طالعا سعيدا لا يخرج البلد عن نسلهم، فما تم لهم ما أرادوا من ذلك وعلموا أن الأتراك لا يزال هذا البلد تحت حكمهم وأنهم لا بد أن يملكوه، وكان الأمر لذلك.
فلما قدم المعز من الغرب أخبروه بهذه الواقعة وكان له خبرة بالنجامة، وكان جوهر القائد سماها" المنصورية "فغير اسمها وسماها القاهرة فهذا كان سببا لتسميتها بالقاهرة. وكانت دار الإمارة للمعز مكان دار الضرب الآن وقد سمى ذلك بين القصرين والله أعلم.
وفى ذلك يقول بعض الشعراء:
لله قاهرة المعز فإنها … بلد تخصص بالمسرة والهنا
أو ما ترى فى كل قطر منيه … من حانيها فهى مجتمع المنيا
وقيل: إن المعز أخبره جماعة من المنجمين أن عليه قطعا شديدا وأشاروا عليه بأن يختفى فى سرب حتى يمضى عنه ذلك القطع، ففعل ذلك، فلما طالت مدته فى السرب ظن جنده أنه رفع إلى السماء، فكان الفارس منهم ينظر الغمام فينزل عن فرسه ويقول" السلام عليك يا أمير المؤمنين".
ثم خرج المعز بعد مدة من السرب، وقيل لما تولى المعز على الديار المصرية كانت عساكره ما بين كتامة وروم وصقالبة وبربر وغيرها من الطوائف وهم فى العدد ما لا يحصون لكثرتهم، حتى قيل تم يطأ الأرض بعد جيوش الإسكندر الرومى بن فيلبس المجدونى أكثر من جيوش المعز.
ولما [تقلد] (١) ابنه العزيز نزار أتخذ الديلم والأتراك واختص بهم. ومن الحكايات الغريبة: قيل إن زوجة الأمير أبى بكر بن محمد الإخشيدى لما زالت دولتهم أودعت عند شخص من اليهود بغلطاقا كله مكلل بالجواهر والفصوص الثمينة فلما طالبته به بعد مدة فأنكره. فقالت له: خذ منه ما تختار وأعطنى الباقى، فأبى وامتنع من الإعطاء، فعند ذلك توجهت إلى قصر المعز وأخبرته بما وقع لها منه. فأرسل خلف اليهودى واحضره وسأله عن البغلطاق فأنكره غاية
стр. 72
الإنكار. فشد عليه فاعترف به وأحضره، فلما رآه المعز تحير فيه من الجواهر، وقد أخذ اليهودى منه صدره درقين واعترف أنه باعهما بألف وستمائة دينار. فأخذه المعز منه بعد ما أستوعده بكل شئ ودفعه إلى زوجة الإخشيدى. فسألته أن يأخذه هدية منها فأبى قبوله منها، فأخذته وانصرفت.
وكان المعز عادلا منصفا للرعية، غير أنه كان رافضيا سبابا للصحابة. قيل وكان من بلاد حلب إلى بلاد الغرب إلى الحرمين الشريفين تحت حكم الخلفاء الفاطميين ويخطب فيها باسمهم. ومن بغداد إلى سائر ممالك الشرق وأعمالها تحت حكم الخلفاء من بنى العباس ويخطب فيها باسمهم.
وقيل: لما توفيت الست عبده بنت المعز وكانت تزوجت بعد موت أبيها المعز فوجدوا فى تركتها ثلاثمائة صندوق فيها ذهب وعين ووجدوا عندها ثلاثين ألف شقة من الحرير الأصفر من لون واحد، ووجدوا عندها أردبا من الفصوص الزمرد واللؤلؤ الكبار والياقوت الملون، ووجدوا عندها مدهنا من الياقوت وزنه سبعة وعشرون مثقالا لم تعرف له ثمن من قيمته.
وذكر بعض المؤرخين أن المعز لما دخل إلى القاهرة حمل معه من الأموال والتحف من بلاد الغرب ما لا يسمع بمثله، فمن جملة ذلك قيل كان معه من التحف قبة من البلور قطعتين، فجلس فيها أربع أنفس وكانت إذا وضعت فى الليلة المقمرة يخفى ضوء القمر من شعاعها. وكان فى قصره أربع خوابى من البلور كل خايبة تسع زاويتين من الماء وغير ذلك من التحف. وذكروا عنها بعض المؤرخين أنها كانت تعزل الكبار وتأكل كديدها فى مدة حياتها إلى أن ماتت.
وقيل: توفى المعز فى شهر ربيع الأخر من سنة خمس وستين وثلاثمائة، ونازاه من العمر لما توفى نحو أربعين، ودفن عند سيدى زين العابدين (١) جد السيدة نفيسة ﵄ وهو عند الكيمار التى بالقرب من حدرة بن قمحة.
стр. 73
وكانت خلافة المعز بالديار المصرية أربع سنين وأياما، ولما مات تولى من بعده ابنه نزار.
٢ - ذكر خلافة العزيز بالله أبى منصور نزار بن المعز بالله معد الفاطمى العبيدى (١)
وهو الثانى من خلفاء بنى عبيد بمصر بويع بالخلافة بعد موت أبيه المعز فى سنة خمس وستين وثلاثمائة، وكان مولده بالمهدية من مدائن القيروان وذلك فى سنة أربع وأربعين وثلاثمائة. ولما تم أمره فى الخلافة استقر بجوهر القائد مدبر أمر مملكته كما كان فى أيام أبيه المعز. وكان العزيز هذا كريما جوادا عادلا فى الرعية، وكان خيار خلفاء بنى عبيد. قيل لما تولى أمر الخلافة بمصر استقر بشخص من النصارى عاملا يقال له نسطورس فظلم الناس غاية الظلم واستقر بشخص من اليهود يقال له منشأه، فجعله وزيرا بالشام، فصارا يظلمان الناس ويجوران عليهم. فاتفق أن العزيز شق يوما من القاهرة فزينت له، فعمد بعض الناس إلى متحرة من حربد وألبسوها ثياب النساء وزيرها بإزار وجعل فى يديها قصه وكتب فيها بالذى أعز اليهود بمنشأه، وعز النصارى بنسطورس، وأذل المسلمين بك إلا ما رحمهم، ونصبوا ذلك الشخص على الطريق الذى يمر منه العزيز.
فلما رأها ظن أن لها حاجة فطلب قصتها فلما قرأها شق ذلك عليه. فلما عاد إلى قصره مسك نسطورس النصرانى وأرسل للقبض على منشأه اليهودى من الشام وصادرهما وأخذ جميع أموالهما. ثم أمر بصلبهما فصلبا حتى ماتا.
стр. 74
ومن العجائب فى أيامه: أن امرأة فى مدينة تنيس (١) تعرف بامرأة سليم ولدت بنتا لها رأسان فى جسد واحد وكل منهما كامل الخلقة، أحدهما بوجه أبيض مترك والأخر بوجه أسمر فيه سهولة فحملت إلى العزيز من تنيس حتى رآها، وتعجب من خلقتها وأنعم على أمها بشئ تستعين به على تربيتها ثم عادت إلى بلدها فأقامت مدة ثم ماتت، وكان ذلك فى سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، واستمر العزيز فى الخلافة إلى أن مات، فكانت وفاته فى شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة، وكانت خلافته بمصر واحد وعشرين سنة وخمسة أشهر. ولما مات تولى من بعده ابنه الحاكم.
٣ - ذكر خلافة الحاكم بأمر الله أبى على المنصور ابن العزيز بالله نزار بن المعز الفاطمى العبيدى (٢)
وهو الثالث من خلفاء بنى عبيد بمصر، بويع بالخلافة بعد موت أبيه العزيز فى يوم الثلاثاء أخر يوم من شهر رمضان سنة ست وثمانين وثلاثمائة، ومولده بالقاهرة فى يوم الخميس سادس عشرين جمادى الأول سنة خمس وسبعين وثلاثمائة. وكان الحاكم فى أول أمره دينا خيرا عادلا فى أمر الرعية، وهو الذى بنى الجامع الذى من داخل باب النصر، ولما تم أمره فى الخلافة أمر اليهود بلبس العمائم الصفر والنصارى بلبس العمائم الزرق والسامرة بلبس العمائم الحمر، وكانوا قبل ذلك فى زى واحد يلبسون المبارز العسلية، وفى ذلك يقول بعضهم:
تعجبوا للنصارى واليهود معا … والسامريين لما تعمموا الخرقا
كأنما بأت بالأصباع مستهلا … بشر السماء فاضحى فوقهم درقا
стр. 75
وهو الذى أسكن اليهود فى حارة زويلة، وجعل لهم حمامات وحدهم، وكان فى وقت أمرهم أن يدخلوا كلهم فى الإسلام فخافوا منه وأسلموا كلهم ثم أذن لهم بالعودة إلى دينهم، فارتد منهم فى يوم واحد سبعة آلاف يهودى ثم أمر بهدم كنائسهم ثم أعادها على ما كانت عليه، وهو مازال يتدرج فى الأفعال الشنيعة حتى قتل الأمير برجوان، وكان من أمراء جده المعز وهو صاحب حارة برجوان، وكان الحاكم يخشى من برجوان، وكان برجوان صاحب سطوة على الحاكم فمازال عليه حتى احتال فى قتله، فلما قتل برجوان احتاط الحاكم على موجوده، فوجد له من الأموال ما لا يحصى لكثرته فمن جملة ذلك وجد له ستة آلاف قطعة محيطة من سائر أنواع الحرير الملون، ووجد له ألف سروال بألف تكة حرير، وفى كل تكة نافحة مسك، ووجد له ألف قميص حرير، ووجد عنده سبعة أزيار صينى كبار مملوءة كافور قنصورى قديم وزن كل قطعة ثلاثة مثاقيل ووجد عنده سبعمائة نرجسية ذهب وفضة ووجد له من الدواب أربعة آلاف فرس، وأشياء كثيرة غير ذلك لا تحصى.
ولما قتل برجوان صفا للحاكم الوقت ولا بقى على يده يد فزاد فى الظلم والجور فى حق الرعية وصار يأمر بأشياء تضحك منها الناس.
فمنها: أنه مر يوما بحمام الذهب فسمع فيه ضجيج النساء فأمر بأن يسد عليهن باب الحمام فسدوه عليهن حتى مات جميع النساء اللائى كن فى الحمام عن أخرهن. ومنها: أنه أمر بمنع بيع الذهب والعنب، وأمر بحرق الكرم وقطعها فقطع منها شئ كبير ثم نهى عن بيع العسل وكسر منه نحو اثنى عشر ألف قطر، ثم منع الناس من أكل الملوخية وأكل القرع وعلل بتحريم الملوخية لكون أن معاوية بن أبى سفيان كان يميل إليها، ثم إنه أطلع على جماعة أكلوا ملوخية فضربهم بالسياط وطاف بهم فى القاهرة ثم ضرب أعناقهم بباب زويلة.
