١٠ - ذكر سلطنة الملك العادل زين الدين كتبغا بن عبد الله المنصورى (١)
وهو العاشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن بعد خلع الناصر محمد بن قلاوون فى المحرم سنة أربع وتسعين وستمائة، وأصله من سبايا التتار أخذه الملك المنصور قلاوون فى وقعة حمص الأولى وغير ذلك وكان ذلك فى سنة تسع وخمسين وستمائة، فصار من جملة مماليك السلطان وقد ملكه قلاوون قبل أن يلى السلطنة، فلما تسلطن جعله أمير عشرة ثم بقى مقدم ألف، فلما قتل الأشرف خليل وتولى أخوه محمد استقر به نائب السلطنة عوضا عن الأمير بيدرا لما قتل ثم بقى سلطانا، فلما تم أمره فى السلطنة استقر بالأمير لاجين نائب السلطنة، وكان الأمير لاجين هاربا من حين قتل الأشرف خليل، فاختفى مدة طويلة فى مأذنة جامع أحمد بن طولون ثم إن الأمير كتبغا شفع فيه عند الملك الناصر محمد. فلما ظهر أنعم عليه بتقدمة ألف فلما تسلطن كتبغا أمر جماعة كثيرة من خشداشينه واستقام أمره فى السلطنة.
ومن الحوادث فى أيامه: أن الغلاء وقع بمصر واجدبت البلاد وتشحط سعر كل شئ فوصل سعر القمح كل أردب بمائة وخمسين درهما ووصل سعر الشعير والفول كل أردب بمائة درهم، واستمر الأمر على الناس حتى أكلوا بعضهم بعضا، وأكل من الكلاب والقطط والحمير شئ كثير حتى بيع الكلب بخمسة دراهم والقط بدرهمين ودام الأمر على ذلك حتى دخلت سنة خمس وتسعون وستمائة.
فيها: اشتد الأمر على الناس حتى بلغ سعر القمح كل أردب بمائة وسبعين درهما وبلغ سعر الفول والشعير كل أردب بمائة وعشرين درهما، وبيع السفرجل والتفاح كل واحدة بثلاثين درهما وبيع اللحم كل رطل بسبعة دراهم وبيع البيض كل بيضة بأربعة دراهم ومات فى هذه السنة ما لا يحصى عددهم من الجوع وصاروا موتا فى الطرقات على بضعهم بعضا من شدة الجوع. قيل جاء جراد كثير فى تلك السنة فأكل الناس منه وأبيع كل أربعة أرطال جراد بدرهمين وبيع الكماه كل سبعة أرطال بدرهم. وكان هذا الغلاء عاما فى سائر البلاد حتى فى
стр. 142
دمشق وحمص وحلب وغالب البلاد الشامية حتى بلاد الحجاز، ومات من الناس نحو الثلث، ثم انحطت الأسعار من بعد ذلك وتراجع الأمر قليلا قليلا حتى انصلح الحال كما كان.
وفى هذه السنة: توفى السراج الوراق (١) الشاعر وكان مولده فى سنة خمسة عشرة وستمائة، ووفاته فى سنة خمس وتسعين وستمائة، فكانت مدة حياته نحو ثمانين سنة ومن شعره لنفسه وهو قوله:
واخجلتى وصحائفى سودا غدت … وصحائف الأبرار فى إشراق
وموبخ لى فى القيامة قائل … أكذا تكون صحائف الوراق
وأقامت هذه الغلوة على أهل مصر نحو سنتين وقاسوا شدائد عظيمة حتى بعث الله تعالى بالفرج، وتراجع الأمر كما كان فى الأول وقد قيل فى المعنى.
قل لمن يحمل هما … إن هذا لا يدوم
مثلما تنفى المسرا … ت هكذا تنفى الهموم
ثم دخلت سنة ست وتسعون وستمائة:
فيها: سافر السلطان كتبغا إلى نحو دمشق بسبب تمهيد البلاد الشامية فدخل إلى الشام وصلى بها الجمعة ولعب بالاكرة فى الميدان الكبير، وأقام بها أياما. ثم قصد التوجه إلى الديار المصرية فلما وصل إلى وادى الفحمة قبض الأمير لاجين نائب السلطنة على الأمير بتخاص العادلى والأمير بكتوت الأزرقى وكانا جناحى الملك العادل كتبغا، فلما سمع كتبغا بذلك رجع إلى دمشق فى نفر قليل من العسكر فلما رجع كتبغا إلى دمشق احتوى الأمير لاجين على الخزائن والأموال وركب تخت العصائب السلطانية وقصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، هذا ما كان من أمر الأمير لاجين.
стр. 143
وأما ما كان من أمر الملك كتبغا العادل فأنه رجع إلى دمشق، وأقام بها ثلاثة عشر يوما وهو مقيم بقلعة دمشق. فلما بلغ أهل دمشق لاجين قد تسلطن بمصر انحل أمر كتبغا وأذعن بالطاعة، وقال خشداشينى وأنا فى طاعته فلما كان يوم الخميس ثامن ربيع الأول من السنة. وصل الأمير لاجين استادار العالية ومعه مراسيم سلطانية إلى أهل دمشق فاجتمعوا بدار السعادة وحضر القضاة وقروا عليهم مرسوم السلطان الملك لاجين، ثم دخل قاضى القضاة بدر الدين بن جماعة قاضى قضاة الشام ومعه الأمير لاجين الاستادار إلى عند السلطان كتبغا وتكلموا معه بأن يخلع نفسه من السلطنة، ويكون تحت طاعة الملك المنصور لاجين ثم بعد عدة أيام وصل الأمير قفجق المنصورى وقد استقر نائب دمشق.
فلما وصل نزل بدار السعادة، فأرسل كتبغا يطلب من نائب الشام قفجق المذكور بأن يعطيه نيابة صرخد، ورتب له ما يكفيه فاجيب إلى ذلك، ثم إن كتبغا توجه إلى نحو صرخد وصحبته مماليكه وهو فى غاية العز والعظمة. فكانت مدة سلطنة العادل كتبغا بمصر إلى أن خلع نحو سنتين إلا شهرين. وأقام بصرخد إلى سنة تسع وتسعين وستمائة.
فلما عاد إلى السلطنة محمد بن قلاوون وهى السلطنة الثانية أنعم على كتبغا نيابة حماة لأنه كان من مماليك أبيه قلاوون. وكان الناصر محمد يميل إلى كتبغا دون مماليك أبيه، فأقام كتبغا فى حماة إلى أن مات فى يوم عيد النحر سنة اثنتين وسبعمائة، ودفن فى حماة ثم نقل منها بعد مدة إلى دمشق ودفن بتربة بسفح جبل قاسيون، ومات له من العمر نحو ستين سنة.
وكان كتبغا رجلا أسمر اللون، قصير القامة، أجرود اللحية، وكان موصوفا بالشجاعة، وكان دينا خيرا سليم الباطن. ومن سلامة باطنه وتغفله الذى جعل لاجين نائب السلطنة بمصر حتى جرى منه فى حقه ما جرى وخلعه من السلطنة وتولى عوضه، فكانت كما قيل فى المعنى.
والخل كالماء تبدى لى ضمائره … مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
стр. 144
١١ - ذكر سلطنة الملك المنصور حسام الدين لاجين بن عبد الله المنصورى (١)
وهو الحادى عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وأصله من مماليك قلاوون وتسلطن بعد خلع العادل كتبغا فى وادى الفحمة وتلقب بالملك المنصور وذلك فى شهر المحرم سنة خمس وتسعين وستمائة.
فلما تسلطن هناك توجه إلى نحو الديار المصرية فدخلها، وقد زينت له وطلع إلى القلعة فلما استقام أمره فى السلطنة استقر بالأمير قراسنقر المنصورى فى نيابة السلطنة، فأقام بها مدة يسيرة ثم قبض عليه واستقر بمملوكه منكوتمر فى النيابة بالديار المصرية، ثم استقر بالأمير سنقر الأعسر وزيرا، ثم أرسل بالإفراج عن أولاد الظاهر بيبرس البندقدارى من القسطنطينية فحضروا إلى الديار المصرية، وكان سلامش مات هناك فأحضره وهو ميت إلى مصر فدفن بالقرافة الصغرى. وأما أخوه سيدى خضر فأنه دخل إلى مصر وأقام بها مدة ثم طلب من السلطان دستورا بأن يسافر إلى الحجاز الشريف فأعطاه دستورا فسافر إلى الحجاز ثم رجع إلى مصر فأقام بها إلى أن مات.
وفى هذه السنة: أمر السلطان لاجين بعمارة جامع أحمد بن طولون، وكان هذا الجامع قد أقام مائة وسبعين سنة خرابا وهو بغير سقوف. وسبب عمارته أن السلطان لاجين لما قتل الأشرف خليل كان من جملة من تواطأ على قتله.
فلما قتل الأمير بيدرا وتولى محمد بن قلاوون فاختفى لاجين فى مئذنة جامع ابن طولون مدة طويلة ونذر على نفسه أن نجا من هذه الشدة يعمر الجامع، فلما أعطاه الله السلطنة أمر بعمارته وذلك فى شهر المحرم سنة سبع وتسعين وستمائة ورتب له أوقافا وقرر به وقفا على دكة تكون بسطح الجامع فى مكان مخصوص لتحرير الوقت برسم المؤذنين وهو إلى الآن باق.
وفى هذه السنة هى سنة خمس وتسعون وستمائة:
فيها: راك السلطان حسام الدين لاجين البلاد المصرية وهو الروك الحسامى وكان ابتداؤه فى سادس جمادى الأول سنة ست وتسعين وستمائة فشرعوا فى
стр. 145
كتب الأوراق، وكان المتكلم فى ذلك يومئذ شخص يسمى التاج الطويل، فلما كان ثامن شهر رجب فرقت تلك الأوراق على الناس وهى المثالات له. وكانت أراضى الديار المصرية منسوبة على أربعة وعشرين قيراطا، منها أربعة قراريط برسم السلطان للكلف والرواتب وعشرة قراريط للأمراء والاطلاقات والزيادات وعشرة قراريط للأجناد الحلقة. فرسم السلطان للكتاب بأن يلقى الأمراء والأجناد الحلقة بعشرة قراريط وزادوا الذين شكوا قيراطا، وبقى للسلطان ثلاثة عشر قيراطا وبقى الجيش ضعيفا ليس له ما يقوى به الفلاحين.
وكان المتصرف فى هذه الحركة الأمير منكوتمر النائب فسار فى الناس أقبح سيرة وصار بقائح الأمراء وبحاشتهم فى اللفظ وكان الأمير منكوتمر سياب الملك المنصور لاجين. ولما عزل الأمير قراسنقر المنصور عن نيابة مصر وتولى الأمير منكوتمر فى النيابة فشق ذلك على جماعة كثيرة من الأمراء من خشداشين الملك المنصور لاجين.
وفى هذه السنة: حج الخليفة الإمام الحاكم بأمر الله أحمد فأنعم عليه السلطان لاجين بسبعمائة درهم، ثم إن منكوتمر النائب حسن لإسناده الملك المنصور لاجين بأن يمسك جماعة من الأمراء وهم: الأمير أينبك الحموى والأمير قراسنقر وجماعة غيرهما من الأمراء. فلما بلغ الأمير قفجق نائب الشام ذلك هرب من دمشق هو والأمير بكتمر الأبو بكرى والأمير بزلار فلما هربوا توجهوا إلى عند القان غازان ملك التتار. وكان هذا سبب الفتنة العظيمة التى نشبت النواحى عند سماعها كما سيأتى ذكرها فى موضعه فعند ذلك نفرت من السلطان لاجين قلوب الرعية لسوء تدبير مملوكه منكوتمر وقد اختاروا عود الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك وكان مقيما بها.
