← История

История · id 30069

عقود الجمان في وقائع الأزمان

ابن إياس

Полный текст (553 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

هذا الكتاب حظى العصر المملوكي بعدد لا بأس به من المؤرخين الذين سجلوا حوادث ووقائع ما جرى بذاك العصر، مثل المقريزي وبدر الدين العيني، والسخاوي وغيرهم، ويظل ابن إياس الحنفي واحدا من أهم مؤرخي هذا العصر، وقد عاصر جانبا من سنواته الممتدة، وعاش حتى زمن الاحتلال العثماني البغيض لمصر. ويتميز تاريخ ابن إياس، بكونه لا يكتفي برصد الوقائع السياسية، والأحداث المتعلقة بسلطة الحكم فقط، لكنه يسجل العديد من مظاهر الحياة اليومية الاجتماعية المتعلقة بحياة عموم الناس، والذي يطلق عليهم "هوام العوام"، فجاء تأريخه في جانب من جوانبه، وكأنه مشاهد من أفلام تسجيلية، تعيدنا إلى ما كان يدور داخل المجتمع المصري خلال أزمنته البعيدة تلك. وكتاب عقود الجمان في وقائع الأزمان، إنما هو مختصر لكتاب "بدائع الزهور في وقائع الدهور" وهو سفر ضخم يعد من أعمدة كتب التأريخ للعصر المملوكي، وقد قام باختصاره المؤلف نفسه، ليكون كتاب "عقود الجمان في وقائع الأزمان"، والذي تضعه سلسلة التراث الحضاري بين يدي القراء، بجزئه الثاني فقط، حيث ضيع الزمان جزئيه الأول والثالث ولم يتم العثور عليهما. وتشكر سلسلة التراث الحضاري الباحث الأستاذ أحمد سعيد على تحقيقه الأمين لهذا النص الذي ينشر لأول مرة. سلوى بكر

стр. 2

مقدمة الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى وبعد، هذا هو الجزء الثاني من عقود الجمان في وقائع الزمان، وهو كل ما وصلنا حتى اليوم من الكتاب، فالجزء الأول والجزء الثالث في حكم المفقودين، ويتناول هذا الجزء من الكتاب الذي بين يدي القارئ حوادث مصر، وتراجم أعلامها من بداية الدولة المملوكية بمصر إلى نهاية سلطنة الملك الناصر محمد بن قايتباي ٩٠٤ هـ، "وردت الحوادث مرتبة على ذكر السلاطين المماليك"، علما بأن الجزأين الأول والثالث من هذا الكتاب في حكم المفقودين ولم يعثر عليهما للأسف حيث أنه تناول في الجزء الأول سيرة الخلفاء، والجزء الثالث منه يبدأ بأخبار دولة الظاهر قانصوه. وانتهت المدرسة التاريخية المملوكية إلى أنها تسير في الأساس بنهج التأريخ لمصر بالنظام الحولي، وذلك بجمع وتلخيص ما أنجزه المؤرخون السابقون، ثم كتابة ما تلا ذلك من الأحداث التاريخية، فأرخ المقريزي لتاريخ المماليك في كتابه "السلوك لمعرفة دول الملوك" ثم استكمل أبو المحاسن بن تغري بردي كتاب المقريزي وذلك في كتابيه "النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة" و"حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور"، كما عرف نظام آخر التذييل كما فعل السخاوي حين ذيل لكتاب السلوك للمقريزي في كتابه المسمى: "التبر المسبوك في ذيل السلوك"، ثم تنتهي حلقات تاريخ مصر في عصر المماليك بكتابات ابن إياس "بدائع الزهور في وقائع الدهور" و"عقود الجمان في وقائع الأزمان" و "جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك". ذكر ابن إياس في كتابه عدة جوانب منها: الحياة السياسية، والاجتماعية والدينية، والعلمية، والنشاط الاقتصادي والعمراني لمصر في فترة حكم

стр. 3

المماليك البحرية والجراكسة حتى نهاية عهد السلطان الناصر محمد بن قايتباي، وهذه الأخبار اعتمد المؤلف في سردها على ما أورده في كتابه بدائع الزهور، لأن عقود الجمان هو كتاب مختصر عن بدائع الزهور. ونظرا لضعف اهتمام العامة وأهل العلم وعوامل أخرى سيأتي ذكر بعض منها، لجأ أصحاب المؤلفات التاريخية وخاصة المطولة إلى اختصارها، وكان أقربها عهدا اختصار ابن تغري بردي لكتابه النجوم الزاهرة، ثم اختصر ابن إياس كتابه بدائع الزهور في كتاب سماه "عقود الجمان في وقائع الأزمان"، ثم في كتاب "جواهر السلوك"، سوف نورد الأسباب والدوافع التي أدت إلى انتشار المختصرات. وفي الختام لا يسعني إلا الشكر لمن وجهني لتحقيق هذا الكتاب وإخراجه للباحثين في مجال الدراسات التاريخية، وأقول كما علمني د. محمد جمال الشوربجي "لا أدعي أن تحقيقي لهذا الكتاب القيم قد وصل حد الكمال، فالكمال لله وحده"، ولكني بذلت فيه طاقتي. والله تعالى الموفق والهادي أحمد سعيد القاهرة ١٤٤٤ هـ/ ٢٠٢٣ م

стр. 4

تمهيد المختصرات التراثية - تطور الكتابة التاريخية الإسلامية: بدايات التأريخ الإسلامي اقترنت بدراسة سيرة الرسول ﷺ ، لذلك ارتبطت المغازي بالحديث، والذي ترك طابعا لا يمحى في المنهج التاريخي باستخدام الإسناد، وهو ما رسخ بأن الأخبار وظواهرها تستند إلى أساس تاريخي قويم. وفي بداية القرن الثاني الهجري/ الثامن الميلادي، اتجهوا نحو جمع الأخبار وروايتها بشكل متصل ومنظم حول أي موضوع، واعتمدوا في جمعهم للمادة العلمية التاريخية على الروايات القبلية والعائلية، وكل ما كان متداولا في هذا الوقت، ولم يكن باستطاعتهم تجاهل السند، والذي استعملوه بحرية، فازداد أهميته لدى الإخباريين بالتدريج، مما سبب الاتجاه الإسلامي في كتابة التاريخ. ومع بداية القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي، أصبح في متناول المؤرخين المسلمين كم هائل من المادة التاريخية، والتي خلفها لهم كتب السيرة النبوية والمغازي، وساعدهم في ذلك الظروف التاريخية، والتي ترتب عليها ازدهار المعرفة التاريخية وتطورها في النمط والمنهج. وفي القرن الرابع والخامس الهجريين/ العاشر والحادي عشر الميلاديين، تحددت معالم علم التاريخ سواء من حيث المادة أو من حيث الأحداث التاريخية نفسها، فتعددت بتعدد المراكز السياسية في البلاد الإسلامية، واختاروا مادتهم التاريخية بعد النقد في مختلف المصادر.

стр. 5

وفي القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي انتعشت الكتابة التاريخية، لتعرض البلاد للغزو الخارجي، فنظر المؤرخون للخطر الذي يهدد حضارتهم وتراثهم. وفي القرن السابع والثامن الهجريين/ الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، شهد القرن نشاطا ملحوظا في التأليف من ناحية وفي جمع الكتب وإنشاء المكتبات من ناحية أخرى والعناية بها، فقد وجد في كل مدرسة من مدارس الشام ومصر خزانة للكتب، كما وضعت أغلبية المساجد مكتبات احتوت على مختلف أنواع العلوم. ومع ذلك التطور في الكتابة ظهر من ضمن الاتجاهات الكتابة التاريخية، اتجاه إلى كتب المختصرات والذيول والانتقاء من الكتب المطولة. مفهوم الاختصار: الاختصار أو التلخيص هو فن من فنون الكتابة التاريخية، وهو عبارة عن التصرف في النص الأصلي، وقلما ترك نص من النصوص القديمة المهمة بغير أن يلخص أكثر من مرة، وكان المؤلف نفسه أحيانا يلخص بعض كتبه. يعبر الإمام العتابي عن الاختصار فيقول: "ولاختصار هممهم، اختاروا المختصر في كل شيء" (١)، وعليه يقول د. كمال نبهان (٢): "ومن الطبيعي أن يزداد الاتكاء على المختصرات عندما تنقص الهمم في عصر أو مجتمع معين" (٣). ويعرف ابن مسعود التلخيص بأنه: "إيراد الأصول وحذف الفضول" (٤)، أما ابن عبد البر، فيعتبره "اكتفاء بالدرر والفرائد" (٥). _________ (١) كشف الظنون ٢/ ٩٦٣. (٢) هو أ. د. كمال عرفات نبهان، ولد بمحافظة القليوبية عام ١٩٤١ م، متخصص في علم المكتبات، وله كتاب "عبقرية التأليف العربي علاقة النصوص والاتصال العلمي"، (انظر: كمال نبهان، عبقرية التأليف، ص ٦٣٩). (٣) عبقرية التأليف ٢٠٠. (٤) جوامع إصلاح المنطق، ٣. (٥) الدرر في اختصار المغازي والسير، ١٢.

стр. 6

الألفاظ المرادفة والدالة على الاختصار (١): (١) المستخلص = abstract (٢) المجمل الوافي = compendium (٣) الخلاصة = digest (٤) الملخص، الموجز، الزبدة = epitome (٥) المجمل = synopsis اختصار الكتب فن من الفنون، له قواعد وأصول، ويشترط عند اختصار كتاب ما، عدم الإخلال بمقصد مؤلفه، وإلا أصبح تحريفا، قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: "ولا يدخل في تحريف النص اختصاره بشرطين: الإشارة إلى ذلك، وأن لا يخل بمقصد قائله، ولا يخرج عن مراده " (٢)، وإذا أراد أن يزيد شيئا على أصل الكتاب ينبه على ذلك. - دوافع تأليف المختصرات: قسم ابن حزم الأندلسي أسباب التأليف إلى سبعة أقسام مشيرا إلى أن أحد هذه الأقسام هو تأليف المختصرات، فيقول " إما شئ طويل فيختصره" (٣)، وأكد الشئ ذاته ابن خلدون وأشار إلى أن الدافع السابع خاص بتأليف المختصرات بقوله: "وسابعها: أن يكون الشيء من التأليف التي هي أمهات للفنون مطولا مسهبا فيقصد بالتأليف تلخيص ذلك، بالاختصار والإيجاز وحذف المتكرر، إن وقع، مع الحذر من حذف الضروري لئلا يخل بمقصد المؤلف الأول" (٤). _________ (١) أوردهم د. كمال نبهان في كتابه عبقرية التأليف العربي. (انظر: ٢٠١ - ٢٠٢). (٢) الردود ١٢٧. (٣) رسائل ابن حزم الأندلسي، ١٨٦. (٤) مقدمة ابن خلدون ١/ ٧٣٢.