ثم نهى عن بيع السمك الذى لا قشر له، ونهى عن بيع الرطب والترمس، ثم أمر بقتل الكلاب، فقتل منها نحو ثلاثين ألف كلب، ثم إنه صار يوقد الشمع فى مجلسه ليلا ونهارا ثم إنه جلس فى الظلام مدة طويلة. ثم إنه أمر الناس بأن يغلقوا الأسواق بالنهار ويفتحوها بالليل ويجعلوا الليل مقام النهار فى جميع أحوالهم فامتثلوا ذلك دهرا طويلا. ثم إنه اجتاز يوما لشيخ يعمل فى النجارة بعد
стр. 76
العصر، فوقف عليه وقال له "ألم نهيتكم عن العمل بالنهار" فقال له الشيخ "يا أمير المؤمنين أما كان الناس يسهرون بالليل، وهذا من جملة السهر" فتبسم وتركه، ثم أعاد الناس إلى حالهم الأول وفتح الأسواق بالنهار.
وذكر ابن بكار (١) فى تاريخه عند سيرة الحاكم. قيل إن الحاكم كان يعبد الكواكب كما كان جده المعز، واشتغل بأمر المطالب، قيل إنه وجد فى بعض المطالب شخصا من حجر مجوف فيه روحانى موكل به، فكان ينطق كما ينطق بنى آدم، فكان من فوائد هذا الشخص أنه يظهر الضائع، ويخبر عن المكان الذى فيه الضائع. فأمر الحاكم بإشهار النداء فى القاهرة ومصر بأن أحدا لا يقفل له باب ولا دكان، ولا يعمل عليها ضبة ولا قفلا وكل من ضاع به شئ فهو فى درك الحاكم، فامتثلوا أمره.
فلما باتوا تلك الليلة سرق من القاهرة ومصر أربعمائة عملة، فأصبح الناس يستغيثون تحت قصر الحاكم. فقال الحاكم ما الخبر؟ فقال الوزير: يا أمير المؤمنين إن اللصوص قد سرقوا فى هذه الليلة أربعمائة عملة، حين امتثل الناس أمرك وتركوا أبوابهم مفتحة فقال الحاكم: "لا بأس عليهم". ونادى كل من ضاع له شئ، يحضر بين يدى الحاكم فحضر أصحاب الضوائع جميعهم، واحضر ذلك الشخص الحجر ويقولون له يا أبا الهول قد ضاع لنا ما هو كيت وكيت.
فيقول أبو الهول: "أخذ متاعك فلان بن فلان وهو فى المكان الفلانى فى الحارة الفلانية" فيمضى جماعة من عند الحاكم ويحضرون بالضائع وأخذ ما سرقه، فما رأيت يحضر لكل شخص ما ضاع له حتى رد جميع ما سرق فى تلك الليلة لأصحابه، ثم أمر بشنق اللصوص جميعهم، ونادى فى القاهرة "رحم الله من رأى العبرة من غيره، واعتبر". ثم صارت الدكاكين والبيوت بعد ذلك مفتحة ليلا ونهارا لا يذهب لأحد من الناس شئ وأمن الناس فى أيامه من اللصوص حتى كان يقع من الإنسان الدرهم الفلوس، فلا يجسر أحد على أخذه من الأرض حتى يمر صاحبه ويأخذه ولو بعد حين.
стр. 77
وذكر بعض المؤرخين أن رجلا وقع منه كيس فيه ألف دينار عند جامع ابن طولون، فصار كل من رآه يتباعد عنه حتى أقام أسبوعا مدة على الطريق حتى جاء صاحبه وأخذه. وقيل إن هذا الصنم المدعو بأبى الهول أقام عند الحاكم مدة طويلة حتى قتل الحاكم. فعمد بعض اللصوص وكسره بالليل فبطل فعله من حينئذ.
وأما ما يحكى عن أفعاله الشنيعة ومخالفته للشريعة: قيل إنه كان يلبس جبة صوف أبيض ويركب على حمار عال ويطوف الأسواق ويباشر حسبة القاهرة بنفسه فمن وجده يغش فى معاشه أو بضاعته أمر عبدا أسود كان معه يقال له مسعود أن يفعل به الفاحشة العظمى وهو اللواط ويأمره أن يفعل ذلك به فى وسط دكانه والناس تنظر إليه، ذكر ذلك ابن كثير (١)، وكان إذا غضب على أحد من حاشيته يمنعه من لقبه مدة طويلة لا يدعه بلقبه حتى يرضى عليه ويرد عليه لقبه فيكون عنده البشارة العظيمة.
وكانت أفعال الحاكم كلها متعددة وكان عنده شجاعة وكرم مع جبن وبخل ويحب أهل العلم ثم ينتقم منهم ويميل إلى الصلاح ويقتل الصلحاء وكان كثير السب للصحابة وأمر بكتابة ذلك على أبواب المساجد وفى الشوارع ثم محا ذلك بعد مدة. ولما بنى جامعه الذى بباب النصر منع الناس ألا يصلى أحد إلا فى جامعه. ثم منع الناس من صلاة التراويح عشر سنين ثم أباحها لهم. ثم هدم كنيسة وبنى مكانها مسجدا ثم أعادها كما كانت كنيسة.
стр. 78
ثم أمر اليهود بألا يكروا من مسلم بهيمة يركبونها ثم زاد فى الجور والظلم حتى يركب على حماره والغلمان من حو - له وينزل على باب جامعه الذى بناه وينظر إلى الغلمان فمن أراده منهم يقو - له له أرقد ويرقد فيشق بطنه ويخرج مصارينه بيده ثم يغسل يده، ويركب على حماره ويمضى، وأمر بإحراق جماعة من غلمانه بإشار، وقتل من غلمانه أكثرهم وكان له فى قتلهم الغاية.
قال الشيخ شمس الدين الذهبى (١) فى تاريخ الإسلام: ومازال الأمر يتزايد من الحاكم حتى أنه أدعى الربونية كما أدعى فرعون اللعين، وكان بعض الجهال من أهل مصر إذا رأوه يقولون "يا محيى، يا مميت" ثم إنه أدعى فى وقت علم الغيب فكان يقول يا فلان قلت فى بيتك البارح كذا وكذا، أو قلت كذا وكذا وكان ذلك باتفاق واعتمده مع العجائز الذين كانوا يدخلون إليه فيأمرهم أن يدخلوا بيوت الأمراء والأكابر ويعرفون بما يجرى فى بيوتهم من خبر أو سر فرفعت له فى أثناء ذلك رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات وكان جالسا فى موكبه.
بالجور والظلم قد رضينا … وليس بالكفر والحماقة
إن كنت أوتيت علم غيب … بين لنا كاتب البطاقة
فلما قرأها فحل وسكت عن الكلام فى علم الغيب، وكان هو وأقاربه يدعون الشرف ويقولون نحن من ولد على من فاطمة بنت رسول الله ﷺ
стр. 79
يريدون بذلك الافتخار على خلفاء بنى العباس. فبينما هو على المنبر يخطب ويقول "نحن من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وأبونا على بن أبى طالب، ونحن أفضل من بنى العباس". فرفعت إليه رقعة مكتوب فيها هذه الأبيات:
إنّا سمعنا نسبا منكرا … يتلى على المنبر فى الجامع
إن كنت فيما قلته صادقا … فانسب لنا نفسك كالطائع
وإن ترم تحقيق ما قلته … فاذكر لنا بعد الأب السابع
فإن أنساب بنى هاشم … يقصر عنها طمع الطامع
قيل لم يذكر نسبه بعد ذلك، وكان نسبه الحقيقى نسبا يرجع إلى الديصانية وهو ديصان بن سعيد (١)، وكان رجلا من المجوس.
قيل إن الحاكم قد أمر الناس إذا ذكر الخطيب اسمه يوم الجمعة على منبر يقوم الناس صفوفا إعظاما لذكره واحتراما لإسمه، وكان يفعل ذلك فى سائر مملكته حتى فى الحرمين الشريفين.
وكان قد أمر الناس إذا مر عليهم وهم فى الأسواق يسجدون له ومازال هذا الأمر يتزايد من الحاكم ويجور فى حق الرعية، وقد طالت أيامه الخيبة على الناس حتى كشفها الله تعالى عنهم، كما قيل:
ما خاب عبد على الله الكريم له … توكل صادق فى السر والعلن
حاشاه أن يحرم الراجى إجابته … إذا دعا لكشف الهم والحزن
وكان سبب قتل الحاكم أن أخته ست النصر لما رأت الأمر يتزايد من أخيها الحاكم، وكان فى كل وقت يهددها بالقتل، فلما تحققت منه ذلك توجهت فى الليل وهى متنكرة إلى دار الأمير سيف الدين بن دواس وكان أكبر أمراء الحاكم، فلما دخلت إليه، اختلت به وعرفته أنها أخت الحاكم، فعظمها وأكرمها. فقالت له: أنت تعلم بما يجرى من أخى فى حق الرعية من سفك الدماء وخراب البلاد، وقتل وجوه الدولة، وقد عول على قتلك وقتلى. فقال لها الأمير سيف الدين:
стр. 80
كيف تكون الحيلة فى قتله؟ فقالت: الرأى عندى أن يجهز له رجال يقتلونه إذا خرج إلى حلوان، فإنه ينفرد بنفسه هناك وإذا قتل تكون أنت المدبر للدولة ولده من بعده ووزيره.
فاتفقت معه على ذلك ومضت إلى دارها، فلما كان اليوم الذى خرج فيه الحاكم فعمد الأمير سيف الدين إلى عشرة من العبيد السود وأعطى لكل واحد منهم خمسمائة (١) دينار وعرفهم كيف يقتلونه، فسبقوه قبل خروجه إلى حلوان، فلما أتى إلى حلوان وانفرد بنفسه كعادته فخرج عليه هؤلاء العبيد وقتلوه بالقرب من حلوان.
فلما مضت أيام ولم يحضر الحاكم خرج إليه الناس والعسكر وكانوا ما بين ديالمة ومصامدة وصقالبة وعبيد سود، فخرجوا يلتمسون رجوعه ومعهم دواب الملك والموكب والجنائب الذهب وشعائر الملك فلم يحضر إليهم أحد، ففعلوا ذلك سبعة أيام، ثم خرج مظفر الدين الحاجب ومعه جماعة من العسكر فاستطردوا إلى دير البغل ثم أخذوا فى الدخول إلى الجبل المقطم. فبينما هم على ذلك إلا ظهر لهم حماره الأشهب المدعو بالقمر وقد قطعت يداه [ورجلاه] وعليه سرجه ولجامه.
