهر القائد عند قدومه إلى مصر، وكان انتهى عمله فى شهر رمضان سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وهو الرابع من بنى عبيد ببلاد الغرب. فإن أولهم: المهدى عبيد الله (١) والثانى المنصور إسماعيل والثالث محمد القائم (٢) والرابع المعز معد.

стр. 70

قيل: وفى سبب شرف هؤلاء الفاطميين أقوال كثيرة. فمن الناس من رفع نسبهم إلى فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، ومن الناس من نسبهم إلى الحسين ابن محمد بن أحمد القداح، وكان أصل القداح رجلا من المجوس وهذا المشهور عند أكثر أرباب التواريخ. وقيل لما دخل المعز إلى الديار المصرية كان معه ألف وخمسمائة جمل موسوقة من الذهب العين، وكان قد أرسل قبل قدومه إلى الديار المصرية خادمه جوهر الصقلى القائد، وهو الذى بنى القاهرة فى سنة إحدى وستين وثلاثمائة، وجوهر القائد هذا هو الذى بنى جامع الأزهر عند قدومه الديار المصرية، وكان جوهر القائد من كبار الرافضة. ولما فرغ من بناء القاهرة أرسل إلى المعز يعرفه بفراغ بناء القاهرة، فلما دخلها المعز فى شهر رمضان كما تقدم، فلما رأى المعز ما بناه جوهر، فأعاب ذلك على جوهر وقال بنيتها فى وطيه لا هى جبلية ولا بحرية، وكان قصد المعز لو بناها مكان الرصد فوق الجرف. ذكر طرف سيره فى سر بناء القاهرة قيل: لما بنى جوهر القاهرة جمع جماعة من المنجمين، وأمرهم أن يختاروا طالعا سعيدا لحفر الأساس ورمى الحجارة، فجعلوا قوائم من خشب، وبين القائمة والقائمة حبل فيه أجراس، وأعلموا من كان حاضرا من البنائين أنهم ساعة تحرك الأجراس، يلقون ما بأيديهم من الحجارة، ووقف المنجمون بتحريك الساعة وأخذ الطالع، فاتفق وقوع غراب على خشبة من تلك القوائم، فتحركت الأجراس، فظن البناءون أن المنجمين حركوا الأجراس فألقوا ما بأيديهم من الحجارة والطين، فصاح الذين يرصدون الساعة الجيدة لا لا القاهر فى الفلك الطالع يعنى عن المريخ وهو يسمونه القاهر، فمضى ذلك وخانهم ما قصدوه، وكان قصدهم أن يختاروا

стр. 71

طالعا سعيدا لا يخرج البلد عن نسلهم، فما تم لهم ما أرادوا من ذلك وعلموا أن الأتراك لا يزال هذا البلد تحت حكمهم وأنهم لا بد أن يملكوه، وكان الأمر لذلك. فلما قدم المعز من الغرب أخبروه بهذه الواقعة وكان له خبرة بالنجامة، وكان جوهر القائد سماها" المنصورية "فغير اسمها وسماها القاهرة فهذا كان سببا لتسميتها بالقاهرة. وكانت دار الإمارة للمعز مكان دار الضرب الآن وقد سمى ذلك بين القصرين والله أعلم. وفى ذلك يقول بعض الشعراء: لله قاهرة المعز فإنها … بلد تخصص بالمسرة والهنا أو ما ترى فى كل قطر منيه … من حانيها فهى مجتمع المنيا وقيل: إن المعز أخبره جماعة من المنجمين أن عليه قطعا شديدا وأشاروا عليه بأن يختفى فى سرب حتى يمضى عنه ذلك القطع، ففعل ذلك، فلما طالت مدته فى السرب ظن جنده أنه رفع إلى السماء، فكان الفارس منهم ينظر الغمام فينزل عن فرسه ويقول" السلام عليك يا أمير المؤمنين". ثم خرج المعز بعد مدة من السرب، وقيل لما تولى المعز على الديار المصرية كانت عساكره ما بين كتامة وروم وصقالبة وبربر وغيرها من الطوائف وهم فى العدد ما لا يحصون لكثرتهم، حتى قيل تم يطأ الأرض بعد جيوش الإسكندر الرومى بن فيلبس المجدونى أكثر من جيوش المعز. ولما [تقلد] (١) ابنه العزيز نزار أتخذ الديلم والأتراك واختص بهم. ومن الحكايات الغريبة: قيل إن زوجة الأمير أبى بكر بن محمد الإخشيدى لما زالت دولتهم أودعت عند شخص من اليهود بغلطاقا كله مكلل بالجواهر والفصوص الثمينة فلما طالبته به بعد مدة فأنكره. فقالت له: خذ منه ما تختار وأعطنى الباقى، فأبى وامتنع من الإعطاء، فعند ذلك توجهت إلى قصر المعز وأخبرته بما وقع لها منه. فأرسل خلف اليهودى واحضره وسأله عن البغلطاق فأنكره غاية