فلما كان يوم الخميس عاشر ربيع الأخر من سنة ثمان وتسعين وستمائة:
توجه السلطان إلى نحو القصر الكبير وكان صائما فنزل إليه من العصر ليفطر هناك وكان قد اتفق على قتله جماعة من المماليك الأشرفية وكان السلطان لاجين ممن تواطأ على قتلة الأشرف خليل. فلما علموا أن السلطان فى القصر فدخلوا عليه بعد العشاء وهو جالس يلعب الشطرنج، فأول من دخل عليه كرجى مقدم البرجية،
стр. 146
وكان قد أتفق مع نوغان الكرمانى وكانت نوبته فى السلحدارية تلك الليلة. فقال السلطان لكرجى أغلقت أبوب الأطباق على المماليك البرجية. فقال: نعم فشكره السلطان على ذلك وكان أكثرهم واقفا فى دهليز القصر. وكان السلطان جالسا وعنده القاضى حسام الدين الرازى الحنفى وامامه محب الدين بن العسال والأمير عبد الله بن يزيد البدوى. فلما دخل كرجى على السلطان وجده منكبا على الشطرنج فتقدم كرجى ليصلح الشمعة فأرمى الفوطة على النمجاة. وقال للسلطان:
يا ضخم ما تصلى العشاء؟ فقال السلطان: نعم وقام ليصلى العشاء فضربه كرجى بالسيف على كتفه، فطلب السلطان النمجاة فلم يصبها فقام من هول الضربة ومسك كرجى ورماه تحته، فقام نوغان الكرمانى وأخذ النمجاة وضرب السلطان على رجليه فقطعهما. فصاح القاضى حسام الدين وانقلب السلطان على ظهرة ميتا فتركوه وأغلقوا عليه باب القصر. وتوجه كرجى إلى دار النيابة ودق الباب على الأمير منكوتمر النائب، وقال له السلطان يطلبك فأنكر حاله وقال له قتلت السلطان؟ فقال كرجى: نعم قتلنا وجئنا نقتلك. وكان منكوتمر بينه وبين كرجى خط نفس. ثم إن كرجى قبض على منكوتمر النائب وتوجه به إلى الجب الذى بالقلعة عند الأمير اينبك الحموى وقراسنقر الأعسر المقدم ذكرهما. وكان منكوتمر سببا لمسكهما فلما رأوه لعنوه وسموه وأرادوا قتله فلما طلع النهار جاء كرجى الجب وذبح منكوتمر النائب مدة فى الجب ثم دفن السلطان ومنكوتمر فى يوم واحد، فكانت مدة سلطنة الملك المنصور لاجين إلى أن قتل نحو سنتين وشهرين وأيام. وكانت قتلته فى ليلة الجمعة عاشر ربيع الأخر سنة ثمان وتسعين وستمائة.
وكان شجاعا بطلا موصوفا بالفروسية وكان رجلا طويلا أشقر اللحية أزرق العينين، مهاب الشكل، وكان دينا خيرا، أبطل فى أيامه من المكوس أشياء كثيرة، ومات و- له من العمر نحو ستين سنة ثم بعد ذلك بيومين حضر الأمير بكتاش أمير سلاح كان مسافرا مع طائفة العسكر نحو البلاد الشامية، فلما حضر نزل إليه كرجى من القلعة. فقال له الأمير بكتاش يريد أن يعمل فى كل جمعة سلطانا وأشار إلى من حو - له، فمسكوا كرجى وقتلوه. فلما بلغ طغى ونوغان الكرمانى ذلك فهربا من باب القرافة فلحقوهما عند بركة الحبش فقتلوهما هناك
стр. 147
وأحضروا رأسهما إلى عند الأمير بكتاش أمير سلاح فعند ذلك اجتمع الأمراء بباب القلعة وضربوا مشورة فيمن يولونه سلطانا فأتفق رأيهم على عود الملك الناصر محمد بن قلاوون من الكرك، فأرسلوا إليه بالحضور إلى الديار المصرية وبقى تخت المملكة خاليا بلا سلطان واحدا وأربعين يوما حتى حضر الملك الناصر من الكرك.
ذكر من توفى من أكابر العلماء وأعيان الناس من سنة إحدى وستين وستمائة فى دولة الملك الظاهر بيبرس البندقدارى إلى سنة ثمان وتسعين وستمائة فى دولة الملك المنصور لاجين
وقد حملنا وفاتهم جملة واحدة خوف الإطالة وهم: الشيخ عز الدين بن عبد السلام (١) ﵁ وكان من كبار الشافعية و- له كرامات خارقة. والإمام أبو شامة (٢) من
стр. 148
كبار العلماء، وقاضى القضاة تاج الدين بن بنت الأعز (١)، والشيخ أبو الحسن بن عدلان (٢)، والشيخ مجد الدين بن دقيق العيد (٣)، والقرطبى (٤) صاحب التذكرة،
стр. 149
والشيخ ناصر الدين الطوسى (١) والشيخ برهان الدين بن جماعة (٢) والشيخ محيى الدين النووى صاحب المنهاج ﵁، وابن خلكان المؤرخ والشيخ ناصر الدين بن المنير (٣)، والشيخ جمال الدين الشريشى (٤) شارح مقامات الحريرى
стр. 150
واللورقى (١) والشيخ علاء الدين بن النفيس (٢) شيخ الأطباء وابن النحاس النحوى (٣) والشيخ ياقوت (٤) المستعصمى صاحب الخط الجيد وغيرهم وكذلك من العلماء وأعيان الناس لم نذكرهم هنا.
ذكر عود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة بالديار المصرية
وهى السلطنة الثانية دخل إلى القاهرة فى ثامن جمادى الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة فزينت له القاهرة ودقت له البشائر فطلع إلى القلعة ولبس خلعة السلطنة وهى جبة سوداء بطوق ذهب وعمامة سوداء وسيف بداوى
стр. 151
مقلد به فجلس على سرير ملكه ونودى باسمه فى القاهرة وصاح له الناس بالدعاء وفى ذلك يقول الشيخ علاء الدين الوداعى لما عاد الملك الناصر.
الملك الناصر قد أقبلت … دولته مشرقة الشمس
عاد إلى كرسية مثلما … عاد سليمان إلى الكرسى
ولما استقر الملك الناصر فى السلطنة اخلع على الأمير أقوش الأقرم واستقر به نائب دمشق، وأخلع على الأمير قراسنقر الأعسر واستقر به وزيرا وأخلع على الأمير حسام الدين واستقر به استادارا واخلع على جماعة من الأمراء غيرهم. ثم جاءت الأخبار فى أوائل دولته بحركة التتار وهو غازان بن أرغون بن أبغابن هولاكو ملك التتار، فجاءت الأخبار بأنه وصل إلى الفرات فى عسكر، نحو مائة ألف مقاتل وهذه الفتنة التى أثارها فقجق نائب دمشق لما عصى فى أيام السلطان لاجين وتوجه إلى عند القان غازان وهيجه على الحضور إلى دمشق.
فلما بلغ السلطان الملك الناصر مجئ غازان فجهز إلى الخروج إليه وعرض العساكر وعين الأتابكى بيبرس الجاشنكير، يتوجه قدام العسكر فى الجاليش ثم خرج السلطان فى عسكر عظيم وذلك فى سنة تسع وتسعين وستمائة، وجد فى السير فوصل إلى دمشق فى ثامن ربيع الأول، وكان خروج السلطان من مصر فى نصف شهر صفر فدخل إلى دمشق ومعه الخليفة والقضاة الأربعة والأمراء والعسكر وتقاتلوا معهم.
فلما كان يوم السبت سابع عشر ربيع الأول: وردت الأخبار إلى دمشق بأن العسكر المصرى انكسر وهرب السلطان فى نفر قليل من العسكر وتوجه إلى نحو بعلبك فاضطربت دمشق لذلك وحار الناس فى أمرهم ثم حطم غازان بمن معه من العساكر على دمشق فخرج إليه القضاة والمشايخ وأعيان الناس من دمشق، فلما حضروا بين يدى غازان، فقال لهم: قد أرسلت إليكم أمانا قبل حضوركم فرجعوا إلى دمشق وقروا الأمان الذى أرسله غازان على منبر جامع بنى أمية ثم حضر الأمير قفجق المقدم ذكره ونزل بالميدان الكبير وأرسل إلى نائب قلعة دمشق بأن يسلم إليه القلعة فأبى نائب قلعة دمشق من ذلك. وقال: السلطان موجود فكيف أسلم القلعة؟ فلما بلغ غازان ذلك أمر عسكره بأن ينهبوا ضواحى دمشق
стр. 152
فنهبوها وأخذوا ما فيها من الأموال والقماش وسبوا أهلها وقتلوا من بها، ثم دخلوا إلى دمشق وخلصوا قلعتها ونصبوا عليها المجانيق وأخربوا غالب البلد، ثم إن غازان رحل عن دمشق بعد أن خطب له على منابر دمشق وولى نيابتها إلى قفجق كما كان أولا وجعل عنده أميرا من أمرائه يقال له قطلوشاه بك ومعه جماعة من عسكره، هذا ما كان من أمر غازان ملك التتار. وأما ما كان من أمر السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون فأن السلطان لما انكسر العسكر توجه السلطان إلى نحو بعلبك وقد نهب بركه وبرك عسكره، ولم يبق لهم شئ من القماش ولا المال، فعند ذلك توجه السلطان من السواحل وقصد نحو الديار المصرية، فوصل إليها على حين غفلة من أهلها.
فلما استقر بمصر أنفق على العسكر وأعطاهم خيولا وسلاحا. وأما العسكر الشامى فرسم لكل واحد منهم بعشرة دنانير وعشرة أرادب شعير وقصد العود إلى البلاد الشامية.
فلما أراد الخروج إلى دمشق جاءت الأخبار برجوع غازان إلى بلاده. ثم إن السلطان عين الأمير سلار، نائب السلطنة والأمير بيبرس الجاشنكير أتابك العساكر ومعهم جماعة كثيرة من المماليك السلطانية وتوجهوا إلى دمشق، فلما وصلوا إليها خرج إليهم قفجق نائب دمشق وتلقاهم أحسن ملتقى ودخل تحت طاعة السلطان.
وقال: هذا ابن استاذى وما أنا عصى عليه، وأشار على الأمراء بالعود إلى مصر فعادوا، وكان قفجق هذا سببا للفتنة كما تقدم وهو الذى دعا غازان إلى المجئ إلى دمشق.
نكتة لطيفة
قيل إن الملك المنصور قلاوون أستاذ قفجق خرج يوما إلى الفضاء ومعه أخصاؤه من الأمراء فذبح هناك خروفا بيده وانشرح ذلك اليوم، فلما حضر ذلك الخروف الذى ذبحه بيده على نحو أن أكل منه السلطان الكتف ثم جرده من لحمه إلى أن أنفاه وتركه قليلا إلى أن جف ثم لوحه على النار قليلا ثم أخرجه ونظر إليه وأطال فيه التأمل ثم نقل عليه وألقاه من يده فسأله بعض الأمراء عن ذلك بعد أن سكن غضبه فقال هذا الصبى قفجق لا تخرجوه إلى البلاد الشامية بعدى فأنه يحصل منه
стр. 153
فساد كبير إذا خرج فكان الأمر كما قال: "والملوك لهم فراسة فى الأمور" كما قيل فى المعنى لبعضهم:
يرى العواقب فى أثناء فكرته … كأن أفكاره بالغيب كهان
لا طرفة منه إلا تحتها عمل … كالدهر لا دولة إلا لها شأن
ولم يزل قفجق مؤخرا فى دولة الملك المنصور قلاوون مدة حياته إلى أن مات قلاوون وتسلطن ولده خليل ثم تسلطن المنصور لاجين فولى قفجق نيابة دمشق، فقصد الملك المنصور لاجين مسك قفجق فهرب إلى بلاد الشرق وعمل هذه الفتنة العظيمة لمجئ غازان فكان الأمر كما قاله الملك المنصور قلاوون وكان له معرفة تامة فى علم الكف.