فتبعوا أثر الحمار إلى أن انتهوا إلى أخر المقصبة التى فى شرقى حلوان فنزل رجل إليها فوجد ثياب الحاكم وهى جبة صوف أبيض ووجدوا فيها آثار السكاكين فلم يشكوا فى قتله من بعد ذلك، وكان قتله فى شهر شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة. وقد تمت حيلة أخته فى قتله، وكانت من النساء المدبرات من ذوى العقول.
قيل: إنها لما ماتت بعد أخيها (٢) الحاكم وجد عندها أربعة آلاف جارية ما بين مولدات وبيض وسود، فمنهن ألف وخمسمائة جارية أبكار والباقون بنات، ووجدوا عندها اثنين وثلاثين زيرا صينيا مملوءة من المسك السحيق، غير ما وجد لها من الأموال والتحف ما لا يحصى لكثرته.
стр. 81
ولما مات الحاكم صار بعض الناس من الجهال المغفلين من نواحى ضياع الشام يعتقدون حياة الحاكم وأنه حى ولا بد أن يعود ويحلفون لا "وغيبة الحاكم".
وكانت خلافته بمصر خمسة وعشرين سنة وشهرا، وفى هذه المدة قتل خلقا كثيرة لا تعد ولا تحصى من الفقهاء والعلماء والصلحاء وغيرهم من أعيان الناس.
وقد انتهت أخبار الحاكم بأمر الله على سبيل الاختصار ولما قتل تولى من بعده ابنه الظاهر.
٤ - ذكر خلافة الظاهر لدين الله بن الحاكم بأمر الله بن العزيز بن المعز العبيدى الفاطمى (١)
بويع بالخلافة بعد قتل أبيه الحاكم فى شوال سنة إحدى عشرة وأربعمائة وكان له من العمر لما تولى من الخلافة ستة عشرة سنة وثمانية أشهر ولقب بالظاهر، وهو الرابع من خلفاء بنى عبيد بمصر. وكانت عمته ست النصر. قائمة بتدبير مملكته والأمير سيف الدين بن دواس. فساسوا الناس أحسن سياسة وأرضوا الجند، ولكن حصل فى البلاد غاية الفتن، وخرب غالب البلاد وطمع الأعداء وملكوا اطراف البلاد، وقويت شوكة الأمير حسان فى لدّ من أعمال مدينة غزة.
ووقع فى أيامه حوادث عظيمة وضعفت دولة بنى عبيد من يومئذ وأخذوا فى النقص. ومن الحوادث فى أيامه أن رجلا أعجميا حضر إلى مكة ومعه جماعة وأظهروا أنهم يريدون الحج، فلما دخلوا إلى الحرم غافلوا الناس وقلعوا الحجر الأسود من مكانه وكسروه ثلاث قطع، فمسكوهم وقطعوا أيديهم وصلبوا منهم جماعة وكانت هذه الواقعة من أعظم الحوادث. واستمر الظاهر فى الخلافة إلى أن مات فى يوم الأحد خامس عشر شعبان سنة سبع وعشرين وأربعمائة فكانت خلافته بمصر عشر سنين وتسعة أشهر، ثم يخلف من بعده أبو تميم معد.
стр. 82
٥ - ذكر خلافة المستنصر بالله بن الظاهر لدين الله ابن الحاكم بأمر الله بن العزيز بن المعز (١)
بويع بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر فى يوم الأحد فى نصف شهر شعبان من السنة المذكورة، ولقب بالمستنصر بالله وكان له من العمر لما تولى الخلافة سبع سنين وعشرون يوما، وهو الخامس من خلفاء بنى عبيد بمصر وهو الذى خطب له البساسيرى على منابر بغداد، وهذا لم يقع لأحد من أقاربه من بنى عبيد.
ومن الحوادث فى أيامه: وقع الغلاء الكبير بمصر، وعقبه فناء عظيم ولم يقع مثل هذا الغلاء إلا فى زمن يوسف ﵇، وكان ذلك فى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قيل بيع القمح كل قدح ونصف بدينار، وأكل الناس فيه بعضهم بعضا حتى أكلوا القطط والكلاب الميتة، وقيل بيع الكلب بخمسة دنانير وبيع القط بثلاثة دنانير، وأشتد الغلاء ودام ذلك على الناس نحو سنتين حتى لم يبق فى العالم إلا القليل، فكان الكلب يدخل إلى الدار ويأكل الطفل الصغير وهو فى المهد، وأمه وأبوه ينظران إليه فلا يستطيعان النهوض لدفعه عنه من شدة الجوع، ثم قوى الأمر حتى صار الرجل يأخذ ابن جاره ويذبحه ويأكله ولا ينكر ذلك عليه، واشتهر ذلك بين الناس، وصار إذا قوى القوى على الضعيف ذبحه وأكله. وقيل كان بمصر حارة تعرف بحارة الطبق، وكان فيها عشرون دارا، كل دار تساوى فى الثمن ألف دينار، قيل فأبيعت كل دار برغيف خبز، فأبيعت الحارة كلها بطبق خبز فسميت حارة الطبق.
وقال أبو الفرج بن الجوزى (٢): خرجت امرأة بربع من اللؤلؤ وقالت "من يأخذ منى هذا اللؤلؤ، ويعطينى عوضه قمحا" فلم تجد من يأخذه منها ويعطيها
стр. 83
عوضه قمحا. فقالت "إن لم تنفعنى وقت الحاجة، فلا حاجة لى بك" وألقته على الأرض ومضت فلم يجئ أحد يلتقطه هو.
وقيل: إن الوزير ركب يوما بغلته ودخل دار الخلافة فلما نزل عن بغلته أخذت من غلمانه وأكلت فى الوقت، فأمسكوا الذين أكلوها وشنقوهم، فلما أصبحوا لم يجدوا أحدا من المشانيق وقد أكلوا من على الخشب ولم يبق منهم غير العظام.
وقيل: إن الخليفة المستنصر بالله أخرج فى هذه الغلوة جميع ما فى الخزائن من أموال وتحف وسلاح وقماش فباعها بأرخص الأثمان حتى قيل إنه أباع ثمانين ألف قطعة من أنواع الجوهر المثمن وخمسة وسبعين ألف شقة من أنواع الديباج المذهب، عشرين ألف سيف وإحدى وعشرين دارا وضيعة وعقارا، ومات جميع غلمانه وجواريه فى هذا الفناء، وانكشف حاله وافتقر فى هذه الحركة حتى لم يبق عنده إلا سجادة تحته وقبقاب فى رجله، وكان إذا نزل من قصره إلى مكان أخر يستعير من الوزير بغلته حتى يركبها ويقضى أشغاله عليها.
وقيل مات فى هذه الحركة أكثر أهل مصر من الجوع، حتى قيل كان يمشى الرجل من جامع ابن طولون إلى باب زويلة لم ير فى وجهه إنسانا
стр. 84
واستمر الحال على ذلك مدة، إلى أن بعث الله بالفرج القريب وتراجع الحال قليلا، وحسن الحال للخليفة المستنصر كما كان عليه وزيادة وطابت أوقاته وصفا له بعد ذلك الدهر، وطالت أيامه فى الخلافة وناب الزمان إليه مما جبى كما قيل فى المعنى.
الدهر لا يبقى على حالة … لابد أن يقبل أو يدبرا
فإن تلقاك بمكروهه … فأصبر فإن الدهر لن يصبرا
واستمر المستنصر فى الخلافة إلى أن مرض ومات يوم الخميس ثانى عشر ذى الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، فكانت مدة خلافته ستين سنة وأربعة أشهر، وكان عمره لما تولى الخلافة سبع سنين وعشرين يوما ولا يعلم فى الإسلام أن خليفة ولا سلطانا أقام هذه المدة مرة واحدة غير المستنصر هذا. قيل إن نوحا ﵇ عاش ألف سنة إلا خمسين عاما، كما أخبر الله تعالى، فقيل له كيف وجدت الدنيا قال كدار لها بابان دخلت من باب وخرجت من باب موقد.
وقال أبو الطيب المتنبى فى معنى ذلك.
ولما مات المستنصر تولى من بعده ابنه أحمد المستعلى.
٦ - ذكر خلافة المستعلى بالله أحمد بن المستنصر بالله ابن الظاهر بن الحاكم العبيدى الفاطمى (١)
بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستنصر بالله فى ثامن عشر ذى الحجة سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وهو السادس من خلفاء بنى عبيد بمصر.
ومن الحوادث فى أيامه: أن الفرنج استولوا على بيت المقدس وملكوه وتلاشت دولة بنى عبيد إلى الغاية. واستمرت الفتن فى تزايد والأحوال فى اضطراب إلى أن مرض المستعلى بالله. ومات فى يوم الثلاثاء تاسع شهر صفر سنة خمس وتسعين وأربعمائة. فكانت خلافته سبع سنين وشهرين ثم تولى من بعده ابنه منصور.
стр. 85
٧ - ذكر خلافة الآمر بأحكام الله أبى على منصور ابن المستعلى أحمد العبيدى الفاطمى (١)
بويع بالخلافة بعد موت أبيه المستعلى، وهو السابع من خلفاء بنى عبيد بمصر. كان قبيح السيرة، فاسقا، ظالما جبارا عنيدا، متظاهرا بالمنكرات، يميل إلى اللهو والطرب. وكان وزيره المأمون البطائحى وهو الذى بنى جامع الأقمر الذى بالقرب من سوق مرجوش فلما نقل أمر المأمون البطائحى على الآمر بأحكام الله قبض عليه وقتله وصلبه وذلك فى سنة تسع عشرة وخمسمائة.
ومن الحوادث فى أيامه: أن الفرنج استولوا على مدينة عكا وطرابلس ونابلس، وقصدوا أن يدخلوا إلى القاهرة فأهلك الله تعالى ملك الفرنج المسمى بردويل وذلك لما وصل إلى العريش فمرض هناك ومات فعمد أصحابه إلى بطنه وشقوها وأرموا مصارينه ودفنوا المصارين هناك، ثم صيروا جثته وحملوها إلى القمامة التى بالقدس فدفنوه هناك، وصار الناس كلما مروا بالعريش يرجمون مكان مصارين بردويل التى دفنت هناك وتسمى إلى اليوم سبخة بردويل.
واستمر الآمر فى الخلافة إلى أن قتل وهو مار على جسر الروضة عند خروجه إلى الجزيرة الوسطى فوثب عليه جماعة فى الليل وهو مجروح فمات من ليلته وذلك فى ثالث عشر ذى القعدة سنة أربع وعشرين وخمسمائة. فكانت خلافته بمصر نحو تسع وعشرين سنة وأشهر، ومات عن غير ولده، ثم تولى من بعده الحافظ عبد المجيد.
٨ - ذكر خلافة أبى الميمون عبد المجيد الحافظ لدين الله ابن المستنصر بالله العبيدى الفاطمى (٢)
بويع بالخلافة بعد قتل الآمر وهو الثامن من خلفاء بنى عبيد بمصر، ولقب بالحافظ لدين الله.
