стр. 176
← История следующие страницы →
История · id 30068
جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك
ابن إياس
Полный текст (444 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 177
مكة، والشيخ صفى الدين أبو الثناء محمود بن جبارة شارح الشاطبية والشيخ الزاهد ياقوت العرشى تلميذ أبى العباس المرسى، والشيخ برهان الدين الجعبرى والشيخ فتح الدين بن سيد الناس والقاضى محيى الدين بن فضل الله كاتب السر الشريف والقاضى جلال الدين القزوينى وغيرهم من أكابر العلماء والصلحاء وأعيان الناس لم نذكرهم هنا خوف الإطالة.
١٣ - ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين أبى بكر بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (١)
وهو أول من تسلطن من أولاد الناصر محمد، جلس على سرير الملك بعد موت أبيه الناصر فى يوم الخميس حادى عشرين ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وهو الثالث عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تولى الملك بعهد من أبيه، وكان فى أولاده من هو أكبر منه ولكن الملك الناصر اختار تقديم هذا على إخوته، فلما تم أمره فى السلطنة استقر بالأمير قوصون أتابك العساكر واستقر بالأمير قطز دمر نائب السلطنة، وكان المتكلم فى أمر دولته الأمير طاجار الدوادار فاتفق مع السلطان على مسك الأتابكى قوصون، فوهج السلطان وأفشى سره لبعض الخاصكية وكان عنده حقه، فنقل ذلك المجلس ممن كان حاضرا عند السلطان لما فشى سره بينهم إلى الأتابكى قوصون وأخبره بما وقع كما قيل.
إذ المرء أفشى سره بلسانه … ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء من سر نفسه … فصدر الذى يستودع السر أضيق
فما بلغ قوصون ذلك اتفق مع الأمير ايدعمش أمير أخور كبير وجماعة من الأمراء على خلع الملك المنصور أبى بكر. فلما كان يوم الموكب امتنع الأتابكى قوصون عن الحضور إلى الخدمة، فاضطربت الأحوال فى ذلك اليوم. ثم إن قوصون طلع إلى القلعة على حين غفلة وقبض على الملك المنصور وأرسله إلى قوص ومعه أخويه يوسف ورمضان. فكانت مدة سلطنة الملك المنصور أبى بكر ثلاثة أشهر، وخلع فى شهر صفر سنة اثنتين وأربعين [وسبعمائة]. ثم إن قوصون ولى أخاه كجك وقبض على الأمير طاجار الدوادار والأمير بشتاك وأرسلهما إلى السجن بثغر الإسكندرية، ثم قبض على جماعة من الأمراء غيرهم.
стр. 178
وأرسل إلى عبد المؤمن متولى ناحية قوص بأن يقتل الملك المنصور فقتله، وأرسل رأسه إلى قوصون، فكتم موته عن الناس، وهو أول من قتل من أولاد محمد بن قلاوون.
١٤ - ذكر سلطنة الملك الأشرف علاء الدين كجك بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (١)
تسلطن بعد أن خلع أخيه الملك المنصور فى يوم الاثنين حادى وعشرين صفر سنة اثنتين وأربعين [وسبعمائة] هو الرابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بمصر وهو الثانى من أولاد محمد بن قلاوون تولى الملك وله من العمر نحو تسع سنين، فلما تم أمره فى السلطنة استقر بالأمير قوصون نائب السلطنة أتابك العساكر، وسكن فى دار النيابة وتصرف فى أمور المملكة فحسبما يختاره من ذلك، وكان إذا حضرت العلامة أخذ قوصون بيد السلطان كجك والعلم فى يده حتى يريه كيف يعلم على المراسيم والمناشير وكان الأمر جميعه بيد قوصون، فاضطربت أحوال الديار المصرية وكثر الخلاف بين الأمراء وتوقفت أحوال الرعية، وفى ذلك يقول بعض الشعراء.
سلطاننا اليوم طفل والأكابر فى … خلف وبينهم الشيطان قد نزعا
فكيف يطمع من … (٢) مظلمة … أن تبلغ الشوك والسلطان ما بلغا
ثم إن الأتابكى قوصون صار فى كل يوم يمسك جماعة من المماليك السلطانية وأرسل إلى الطنبغا نائب الشام يأمره بالقبض على طشتمر حمص احضر نائب حلب وقد بلغ قوصون عن طشتمر أنه يريد أن يحضر بالمقام الشهابى أحمد بن الملك الناصر محمد من الكرك وكان مقيما بها من حياة والده، فأرسل قوصون الأمير قطلوبغا الفخرى ومعه جماعة من العسكر إلى حصار المقام الشهابى أحمد بن الناصر. فلما توجه قطلوبغا الفخرى إلى الكرك اتفق هو ونائب حماه ونائب حلب وبقية النواب على أن يولوا المقام الشهابى أحمد بن الناصر، فوقع اتفاقهم على ذلك وتوجهوا إلى دمشق بمن معهم من العسكر ليمسكوا الطنبغا نائب الشام، فأرسل الطنبغا إلى الأمير قطلوبغا يسأله فى الصلح وأنه يكون تحت الطاعة للمقام
стр. 179
الشهابى أحمد بن الناصر فلما بلغ قوصون ذلك قصد أن يمسك الأمير ايدعمش أخور كبير، فلما بلغ ايدعمش ذلك ركب هو والأمير أقسنقر والأمير يلبغا اليحياوى وطلعوا إلى تخت القلعة وأحاطوا بها ونادى ايدعمش للعسكر كل من لا تكون عنده فرس يركبه يحضر إلى الإسطبل السلطانى ويأخذ له فرسا، فطلع إليه العسكر قاطبة، ففرق عليهم الخيول، ووثبوا على قوصون. فلما تحقق قوصون أن الركبة عليه أقام بالقلعة وحصنها. ثم أن الأمير ايدعمش نادى للأعوام بأن ينهبوا بيت قوصون فدخلوا إليه الأعوام وأحرقوا بابه ونهبوا أسطبله وهو ينظر إليهم من شباك طبقته التى فوق الاسطبل السلطانى، فبقى قوصون يقول: يا مسلمين ما تحققوا هذا المال أما يكون لى أو للسلطان؟ فقال له الأمير ايدعمش: هذا شكر أنه للأعوام والذى عندك من المال والتحف تكفى السلطان، فصارت الأعوام كل من رواه من مماليك قوصون أمر حاشيته يقتلوه. واستمر الأمر على ذلك إلى وقت الظهر فانكسرت همة قوصون عن القتال ويسحب من كان عنده من الأمراء والمماليك. فهجم عليه الأمير ايدعمش ومسكه وسجنه فى الزردخاناه، فلما مسك قوصون نهب الأعوام خانقاته التى داخل القرافة وجامعه وحواصله، ثم إن ايدعمش صار يمسك الأمر الذى من عصبة قوصون، ثم أرسل قوصون إلى السجن بثغر الإسكندرية وخلع الأشرف كجك من السلطنة وأدخله دور الحرم وأرسل إلى الناصر أحمد ليحضر من الكرك حتى يسلطنوه فخطب باسمه فى القاهرة قبل حضوره من الكرك إلى أن حضر وتولى السلطنة، فكانت مدة الأشرف كجك فى السلطنة إلى أن خلع خمسة أشهر، وأقام فى دور الحرم إلى أن مات فى دولة أخيه الملك الكامل شعبان ومات على فراشه.
١٥ - ذكر سلطنة الملك شهاب الدين أحمد بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (١)
وهو الخامس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية والثالث من أولاد الناصر محمد بن قلاوون، تسلطن بعد خلع أخيه الأشرف كجك فى يوم الاثنين عاشر من شهر شوال سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك وقع منه أمور لا يقع إلا
стр. 180
ممن أصيب فى عقله، وذلك أنه استقر بالأمير طشتمر حمص أحضر فى نيابة السلطنة بمصر، وكان هو من جملة من تعصب له فى السلطنة، وحضر معه لما أتى من الكرك وكان يومئذ نائب حلب فلما حضر معه استقر به نائب السلطنة بمصر فأقام بها نحو أربعين ومن ثم قبض عليه.
وكان لما قدم إلى الديار المصرية استقر بالأمير قطلوبغا الفخرى فى نيابة دمشق عوضا عن الطنبغا فلما قبض على الأمير طشتمر أرسل فى القبض على قطلوبغا وهو فى أثناء الطريق.
ثم إن الناصر أحمد لم يستقم أمره فى السلطنة فاختار عوده إلى الكرك فلما كان يوم الاثنين سلخ ذى القعدة خرج السلطان من مصر فى طائفة يسيرة من العسكر قاصدا إلى الكرك واخذ معه من الأموال والتحف أشياء كبيرة وأخذ صحبته الأمير طشتمر حمص أحضر فى محفة وهو مقيد ثم أحضر الأمير قطلوبغا فى أثناء الطريق.
فلما دخل إلى الكرك اعتقل بها الأمير طشتمر والأمير قطلوبغا الفخرى وكانا سببا لسلطنته ولما دخل إلى الكرك أقام بها.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعون وسبعمائة:
وهو مقيم بالكرك فكاتبوه الأمراء الذين بالديار المصرية بأن يحضر من الكرك فإن مصالح الرعية ضائعة والأحوال غير صالحة فعاد إليهم الجواب من السلطان إلى مقيم بالكرك إلى أن يمضى النساء وبعد ذلك يحضر إلى القاهرة، فلما استقر الملك الناصر أحمد بالكرك بدا له أن يقتل الأمير طشتمر حمص احضر هو والأمير قطلوبغا الفخرى فوسطهما بالكرك. وفى طشتمر يقول العماد الأديب:
حنفت بالملك لما أتاك بالبسط ما جن … وقد امنت الليالى با حمص احضروا دجن
فلما فعل الناصر أحمد ذلك فنفرت منه القلوب ولم يستحسن أحد من الناس منه هذه الفعلة القبيحة لأنهما كانا سببا فى سلطنته وقد قتلهما بغير ذنب ولا موجب لذلك فكان كما قيل:
ما تفعل الأعداء فى جاهل … ما يفعل الجاهل فى نفسه
فما بلغ الأمراء الذين بالقاهرة ما فعله الناصر أحمد اتفق رأيهم على خلعه وسلطنة أخيه إسماعيل، فخلع من السلطنة فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية إلى أن خلع وهو بالكرك شهرين واثنى عشر يوما فكان كما قيل القائل فى المعنى.
فلم نقم إلا بمقدار أن … قلت له أهلا وسهلا ومرحبا
واستمر الناصر أحمد فى الكرك إلى أن قتل كما سيأتى ذكره فى موضعه إن شاء الله.
стр. 181
١٦ - ذكر سلطنة الملك الصالح إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون (١)
وهو السادس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، والرابع من أولاد الناصر محمد بن قلاوون، تسلطن بعد خلع أخيه الناصر أحمد فى يوم الخميس ثانى عشرين من المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة فلما جلس على سرير الملك وتم امره فى السلطنة استقر بالأمير أقسنقر السلارى نائب السلطنة واستقر بالأمير ايدعمش فى نيابة دمشق واستقر بالأمير طقزدمر فى نيابة حلب واستقر بغيرها ولى من الأمراء كل واحد فى وظيفة من الوظائف.
ثم دخلت سنة أربع وأربعون وسبعمائة:
فيها: قبض السلطان على الأمير أقسنقر السلارى واستقر بالأميرال ملك فى نيابة السلطنة بمصر. وفيها جرد السلطان إلى أخيه الناصر أحمد وهو بالكرك عدة تجاريد فلم يقدروا عليه حتى لم يبق بمصر ولا بالشام أحد من الأمراء إلا جرد إليه، وحاصره حتى هلك من كان عند الناصر أحمد فى قلعة الكرك من الجوع والعرى، وهو مع ذلك لا يكل ولا يمل من القتال، حتى نفذ جميع ما فى خزائنه من المال، فضرب ما بقى عنده من الذهب وخلط معه الناس ونفقه على عسكره، فكان الدينار منه يساوى خمسة دراهم. فلما تمادى عليه الأمر تفرق من كان حو - له من العسكر وظهر عليه الخذلان فعند ذلك مسك فى يوم الاثنين ثانى وعشرين شهر صفر من سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فعند ذلك أرسل إليه السلطان الأمير منجك اليوسفى فقطع رأسه وأحضرها إلى بين يدى أخيه الملك الصالح إسماعيل وكان الناصر أحمد أشجع إخوته وأحسنهم شكلا ولكنه كان سيئ التدبير فى أموره، قليل المعرفة بأحوال المملكة.