стр. 7

أولا: مهارة التأليف: تبرز مهارة التأليف في المختصرات أكثر منه في المطولات، فالاختصار يدل على تمتع المؤلف بقدرات بلاغية ومهارة فنية، وقد أكد حاجي خليفة أن الكتب المختصرة تكشف عن مهارة المؤلف: "فأنه لجودة ذهنه، وحسن عبارته يتكلم عن معان دقيقة بكلام وجيز كافيا في الدلالة على المطلوب" (١)، ولعل هذا السبب كان دافعا رئيسيا ومهما في الإقدام على تأليف المختصرات. وقد حقق الذهبي مكانة مرموقة ونال استحسان وثناء العلماء لتمييزه بكثرة التأليف، والبراعة في تأليف المختصرات، فقيل عنه: " … جمع الكثير ونفع الجم الغفير وأكثر من التصنيف ووفر بالاختصار مؤنة التطويل في التأليف" (٢)، فالاختصار ليس بالعمل الهين إذ بإمكان جميع المؤلفين أن يقوموا بتأليف كتب مطولة، ولكن عدد قليل منهم من يمتلك القدرة على تأليف المختصرات لأن الاختصار يتطلب بلاغة وقدرة على التعبير، كما يتطلب وقتا ودقة وصبرا. ثانيا: سهولة الحفظ: إن الكتب المطولة والمسهبة أصبحت تشكل صعوبة أمام طلبة العلم ولا سيما المبتدؤون منهم، وكذلك عموم الناس في متابعة الدرس والقدرة على الحفظ، وهذا حمل طائفة من المؤلفين على الاختصار إما بدافع شخصي أو بتكليف وطلب من طلبة العلم أو أحد العلماء لأجل تسهيل الحفظ. وقد قسم حاجي خليفة المؤلفين المعتبرة تصانيفهم إلى فريقين: الفريق الثاني منهم وصفهم: "من له ذهن ثاقب، وعبارة طلقه، طالع الكتب فاستخرج دررها وأحسن نظمها، وهذه ينتفع بها المبتدؤون والمتوسطون" (٣). وفي هذا الغرض قام بعض العلماء بالاختصار، منهم: _________ (١) كشف الظنون ١/ ٣٥. (٢) الوافي بالوفيات ٢/ ١١٥. (٣) كشف الظنون ١/ ٣٨.

стр. 8

- الذهبي وصف كتابه (العبر في خبر من غبر) بقوله: " فهذا تاريخ مختصر على السنوات أذكر فيه ما قدر لي من أشهر الحوادث والوفيات مما يتعين على الذكي حفظه ويتحتم على العالم إحضاره" (١). - ابن كثير قام باختصار السيرة النبوية تلبية لحاجة طلبة العلم للتعرف على سيرة النبي، ومراعاة لمستواهم وقابلياتهم إذ لا يقوى الإنسان على استيعاب قراءة السيرة في أربع مجلدات فاختصرها في مجلد واحد بعنوان (الفصول في اختصار سيرة الرسول)، وأشار في خطبة الكتاب بأن هذا الكتاب "مما يمس حاجة ذوي الأرب إليه، على سبيل الاختصار (٢). ثالثا: تذكرة للعلماء: إذا كانت الكتب المختصرة يطلبها طلبة العلم والناس كافة ممن ينشدون المعرفة كونها توفر لهم معلومات مفيدة وموجزة تسهل عليهم حفظها والانتفاع منها، فأن الكتب المختصرة أيضا تقدم فائدة للعلماء، حيث يمكن مراجعتها بسرعة للحصول على المعلومات المركزة فتكون لهم في حلقات الدرس وعند الحاجة، وما يجدر ذكره أن العلماء مهما بلغوا من درجة في سعة العلم فأنهم معرضون للنسيان إذ أن آفة العلم النسيان، وهم بحاجة إلى المراجعة والتذكير. ومنها قول ابن العماد الحنبلي في كتابه (شذرات الذهب) عن سبب التأليف بقوله: " فهذه نبذة جمعتها، تذكرة لي ولمن تذكر، وعبرة لمن تأمل فيها وتبصر، من أخبار من تقدم من الأماثل وغبر، وصار لمن بعده مثلا سائرا وحديثا يذكر " (٣). رابعا: طلب وتكليف رجال الدولة: ظهرت مجموعة من المؤلفات المختصرة ألفت بناء على طلب أو تكليف أحد رجال الدولة كالخلفاء أو السلاطين أو الأمراء أو الوزراء، والسبب وراء ذلك يعود إلى ما تتضمنه الكتب المختصرة من معلومات موجزة تغني بقراءتها عن مراجعة الكتب المطولة، فرجال الدولة في أمس الحاجة إلى قراءة الكتب التاريخية لأجل الاطلاع على أحوال الأمم الماضية للتسلية أحيانا أو للعظة والعبرة أو لمجرد المعرفة ولعا بالتاريخ. _________ (١) العبر ١/ ٣. (٢) الفصول في اختصار سيرة الرسول ٣٠. (٣) شذرات الذهب ١/ ١١٠.

стр. 9

ومن ذلك نذكر اختصار المؤرخ عبد الواحد المراكشي كتابا يحوي بعض أخبار المغرب وخصوصا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن، وذلك استجابة لطلب وزير الخليفة العباسي الناصر لدين الله "مؤيد الدين أبو الحسن القمي"، وإذ جاء في مقدمة المختصر قوله: "أيها السيد الذي توالت علي نعمه … فإنك سألتني … إملاء أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدود أقطاره، وشيء من سير ملوكه، وخصوصا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن، من لدن ابتداء دولتهم إلى وقتنا هذا - وهو سنة ٦٢١ - وأن ينضاف إلى ذلك نبذة من ذكر من لقيته، أو لقيت من لقيه، أو رويت عنه، بوجه ما من وجوه الرواية، من الشعراء والعلماء وأنواع أهل الفضل؛ فلم أر بدا من إسعافك والمسارعة إلى ما فيه رضاك؛ إذ هي الغاية التي أجري إليها، والبغية التي أثابر أبدا عليها؛ ولوجوب طاعتك علي من وجوه يكثر تعدادها" (١). خامسا: ضعف الهمم: شكل ضعف الهمم لدى طلبة العلم دافعا في التوجه نحو تأليف المختصرات ولم يكن ذلك وليد القرنين السابع والثامن الهجريين، وإنما يعود لحقب متقدمة إذا يمكن أن نلمح ذلك في موقف الطبري من تلامذته حينما حاول استنهاض هممهم بقوله: " قال: حدثنا القاضي أبو عمرو عبيد الله بن أحمد السمسار وأبو القاسم بن عقيل الوراق، أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ فقال: ثلاثون ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة. ثم قال: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوا مما ذكره في التفسير فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله ماتت الهمم" (٢). سادسا: أسباب أخرى: هي أسباب خاصة بالمؤلفين أنفسهم نذكر منها تنقية الكتب المطولة من الأخطاء والاستطرادات ومنها قول ابن إياس في كتابه (بدائع الزهور) يقول: "قلت: وأخبار _________ (١) المعجب في تلخيص أخبار المغرب ١١. (٢) تاريخ بغداد ٢/ ٥٤٨.

стр. 10

الملك الظاهر بيبرس كثيرة، في عدة مجلدات، والغالب فيها موضوع، ليس له حقيقة، والذي أوردناه هنا هي الأخبار الصحيحة، التي ذكرها العلماء من المؤرخين" (١). ومنها للأسباب المادية، فالكتب المختصرة تتميز بصغر حجمها مقارنة بالكتب الأصلية المطولة، فابن منظور حينما اختصر تاريخ دمشق لابن عساكر كان المختصر بنحو ربع الكتاب الأصلي (٢). والذهبي اختصر كتاب ذيل تاريخ بغداد لابن الدبيثي بمقدار النصف (٣). ومنها ما ذهب إليه ابن تغري بردي خوفا أن يأتي من بعده شخص يقوم باختصار الكتاب فيخرج عن مضمونه (٤)، فيقول: "فقد خطر لي أن اختصر مصنفي المسمى بالنجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة، وسميته الكواكب الباهرة من النجوم الزاهرة اختصارا يكون لا بالطويل الممل، ولا بالقصير المقل، حذرا من أن يختصره غيري فيستولي على المعتوب عليه باحمولة، ويحتوى على ما ضمنته فيه من الألفاظ الرشيقة وينحو على ترتيبه وفصوله، واقتديت في ذلك بجماعة من العلماء الأعلام والمؤرخين، وآخر من سلك منهم ذلك مؤرخ مكة العلامة تقي الدين، وقبله حافظ عصره أبو عبد الله الذهبي شمس الدين، وهو أنه اختصر مصنفه تاريخ الإسلام بكتاب سماه سير النبلاء، ثم اختصر سير النبلاء بالعبر في خبر من غبر، ثم اختصر العبر بمؤلف سماه الإشارة إلى وفيات الأعيان، وإذا نحو الذهبي أذهب، وإلى طريقته أرغب، غير أننى لم أختصر كتابي النجوم الزاهرة إلا مرة واحدة، وأضمن هذا المختصر، بترتيب ما في أصله وأشحنه بكل فائدة، على أننى ليس كالذهبي في علمه، ولا كثرة اطلاعه، وغزير فضله" (٥). - تتداخل المختصرات مع أشكال أخرى من التأليف: يقول د. كمال عرفات: "كان تلخيص نص معين يمثل في بعض الأحيان نقطة ارتكاز لتأليف نصوص جديدة تدخل تحت أشكال أخرى من التأليف (٦)، ومن هذه الحالات: _________ (١) بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٤١. (٢) انظر: كشف الظنون ١/ ٢٩٤. (٣) انظر: كشف الظنون ١/ ٢٨٨. (٤) وللأسف مما كان يخشاه ابن تغري بردي أصبح اليوم واقعا فنرى المختصرات تملأ دور النشر الكبرى الرسمية منها والخاصة، وقد خرجت هذه المختصرات عن مضمونها التي أرادها مؤلفينها، وجاءت هذه المختصرات تحت مسميات عدة منها "تقريب التراث، مختصرات". (٥) الكواكب الباهرة، ق ٢ أ- ق ب. (٦) عبقرية التأليف العربي، ٢١٢.