стр. 86
وفى أيامه: اضطربت أحوال الديار المصرية ووقع للحافظ هذا أمور يطول شرحها عن هذا المختصر. قيل كان الحافظ كثير الأمراض بالقولنج فصنع له شبرماه الديلمى الحكيم طبلا للقولنج، وقد وجد هذا الطبل فى خزائنهم عندما ملكها صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكان هذا الطبل مركبا من المعادن السبعة، وكل واحد من السبعة مرصود فى وقته، وكان من خاصية هذا الطبل إذا ضربت عليه أحد خرج منه ريح، وهذه الفائدة كانت لنفع القولنج. فلما وجد فى الخزائن ضرب عليه بعض الأكراد فخرج منه ريح، فغضب من ذلك وكسره من حنقه فندم عليه صلاح الدين يوسف بن أيوب غاية الندم، ودام الحافظ فى الخلافة إلى أن مات فى جمادى الأخر سنة أربع وأربعين وخمسمائة، فكانت خلافته تسع عشرة سنة وسبعة أشهر، ولما مات استولى من بعده ابنه إسماعيل.
٩ - ذكر خلافة الظافر بالله أبى المنصور إسماعيل ابن الحافظ عبد المجيد بن المستنصر بالله العبيدى الفاطمى (١)
بويع بالخلافة بعد موت أبيه الحافظ فى جمادى الآخر سنة أربع وأربعين وخمسمائة، وهو التاسع من خلفاء بنى عبيد بمصر، وتولى الخلافة و- له من العمر سبع عشرة سنة، وكان يميل إلى اللهو والطرب، وكان قد هوى ابن وزيره عباس يسمى نصر، وكان ينزل إليه فى بعض الأوقات وينام عنده، فتكلم الناس فى حق الوزير بسبب ذلك، واتسع أمره بين الناس بهذا الكلام، فوبخ الوزير يوما ابنه نصر بسبب ذلك.
فلما نزل الظافر فى بعض الليالى على عادته إلى بيت الوزير ومعه خادم واحد لا غير، فلما نام عنده فقام ابنه نصر المذكور وقتله وارماه فى البئر ثم عرف أباه بما فعله. فلما أصبح الوزير توجه إلى قصر الخلافة على عادته وطلب الخليفة الظافر، فقال له بعض الخدام: ابنك نصر يعرف طريقه، ثم إن الوزير احضر
стр. 87
القضاة وأعيان الدولة وقال لهم: إن الخليفة الظافر نزل فى مركب، فانقلبت به وغرق فى البحر الليلة. ثم قام الوزير ودخل إلى دور الحرم وأخرج ابن الظافر من عند أمه وولاه الخلافة. فلما أشاع بين الناس أن الوزير قتل الظافر، فثار الجند على الوزير وطالبوه بدم الظافر، ووقع له أمور يطول شرحها وأخر الأمر قتل الوزير عباس وابنه نصر كما سيأتى ذكره فى موضعه.
والظافر هذا هو الذى بنى الجامع المعروف الآن بجامع الفاكهانيين وهو بالقرب من الشوابين. قيل أن فى خلافة الظافر بالله العبيدى فى سنة إحدى وخمسين وخمسمائة وقع وباء عظيم بين الحجاز واليمن وكانوا يسكنون فى عشرين قرية فبادت منها ثمانية عشرة قرية، ولم يبق فيها دبار ولا نافخ نار وبقيت أنعامهم وأموالهم لا فائدة لها ولا يستطيع أحد أن يسكن فى تلك القرى ولا يدخلها وكل من دخل إليها هلك من ساعته. أما القريتان الباقيتان فإنهما لم يمت منهما أحد ولا عندهما شعور بما يجرى على من حولهما من القرى مما أصابها من الموت بل هما على ما كانا عليه، لم يفقد منهما أحد فسبحان القادر على كل شئ. فكانت خلافة الظافر أربع سنين وسبعة أشهر ثم من تولى من بعده ابنه الفائز.
١٠ - ذكر خلافة الفائز بنصر الله أبى القاسم عيسى بن الظافر ابن الحافظ بن المستنصر بالله العبيدى الفاطمى (١)
بويع بالخلافة بعد قتل أبيه الظافر، وهو العاشر من خلفاء بنى عبيد بمصر، قيل لما دخل الوزير عباس إلى دور الحرم وأخرج الفائز فحمله على كتفه ففزع منه واضطرب ودام به ذلك الفزع إلى أن مات بعد مدة. وكان عمره لما تولى الخلافة ست سنين. فلما استقام أمره فى الخلافة أخذت أمه وأقاربه فى تدبير الحيلة فى قتل الوزير عباس كما يقال الموت فى طلب النار، خير من الحياة فى العار.
стр. 88
فأرسل الخليفة الفائز وأقاربه يستعين على قتل الوزير عباس بشخص يسمى طلائع بن رزيك وكان متولى ناحية منية ابن خصيب، فجمع طلائع عسكرا وقصد الوثوب على الوزير عباس. لما بلغ الوزير عباس ذلك جمع ما قدر عليه من الأموال والجواهر والتحف، وهرب نحو بلاد الشام، فبينما هو فى أثناء الطريق خرج عليه جماعة من الفرنج فأخذوا جميع ما كان معه من الأموال وغيرها، وأسروا الوزير عباس وولده نصر. فلما بلغ طلائع بن رزيك ما جرى على الوزير عباس احتاط على جميع موجوده وتولى عوضه فى الوزارة ولقب بالصالح وهو الذى بنى الجامع الذى عند باب زويلة المسمى بجامع الصالح.
ولما استقام طلائع بن رزيك (١) فى الوزارة بذل للفرنج مالا عظيما وأخذ منهم الوزير عباس فلما ظفر به صلبه هو وابنه نصر على باب قصر الخلافة، واستمر الفائز فى الخلافة إلى أن مرض ومات فى يوم الجمعة سابع رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ومات و- له من العمر إحدى عشرة سنة. فكانت خلافته نحو خمس سنين. ولما مات تولى من بعده ابن عمه عبد الله العاضد.
стр. 89
١١ - ذكر خلافة العاضد بالله أبى محمد عبد الله بن الحافظ ابن المستنصر بالله العبيدى الفاطمى (١)
بويع بالخلافة فى شهر رجب من سنة خمس وخمسين وخمسمائة بعد وفاة الفائز وهو الحادى عشر من خلفاء بنى عبيد بمصر.
وقيل إن خلفاء بنى عبيد الفاطميين لما تولوا الخلافة بمصر قالوا لبعض العلماء اكتبوا لنا ألقابا تصلح للخلافة حتى إذا تولى منا أحد تلقب بها، فكتب لهم بعض العلماء ألقابا كثيرة آخرها العاضد، فاتفق أن آخر من تولى منهم العاضد، وكان أخر الخلفاء الفاطميين بمصر وبه انقرضت دولة بنى عبيد من مصر.
وكان طلائع بن رزيك وزير الظافر بنصر الله فسار مع الناس أحسن سيرة واستمر فى الوزارة إلى أيام العاضد هذا، فأقام مدة ومات. فلما مات تولى من بعده فى الوزارة شاور بن مجبر السعدى (٢) وهو الذى كان سببا لجراب دولتهم وزوال ملكهم.
قيل إن فى أيام العاضد هذا ملك الفرنج الديار المصرية واستولوا عليها حتى نزلوا عند بركة الحبش بالقرب من مدينة الفسطاط التى كانت بالقرب من جامع عمرو بن العاص وهو اليوم كيمان توجد فيها فى بعض الأحيان الأعمدة الرخام.
стр. 90
وسبب ذلك أن ملك الفرنج المسمى مرى لما أن نزل عند بركة الحبش وطمع فى أخذ مدينة الفسطاط فخاف الوزير شاور أن يملك الفرنج المدينة فأمر بحرقها ق فخربت وأقامت النار تعمل فيها أكثر من خمسين يوما حتى صار الدخان منها يرى من مسيرة ثلاثة أيام، فلما رأى ملك الفرنج ذلك خاف ورحل عن مصر وقصد التوجه إلى بلاده، وكان هذا الخراب مدينة الفسطاط وكان ذلك فى سنة أربع وستين وخمسمائة، وكان ذلك على يد الوزير شاور بن مجبر السعدى فمن حينئذ تزايدت القاهرة التى أنشأها المعز فى البناء والعمارة إلى يومنا هذا، ولما فعل الوزير شاور ما فعل تلاشى أمر الخليفة العاضد، وقويت شوكة بنى أيوب فقتلوا الوزير شاور بن مجبر السعدى ثم تولى عوضه أسد الدين شير كوه. أخوا أيوب ابن عم صلاح الدين يوسف بن أيوب وتلقب بالمنصور. فمن المؤرخين من عده من وزراء مصر، ومنهم من عده من ملوك مصر. ولما تولى على مصر فلم تطل أيامه بها ومات بعد مضى شهرين وقيل مات فجأة وذلك فى يوم السبت ثانى عشر جمادى الآخر من سنة أربع وستين وخمسمائة.
ثم تولى من بعده فى الوزارة صلاح الدين يوسف بن أيوب فلما تولى صلاح الدين يوسف ضعف أمر العاضد إلى الغاية. ثم إن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشام وهو المعروف بالشهيد، أرسل يقول لصلاح الدين يوسف بن أيوب أن يقطع اسم العاضد من الخطبة بمصر وأعمالها. فلما فعل صلاح الدين ذلك حصل للعاضد أمر عظيم بسبب ذلك ومات عقيب ذلك كما سيأتى ذكره فى موضعه.
قيل لما استولى صلاح الدين يوسف على حواصل الفاطميين بعد موت العاضد وتسلم القصرين بما فيهما من الأموال والتحف والسلاح وغير ذلك. فاستمر صلاح الدين يقبع من ذلك الحواصل عشر سنين غير ما اصطفاه لنفسه وغير ما أرسله إلى نور الدين الشهيد (١) بالشام ذكر ذلك العماد الكاتب (٢).
стр. 91
فكانت خلافة العاضد اثنتى عشرة سنة وستة أشهر. ولما مات العاضد استولى صلاح الدين يوسف بن أيوب على مصر وأعمالها.
قال: الشيخ شمس الدين الذهبى فى تاريخه: إن العاضد كان مع صلاح الدين يوسف كالمحجور عليه لا يتصرف فى كل الأمور إلا بعد مشورة صلاح الدين يوسف. وكان سبب موت العاضد لما بلغه أنه خطب لبنى العباس على منابر مصر فشق ذلك عليه فعمد إلى فص مسموم كان معه فمصه فمات من فاقته. وقيل غير ذلك. وكان العاضد يكره أهل السنة وكان رافضيا مثل أقاربه سبابا للصحابة، قبيح السيرة وبه انقطعت دولة الفاطميين أجمعين.