ثم دخلت سنة ست وأربعون وسبعمائة:
وفيها: مرض السلطان الملك الصالح وأقام مريضا نحو أربعين يوما ومات يوم الخميس حادى وعشرين ربيع الأول سنة ست وأربعين، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ثلاث
стр. 182
سنين وشهرا ونصف الشهر، وكان خيار أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون وله بر ومعروف، فمن ذلك أنه أوقف قرية بضواحى القاهرة تسمى يليسوس على كسوة الكعبة الشريفة وكان عنده سياسة للرعية وعدل زايد، ومات على فراشه بخلاف أخوته، وكان على مذهب بعض الخلفاء يحب الجوارى والمولدات السود، وكان الشعراء يكثرون له من مدح السودان فمن ذلك قول بعضهم.
يكون الخال فى خذ قبيح … فيلنسوه الملاحة والجمالا
فكيف يلام مشغوف على من … يرأه كله فى العين حالا
ولما مات الملك الصالح ودفن بالقبة التى بين القصرين عند والده وقد رثاه [ق. ٥٠ ب] الصلاح الصفدى بقوله:
مضى الصالح المرجو للناس والندى … ومن لم يزل يلقا المنايا لمنايح
فيا ملك مصر كيف حالك بعده … إذا نحن اتينا عليك بصالح
١٧ - ذكر سلطنة الملك الكامل الأشرف شعبان بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (١)
وهو السابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية والخامس من أولاد الناصر محمد بن قلاوون، تسلطن بعد موت أخيه الملك الصالح إسماعيل بعهد منه وكان أخوه شقيقه، فجلس على سرير الملك فى يوم الخميس حادى وعشرين ربيع الأول سنة ست وأربعين وسبعمائة وفيه يقول ابن نباته:
طلعة سلطاننا تبدت … بكامل السعد فى الطلوع
وأعجب لنا منه كيف أبدت … هلال شعبان فى ربيع
فلما تم أمره فى السلطنة سار فى الناس سيرة قبيحة وصار يخرج الإقطاعات بالمال وعمل لذلك ديوانا وصار يعين القدر فى المناشير، وكان محبا لجمع المال ثم أخذ فى أسباب
стр. 183
مسك جماعة من الأمراء فقبض على أل الملك نائب السلطنة ثم أفرج عنه وولاه نيابة صفد.
فلما توجه إليها مسك فى أثناء الطريق وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية. ثم عزل طفردمر من نيابة الشام وولى الأمير يلبغا اليحياوى نائب دمشق، وقبض على الأمير قمازى ثم ولى الأمير اقطاى نيابة السلطنة بمصر، وفعل أشياء كبيرة من هذا النمط.
ثم دخلت سنة سبع وأربعون وسبعمائة:
فيها: رسم السلطان الملك الكامل بإحضار أخويه حاجى وحسين من قاعات الحرم فتوجه إليهما سرور الزينى فأبيا عن الحضور وقالا: نحن ضعيفان فأرسل إليهما صواب الطولونى الزمام، فدخل إليهما وقال لهما السلطان: يقول لكما احضرا والخير لكما فأبيا عن الحضور وقالا له قل للسلطان يصبر علينا إلى أن نتعافا ونحضران بين يديه. فلما عاد الجواب إلى السلطان بذلك، فغضب على أخويه غضبا شديدا وأرسل خلف الأمير أرغون العلائى زوج أمه وقال له أرسلت خلف أخوى أن يحضرا إلى عندى فأبيا عن الحضور، فلما سمع الأمير أرغون ذلك دخل إلى قاعات الحرم هجما وأخرج حاجى وحسين وأحضرهما إلى عند السلطان فى المسجد المسمى بالردينى الذى داخل دهليز قاعات الحرم فدخلا وأمهاتهما معهما فلما مثلوا بين يده باسوا له الأرض وقالوا: يا مولانا السلطان لا تؤاخذنا كنا ضعفاء.
فقال لهم: تكذبون ما أنتم إلا مخامرون على، فحلف حاجى على ختمة كانت معه أنه ما امتنع عن الحضور إلا كان قد شرب دواء وحلفت أمه مثل ذلك وكشفت رأسها له فلم يقبل ذلك ورسم بإدخال أخويه حاجى وحسين إلى الدهيشة وأمهاتهما معهما ووكل بهما المقدم عنبر السحرتى ومعه عشرة من الخدام فماتوا تلك الليلة فى الدهيشة.
فلما أصبح الصباح عسره مسقطان حجر وحمل جبسا وقصد يبنى على أخويه حائطا فى مكان عمده تحت الدهيشة ويسد عليهما الباب. فلما بلغ الأمراء ذلك ركب الأمير ملكتمر الحجازى والأمير أرغون شاه ولبسا ألة الحرب هما ومماليكهما وتوجهوا إلى قبة القصر فلما بلغ السلطان الملك الكامل بأن الأمراء ركبوا وخامروا عليه فأمر بشد الخيول وفتح الزردخاناة وفرق اللبوس على المماليك وركب ونزل من الأسطبل ودقت الكوسات حربى ومشى إلى السوة ووقف ينتظر من يطلع إليه من الأمراء فلم يطلع إليه أحد من الأمراء سوى زوج أمه الأمير
стр. 184
أرغون العلائى ومقدم المماليك جوهر السحرتى وبعض مماليك، ووقف ساعة فلم يطلع إليه أحد غيرهم. فلما علم أن ما بقى من الأمراء يجئ إليه أحد، تقدم إلى عند قبة الهوى التى عند دار الضيافة فوجد الأمراء واتقق معهم فحمل عليه الأمير أرغون شاة بقية الأمراء وضربوا عليه برك وأحاطوا به، فحطم الأمير يلبغا اروس وضرب الأمير أرغون العلائى زوج أم السلطان على وجهه بطبر فسقط إلى الأرض. فانفض من كان حول السلطان من العسكر وعسر وهرب فى أربعة من المماليك وطلع إلى القلعة وأراد أن يدخل من باب السلسلة وهو سابق، فوجد الباب مقفولا فصار يسأل بعض المماليك أن يفتح له الباب فأبوا من ذلك، فنزل إليه بعض المماليك الصغار وفتح له الباب، فطلع إلى القلعة وأراد أن يقتل أخويه، فلم يفتح له الخدام باب الحوش فرجع وهو ماشى فاختفى فى بيت أمه، هذا ما كان من أمر السلطان الملك الكامل شعبان بعد أن أسر عند قبة الهوى. وأما ما كان من أمر الأمراء ملكتمر الحجازى وبقية الأمراء فإنهم لما مسكوا الأمير أرغون العلائى زوج أم السلطان والأمير أسندمر الكاملى وجوهر السحرتى مقدم المماليك وكل من كان مع الملك الكامل وطلعوا إلى القلعة وهم راكبون خيولهم إلى وسط الحوش السلطانى إلى أن وصلوا إلى باب الستارة للخدام ابن أستاذنا حاجى فقالوا لهم: محبوس هو وأخوه حسين فى الدهيشة، فدخلوا إلى الدهيشة واخرجوا حاجى وحسين وباسوا الأرض لحاجى وقالوا له:
أنت سلطاننا، ثم إنهم تطلبوا الملك الكامل فلم يجدوه فهجموا بيت أمه، وكان بيت أمه فوق القلعة فلم يجدوا فيه أحدا فمسكوا الجوارى وقصدوا توسيطهم وكان المتولى أمر ذلك للأمير أرغون شاه والأمير ملكتمر الحجازى، فلما وأوهما الجوارى بالتوسيط قروا أنه فى بيت الأزياء فهجموا عليه فوجدوه واقفا بين الأزياء وقد ابتلت أثوابه تماما فأخذوه وهو ممسوك بينهم ومضوا به إلى الدهيشة فسجن، فى المكان الذى كان أعده لأخويه.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدى فى تاريخه: حكى لى الأمير أسنبغا دوادار الصحابة قال: هيانا السماط على جارى العادة على أن الملك الكامل يأكل منه ثم أفردنا من الأكل شيئا لسيدى حاجى وسيدى حسين، اللذين كانا فى السجن بالدهيشة، فخرج سيدى حاجى وجلس على السماط وأكل منه، ثم دخلنا بالطعام الذى كنا أفردناه لسيدى حاجى وسيدى حسين، فأكل منه الملك الكامل شعبان وهو فى السجن بالدهيشة، فى المكان الذى كان فيه أخواه "وهذا من الغرائب والعجائب، فسبحان القادر على كل شئ، كما قيل فى المعنى.
стр. 185
لا تأمنن الدهر وهو مسالم … سلس القياد فقد يعود محاربا
واحذر تقلبه ولا تعجب له … إن أركب الماشى وأمشى الراكبا
وقال بعضهم فى المعنى:
كم حاربتنى شدة بجيوشها … وضاق صدرى من لقاها وانزعج
حتى إذا أيست من خلاصها … جاءتنى الألطاف تسعى بالفرج
فأقام الملك الكامل ثلاثة أيام محبوسا ثم أن أخاه حاجى أرسل إليه فى خنقه وهو فى السجن فمات فى ليلة الخميس ثالث من جمادى الأخرة سنة سبع وأربعين وسبعمائة.