стр. 11

منها: الجمع بين التلخيص والنظم: ويقصد بذلك المنظومات الشعرية التي كانت تصاغ فيها علم من العلوم في شكل أرجوزة أو ألفية، أو يحول إليها كتاب منثور ليصبح منظومة قابلة للحفظ، وكثير من المنظومات كانت تتصف بالإيجاز والاختصار لحفظها ثم تشرح للتلاميذ بعد ذلك (١). ومن أمثلة ذلك: "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير، تم تحويله إلى منظوم في كتاب "الكفاية في نظم النهاية" نظم ابن الحنبلي. ومنها: الجمع بين التلخيص والتذييل والتذييل فن قائم بذاته من فنون التأليف، ومن أهم وظائفه أنه يأتي بعد نص معين ليكمل التغطية بعده، فإذا كان النص الأصلي تاريخيا، يغطي الوقائع حتى سنة معينة تعتبر تاريخ الإغلاق للنص السابق، فإن التذييل يعتبر تأليفا جديدا يبدأ في تغطية الوقائع بعد هذا التاريخ وحتى تاريخ آخر جديد. ومن المفروض أن تغطية المعلومات في الذيل تبدأ مباشرة من تاريخ الافتتاح، ولكن بعض المؤلفين حرصوا على أن يجمعوا بين النص الأصلي والتذييل عليه، في عمل واحد. وكان أحد الحلول العملية أن يلخص النص الأصلي، وبعد التلخيص يبدأ التذييل وهو تأليف جديد مكمل (٢). ومن أمثلة ذلك: "تتمة المختصر في أخبار البشر" لابن الوردي، اختصر النص الأصلي، وهو "المختصر في أخبار البشر" لإسماعيل الأيوبي (صاحب حماة)، والذي يغطي حوادث حتى سنة ٧٠٩ هـ، قام بالتذييل بعد تاريخ الإغلاق السابق، ووصل إلي حوادث سنة ٧٤٩ هـ. وكذلك مختصر ابن الشحنة الحلبي، أضاف للمختصر في أخبار البشر تذييلا إلى زمانه. ومنها: امتزاج التلخيص بالإضافة والاستدراك: ويقصد بذلك الإضافات التي يضيفها المؤلف على الكتاب المختصر وتكون على ثلاثة عناصر، هما: ١) إضافة فوائد من كتب أخرى وذلك كما فعل القزويني حين قام بتلخيص القسم الثالث من كتاب "مفتاح العلوم" للسكاكي، وسمه القزويني "تلخيص _________ (١) عبقرية التأليف العربي، ٢١٣. (٢) عبقرية التأليف العربي، ٢١٣.

стр. 12

المفتاح في المعني والبيان"، وقد فاق هذا التلخيص ما سبقه من تلخيصات للنص الأصلي، وصار كأصله وكتبت عليه شروح، وذلك للإضافات التي أضافها القزويني على الكتاب. ٢) إضافة زوائد من عند القائم بالتلخيص وأبرز الأمثلة في ذلك الذهبي، حيث قام باختصار كتاب "أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير، ثم زاد عليه وخرحه في كتاب جديد بعنوان "تجريد أسماء الصحابة". ٣) استد ر اك ما فات مؤلف النص الأصلي: وذلك مثل تلخيص أبي حيان النحوي الغرناطي لكتاب "التقريب" الذي ألفه أستاذه ابن عصفور، وسمه بـ "تقريب التقريب". ومنها: بناء كتاب جديد على التلخيص اتخذ التلخيص في بعض الأحيان، كنواة لبناء كتاب جديد، فقد لخصت "مقدمة ابن خلدون" تلخيصا محكما وأدمجت في كتاب جديد يعد مكملا لها، وهو "بدائع السلك في طبائع الملك" لابن الأزرق الغرناطي. ومنها ارتباط التلخيص بالتهذيب: توجد بينهما علاقة وثيقة، ومن أمثلة التهذيب والتيسير لكتب الأصول وعرضها بشكل يناسب قارئ العصر، الأعمال التالية لعبد السلام هارون: * "تهذيب سيرة ابن هشام". * "تهذيب إحياء علوم الدين" للغزالي. * "تهذيب الحيوان" للجاحظ. - النصوص الملائمة وغير الملائمة للتلخيص: يمثل التلخيص مدرسة متطورة في التأليف العربي، تم فيه تكثيف واختزال رموز الاتصال من الكلمات والجمل، ولكن هناك نصوصا لا تقبل التلخيص بطبيعتها لأن النص في هذه الحالة يمثل قيمة في حد ذاته، وله خصوصيته التي لا تسمح بالتصرف في بنيته الأصلية. فالنصوص الدينية المقدسة، والأشعار والقصص على سبيل المثال، لا يجدي معها التعامل مع الأفكار بمصاحبة النص الأصلي. فليس من المقبول فنيا أو أدبيا أن يلخص نص أدبي، ولكن من الممكن هو عرض الخط الرئيسي للعمل الأدبي أو حبكته الأدبية.

стр. 13

كما أن هناك مختصرات لم تلق قبولا عند أهل العلم، منها: كالذي اختصر كتاب محمد بن الحسن الشيباني، قال السمعاني: "وقيل: لما اختصر كتاب الأصل الذي صنفه الإمام الرباني محمد بن الحسن الشيباني رآه في المنام، فقال له محمد: مزق الله جلدك كما مزقت كتابي، فاستجاب الله دعاء محمد بن الحسن عليه" (١). ومثل: مختصر المقاصد الحسنة، قال عنه العجلوني: "فإنه اختصر المقاصد الحسنة لشيخه المذكور، لكنه أخل بأشياء مما فيه مسطور" (٢). ومثل: مختصرات الصابوني في العصر الحديث، وقد ألفت كثير من الكتب في نقدها، مثل كتاب: "التحذير من مختصرات الصابوني في التفسير"؛ للشيخ بكر أبو زيد. قال الألباني: "وهناك أشخاص آخرون ظهروا في ساحة التأليف والكتابة فيما لا يحسنون، وأخص بالذكر منهم الشيخين الحلبيين اللذين اختصر كل منهما "تفسير الحافظ ابن كثير" (٣). - نسبة التلخيص إلى المؤلفين (٤): وإذا نظرنا إلى التخليص كنشاط تأليفي، نلاحظ: ١ - أن التلخيص ينسب إلى القائم به كعمل تأليفي جديد. ٢ - أن بعض النصوص ينشأ موجزا منذ بداية تأليفه، ويعتبر في هذه الحالة نصا أصليا صادرا عن مؤلفه، وليس تلخيصا لعمل سابق. وقد فعل ذلك صاعد الأندلسي في كتابه "طبقات الأمم" الذي راعي الإيجاز في تأليفه منذ البداية. ٣ - أن التلخيص يقوم به في الغالب شخص غير المؤلف، ويمثل ذلك النسبة الغالبة في التلخيص. ٤ - أن مؤلف العمل الأصلي يقوم أحيانا باختصار بنفسه، وإذا كان مطولا، كما فعل ابن إياس الذي اختصر "بدائع الزهور"، وابن تغري بردي الذي اختصر "النجوم الزاهرة"، وقبلهم الذهبي الذي اختصر أيضا "تاريخ الإسلام". _________ (١) الأنساب، ٨/ ١٩٢. (٢) كشف الخلفاء ١/ ١٣. (٣) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ٤/ ٧٤. (٤) عبقرية التأليف العربي، ٢١٨ - ٢١٩.

стр. 14

٥ - أن الخوف من التلخيص كان أحيانا يؤرق بعض المؤلفين، ولعل بعضهم كان حريصا على تلخيص كتابه بنفسه، حتى لا يفسده غيره بالتلخيص، ونستشف ذلك من تحذير المسعودي في نهاية كتابه "مروج الذهب" بقوله: "من نقمة الله التي تلحق كل من يحرف أو يطمس أو يلبس أو يغير أو يبدل أو ينتخب أو يختصر أو ينسب الكتاب إلى غيره" (١). - العلاقات الوعائية للمختصرات (التعدد والتشتت والتجميع) (٢): حدث أحيانا أن تفككت مكونات نص واحد إلى عدة مختصرات، كما حدث العكس عندما اجتمعت عدة نصوص طويلة في مختصر واحد، وفي ما يلي بعض جهود المؤلفين في هذا المجال: ١. قد يعمد المؤلف إلى واحد من كتبه، فيخرج منه عدة مختصرات كل منها في موضوع معين، مثلما فعل الذهبي في كتابه "تاريخ الإسلام"، فقد اختصر منه مختصرات، منها: "العبر" و"سير النبلاء" و"طبقات الحفاظ" و"طبقات القراء" وغير ذلك (٣). ٢. قد يقوم المؤلف بتلخيص عدة أعمال له، ويجمع كل التلخيصات في نص واحد. ٣. قد يقوم شخص غير المؤلف، بتلخيص عدة أعمال لمؤلف معين، ويجمع تلخيصاته في نص واحد. ٤. قد يحظى النص الواحد بعدة تلخيصات يقوم بها أشخاص مختلفون في عصور وبيئات مختلفة، ومن أمثلة ذلك: "تاريخ الإسلام" للذهبي، فقد حدث له الاختصاران التاليان: "مختصر تاريخ الإسلام" للغزي، "مختصر تاريخ الإسلام" لابن الجزري. ٥. قد تلخص عدة أعمال لمؤلفين متعددين في موضوع معين، وتوضع التلخيصات في كتاب واحد، مع احتفاظ كل تلخيص بهويته واستقلاله وتمثيله للنص الأصلي. ٦. قد يحدث "تلخيص مزجي" لعدة أعمال، لعدة مؤلفين، وتستوعب التلخيصات في نص واحد، ينسب إلى مؤلف "التلخيص". وكان ذلك يتم ضمن هدف محدد يعبر عنه إبراهيم بن وهب بقوله: "وجمعت في مواضع منه ما فرقوه _________ (١) مروج الذهب، ٤/ ٤٠٩. (٢) عبقرية التأليف العربي، ٢١٩ - ٢٢٠. (٣) كشف الظنون، ١/ ٢٩٥.

стр. 15

ليخفف بالاختصار حفظه، ويقرب بالجمع والإيضاح فهمه (١)، وقد نتج عن ذلك كثير من المؤلفات تسمى ب "الجوامع والمتون". ومن هذه الجوامع كتاب "محبوب الشمائل في كشف المسائل" للقوشجي، جمع فيه عشرين متنا كل متن في علم من العلوم؛ وكذلك ألف حاجي خليفة "جامع المتون" جمع فيه نحو ثلاثين من المتون المشهورة في كل فن، ثم اختار منها اثني عشر متنا من مختصرات تلك المتون في مجلد أصغر حجما سماه "مختصر جامع المتون" (٢). - مدى اهتمام المؤلفين بالتلخيص: اهتم كثير من المؤلفين العرب بتلخيص النصوص، وفي هذا المجال نلاحظ ما يلي: ١. الجمع بين التلخيص والتأليف: اشتهر كثير من المؤلفين بالجمع بين التلخيص والتأليف، ومن هؤلاء ابن منظور الذي كانت أغلب مؤلفاته اختصارا لكتب "الأدب والتاريخ المطولة كالأغاني والعقد والذخيرة ومفردات ابن البيطار وتاريخ دمشق وربما بلغت مختصراته خمسمائة مجلد، كما يذكر السيوطي (٣). وقد ألف ابن منظور "لسان العرب"، جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح وحواشيه والجمهرة والنهاية. وكان الذهبي مولعا بالاختصار، ويروي أنه اختصر أكثر من خمسين كتابا (٤). ٢. التخصص في التلخيص: لوحظ أن بعض الملخصين، قد ركز اهتمامه على تلخيص مؤلفات مؤلف معين، ومن هؤلاء الفتح بن علي البنداري، الذي اشتهر باختصاره كتب عماد الدين الأصفهاني، وقد فقدت بعض الأصول وبقي التلخيص، ومن أمثلتها: "سنا البرق الشامي"، وهو مختصر لكتاب "البرق الشامي"، للعماد الأصفهاني. _________ (١) من مقدمة البرهان في وجوه البيان، لإسحاق بن إبراهيم بن وهب. (انظر: البلاغة تطور وتاريخ، ٩٣). (٢) انظر نماذج من الجوامع في: كشف الظنون ١/ ٥٧٢ - ٥٧٣، ٢/ ١٦١١. (٣) بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، ١/ ٢٤٨. (٤) الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام، ١١١، ١١٥، ١٣٢.