стр. 92
ذكر ابتداء دولة الأكراد من بنى أيوب (١)
- ١
فكان أولهم: الملك الناصر أبو المظفر صلاح الدين يوسف بن أيوب ابن شادى بن مروان الكردى. وقيل أصلهم من أذربيجان من جهة بلاد الكرج، وهم فى الحقيقة أكراد كانوا فى خدمة زنكى ثم من بعده صاروا فى خدمة ولده نور الدين محمود بن زنكى صاحب الشام وهو المعروف بالشهيد، وهو الذى أرسل بنى أيوب إلى مصر عندما أرسل العاضد إلى نور الدين الشهيد يطلب منه نجدة عندما استولى الفرنج على الديار المصرية كما تقدم، فأرسلهم نور الدين الشهيد إلى مصر بجيش عظيم.
فلما رحل ملك الفرنج المسمى مرى عن مصر فقتلوا الوزير شاور بن مجبر السعدى فولوا بعده فى الوزارة للعاضد، وهو أسد الدين شيركوه أخو أيوب ابن عم صلاح الدين، ثم من بعده تولى صلاح الدين يوسف بن أيوب وتلقب بالناصر. قيل لما تلقب صلاح الدين يوسف بالناصر أرسل الخليفة الناصر (٢) صاحب بغداد يعتب
стр. 93
صلاح الدين الذى تلقب بلقبه. واستمر فى وزارة العاضد إلى سنة ست وستين وخمسمائة، فأرسل نور الدين الشهيد وكان بالشام يقول لصلاح الدين يوسف اقطع اسم العاضد من الخطبة بمصر وأجعلها باسم الخليفة المستضئ العباسى خليفة بغداد، فأرسل صلاح الدين يقول: لنور الدين الشهيد إن أهل مصر لا يطاوعوا على ذلك، ويخشى من ثورتهم علينا بسبب ذلك. فأرسل نور الدين الشهيد إليه ثانيا وهو يقول: لا بد أن يقطع اسم العاضد من الخطبة بمصر.
وكان نور الدين الشهيد يكاتب صلاح الدين يوسف الأمير إلا صفة لا، لأن نور الدين الشهيد كان أستاذ صلاح الدين يوسف فعند ذلك جمع صلاح الدين الأمراء الذين كانوا بمصر كيف يكون إبتداء الخطبة لبنى العباس بمصر. فاختلفت أقوالهم فى ذلك، فأم شخص من أبناء العجم يعرف بالأمين العالم. فقال: أنا ابتدى بها.
فلما كان يوم الجمعة من شهر المحرم سنة سبع وستين وخمسمائة فصعد المنبر قبل الخطبة ودعا للخليفة المستضئ بالله العباسى فلم يتكلم أحد من المصريين ولا أنكر ذلك عليه. فلما كانت الجمعة الثانية أمر صلاح الدين يوسف للخطباء بمصر والقاهرة أن يقطعوا اسم العاضد من الخطبة ويخطبوا باسم المستضئ بالله ففعلوا ذلك. فلما بلغ العاضد ذلك فعل بنفسه ما تقدم ذكره، ومات فى يوم عاشوراء كما تقدم. فأقام صلاح الدين يوسف فى ولاية مصر، وتوفى نور الدين الشهيد فى سنة تسع وستين وخمسمائة بالشام. وكان نائبا عن نور الدين الشهيد إلى أن مات نور الدين فعند ذلك صفا لصلاح الدين يوسف الوقت واستقل بمملكة مصر والشام وحده من غير مشارك له فى ذلك. وطالت أيامه بمصر وفتح فى أيامه تلك الفتوحات الهائلة، فمن جملتها بيت المقدس بعد ما كان بيد الفرنج مدة طويلة. وفتح فى أيامه عدة بلاد كانت بيد الكفار.
قيل: هو الذى بنى قلعة الجبل، وهو الذى بنى سور القاهرة بالقص الحجر النحت، وكان قديما مبنيا بالطوب اللبن الذى بناه جوهر القائد فى أيام المعز الفاطمى وآباره باقية إلى الآن عند الباب الجديد وهو مبنى بالطوب اللبن.
стр. 94
قيل: وكان بناء سور القاهرة بالحجر القص فى سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة قال ابن الأثير: دوره تسعة وعشرون ألف ذراع وثلاثمائة ذراع بالهاشمى، وكان القائم على بنائه الأمير بهاء الدين قراقوش.
فى هذه السنة: أمر بإنشاء قلعة الجبل وهى التى صارت دار السلطنة الآن ولم يتم عمارتها إلا فى أيام الملك الكامل ابن أخى صلاح الدين يوسف وهو أول من سكنها من بنى أيوب.
وفى هذه السنة: هبت ببغداد ريح شديدة نصف الليل، وظهرت أعمدة مثل النار فى أطراف السماء، وبقى الأمر على ذلك إلى وقت السحر، فخاف الناس من ذلك، انتهى.
وقيل: هو الذى قرر الخدام الخصى فى مدينة النبى ﷺ وذلك عندما تغلب بنى حسن على الخلفاء الفاطميين، واستقلوا بالكلمة، وصاروا يجهرون عند الأذان بقولهم "حى على خير العمل" وهو مذهب الشيعة.
فلما تولى صلاح الدين يوسف أمر الديار المصرية استمال بنى حسن وغدق عليهم بالأموال والهدايا حتى أذنوا له أن يجعل على المدينة جماعة من قبله.
فأرسل صلاح الدين إلى المدينة الشريفة أربعة وعشرين خادما خصيا، وقرر عليهم شيخا منهم اسمه بدر الدين الأسدى ووقف عليهم بلدين وهما نقادة وقبالة من بلاد الصعيد. وكان شيخ الحرم إذا اقدم على ملوك مصر يقومون له ويجلسونه ويتبركون إذا قدم عليهم. ودام الأمر على ذلك إلى أيام الملك الأشرف برسباى.
قيل: إن صلاح الدين يوسف هو الذى بنى خانقاه سعيد السعداء التى من داخل باب النصر وهو الذى بنى المدرسة الصلاحية التى كان بالقدس الشريف.
وكان قد أمر فى أيامه باسقاط المكوس التى كانت تؤخذ من مصر وأعمالها وكتب بذلك مساميح وقرئت على المنابر وأودعت عند القاضى الفاضل عبد الرحيم.
وكانت جملة ما أبطله من المكوس فى كل سنة مائة ألف دينار وهو الذى أقام السادة الشافعية وقدمهم على غيرهم من المذاهب. وهو الذى أزال جند مصر من العبيد البربر والصقالبة وكنانة والأرمن وشناترة العرب وغيرهم من الطوائف، كانت بمصر فى الدول المتقدمة. واستجد بمصر جماعة من الترك
стр. 95
والأكراد خاصة حتى كانت عدتهم اثنى عشر ألف فارس، ولكن كل فارس منهم مقوم بمائة فارس وهو الذى أقام بمصر الحرمة العظمة بعد ما كان تلاشى أمرها إلى الخراب. وهو الذى بنى تربة الشافعى بعد ما كانت ساحة وهو الذى بنى المارستان القديم عند دار الضرب.
واستمر صلاح الدين يوسف بن أيوب فى مملكة مصر إلى أن مرض ومات بدمشق فى شهر صفر سنة تسع وثمانين وخمسمائة، ومات و- له من العمر نحو واحد وسبعين سنة، وكان مولده فى قلعة تكريت فى سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة. فكانت مدة سلطنته بمصر أربع وعشرين سنة، وانفرد بملك مصر فى جمادى الآخر سنة ست وستين وخمسمائة. ولما مات خلف من الأولاد سبعة عشر ولدا ذكرا، ولم يخلف فى الخزائن من الذهب والفضة شيئا سوى سبعة وأربعين ألف درهم، ولم يخلف قرية ولا ملكا ولا بستانا، ونفد جميع ما فى الخزائن على الفتوحات والتجاريد التى كانت فى أيامه. وهو أول ملوك بنى أيوب بمصر. ولما مات ولى من بعده ابنه العزيز عثمان.
٢ - ذكر سلطنة الملك العزيز عماد الدين أبى الفتح عثمان بن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب (١)
تسلطن بعد موت أبيه صلاح الدين يوسف، وكان مولده فى جمادى الأولى سنة سبع وستين وخمسمائة، وكان أصغر أخوته، وهو الثانى من ملوك بنى أيوب بمصر، وكان أخوه الأفضل أكبر أخوته، فلما مات صلاح الدين بدمشق وتولى ابنه الأفضل على دمشق وتولى ابنه المظفر غازى على حلب، فلما تولى العزيز عثمان على مصر وكان أصغرهم فحاربه أخوته، وجرى له معهم أمور يطول شرحها.
وكان له من العمر لما تولى على مصر سبع وعشرون سنة، ولما تولى على مصر سار فى الناس أقبح سيرة، وأعاد المكوس التى كان أبطلها والده صلاح الدين وزاد فى شناعتها وتجاهر بالمعاصى والمنكرات حتى غلا سعر العنب فى أيامه لكثرة ما
стр. 96
يعصره، وحميت بيوت المزارة، وأقيمت عليها الضرائب الثقيلة، حتى صار يؤخذ منها فى كل يوم ستة عشر دينارا، وحملت أوانى الخمر جهارا من غير إنكاره.
وجاء فى أيامه غلوه والقمح موجود فى الجرون، ومازال الأمر يتزايد منه فى كل يوم، حتى خرج نحو مدينة الفيوم يتصيد فلاح له ظبيا فساق خلفه، فكبا به الفرس، فدخل قربوس السرج فى بطنه، فحمل إلى القاهرة فمات فى عشرين المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة ودفن عند الإمام الشافعى ﵁، ثم تولى من بعده ابنه محمد.
٣ - ذكر سلطنة الملك المنصور ناصر الدين محمد بن العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب (١)
وهو الثالث من ملوك بنى أيوب بمصر، تسلطن بعد أبيه عثمان فى المحرم سنة خمس وتسعين وخمسمائة، وكان له من العمر نحو عشرين سنة. وكان المدبر فى مملكته الأمير بهاء الدين قراقوش وهو صاحب حارة بهاء الدين، فلم تطل أيام المنصور محمد، وتغلب عليه أعمامه وجرى له معهم أمور يطول شرحها. وأخر الأمر خلعه عم أبيه من السلطنة وتسلطن بعده عوضا عنه، وسجن المنصور محمد فى دور الحرم بحيث لا يخرج منها ولا يظهر، واستمر على ذلك إلى أن مات.
فكانت مدته بمصر سنة وتسعة أشهر (٢) وخلع من الملك.