فكانت مدة سلطنته بمصر سنة وشهرين ونصف الشهر. وكان أشقر اللون، أزرق العينين مجدر الأنف، أصفر الوجه قبيح الشكل والفعل. ولما مات دفن عند أقاربه فى القبة التى بين القصرين. وفى ذلك يقول الصلاح الصفدى:
بيت قلاوون سعاداته … فى عاجل كانت بلا آجل
حل على أملاكه للردى … دين قد استوفاه بالكامل
١٨ - ذكر سلطنة الملك المظفر حاجى بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (١)
وهو الثامن عشر من ملوك الترك وأولادهم وهو السادس من أولاد الناصر محمد بن قلاوون، وكان مولده فى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وكان أبوه الناصر محمد فى الحجاز، فولد فى طريق الحجاز عند العودة فسماه حاجى، تسلطن بعد خلع أخيه الملك الكامل شعبان فى يوم الاثنين مستهل جمادى الأخر سنة سبع وأربعين وسبعمائة وفيه يقول الشيخ جمال الدين بن نباته:
يا إمام الورى مضى نصف عام … لم أنل فيه من وصولى ربع
سنة إن غفلت عنى فيها … كسرتنى وكيف لا وهى سبع
стр. 186
فلما تم أمر المظفر حاجى فى السلطنة أراد أن يقبض على جماعة من الأمراء فرسم لنقيب الجيوش بأن يدور على الأمراء المقدمين يطلعوا إلى القلعة بسبب خدمة القصر، فطلع الأمراء إلى القلعة على العادة ودخلوا إلى القصر فلما كان وقت المغرب دخل المماليك السلطانية إلى القصر ومسكوا جماعة من الأمراء وكان السلطان أتفق على المماليك مع مسك الأمراء فقبضوا على الأمير أقسنقر والأمير ملكتمر الحجازى والأمير أيتمش من عبد الغنى والأمير صمنار وغيرهم، ومن الأمراء الطلخار والعشروات. وقيل لما قبضوا على الأمير أقسنقر جرد سيفه وقصد نحو السلطان فمسكه الأمير كجك واخذ سيفه منه فلما أصبحوا أمر السلطان بتقييد الأمراء وأرسلهم إلى السجن. بثغر الإسكندرية وأما الأمير أقسنقر والأمير ملكتمر الحجازى فأمر السلطان بخنقهما فى الليل فخنقا سرا وكانا سببا لسلطنة الملك المظفر حاجى وقتل أخيه الملك الكامل شعبان فكان كما يقال فى المعنى:
ربما يرجو الفتى نفع فتى … خوفه أولى به من أمله
رب من ترجو به دفع الأذى … سوف يأتيك الأذى من قبله
وكان من مساوئ الملك المظفر اللعب بالحمام وقد خرج فى ذلك عن الحد، قال الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة: وقد اشتغل الملك المظفر بلعب الطيور عن تدبير الأمور، والنهى عن الأحكام بلعب الحمام فجعل السطوح داره والشمس سراجه، والبرج مناره وأطاع سلطان هواه وخالف من نهاه، فبالغ فى المرائى وانتصب بكلام الوشاه على الاغراء وفيه يقول الصلاح الصفدى:
أيها العاقل اللبيب تفكر … فى المليك المظفر الضرغام
قد تمادى فى البغى والغى حتى … كان لعب الحمام جد الحمام
قيل: إن المظفر حاجى لما قبض على يلبغا اليحياوى نائب دمشق وأحاط على موجوده فوصل إليه من الذهب العين نحو خمسين ألف دينار فلما وصلت فرقها جميعها على غلمان الحمام خلاخيل ذهب فى أرجلها وألواح ذهب فى أعناقها ولم يدخل إلى الخزائن منها بشئ فحصل عند الأمراء بسبب ذلك تغير على السلطان فلما حضر الأمير جبغا من السفر ذكروا له من الأمر ما جرى من نعرفه ذلك جميعه على من ذكر، فدخل الأمير جبغا إلى عند السلطان وذكر له ما قاله الأمراء فى حق السلطان من لعبه بالحمام فغضب السلطان من ذلك غضبا شديدا وطلع إلى سطح الحمام وذبحها أجمعين وخرب
стр. 187
المقاصين كلها وأرسل يقول للأمراء: ادينى ذبحت الحمام الذى كان عندى وأنا إن شاء الله أذبح فى هذا القرب خياركم كما ذبحت الحمام. فلما بلغ الأمراء ذلك تغيروا على السلطان الملك المظفر حاجى ودخلوا إلى نائب السلطنة وأعلموه بما وقع من السلطان فعند ذلك اتفق الأمراء على الوثوب على السلطان. فلما كان يوم الأحد ثانى عشر من شهر رمضان ركب الأمراء وتوجهوا إلى قبة القصر وهم لابسين آلة الحرب. فلما سمع السلطان بذلك أمر بشد الخيول ودقت الكوسات حربى وركب السلطان هو ومماليكه وكان أكثر المماليك يخامر عليه. فلما خرج السلطان إلى عند قبة الهوى وقف هناك وأرسل الأمير شيخو إلى الأمراء يقول لهم: ايش قصدكم فقالوا: نريد أن يخلع السلطان نفسه من الملك. فلما سمع السلطان ذلك الجواب. فقال: لا ما أخلع نفسى من الملك وما عندى إلا السيف. فعاد الأمير شيخو إلى الأمراء بهذا الجواب وقد صارت المماليك تنسحب من عند السلطان إلى الأمراء، فبقى فى نفر قليل من المماليك، فزحفت عليه الأمراء وتقدم إليه الأمير يلبغا اروس وجماعة من الأمراء فضربوا عليه برك وتقدم إليه الأمير يلبغا اروس ونزل عن فرسه ومسك لجام فرس السلطان وتكاثروا عليه المماليك فقلعوه من سرجه وأخذوه وهو ماشى مكتف مكشوف الرأس، وأتوا به إلى عند الأمير أقطاى نائب السلطان فلما رآه نزل عن فرسه وأرمى عليه قباءه، وقال أعوذ بالله أن أقتل سلطان ابن سلطان، امضوا به إلى القلعة فاسجنوه بها فأخذه الأمير يلبغا اروس ومضى به إلى تربة فى الباب المحروق فقتله هناك ودفن من وقته ومات وله من العمر نحو عشرين سنة. وكان حاجى شجاعا مقداما جريئا سفاكا للدماء، قتل جماعة كثيرة من الأمراء وغيرهم. وفيه يقول الصلاح الصفدى:
حان الردى للمظفر … وفى الثرى قد تعفر
كم قد أباد أميرا … على المعالى توفر
وقاتل النفس ظلما … ذنوبه ما تكفر
فكانت مدة سلطنة الملك المظفر حاجى سنة وثلاثة أشهر وثمانية عشر يوما. فلما قتل المظفر حاجى وقع الخلاف بين الأمراء فيمن يولونه سلطانا وأقامت مصر بلا سلطان يومين والأحوال مضطربة والناس يدعون إلى الله تعالى فى إصلاح الأحوال، ثم من بعد ذلك وقع الاختيار على تولية حسن بن الناصر محمد ابن قلاوون فولوه بعد خلف كثير.
стр. 188
١٩ - ذكر سلطنة الملك الناصر أبى المحاسن حسن ابن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون (١)
وهو التاسع عشر من ملوك الترك وأولادهم وهو السابع من أولاد الناصر محمد بن قلاوون، وتولى الملك وله من العمر ثلاث عشرة سنة وكان مولده فى سنة ست وثلاثين وسبعمائة، تسلطن بعد قتل أخيه المظفر حاجى فى يوم الثلاثاء رابع عشر من شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة فأركبوه من باب الستارة إلى الايوان وهو بخلعة السلطنة، وقيل كان اسمه السلطان حسن قمارى، فلما أحضروه للسلطنة قال للأمراء أنا ما اسمى إلا حسن.
فقال الأمراء على بركة الله تعالى فسلطنوه ودقت البشاير ونودى باسمه فى القاهرة وضج الناس له بالدعاء. ولما تم أمره فى السلطنة استقر بالأمير بيبغا اروس نائب السلطنة واستقر بالأمير أقطاى نائب حلب، وكان نائب السلطنة قبل ذلك واستقر بالأمير أرغون شاه نائب دمشق واستقر بجماعة من الأمراء كل واحد فى وظيفة من الوظائف على الترتيب.
ثم دخلت سنة تسع وأربعون وسبعمائة:
فيها: يشق البحر مما يلى بر مصر فاتفق رأى الأمراء على أن يسدوا البحر مما يلى الجيزة. وكان المتولى أمر ذلك الأمير منجك اليوسفى وزير الديار المصرية واستادار العالية، فجمع الناس للعمل فيه ثم أرمى على البلاد الشرقية وعلى الغيطان التى من جزيرة النيل إلى المطرية على كل نخلة درهم فضة ثم أرمى على كل دكان فى مصر والقاهرة درهمين فضة، فجمع من ذلك مالا جزيلا فاشترى منه عدة مراكب وأوسقها أحجارا وطينا وأعشابا وعزلها فى بحر الجيزة فما أفاد من ذلك شيئا، ثم جبى من الناس ثانى مرة، فغضب الأمراء على منجك بسبب ذلك ومسكوه وأودعوه فى السجن ثم أفرجوا عنه واستقرا به نائب صفد.
ومن الحوادث فى هذه السنة: أن الطاعون وقع بمصر وكان قد عم سائر الأرض فكان يخرج من القاهرة فى كل يوم أكثر من عشرين ألف جنازة وقد أحصى بعض الناس ما يخرج من أبواب القاهرة من الجنائز فبلغ عدتهم فى شهر شعبان إلى شهر رمضان تسعمائة
стр. 189
ألف ألف إنسان ولم يسمع بمثل هذا الطاعون فيما تقدم، فإن الطواعين المشهورة فى الإسلام خمسة وهى: طاعون شيرور وطاعون عمواس كان بالشام فى زمن عمر بن الخطاب، والطاعون الجارف كان فى زمن عبد الله بن الزبير فى سنة سبع وستين من الهجرة، قيل مات فيه فى ثلاثة أيام فى كل يوم سبعون ألفا وقيل مات لأنس بن مالك ﵁ ثلاثة وثمانون ابنا وقيل ثلاثة وسبعون ابنا فى ثلاثة أيام، وكان قد رزق من صلبه مائة ولد. ومات لعبد الرحمن بن أبى بكر أربعون ابنا، وطاعون الفتيات كان قد كثر فيه موت العذارى بالبصرة وواسط والشام، وطاعون جاء فى سنة إحدى وثلاثين ومائة، وفيه مات المغيرة بن شعبة. فهذه الخمسة طواعين المشهورة فى صدر الإسلام، ولم يسمع بمثل هذا الطاعون الذى جاء فى سنة تسع وأربعين وسبعمائة لأنه عم الناس قاطبة من مؤمن وكافر بسائر البلاد حتى بلاد الفرنج وصار دائرا فى البلاد لعدة سنين حتى وقع أيضا فى القطط والكلاب والطيور والبهائم وأخبر جماعة من الناس أنهم شاهدوا أشياء كثيرة من حمار الوحش والبهائم والنعام وغيرها مطروحة فى البرارى وهى مطعونة تحت إبطها، وفى ذلك يقول الصلاح الصفدى خليل فى هذه الواقعة:
لا تثق بالحياة طرفة عين … فى زمان طاعونه مستطير
فكأن القبور شعلة شمع … والبرايا لها فراش تطير
وقال الشيخ زين الدين بن الوردى
يقولون شم الخل فى زمن الوبا … وفاقا لما قال الأطباء يا خلى
فإن قلت للطاعون تسطوا على الورى … يقول نعم اسطو وأنفك فى الخل
ثم دخلت سنة خمسون وسبعمائة:
فيها: جاءت الأخبار بأن الأمير جيغا نائب طرابلس دخل إلى الشام على حين غفلة، ومنعه بعض أمراء من أمراء طرابلس فقبضوا على أرغون شاه نائب دمشق وأحاط على موجوده، وقيد أرغون شاه وسجن فلما أصبح وجدوه مذبوحا فكتب الأمير جبغا محضرا بذلك بأن أرغون شاه ذبح نفسه وهو فى السجن فوقع بين عسكر دمشق وبين الأمير جبغا بسبب ذلك وأنكروا عليه فأخرج لهم مرسوم السلطان بذلك فأخرجه من دمشق فلما خرج كاتبوا فيه السلطان مما وقع منه وانه أظهر معه مرسوم السلطان بذلك، فلما عاد الجواب من السلطان بأن ليست له علم بذلك، فخرج عسكر دمشق خلف الأمير جبغا
стр. 190
فلحقوه وقبضوا عليه وعلى من معه من الأمراء وأحضروهم إلى دمشق، فلما كان يوم الاثنين ثامن عشر من ربيع الأول من السنة المذكورة أحضروا الأمير جبغا ومن معه من الأمراء ووسطوهم فى ميدان دمشق وعلقوهم أياما ثم دفنوهم وسكن الأمر.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسون وسبعمائة:
فيها: أيقن الملك الناصر حسن رشده وسلم إليه أمر المملكة فأقام أياما كثيرة وقبض على جماعة وهم الأمير بيبغا اروس نائب السلطنة والأمير منجك اليوسفى ثم أراد أن يقبض على الأمير طاجار الناصرى الدوادار الكبير فلم يقدر عليه فعند ذلك ركب الأمير طاز هو وحشداشينه وطلعوا إلى القلعة وهم راكبين إلى وسط الحوش السلطانى وقبضوا على السلطان حسن وأسجنوه بدور الحرم، وذلك يوم الأحد سابع عشر من جمادى الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، فكانت مدة سلطنته هذه ثلاث سنين وتسعة أشهر ثم تولى من بعده أخوه صالح بن الملك الناصر محمد بن قلاوون.