стр. 16

ترجمة المؤلف ١ - اسمه ونسبه: هو أبو البركات محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، الجركسي الأصل، المصري المولد والمنشأ والوفاة؛ وهو من مشاهير أولاد الناس في أواخر العصر المملوكي. ٢ - أهله: - جد والده لأمه هو الأمير أزدمر العمري الناصري الخازندار: يقول عنه: "وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير عز الدين أزدمر العمري أبو دقن، وقرره في إمرة السلاح، وقد ولى أزدمر هذا إمرة السلاح مرتين مرة في دولة الملك الناصر حسن، ومرة في دولة الأشرف شعبان، وكان أزدمر هذا جد والد مؤلفه (١) ........ وفيه حضر، بطلب من السلطان، الأمير أزدمر العمري الناصري الخازندار، أمير سلاح، المعروف بأبي دقن، وكان منفيا بالصبيبة، فلما حضر إلى القاهرة أنعم عليه السلطان بتقدمة ألف، فأقام مدة يسيرة، وتوفي إلى رحمة الله تعالى، في أثناء شهر ربيع الآخر، ودفن بالقرافة الصغرى بالقرب من زاوية الشيخ أبي العباس البصير، رحمة الله عليه؛ وكان أميرا جليلا، معظما مبجلا، وله بر ومعروف، وأوقاف على الحرمين الشريفين، وهو الذي أنشأ خان سراقب بالقرب من حلب، وهو إلى الآن باق؛ وأزدمر هذا هو جد والد مؤلف هذا التاريخ (٢) … ... .. وتوفي الأمير أزدمر العمري الناصري، المعروف بأبي دقن، الخازندار، وكان أميرا معظما _________ (١) بدائع الزهور ١/ ٥٨. (٢) بدائع الزهور ١/ ٧٣.

стр. 17

مبجلا، ولى إمرة السلاح مرتين، وولى نيابة حلب، ونيابة طرابلس، ونيابة صفد، وغير ذلك من النيابات، وكان له بر ومعروف" (١). وقد أخلع عليه السلطان الأشرف شعبان، في شهر جمادى الأولى سنة ٧٦٨ هـ/ ١٣٦٧ م، وقرره في إمرة السلاح؛ وولي أزدمر هذا إمرة السلاح مرتين، كانت المرة الأولي في دولة السلطان الناصر حسن؛ ثم يقول إنه جد والده كان منفيا بالصبيبة، وعاد إلى القاهرة بطلب من السلطان شعبان في شهر ربيع الآخر سنة ٧٦٩ هـ/ ١٣٦٧ م، فأنعم عليه السلطان بتقدمة ألف، غير أنه توفي بعد مدة يسيرة، في نفس الشهر، ودفن بالقرافة الصغري، بالقرب من زاوية الشيخ أبي العباس البصير، وأزدمر هذا هو الذي أنشأ خان سراقب بالقرب من حلب. وولي نيابة حلب، ونيابة طرابلس، ونيابة صفد، وغير ذلك من النيابات. - الأمير إياس الفخري الظاهري: (جده) كان أحد مماليك السلطان الظاهر برقوق، وترقى في عهد أستاذه هذا إلى أن وصل إلى رتبة الدوادارية الثانية أيام ابنه السلطان الناصر فرج، ومن المرجح أنه ولد سنة ٧٦٨ هـ/ ١٣٦٤ م. يقول عنه ابن إياس: "وفيه، في ثاني عشره، كانت وفاة جد الناصري محمد بن الشهابي أحمد، مؤلف هذا التاريخ، وهو الفخري إياس من جنيد، وكان أصله من مماليك الظاهر برقوق وقرر في الدوادارية في دولة الملك الناصر فرج، وكان دينا خيرا، ريسا معظما عند الناس، وعاش من العمر نحو من خمس وثمانين سنة (٢) ". توفي جده في ١٢ محرم ٨٥٣ هـ/ ٨ مارس ١٤٤٩ م. - شهاب الدين أحمد بن إياس: (والده) هو شهاب الدين أحمد بن إياس، فيذكر المؤرخ عنه أنه كان من مشاهير "أولاد الناس" (٣)، وكان ذا صلات بالأمراء وأرباب الدولة، وكانت وفاته في _________ (١) بدائع الزهور ١/ ٧٨. (٢) المصدر السابق ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢. (٣) اصطلاح مملوكي جرى على الألسن للدلالة على أبناء الأمراء الذين عاشوا في بيوت الإمارة لا الطباق والتربية الحربية الخشنة.

стр. 18

١٣ شعبان سنة ٩٠٨ هـ/ ١٠ فبراير ١٥٠٣ م، وخلف خمسة أولاد بين ذكور وإناث، عاش منهم ثلاثة، هم: محمد المؤرخ، و أخوه الجمالي يوسف، وأخت لهما. - أخته: كانت زوجة للأمير قرقماس المصارع، وكان أمير أخور رابع وأحد أمراء العشرات، قتل في معركة البيرة في سنة ٨٧٧ هـ/ ١٤٧٣ م، حيث انتصر الجيش المملوكي بقيادة الأمير يشبك بن مهدي الدوادار على جيش أوزون حسن (حسن الطويل) ملك التركمان المعروفين باسم ألاف قيونلو (الشاة البيضاء). يقول ابن إياس عنه: "وقتل في هذه المعركة شخص من الأمراء العشرات، يقال له قرقماس العلائي المصارع، أمير آخور رابع، وهذا كان صهرنا، وكان إنسانا حسنا دينا خيرا موصوفا بالفروسية والشجاعة، علامة في الصراع، أصيب بسهم في صدغه فمات لوقته" (١). - أخوه: كان بالزرد كاشية، أي هندسة المدفعية، على عهد السلطان قانصوه الغوري، ويظهر أنه كان خبيرا بفنه، وبيده وظيفة رئيسة في عمله، ويذكر ابن إياس أخاه في تواضع تام ودون أي مباهاة بما أظهره من خبرة واسعة ومعرفة ودراية بفنه. يقول ابن إياس عنه: "ومن الوقائع أن الأمير أركماس الذي كان نائب الشام طلع إلى السلطان بقطعة فولاذ هيئة الكرة، وزعم أنها صاعقة نزلت ببعض الجبال، وأن أعرابيا أهداها إليه، ففرح السلطان بذلك وجمع السباكين، فقالوا: "إنها صاعقة لا محالة"، فنظر إليها بعض الزرد كاشية فأنكر ذلك، وقال: "هذه حجر مرقشيتة، وهو حجر صلب"، فلما سمع السلطان ذلك شق عليه، ونزل إلى الميدان، وجمع السباكين، وحضر الأمير أركماس، ووضعوا ذلك الحجر الذي [على] هيئة الفولاذ في النار، فمجرد ما وضعوه في النار صار مثل الخرنفش وتفتت، فخجل الأمير أركماس من ذلك وانتصف عليه ذلك الزردكاش، وهو الجمالي يوسف أخو مؤلفه، وعد ذلك من النوادر" (٢). _________ (١) بدائع الزهور ٣/ ٨٦. (٢) بدائع الزهور ٤/ ٢٠٤.

стр. 19

٣ - تاريخ مولده: ذكر ابن إياس أنه ولد بعد طلوع شمس يوم السبت ٦ ربيع الآخر ٨٥٢ هـ/ ١١ يونيه ١٤٤٨ م؛ وكنه والده بأبي البركات (١). ٤ - طلبه للعلم وأشهر شيوخه: رغم ضعف المعلومات عنه إلا أنه من المؤكد تلقي التعليم المعتاد، وأنه حفظ القرآن الكريم، ثم أنه أخذ بعض العلوم والمعارف الخاصة بالصوفية، وكذلك علم التاريخ، من مشايخ عصره أما مشافهة أو من خلال مؤلفاتهم، وقد خص ابن إياس منهما بالذكر، هما: ١/ ٤ - جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر، السيوطي (ت: ٩١١ هـ / ١٥٠٥ م): يقول في ترجمته: " .... وفي يوم الخميس تاسع هذا الشهر كانت وفاة شيخنا الحافظ العلامة جلال الدين الأسيوطي وهو عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سايق بن أبي بكر بن عثمان بن محمد بن خضر بن أيوب بن محمد بن الهمام الخيضري الأسيوطي الشافعي، وكان عالما فاضلا بارعا في الحديث الشريف وغير ذلك من العلوم، وكان كثير الاطلاع نادرة في عصره بقية السلف وعمدة الخلف، وبلغت عدة مصنفاته نحوا من ستمائة تأليف، وكان في درجة المجتهدين في العلم والعمل، وكان مدة حياته نحوا من اثنين وستين سنة وأشهر " (٢). ٢/ ٤ - الشيخ زين الدين عبد الباسط بن خليل بن شاهين الحنفي، ابن الوزير (ت: ٩٢٠ هـ / ١٥١٤ م): يقول في ترجمته: " … شيخنا العلامة زين الدين عبد الباسط بن الغرسي خليل بن شاهين الصفوي الحنفي. وكان عالما فاضلا، رئيسا، حشما، من ذوي البيوت، وكان من أعيان الحنفية (٣). وقد حج ابن إياس سنة ٨٨٢ هـ / ٤٧٦ م دون أن يقوم على وظيفة معينة في الركب المصري، على أنه شهد ما لقيه الحاج ذلك العام من عنت وغلاء وفناء _________ (١) انظر: بدائع الزهور ٢/ ٢٦٣. (٢) بدائع الزهور ٤/ ٨٣ (٣) بدائع الزهور ٤/ ٣٧٤.