٤ - ذكر سلطنة الملك العادل سيف الدين أبى بكر ابن الأمير نجم الدين أيوب بن شادى (٣)
تسلطن بعد خلع ابن أخيه المنصور محمد وتولى الملك فى شوال سنة خمس وتسعين وخمسمائة.
стр. 97
وكان العادل هذا فى أيام أخيه صلاح الدين يوسف قد استولى على عدة بلاد وطالت أيامه فى السعادة. وكان مسعود الحركات فى أفعاله إلى أن تولى ملك مصر.
وكان مولده بمدينة بعلبك فى سنة أربع وستين وخمسمائة وكان أصغر من أخيه صلاح الدين يوسف. وكان العادل هذا لما تولى ملك مصر يصيف بالشام ويشتى بمصر، وكان كثير الأكل، يأكل الخروف وحده ويحب من يواكله وكان على أكله كبير انتكاح. وهو الرابع من ملوك مصر من بنى أيوب.
ومن الحوادث فى أيامه: أن الغلاء عم أهل مصر وعقب ذلك فناء عظيم وهلك من الناس جماعة كثيرة من الأغنياء ومن الفقراء.
قال أبو شامة فى تاريخه: إن الملك العادل كفن من ماله فى مدة يسيرة (من مات) من الغرباء نحو من مائتى ألف وعشرين ألف إنسان. وكان مع الفناء غلاء عظيم حتى أكل من الكلاب والقطط شئ كثير وأكل من الأطفال شئ كبير، وكان إذا غلب القوى على الضعيف ذبحه وأكله، وقد ذبح من الأطباء فى تلك السنة جماعة كثيرة يدعونهم إلى المريض فيذبحونهم ويأكلونهم وقد غربت الأقوات وغلا سعر كل شئ وكان ذلك فى سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وقيل إن رجلا استدعى طبيبا، فخاف الطبيب على نفسه وذهب معه وهو على وجل، فجعل الرجل يكثر من ذكر الله تعالى ويتصدق على من يجده فى الطريق من الفقراء فساءت نفس الطبيب بذلك فحين وصلا إلى الدار فوجدها خربة، فارتاع الطبيب من ذلك فخرج إليه رجل من الدار وقال لصاحبه ومع هذا البطء جئت لنا بصيد؟ فلما سمع الطبيب ذلك ولى هاربا، وما خلص إلا بعد جهد كبير.
ثم بعد مدة انصلح الحال ورخص السعر وتراجع كل شئ إلى ما كان عليه وحسنت الأوقات.
واستمر الملك العادل فى السلطنة بمصر إلى أن مرض ومات بدمشق فى ثامن جمادى الأخر سنة خمسة عشرة وستمائة ودفن بدمشق، فكان مدة سلطنته بمصر ثمانية عشرة سنة وتسعة أشهر وهو صاحب المدرسة السويفية التى بالقرب من باب الرهومة.
стр. 98
ولما مات العادل أبى بكر استقر كل واحد من أولاده فى مملكة، فاستقر الملك الكامل محمد بمصر، واستقر الملك المعظم عيسى بدمشق، واستقر الملك الأشرف موسى شاه أرمن بحلب، وشاه أرمن هذا هو ممدوح القاضى كمال الدين بن النبيه الشاعر فى قصائده كلها، فمن ذلك قوله فى ختم زجل:
والشراب أحمر وأصفر كنوا رآيات شاه أرمن … فأملك بحال حمالوا بما خلق وليس بخلق
ولما مات العادل تولى ابنه محمد أمر الديار المصرية من بعده.
٥ - ذكر سلطنة الملك الكامل ناصر الدين محمد بن الملك العادل أبى بكر بن أيوب (١)
تولى ملك مصر بعد أبيه فى يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة سنة خمسة عشرة وستمائة. وهو الخامس من ملوك بنى أيوب بمصر وكان الملك الكامل محمد أكبر أخوته.
قال الشيخ شمس الدين الذهبى فى تاريخه: إن الملك الكامل محمد استولى على الديار المصرية نحو أربعين سنة نصفها فى حياة أبيه العادل، ونصفها مستقلا بها وحده بمفرده. هو الذى بنى القبة العظيمة على ضريح الإمام الشافعى ﵁ وأجرى إليها الماء من بركة الحبش إلى حوش السبيل، وهو الذى بنى المدرسة الكاملية التى بين القصرين، وهو صاحب الغزوات الكبيرة مع الفرنج بثغر دمياط وغيرها من البلاد وفتح الله تعالى على يده فى أيامه فتوحات كثيرة وكان مسعود الحركات.
وقيل فى أيامه: توفى الشيخ شرف الدين عمر بن محمد الفارض الحموى (٢) ولد بالقاهرة فى رابع ذى القعدة سنة سبع وسبعين وخمسمائة وتوفى بالقاهرة فى
стр. 99
الثانى من جمادى الأول سنة اثنتين وثلاثين وستمائة ودفن بالقرافة الصغرى تحت العارض بالجبل المقطم وإنما سمى بالفارض لأن والده شمس الدين محمد كان قد انفرد فى علم الفرائض وقسم الميراث فاشتهر بذلك.
ذكر طرف يسيرة من غزوات الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر - وذلك على سبيل الاختصار
قيل: لما استولى الفرنج على ثغر دمياط وملكوها وأسرفوا فى قتل من بها من المسلمين، فركب الملك الكامل محمد بعد أخذ مدينة دمياط بيومين ومن معه من العساكر وقد تكامل معه من العساكر أربعين ألف مقاتل، وأرسل الملك الكامل إلى البلاد يستحث الناس إلى الحضور لدفع العدو عن البلاد. وكتب إلى سائر الآفاق بسرعة الحضور، وأما الفرنج لما مثلوا ثغر دمياط حصنوا سورها وجعلوا الجامع كنيسة. فلما وصل الملك الكامل نزل قبالة طلخا على رأس بحر أسمور وبحر دمياط وهى التى يقال لها اليوم المنصورة، ونادى بالنفير عام فحضروا جماعة من العربان من الشرقية والغربية ومن نواحى الصعيد، فاجتمع هناك السواد الأعظم ما لا يحصى من الخلائق ووقع القتال هناك مع الفرنج فجرى بينهم من القتال ما يطول شرحه، فعند ذلك أيقن الفرنج بالهلاك وأرسلوا يطلبون من السلطان الأذن على أنهم يتركون مدينة دمياط ويرحلون عنها وأرسل ملك الفرنج يقول للسلطان نحن نرسل رهائن منا وأنتم أرسلوا رهائن منكم إلى أن يقع الصلح بيننا فأرسل ملك الفرنج عشرين ملكا من ملوك الفرنج إلى عند السلطان، وأرسل السلطان الملك الكامل ابنه نجم الدين الصالح مع جماعة من الأمراء إلى عند ملك الفرنج فعند ذلك سلم الفرنج مدينة دمياط إلى المسلمين، وأطلق كل من الفريقين، وكان عنده من الأسرى وكان يوم تسليمها يوما مشهودا لم يسمع بمثله، ثم إن الفرنج رحلوا عن دمياط. ولما كان الملك الكامل محمد فى مدة المحاصرة على دمياط كان عنده شخص من جندارية الوالى يقال له شمائل، وكان يمشى فى ركاب الملك الكامل، ويسبح فى البحر ويأتى للسلطان بأخبار الفرنج وما يجرى منهم فى كل يوم فحظى عند السلطان بذلك وقربه، فلما انتصر الملك الكامل على الفرنج جعل شمائل المذكور والى القاهرة وإليه ينسب خزائن شمائل وكانت عبارة عن سجن
стр. 100
يجلس بها أصحاب الجرائم، وكان الملك المؤيد شيخ من جملة من حبس بها، وكان شيخ لما حبس بها من جملة مماليك السلطان برقوق فقاسى بها مشقة وشدائد عظيمة فنذر أن أعطاه الله تعالى ملك مصر لهدم خزانة شمائل ويجعل مكانها جامعا، فكان الأمر كذلك.
قيل: لما سلم الفرنج مدينة دمياط، دخل الملك الكامل فى موكب عظيم، وأرسل البشاير إلى سائر الآفاق بأخذ مدينة دمياط من أيدى الفرنج، وكانوا قد أشرفوا على أخذ الديار المصرية من أيدى المسلمين. وكانت مدة نزول الفرنج على مدينة دمياط إلى أن رحلوا عنها ثلاث سنين وأربعة أشهر وتسعة عشر يوما، منها مدة إستلائهم عليها سنة وعشرة أشهر وأربعة وعشرون يوما.
وقيل: لما انتصر الملك الكامل على الفرنح هذه النصرة العظيمة نزل بقصره الذى أنشأه بالمنصورة وحضر عنده أخواه الملك المعظم عيسى صاحب دمشق والملك الأشرف موسى شاه أرمن صاحب ماردين، وكانا قد حضرا نجدة لأخيهما الملك الكامل محمد، لما بلغهما أن الفرنج ملكوا دمياط، فلما حصلت هذه النصرة أراد الملك الكامل أن ينبسط هو وأخواه، وأحضروا سفرة الشراب كما قيل:
فيوم علينا، ويوم لنا … ويوم نساء، ويوم نسر
فلما شربوا وطاب المجلس أحضر الملك الأشرف موسى جارية تضرب بالعود، فلما أخذت العود أصلحته وغنت عليه هذه الأبيات:
ولما طغى فرعون عكا بسحره … وجاء ليسعى بالفساد إلى الأرض
أتى نحوه موسى وفى يده العصا … فأغرقهم فى اليم بعضا على بعض
فطرب الملك الأشرف موسى لذلك فشق على أخيه الملك الكامل محمد صاحب مصر فأحضر جارية من عنده تضرب بالعود أيضا، فأخذت العود وأصلحته وغنت عليه هذه الأبيات:
أيا أهل دين الكفر بالله فأعجبوا … لما قد جرى فى عصرنا وتجددا
ألا إن موسى قد أتانا وقومه … وعيسى جميعا ينصرون محمدا
стр. 101
فطرب الملك الكامل محمد لذلك طربا شديدا، وأنعم على كل جارية منهما بخمسمائة دينار.
وقيل: إن الذى نظم هذه الأبيات هو الراجح الحلى قبل الصفى الحلى بمدة طويلة والله أعلم.
واستمر الملك الكامل محمد فى السلطنة بمصر إلى أن مرض، ومات فى يوم الخميس ثانى عشرين رجب سنة خمس وثلاثين وستمائة. فكانت مدة سلطنته بمصر نحو عشرين سنة، ولما مات تولى من بعده ابنه أبى بكر، وكانت وفاة الملك الكامل محمد بدمشق فى العشرين من رجب كما تقدم.