٢٠ - ذكر سلطنة الملك الصالح صلاح الدين صالح ابن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون (١)
وهو العشرون من ملوك الترك وأولادهم، وهو الثامن من أولاد الناصر محمد بن قلاوون ومولده بقلعة الجبل فى شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأمه تسمى خوند قطلو ملك بنت الأمير تنكز نائب الشام، تسلطن بعد خلع أخيه الناصر حسن فى يوم الاثنين ثامن جمادى الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك صار الأمير طاز صاحب الحل والعقد وليس للملك الصالح معه إلا مجرد الاسم فقط، فوقع الخلاف بين الأمراء فوثب الأمير منكلى بغا ومغلطاى على الأمير طاز وتوجهوا إلى قبة النصر، فركب الأمير طاز ونادى فى العوام كل من مسك من مماليك منكلى بغا ومغلطاى مملوكا يأخذ عربه ويقتله فقتل من مماليكهما جماعة كثيرة ثم مسك الأمير منكلى بغا ومغلطاى فى أواخر ذلك اليوم، فأرسلا إلى السجن بثغر الإسكندرية، وأفرج عن الأمير
стр. 191
شيخو العمرى والأمير منجك اليوسفى وحضرهما إلى الأبواب الشريفة فأخلع على الأمير شيخو العمرى واستقر أميرا كبيرا وهو أول من سمى بأمير كبير ولبس لها خلعة فصارت الأتابكية من يومئذ وظيفة ثم أفرج عن الأمير بيبغا اروس من سجن الكرك واستقر نائب حلب واستقر بالأمير قبلاى نائب السلطنة بمصر واستقر بالأمير أرغون الكاملى نائب دمشق.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسون وسبعمائة:
فيها: جاءت الأخبار بأن نائب حلب بيبغا اروس غامر وخرج على الطاعة ونائب طرابلس ونائب حماه ونائب صفد فعند ذلك خرج إليهم السلطان ومعه العساكر وأقام الأمير قبلاى النائب بمصر. وكان خروج السلطان من مصر فى النصف من شعبان فوصل إلى دمشق فى مستهل شهر رمضان، ونزل بالقصر الأبلق بدمشق وكان معه الخليفة المعتضد بالله "أبو بكر". ثم توجه إلى حلب واتقع بيبغا اروس فانتصر عليه السلطان وأمسكه وقيده ومعه جماعة من النواب العصاة، ودخلوا إلى دمشق قدام السلطان وهم مقيدين، وكان له موكب عظيم بدمشق.
ثم إن السلطان وسط بينهم ببيت أمراء بدمشق وهرب الأمير بيبغا اروس لم يحصله، ثم أن السلطان قصد التوجه إلى الديار المصرية فدخلها وهو منصور مؤيد، فلما استقر السلطان بالديار المصرية قبض على الصاحب علم الدين بن زنبور وكان وزيرا وناظر الجيش وناظر الخواص الشريفة. وهذه الوظائف لم تجتمع فى أحد قبله، فلما مسك ضرب وصودر ثم نفى إلى قوص.
ذكر ما اشتمل من موجود بن زنبور
قال ابن قاضى القضاة برهان الدين بن جماعة: وقفت على قوائم فيها موجود ابن زنبور وهى من القماش الملون الفين وستمائة قطعة، منها مفرى الفين قطعة وبوجهين ستمائة قطعة. ومن المصريات الملون خمسة آلاف قطعة، ومن الأوانى الذهب والفضة ستة قناطير، ومن الفصوص قنطاران ونصف ومن اللؤلؤ الحب أردبان بالمصرى، ومن الذهب العين ستمائة ألف دينار. ومن الحوايص الذهب ستة آلاف حياصة ومن الكلونات الزركش ستة آلاف كلونه. ووجد له من الذخائر فى أماكن شتى عدتها ستة آلاف وثلاثون مكانا ووجد له فى مكان قصة نقره ثلاثون أردبا، ووجد له من الشاشات ثلاثون ألف شاش، ووجد له من
стр. 192
البسط الرومى والمقاعد على سائر الأنواع خمسة وثلاثون ألف قطعة ومن الانطاع الكبار والصغار ثلاثون ألف قطعة ومن الصينى ثلاثون ألف قطعة ووجد له فى مكان من الذهب العين أيضا سبعمائة ألف دينار، ووجد له من الخيول والبغال والجمال عشرون ألف رأس، ووجد له من الجوارى والعبيد سبعمائة رأس ومن المماليك الرومى خمسون مملوكا ومن الطواشية مائة رأس ووجد له من النحاس أربعون ألف قطعة، ووجد له من الأملاك والعقار والضياع ستة آلاف مكان، ووجد له من المعاصر خمسة وعشرون معصرة، وفيها من النقود السكر ما لا ينحصر، ووجد له من إقطاعات الحلقة سبعمائة إقطاع ووجد له من السروج والبدلات الذهب ما قوم بثمانمائة ألف دينار، ووجد من البهار والبضائع ما قوم بأربعمائة ألف دينار، ووجد له من المراكب ستمائة مركب، ووجد له من البساتين مائتا بستان، ووجد له من السواقى ألف وأربعمائة ساقية، ووجد له من الأبقار الحلابة ألفى رأس، ووجد له من الأغنام خمسون ألف رأس، ووجد له من الغلال ما لا ينحصر ووجد له أشياء كثيرة غير ذلك من القماش والمال عند الناس ما لا ينحصر، وأخر الأمر أخذ منه جميع ما يملكه ونفى من مصر ومات غريبا عن أهله فكان كما يقال:
المال كالماء من استكثر منه غرق فيه
وقال بعضهم فى ذم المال:
النار أخر دينار نطقت به … والهم أخر هذا الدرهم الجارى
والمرء مادام مشغوفا بجمعها … معذب القلب بين الهم والنار
وقال بعضهم أيضا
رأيت الدرهم المضروب أضحى … كلص ما له أبدا أمانه
ألم تر كل إنسان حريص … يحصله ويرميه الحرانه
ثم دخلت سنة أربع وخمسون وسبعمائة:
فيها: جاءت رأس الأمير بيبغا اروس نائب حلب المقدم ذكره الذى هرب من السلطان وجاء برأس الأمير بكلمش فعلقا على باب زويلة.
وفى هذه السنة: ظهر الفساد من العربان ببلاد الصعيد فجرد إليهم السلطان الملك الصالح بنفسه ومعه الأمير شيخو العمرى والأمير صرغتمش فكسروا العربان كسرة قوية وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، حتى قيل صنعوا من رؤوس القتلة مساطب ومآذن. وكانت هذه
стр. 193
الوقعة فى العرب لم يسمع بمثلها وغنموا منها مائة جمل رماح وثلاثين جمل دروع وثمانين جمل سيوف وألف وسبعمائة فرس وخمسة آلاف جمل وعشرين ألف رأس غنم ومن أسرى العرب جماعة كثيرة.
ورجع السلطان هو والأمراء إلى القاهرة وهم منصورين على العرب، فلما طلع السلطان إلى القلعة أمر بتوسيط ما يقال إنسان من كبار العربان ثم إن السلطان نادى فى القاهرة بأن فلاحا لا يركب فرسا ولا يحمل معه سلاحا، ثم بعد مدة يسيرة حضر إلى الأبواب الشريفة ابن الأحدب العركى كبير العربان وكان هاربا من قوم هذه الواقعة، فلما حضر منه السلطان وأخلع عليه وأقره على عادته شيخ العركى لما كان أولا، وفى ذلك يقول بعض الشعراء.
ما هادن السلطان أعداءه … إلا لأمر فيه إذلالهم
حتى لو تكثر أموالهم … وللضبا تكبر أطفالهم
وفى هذه السنة: رسم السلطان للأمير أرغون الكاملى نائب دمشق بأن يتوجه إلى مدينة الابلستين وصحبته العساكر الحلبية والعساكر الشامية بسبب القبض على الأمير قراجا بن ذو الغار أمير التركمان لكونه وافق الأمير بيبغا اروس على العصيان لما كان نائب حلب فلما وصل إليه العسكر هرب منهم فلحقوه فى بلاد الروم وقبضوا عليه وأرسلوه إلى القاهرة فلما وصل أمر السلطان بتسميره فسمروه وطافوا به فى القاهرة ثم وسطوه.
وفى سنة خمس وخمسين وسبعمائة:
فيها: فى يوم الاثنين ثانى شوال اتفق جماعة من الأمراء مع الأمير شيخو العمرى على خلع الملك الصالح صالح بن الناصر محمد بن قلاوون وإعادة أخيه الناصر حسن عوضه وأقام وسجن بدور الحرم وأجلسوا أخاه الناصر حسن عوضه وأقام الملك الصالح فى السجن إلى أن مات فى ذى الحجة سنة إحدى وستين وسبعمائة، ودفن بتربة عمه الملك الصالح على التى بالقرب من السيدة نفيسة ﵂. فكانت مدة سلطنة الملك الصالح صالح بمصر ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوما.
стр. 194
ذكر من تولى فى أيام دولته من الأعيان
وهم: الخليفة الحاكم بأمر الله ابن المستكفى بالله توفى سنة أربع وخمسين وسبعمائة، وتوفى أبو حيان المغربى والشيخ زين الدين ابن الوردى من كبار الشافعية والشيخ شمس الدين الذهبى المؤرخ والقاضى شهاب الدين بن فضل الله صاحب كتاب الإنشاء والحافظ ابن قيم الجوزية وابن اللبان الشاعر والشاب الظريف محمد بن العفيف صاحب الشعر اللطيف توفى فى سنة خمس وخمسين وسبعمائة ومن شعره اللطيف:
زرتكم صحبة وودا … وجدتكم مغلقين
سعى إلى بابكم جنون … عليه استاهل الحجابا
ذكر عود الملك الناصر حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاوون
وهى السلطنة الثانية جلس على سرير الملك فى يوم الاثنين ثانى شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة وقد قال القائل:
كأنك شمس والملوك كواكب … إذا طلعت لم يبد منهن كوكب
فلما تم أمره فى السلطنة صار شيخو وصرغتمش رأس نوبة النواب صاحبى الحل والعقد فى دولته، واستمر الأمر على ذلك إلى أن دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمائة:
فيها: وثب من بعض المماليك السلطانية يسمى قطلوقجاه السلحدار فى يوم موكب على الأمير الكبير شيخو العمرى وهو فى الخدمة بالإيوان فضربه بالسيف على وجهه ورأسه ثلاث ضربات فوقع شيخو إلى الأرض مغشيا عليه. وقام السلطان من مجلسه وهو مرعوب فأمسكوا قطلوقجاه المذكور. فلما سمع مماليك شيخو بذلك طلعوا إلى القلعة وهم لابسين آلة الحرب ومعهم الأمير خليل بن قوصون. وكان الأمير شيخو متزوجا بأم الأمير خليل فلما طلع مماليك الأمير شيخو إلى القلعة وجد مماليكه فى أستاذهم بعض رمق فحملوه فى تابوت وقتل على طارقة خشب ونزلوا به إلى بيته ومماليكه حوله وكان عدتهم سبعمائة مملوك.