قال القاضى محيى الدين بن فضل الله: حكى لى الأمير قفجق المنصورى بعد ما جرى الذى جرى من غازان، قال: لما تلاقينا نحن وأنتم يعنى عسكر غازان وعسكر مصر، فهم غازان بالهروب، فطلبنى ليضرب عنقى لأن خروجه كان برأيى. لما حضرت بين يديه قال لى: ايش هذا الحال؟ فقلت له: أنا أعبر بعسكرنا فإن لهم حملة واحدة، فالقان يصير ساعة فما تبغى قدامه أحد منهم، فصبر ساعة فكان الخبر كما قلته. فلما انكسر ثم أراد أن يسوق عليكم بعد الكسرة، فعلمت أنه متى ساق عليكم، لم يبق منكم أحدا. فقلت له القان نصبر ساعة، فإن عسكر مصر لهم حيل كثيرة وربما يكون لهم كمين فيخرجوا من ورائنا فينكسر فيردوا علينا فوقف ساعة حتى أبعد عنا فلولا أنا ما قتل منكم أحد، ولولا أنا ما بقى منكم أحد.
ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة النبوية:
فيها: جاءت الأخبار بأن عسكر غازان وصلوا إلى الفرات فخرج إليهم السلطان الملك الناصر ثانيا وصحبته العساكر، فلما وصل إلى مدينة غزة وقع الغلاء فى العسكر وانشحطوا فى التين والشعير وتقلق العسكر فعند ذلك رجع السلطان إلى القاهرة وعين الأمير بكتمر السلحدار بالتوجه إلى حلب لتسكن قلوب الرعية إلى أن يحضر السلطان.
ثم جاءت الأخبار بأن قطلوشاه أمير غازان أرسل كتابا إلى حلب مضمونه أن بلادهم قد انحلت وعندهم غلاء وقد جاءوا إلى حلب ليشتروا غلالا وكان هذا أعين
стр. 154
المكر والخداع. وقد وصل منهم طائفة إلى مرعش. فلما بلغ السلطان ذلك أخذ فى أسباب التوجه إلى حلب.
وفى هذه السنة: أمر السلطان بأن اليهود يلبسوا عمائم صفر والنصارى يلبسوا عمائم زرق، والسامرة يلبسوا عمائم حمر كما كان فى زمن الحاكم بأمر الله العبيدى، ونسى ذلك فأمرهم السلطان بأن يلبسوا ذلك كما كانوا قديما ليمتازوا عن المسلمين فى حلاهم ويعرف المجرمون بسيماهم وكانوا كلهم يلبسون المبازر العسلية فى الدول القديمة.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعمائة:
فيها: علق السلطان الجاليش وأمر بخروج العسكر إلى حلب وعين من الأمراء جماعة فخرجوا قبل توجه السلطان وهم: الأتابكى بيبرس الجاشنكير والأمير لاجين الرومى والأمير طغربل والأمير كراى والأمير بيبرس الدوادار والأمير سنقر شاه وهم ستة مقدمين ألوف، فخرجوا من القاعدة فى ثامن رجب من السنة المذكورة.
ثم جاءت الأخبار بأن قطلوشاه أمير غازان وصل إلى حلب وهو فى اثنى عشر ألف فارس، فلما تحقق السلطان صحة الأخبار لم يستقر له قرار وخرج من القاهرة بالعساكر جميعها بحيث لم يتأخر صغير ولا كبير، وجمع طائفة كثيرة من العربان والعشير وغيرهم، وخرج السلطان الملك الناصر محمد ومعه الخليفة المستكفى بالله أبو الربيع سليمان والقضاة الأربعة وجميع العسكر وخرج فى ثالث شهر شعبان من السنة المذكورة وهى السفرة الثالثة.
فلما خرج من القاهرة فجد فى السير حتى وصل إلى دمشق فى مستهل شهر رمضان، فتلاقى السلطان مع عسكر غازان على المرج الأصفر ووقع بينهما وقعة عظيمة ما سمع بمثلها، فنصر الله تعالى السلطان وعسكره على عسكر غازان فولوا مدبرين وهلك منهم خلق كثيرة بالسيف وشئ غرق فى الفرات، وشئ مات بالعطش والجوع وما نجا منهم إلا من طال عمره، وقد كسبوا من عسكر التتار الخيول والسلاح والقماش لم يسمع بمثله أبدا. وفى ذلك يقول بعض الشعراء:
مشوا متسابقى الأعضاء فيهم … لأرجلهم بأرؤسهم عثار
стр. 155
إذا فاتوا السيوف تناولتهم … بأسياف من العطش القفار
ثم رحل السلطان عن مكان الوقعة ودخل إلى دمشق ومعه الخليفة والقضاة الأربعة فنزل بالقصر الذى فى ميدان دمشق وزينت له دمشق وأخلع على سائر الأمراء والنواب وقد قتل فى هذه الواقعة جماعة كثيرة من الأمراء والمماليك السلطانية والعساكر الشامية، ثم إن السلطان قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، فخرج من دمشق فى يوم الثلاثاء ثالث شهر شوال فوصل إلى القاهرة فى ثالث عشرين شوال فزينت له مصر والقاهرة، وكان يوم دخو - له إلى القاهرة يوما مشهودا ومعه جماعة كثيرة من أسرى التتار وهم مشاة مكشفين الروؤس، حفاه وصناجقهم منكسة بأيديهم، ودخل السلطان من باب النصر فلما وصل إلى بين القصرين ترجل عن فرسه ودخل إلى قبة والده قلاوون وزار ضريحه ثم ركب الأمراء فى ركابه يمشون إلى القلعة وفرشت له الشقق الحرير ومشى عليها بفرسه إلى أن طلع إلى القلعة.
ومن الحوادث فى هذه السنة:
أن الأرض قد زلزلت زلزلة شديدة بالقاهرة وأعمالها وبثغر الإسكندرية حتى هدمت سور الإسكندرية والأبراج وتساقطت منها المواذن وكان أكثر عملها بثغر الإسكندرية ومثل ذلك بدمشق والكرك والشوبك وصفد، وأقامت هذه الزلزلة فعاود اليأس عشرين يوما وهلك فيها جماعة كثيرة تحت الردم من الدور التى تساقطت وكانت هذه الزلزلة فى الصيف فجاء بعدها سموم ملقح حتى عمر على الناس من ذلك.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعمائة:
فيها: جاءت الأخبار بأن غازان ملك التتار قد مات، وقيل إنه مات مسموما سمته زوجته بلغان شاه فى منديل فمات. وقيل إنه كان قد جهز عسكرا وقصد أن يمشى على حلب وعلى دمشق كما فعل أولا، فكفى الله المؤمنين شر القتال وفى ذلك يقول علاء الدين الوداعى:
قد مات غازان بلا علة … ولم يمت فى السنة الماضية
بل شنعوا عن موته فانثنى … حيا ولكن هذه القاضية
فلما مات غازان خمدت الفتن وحسنت الأوقات واستمر الملك الناصر فى السلطنة إلى أن دخلت سنة ثمان وسبعمائة.
стр. 156
فيها: أظهر السلطان العزم إلى سفر الحجاز وخرج من مصر فى الخامس والعشرين من شهر رمضان وخرج ومعه جماعة من الأمراء المقدمين والعشراوات وغيرهم، وسار إلى أن وصل إلى الصالحية فعيد بها عيد الفطر، ورحل عنها إلى الكرك فدخل إليها فى عاشر شوال. وكان الملك الناصر محمد قرر مع الأمراء أنه يخرج قبل خروج الحاج إلى الشوبك ويتصيد هناك وكان عياله يخرجون مع الركب المصرى وهو يلاقيهم من العقبة.
فلما خرج الحاج ووصلوا إلى العقبة أرسل السلطان أخذ عياله من العقبة وأظهر ما كان عنده كامن فى خاطره وكتب إلى الأمراء الذين بالقاهرة مراسيم مضمونها أن السلطان رغب عن الملك وأختار الإقامة بالكرك وصرح بخلع نفسه من الملك، وأذن للأمراء فى إقامة من يصلح للملك واعاد الخزائن والأطلاب التى كانت معه وصحبة الأمراء الذين كانوا معه والمماليك السلطانية. وكان سبب غضب السلطان وتوجهه إلى الكرك أنه صار مع سلار النائب والاتابكى بيبرس الجاشنكير فى ضيق وحجر لا يتصرف فى شئ من أمور المملكة إلا برأيهما، قيل إنه طلب يوما خروفا بدرى رميس فمنع منه، وقيل له حتى يجئ كريم الدين كاتب بيبرس، فغضب من ذلك وتوجه إلى الكرك وأرسل أخذ عياله من العقبة وخلع نفسه من الملك وأختار الإقامة بالكرك.
فلما جاءت هذه الأخبار إلى القاهرة وأشيع ذلك بين الناس فركب الأمراء جميعا وطلعوا إلى سوق الخيل وقروا عليهم مراسيم السلطان بما ذكر فيها من خلع نفسه وأنه رغب عن المملكة وأختار الإقامة بالكرك فعند ذلك اشتور الأمراء وقالوا إن راجعناه فى عوده يخشى من فساد العربان فى البلاد ثم اشتوروا فيمن يولونه سلطانا وكان الأمر بين سلار النائب والأتابكى بيبرس الجاشنكير ثم وقع الاختيار على سلطنة الأتابكى بيبرس الجاشنكير، وعلى أن يكون سلار نائبا على عادته فحلف الأمراء على ذلك ثم أحضروا خلعة السلطنة والفرس والقبة والطير فركب الأتابكى بيبرس الجاشنكير من دار النيابة إلى الأيوان الأشرفى. فكانت مدة سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون وهى السلطنة الثانية عشر سنين وأشهر.
стр. 157
١٢ - ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصورى (١)
تسلطن بعد خلع الملك الناصر محمد بن قلاوون فى يوم السبت بعد العصر ثالث عشرين شهر شوال سنة ثمان وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك كتب إلى الناصر محمد تقليدا بنيابة الكرك وأن يركب إلى صلاة الجمعة ولما كان يوم الاثنين سابع ذى القعدة من السنة المذكورة ركب السلطان المظفر بشعار السلطنة وأرباب الدولة وأعيان الناس مشاة بين يديه والوزير ضياء الدين النشائى حامل التقليد على رأسه وأخلع على الأمراء وأرباب الوظائف فى ذلك اليوم ألفين ومائتين خلعة وبيبرس هذا هو الثاني عشر من ملوك الترك واولادهم بالديار المصرية.
ثم دخلت سنة تسع وسبعمائة:
فيها: توقف النيل عن الزيادة فى أواخر مسرى ونقص فى أواخر النسئ فضج الناس لذلك وتشحطت الغلال وارتفع سعر القمح فلما كان أول يوم من توت وهو يوم النوروز انحطت الأسعار ولم يوف النيل. فلما كان سابع توت كسر السد من غير وفاء لم يخلق المقياس لذلك لأن التخليق ما يكون إلا مألوفا. فلما كان سابع عشرين توت نقص النيل جملة واحدة فكان منتهى الزيادة فى تلك السنة خمسة عشر ذراعا وسبعة عشر إصبعا وذلك فى سنة تسع وسبعمائة ولكن لم يتشحط لذلك الأسعار إلا قليلا وفى ذلك يقول النصير الحمامى:
إن عجل النوروز قبل الوفا … عجل للعالم صفع القفا
فقد كفى من دمعهم ما جرى … وما جرى من نيلهم ما كفى
وكانت وفاة النصير الحمامى فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة، وكان شاعرا جيدا فمن شعره لنفسه هذه الأبيات مناسبة لصنعته.