стр. 20

بمكة، بسبب ما وقع وقت ذاك بين السلطان المملوكية وبعض المكيين، كما لقي في هذه السفرة شدائد عظيمة من الغلاء وموت الجمال (١). ٥ - مصادر دخله: لم يشر ابن إياس إلى عمله بأى وظيفة مدنية حرة أو داخل دواوين الدولة، وإنما اكتفى بما يأتيه من إقطاعه أجناد الحلقة (٢) فقط، لأنه من أولاد الناس، إقطاعه هذا كان عرضه بين الحين والآخر لتقلبات أحوال الدولة في عهد الغوري، وقد أخذه السلطان الغوري في جمادى الآخرة سنة ٩١٤ هـ / ١٥٠٨ م، ثم استطاع استعادة تلك الإقطاع في السنة التالية بعد أن أبلغ ظلامته للسلطان، فقد عاش المؤرخ من موارد إقطاعه الذي ورثه عن أسرته، تلك الموارد التي أعانته طوال حياته على التفرغ للتأليف وكتابة التاريخ، فترك لنا عدة مؤلفات سيأتي ذكرها، ونظم الشعر. ٦ - صلته بأعيان عصره: كان ابن إياس على اتصال ببعض أعيان البلاط السلطاني في عهود مختلفة كالأمير تمراز الشمسي، والأمير أقبردي الدوادار الكبير، وكلاهما من رجال عصر السلطان قايتباي. وأبو بكر بن مزهر وابنه البدري محمد، والقاضي محمود بن أجا، وهم ممن شغل وظيفة كاتب سر في الدولة. وصلته بأخيه الجمالي يوسف الذي أمده بما جرى بالقلعة من أخبار، ولا سيما أخبار المدفعية التي عني ابن إياس بتدوينها والإشارة إلى إهمالها على عهد السلطان الغوري. ٧ - أخلاقه: يقول د. حسين عاصي: "لا سبيل لمعرفة ما اشتهر به ابن إياس من صفات عند معاصريه، ما دام الموجود من كتب المعاصرين والمتأخرين لا ينبئ عنه _________ (١) بدائع الزهور ٣/ ١٤٤ - ١٤٥. (٢) يقصد به الجنود الذين يمنحون إقطاعات ينتظمون في وحدات، عدد عناصر كل وحدة أربعون شخصا، يرأسهم مقدم ليس له عليهم حكم إلا في أوقات الحرب. معجم المصطلحات والألقاب التاريخية، ص ١٩.

стр. 21

بشيء البتة. على أن الكتب التي ألفها، والملاحظات التي أودعها في هذه الكتب عن نفسه وعن حوادث عصره ورجاله تدلنا على الكثير من كنه شخصيته الكبيرة، فضخامة مؤلفاته برهان على أنه ظل طوال حياته مجدا في الكتابة، ودؤوبا على تدوين الحوادث يوما يوما وشهرا شهرا في الأجزاء المعاصرة من تاريخه يشهد على دقة ملاحظاته وشدة استقصائه للحقائق، وقوته في الحكم على الناس تخبر بعلو مستواه الخلقي. وتناوله تاريخ الحكم العثماني في مصر بالنقد والسخرية أحيانا لإهمال رجاله مصالح المصريين، بالرغم مما أحاط السيادة العثمانية في القاهرة من رهبة وخشية يعطيه مكانة سامية بين المؤرخين وغير المؤرخين. بل وربما كان موقفه من الحكم العثماني هو السبب في خفاء ترجمته من كتب التراجم" (١). كما اتسم ابن إياس بثقته في نفسه، وظهر ذلك واضحا من قوله أثناء الانتهاء من سرد أحداث سلطنة السلطان بيبرس، يقول: "قلت: وأخبار الملك الظاهر بيبرس كثيرة، في عدة مجلدات، والغالب فيها موضوع، ليس له حقيقة، والذي أوردناه هنا هي الأخبار الصحيحة، التي ذكرها العلماء من المؤرخين" (٢). ٨ - وفاته: لم أعثر على تاريخ مؤكد لوفاته إلا أنه توفي بعد سنة ٩٣٠ هـ/ ١٥٢٤ م، لأنه ذكر في كتابه "بدائع الزهور" قصيدة يتناول فيها أسماء الحكام بالديار المصرية منذ أيبك حتى عهده، وذلك في أخر حديثه عن سلطنة عز الدين أيبك: "وبعده أحمد الباشاه .. بسيفو جال" (٣) وأحمد باشا تولى مصر وعصى السلطان سليمان العثماني في شوال سنة ٩٣٠ هـ، واستمر ستة أشهر ثم قتل، وعلى هذا أن ابن إياس عاش بعد ذلك التاريخ، وقد جاوز ثمانية والسبعين من العمر، ﵀ رحمة واسعة. _________ (١) ابن إياس مؤرخ الفتح العثماني لمصر، ٥٣. (٢) بدائع الزهور ١/ ١/ ٣٤١. (٣) بدائع الزهور ١/ ١/ ٢٩٦، جواهر السلوك ١١٢.

стр. 22

- تراث ابن إياس ١. مؤلفاته: ترك ابن إياس للمكتبة العربية عدد مصنفات: ١/ ١: بدائع الزهور في وقائع الدهور: يستهل المؤلف كتابه التاريخي من بداية الخليقة، ولم يصل إلينا منه إلا بداية الجزء الرابع بالحديث عن مصر منذ أقدم العصور، فهو يذكر أخبار مصر وما ورد فيها من الآيات، وما خصت به من المحاسن والعجائب، وما قيل فيها، ومن حكمها، وما قامت عليها من الدول إلى نهاية عصر الأيوبيين، يذكر المؤلف تلك الأخبار باختصار تمهيدا للدخول في تاريخ مصر في عصر المماليك حيث يشرع المؤلف في كتابة هذه الفترة بالتفصيل إلى أن يصل إلى حوادث سنة ٩٢٨ هـ/ ١٥٢٢ م ويختمه في الجزء الحادي عشر، وذكر أنه: "يتلوه الجزء الثاني عشر"، ولم يظهر لنا هذا الجزء، لذلك رجح أنه مات قبل أن يشرع في كتابته أو أنه مات دون الانتهاء منه. تأتى شهرة ابن إياس من كتابه التاريخي الكبير المعروف ب "بدائع الزهور في وقائع الدهور" وهو بلا شك أهم مؤلفاته، ويحتل مكانة مرموقة بين كتب التاريخ التي صنفت في العصر المملوكي، وبخاصة الأجزاء المعاصرة، وتزداد القيمة العلمية للكتاب عندما يصف المؤلف وقائع الفتح العثماني لمصر والسنوات القليلة التي عاشها المؤلف في ظل النظام السياسي الجديد، فالجزء الأخير من كتابه بدائع الزهور كان المصدر العربي يكاد يكون الوحيد عن تاريخ مصر في تلك الفترة الحاسمة من تاريخ الشرق العربي، وعن تطور العلاقات بين العرب والأتراك العثمانيين.

стр. 23

ويقول محقق الكتاب: "والواقع أننا لم نعثر حتى الآن على أي من الأجزاء الثلاثة الأولى، من تقسيم ابن إياس لكتابه، ويبدو أنه لم يكتبها على الإطلاق، فإننا لا نستطيع أن نتصور المادة التي كان يفكر في كتابتها، ليملأ بها صفحات كل هذه الأجزاء الثلاثة" (١)، وعند تحقيقنا كتاب عقود الجمان تبين لنا المادة التي ذكرها ابن إياس في كتابه بدائع الزهور وهي تراجم للخلفاء الأمويين والعباسيين، وقد ذكر ذلك أثناء حديثه عن هجوم هولاكو على بغداد فيقول: "وقتل الخليفة المستعصم بالله، وقد تقدم في أوائل التاريخ". وقد حققها وكتب لها المقدمة والفهارس د. محمد مصطفى، واعتمد في إخراج الكتاب على "٦" نسخ، وهي: نسخة ليدن رقم "٣٦٧" وهي مؤرخة بسنة ١٠٠٥ هـ، ونسخة لندن رقم "٧٣٤٣" غير مؤرخة، ونسخة باريس رقم "١٨٢٢" مؤرخة سنة ١٠٥٨ هـ، ونسخة طهران رقم "١٠٥٨" مؤرخة ٩٠٤ هـ، ونسخة فاتح رقم "٤١٩٨" مؤرخة ٩١٣ هـ كتبت بخط ابن إياس، وطبعة بولاق للجزء الأول. وخرج الكتاب في ١٢ مجلدا في ستة مجلدات النص المحقق وستة مجلدات الكشافات والفهارس، طبع في الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، ضمن سلسلة الذخائر، سنة ١٩٩٩ م، وهي نسخة مصورة عن المعهد الألماني. ٢/ ١: عقود الجمان في وقائع الأزمان: موضوع النشر. ٣/ ١: جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك: تحدث فيه بصورة مختصرة عن تاريخ مصر، منذ من تولى على مصر بعد فتحها بعد الإسلام حتى نهاية سلطنة الملك الظاهر أبي سعيد قانصوه الأشرفي، أي من المحرم سنة ٢٠ هـ حتى ذي الحجة سنة ٩٠٥ هـ. وجاء نص الكتاب موافقا لما ورد في كتاب عقود الجمان إلا أنه جاء مختصرا في كثير من المواضع وقد زاد عنه في مواضع قليل جدا وبشكل عام فالأخبار الواردة في عقود الجمان أكثر مما ورد في جواهر السلوك، وقد أثبتنا معظم هذه الفروقات في الهوامش؛ وكذلك ورد به أشياء لم ترد في كتاب بدائع الزهور وهي أيضا قليلة جدا، وقد أثبتنا فقط الفروق في حالة اختلافها مع عقود الجمان. _________ (١) بدائع الزهور، مقدمة المحقق ١/ ١/ ٨.

стр. 24

والظاهر من اسم الكتاب أنه يتحدث عن الخلفاء والملوك، وما ورد فقط هو الحديث عن الملوك والخلفاء الفاطميين، وعليه نقول أن هذا الكتاب له جزء آخر به تراجم للخلفاء، وذلك ما أورده ابن إياس في كتابه جواهر السلوك بقوله: "وقد تقدم ذلك عند تراجم الخلفاء" (١)، وجزء ثالث به باقي أخبار سلاطين المماليك وبداية عهد ولاة الدولة العثمانية بمصر. ولهذا الكتاب نسخة خطية في مكتبة أحمد الثالث بإسطنبول رقم ٣٠٢٦، ومنها صورة بمعهد المخطوطات العربية رقم ٢٠٥ تاريخ، منقولة عن نسخة المؤلف نقلها أحمد بن علي البواب بالأزهر الشريف سنة ٩١٦ هـ، أى نقلت في حياة المؤلف، نشر الكتاب د. محمد زينهم في مجلد واحد في حدود ٥١٠ صفحة، دار الثقافة للنشر، القاهرة، ط: ١، ٢٠٠٦ م. ٤/ ١: نشق الأزهار في عجائب الأمصار: يقول في مقدمته: "فأني لما طلعت كتب تواريخ الأمم الخالية، ورأيت ما فيها من العجائب المتوالية، فاحببت أن أجمع كتابا لطيفا، أذكر فيه من أغرب ما سمعته، وأعجب ما رأيته، قاصدا فيه الاختصار، لكي لا يطول في التأليف مجموعه، وفي المثل السائر أقصر الكلام منفوعه، فذكرت فيه من عجائب مصر وأعمالها، وما صنعت الحكماء فيها من الطلسمات المحكمة في البرابر وغير ذلك، وذكرت فيه طرفا يسيرة من سير ملوكها القدماء، وما صنعوا من الأبنية المحكمة في مصر وغيرها من البلاد، وذكرت طرفا يسيرة من أخبار النيل والأهرام، وعجائب البلاد التي من أعمال مصر وخططها وإقاليمها وأقطارها وغير ذلك من العجائب الغريبة، والأخبار العجيبة، وقد ابتدأت فيه بذكر طرف يسير من أخبار الفلك وعلم الهيئة، فجاء بحمد الله تعالي واسطة عند العقود، وبذلك يشهد لي من طالعه ولو كان حسودا" (٢). لهذا الكتاب نسخ خطية كثيرة، منها: نسخة في المكتبة الوطنية باريس رقم ٢٢٠٩، فرغ منها يوم الجمعة رابع عشر شعبان ٩٢٢ هـ؛ وقد نشر الكتاب رافي عدلي في رسالة ماجستير في التاريخ الإسلامي بجماعة نجم الدين أربكان بمدينة قونية التركية سنة ٢٠١٦ م، وأنه اعتمد على ثلاث نسخ من أصل أربع عشرة نسخة وقف عليها. _________ (١) جواهر السلوك ٣٣٦. (٢) نشق الأزهار في عجائب الأمصار ٢/ أ.