فلما استقر فى بيته أحضروا له مزين محبط خراسانه وبات تلك الليلة فلما أصبح نزل إليه السلطان حسن ودخل إلى بيته ونزل عن فرسه ودخل إلى مكان فيه شيخو أو سلم عليه وحلف له أن الذى جرى لم يكن يعلمه ولا له به خبر، ثم رسم السلطان بإحضار قطلوقجاه
стр. 195
الذى ضرب شيخو فسأله السلطان وقال له هل أمرك أحد بذلك؟ فقال قطلوقجاه: لا والله ما أمرنى أحد بذلك، غير أنى قدمت له قصة بسبب إقطاع فأخرجه لشخص غيرى، ففعلت ذلك من قهرى منه. فعند ذلك رسم السلطان بتسميره فسمر على جمل وطافوا به البلد ثم وسطوه، واستمر شيخو ملازما للفراش من شهر شعبان إلى أواخر ذى القعدة، فمات فى يوم الجمعة سادس وعشرين ذى القعدة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة فكثر عليه الحزن والأسف، وكانت جنازته مشهودة ودفن فى خانقاته التى فى الصليبة بعد أن نزل السلطان، وصلى عليه واتفق أن المطر أمطرت فى ذلك اليوم مطرا خفيفا وكان فى الصيف فقيل فى المعنى:
بروحى من أبكى السماء لفقده … بغيث ظنناه نوال يمينه
وما استعبرت إلا أسى وتأسفا … وإلا فماذا القطر فى غير حينه
وكان شيخو من أجلّ الأمراء قدرا وله بر ومعروف وآثار كثيرة وهو صاحب الخانقاه والجامع اللذين فى الصليبة والحمامات والربوع، وهو الذى أنشأ الجامع الأخضر الذى عند فم الجور، وكانت عمارة الجامع والخانقاه فى سنة خمس وخمسين وسبعمائة وفى ذلك يقول الشيخ شهاب الدين بن أبى حجلة:
ومدرسة للعلم فيها مواطن … فشيخو بها فردو أثاره جمع
لئن بات فيها للقلوب مهابة … فواقفها ليث وأشياخها سبع
ثم إن شيخو قرر بالخانقاه حضورا من بعد العصر وقرر الشيخ أكمل الدين الحنفى شيخ الخانقاه واشترط فى كتاب الوقف نصف النظر مع من تكون رأس نوبة النوب وفيه يقول ابن أبى حجلة أيضا:
شيخ تقدم فى العلوم لأنه … إن عد أرباب الفضائل أول
ما قيل هذا كامل فى ذاته … إلا وقلت الشيخ عندى أكمل
ثم دخلت سنة تسع وخمسون وسبعمائة:
فيها: تزايدت عظمة الأمير صرغتمش بعد شيخو وبقى أتابك العساكر وصار صاحب الحل والعقد وتضاعفت حرمته وانفرد بأمور المملكة، فأمر بضرب الفلوس الجدد فضرب كل فلس بدرهم بدرهمين وكل فلس زينة مثقال، وثقل ذلك على الناس وتضرر منه جماعة كثيرة
стр. 196
من السوقة وغيرهم. ثم إن الأمير صرغتمش ثقل أمره على الملك الناصر حسن، فبادر الناصر بالقبض على صرغتمش وعلى جماعة من الأمراء فمن كان من عصبته فكان كما قيل:
وربما فات بعض الناس حاجته … مع التوانى وكان الرأى لو عجلا
وفى الأمثال:
وانتهز الفرصة أن الفرصة … تصير إن لم تنتهزها غصه
فلما سمع مماليك صرغتمش تمسك استاذهم فى القلعة ركبوا بالسلاح وطلعوا إلى الرملة وكانوا نحو ثمانمائة مملوك فنزل إليهم المماليك السلطانية واتبعوا معهم من أول النهار إلى بعد العصر فانكسر مماليك صرغتمش وهربوا، فعند ذلك نهب العوام دار صرغتمش ودكاكين الصليبة ومسكوا جماعة من الأعجام من صوفية الخانقاه ومعه جماعة من الأمراء ممن كانوا عصبته فأقام صرغتمش فى السجن شهرين ونصف الشهر ثم أرسل السلطان قتله وهو فى السجن فى أوائل ذى الحجة سنة تسع وخمسين وسبعمائة.
وفى الأمثال:
والمرء لا يدرى متى تمتحن … فانه فى دهره مرتهن
فلما قتل صرغتمش صفا للناصر حسن الوقت ورقى مماليكه وجعل بيبغا العمرى الخاصكى أمير مجلس، ولما عظم أمر الناصر حسن بنى هذه المدرسة العظيمة التى تجاه القلعة عند سوق الخيل وجعل فيها أربع مدارس للمذاهب الأربعة وكان مكانها قديما قصر بيبغا اليحياوى نائب دمشق فهدم القصر وبنى مكانه هذه المدرسة التى لم يعمر فى الإسلام مثلها قبل إيوانها بنى على ميال إيوان كسرى أنو شروان وكان بناؤها فى سنة سبع وخمسين وسبعمائة. ومن رأى عمارة مدرسة السلطان حسن عرف علو همته بين الملوك السالفة، فكان كما قيل القائل فى المعنى:
لسنا وإن كرمت أوايلنا … يوما على الأنساب نتكل
نبنى كما كانت أوايلنا … تبنى وتفعل فوق ما فعلوا
واستمر الأمر ساكنا إلى أن دخلت سنة ستون وسبعمائة:
فيها: أرسل السلطان بالقبض على الأمير طاز نائب حلب، وكان تولى نيابة حلب لما وقع بينه وبين الأمير صرغتمش فلما قتل الأمير صرغتمش أرسل السلطان للقبض على طاز
стр. 197
نائب حلب وأودعه فى السجن واستقر الأمير منجك اليوسفى نائب حلب، فلما وصل منجك إلى غزة هرب من هناك واختفى فأقام وهو مختفى مدة ثم قبضوا عليه وأحضروه بين يدى السلطان وعليه جبة صوف عسلى وعلى رأسه مبرر صوف أبيض. فلما وقف بين يدى السلطان وبخه بالكلام، ثم عفا عنه ورسم له بأمرية أربعين بالشام ويكون بطالا، ثم إن السلطان استقر بالأمير بيدمر الجواردمى فى نيابة حلب وجهد صحبته العساكر بسبب إصلاح البلاد الحلبية. فلما توجه حاصر مدينة سيس فأخذها بالأمان وكذلك مدينة طرسوس ومصيصة وغيرها من البلاد.
ثم إن العسكر رجع إلى الديار المصرية وهو منتصر.
ثم دخلت سنة إحدى وستون وسبعمائة:
فيها: ركب السلطان الملك الناصر حسن وشق المدينة فزينت له ودخل من باب النصر إلى أن جاء إلى بين القصرين فنزل عن فرسه ودخل إلى البيمارستان وزار قبر والده وجده قلاوون ثم توجه إلى القلعة والأمراء مشاة بين يديه حتى طلع القلعة.
وفى هذه السنة: عمل السلطان خيمة غريبة الشكل فى صنعتها حتى عمل فيها حمام ونصبها فى خليج الزعفران وخرج إليها الناس قاطبة يتفرجون عليها وصاروا يتعجبون من صنعتها وفيها يقول ابن أبى حجله:
حوت خيمة السلطان كل عجيبة … فأصبحت منها باهتا اتعجب
لسانى بالتقصير فيها مقصر … وإن كان فى أطنابها بات يطب
وله فيها أيضا:
إذا ما خيمة السلطان لاحت … فقل فى حسنها نظما ونثرا
ثم دخلت سنة اثنتا وستون وسبعمائة:
فيها: عدى الملك الناصر حسن إلى بر الجيزة وأقام بها فى كوم بره مدة أشهر إلى أن دخل الشتاء وربط الناس الخيول فى الربيع وسبب ذلك أنه كان بالقاهرة وخم شديد وأمراض كثيرة ووباء فأقام السلطان هناك حتى زال ذلك الوخم ودخل الشتاء، فى هذه المدة وقع بين السلطان وبين مملوكه الأمير يلبغا العمرى أمير مجلس فركب السلطان حسن فى ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأول من السنة المذكورة ومعه جماعة من الأمراء وأراد أن يكبس على بيبغا وهو فى الخيام وكان أحد خواص السلطان أرسل إلى بيبغا يعلمه بما عزم عليه السلطان فأخذ يلبغا
стр. 198
حذره من ذاك وألبس مماليكه وخرج عن الخيام وأخلاها وأكمن له بالقرب من الخيام فكبس السلطان عليه فى أوائل الليل فلم يجد فى الخيام أحدا فعند ذلك رد عليهم بيبغا ومن معه فاتقع مع السلطان فانكسر الناصر حسن وهرب تحت الليل وطلع إلى القلعة ومعه بعض مماليك من مماليكه فكان كما قيل فى الأمثال.
واقنع إذا حاربت بالسلامة … واحذر فعالا توجب الندامة
فلما طلع إلى القلعة تبعه الأمير بيبغا ومن معه، وعدى فى الليل فلاقاه ابن المحسنى أحدى الأمراء المقدمين ومعه الأمير قشتمر المنصورى فاتفقا مع بيبغا وكسروه مرتين وكل ذلك قبل أن يمضى من الليل الثلث، فأرسل بيبغا إلى ابن المحسنى وهو يقول له: اخلى من طريقى وأنا أرضيك بكل خير. فلما بان لابن المحسنى زوال دولة الناصر حسن أخلى من طريق بيبغا، فطلع بيبغا إلى الرملة وكان السلطان حسن قد ألبس مماليكه ولم يجد لهم خيولا يركبونها لأن الخيل كانت فى الربيع فضاق الأمر عليه فلما طلع عليه النهار وبيبغا محاصره علم أنه مكسور لا محالة فلبس لبس العرب هو والأمير أيدمر الدوادار ونزلا من القلعة وقصدا التوجه إلى نحو البلاد الشامية فلقيهما بعض المماليك السلطانية فقبضوا عليهما وأحضروهما إلى بيت الأمير موسى الحاجب فأرسل ليعلم الأمير بيبغا بذلك فأرسل بيبغا وأحضروهما إلى عنده. فأما الأمير أيدمر فسجن وأما السلطان حسن فكان آخر العهد به قيل إن بيبغا خنقه وغرقوه فى البحر تحت الليل ولم يعرف له خبر ولا يعلم له قبر ولم يدفن فى مدرسته وكان قتله فى شهر جمادى الأول سنة اثنتين وستين وسبعمائة ومات وله من العمر سبعة وعشرون سنة.
وكان السلطان حسن أشقر اللون عربى الوجه وفى وجهه بعض نمش. وكان ملكا شجاعا مقداما مهابا نافذ الكلمة وكان محبا لجمع المال ولكنه كان يميل إلى اللهو والطرب مولعا بحب النساء الحسان وشرب الراح مستغرق فى اللذات كما قيل فى الأمثال:
لا تغترر بالحفظ والسلامة … فإنما الحياة كالمدامة
والعمر مثل الكأس والدهر القدر … والصفو لابد له من الكدر
فكانت مدة سلطنة الناصر حسن فى المدة الأولى ثلاث سنين وتسعة أشهر، والسلطنة الثانية ست سنين وسبعة أشهر وأياما، فكانت جملة سلطنته أولا وثانيا عشر سنين ونصف السنة. ولما مات خلف من الأولاد عشرة ذكور هم: أحمد وعلى وقاسم وإسكندر وموسى
стр. 199
ويحيى وشعبان ويوسف وإسماعيل ومحمد. وخلف من البنات ست. وكان قصده إنشاء أولاد الناس فى أيام دولته فكان منهم تسعة مقدمين ألوف ومن الأمراء الطبلخاناه والعشروات جماعة كثيرة. وكان منهم جماعة كثيرة نواب فى البلاد الشامية وكان كفئا للمملكة غير أنه كان منهمكا على اللذات، يميل إلى الغناء والطرب وإلى السماع الطيب ويحب الحسان من النساء حتى قال فيه بعضهم هذه الأبيات اللطيفة وهى:
لما أتى للعاديات وزلزلت … حفظ النساء وما قرا للواقعة
فلا جل هذا الملك أضحى لم يكن … وأتى القتال وفصلت بالقارعة
لو عامل الرحمن فاز بكهنه … وبنصره فى قصره للسابعة
من كانت القينات من اخرابه … عطعط به الدخان نار لامعة
يشير الناظم إلى اسم معنى يدعى عطعط ويشير إلى الدخان وهو اسم مشبب يدعى دخان ولما مات الناصر حسن تولى من بعده ابن أخيه حاجى، وكان الملك الصالح هو أخر من تولى من أولاد الناصر محمد بن قلاوون.
ذكر من توفى فى أيامه من الأعيان
وهم: الشيخ تقى الدين السبكى (١) والشيخ بهاء الدين بن عقيل (٢) والحافظ
стр. 200
стр. 201
٢١ - ذكر سلطنة الملك المنصور محمد بن الملك المظفر حاجى بن الملك الناصر محمد بن الملك المنصور قلاوون (١)
وهو الحادى والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد قتله عمه الناصر حسن فى يوم الأربعاء تاسع جمادى الأولى سنة اثنتين وستين وسبعمائة تولى الملك وله من العمر أربعة عشر سنة، وكان القائم بتدبير مملكته الأمير بيبغا العمرى فاستقر به أتابك العساكر وكانت عظمة بيبغا فى أيام الملك المنصور هذا ثم استقر بالأمير قشتمر المنصورى نائب السلطنة وأفرج عن الأمير طاز من السجن هو وجماعة كثيرة من الأمراء الذين كانوا فى الاعتقال وأنعم عليهم بتقادم ألوف واستقر بجماعة منهم نوابا فى البلاد الشامية.