٦ - ذكر سلطنة الملك العادل سيف الدين أبى بكر بن الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن نجم الدين أيوب (١)
تسلطن بعد وفاة أبيه الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن نجم الدين أيوب فى سنة خمس وثلاثين وستمائة. وكان سبب تقدم العادل هذا على أخيه الكبير الصالح نجم الدين لأن الملك الكامل لما توفى بدمشق وكان العادل هذا نائب أبيه على الديار المصرية، فأتفق رأى الأمراء الذين كانوا بمصر على سلطنة أبى بكر ابن الملك الكامل محمد فسلطنوه ولقبوه بالملك العادل. وهو السادس من ملوك بنى أيوب بمصر، فلما بلغ هذا أخاه الكبير نجم الدين الصالح أن أخاه الصغير تسلطن بمصر، وكان الصالح هذا فى البلاد الحلبية من أيام والده الملك الكامل فشق ذلك عليه وتحرك على أخيه العادل، فلما حضر إلى الديار المصرية جرى بينه وبين أخيه العادل ما يطول شرحه ثم إنه خلع العادل من السلطنة وسجنه وتسلطن عوضه ثم إن مات الملك الصالح قبل أخيه العادل أبى بكر كما سيأتى ذكره فى موضعه، وقيل وهو فى السجن وذلك فى شهر شوال سنة ست وأربعين وستمائة، فكانت مدة سلطنة العادل أبى بكر بمصر سنة وشهرين وأياما، وتولى من بعده أخوه نجم الدين أيوب.
стр. 102
٧ - ذكر سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبى بكر بن نجم الدين أيوب (١)
تسلطن بعد خلع أخيه العادل أبى بكر فى يوم الاثنين خامس عشرين ذى الحجة سنة سبع وثلاثين وستمائة، وكان له من العمر لما تولى السلطنة نحو أربعة وثلاثين سنة. ومولده فى سنة ثلاث وستمائة بالقاهرة، وهو السابع من ملوك بنى أيوب بمصر. وكان سبب قتل أخيه العادل أبى بكر أن الملك الصالح لما أراد التوجه إلى البلاد الشامية لإصلاح أمرها فخاف من إبقاء أخيه العادل وهو فى السجن، فقتله فى الدير ثم توجه إلى دمشق فحصل للملك الصالح وهو بدمشق أكلة فى خده، فعاد إلى مصر وهو عليل فأقام على ذلك مدة يسيرة.
ثم جاءت الأخبار بأن ملك الفرنج المسمى فرنسيس نزل على ثغر دمياط فى عسكر عظيم من البر والبحر، وقتل من المسلمين خلقا كثيرة، فعند ذلك خرج إليه الملك الصالح وهو عليل فى محفة فنزل بالمنصورة وأمر يجمع العساكر من سائر البلاد من فرسان العربان وغيرهم، فاجتمع هناك من الخلائق ما لا يحصى عددهم ويقاتلوا معه الفرنج أشد القتال، هذا والملك الصالح يتزايد فى المرض كل يوم حتى يئس منه الأطباء فلما كانت ليلة الأحد رابع عشر شعبان سنة سبع وأربعين وستمائة. توفى الملك الصالح نجم الدين أيوب وهو بالمنصورة فكتم موته خوفا من الأفرنج ولم يظهروا ذلك وحملوه فى الليل إلى القاهرة ودفن بها ولم يعلم أحد من الناس بموته. وقيل دفن عند الإمام الشافعى عند أقاربه، وقيل دفن فى قلعة الروضة لما جاء به من البحر فى الليل، وكان القائم بتدبير المملكة يومئذ شخص يسمى حسام الدين لاجين فكانت بعد موت الملك الصالح تخرج المراسيم بعلامة السلطان، فلا يشك من يراها أنها خط الملك الصالح وهم يظهرون أن السلطان مريض، ولم يجسر أحد أن يقرب المحفة، ودام الأمر على ذلك حتى قدم ابنه مغيث الدين توران شاه وكان فى حصن كيفا، فلما حضر توران شاه وتولى السلطنة واشيع موت الملك الصالح ونادى المنادى بالدعاء للملك المعظم توران
стр. 103
شاه، تسلطن بالمنصورة ووردت البشائر بذلك إلى الديار المصرية ودقت الكوسات وزينت القاهرة وذلك فى سنة ثمان وأربعين وستمائة. فكانت مدة سلطنة الملك الصالح نجم الدين أيوب بالديار المصرية سبع سنين وسبعة أشهر وعشرين يوما، والملك الصالح هذا هو صاحب المدرستين اللتين بين القصرين، وهو الذى بنى القلعة التى كانت بالروضة على بحر النيل وأسكن بها جماعة من المماليك، وكان يسمون المماليك البحرية، وقيل كان عدتهم ألف مملوك، وقتل أكثر من ذلك وكانوا يقيمون فى قلعة الروضة دائما ولهم شوانى فى البحر عند الصناعة مكملة بسبب القتال مشحونة بالسلاح، وهو الذى جلب المماليك والأتراك بمصر، وفيه يقول بعض الشعراء:
الصالح المرتضى أيوب أكثر من … ترك بدولته يا شر مجلوب
لا آخذ الله أيوبا بفعلته … فالناس قد أصبحوا فى صبر أيوب
ولما مات الصالح نجم الدين تولى من بعده ابنه توران شاه.
٨ - ذكر سلطنة الملك المعظم مغيث الدين توران شاه بن الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد (١)
تسلطن بعد موت أبيه الصالح نجم الدين بأربعة أشهر لأن الملك الصالح مات بالمنصورة فى نصف شهر شعبان من السنة المذكورة وكتم موته خوفا من الفرنج إلى حضور أبنه توران شاه من حصن كيفا فحضر فى أول المحرم سنة ثمان وأربعين وستمائة، فتسلطن هناك وهو الثامن من ملوك بنى أيوب بمصر.
ولما قدم من حصن كيفا كان العساكر على ثغر دمياط فى الحصار مع الفرنج وقد طمعوا بموت الملك الصالح، فلما احضر توران شاه وتسلطن فوقع بينه وبين الفرنج هناك وقعة عظيمة حتى كاد الفرنج أن يستظهروا على المسلمين وتملكوا الديار المصرية، فأذن الله تعالى بالنصرة على يد الأمير بيبرس البندقدارى ومن معه من المماليك البحرية وبقية العساكر فحملوا على الفرنج حملة واحدة بالسيوف
стр. 104
والدبابيس حتى هزموا الفرنج بإذن الله تعالى، فبلغت عدة من قتل من الفرنج فى هذه الوقعة ما يزيد على عشرين ألف إنسان، وكانت هذه الواقعة فى فارسكور وغنم منهم المسلمون فى هذه الوقعة شيئا كثيرا من الأموال والسلاح والقماش والخيول وأسروا ملك الفرنج المسمى فرنسيس وأسروا أقاربه، فجلس ملك الفرنج فى دار لشخص يسمى ابن لقمان فى ثغر الإسكندرية ووكلوا بملك الفرنج وأقاربه طواشى يسمى صبيح الغطمى، فصار يضرب ملك الفرنج وأقاربه فى كل يوم ألف عصاه حتى أذاقهم العذاب الأليم.
ثم إن ملك الفرنج اشترى نفسه من السلطان توران شاه بمال جزيل، ثم أفرجوا عنه وعن أقاربه وحلفوه أنه لا يعود بعد ذلك إلى بلاد المسلمين ولا يخون اليمين، ورجع ملك الفرنج إلى بلاده، فلما قتل توران شاه وتولى أيبك التركمانى كما سيأتى ذكره فى موضعه، فعند ذلك تحرك ملك الفرنج فرنسيس على الديار المصرية ثانى مرة وقد خان اليمين فكتب إليه الصاحب جمال الدين بن مطروح (١) هذه القصيدة، ومن أبياتها:
قل للفرنسيس إذا جئته … مقال نصح من فؤول فصيح
دار ابن لقمان على حالها … والقيد باق والطواشى صبيح
فلما قرأ فرنسيس ملك الفرنج هذه الأبيات يذكر ما جرى عليه من الطواشى صبيح الغطمى وما قاساه منه، فرجع إلى بلاده من حيث جاء ولم يقاتل أهل مصر بعد ذلك، هذا ما كان من أمر ملك الفرنج فرنسيس. وأما ما كان من أمر الملك المعظم توران شاه بعد أن تسلطن فأنه لما حصلت له هذه النصرة العظيمة على الفرنج رحل من المنصورة ونزل على فارسكور فعمل له هناك برجا خشبيا على فم
стр. 105
البحر، وظن أن الوقت قد صفا له فأخذ فى أسباب تقريب من قدم معه من حصن كيفا، وصار يعطيهم الوظائف السنية.
ثم أمر رءوس النواب أن تكون عطيتهم ملبسة بالذهب إذا وقفوا قدامه فى المواكب، وكان إذا سكر مرض الشموع قدامه ويضرب رءوسها بالسيف ويقول هذا "هكذا أفعل برءوس المماليك البحرية" وكان عنده خفة زائدة ورهج فى الأمور.
فعند ذلك نفرت منه قلوب الرعية. وكان قد أرسل إلى شجرة الدر زوجة أبيه الملك الصالح يهددها بالقتل ويستوعدها بكل سوء، فأرسلت شجرة الدر إلى الأمراء والمماليك البحرية تقول لهم "إن قتلتوا توران شاه، فعلىّ رضاكم بالمال".
فلما كان يوم الاثنين تاسع عشرين المحرم من سنة ثمان وأربعين وستمائة فجلس الملك المعظم توران شاه على السماط فتقدم إليه بعض المماليك البحرية وضربوه بالسيف فقطعوا أصابعه، فقام إلى البرج الخشب وأغلق عليه الباب فأطلقوا فيه النار فألقى بنفسه فى البحر وهو يقول خذوا ملككم، ودعونى أرجع إلى حصن كيفا ". وصار يسبح فى البحر والنشاب تأخذه من كل جانب وهو يصيح يا مسلمين ما فيكم من يعيننى، فقتلوه وهو فى البحر عائما فمات قتيلا حريقا غريقا وبقى السماط ممدودا على شاطئ البحر لا يجسر يتقرب إليه أحد من عظيم الاضطراب، وصار السلطان ملقى قتيلا على جانب البحر وأقام ثلاثة أيام لم يدفن.
فكانت مدة سلطنة الملك المعظم توران شاه نحو شهر ثم وقع الاتفاق من الأمراء على سلطنة شجرة الدر فسلطنوها، وهى أخر من تولى من جماعة بنى أيوب بمصر.
٩ - ذكر سلطنة شجرة الدر بالديار المصرية (١)
تسلطنت بعد قتل الملك المعظم توران شاه فى شهر صفر سنة ثمان وأربعين وستمائة وأصلها من جوارى الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراها فى أيام أبيه الملك الكامل محمد، وحظيت عنده واستولدها ابنه خليل ثم اعتقها وتزوج بها.
وكانت معه فى البلاد الشامية مدة طويلة ثم قدمت معه إلى الديار المصرية.