стр. 25

٥/ ١: نزهة الأمم في العجائب والحكم: يقول في مقدمته: "فأني لما طلعت كتب تواريخ الأمم الخالية ورأيت ما فيها من العجائب المتوالية، استخرت الله أن أجمع كتابا لطيفا أذكر فيه من أغرب ما سمعته، وأعجب ما رأيته قاصدا فيه الاختصار لكي لا يطول في التأليف مجموعه، وفي المثل الساير أقصر الكلام منفوعه، وقد ذكرت فيه من عجائب مصر وأعمالها، وما صنعت الحكماء فيها من الطلسمات المحكمة والبرابي والأهرام وغير ذلك، وذكرت طرف يسيرة من سير ملوكها، وذكر شيء من عجائب نيلها، وذكر شيء من خططها وآثارها، وذكر سعت إقليمها وأقطارها" (١). أحال ابن إياس لهذا الكتاب في كتابه في بدائع الزهور عند الحديث عن محاسن الأزبكية عن قصيدة لشمس الدين القادري (٢)؛ وكذلك في كتابه جواهر السلوك (٣). لهذا الكتاب نسخة خطية في مكتبة آيا صوفيا بإسطنبول رقم ٣٥٠٠، ٢٨٠ ق، وعنها مصورة بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة برقم ٨٥٠ تاريخ وبرقم ٥٩ جغرافيا، وهي منقولة عن نسخة المؤلف في ذى الحجة ٩٠١ هـ، بخط محمد بن إسماعيل المقدسي الشافعي، نشره. د. محمد زينهم، مكتبة مدبولي، القاهرة، سنة ١٩٩٥ م. ٦/ ١: مرج الزهور في وقائع الدهور: يقول في مقدمته: "الحمد لله القديم الأول، الأزلي الذي لا يتحول … وبعد: فقد ألفت هذا التاريخ من فوائد الذين تقدموا في جميع التواريخ والسير، فاستخرجت من بحار معانيهم ما حسن إيراده من نفائس الدرر .. إلخ. ولهذا الكتاب نسخة خطية في مكتبة فيينا بالنمسا رقم ٦٨٢، رمز الحفظ: (١٠٨). ١٧٢. A.F، فاوجل: ٨٢٣، عدد الأوراق: ٣٨٨ ورقة، بخط عبد الغفار، نسخت في ٢١ رجب ١١١٢ هـ، والأغلب أن هذا الكتاب منحول لابن إياس وليس له. _________ (١) نزهة الأمم في العجائب والحكم ١٠. (٢) انظر: بدائع الزهور ١١٨/ ٣. (٣) جواهر السلوك ٣٧٢.

стр. 26

٢. شعره: ورغم ميل المؤلف إلى الشعر ونظمه، فإنه لم يكن بذاك المتمكن من اللغة والنحو والصرف جيدا، فكتابته لا تخلو من الأخطاء والأغلاط اللغوية والنحوية، وفي بعض الأحيان يستخدم ألفاظا عامية، وفي أحيان أخرى يكتب كلمات بغير القواعد المتعارف عليها. وكان نظم الشعر في عصر ابن إياس من مستلزمات الأدباء والمتأدبين، دليلا على مبلغ ثقافتهم وتأدبهم؛ وكان ابن إياس نفسه ينظم الشعر، وكان يورد أبيات الشعر من نظمه في كثير من المناسبات، كما أنه كثير ما يستشهد بأبيات من الشعر في المناسبات المختلفة، وفي أغلب الأحيان يأتي بها من حفظه، لذلك نرى أنه كثير من يقول: "كما قال قائل في المعنى". أما نظمه للشعر، فلا يرقى إلى مستوى الجيد، بل هو شعر تقليدي بحدود الوسط، ومن شعره: تأليفنا السحر الحلال لأنه … كالدمع حسن البيان المنجزي أن طال لم يملل وأن أوجزته … فيود سامعه بأن لا توجز لما مات القاضي أبو بكر بن مزهر، رثاه بقوله: صارت مرامله كمثل أرامل … تبكي بأعينها دما وتترب وكذا الدواة تسودت أقلامها … حزنا عليه وأقسمت لا تكتب (١) ومما رثيت به الأتابكي تمراز: أرغمت يا دهر أنوف الوري … بقتل تمراز ويتم العباد أتابك العسكر ذا رأفة … من جوده شاع لأقصى البلاد أخطأت يا قاتله كيف قد … قتلت من يقمع أهل العناد مصيبة جلت فمن أجلها … قد صيرت في كل قلب زناد _________ (١) بحر الكامل

стр. 27

لكن له في قاله أسوة … إلى الحسين بن علي الجواد مذ أودعوه الرمس لو انصفوا … ما كان إلا في صميم الفؤاد فالله يأجره على ما جرى … من قتله بالعفو يوم المعاد (١) ولما مات السلطان محمد بن قايتباي رثاه بهذه الأبيات: يا قبر لا تظلم عليه فطالما … جلي بطلعته دجى الإظلام عجبا لقبر قد حواه كيف لا … يحكى السماء وفيه بدر تمام (٢) _________ (١) بحر السريع. (٢) بحر الكامل.

стр. 28

عقود الجمان في وقائع الأرمان أولا- عنوانه ونسبته للمؤلف: نص المؤلف على عنوان كتابه ونسبة النص إليه مرتين: الأولى في غلاف كتابة، قال فيه: «الجزء الثاني عقود الجمان في وقائع الأزمان، تأليف كاتبه، الواثق بلطف الله الخفى، محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، غفر الله له، ولوالديه، ولجميع المسلمين، بمنه وكرمه الوافي، وبذلك اكتفى». والثانية أورد فيها العنوان ونسبة النص إليه أيضا، فقال: «وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء على يد مؤلفه، فقير رحمة ربه، محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، عامله الله تعالى بلطفه الخفى، في يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول سنة خمس وتسعمائة». ثانيا - تاريخ تأليفه: ذكر ابن إياس فرغ من كتابة الجزء الثاني من تاريخه يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول سنة ٩٠٥ هـ/ ١٣ أكتوبر ١٤٩٩ م. أما الجزأين الأول والثالث فلا نعرف تاريخ الفراغ منهما لضياع هذين الجزأين، ولم يبق سوى الجزء الثاني. يقول المؤلف في نهاية كتابه «ولما قتل الملك الناصر تولي من بعده المقر السيفي قانوه الدوادار خال السلطان كما سيأتي أخبار جولته في الجزء الثالث من التاريخ المسمى بعقود الجمان في وقائع الأزمان، انتهى الجزء الثاني من ابتداء دولة الأتراك إلى قتلة الملك الناصر محمد بن الملك الأشرف قايتباي وذلك على سبيل الاختصار يتلوه الجزء الثالث في أخبار دولة الملك الظاهر قانصوه ....... وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء على يد مؤلفه، فقير رحمة ربه، محمد بن

стр. 29

أحمد بن إياس الحنفي، عامله الله تعالى بلطفه الخفى، في يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول سنة خمس وتسعمائة». ثالثا - تنظيم مادته: بدأ المؤلف تاريخه بذكر سير الخلفاء في الجزء الأول منه، وانتهى منه حتى نهاية فترة الدولة الأيوبية وهذا الجزء في حكم المفقود، أما الجزء الذي بين أيدينا الآن هو الجزء الثاني الذي يبدأ من تولى شجرة الدر الحكم سنة ٦٤٨ هـ ثم تنازلها عن الحكم لمعز أيبك، وبعدها انتقل إلى التأريخ للحوادث في عهد أيبك مرتبة على السنين، ثم تناول سلاطين المماليك البحرية بالذكر حسب تولي كل سلطان إلى أن انتهى بسلطنة الصالح أمير حاج بن الأشرف شعبان، ليبدأ بذكر ابتداء دولة الجراكسة بسلطنة الظاهر برقوق، ثم يتتبع ذكر السلاطين إلى أن يصل نهاية سلطنة الناصر محمد بن قايتباي و به يختتم هذا الجزء. وكان منهجه في إيراد مادته كان يذكر اسم السلطان، وتاريخ التولية، وطريقة توليته، ومدة الحكم، وعمائره التي أنشأها أو جددها، وبعض الحوادث المهمة التي وقعت في عهده كالحروب والفتن، ومن توفي في عهده، وذلك على عادة مؤرخي عصره. وكان يختم ترجمة كل سلطان عادة بذكر من تولي بعد هذا السلطان، وأنه أورد أخباره مختصرا، كما اهتم بذكر الصفات الخلقية والخلقية لشخصياته التاريخية، وذلك للسلاطين وبعض الأمراء. وكان منهجه في ترتيب الحوادث أنه اتبع المنهج الحولي، فكان يرتب الحوادث على السنين إلا في بعض المواضع كان يهتم بإيراد الحدث كاملا دون مراعاة الترتيب الحولي وذلك في ذكره عن الغلاء، وكان يستهل كلامه في إيراد الحدث بعدة ألفاظ منها: "ثم دخلت سنة"، "وفيها"، "وفي هذه السنة"، "وفي أوائل دولته"، "وفي أواخر هذه السنة". اهتم ابن إياس بذكر أخبار النيل وكذلك الغلاء والسلع، كما اهتم بالأوبئة والأمراض وحصر عدد الوفيات بسبب تلك الأوبئة، وكذلك اهتم بالظواهر الطبيعية كالنجوم والفلك. اهتم ابن إياس بذكر الأوائل من الأحداث، فيقول: "وهو أول من أسكن المماليك في أبراج القلعة، وسماهم البرجية"، وقوله: "وهو أول سلطان حشا في