وفى هذه السنة: جاءت الأخبار بأن نائب الشام بيدمر الجوارى خامر على السلطان وخرج عن الطاعة ومعه قلعة دمشق مملوكه فعند ذلك خرج إليه السلطان الملك المنصور ومعه الأتابكى بيبغا وبقية الأمراء، فلما وصلوا إلى دمشق خرج إليه بيدمر نائب الشام وهو طايع فطلب من السلطان الأمان فأعطاه الأمان.
فلما حضر بين يدى السلطان أمر الأتابكى بيبغا تقييده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية واستقر بالأمير على الماردينى نائب الشام واستقر بالأمير قطلوبغا الفخرى وقيل الأحمدى نائب حلب ثم إن السلطان رجع إلى الديار المصرية وصحبته الأتابكى بيبغا العمرى.
ثم دخلت سنة ثلاث وستون وسبعمائة:
فيها: تزوج الأتابكى بيبغا العمرى بخوند طولوسه زوجة الملك الناصر حسن.
وفى هذه السنة: توفى الخليفة المعتضد بالله أبو بكر بن الخليفة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان، وعهد إلى والده المتوكل على الله محمد، وهو أبو خلفاء العصر كلهم، قيل إنه جاء من صلبه مائة ولد ما بين ذكور وإناث ومسقوط، وأقام فى الخلافة نحو أربعين سنة كما سيأتى ذكره فى موضعه، ومات عنده عدة أولاد ذكور وإناث.
стр. 202
ثم دخلت سنة أربع وستون وسبعمائة:
فيها: توفى سيدى حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاوون وهو آخر من مات من أولاد الناصر محمد بن قلاوون. ومات قبل أن يتسلطن ولده الأشرف شعبان.
وفى سنة أربع وستين: اتفق الأتابكى بيبغا العمرى مع جماعة من الأمراء على خلع الملك المنصور محمد بن حاجى فخلع من السلطنة ودخل إلى الحرم فسجن بها، وذلك فى يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة، فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية سنتين وأربعة أشهر، وكان الملك المنصور هذا يميل إلى اللهو والطرب وشرب الراح، وكان له جوارى ومغانى جوفة كاملة نحو عشر جوارى يعزفن بمغانى المنصور، وكان راضيا بأرغد العيش الطيب وحب السماع. وكان أخر من أقنى الجوارى المغانى يزفوا بالطارات عند الصباح والمساء، وكانت هذه عادة الملوك والأكابر، وأخر من كان يفعل ذلك من الأكابر الأمير محمود استادار العالية ثم بطل ذلك مع ما بطل من محاسن عيشة الأكابر بالديار المصرية، وكان ذلك رقة حاشية ودام المنصور على ذلك إلى أن مات وهو فى دور الحرم ودفن فى تربة جدته أم أبيه خوند طغلى عند الباب المحروق، وعاش المنصور هذا من العمر نحو خمسين سنة ولما مات خلف عدة ذكور وإناث، وكان قانعا بما هو فيه من العيش الرغد كما قيل فى المعنى.
كل الملوك تسطوا بالملك والسلاح … وتاقنعت منه بالراح والملاح
وفى المعنى:
قالوا رأيناك كل وقت … تهيم بالشرب والغنا
فقلت إنى امرئ قنوع … اعيش بالماء والهواى
ولما خلع الملك المنصور محمد تولى الملك الأشرف شعبان
стр. 203
٢٢ - ذكر سلطنة الملك الأشرف أبى المعالى زين الدين شعبان بن الأمجد حسين بن الناصر محمد بن قلاوون (١)
غير أن الأمجد حسين لم يتسلطن فجلس على سرير الملك ولقب بالملك الأشرف وذلك فى يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة، وكان له من العمر لما تسلطن إحدى عشرة سنة وهو الثانى والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية وفيه يقول القيم خلف الغبارى من زجل لطيف فى المعنى وهو هذا:
حب قلبى شعبان موفق رشيد … وحمالوا شرف ومالوا حدود
وأبوه الحسين وعموا الحسن … وارث الملك من جدود الجدود
سل لحطك صارم لقتل العدا … وأنت منصور طول المدا والسنين
زعق السعد بين يديك شاويش … فرح القلب بعد ما كان حزين
ونصب لك كرسى على المملكة … وظهر لك نصرك يفتحوا المبين
والعصايب من حولك اشتاله … خفقت فى الركوب عليك البنود
فاحكم احكم فى مصرنا سلطان … فجميع الملاح لحسنك حقود
فلما تم أمر الأشرف شعبان فى السلطنة استقر بالأتابكى بيبغا العمرى أميرا كبيرا على عادته واستقر بالأمير منكلى بغا الشمسى نائب دمشق، واستقر بالأمير قطلوبغا الأحمدى نائب حلب على عادته، واستقر بالأمير ازدمر العمرى الناصرى الخازندار نائب طرابلس، واستقر بالأمير قشتمر المنصورى نائب صفد، واستقر بالأمير عمر شاه نائب حماة، واستقر بالأمير عمر بن أرغون النائب فى نيابة غزة، ثم استقر بالأمير طيبغا أمير سلاح، واستقر بالأمير أرغون الأسعردى دوادارا كبيرا، واستقر بالأمير أرغون الأزقى رأس نوبة النواب، واستقر بالأمير طيبغا العلائى حاجب الحجاب، واستقر بجماعة من الأمراء كل واحد وظيفة من الوظائف، هذا ما كان فى مبتدأ دولته.
стр. 204
ثم دخلت سنة خمس وستون وسبعمائة:
فيها: جاءت الأخبار بأن منكلى بغا نائب دمشق لما وصل إلى الشام فتح باب كيسان بحضور القضاة الأربع وكان هذا الباب مقفولا مدة مائتى سنة من أيام نور الدين الشهيد فكتب فى ذلك محضرا أن فى فتحه مصلحة للمسلمين وللمسافرين وعقد قنطرة كبيرة على الطريق المسلوكة. وبنى هناك جامعا.
وفى هذه السنة: رسم السلطان بإبطال الوكلاء من أبواب القضاة والحكام بمصر والشام فامتثلوا ذلك، وفى ذلك يقول ابن حبيب.
يقول الحق الذى عاله … خصم الدولسان كليل
ثم دخلت ست وستون وسبعمائة:
فيها: جاءت الأخبار بأن الفرنج وصلوا إلى ثغر الإسكندرية فى سبعين مركبا من المراكب الحربية، وأن نائب الثغر خرج إليهم ومعه جماعة من عربان البحيرة إلى ظاهر باب البحر، فاتقعوا مع الفرنج فانكسر المسلمون كسرة قوية وخرج أكثرهم من باب رشيد ودخل الفرنج إلى مدينة الإسكندرية ونهبوا أسواقها المذكورة، وفى ذلك يقول بعضهم:
إسكندرية قالت … هانا هى صردملكا
لقد تغير ثغرى … وأصبحت فيه سواكا
فلما سمع السلطان والأمراء بهذا الخبر فخرج السلطان والأتابكى يلبغا العمرى وبقية الأمراء فعدى السلطان إلى بر الجيزة، وكان النيل فى قوة الزيادة، فسار السلطان هو والأمراء إلى الطرانة ونزل بها وأرسل جماعة من الأمراء إلى ثغر الإسكندرية لكشف الأخبار، فوجدوا الفرنج رحلوا عن الثغر لما سمعوا بأن السلطان وصل إليهم، فنزلوا فى مراكبهم وساروا إلى بلادهم بعد ما جرى منهم ما جرى. فلما سمع السلطان بأن الفرنج رحلوا إلى بلادهم رجع السلطان أيضا إلى القاهرة وأرسل جماعة من الأمراء إلى ثغر الإسكندرية لإصلاح ما فسد منها وتطمئن أهلها، ثم إن السلطان أخلع على الأمير بكتمر الشريفى واستقر به نائب الإسكندرية بتقدمة ألف، وهو أول من تولى من الأمراء المقدمين الألوف بثغر الإسكندرية وكانت قبل ذلك نيابة لأحد الناس. قال ابن أبى حجلة:
стр. 205
إلا فى سبيل الله ما خل بالثغر … على فرقة الإسلام من عصبة الكفر
أياها من الأفرنج سبعون مركبا … وحاطت بها الغربان فى البر والبحر
فكم من فقير عاش فيها من الغنى … وكم من غنى مات فيها من الفقر
وفى هذه السنة: خرج الأمير طيبغا الطويل أمير سلاح إلى نحو العباسة يتصيد فأرسل إليه الأمير يلبغا العمرى جماعة من الأمراء ومعهم خلعة إلى طيبغا الطويل بأن يستقر نائب الشام، فلما وصلوا إلى طيبغا امتنع من لبس الخلعة وخامر هو والأمراء الذين خرجوا إليه من عند يلبغا واتفقوا كلهم على الركوب على يلبغا. فلما سمع يلبغا بذلك استعد لقتالهم فركب طيبغا من العباسة فى نصف الليل، فما أصبح الصباح إلا وهو فى قبة النصر فخرج إليه يلبغا واتقع معه، وكان يلبغا قد أكمن كمينا عند فم وادى السدرة، فلما اتقع مع طيبغا الطويل خرج عليهم ذلك الكمين من وراء الجبل فانكسر طيبغا ومن معه الأمراء وقبضوا عليهم وأرسلهم يلبغا إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم دخلت سنة سبع وستون وسبعمائة:
فيها: أمر السلطان بإحضار منكلى بغا الشمسى نائب الشام فحضر إلى الأبواب الشريفة فأخلع عليه واستقر نائب حلب وصارت حلب أكبر من الشام على القاعدة القديمة وأضاف إليه أربعمائة فارس من عسكر دمشق فتوجه إلى حلب وأخلع عليه الأمير اقتمر عبد الغنى واستقر نائب دمشق عوضا عن منكلى بغا الشمسى فتوجه إليها.
وفيها فى مستهل ربيع الآخر: عدى السلطان الملك الأشرف شعبان إلى بر الجيزة ليتصيد نحو البحيرة. وكان الأتابكى يلبغا العمرى معه وبقية الأمراء، وكان السلطان أمر بعمارة مراكب أغربة كبار، وجعل فيها السلاح والطبلخانا والنفط وصار والمصون بها فى البحر ذهابا وإيابا وكان يوما مشهودا. ثم عدى السلطان وصار إلى أن وصل الطرانة فنزل هناك فوقع بين الأتابكى يلبغا ومماليكه فركبوا عليه هناك، وكان يلبغا قد زاد ظلمه فى حق مماليكه فضرب منهم جماعة بالمقارع وقطع أنف جماعة منهم فنفرت منه القلوب.
وكان يلبغا فى آخر الوقت زاد فى الأذى وكان السلطان معه مثل اللولب بدوره كيف شاهد أنه غضب يوما على مقدم المماليك سابق الدين مثعال فضربه ستمائة عقب فى وسط القصر، وكان يلبغا سيئ الخلق جرئ اليد سفاكا للدماء لما قتل جماعة كبيرة من
стр. 206
مماليكه ومن الأمراء ولا سيما قتله للسلطان حسن أستاذه. فلما كانت ليلة الأربعاء ركب مماليك يلبغا على أستاذهم وكسروا عليه وهو فى الخيام، فلما أحس بهم ركب فرسه تحت الليل وهرب منهم، وعدى من بر الجيزة إلى بر مصر وتوجه إلى بيته الذى فى الكبش وأرسل منع المراكب بألا يعدوا بأحد من المماليك.
فلما أصبح الصباح اجتمع عند يلبغا جماعة الأمراء منهم طيبغا العلائى حاجب الحجاب والأمير أينبك البدرى أمير أخور كبير وغيرهم من الأمراء هذا ما كان من أمر يلبغا.