стр. 72

الإنكار. فشد عليه فاعترف به وأحضره، فلما رآه المعز تحير فيه من الجواهر، وقد أخذ اليهودى منه صدره درقين واعترف أنه باعهما بألف وستمائة دينار. فأخذه المعز منه بعد ما أستوعده بكل شئ ودفعه إلى زوجة الإخشيدى. فسألته أن يأخذه هدية منها فأبى قبوله منها، فأخذته وانصرفت. وكان المعز عادلا منصفا للرعية، غير أنه كان رافضيا سبابا للصحابة. قيل وكان من بلاد حلب إلى بلاد الغرب إلى الحرمين الشريفين تحت حكم الخلفاء الفاطميين ويخطب فيها باسمهم. ومن بغداد إلى سائر ممالك الشرق وأعمالها تحت حكم الخلفاء من بنى العباس ويخطب فيها باسمهم. وقيل: لما توفيت الست عبده بنت المعز وكانت تزوجت بعد موت أبيها المعز فوجدوا فى تركتها ثلاثمائة صندوق فيها ذهب وعين ووجدوا عندها ثلاثين ألف شقة من الحرير الأصفر من لون واحد، ووجدوا عندها أردبا من الفصوص الزمرد واللؤلؤ الكبار والياقوت الملون، ووجدوا عندها مدهنا من الياقوت وزنه سبعة وعشرون مثقالا لم تعرف له ثمن من قيمته. وذكر بعض المؤرخين أن المعز لما دخل إلى القاهرة حمل معه من الأموال والتحف من بلاد الغرب ما لا يسمع بمثله، فمن جملة ذلك قيل كان معه من التحف قبة من البلور قطعتين، فجلس فيها أربع أنفس وكانت إذا وضعت فى الليلة المقمرة يخفى ضوء القمر من شعاعها. وكان فى قصره أربع خوابى من البلور كل خايبة تسع زاويتين من الماء وغير ذلك من التحف. وذكروا عنها بعض المؤرخين أنها كانت تعزل الكبار وتأكل كديدها فى مدة حياتها إلى أن ماتت. وقيل: توفى المعز فى شهر ربيع الأخر من سنة خمس وستين وثلاثمائة، ونازاه من العمر لما توفى نحو أربعين، ودفن عند سيدى زين العابدين (١) جد السيدة نفيسة ﵄ وهو عند الكيمار التى بالقرب من حدرة بن قمحة.

стр. 73

وكانت خلافة المعز بالديار المصرية أربع سنين وأياما، ولما مات تولى من بعده ابنه نزار. ٢ - ذكر خلافة العزيز بالله أبى منصور نزار بن المعز بالله معد الفاطمى العبيدى (١) وهو الثانى من خلفاء بنى عبيد بمصر بويع بالخلافة بعد موت أبيه المعز فى سنة خمس وستين وثلاثمائة، وكان مولده بالمهدية من مدائن القيروان وذلك فى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. ولما تم أمره فى الخلافة استقر بجوهر القائد مدبر أمر مملكته كما كان فى أيام أبيه المعز. وكان العزيز هذا كريما جوادا عادلا فى الرعية، وكان خيار خلفاء بنى عبيد. قيل لما تولى أمر الخلافة بمصر استقر بشخص من النصارى عاملا يقال له نسطورس فظلم الناس غاية الظلم واستقر بشخص من اليهود يقال له منشأه، فجعله وزيرا بالشام، فصارا يظلمان الناس ويجوران عليهم. فاتفق أن العزيز شق يوما من القاهرة فزينت له، فعمد بعض الناس إلى متحرة من حربد وألبسوها ثياب النساء وزيرها بإزار وجعل فى يديها قصه وكتب فيها بالذى أعز اليهود بمنشأه، وعز النصارى بنسطورس، وأذل المسلمين بك إلا ما رحمهم، ونصبوا ذلك الشخص على الطريق الذى يمر منه العزيز. فلما رأها ظن أن لها حاجة فطلب قصتها فلما قرأها شق ذلك عليه. فلما عاد إلى قصره مسك نسطورس النصرانى وأرسل للقبض على منشأه اليهودى من الشام وصادرهما وأخذ جميع أموالهما. ثم أمر بصلبهما فصلبا حتى ماتا.