وكدرت حمامى بغيبتك التى … تكدر فيها العيش من كل مشرب
فما كان صدر الحوض منشرحا بها … وما كان قلب الماء فيها بطيب
وله أيضا:
لى منزل معروفة … ينهل غيثا كالسحب
أقبل ذا العذر به … وأكرم الجار الجنب
стр. 158
ثم إن العوام صنعوا كلاما ملحنا وصاروا يغنونه فى الأسواق وأماكن المفترجات، وهو هذا:
سلطاننا ركين … ونايبو دقين
يجينا المآ … من أين
هاتوا لنا الأعرج … يجى الماء ويدحرج
وكان سلار النائب فى ذقنه بعض شعرات فى حنكه لأنه كان خطاى، وكان الملك الناصر محمد به بعض عرج، فلما فشى الكلام فى ذلك بلغ السلطان الملك المظفر بيبرس فقبض على جماعة من العوام نحو ثلاثمائة إنسان فشمر منهم جماعة وقطع ألسنة جماعة، وضرب منهم جماعة بالمقارع. ثم إن الملك المظفر قبض على جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية فنفرت منه قلوب الرعية بسبب ذلك وأختار الناس عود الملك الناصر محمد من الكرك وكاتبه الأمراء والنواب، وصار بعض المماليك السلطانية يتسحبون من القاهرة إلى الكرك، وصار الملك المظفر عين لتجريدة فيتكاسل الأمراء عن السفر. فلما رأى الملك المظفر ذلك أرسل إلى الملك الناصر محمد الأمير علاء الدين مغلطاى المسعودى والأمير قطلوبغا وأرسل معهما كتابا إلى الملك الناصر محمد مضمونه إن لم تنته وترجع عن مكاتبك إلى الأمراء وترسل ما عندك من الأموال والخيول والمماليك وإلا جرى عليك كما جرى على أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقدارى ونفيهم إلى القسطنطينية ووعده فى الكتاب بكل سوء، فلما وصل الكتاب إلى الملك الناصر بهذا المعنى، اشتد غضبه وقبض على الأميرين اللذين أرسلهما إليه الملك المظفر واعتقلهما بعد أن ضربهما ضربا شديدا، وأرسل كاتب النواب وهم نائب حلب ونائب طرابلس ونائب صفد ونائب حماه وهو يقول لهم "لما اشتد على الضنك والحجر، خرجت من مصر وتركت لهم الملك، وأقمت بالكرك ورضيت بأحقر الأماكن، وأضيق المساكن ليستريح خاطرى فما يترجعوا عنى، وصرح لهم بما فى كتاب المظفر بيبرس من التهديد له، ثم قال للنواب فى مكاتباته، وأنتم تعلمون ما لوالدى عليكم من حق التربية والعتق، وما أظنكم ترضون لى بهذا الحال، فأما أنكم تكفونى عنى هؤلاء المتعصبين على وإلا أنا التجئ إلى بلاد التتار وهو خير لى من أن التجئ إلى بلاد الفرنج.
стр. 159
فلما وصلت كتب الناصر محمد إلى النواب أخذتهم الحمية إلى ابن أستاذهم وأجابوا كلهم بالسمع والطاعة إلى الناصر محمد بن أستاذهم وعرفوه أنهم طوع يديه، ومتى أراد الحركة إلى مصر بادروا إليه.
فلما جاءت إلى الناصر مكاتبات النواب بهذا المعنى، فحرك من الكرك طالبا للديار المصرية فسار إلى أن نزل على المرج الأبيض. فأرسل أقوش الأفرم نائب دمشق بعلم المظفر بيبرس وكان من عصبيته بأن الملك الناصر تحرك طالبا نحو الديار المصرية وطاعه سائر النواب. وقد وصل إلى دمشق فانظر ماذا يصنع فى هذا الأمر. فلما بلغ المظفر بيبرس عين تجريدة، وأنفق عليهم. ثم جاءت الأخبار بأن الملك الناصر دخل إلى الشام وملكها وصلى بها الجمعة وخطب فيها باسمه، ودخل نائب الشام تحت طاعته.
ثم جاءت الأخبار بأن الناصر خرج من دمشق قاصدا الديار المصرية فعند ذلك دخل الأمير سلار النائب وجماعة من الأمراء على الملك المظفر بيبرس وقالوا له إن جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية تسحبوا من القاهرة فى الليل وتوجهوا إلى عند الملك الناصر محمد، وقد وصل إلى غزة ومن الرأى أن ترسل إلى الملك الناصر تسأل عن مكان تتوجه إليه أنت وعيالك فلعله يجيبك إلى ذلك ومتى لم يبادر إلى ذلك دهمتك العساكر وتؤخذ كرها. فقال المظفر ومن يتوجه إلى الناصر بهذه الرسالة، فأشار الأمراء على السلطان بأن الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص .. يتوجها بهذه الرسالة إلى الناصر فعند ذلك خلع الملك المظفر بيبرس نفسه من السلطنة وأرسل الخلع والتمجاه والترس مع الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص إلى عند الناصر محمد وذلك يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان من السنة المذكورة.
ومن غريب الاتفاق أن الساعة التى ركب فيها الملك الناصر محمد من الشام قاصدا الديار المصرية كانت هى الساعة التى خلع فيها المظفر بيبرس نفسه من السلطنة فكانت كما قيل ساعة سعد. وادام فيها الملك الناصر محمد فى السلطنة إلى أن مات على فراشه كما سيأتى ذكره فى موضعه.
فلما توجه الأمير بيبرس والأمير بهادر آص إلى عند الملك الناصر محمد فخاف المظفر على نفسه، فدخل إلى الخزائن السلطانية وأخذ ما قدر عليه من الأموال والتحف، ونزل من القلعة ومعه مماليكه المشتراوات وكانوا نحو سبعمائة مملوك وصحبه من الأمراء بكتوت الفتاح والامير أيدمر الخطيرى والأمير قجماس فنزل من
стр. 160
باب القرافة، وأخذ من الأسطبل السلطانى عدة خيول. فلما بلغ العوام نزو - له تجمعوا له ورجموه وسبوه سبا قبيحا فأنه كان أفحش فى حقهم وشوش على جماعة منهم كما تقدم.
وكان نزو - له من القلعة فى ليلة الأربعاء سادس عشر رمضان فلولا أنه اشغل العامة بنثر الفضة فى الطرقات وإلا كانوا قتلوه لا محالة ولما نزل من القلعة توجه إلى نحو بلاد الصعيد فلما أصبح الصباح رحل من بقى من الأمراء والعسكر طالبين الملك الناصر، ثم إن الأمير سلار احتفظ بالقلعة إلى أن وصل الملك الناصر. هذا ما كان من أمر الملك المظفر بيبرس. وأما ما كان من أمر الملك الناصر (١) فأنه لما خرج إليه الأمير بيبرس الدوادار والأمير بهادر آص تلاقا معه على غرة. فلما أخبراه بخلع المظفر من السلطنة وأنه أرسل يطلب الأمان، وأن السلطان يتنعم عليه بمكان يقيم فيه هو وعياله، وسلموا إلى الملك الناصر التمجاه والترس. فلما سمع الملك الناصر بذلك فرح غاية الفرح وقال: "الحمد لله الذى صان دماء المسلمين" ثم خلع على الأميرين المقدم ذكرهما. وكتب الجواب إلى الملك المظفر بيبرس بالأمان وأرسله صحبة الأمير بيبرس والأمير بهادر آص، وتوجها إلى القاهرة، فوصلا إلى القاهرة فى حادى عشرين شهر رمضان فاخبر الأمير سلار النائب بما وقع من الملك الناصر، فعند ذلك أرسل سلار الأمان الذى كتبه الملك الناصر إلى المظفر بيبرس، فوجده قد تعدى اطفيح وهو قاصد إلى أسوان، ثم إن الملك الناصر وصل إلى بركة الحاج فى سلخ شهر رمضان، فعيد بها عيد الفطر، فخرج إليه الأمير سلار النائب وقبل الأرض بين يديه، فأخلع عليه السلطان خلعة سنية. وأنه على عادته نائب السلطنة، ثم إن السلطان طلع إلى القلعة فى يوم الأربعاء مستهل شوال سنة تسع وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك لبس خلعة السلطنة وباس له الأمراء الأرض بالايوان الأشرفى وذلك فى يوم الخميس ثانى شوال وهذه هى السلطنة الثالثة.
ذكر عود الملك الناصر محمد بن قلاوون إلى السلطنة
فلما تم أمره فى السلطنة أخلع على سائر الأمراء وهم الأمير سلار النائب على عادته وأخلع على الأمير قراسنقر المنصورى واستقر به نائب دمشق عوضا عن أقوش الأفرم، ورسم للأفرم بأن يقيم فى صرخد، واستقر بالأمير قفجق
стр. 161
المقدم ذكره نائب حلب، وكان قديما حلب أكبر من دمشق، وأخلع على الأمير المسمى بالحاج بهادر حامل الخبر واستقر نائب طرابلس. وأخلع على جماعة من الأمراء. ثم إن سلار النائب بلغه أن السلطان متغير عليه فى الباطن وقام أياما ووقف للسلطان واستعفى من النيابة وطلب التوجه إلى الشوبك فأنها كانت جارية فى إقطاعه، فأعطاه السلطان دستورا بالتوجه إلى الشوبك. وكانت مدة نيابة سلار بالديار المصرية إحدى عشرة سنة. ثم إن السلطان استقر بالأمير بكتمر الجوكندار المنصورى فى نيابة السلطنة بمصر، ثم إن السلطان قبض على جماعة من الأمراء ممن كانوا عليه، وأنعم على جماعة من مماليكه بإقطاعاتهم، هذا ما كان من الملك الناصر، وما كان من أمر الملك المظفر بيبرس الجاشنكير فأنه أقام بأسوان فوجه إليه السلطان الأمير بيبرس الدوادار وبهادر آص فتلطفا به حتى استخلصا منه الأموال التى أخذها من الخزائن وأخذوا مماليكه الذين كانوا معه وقرروا معه أنه يمضى من على السويس ويتوجه من هناك إلى الكرك. فلما خرج المظفر على أنه يمضى إلى الكرك فأرسل إليه السلطان أسندمر الكرجى ومعه مماليك سلطانية، فقبضوا عليه واحضروه إلى القلعة، فلما مثل بين يدى الملك الناصر فى خلوته وبخه بالكلام وعدد له ما وقع منه من القبائح فى حقه ثم أمر بخنقه بين يديه، فخنق حتى كاد يهلك ثم نفس له وزاد فى سبه ثم خنقه ثانيا إلى أن مات فى يوم الخميس رابع عشر ذى القعدة من سنة تسع وسبعمائة، ثم سلمه إلى زوجته وأمر بدفنه فى تربة فى القرافة ثم نقل بعد مدة إلى خانقته التى أنشأها بالقرب من خانقاه سعيد السعداء. فكانت مدة سلطنته احد عشر شهرا وأياما. وكان مليح الشكل أبيض اللون أشقر اللحية، و- له وقار وهيبة كثير السكون، حسن السيرة، وكان كفئا للسلطنة.
ثم دخلت سنة عشر وسبعمائة:
فيها: أرسل الملك الناصر للقبض على الأمير سلار النائب من الشوبك وأحضره إلى القاهرة، فلما حضر أودعه فى السجن بالقلعة فلم يلبث فيه إلا قليلا وأشاعوا موته، فأخرجه من السجن وهو ميت فدفن فى ليلة الأربعاء رابع عشر جمادى الأولى من سنة عشر وسبعمائة، وقيل دفن فى مدرسة الجاولى التى أنشأها عند الكبش وقيل إن سلارا لما سجن بعث إليه السلطان طعاما فأبى أن يأكل منه وأظهر الحنق فلما بلغ ذلك السلطان فأمر بألا يعود يحضر له طعام ما دام فى
стр. 162
السجن، فأقام أياما لم يأكل ولم يشرب. فقيل إنه جاع حتى أكل اخفاقه وهو فى السجن. وقيل أنهم قالوا له قد رضى عنك السلطان فعلم ومشى خطوات ثم وقع ميتا. وكان سلار لطيفا فى لبسه، أقترح أشياء كثيرة فى الملبس وهى منسوبة إليه إلى الآن هى السلارى والمناديل السلارية وأشياء فى آلة الحرب منسوبة إليه إلى الآن.