стр. 106
فلما تسلطن الملك الصالح عظمت شجرة الدر فى دولة أستاذها الملك الصالح، وصار إليها غالب تدبير أمور الديار المصرية فى حياة أستاذها الملك الصالح وبعد وفاته. وكانت ذات عقل وحزم ورأى ومعرفة بأحوال المملكة فتسلطنت لحسن سيرتها وجودة تدبيرها، [وكان يعاونها] (١) الأمير عز الدين أيبك التركمانى أتابك العساكر ومشاركها فى أحوال المملكة، وصار يخطب باسم شجرة الدر على منابر مصر وأعمالها.
وكان الخطباء يقولون بعد الدعاء للخليفة "واحفظ اللهم الجهة الصالحية، ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين [ذات الحجاب الجليل، والستر الجميل] والدة المرحوم خليل" فأقامت على ذلك مدة ثلاثة أشهر فساست الرعية فى مدة سلطنتها أحسن سياسة وسارت فيهم سيرة حسنة إلى أن أبدى بها خلع نفسها من السلطنة باختيارها.
وقيل: إن الخليفة أرسل من بغداد إلى الأمراء الذين كانوا بمصر يقول لهم:
إعلمونا إن كان ما بقى فى مصر عندكم من الرجال من يصلح للسلطنة، فنحن نرسل إليكم من يصلح لها، أما سمعتم الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لا ينكح قوم ولوا أمرهم امرأة" (٢) وأنكر عليهم بسبب ذلك غاية الإنكار وقد قال بعضهم فى المعنى.
النساء ناقصات عقل ودين … ما رأينا لهن رأيا سنيا
ولأجل الكمال لم يجعل الله … تعالى من النساء نبيا
فلما بلغها ذلك خلعت نفسها من السلطنة وتولى أيبك التركمانى ثم مشى الأمراء بينهما فتزوج أيبك شجرة الدر، وكان أيبك لا يتصرف فى شئ من أمور المملكة إلا برأى شجرة الدر، وكانت ذات شهامة زائدة وكانت تركية الجنس شديدة الغيرة صعبة الخلق فتولى أيبك السلطنة وكان مع شجرة الدر فى غاية الضنك.
стр. 107
١ - ذكر سلطنة عز الدين أيبك التركمانى الصالحى النجمى (١)
هو أول ملوك الترك بمصر تولى الملك فى يوم السبت تاسع عشرين ربيع الأول سنة ثمان وأربعين وستمائة، وركب شعار الملك وحملت على رأسه القبة والطير، ولقبوا بالغواشى الذهب قدامه.
فلما استقر فى السلطنة قال المماليك الصالحية لابد لنا من واحد من بنى أيوب نسلطنه وكان القائم ذلك الأمير بليان والأمير فارس الدين أقطاى والأمير بيبرس البندقدارى وسنقر الرومى وجماعة كثيرة من المماليك الصالحية، واحضروا بشخص من بنى أيوب.
وقيل: من ذريته يقال له مظفر الدين يوسف من أولاد الملك مسعود صاحب بلاد الشرق، وكان عند عماته فى بلاد الشرق. فلما حضر سلطنوه ولقبوه بالملك الأشرف، وكان له من العمر نحو من عشرين سنة. ولما تسلطن لم يعزلوا أيبك التركمانى من السلطنة، بل صار معه كالاتابكى وخطب باسمهما على المنابر وضربت السكة باسمهما على الدنانير والدراهم فلم يسمع أيبك إلا الإذعان فى ذلك واستمر المعز أيبك فى السلطنة وهذا الصبى يوسف شريكه فى السلطنة إلى أن قويت شوكة المعز أيبك، فعند ذلك عزل الصبى يوسف عن السلطنة واستقل بها وحده بعد أمور جرت له ووقائع أحوال يطول شرحها على هذا المختصر حتى قتل المعز كما سيأتى ذكره.
وكان سبب قتل المعز أيبك أن زوجته شجرة الدر قد بلغها أن أيبك خطب بنت بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فتغير حاله على شجرة الدر لأنها كانت تمن على أيبك فى كل وقت وتقول له: لولا أنا ما تسلطنت أنت وكانت قد منعته من الاجتماع بأم ولده على حتى أنها لزمته أن يطلقها بالثلاثة، فحنق منها أيبك ونزل إلى مناظر اللوق، وكانت مناظر اللوق مكان الأزبكية الآن، فأقام بها أياما وهو غضبان فأرسلت إليه شجرة الدر من خلف عليه ويلطف به حتى سكن غيظه وطلع إلى القلعة.
стр. 108
وكانت شجرة الدر قد أعدت له من يقتله إذا طلع إليها، فلما طلع إليها اصطلحت معه ودخل الحمام ودخلت معه إلى الحمام فلما استقر بها دخل عليهما خمسة من الخدام الخصى الروم الذين كانت أعدتهم له ليقتلوه فأخذ بعضهم بخناقه وبعضهم بمحاشمه فاستغاث بشجرة الدر، فقالت للخدام أتركوه فاغلظ عليها بعضهم وقال: متى تركناه لا يبقى عليك ولا علينا، فقتلوه فى الحمام وذلك فى يوم الثلاثاء ثالث عشرين ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة. فلما قتل أيبك تولى من بعده ابنه نور الدين على، فعند ذلك قبص على شجرة الدر ودخل بها إلى أمه فقتلتها بالقباقيب إلى أن ماتت فرموها فى خندق القلعة وهى عريانه فأقامت ثلاثة أيام مرمية لم تدفن والناس ينظرون إليها، وأما الخدام الذين قتلوا أيبك فشنقوهم على باب القلعة.
وقيل: إن أحد الحرافيش جاء فى الليل إلى شجرة الدر وهى مرمية فقطع تكة لباسها وكان فيها أكرة لؤلؤ كبار ثم دفنت فى تربتها التى بالقرب من السيدة نفيسة.
وكانت شجرة الدر كثيرة البر والصدقة ولها أوقاف على جهة بر ومعروف، وكانت دينة خيرة تحب الفقراء وتحب المساكين ولم يسمع بأن فى الإسلام من تسلطن من النساء غير شجرة الدر، ونالت من العز والعظمة ما لا ناله أحد من النساء قبلها، وتصرفت فى الدهر بحسب ما تختاره من الأمور كما قيل.
أيها المتعب جهلا نفسه … يطلب الدنيا حريصا جاهدا
لا لك الدنيا ولا أنت لها … فاجعل الهمين هما واحدا
فكانت مدة سلطنتها بمصر نحو ثلاثة أشهر، وكانت مدة سلطنة الملك المعز أيبك التركمانى بمصر سبع سنين فمنها مدة انفراده بالسلطنة خمس سنين وثلاثة أشهر، ومدة الصبى يوسف المقدم ذكره الذى كان شريكه فى السلطنة نحو سنة وأشهر.
ولما قتل أيبك تولى من بعده ابنه نور الدين على. قال بعضهم هذه الأبيات المواليا تتضمن أسماء ملوك الترك ممن تولوا السلطنة بالديار المصرية، من أول ملوك الترك [والجراكسة] دون أسماء أولادهم على الترتيب وهم:
стр. 109
أيبك قطز يعقبو … بيبرس ذو الأكمال
بعدو قلاون بعد … وكتبغا المفضال
لاجين بيبرس بر … فوق شيخ ذو الأفضال
ططر برسباى جق … مق ذو العلا أينال
وخشقدم عنه قل … يلياى ذو الأحوال
تمربغا قايتبا … ى الفحل ذو الإقبال
وقانصوه جنبلا … ط خذ عنهما الأقوال
وبعده جاء طو … مان باى بالإقبال
وبعده قانصوه … الغورى أبو الأهوال
وبعده صار طومان … باى فى جل جال
وأما سليم شاه … خادم سعده عمال
وبعده أحمد الباشاه … بسيفوا جال (١)
٢ - ذكر سلطنة الملك المنصور نور الدين على بن الملك المعز أيبك التركمانى الصالحى (٢)
تسلطن بعد قتل أبيه الملك المعز أيبك التركمانى فى يوم الخميس سادس عشرين ربيع الأول سنة خمس وخمسين وستمائة، وهو الثانى من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية. تسلطن و- له من العمر نحو إحدى عشرة سنة، وكان القائم بتدبير مملكته علم الدين سنجر الحلبى، وكان وزير المنصور على بن المعز شخصا يسمى شرف الدين ابن صاعد الفايزى، فلما ثقل أمر سنجر على الناس وجار عليهم فعند ذلك قبض عليه الأمير قطز المعزى ووقع بينهما أمور يطول شرحها.
стр. 110
وكان فى أيام الملك المنصور على هذا قدوم هولاكو ملك التتار إلى مدينة بغداد وقتله للخليفة المستعصم بالله، وكان قصد هولاكو أن يزحف على بلاد حلب والشام ومصر. فلما بلغ الأمراء الذين يأتون مصر هذه الأخبار فعقد الأمير قطز مجلسا وجمع فيه القضاة والأمراء وأعيان الدولة بسبب قتال هولاكو ورفعه عن البلاد، وكان المشار إليه فى ذلك المجلس عز الدين بن عبد السلام من كبار الشافعية، فقال: إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتاله، وجاز للسلطان أن يأخذ من الرعية ما يستعان به على تجهيز العسكر، بشرط ألا يبقى فى بيت المال شئ من المال والسلاح والقماش، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتشاوروا فى ذلك أنتم والعامة سوى بحيث لا يبقى مع الجند شئ.
وأما أخذ أموال الرعية مع بقايا فى أيدى الجند من المال فلا يجوز، فعند ذلك اجتمع رأى القضاة والأمراء على خلع الملك المنصور على بن المعز أيبك لصغر سنه وعدم دفعه للعدو، واتحدوا هلاكو. فخلعوه من السلطنة وسلطنوا قطز بعده وقيل عوضه.
فكانت مدة سلطنة الملك المنصور على بن المعز أيبك بالديار المصرية نحو سنتين وسبعة أشهر واثنين وعشرين يوما ثم أرسلوه إلى السجن بثغر دمياط وأمه معه، فأقام بها إلى أن مات بعد مدة طويلة.
ومن الحوادث فى أيامه قد ظهر بالمدينة الشريفة نار كانت تختفى بالنهار وتظهر بالليل يراها الناس من مسافة بعيدة ويظهر لها دخان عظيم، فأقامت على ذلك نحو أربعين يوما ثم خفيت بعد ذلك. وقد قال بعضهم فى ذلك.
بحر من النار تجرى فوقه سفن … من الهضاب لها فى الأرض إرساء
منها تكانف فى الجو الدخان إلى … أن عادت الشمس منه وهى دهماء
يرمى لها شررا كالقصر طائشة … كأنها ديمة تنصب هطلاء
فيا لها معجزات عن رسو … ل الله قد ظهرت والناس أحياء