وأما ما كان من أمر مماليكه فإنهم لما علموا بهروب أستاذهم اجتمعوا كلهم وجاءوا إلى عند السلطان الملك الأشرف شعبان وقالوا له قم واركب معنا وإلا قتلناك فأنه لا يبقى عليك ولا علينا فقام السلطان وركب معهم إلى أن وصل إلى بولاق التكرور فأقام السلطان هناك ومن معه من الأمراء ومماليك يلبغا. فلما سمع يلبغا بذلك طلع إلى القلعة وأخرج سيدى أنوك أخو السلطان الأشرف شعبان وسلطنه وخلع الأشرف شعبان من السلطنة ولقب سيدى أنوك بالملك المنصور. ثم إن يلبغا أخذ المنصور أنوك ونزل من القلعة واخذ معه الأمراء الذين من عصبته وتوجهوا إلى الجزيرة الوسطى، فصار الأشرف شعبان بمن معه من العسكر فى بولاق التكرور والأتابكى يلبغا بمن معه من العسكر فى الجزيرة الوسطى والقتال بينهما عمال، وهم يترامون بالنشاب فى المراكب والنفط والكوسات عمالة إلى بعد العصر وكان ذلك فى يوم الجمعة. فلما دخل الليل جاء إلى الأشرف شعبان شخص من النواتية يسمى محمد بن لبطة كان رئيسا فى أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون فقال للأشرف شعبان أنا أعدى بك إلى ذاك البر أنت والعسكر فأحضر ثلاثين غرابا من الأغربة التى كانت قد عمروها بسبب الجهاد فكسر بروقها وعمرها بالمقاديف وأوسقهم بالخيول والعسكر ثم عدى بالسلطان من الوراق إلى جزيرة الفيل وذلك فى ليلة السبت فطلع إلى القلعة، فلما أصبح الصباح تسامعت به الناس والتف عليه أكثر العسكر فلما سمع من كان مع يلبغا بطلوع السلطان إلى القلعة صاروا يتسحبون من عند يلبغا ويطلعون إلى عند الأشرف شعبان فصار يلبغا فى نفر قليل من العسكر وتلاشى أمره وظهر عليه العجز ولم يبق معه من الأمراء سوى طيبغا العلائى حاجب الحجاب فعند ذلك زحف يلبغا وطلع إلى الرملة فوقف ساعة عند باب الميدان فلم يطلع إليه أحد من العسكر، فلما رأى يلبغا أمره فى إدبار نزل عن فرسه قدام باب السلسلة وصلى ركعتين وحل سيفه وأعطاه لطيبغا حاجب الحجاب وركب فرسه وقصد التوجه إلى بيته الذى بالكبش فلما تحقق العوام بأنه انكسر فرجموه وهو رايح إلى بيته
стр. 207
وكان العوام يبغضون يلبغا بغضا شديدا فرجموه وسبوه إلى أن وصل إلى بيته فكان كما قال القائل:
لا يفعل الشر فتسمى به … وافعل الخير يجارى عليه
أما ترى الحية من شرها … يقتلها من لا أسات فى
فلما توجه يلبغا إلى بيته بعد جهد كبير من العوام فأرسل السلطان إلى يلبغا بعض الأمراء ليحضره فأجاب بالسمع والطاعة فطلع إلى القلعة وأخذوه وتوجهوا به إلى باب القلعة، فلما وصل إلى السلم المدرج أراد أن يركب فرسه فجذبه بعض مماليكه إلى رأس السوة عند الخوص وهو ماشى، فجاء إليه شخص من مماليكه يسمى قراتمر فحز رأسه هناك وأخذه وجعله فى مشعل وطاف بها إلى أن وصل إلى بيته الذى بالكبش وكان يلبغا فى رقبته سلفة خلف أذنه فعرف به، فما فشلوا فى قتلته، ثم إن بعض الأمراء أخذ جبته ورأسه ودفنه فى تربة خارج الباب المحروق. وفى ذلك يقول بعض الشعراء.
أياك على بدنك الموت لما … ظهرت بما نهاك الشرع عنه
فلا تعيب سواك على الذى قد … بليت به فدود الخل منه
وكانت قتلة الأتابكى يلبغا العمرى فى ليلة الأحد عاشر ربيع الآخر سنة ثمانى وستين وسبعمائة. وكان أميرا بل ملكا جليلا عظيما حوى من المماليك ما لا حواه غيره من الأمراء، إليه ينسب الطرز الطوال اليلبغاوية والصخور الكبار اليلبغاوية وأشياء كثيرة غير ذلك منسوبة إليه ومشى على نظام لم يمش عليه أحد من الأمراء قبله فى كثرة المماليك وسعة المعيشة ونفاذ الكلمة. وكان من مماليكه جماعة مقدمين ألوف وعاش فى أرغد عيش فكان كما قيل أول بيت.
خذ من زمانك ما أعطاك مغنما … وأنت ناه كهذا الدهر أمره
فالعمر كالكأس يستحلى أوايله … لكنه ربما مجت أواخره
فلما قتل يلبغا الأتابكى صارت الكلمة متفرقة بين جماعة من الأمراء وهم الأمير طقتمر النظامى والأمير آقبغا الأحمدى والأمير أسندمر الناصرى فسكن الأمير أسندمر فى بيت الأتابكى يلبغا الذى فى الكبش والتف عليه جماعة من مماليك يلبغا وأراد أن يمشى على
стр. 208
طريقة الأتابكى يلبغا فنقل أمره على الناس وعلى الأشرف شعبان، فلما كانت ليلة الأحد رابع شوال من السنة المذكورة ركب الأمراء وطلعوا إلى الرملة وقصدوه وأمسكوا الأمير أسندمر وجماعة من مماليك يلبغا فنزل السلطان إلى الحراقة ودقت الكوسات حربى ووقف الأمراء بسوق الخيل فلم يركب أسندمر من بيته الذى فى الكبش إلى طلوع الشمس فلما ركب طلع إلى باب القرافة وخرج منه وتوجه إلى نحو الجبل وطلع من القلعة وجاء من السرة فلم يشعر الأمراء إلا وهو تحت الطبلخاناه السلطانية، فلما رآه الأمراء هرب أكثرهم ولم يلبث غير الأمير الجامى والأمير أرغون شاه فاتقع مع الأمير أسندمر إلى قريب الظهر فلم يساعدهما أحد من الأمراء فهرب الجامى وأرغون شاه وانتصر عليهما أسندمر. فلما انتصر فلم يخلع الملك الأشرف شعبان من الملك لكنه مسك جماعة كثيرة من الأمراء نحو ثمانية مقدمين ألوف وغيرهم من الأمراء الطبلخاناه والعشروات نحو أحد عشر أميرا وقيد الجميع وأرسلهم إلى الاعتقال بثغر الإسكندرية وذلك فى شهر شوال من السنة المذكورة. ثم إن السلطان أخلع على من يذكر فيه من الأمراء وهم:
الأمير أسندمر الناصرى استقر أتابك العساكر على عادته وأخلع على الأمير أزدمر العمرى الناصرى الشهير بالخازندار واستقر أمير سلاح وكان قبل ذلك نائب طرابلس وتقدم ذلك والأمير ازدمر هذا هو جد والد المملوك، مؤلف هذا التاريخ، وكان جد والده لأمه وكان له بر ومعروف وآثار، إنه أنشأ خانا بالقرب من حلب يسمى خان سراقب وجعله للسبيل، وأنشأ حوضا وسبيلا فى خيمة بنى سعد من معاملة فاقم، وله غير ذلك أوقاف على الحرمين الشريفين، وكان ناظرا إلى فعل الخير كثير البر والصدقات تغمده الله برحمته ورضوانه. ثم إن السلطان استقر بالأمير جركمر المنجلى أمير مجلس والأمير الطنبغا اليلبغاوى رأس نوبة النواب واستقر بالأمير بيرم العرى دوادار كبير واستقر بجماعة كثيرة من الأمراء غيرهم فى وظائف كبيرة وأنعم عليهم بتقادم ألوف وأنعم على جماعة من الأمراء بطبلخانات وعشروات وذلك عوضا عمن سجن منهم.
وفى هذه السنة: قبض السلطان على الصاحب فخر الدين بن قرونية وسلمه إلى الأمير قرابغا الصرغتمشى فعاقبه إلى أن مات تحت الضرب وأحرق أصابعه بالنار واستصفى أمواله.
стр. 209
وفى هذه السنة وهى سنة ثمان وستون وسبعمائة: كانت وفاة الشيخ جمال الدين بن نباتة المصرى صاحب الأشعار اللطيفة الذى فاق بها على من تقدمه من الشعراء وكان مولده فى سنة ست وثمانين وستمائة فكانت مدة حياته اثنان وثمانين سنة ومن شعره لنفسه وهو قوله:
اصغى لما قال آخر وقنكم … وخل عنك اليوم ما قيلا
واسمع مقاطيعا له اطربت … ولا تقل الا مواصيلا
ثم دخلت سنة تسع وستون وسبعمائة:
فيها: فى يوم الجمعة سادس شهر صفر ركب مماليك يلبغا على السلطان ودخلوا إلى بيت الأتابكى أسندمر الناصرى فقال لهم ما قصدكم؟ فقالوا له: أمسك الأمراء الذين استقروا جديدا وهم:
الأمير ازدمر العمرى الناصرى أمير سلاح والأمير بيرم العرى الدوادار والأمير بيبغا القوصونى أمير أخور كبير والأمير الطنبغا اليلبغاوى رأس نوبة كبير وغيرهم من الأمراء الطبلخانات والعشروات، فمسكهم الأمير الأتابكى أسندمر وقيدهم وأرسل منهم جماعة إلى ثغر الإسكندرية، وأرسل الأمير أزدمر أمير سلاح إلى الصبية فسجن بها واستمر مماليك يلبغا لا بسين آلة الحرب إلى يوم السبت، فقالوا للأتابكى أسندمر: امسك بالسلطان. وكان الأتابكى أسندمر مع مماليك يلبغا فى غاية الذل والقهر. فلما بلغ السلطان ما قاله مماليك يلبغا فنزل إلى الحراقة التى بالأسطبل السلطانى ودقت الكوسات حربى واجتمع الأمراء كلهم بسوق الخيل والعسكر وأولاد الناس واجتمع من العوام والرعر السواد الأعظم لأجل قتال مماليك يلبغا لأنهم كانوا طغوا وتمردوا وجاروا على الناس حتى صاروا يأخذون نساء الناس من الحمامات وينهبون أموال الناس من الدكاكين ويأخذون بضائع الناس بلاش فبغضهم الناس أجمعين، فلما دقت الكوسات حربى وطلع الأمراء إلى الرملة فجاء مماليك يلبغا إلى الأتابكى أسندمر وركبوه وتوجهوا به من وراء القلعة وأتوا به من [جهة] (١) وأقبلوا على السوة لا فيهم العوام والرعر بالمقاليع والحجارة فألقى أسندمر الرعب فى قلوب مماليك يلبغا فهربوا وانكسر الأتابكى أسندمر وقتل من مماليك يلبغا جماعة كبيرة ومسكوا الأتابكى أسندمر وأحضروه إلى بين يدى السلطان فلما حضر بين يديه تكلم الأمراء مع السلطان وعرفوه أن الأتابكى مظلوم مع مماليك يلبغا وأنهم أركبوه بالغصب على رغم
стр. 210
أنفه فسمع فيه الأمراء عند السلطان فأطلقه ورسم له بأن يكون أتابكا على عادته، فنزل بيته ومعه الأمير خليل بن قوصون أمير مجلس. فلما نزل الأمير أسندمر الأتابكى إلى بيته ومعه الأمير خليل تحالفا وخامرا على السلطان وركبا فى صبيحة يوم الاثنين الموافق ثامن شهر صفر وركب معهما مماليك يلبغا أيضا وجماعة من الأمراء، فلما طلعوا إلى الرملة نزل السلطان إلى الحراقة التى فى الاسطبل السلطانى ودقت الكوسات حربى واجتمع السواد الأعظم من العوام والرعر فحصل بينهما قتال شديد، وقتل من المماليك جماعة كبيرة وانكسر الأتابكى أسندمر ثانيا والأمير خليل بن قوصون وهربا وقتل من مماليك يلبغا جماعة كبيرة، وصار العوام كل من رأوه من مماليك يلبغا يمسكوه ويعرفه ويصلبوه كما رسم لهم السلطان بذلك، ثم فى أواخر ذلك اليوم مسك الأتابكى أسندمر والأمير خليل بن قوصون، وكان الأمير خليل بن قوصون ابن عمة الملك الأشرف شعبان ثم صاروا وتمسكوا الأمراء الذين كانوا من عصبة الأتابكى أسندمر ثم أرسلوهم أجمعين إلى السجن بثغر الإسكندرية فكان الأتابكى أسندمر كما قيل فى الأمثال:
من سل سيف البغى قتل به … ومن شرب بكأس الطمع شرف به
وفى واقعة الأتابكى يلبغا الأتابكى أسندمر يقول الأديب إبراهيم بن المعمار فى ذلك:
سلطاننا دامت له عزة … وبحيرة من أجل هائيل
دمر كبشين ومن يبعده … ما انتطحت فى ذاك شانين
وفى ذلك يقول الشهاب ابن العطار (١)
هلال شعبان جهر ولاح فى صفر … بالنصر حتى أرى عيد شعبان
стр. 211
وأهل كبير كأهل الفيل قد احدوا … رجما وما انتطحت فى الكبس عيراز
وقوله فى هذا المعنى أيضا
حواشى يلبغا كانوا زناقة … فلا تعجب إذا رجموا جهارا
ولا تعجب إذا سكروا لحرب … فأهل الكبش ما ترجوا سكارا
ثم إن السلطان عمل الموكب فى يوم الخميس حادى عشر صفر من سنة تسع وستين:
فيها: استقر بالأمير يلبغا اص المنصورى اتابك العساكر عوضا عن أسندمر واستقر بجماعة من الأمراء فى وظائف عوضا عن من سجن من الأمراء.