وكان أميرا مليئا غنيا فى سعة من المال والقماش وغير ذلك، ولما مات أحاط السلطان على موجوده.
ذكر ما اشتملت عليه تركة سلار النائب
فالذى ضبط فى أول يوم من ذلك: ياقوت أحمر هرمان رطلان، ومن بلخش رطلان ونصف الرطل، ومن الزمرد الذبانى والرخامى تسعة عشر رطلا، وستة صناديق ضمنها فصوص من الماس وعين الهر، ومن اللؤلؤ الكبار ما بين مثقال إلى درهم ألف ومائة وخمسين حبة. ومن الذهب العين خمسة وخمسون ألف دينار ومن الفضة أربعمائة وواحد وسبعون ألف درهم، فهذا ما ضبط فى أول يوم ثم فى ثانى يوم من الفصوص المختلفة الألوان رطلان، ومن الذهب العين خمسة وخمسون ألف دينار. ومن الفضة ألف ألف درهم. ومن الفضيات ما بين أطباق وطشوت وطاسات وأهوان ستة قناطير، وهذا ما ضبط فى ثانى يوم. ثم فى ثالث يوم من الذهب: العين خمسة وأربعون ألف دينار ومن الفضة ثلاثمائة ألف وثلاثون ألف درهم. ومن القطريات وحلقات الصناجق الفضة ثلاثة قناطير. وأما ما ضبط فى رابع يوم فمن الذهب العين ألف ألف دينار ومن الفضة ثلاثمائة ألف درهم، ومن القماش أقبية بفروقاقم ثلاثمائة قباء، ومن الأقبياء الحرير الملون المفر بالسنجاب أربعمائة قباء، ومن السروج الذهب بمياتر زركش مائة سرج. ووجد له عند صهره الأمير موسى ثمانية صناديق لم يعلم ما فيها، فحملت إلى الخزائن الشريفة، ووجد عنده من التفاضيل الطرد وحسن وعمل الدار ألف تفضيلة. ووجد عنده من الخام ستة عشرة نوبة، ووجد عنده من الخلع الملونة ثلاثمائة خلعة. وجد عنده مثل القبة وهى خركاة كسوتها أطلس أحمر مرقومة بالذهب، ودل مملوكه على مكان فى داره مبنى فوجد فيه أكياسا فيها ذهب ما علم عدتها. ووجد فى مكان أخر مخبأة فيها ذهب عين سكب بعين أكياس ووجد له من الخيول خمسمائة فرس.
стр. 163
ومن البغال مائة وعشرون قطارا ومن الجمال مثل ذلك، ووجد له من الغلال فى الحواصل ثلاثمائة ألف أردب، ومع هذا مات بالجوع.
ووصل صحبته من الشوبك ذهب عين خمسين ألف دينار، ومن الفضة أربعمائة ألف وسبعين ألف درهم. وهذا كله خارج عما وجد له من الأملاك والضياع والمماليك والعبيد والجوارى والخدام وغير ذلك، ووجد له من الأغنام والأبقار ما لا يحصى لكثرته. وقيل كانت أجرة أملاكه ومستأجرته وضياعه فى كل يوم مائة ألف درهم. ما أقول كانت نيابة سلار بالديار المصرية إحدى عشرة سنة فهل جمع هذه الأموال العظيمة فى هذه المدة اليسيرة. فأما أنه ظفر بكنز أوضح معه عمل الكيمياء، وإما أنه أخذ هذه الأموال من الخزائن السلطانية لما توجه الملك الناصر إلى الكرك فإن هذا الذى ذكر عنده يعجز عنه خزائن الملك والخلفاء، فكان كما قيل فى المعنى:
اجمع وأنت من الدنيا على حذر … واعلم بأنك بعد الموت مبعوث
واعلم بأنك ما قدمت من عمل … محصى عليك وما خلفت موروث
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وسبعمائة:
فيها: خطب للسلطان الملك الناصر محمد فى بلاد المغرب بمدينة إفريقية، وسبب ذلك أبا يحيى للحيانى صاحب إفريقية قدم على السلطان الملك الناصر والتزم له إذا أرسل معه عسكرا وفتح مدينة طرابلس الغرب أقام نفسه نائبا فيها عن السلطان الملك الناصر، فعين السلطان معه بتجريدة إلى بلاد الغرب فتسامعت به العربان البحيرة فتوجهوا معه إلى الغرب، فلما بلغ صاحب تونس مجئ عسكر السلطان خلع نفسه من الملك وبايع أبا يحيى المذكورة.
فلما وصل أبا يحيى إلى تونس فوجد أمره قد استقام فتظاهر بشعار السلطنة، ودخل إلى تونس والصناجق السلطانية على رأسه وقد تمكن من إفريقية وغيرها من بلاد الغرب، فخطب باسم السلطان الملك الناصر محمد فى أقليم الغرب كما قرره معه وذلك فى شهر رجب سنة إحدى عشرة وسبعمائة.
وفى هذه السنة: قبض السلطان على الأمير كراى نائب الشام وعلى الأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة بالديار المصرية، ثم أعاد الأمير أقوش الأفرم إلى نيابة دمشق كما كان فلما سمع الأمير قراسنقر نائب الشام لمجئ الأمير أقوش الأفرم هرب إلى بلاد التتار.
стр. 164
ثم دخلت سنة اثنتا عشرة وسبعمائة:
فيها: حضر ملك النوبة إلى الأبواب الشريفة ومعه تقادم كثيرة منها ألف رأس رقيق وغير ذلك من جمال وأبقار خيسية، ثم إن السلطان أخلع على الأمير أرغون الدوادار الناصرى واستقر به نائب السلطنة عوضا عن الأمير بكتمر الجوكندار.
وفيها: قبض السلطان على نائب الشام أقوش الأفرم واستقر بالأمير تنكز الحسامى نائب الشام، وجعل الشام أكبر من حلب وكان قديما نيابة حلب أكبر من نيابة الشام.
وفى هذه السنة: ابتدأ السلطان الملك الناصر لعمارة الجامع الجديد الذى فى موردة الحلفاء على بحر النيل وأمر بعمارة الميدان الذى تحت القلعة، وأمر بعمارة الميدان الكبير الذى عند موردة الحبش وأنشأ به القصر العظيم.
وفيها: توجه السلطان إلى نحو البلاد الشامية بسبب حركة التتار وجعل ايتمش المحمدى نائب الغيبة.
فلما وصل السلطان إلى غزة جاءت الأخبار بأن التتار لما بلغهم مجئ السلطان رحلوا عن قلعة الرحبة وأن نائب الرحبة كسرهم كسرة قوية وكان ذلك فى سادس شهر رمضان من السنة المذكورة، فلما بلغ السلطان بأن التتار رحلوا فتنى عزمه إلى سفر الحجاز الشريف وتوجه من هناك إلى الحجاز وسميت هذه الغزوة "الكذابة" فأقام جماعة من الأمراء مع العسكر بدمشق، وتوجه السلطان إلى الحجاز فقضى فرضه وهذه الحجة الأولى.
فلما رجع من الحجاز توجه إلى دمشق فأقام بها خمسة عشر يوما ثم توجه منها إلى القاهرة فدخلها فى ثالث عشر صفر سنة ثلاثة عشرة وسبعمائة وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا وزينت له.
وفى هذه السنة: خرج السلطان إلى نحو بلاد الصعيد لتمهيد البلاد، فأن أقليم الصعيد كان قد فسد من نفاق العربان فمهد البلاد ورجع إلى القاهرة.
وفى هذه السنة: شرع السلطان فى عمل روك البلاد الشامية وأرسلوا المثالات والمناشير لنائب الشام أرغون الناصرى ففرقها على أمراء دمشق والمقطعين.
стр. 165
ثم دخلت سنة أربعة عشرة وسبعمائة:
فيها: أمر السلطان بعمارة القصر الكبير الأبلق والقصرين اللذين يليانه. وقيل إنه أكمل عمارتها فى عشرة أشهر، وهى عبارة عن ثلاثة قصور متداخلة فى بعضها. ولما كمل القصر الكبير عزم السلطان فيه على الأمراء ومد لهم مدة عظيمة وملأ الفسقية التى فيه سكرا بماء وليمون. وقيل إنه فرق فى ذلك اليوم من الخلع ألفين وخمسمائة خلعة ما بين تشاريف واقيبة على الأمراء والبناءين وغيرهم.
ثم دخلت سنة خمسة عشرة وسبعمائة:
فيها: جرد السلطان العساكر إلى ملطية فحاصروها حتى طلب أهلها الأمان وفتحوا أبواب البلد، فدخل إليها العسكر وسبوا من بها النساء ونهبوا الأموال وما فيها من القماش، ورجعوا إلى القاهرة وهم فى غاية النصرة.
ثم دخلت سنة ستة عشرة وسبعمائة:
فيها: جرد السلطان العساكر إلى صحراء عيذاب بسبب فساد العربان، فخرج إليهم ستة أمراء مقدمين ألوف ومماليك سلطانية فبلغوا إلى بلاد البجة وما فوقها، ورجعوا إلى القاهرة سالمين.
وفى هذه السنة: كانت وفاة الشيخ علاء الدين الوداعى الكندى الشاعر، وكان مولده فى سنة أربعين وستمائة، فكانت مدة حياته ستة وسبعين، وكان له شعر جيد فى باب التورية حتى تطفل على موائد شعره الشيخ جمال الدين بن نباته وضمن فيها أشياء كثيرة، ومن شعره.
لقد سمح الزمان لنا بيوم … غدا فيه السمى مع المسمى
تجمعنا كأنا ضرب خيط … علىّ فى على فى على
ثم دخلت سنة سبعة عشرة وسبعمائة:
فيها: جرد السلطان العساكر إلى نحو مدينة آمد فملكها العسكر على حين غفلة من أهلها.
وفى هذه السنة: توجه السلطان لزيارة بيت المقدس فزاره وزار قبر الخليل ﵇.
стр. 166
وفى هذه السنة زاد النيل المبارك وأوفا فى تاسع عشر أبيب لم يعرف بمثل ذلك فى الجاهلية ولا فى الإسلام.
وفى هذه السنة: أمر السلطان توسيع جامع القلعة فهدمه وعمره على ما هو عليه الآن، وقيل انتهى منه العمل فى أربعة أشهر وخمسة وعشرين يوما.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة وسبعمائة:
فيها: أمر السلطان بإجراء ماء النيل إلى قلعة الجبل وعمل قناطر تحت المجراة بسواقى نقالة.
وفى هذه السنة: حج السلطان وهى الحجة الثانية فتلقاه الأمير محمد بن صاحب الهند بهدايا جليلة فقبلها منه السلطان. ولما قضى حجه وزار قبر النبى ﷺ توجه إلى القاهرة.
وفى سنة تسع عشرة وسبعمائة:
فيها: حجت خوند أم أنوك زوجة السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، فخرجت فى تجمل زائد ومعها العصائب السلطانية والكوسات، ولم يسافر أحد قبلها من نساء الملوك على هذا النظام، وخرجت من القاهرة فى ثامن شهر شوال. ولما رجعت من الحجاز تلقاها السلطان من بركة الحاج، ودخلت إلى القاهرة فى عاشر المحرم، وكان يوم دخولها يوما مشهودا.