стр. 30

المراسيم بخطه بين السطور"، وقوله: "وهو أول من اتخذ الشاش والقماش للعسكر، والأقبية المفتوحة، والطرز الذهب، والحوايص الذهب، والأقبية القاقم. وهو أول من رتب المواكب في القصر على هذا الترتيب الحسن"، وقوله: "وأيبك الأشقر وهو أول من تسمى مدبر المملكة"، وقوله عن الأمير شيخوا: "وهو أول من سمى بأمير كبير، ولبس لها خلعة". واهتم بإيراد وفيات الأعيان من الناس في نهاية حديثه عن السلاطين، وكان هذا منهجه في نهاية ذكر كل سلطنة إلا أنه خالفه في بعض الأحيان فكان يذكرهم في نهاية كل سنة، وكان يذكر أسماءهم فقط دون ذكر تاريخ الوفاة أو معلومات عن المتوفى إلا في قليل النادر، ويرجع ذلك لأنه أراد أن يخرج كتابه مختصرا وأكد على ذلك فيقول: "وتوفي في أيامه جماعة كثيرة من أعيان العلماء والقضاة والفقهاء وأعيان الناس لم نذكرهم هنا خوف الإطالة"، كما أنه كان يصنف هذه التراجم فيقول "ومن الشعراء". اهتم بإيراد القصائد الشعرية ومقاطع الزجل، وكان أحيانا ينسب الأبيات لصاحبها وأحيانا كثيرة لا ينسبها فيقول "قال قائل" أو "كما قيل في المعني"، وكان يذكر الأبيات من حفظه لذلك كثيرا ما أورد أبياتا لشعراء تختلف عما ورد في ديوان الشاعر نفسه. رابعا - طريقته في الاختصار: * ترك ابن إياس لنا تراثا تاريخيا هاما، يحوي ثلاثة كتب تاريخية، أهم هذه الكتب كتابه المسمي "بدائع الزهور في وقائع الزهور" هو الأصل الذي اعتمد عليه في إخراج ملخص عن تاريخ مصر سماه "عقود الجمان في وقائع الأزمان"، وكتاب آخر مختصر وهو "جواهر السلوك في أمر الخلفاء والملوك"، لم يصل إلينا مقدمة بخط ابن إياس لهذه الكتب الثلاثة، وما جاء إلينا فقط هو بداية من الجزء الرابع إلى نهاية الجزء الحادي عشر من بدائع الزهور، والجزء الثاني من عقود الجمان، وجزء من جواهر السلوك. * فرغ ابن إياس من كتابه "بدائع الزهور" في يوم الأربعاء سلخ ذي الحجة سنة ٩٢٨ هـ، وفرغ من كتابه "عقود الجمان" الجمعة ١٧ ربيع الأول سنة ٩٠٥ هـ، وفرغ من كتابه "جواهر السلوك" بعد ذي الحجة سنة ٩٠٥ هـ، ولذلك نقول أنه شرع في البدء بتأليف الملخص والمختصر قبل أن ينتهي من

стр. 31

مؤلفه الأصلي وهو "بدائع الزهور" أي أنه قام بتأليف الملخص والمختصر أثناء تأليفه لمؤلفه الأصلي. * المادة العلمية بين الأصل والملخص والمختصر: مما عرضته يتضح أن كتاب عقود الجمان جاء ملخصا لأحداث جاءت في بدائع الزهور في ٤ مجلدات، أي حوالي ٢٠١٠ صفحة من المطبوع، وحوالي ٨٠٠ لوحة من المخطوط، لخصهم ابن إياس في الجزء الثاني من عقود الجمان في ٢٦٠ لوحة في المخطوط، هذا ما يخص عقود الجمان. أما ما يخص المختصر وهو "جواهر السلوك" جاء المطبوع في حدود ٣٩١ صفحة، وجاء يتضمن أحداثا منذ ذكر من تولي على مصر بعد فتحها حتى سنة

стр. 32

٩٠٥ هـ/ ١٥٠٠ م، وجاءت هذه المادة في الأصل في ٤ مجلدات، أي في حوالي ٢٢٠٢ صفحة من المطبوع. - منهجه في الاختصار في عقود الجمان بناء على الأصل، وهو "بدائع الزهور": أولا: يقول ابن إياس عن كتابه عقود الجمان: تأليفنا السحر الحلال لأنه … كالدر مع حسن البيان المنجزي أن طال لم يملل وأن أوجزته … فيود سامعه بأن لا توجز (١) هذا رأي ابن إياس في مؤلفه عقود الجمان، وهذا الرأي صحيح، وذلك لأن كتابه عقود الجمان خرج بشكل ملخص عما أورده في بدائع الزهور، وقد أضاف ابن إياس فيه أخبار، وأشعار، ورتبه كما رتب بدائع الزهور، الآن نعرض لأهم الفروقات بين الأصل الذي يتمثل في كتاب "بدائع الزهور"، والملخص وهو "عقود الجمان"، والمختصر وهو "جواهر السلوك". * منها: منهجه في عرض المادة التاريخية في الأصل التزم ابن إياس المنهج الحولي في إيراد الأخبار، فهو يدون الحوادث سنة سنة، وشهرا شهرا، في السنين التي لم يعاصرها، ويوما فيوما في السنوات التي عايشها، أما في الملخص والمختصر لم يهتم ابن إياس بالمنهج الحولي حتى لا يقطع الخبر الواحد إذا جاء ممتدا على السنين، مثل أخبار الغلاء والتجاريد. * منها: طريقته في عرض المادة التاريخية: التزم ابن إياس منهجا محددا في عرض مادته التاريخية حيث اهتم بذكر السلاطين (الاسم، تاريخ التولية، أصله، المراحل التي مر بها حتى وصوله للحكم، أرباب الوظائف العليا، والتجاريد، والفتن، والأوضاع الاقتصادية (الغلاء)، والاجتماعية (زواج وختان)، وأخبار النيل، ونهاية كل سلطان، ووفيات الأعيان)، زاد في الأصل عن ذلك، أخبار بعض الدول الآخر، مثل: (أخبار بني عثمان)، وأرباب الوظائف (كشاف الأقاليم)، وذكر مواكب السلاطين. أما ما يخص ذكر الوفيات في الأصل فكان يذكرها داخل أحداث كل سنة، وأحيانا قليلة كان يذكرهم في نهاية كل سنة، أما في الملخص فكان يذكرها في _________ (١) بحر الوافر.

стр. 33

نهاية ذكر كل سلطان، وقد أضاف طريقة أخرى في ذكر الوفيات في المختصر، قام بجمع ذكر وفيات الأعيان، مثل: من دولة الظاهر بيبرس البندقداري إلى دولة الملك المنصور لاجين (١). وقد أهمل ابن إياس في الملخص والمختصر ذكر تراجم للوفيات من الأعيان، واكتفى بذكر أسمائهم فقط، وأحيانا يكتفي بذكر المشاهير من الأعلام. * منها: أخبار لم ترد في الأصل وجاءت في الملخص وهي كثيرة، وقد أشرنا لها في الهوامش، مثل: - ذكر كفردنين من ضمن فتوحات الظاهر بيبرس، لم يرد هذا الخبر في الأصل. - خبر الإفراج عن الأمير سنقر الأشقر والأمير بيسري، لم يرد هذا الخبر في الأصل. - ذكر قتال جاليش السلطان الناصر محمد جاليش قطلوشاه قبل وصول السلطان إلى دمشق، لم يرد هذا الخبر في الأصل. - أرسل السلطان سنة ٧٣٧ هـ تجريدة إلى البلاد الحلبية، لم يرد هذا الخبر في الأصل. - حضور زوجة ملك الغرب طالبة الحج في سنة ٧٣٧ هـ، لم يرد هذا الخبر في الأصل. * منها: تصحيح أخبار وردت في الأصل وذلك في أكثر من موضع، وقد أشرنا إليه في الهوامش، مع ذكر ما يؤيد التصحيح في المصادر الأخرى، منها: لقب الأمير علم الدين سنجر الحلبي حيث لقب نفسه بالملك المجاهد، وفي بدائع الزهور "الملك الأمجد" (٢). * منها: أخبار وردت مختصرة في الأصل، وجاءت مفصلة في الملخص مثل: خبر الغلاء في سنة ٧٢٦ هـ (٣). * منها: اختلاف الألفاظ في ذكر الشواهد الشعرية أورد ابن إياس في الملخص أبياتا لم يأت ذكرها في الأصل، وقد أشرنا لذلك في الهوامش، منها الأبيات التي أوردها لمحيي الدين ابن عبد الظاهر. _________ (١) انظر: جواهر السلوك ١٥٠ - ١٥٣. (٢) انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٣١١. (٣) انظر: بدائع الزهور ١/ ١/ ٤٥٨.

стр. 34

ولكن هنا بعض الملاحظات التي جاءت في الملخص منها: - الاضطراب في ذكر بعض الحوادث، وذلك لأن ابن إياس في كثير من الأحيان كان يكتب من حفظه. - الخطأ في تأريخ بعض الحوادث، وذلك من خلال إيراد حوادث داخل سنة معينة، وهي تخص حوادث سنة أخرى. - الخطأ في إيراد أسماء وفيات بعض الأعيان داخل ترجمة بعض السلاطين. وفي النهاية ترك لنا ابن إياس كتابه "عقود الجمان" مشحونا بفوائد، كتبه ابن إياس بيديه بلغة عصره، واهتم فيه ابن إياس بإيراد الأخبار التي رآها من وجهة نظره أنها تهم القارئ. خامسا - منهج المؤلف في التعليق على الأخبار في الملخص: اهتم ابن إياس بمادته التاريخية فلم يخرج لنا الأحداث بطريقة سردية يجعل القارئ يمل منها، وقد أوضح ذلك عند الشروع في الحديث عن تاريخه السلاطين العصر المملوكي، وخرجت تعليقاته التي اختلفت أحجامها وصيغتها وأهدافها على ثلاثة محاور، وهي: - المحور الأول: يأتي هذا المحور في متن الخبر للتعريف بالمصطلحات والطوائف والأماكن ونحو ذلك، كقوله: " … فلبس خلعة السلطنة وهي جبة سوداء بطرز ذهب، وعمامه سوداء، وسيف بداوي مقلد به"، وقوله في تعريف التومان: "والتومان عند التتار عشرة آلاف ألف دينار". - المحور الثاني: يأتي هذا المحور في خاتمة الخبر قبل كلمة "انتهى"، وهي عبارات مقتضبة صغيرة، منها ما كان للعبرة والعظة، كقوله: "وبه زالت دولة المؤيدية كأنها لم تكن، فسبحان القادر على كل شيء"، وقوله: "فسبحان من لا يزول ملكه"، وقوله: "وزال ملكه كأنه لم يكن فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغير". أو إنكاره للحال الواقع، كقوله عند تغير لقب السلطان: "فعند ذلك نادوا في القاهرة أن السلطان صار لقبه الملك الأشرف، فتعجبوا الناس من ذلك بعد مدة سبعة أشهر يتغير لقب السلطان، وهذه الواقعة قط ما اتفقت لأحد من أبناء