стр. 74

ومن العجائب فى أيامه: أن امرأة فى مدينة تنيس (١) تعرف بامرأة سليم ولدت بنتا لها رأسان فى جسد واحد وكل منهما كامل الخلقة، أحدهما بوجه أبيض مترك والأخر بوجه أسمر فيه سهولة فحملت إلى العزيز من تنيس حتى رآها، وتعجب من خلقتها وأنعم على أمها بشئ تستعين به على تربيتها ثم عادت إلى بلدها فأقامت مدة ثم ماتت، وكان ذلك فى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، واستمر العزيز فى الخلافة إلى أن مات، فكانت وفاته فى شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وكانت خلافته بمصر واحد وعشرين سنة وخمسة أشهر. ولما مات تولى من بعده ابنه الحاكم. ٣ - ذكر خلافة الحاكم بأمر الله أبى على المنصور ابن العزيز بالله نزار بن المعز الفاطمى العبيدى (٢) وهو الثالث من خلفاء بنى عبيد بمصر، بويع بالخلافة بعد موت أبيه العزيز فى يوم الثلاثاء أخر يوم من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ومولده بالقاهرة فى يوم الخميس سادس عشرين جمادى الأول سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. وكان الحاكم فى أول أمره دينا خيرا عادلا فى أمر الرعية، وهو الذى بنى الجامع الذى من داخل باب النصر، ولما تم أمره فى الخلافة أمر اليهود بلبس العمائم الصفر والنصارى بلبس العمائم الزرق والسامرة بلبس العمائم الحمر، وكانوا قبل ذلك فى زى واحد يلبسون المبارز العسلية، وفى ذلك يقول بعضهم: تعجبوا للنصارى واليهود معا … والسامريين لما تعمموا الخرقا كأنما بأت بالأصباع مستهلا … بشر السماء فاضحى فوقهم درقا

стр. 75

وهو الذى أسكن اليهود فى حارة زويلة، وجعل لهم حمامات وحدهم، وكان فى وقت أمرهم أن يدخلوا كلهم فى الإسلام فخافوا منه وأسلموا كلهم ثم أذن لهم بالعودة إلى دينهم، فارتد منهم فى يوم واحد سبعة آلاف يهودى ثم أمر بهدم كنائسهم ثم أعادها على ما كانت عليه، وهو مازال يتدرج فى الأفعال الشنيعة حتى قتل الأمير برجوان، وكان من أمراء جده المعز وهو صاحب حارة برجوان، وكان الحاكم يخشى من برجوان، وكان برجوان صاحب سطوة على الحاكم فمازال عليه حتى احتال فى قتله، فلما قتل برجوان احتاط الحاكم على موجوده، فوجد له من الأموال ما لا يحصى لكثرته فمن جملة ذلك وجد له ستة آلاف قطعة محيطة من سائر أنواع الحرير الملون، ووجد له ألف سروال بألف تكة حرير، وفى كل تكة نافحة مسك، ووجد له ألف قميص حرير، ووجد عنده سبعة أزيار صينى كبار مملوءة كافور قنصورى قديم وزن كل قطعة ثلاثة مثاقيل ووجد عنده سبعمائة نرجسية ذهب وفضة ووجد له من الدواب أربعة آلاف فرس، وأشياء كثيرة غير ذلك لا تحصى. ولما قتل برجوان صفا للحاكم الوقت ولا بقى على يده يد فزاد فى الظلم والجور فى حق الرعية وصار يأمر بأشياء تضحك منها الناس. فمنها: أنه مر يوما بحمام الذهب فسمع فيه ضجيج النساء فأمر بأن يسد عليهن باب الحمام فسدوه عليهن حتى مات جميع النساء اللائى كن فى الحمام عن أخرهن. ومنها: أنه أمر بمنع بيع الذهب والعنب، وأمر بحرق الكرم وقطعها فقطع منها شئ كبير ثم نهى عن بيع العسل وكسر منه نحو اثنى عشر ألف قطر، ثم منع الناس من أكل الملوخية وأكل القرع وعلل بتحريم الملوخية لكون أن معاوية بن أبى سفيان كان يميل إليها، ثم إنه أطلع على جماعة أكلوا ملوخية فضربهم بالسياط وطاف بهم فى القاهرة ثم ضرب أعناقهم بباب زويلة. ثم نهى عن بيع السمك الذى لا قشر له، ونهى عن بيع الرطب والترمس، ثم أمر بقتل الكلاب، فقتل منها نحو ثلاثين ألف كلب، ثم إنه صار يوقد الشمع فى مجلسه ليلا ونهارا ثم إنه جلس فى الظلام مدة طويلة. ثم إنه أمر الناس بأن يغلقوا الأسواق بالنهار ويفتحوها بالليل ويجعلوا الليل مقام النهار فى جميع أحوالهم فامتثلوا ذلك دهرا طويلا. ثم إنه اجتاز يوما لشيخ يعمل فى النجارة بعد
следующие страницы →