ثم دخلت سنة عشرون وسبعمائة:
فيها: أمر السلطان بعمارة الميدان الصغير الذى بالقرب من قناطر السباع وجعله برسم المهارة.
وفى هذه السنة: قبض السلطان على القاضى كريم الدين ناظر الخواص الشريفة.
وكان قد رقى فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون كما رقى جعفر البرمكى فى أيام هارون الرشيد، وصار كريم الدين ينعم على الأمراء بالعطاء الجزيل والخلع السنية، وصار الأمراء فى خدمته ونزلوا معه إلى بيته فى كل يوم، فوشى به عند السلطان فقبض عليه وعلى ولده وعاقبهما واستعضى أموالهما ثم نفاهما إلى أسوان ورسم بأن يسجن القاضى كريم
стр. 167
الدين ويقيد ويلبس جبة على جسده. فلما ضاق عليه الأمر عمد إلى خشبة وعمل فيها حبلا وجعله فى عنقه وشنق نفسه وهو فى السجن مات، ودفن هناك فكان كما قيل فى المعنى:
احذر معاشرة الملوك ولا تكن … ما عشت بالتقريب منهم واثقا
فالغيث غوثك إن ظمئت وربما … ترمى بوارقه إليك صواعقا
ومما يحكى عن كريم الدين هذا أنه شرب يوما دواء، فجمع كل ورد بالقاهرة ففرشه فى داره حتى على كراسى بيت الخلاء، وداس الناس منه ما داسوا وأخذوا منه ما أخذوا، ثم إن الغلمان والعبيد أخذوا منه ما فضل فباعوه بثلاثة آلاف درهم وهذه الحكاية من بعض وقائعه الحسنة وفيه يقول ابن نباتة المصرى.
يا كريم قد وافق الاسم بالفعل … وانسى فى الفضل كل قديم
لا لحظ نبوة الحوادث فالله … كريم يحب كل كريم
وقيل: إن الملك الناصر محمد بن قلاوون قبل أن يعمر الخانقاه رأى النبى ﷺ فى المنام وأشار عليه فى المنام بأن يبنى هناك هذه الخانقاه فى هذا المكان سرياقوس وأشار عليه أن يجعل شيخ الخانقاه مجد الدين كما رأى فى المنام.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرون وسبعمائة:
فيها: ابتداء الملك الناصر عمارة الخانقاه المباركة بسرياقوس فلما كملت عمارتها توجه السلطان إلى هناك وعمل وليمة عظيمة، وحضر فيها القضاة الأربعة وأعيان الناس ومشايخ الصوفية، ثم إن السلطان رتب بالخانقاه صوفية وجعل الشيخ مجد الدين الأقصرائى شيخ الخانقاه، ورتب فيها الحضور من بعد العصر، ثم تزايدت فى العمارة حتى صارت مدينة مستقلة ورغب أكثر الناس فى سكانها إلى الآن فى عصرنا، وكان سببها ما تقدم ذكره من رؤية النبى ﷺ فى المنام.
وفى سنة أربع وعشرون وسبعمائة:
فيها: أمر السلطان الملك الناصر محمد بحفر الخليج الناصرى من عند موردة الجبس إلى القنطرة الجديدة، ووزع حفره على الأمراء بالقصبة الحاكمية وذلك بمقتضى إقطاعاتهم التى تروى من هذا الخليج، فاحتفلوا به كل الاحتفال وحفروه حتى تبع الماء من أرضه وانجز العمل منه فى مدة شهرين.
стр. 168
ثم دخلت سنة خمس وعشرون وسبعمائة:
وفيها: أمر السلطان ببناء القناطر على الخليج الناصرى فعمر قنطرة بظاهر باب اللوق تعرف الآن بقنطرة قدبدار، وعمر قنطرة بظاهر باب البحر وعمر قنطرة على فم الخليج عند الميدان الكبير بمورده الجبس وعمر قنطرة عند بركة قرموط تعرف الآن بالقنطرة العشرا، وعمر قنطرة الحاجب بأرض الطبالة، وعمر القنطرة التى تعرف بالجديدة بالقرب من جامع الظاهر بيبرس.
ثم دخلت سنة ست وعشرون وسبعمائة:
فيها: أمر السلطان بإبطال الضرب بالمقارع من سائر أعمال مملكته، وكتب بذلك مراسيم شريفة إلى سائر الآفاق، فبطل ذلك فى أيامه.
ثم دخلت سنة سبع وعشرون وسبعمائة:
فيها: أخلع على الأمير قطلوبغا الفخرى واستقر نائب دمشق.
وفى هذه السنة: خلع على القاضى محيى الدين بن فضل الله واستقر كاتب السر الشريف بالديار المصرية، وكان قبل ذلك كاتب السر بدمشق.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرون وسبعمائة:
فيها: أنشأ السلطان الملك الناصر القصر الذى بالميدان الكبير وحفر البركة الناصرية المنسوبة إليه.
وفى سنة تسع وعشرين وسبعمائة:
فيها: توجه ولد السلطان الملك الناصر إلى الكرك وقام بها وهو ولده المقام الشرفائى أحمد، فاستمر بالكرك إلى أن عاد منها وهو سلطان كما قد سيأتى ذكره فى موضعه.
ثم دخلت سنة ثلاثون وسبعمائة:
فيها: حج السلطان وهى الحجة الثالثة فخرج من القاهرة فى سابع عشر شوال وصحبته الملك الأفضل صاحب حماه. فلما خرج من القاهرة توجه إلى خانقاه سرياقوس فأقام بها أربعة أيام، ثم رحل منها إلى العقبة، وتوجه إلى الحجاز من هناك. فكانت مدة غيبته إلى أن عاد أربعة وخمسين يوما. ولما قدم إلى الديار المصرية حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفى تنكز نائب الشام ومعه تقادم عظيمة فنزل بالميدان الكبير.
стр. 169
وفى هذه السنة: أمر السلطان الملك الناصر محمد بهدم الإيوان الأشرفى ودور الحرم وعمر هذا الإيوان الموجود الآن وقاعة الأعمدة وما حولها. ولما حج السلطان فى السنة المذكورة أعلاه جدد بابا للكعبة الشريفة وهو من الخشب السنط الأحمر وعمل عليه الصفائح الفضة، فكان وزنها ثلاثين ألف درهم. ولما قلع الباب العتيق وزنوا ما كان عليه من الفضة فكان زنتها ستين رطلا، فأنعم بها على بنى شيبة فتقاسموها، وهذا الباب كان عمله الخليفة المقتفى بالله فى سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
ولما حج السلطان كان بصحبته الأتابكى بكتمر الساقى وولده الأمير أحمد، فلما حج السلطان ورجع مرض الأتابكى بكتمر فى أثناء الطريق. فلما وصل إلى عيون القصب مات هناك ودفن بها فى ثانى المحرم سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، ومرض ولده الأمير أحمد أيضا ومات ودفن بها ثم نقلا من بعد ذلك إلى تربتهما بالقرافة الصغرى.
وكان الأتابكى بكتمر أصله من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فلما قبض عليه السلطان الملك الناصر أخذ بكتمر مع جملة ما أخذ من موجوده فجعله ساقيا ثم عظمت مكانة بكتمر عند الناصر حتى زوجه بأخته. وكان ينزل فى بعض الأحيان إلى بيت بكتمر وينام عنده وينفرد بنفسه، وكان إذا قدم للسلطان شئ فيقدموا لبكتمر مثله أو أحسن منه، وما زال يترقى حتى بقى أتابك العسكر بالديار المصرية وصار صاحب الحل والعقد وكبرت أمواله حتى قيل كان فى اسطبله مائة اسطبل لمائة سايس، وتحت يد كل سايس طوالة خيل من الخيول الخاصة، وخلف من الأموال والجواهر والتحف ما لا يحصى للتربة، قيل ولما مات بكتمر أنعم السلطان بزردخانه على الأمير قوصون فقومت بستمائة ألف دينار.
ولما مات بكتمر ترقى من بعده قوصون وعظم أمره. وقيل وقع بين بكتمر وقوصون كلام فى تشاجر، فقال قوصون لبكتمر "أنا ما نقلت من الأطباق إلى الاسطبلات، بل أخذنى السلطان من تاجر وأنعم على بإقطاع شخص من المماليك" توفى فى ذلك اليوم فنزلت فى بيته وأخذت بركه وقماشه وصرت خاصكيا فى ذلك اليوم، قيل إن قوصون كان فى خدمة بعض التجار فرآه الملك الناصر محمد بن قلاوون، فقال للتاجر بيعنى هذا المملوك؟ فقال التاجر: هذا ما هو مملوك بل هو حر. فقال السلطان: لابد من مشتراه. فقيل إنه عوضه فيه بأشياء كثيرة واشتراه منه وأعتقه. وترقى فى أيام الناصر محمد حتى زوجه إحدى بناته.
قيل إن الأمير بكتمر كان يحجر على الملك الناصر ويمنعه من الظلم وأخذ أموال الناس.
стр. 170
وكان الناصر لا يخالف بكتمر فى شئ فلما نقل أمره على الناصر صار يخشى منه. فلما حج السلطان وهى الحجة الثالثة وكان معه الأتابكى بكتمر وولده الأمير أحمد، فتكلم الناس فى حقه وأوحوا للسلطان أن بكتمر قصده بقتل السلطان فى طريق الحجاز ويتسلطن عوضه.
فلما بلغ السلطان ذلك دس على بكتمر من أسقاه سما وهو راجع من الحجاز فمات فى عيون القصب وولده فى نخل كما تقدم. وقيل إن السلطان وجد مع بكتمر لما مات فى طريق الحجاز خمسمائة تشريف على سائر الأصناف ووجد معه عدة قيود وجنازير فعند ذلك تحقق السلطان بحجة ما نقل له عنه، والله أعلم بذلك.
وكان بكتمر الأتابكى من أحسن الناس شكلا وله آثار ومعروف، فمن ذلك أنشأ بالقرافة الصغرى خانقاه وجعل فيها حماما وفرنا وطاحونا وقرر فيها حضورا وصوفه وجعل بها أوقافا كثيرة ووقف بها ربعة مكتوبة كلها بالذهب وهى موجودة إلى الآن وعمر دار وكالة وأرباع وله بمصر والشام آثار كثيرة.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثون وسبعمائة:
فيها: برزت المراسيم الشريفة لنائب الشام ونائب حلب بأخذ العساكر الشامية والحلبية ويتوجهون إلى مدينة سيس ويكبسوها على حين غفلة من أهلها، فتوجهوا إليها وكبسوها فى سابع وعشرين شهر رمضان من السنة المذكورة، فنهبوا ما فيها وأحرقوا ضياعها وأسروا من بها من الأرمن، وكانوا نحو ثلاثمائة إنسان، فلما بلغ بقية الأرمن ذلك فثاروا على من فى قلعة اياس من المسلمين وقبضوا عليهم وحشروهم فى خان هناك، وأحرقوهم فى يوم عيد النحر وكانوا نحو ألفى إنسان فلا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وفى سنة ست وثلاثين وسبعمائة:
فيها: رسم السلطان للخليفة المستكفى بالله أبى الربيع سليمان بأن يسكن فى قلعة الجبل، ومنعه من الاجتماع بالناس، ثم نفاه من بعد ذلك إلى قوص، وقد تقدم ذلك فى أخبار الخلفاء.
стр. 171
وفى سنة سبع وثلاثين وسبعمائة:
فيها: توفى الخليفة المستكفى بالله فى مدينة قوص وعهده إلى ولده أحمد فلم يمض السلطان عهده لما كان فى نفسه منه، وقد كتب عهده على قاضى قوص بشهادة أربعين عدلا.