فلما كان يوم الثلاثاء سابع عشر صفر قبض السلطان على الأتابكى يلبغا آص والأمير ملكتمر المحمدى وقيدهما وأرسلهما إلى السجن بثغر الإسكندرية وذلك الأمر بلغ السلطان عنهما فتغير عليهما بسبب ذلك.
قال الشهاب بن العطار:
يلبغا آص تولى جمعه … فبقا واختار حربا وادعى
ويح من جاء لحكم زايرا … ثم ما سلم حتى ودعى
وفيها: أحضر السلطان الأمير منكلى بغا الشمسى نائب حلب إلى الأبواب الشريفة فاستقر به أتابك العساكر عوضا عن أسندمر واحضر الأمير على الماردينى نائب دمشق وأخلع عليه واستقر به نائب السلطنة بمصر وأخلع على الأمير الجاى اليوسفى زوج أم السلطان الأشرف شعبان واستقر به أمير سلاح عوضا عن الأمير أزدمر العمرى الناصرى وأنعم بتقادم ألوف على جماعة كبيرة من الأمراء.
ثم دخلت سنة سبعون وسبعمائة:
وفيها: توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية ودخل إليها من باب رشيد والأمراء مشاة بين يديه وفرشت تحت رجل فرسه الشقق الحرير من باب البحر إلى دار السلطنة، ومد هناك سماطا وأقام بالإسكندرية ذلك اليوم ثم رجع إلى المخيم خارج باب رشيد ثم رحل عنها وتوجه إلى نحو القاهرة.
وفى هذه السنة وهى سنة سبعون وسبعمائة: ظهر بالشام جراد عظيم لم يسمع بمثله وامتد من مكة إلى الشام وعظم حتى أكل الأشجار والأخشاب وأبواب الدور وما وصل إليه
стр. 212
من الأمتعة وسدت أعين الماء خوفا من أن يفسدها الجراد وعظم أمره بحوران وعجلون حتى غلقت الأسواق وسلمت الطاقات والأبواب. وقيل حضر إلى صلاة الجمعة فملأ صحن الجامع وترامى على الخطيب وهو فوق المنبر حتى شغله عن الخطبة وخافت منه المدينة لكثرة ما قتل منه حتى صار من فى البلد يشمون الخل والقطران ليخفى ذلك الرائحة الكرهة وما يعلم جنود ربك إلا هو.
وفى هذه السنة: زاد ظلم والى القاهرة بكتمر الشريفى وجار على الناس فوقف جماعة من العوام تحت القلعة، وطلبوا من السلطان أن يسلم إليهم بكتمر الشريفى والى القاهرة وعلاء الدين بن كلبك شاد الدواوين فوقفوا تحت القلعة وهم يصيحون إلى بعد العصر، وصاروا يزحمون كل من طلع إلى القلعة أو نزل منها فرسم السلطان للأمراء والمماليك أن يركبوا على العوام فركبوا عليهم وقتلوا منهم جماعة كبيرة بالنشاب وبالسيف ومسكوا منهم جماعة وسجنوهم.
فلما أصبح الصباح أفرج السلطان عن المسجونين ونادى للعوام بالأمان والاطمئنان وعزل عنهم والى القاهرة بكتمر الشريفى وولى الأمير حسين الكورانى.
وفى هذه السنة: سافرت خوند أم السلطان الأشرف شعبان إلى الحجاز الشريف وخرجت من القاهرة فى محمل زايد وسافر صحبتها الأمير بشتاك العمرى الناصرى رأس نوبة النواب والأمير بهادر الحمالى.
وفى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة:
فيها: رجعت خوند أم السلطان من الحجاز فى سادس عشر المحرم فخرج إليها السلطان وتلقاها من النويب وطلعت إلى القلعة وكان يوما مشهودا.
وفى هذه السنة: مات على الماردينى نائب السلطنة وكان دينا خيرا محبا للعدل، لين الجانب.
стр. 213
وفى سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة:
فيها: رسم السلطان للسادة الأشراف أن يجعلوا فى عمامهم شطفات خضر ليمتازوا بها عن غيرهم وتعظيما لقدرهم وفى ذلك يقول ابن جابر الأندلسى. (١)
جعلوا لأبناء الرسول علامة … إن العلامة شأن من لم يشهر
نور النبوة فى كريم وجوههم … يغنى الشريف عن الطراز الأخضر
وقال شمس الدين بن المزين الدمشقى:
أطرف تيجان أتت من سندس … خضر كأعلام على الأشراف
والأشرف السلطان شرفهم بها … شرفا لتعرفهم من الأطراف
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعون وسبعمائة:
فيها: عزل السلطان قاضى القضاة بهاء الدين السبكى الشافعى وولى عوضه القاضى برهان الدين بن جماعة وكان خطيب القدس.
وفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة:
فيها: توفى الأتابكى منكلى بغا الشمسى واستقر الأمير الجاى اليوسفى زوج أم السلطان اتابك العساكر عوضا عن منكلى بغا الشمسى وأنعم السلطان على ولده على بتقدمة الف وفى هذه السنة: ماتت خوند أم السلطان أشرف شعبان زوجة الأمير آلجاى اليوسفى، وكانت امرأة خيرة دينة وهى التى عمرت المدرسة التى بالتبانة وحوضا للسبيل،
стр. 214
ولما ماتت دفنت بها وكان اسمها خوند بركة فلما ماتت حزن عليها السلطان حزنا شديدا وكان يحبها كثيرا ولا يخالفها فى شئ تقوله، وقد رثاها شهاب الدين الأعرج (١)
فى مستهل الشهر من ذى الحجة … كانت صبيحة موت أم الأشرف
فالله يرحمها ويعظم أجره … ويكون فى عاشورا موت اليوسفى
فكان الفال بالمنطق.
وفى سنة خمس وسبعين وسبعمائة:
فيها: فى يوم الثلاثاء سادس المحرم وثب الأمير آلجاى اليوسفى على السلطان ولبس آلة الحرب هو ومماليكه، وسبب ذلك قيل حصل بينه وبين السلطان حظ نقس بسبب ميراث أم السلطان فحنق من ذلك وركب على السلطان. فلما ركب ذلك اليوم أمر السلطان المماليك باللبس والركوب، وكذلك الأمراء فباتوا فى تلك الليلة وهم لابسين آلة الحرب، فلما أصبحوا يوم الأربعاء اتقع الأمراء والمماليك مع آلجاى وقاتلوه أشد القتال فانكسر آلجاى وهرب إلى بركة الحبش، ثم طلع من وراء الجبل وخرج من عند قبة النصر، وأقام هناك ساعة، فأرسل السلطان له خلعة بأن يكون نائب حماه فقال آلجاى: أنا أروح بشرط أن يكون قماشى وبركى ومماليكى معى، فما أجابه السلطان إلى ذلك فبات تلك الليلة هناك هو ومماليكه وهم لابسين آلة الحرب فهرب من مماليكه فى تلك الليلة جماعة كبيرة.
فلما أصبح الصباح توجه إليه الأمراء والعسكر واتقعوا معه هناك فانكسر وهرب فساقوا خلفه إلى قليوب فأرمى نفسه بفرسه فى البحر فغرق هو وطلع الفرس ومسكوا جماعة من مماليكه، فلما بلغ السلطان أن آلجاى غرق حزن عليه، وأرسل إليه جماعة من الغطاسين فغاصوا عليه وطلعوا به إلى البر، وحملوه فى تابوت وأتوا به إلى القاهرة، فغسلوه وكفنوه وصلوا عليه، وكان ذلك فى يوم الجمعة، ثم دفنوه فى مدرسته التى عند سويقة العزى، ثم إن السلطان احتاط على موجوده ومماليكه. وكان أميرا مليا غنيا ذا شهامة وحرمة. ولما مات
стр. 215
آلجاى رسم السلطان بإحضار الأمير أيدمر نائب طرابلس فلما حضر أخلع عليه فاستقر به أتابك العساكر بمصر عوضا عن آلجاى واستقر الأمير أرغون شاه الأشرفى رأس نوبة كبير فلم يقم الأمير أيدمر فى الأتابكية إلا مدة يسيرة ومات بالرحيل. فلما مات أيدمر رسم بإحضار الأمير منجك اليوسفى نائب الشام. فلما حضر أخلع عليه واستقر به نائب السلطنة بمصر وأتابك العساكر المنصورة وفوض إليه السلطان أمر المملكة بالديار المصرية والبلاد الشامية.
ثم دخلت سنة ست وسبعون وسبعمائة:
فيها: اشتد الغلاء بالديار المصرية وتناها سعر القمح إلى مائة وأربعين درهما، لكل أردب، والتسعين ثمانين درهما بكل أردب وتناها سعر الخبز كل رطلين بدرهم. وصار أكثر الناس يأكلون خبز الفول والنخال ويباع ذلك كل رغيف بثمانية فلوس جدد. فرسم السلطان للأمير منجك نائب السلطنة بأن يفرق الحرافيش على الأمراء المقدمين والتجار الكبار وأعيان الناس كل واحد على قدر مقامه.
وفى هذه السنة: فتحت مدينة سيس وانقرضت دولة الأرمن منها من يومئذ، ففرح السلطان بذلك وأمر بدق الكوسات ثلاثة أيام لأن مدينة سيس لم يملكها أحد من الملوك قبله.
وفى آخر هذه السنة: توفى الأتابكى منجك اليوسفى نائب السلطنة وكان من خيار الأمراء، ولما مات دفن فى تربته التى عند السوة وكانت جنازته مشهودة.
ثم دخلت سنة سبع وسبعون وسبعمائة:
فيها: ختن السلطان الملك الأشرف شعبان أولاده وأقام منهم سبعة أيام.
وفيها: ابتداء السلطان بعمارة مدرسته التى فى السوة تحت الطبلخانات.
وفى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة:
فيها: أبطل السلطان ضمان المغانى من سائر مملكته، وأبطل ضمان القراريط وكان ذلك أن الشخص إذا أباع له ملكا يؤخذ منه عن كل ألف درهم عشرون درهما وكان على المغانى من رجال ونساء فى كل شهر قدر معلوم يحمل إلى الخزائن الشريفة، فأبطل السلطان ذلك جميعه وهو فى صحيفته إلى الآن.