стр. 35

الملوك قبله، غير أن الملك الصالح أمير حاج بن الأشرف شعبان، لما سلطنوه أولا تلقب بالملك الصالح، فلما خلع من السلطنة وأعيد ثاني مرة، لقبوه بالملك المنصور". - المحور الثالث: وهو خاص بالتعليقات الشعرية، وهي تحمل الأهداف السابقة نفسها، وهي كثيرة جدا في النص، منها مثلا: قوله عن مدة سلطنة الملك شهاب الدين أحمد بن الملك الناصر محمد بن قلاوون": فلم يقم إلا بمقدار أن … قلت له أهلا وسهلا ومرحبا" ولكثرت تلك الشواهد الشعرية التي استخدمها ابن إياس في أغلب تعليقاته على الحوادث التي أوردها في كتابه لا يسع ذكرها في هذا الموضع، وأحيانا يأتي الشاهد الشعري مع ذكر صاحبه وأحيانا يذكر الشاهد الشعري فيقول" وقيل في المعني". سادسا- أسلوبه في الملخص: كتب ابن إياس تاريخه بلغة سهلة وبسيطة أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى، وكلمات مشكولة في كثير من الأحيان، إلا أنها لم تخل من الأخطاء النحوية، فقد كان عدم التقيد بالقواعد النحوية أحد سمات الكتابة التاريخية بين مؤرخي العصر المملوكي، ويكشف عن عمق المؤثرات الأجنبية، ثم هو صورة لفعاليات شعبية؛ فضلا عن الفائدة التي يجنيها الباحث في دراسة تطور اللغة وعلاقة اللهجة المصرية بالفترة الزمنية التي كتب بها ابن إياس تاريخه. كما اتبع أسلوبا خاصا في الكتابة، ويمكن ملاحظته في النقاط التالية: - لغة ابن إياس كانت تحفل بالكثير من الألفاظ والمصطلحات التركية التي لا تزال اللهجة المصرية المعاصرة تضم عددا كبيرا منها. - اعتاد كتابة بعض الأسماء والكلمات والألفاظ بصورة مخالفة للمشهور اليوم في رسمها، مثل: أستاد = أستاذ، إنشاء الله = إن شاء الله، ذهن = دهن، الفراة = الفرات، بذنه = بدنة، الأدية = الأذية، تذل = تدل، ذري = در، الدخائر = الذخائر، نذب = ندب، أدعن = أذعن.

стр. 36

في الكتاب كثير من الإلحاقات التي ألحقها ابن إياس على المتن، مشيرا إلى موضعها داخل النص، وأنهى أكثرها بلفظ "صح"، وكذا بعض المواضع بيض لها لحين الوقوف على خبرها فيما بعد، وهو بين الحين والآخر يسقط بعض الكلمات سهوا. - كان يكتب الكلمة أحيانا على جزأين كل جزء منها في سطر. - لم يهتم ابن إياس بتمييز العدد، مثل: خمسة وخمسين سنة. - لم يهتم ابن إياس بالهمزات، كالثلاثا، والأربعا وغيرها. سابعا- النسخ الخطية: من حسن الحظ أن وصل إلينا الجزء الثاني من نسخة مبيضة الكتاب بخط المؤلف Holographe، إذ نادرا ما تصل إلينا نسخة المؤلف، وهي محفوظة في أيا صوفيا برقم (٣٣١١) تاريخ. يتكون من ستة وعشرين كراسة، كل كراسة عشر ورقات، أي عشرين صفحة، وعدد أوراقه ٢٦٠ ق، ومسطرته ٢٣ ق، وبه تعقيبة، وهو مشكول، وكتبت بخط النسخ المملوكي الجميل الواضح، أما الترقيم الوارد في المتن فهو ترقيم المفهرس بالمكتبة، سقط من هذا الترقيم ٤ صفحات قطع صغيرة. ويبدأ النص بذكر تسلطن شجر الدر وابتداء دولة المماليك الأتراك بالديار المصرية في صفر سنة ٦٤٨ هـ/ مايو ١٢٥٠ م، وينتهي بقتل السلطان الملك الناصر محمد بن الملك الأشرف قايتباي في ربيع الأول سنة ٩٠٤ هـ/ أكتوبر ١٤٩٨ م. وقد كتبت الصفحة الأولى بخط المؤلف، أولها: «بسم الله الرحمن الرحيم، رب يسر وأعن، الجزء الثاني في ابتداء دولة الأتراك، وذلك على سبيل الاختصار، منها قيل .... ». وينتهي الكتاب بقول مؤلفه: "وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء على يد مؤلفه، فقير رحمة ربه، محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، عامله الله تعالى بلطفه الخفي، في يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول سنة خمس وتسعمائة، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ورضى الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، والحمد لله رب العالمين، تم ذلك".

стр. 37

وهذه النسخة من أوقاف السلطان العثماني محمود الأول (١١٤٣ - ١١٦٨ هـ/ ١٧٣٠ - ١٧٥٨ م) (١)، وقد كتب نص وقفيته على الورقة الأولى مكتوب بالخط الفارسي بخط عريض، وهذه التقييد الوقفية توجد في جميع كتب مكتبة آيا صوفيا، ونصها: قد وقف هذه النسخة الجليلة سلطاننا الأعظم، والخاقان المعظم، مالك البرين والبحرين، خادم الحرمين الشريفين، السلطان ابن السلطان، السلطان الغازي محمود خان، وقفا صحيحا شرعيا لمن طالع وتبصر واعتبر وتذكر، أجزل الله ثوابه وأوفر، حرره الفقير أحمد شيخ زاده، المفتش بأوقاف الحرمين الشريفين، غفر لهما. وكذلك وجدنا ختمين في وسط الصفحة الأولى من المخطوط بشكل بيضوى عليها كتابة بالخط النستعليق الأبيض على أرضية سوداء، وهما: الختم الأول: ختم وقف السلطان محمود، وصورته: ﴿الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ [الأعراف: الآية ٤٣] وفي أسفل الختم طغراء الوقف. الختم الثاني: ختم الواقف أحمد زادة (٢)، وهو دعاء: زتو (٣) توفيق يا رب منا كتب أحمد _________ (١) انظر ترجمته في: عجائب الآثار، ١/ ٢١٧. (٢) هو: أحمد بن الشيخ محمد الزاهد الادرنه وى القاضى الرومي الحنفي الشهير بشيخزاده. من القضاة. له حاشية على شرح مفتاح العلوم في المعاني والبيان ورسالة على مبحث الاستعارة من أوائل الكشاف، ت: ١٠٣٣/ ٥١٦٢٤ م. (هداية العارفين، ١/ ١٥٦). (٣) لعله يقصد «زدت».

стр. 38

ثامنا - طريقة إخراج النص: - نسخت النص، ونظمت مادته. - شرحت المصطلحات، وعرفت بالأماكن، وترجمت للأعلام بقدر الوسع والإمكان، ونبهت على الأخطاء التي وقع فيها ابن إياس، وأضفت إلى النص ما احتاج من إضافة. - وضعت النقط على الحروف التي كان يهملها بين الحين والآخر كالقاهره، والرمله، وغيرها؛ وكذا الهمزات المهملة كالثلاثا، والأربعا، راس وغيرها، بينما أبقيت على كلمات في صورتها العامية مثل كلمة "البير"، ووحدت لفظ "ابن" في النص على ما هو متعارف عليه في الإملاء الحديث، لأن ابن إياس لم يلتزم بذلك، وهي عادة المؤلفين قديما. - كتبت الأسماء على الرسم الإملائي الحديث كجزا = جزى، وإنشاء الله = إن شاء الله، وأوفا = أوفى، وشكى = شكا، وثلثون = ثلاثون. وهو أحيانا يكتبها بالرسم الإملائي الحديث كثلاثون. - خرجت النصوص التي نقلها المؤلف من مصادرها بقدر الوسع والإمكان. صنعت للنص عدة كشافات متنوعة.

стр. 39

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ رب يسر وأعن الجزء الثاني: في ابتدأ دولة الأتراك، وذلك على سبيل الاختصار. منها قيل: لما أن قتل الملك المعظم توران شاه وهو أخر من تولى من بني أيوب، وقد تقدم ذلك في الجزء الأول، فتعصبوا المماليك الصالحية وقالوا: "ما نسلطن إلا زوجة أستاذنا (١) الملك الصالح نجم الدين أيوب" وهي شجر الدر (٢)، فسلطنوها في أوائل شهر صفر سنة ثمان وأربعين وستمائة. وكان أصلها من جواري الملك الصالح نجم الدين أيوب اشتراها في أيام أبيه الملك الكامل محمد، فحظيت عنده واستولدها ابنه خليل ثم أعتقها وتزوج بها، وكانت معه في البلاد الشامية مدة طويلة، ثم قدمت معه إلى الديار المصرية. فلما تسلطن الملك الصالح عظمت شجر الدر في دولة أستاذها الملك الصالح، وصارت تدبر أمور المملكة بالديار المصرية في حياة أستاذها الملك الصالح. وكانت ذات عقل وحزم، ومعرفة تامة بأحوال المملكة؛ فسلطنوها لحسن سيرتها وجودة تدبيرها، وجعلوا الأمير عز الدين أيبك التركماني أتابك العساكر ومشاركها في أحوال المملكة، وصار يخطب باسم شجر الدر على منابر مصر وأعمالها. وكانت الخطباء تقول بعد الدعاء للخليفة "وأحفظ اللهم الجهة الصالحية، ملكة المسلمين، عصمة الدنيا والدين، والدة المرحوم خليل، زوجة الملك الصالح نجم الدين أيوب".

стр. 40

وكانت تكتب علامتها على المراسم "والدة خليل"، فأقامت على ذلك مدة ثلاثة أشهر، فساست الرعية في مدة سلطنتها أحسن سياسة، وسارت فيهم أحسن سيرة إلى أن بدا لها خلع نفسها من السلطنة باختيارها. وقيل (١): إن الخليفة (٢) أرسل من بغداد يقول لأمراء مصر: "أعلمونا إن كان ما بقي عندكم في مصر من الرجال من يصلح للسلطنة فنحن نرسل إليكم من يصلح لها؛ أما سمعتم الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا يفلح قوم ولو أمرهم امرأة» (٣)، وأنكر عليهم بسبب ذلك غاية الإنكار، وقد قال القائل: النساء ناقصات عقل ودين … ما رأينا لهن رأيا سنيا ولأجل الكمال لم يجعل الله … تعالى من النساء نبيا (٤) فلما بلغ ذلك إلى شجر الدر خلعت نفسها من السلطنة من غير كره، وتولى الأمير أيبك التركماني برضاها، ثم مشوا بينهما فتزوج أيبك بشجر الدر، وكان لا يتصرف في شيء من أمور المملكة إلا برأيها، وكانت ذات شهامة زائدة، وكانت تركية الجنس، شديدة الغيرة، صعبة الخلق، فكان أيبك معها في غاية الضنك.
следующие страницы →