وكان سبب تغير خاطر السلطان الملك الناصر على الخليفة أبى الربيع سليمان قيل رفع للملك الناصر قصة عليها خط الخليفة المذكور بأن يحضر الناصر محمد بن قلاوون إلى مجلس الشرع الشريف، فشق ذلك على السلطان وبقى فى خاطره منه حتى نفاه إلى قوص، ولم يمش على عهده لولده أحمد، وأقامت مصر بلا خليفة أربعة أشهر والسلطان مصمم على عدم ولاية أحمد ابن المستكفى ثم إن السلطان ولى إبراهيم بن الخليفة الحاكم أخو المستكفى، وكان قبيح السيرة.
قال الشيخ شهاب الدين بن حجر فى تاريخه:
لما تولى الخليفة إبراهيم تلقب بالواثق بالله فكانت العامة تسميه المستعطى بالله لقذارة نفسه وسوء تدبيره.
وفى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة:
فيها: ظهرت بالقاهرة امرأة تسمى الخناقة فكانت تحتال على النساء والأطفال وتخنقهم وتأخذ ثيابهم، فشاع أمرها بين الناس فاحتالوا عليها حتى مسكوها وشنقوها على باب زويلة.
وفى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة:
فيها: قبض السلطان على ناظر الخواص الشريفة المسمى بالنشو وسلمه إلى الأمير بشتاك الناصرى فاستصفى أمواله وعاقبه إلى أن مات تحت الضرب.
وفى سنة أربعين وسبعمائة:
فيها توفى سيدى أنوك بن الملك الناصر محمد بن قلاوون وكان أعز أولاده عنده. وكان له من العمر نحو عشرين سنة فتأسف عليه والده الملك الناصر غاية الأسف، وفى ذلك يقول الصلاح الصفدى.
стр. 172
مضيت وكنت للدنيا جمالا … وجرعت النجوم الزهر فقدك
ومن عجب الليالى فيك أن لا … يموت أبوك يا أنوك بعدك
وفيها: قبض السلطان على المقر السيفى تنكز الحسامى نائب الشام، وكان أصله من مماليك الملك المنصور لاجين وقد أقام فى نيابة الشام ثمانية وعشرين سنة. وكان دينا خيرا عفيف اليد والفرج، وله بر ومعروف وآثار كثيرة بالشام وبمصر، وكانت الملوك تهابه وتعظمه وكان السلطان الملك الناصر لا يفعل شيئا حتى يرسل تشاور فيه تنكز، وكان رأيه شديدا لكنه كان صعب الخلق إذا غضب على أحد لم يرض عليه أبدا فوقع بينه وبين السلطان فى أمر طارئ، فأرسل إليه السلطان الأمير طاجار، الدوادار الكبير، فلما وصل إلى دمشق فقال للأمير تنكز: السلطان يسلم عليك ويقول لك احضر إلى القاهرة أنت وولدك حتى يزوجه السلطان بابنته. فتخيل تنكز من ذلك، فقال لطاجار: امض أنت وأنا آتى بعدك فى أوائل الشهر. فلما حضر طاجار إلى عند السلطان: أوحى له عن تنكز ما بغير خاطره عليه بالكلية. وكان بين طاجار الدوادار وبين تنكز حظ نفس فما أبقى ممكن فى حق تنكز، ولو أن تنكز حضر صحبة طاجار لكان خيرا له، فعند ذلك عين السلطان الأمير بشتاك ومعه خمسمائة مملوك وأرسل إلى طشتمر حمص احضر نائب صفد يلاقيه من هناك، فلما وصلوا إلى دمشق قبضوا على تنكز وذلك فى ثالث ذى الحجة من سنة أربعين وسبعمائة، ولما مسك تنكز أحاطوا على موجوده فالذى وصل صحبة الأمير بشتاك من الذهب الفين ثلاثمائة ألف دينار وستين ألف دينار، ومن الفضة النقرة ألف ألف درهم. ومن الحوايص الذهب والطرز الذهب فأشياء كثيرة ومن الكنابيش الزركش أشياء كثيرة ووجد عنده البلخش والياقوت واللؤلؤ الكبار صندوقين كبار، ومن البرك والقماش ثمانمائة جمل، وذلك غيرها وجد له من المماليك والخدام والعبيد والجوارى. ووجد له فى عزه حاصل فيه أربعين ألف دينار وألف ألف ومائة درهم، وبذلك خارجا عن الأملاك والضياع. فلما وصل المقر السيفى تنكز إلى القاهرة فأرسله السلطان إلى السجن بثغر الإسكندرية فأقام فى السجن مدة شهر، ثم إن السلطان أرسل مقدم الدولة إبراهيم بن صابر فخنقه فى السجن ودفن هناك، فكان كما يقال "ثلاثة لا يؤمن إليهم: المال إن كثر، والملوك إن قربوا، والمرأة وإن طالت صحبتها" وكان تنكز أسمر اللون خفيف اللحية، طويل القامة حسن الشكل. ولم يسمع بأن نائبا أقام فى ولاية واحدة مثله. ولما مات
стр. 173
بالإسكندرية دفن هناك، ثم بعد مدة نقل من هناك إلى دمشق ودفن فى تربته التى أنشأها فى دمشق وذلك فى سنة أربع وأربعين وسبعمائة. وفى ذلك يقول الصلاح الصفدى.
إلى دمشق نقلوا تنكزا … فيالها من آية ظاهرة
فى جنة الدنيا له جثة … وروحه فى جنة الآخرة
وقوله فيه أيضا
فى نقل تنكز سر … أراده الله ربه
أتى به نحو أرض … يحبها وتحبه
ثم دخلت سنة إحدى وأربعون وسبعمائة:
فيها: تزايدت عظمة الملك الناصر محمد وكثرت مماليكه حتى صار راتبه من اللحم فى كل يوم ستة وثلاثين ألف رطل، وبالغ فى مشترى المماليك، وهو أول من أخذ الشاش والقماش للعسكر والأقبية المفتوحة، وهو أول من رتب المواكب فى القصر على هذا الترتيب الحسن، ورتب وقوف الأمراء فى المواكب على قدر منازلهم، وكذلك أرباب الوظائف من المتعممين، وقد طالت أيامه فى السلطنة بخلاف من تقدمه من الملوك وصفا له الوقت وصار أكثر الأمراء والنواب مماليكا ولا يعلم لأحد من الملوك آثار مثله ومثل مماليكه حتى أنه تزايدت فى أيامه الديار المصرية والبلاد الشامية من العمائر مقدار نصفها من جوامع وقناطر وجسور وغير ذلك.
قال سيف الدين أبو بكر بن أسد فى تاريخه: وقفت فى التواريخ على سير الملوك المتقدمة فما رأيت لأحد من الملوك. ما أنفق للناصر محمد بن قلاوون فإنه خطب له فى أماكن لم يخطب فيها لأحد من الملوك قبله وكاتبه سائر ملوك الأرض من مسلم وكافر وهادوه وهابوه وخشوا من سطوته، وهذا لم تنفق لغيره من الملوك. وكان مسعودا فى حركاته محببا للناس وفيه يقول الصفى الحلى من قصيدة.
الناصر السلطان قد خضعت له … كل الملوك مشارقا ومغاربا
ملك يرى تعب المكارم راحة … ويعد راحات الفراغ متاعبا
يرجى مكارمه ويخشى بطشه … مثل الزمان مسالما ومحاربا
فإذا سطا ملا القلوب مهابة … وإذا سخا ملا العيون مواهبا
стр. 174
فمازال منقبضا على تخت مملكته حتى مرض ومات على فراشه فى ليلة الخميس العشرين من ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. ومات وله من العمر نحو ثمانية وخمسين سنة، ودفن فى يوم الخميس على والده قلاوون فى القبة التى أنشأها والده بين القصرين فكثر عليه الأسف والحزن لزوال ملكه بعد نيابة هذه المدة الطويلة كما قيل فى المعنى لبعضهم:
حكم المنية فى البرية جارى … ما هذه الدنيا بدار قرار
ومكلف الأيام ضد طباعها … متطلب فى الماء جذوة نار
طبعت على كدر وأنت تريدها … صفوا من الأقدار والأكدار
ليس الزمان وإن حرصت مسالما … طبع الزمان عداوة الأحرار
وإذا رجوت المستحيل فإنما … تبنى الرجاء على شفير هار
فالعيش نوم والمنية يقظة … والمرء بينهما خيال سار
فكانت مدة سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاوون بالديار المصرية والبلاد الشامية ثلاثة وأربعين سنة وأحد عشر شهرا بما فيها من سلطنة العادل كتبغا وهى سنتان إلا عشرة أيام، وسلطنة المنصور لاجين كانت سنتين وشهرين وأيام سلطنة المظفر بيبرس الجاشنكير أحد عشر شهرا وأياما، فهذه من الفترة فى سلطنته، فكانت سلطنته الأولى والثانية والثالثة دون الفتن بينها نحو أربعة وأربعين سنة إلا شهرا. ولما مات خلف من الأولاد أحد عشر ولدا، وهم: أبو بكر وأحمد وكجك وشعبان وإسماعيل وحاجى وحسن وصالح فهؤلاء الثمانية تولوا من بعده السلطنة كما سيأتى ذكرهم.
وأما الذين لم يتولوا السلطنة سيدى رمضان وسيدى حسين وسيدى يوسف. وأما الذين ماتوا فى أيام حياته سيدى إبراهيم وسيدى محمد وسيدى أنوك وسيدى على، فهؤلاء عدة أولاده الذكور، وأما ما جاله من البنات فشئ كثير والله أعلم.
وأما فتوحاته: ملطية وآمد ودارنده وقلعة اياس والبهسنا والمرعش وتل حمدون واسفندكار وكاروا وغير ذلك من المدن والقلاع. وأما نوابه بمصر: كتبغا وسلار وبكتمر الجوكندار وبيبرس الدوادار وأرغون. وأما وزراؤه: سنجر الشجاعى وتاج الدين بن حنا وفخر الدين الخليلى وسنقر الأعسر وآيبك البغدادى وابن عطايا وابن النشائى بدر الدين بن التركمانى وأمين الدين بن الغنام وبكتمر الحاجب ومغلطاى الجمالى ومحمد بن الشيخى.
стр. 175
وأما كتاب سره: القاضى شرف الدين بن فضل الله والقاضى علاء الدين بن الأثير والقاضى محيى الدين بن فضل الله، ثم ولده شهاب الدين بن فضل الله وهو صاحب كتاب "الإنشاء" المعمول به الآن. ثم من بعده القاضى شهاب الدين بن محمود النشائى.
وأما نظار الشافعية: القاضى تقى الدين بن دقيق العيد والقاضى بدر الدين بن جماعة والقاضى جمال الدين الزرعى والقاضى جلال الدين القزوينى والقاضى عز الدين بن جماعة.
وأما نظار جيشه: فالقاضى بهاء الدين بن الحلى القاضى وقطب الدين بن شيخ السلامة والقاضى شمس الدين بن التاج والقاضى مكين الدين بن فرويبه والقاضى جمال اكفاه والفخر وأظنه صاحب القنطرة.
وأما نظار خواصه: فالقاضى كريم الدين المقدم ذكره، ثم استقر من بعده فى نظارة الخواص الشريفة جماعة كثيرة من المباشرين.
وأما دواداريته: الأمير أيدمر مملوكه والأمير أرغون الناصرى مملوكه والأمير رسلان والأمير الحانى والأمير يوسف بن الأسعد والأمير بغا والأمير طاجار.
وأما ما أبطله فى أيامه من وجوه الظلم وهو ضمان المعانى وكان عبارة عن أخذ من مال النساء البغايات وذلك لو خرجت أجل امرأة فى القاهرة بقصد البغا ونزلت اسمها عند امرأة معروفة فى ذلك الزمان .. (١) وأقامت بما يلزمها من المبلغ لتعين عليها لما قدر أكثر من فى مصر يمنعها من عمل الفاحشة ولا يزجرها عن ذلك، وكان يتحصل من هذه الجهة مال كبير فأبطل ذلك.
ومما أبطله فى أيامه: وهو ما كان يؤخذ من كل من باع ملكا عن كل ألف عشرين درهما فأبطل ذلك، وكان يتحصل من هذه الجهة أيضا مال كبير، وفى الجملة كان خيار أبناء الملوك وأجلهم قدرا وأحسنهم سياسة للرعية وأطولهم مدة، كما قال فى المعنى.
إن أسيافنا القصار الدوامى … صيرت ملكنا طويل الدوام
نحن قوم لنا سداد أمور … واصطلام الاعدا من وسط لام
واقتحام الأهوال من وقت حام … واقتسام الأموال من وقت سام
стр. 176
ذكر من تولى من الأعيان فى دولة الملك الناصر محمد بن قلاوون
وهم قاضى القضاة تقى الدين بن دقيق العيد والشيخ زين الدين الفارقى (١) والشيخ صدر الدين بن الوكيل (٢) وكان له شعر جيد، والفزارى (٣) والشيخ ضياء الدين الطوسى شارح الحاوى والشيخ شمس الدين السروجى (٤) شارح الهداية من كبار الحنفية والتوريزى محدث
стр. 177
مكة، والشيخ صفى الدين أبو الثناء محمود بن جبارة شارح الشاطبية والشيخ الزاهد ياقوت العرشى تلميذ أبى العباس المرسى، والشيخ برهان الدين الجعبرى والشيخ فتح الدين بن سيد الناس والقاضى محيى الدين بن فضل الله كاتب السر الشريف والقاضى جلال الدين القزوينى وغيرهم من أكابر العلماء والصلحاء وأعيان الناس لم نذكرهم هنا خوف الإطالة.
١٣ - ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين أبى بكر بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (١)
وهو أول من تسلطن من أولاد الناصر محمد، جلس على سرير الملك بعد موت أبيه الناصر فى يوم الخميس حادى عشرين ذى الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وهو الثالث عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تولى الملك بعهد من أبيه، وكان فى أولاده من هو أكبر منه ولكن الملك الناصر اختار تقديم هذا على إخوته، فلما تم أمره فى السلطنة استقر بالأمير قوصون أتابك العساكر واستقر بالأمير قطز دمر نائب السلطنة، وكان المتكلم فى أمر دولته الأمير طاجار الدوادار فاتفق مع السلطان على مسك الأتابكى قوصون، فوهج السلطان وأفشى سره لبعض الخاصكية وكان عنده حقه، فنقل ذلك المجلس ممن كان حاضرا عند السلطان لما فشى سره بينهم إلى الأتابكى قوصون وأخبره بما وقع كما قيل.
إذ المرء أفشى سره بلسانه … ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء من سر نفسه … فصدر الذى يستودع السر أضيق
فما بلغ قوصون ذلك اتفق مع الأمير ايدعمش أمير أخور كبير وجماعة من الأمراء على خلع الملك المنصور أبى بكر. فلما كان يوم الموكب امتنع الأتابكى قوصون عن الحضور إلى الخدمة، فاضطربت الأحوال فى ذلك اليوم. ثم إن قوصون طلع إلى القلعة على حين غفلة وقبض على الملك المنصور وأرسله إلى قوص ومعه أخويه يوسف ورمضان. فكانت مدة سلطنة الملك المنصور أبى بكر ثلاثة أشهر، وخلع فى شهر صفر سنة اثنتين وأربعين [وسبعمائة]. ثم إن قوصون ولى أخاه كجك وقبض على الأمير طاجار الدوادار والأمير بشتاك وأرسلهما إلى السجن بثغر الإسكندرية، ثم قبض على جماعة من الأمراء غيرهم.
стр. 178
وأرسل إلى عبد المؤمن متولى ناحية قوص بأن يقتل الملك المنصور فقتله، وأرسل رأسه إلى قوصون، فكتم موته عن الناس، وهو أول من قتل من أولاد محمد بن قلاوون.
١٤ - ذكر سلطنة الملك الأشرف علاء الدين كجك بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (١)
تسلطن بعد أن خلع أخيه الملك المنصور فى يوم الاثنين حادى وعشرين صفر سنة اثنتين وأربعين [وسبعمائة] هو الرابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بمصر وهو الثانى من أولاد محمد بن قلاوون تولى الملك وله من العمر نحو تسع سنين، فلما تم أمره فى السلطنة استقر بالأمير قوصون نائب السلطنة أتابك العساكر، وسكن فى دار النيابة وتصرف فى أمور المملكة فحسبما يختاره من ذلك، وكان إذا حضرت العلامة أخذ قوصون بيد السلطان كجك والعلم فى يده حتى يريه كيف يعلم على المراسيم والمناشير وكان الأمر جميعه بيد قوصون، فاضطربت أحوال الديار المصرية وكثر الخلاف بين الأمراء وتوقفت أحوال الرعية، وفى ذلك يقول بعض الشعراء.
سلطاننا اليوم طفل والأكابر فى … خلف وبينهم الشيطان قد نزعا
فكيف يطمع من … (٢) مظلمة … أن تبلغ الشوك والسلطان ما بلغا
ثم إن الأتابكى قوصون صار فى كل يوم يمسك جماعة من المماليك السلطانية وأرسل إلى الطنبغا نائب الشام يأمره بالقبض على طشتمر حمص احضر نائب حلب وقد بلغ قوصون عن طشتمر أنه يريد أن يحضر بالمقام الشهابى أحمد بن الملك الناصر محمد من الكرك وكان مقيما بها من حياة والده، فأرسل قوصون الأمير قطلوبغا الفخرى ومعه جماعة من العسكر إلى حصار المقام الشهابى أحمد بن الناصر. فلما توجه قطلوبغا الفخرى إلى الكرك اتفق هو ونائب حماه ونائب حلب وبقية النواب على أن يولوا المقام الشهابى أحمد بن الناصر، فوقع اتفاقهم على ذلك وتوجهوا إلى دمشق بمن معهم من العسكر ليمسكوا الطنبغا نائب الشام، فأرسل الطنبغا إلى الأمير قطلوبغا يسأله فى الصلح وأنه يكون تحت الطاعة للمقام
стр. 179
الشهابى أحمد بن الناصر فلما بلغ قوصون ذلك قصد أن يمسك الأمير ايدعمش أخور كبير، فلما بلغ ايدعمش ذلك ركب هو والأمير أقسنقر والأمير يلبغا اليحياوى وطلعوا إلى تخت القلعة وأحاطوا بها ونادى ايدعمش للعسكر كل من لا تكون عنده فرس يركبه يحضر إلى الإسطبل السلطانى ويأخذ له فرسا، فطلع إليه العسكر قاطبة، ففرق عليهم الخيول، ووثبوا على قوصون. فلما تحقق قوصون أن الركبة عليه أقام بالقلعة وحصنها. ثم أن الأمير ايدعمش نادى للأعوام بأن ينهبوا بيت قوصون فدخلوا إليه الأعوام وأحرقوا بابه ونهبوا أسطبله وهو ينظر إليهم من شباك طبقته التى فوق الاسطبل السلطانى، فبقى قوصون يقول: يا مسلمين ما تحققوا هذا المال أما يكون لى أو للسلطان؟ فقال له الأمير ايدعمش: هذا شكر أنه للأعوام والذى عندك من المال والتحف تكفى السلطان، فصارت الأعوام كل من رواه من مماليك قوصون أمر حاشيته يقتلوه. واستمر الأمر على ذلك إلى وقت الظهر فانكسرت همة قوصون عن القتال ويسحب من كان عنده من الأمراء والمماليك. فهجم عليه الأمير ايدعمش ومسكه وسجنه فى الزردخاناه، فلما مسك قوصون نهب الأعوام خانقاته التى داخل القرافة وجامعه وحواصله، ثم إن ايدعمش صار يمسك الأمر الذى من عصبة قوصون، ثم أرسل قوصون إلى السجن بثغر الإسكندرية وخلع الأشرف كجك من السلطنة وأدخله دور الحرم وأرسل إلى الناصر أحمد ليحضر من الكرك حتى يسلطنوه فخطب باسمه فى القاهرة قبل حضوره من الكرك إلى أن حضر وتولى السلطنة، فكانت مدة الأشرف كجك فى السلطنة إلى أن خلع خمسة أشهر، وأقام فى دور الحرم إلى أن مات فى دولة أخيه الملك الكامل شعبان ومات على فراشه.
١٥ - ذكر سلطنة الملك شهاب الدين أحمد بن الملك الناصر محمد بن قلاوون (١)
وهو الخامس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية والثالث من أولاد الناصر محمد بن قلاوون، تسلطن بعد خلع أخيه الأشرف كجك فى يوم الاثنين عاشر من شهر شوال سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فلما جلس على سرير الملك وقع منه أمور لا يقع إلا
стр. 180
ممن أصيب فى عقله، وذلك أنه استقر بالأمير طشتمر حمص أحضر فى نيابة السلطنة بمصر، وكان هو من جملة من تعصب له فى السلطنة، وحضر معه لما أتى من الكرك وكان يومئذ نائب حلب فلما حضر معه استقر به نائب السلطنة بمصر فأقام بها نحو أربعين ومن ثم قبض عليه.
وكان لما قدم إلى الديار المصرية استقر بالأمير قطلوبغا الفخرى فى نيابة دمشق عوضا عن الطنبغا فلما قبض على الأمير طشتمر أرسل فى القبض على قطلوبغا وهو فى أثناء الطريق.
ثم إن الناصر أحمد لم يستقم أمره فى السلطنة فاختار عوده إلى الكرك فلما كان يوم الاثنين سلخ ذى القعدة خرج السلطان من مصر فى طائفة يسيرة من العسكر قاصدا إلى الكرك واخذ معه من الأموال والتحف أشياء كبيرة وأخذ صحبته الأمير طشتمر حمص أحضر فى محفة وهو مقيد ثم أحضر الأمير قطلوبغا فى أثناء الطريق.
فلما دخل إلى الكرك اعتقل بها الأمير طشتمر والأمير قطلوبغا الفخرى وكانا سببا لسلطنته ولما دخل إلى الكرك أقام بها.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعون وسبعمائة:
وهو مقيم بالكرك فكاتبوه الأمراء الذين بالديار المصرية بأن يحضر من الكرك فإن مصالح الرعية ضائعة والأحوال غير صالحة فعاد إليهم الجواب من السلطان إلى مقيم بالكرك إلى أن يمضى النساء وبعد ذلك يحضر إلى القاهرة، فلما استقر الملك الناصر أحمد بالكرك بدا له أن يقتل الأمير طشتمر حمص احضر هو والأمير قطلوبغا الفخرى فوسطهما بالكرك. وفى طشتمر يقول العماد الأديب:
حنفت بالملك لما أتاك بالبسط ما جن … وقد امنت الليالى با حمص احضروا دجن
فلما فعل الناصر أحمد ذلك فنفرت منه القلوب ولم يستحسن أحد من الناس منه هذه الفعلة القبيحة لأنهما كانا سببا فى سلطنته وقد قتلهما بغير ذنب ولا موجب لذلك فكان كما قيل:
ما تفعل الأعداء فى جاهل … ما يفعل الجاهل فى نفسه
فما بلغ الأمراء الذين بالقاهرة ما فعله الناصر أحمد اتفق رأيهم على خلعه وسلطنة أخيه إسماعيل، فخلع من السلطنة فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية إلى أن خلع وهو بالكرك شهرين واثنى عشر يوما فكان كما قيل القائل فى المعنى.
فلم نقم إلا بمقدار أن … قلت له أهلا وسهلا ومرحبا
واستمر الناصر أحمد فى الكرك إلى أن قتل كما سيأتى ذكره فى موضعه إن شاء الله.