ذكر عود الملك الناصر محمد بن قلاون إلى السلطنة بالديار المصرية (١)
وهي السلطنة الثانية، فدخل إلى القاهرة في ثامن جمادى الأول سنة ثمان وتسعين وستمائة.
فزينت له القاهرة، ودقت له بالشائر، فطلع إلى القلعة، ولبس خلعة السلطنة، وهي جبة سوداء بطوق ذهب وعمامه سوداء، وسيف بداوي، مقلد به (٢)، فجلس على سرير الملك، وتودي باسمه في القاهرة، وضجوا الناس له بالدعاء، وفي ذلك يقول الشيخ علائي الدين الوداعي (٣):
الملك الناصر قد أقبلت … دولته مشرقة الشمس
عاد إلى كرسيه مثلما … عاد سليمان إلى الكرسي (٤)
ولما استقر الملك الناصر على سرير ملكه، أخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير أقوش الأفرم واستقر به نائب دمشق؛ وأخلع على الأمير سلار المنصوري واستقر به نائب السلطنة؛ واستقر بالأمير بيبرس الجاشنكير أتابكي العساكر؛ وأخلع على الأمير قراسنقر (٥) الأعسر واستقر به وزيرا؛ وأخلع على الأمير حسام الدين واستقر به استادارا؛ وأخلع على جماعة كثيرة من الأمراء، وأنعم على جماعة كثيرة من المماليك السلطانية بإقطاعات سنية.
стр. 107
ثم في أوائل دولته جاءت الأخبار من البلاد الحلبية بأن غازان بن أرغون بن أبغا بن هلاكوا ملك التتار، قد وصل أوائل عسكره إلى الفرات (١)، وهو في جمع كبير نحو مائة ألف (٢).
وسبب هذه الفتنة أن المنصور لاجين قصد يقبض على قفجق نائب الشام، فلما أحس قفجق بذلك هرب وتوجه إلى عند [٣٢/ ١] القان غازان، وهيجه إلى الحضور إلى نحو البلاد الشامية، فلما بلغ السلطان والأمراء ذلك تجهزوا للخروج إليه، فأعرض السلطان العساكر، وعين الأتابكي بيبرس الجاشنكير بأن يتوجه قدام العسكر في الجاليش (٣).
ثم خرج السلطان بعد ذلك، وهو في عسكر عظيم، وكان خروجه في أوائل سنة تسع وتسعين وستمائة، وجد في السير، فوصل إلى دمشق في ثامن ربيع الأول، وكان خروج السلطان من مصر في نصف شهر صفر، وكان معه الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء والعسكر.
فنزل بقلعة دمشق، ثم رحل السلطان عن دمشق، فتلاقى مع عسكر التثار بالقرب من سلمية (٤) بمكان يعرف بوادي الخازندار، فوقع بين عسكر مصر وبين عسكر التتار هناك وقعة عظيمة، لم يسمع بمثلها، فعند ذلك انكسر العسكر المصري، وهرب السلطان الملك الناصر محمد في طائفة يسيرة من العسكر إلى نحو بعلبك، وقد نهب بركة وبرك الأمراء والعسكر، وقتل من الفريقين ما لا يحصى عددهم.
فلما جاءت الأخبار إلى دمشق بأن السلطان قد انكسر، فخاف أهل الشام على أنفسهم من غازان، فاشتوروا أعيان العلماء بالشام على الخروج إلى غازان ليطلبوا منه الأمان، فخرج قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة الشافعي، والشيخ زين الدين الفارقي (٥)، والشيخ تقى الدين ابن تيميه، والقاضي نجم الدين
стр. 108
ابن الصصري (١)، والقاضي عز الدين ابن الزكي، والشيخ عز الدين ابن القلانسي، والقاضي جلال الدين القزويني، وغير هؤلاء من العلماء والصلحاء.
فلما دخلوا على غازان ووقفوا بين يديه، فوقف الترجمان، وتكلم بينهم، فقال لهم غازان: "إن الذي تطلبونه من الأمان قد أرسلناه قبل حضوركم"، فرجعوا إلى دمشق، واجتمع الناس، وقرئ عليهم الأمان الذي أرسله غازان ففرح الناس بذلك، وحصل عندهم سكون.
ثم حضر الأمير قفجق الذي كان نائب الشام، ونزل بالميدان الأخضر، وأرسل يقول لنائب قلعة دمشق: "بأن يسلم القلعة، وإلا تأخذ غصبا منه"، فأرسل نائب القلعة يقول: "ليس عندي جواب إلا السيف، وكيف أسلم القلعة والسلطان الملك الناصر في قيد الحياة؟، وقد وصلت إلى بطاقته، وهو يوصيني بأن لا أسلم القلعة".
ثم إن عسكر غازان حاصروا قلعة دمشق، ونصبوا عليها المناجنيق وأحرقوا غالب ضياع الشام ونهبوها.
ثم إن غازان رحل عن دمشق في يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأول، وأقام بعد رحيله نائبه قطلو شاه مع جماعة كثيرة من التتار، وكان غازان قد ولى الأمير قفجق نيابة الشام كما كان، هذا ما كان من أمر غازان.
وأما ما كان من أمر العسكر المصري والسلطان فأنه لما انكسر، كما تقدم، دخل إلى الديار المصرية على حين غفله، هو والعسكر، وقد نهب جميع بركهم، وقماشهم.
فلما طلع السلطان إلى القلعة فتح الزردخاناة، وفرق جميع ما فيها من السلاح على العسكر، ثم فتح خزانة المال، ونفق على العسكر، فأعطى أعيان المماليك لكل واحد ثمانين دينارا، وأعطى لمن دونهم خمسة وسبعين دينارا، وأعطى لمن دون ذلك خمسة وستين دينارا، وأعطى مماليك الأمراء لكل واحد خمسين دينارا (٢)، وأعطى عسكر الشام لكل واحد خمسة (٣) أرادب قمح، وعشرة أرادب
стр. 109
شعير، وعشرة دنانير ذهب، وأرسل للأمراء من الأكابر والأصاغر نفقة لكل واحد على قدر مقامه.
ثم إن السلطان قصد التوجه إلى غازان ثانية، فنفق على العسكر نفقة ثانية، وكان الذي أعطاه لهم أولا لأجل ترقيع أحوالهم، بسبب [١/ ٣٣] ما جرى من أمر هذه الكسرة، كما تقدم.
ثم إن السلطان خرج من القاهرة وصحبته الخليفة الإمام أحمد، والقضاة الأربعة، والأمراء والعسكر، فسار حتى وصل إلى الصالحية، فجاءت له الأخبار برجوع غازان إلى بلاده، فضربوا الأمراء مشورة في رجوع السلطان إلى القاهرة أو توجهه إلى البلاد الشامية، فوقع الاتفاق على أن السلطان يقيم بالصالحية، وأن نائب السلطنة والأمراء والعسكر يتوجهون نحو الشام.
فتوجه الأمير سلار النائب والأتابكي بيبرس الجاشنكير والعسكر، فلما وصلوا إلى الشام، فتلقاهم قفجق الذي كان سببا لهذه الفتنة، وأظهر الطاعة للسلطان، وأشار بأن يرجع السلطان إلى القاهرة، فإن في ذلك المصلحة، فكاتب الأمراء السلطان بذلك، فرجع السلطان إلى القاهرة، ورجعت الأمراء بعده، وذلك في ثامن عشر شهر رمضان من السنة المذكورة.
نكتة (١) لطيفة، قيل (٢): أن الملك المنصور قلاون أستاذ تفجق المذكور، خرج يوما إلى الفضاء ومعه جماعة من أخصائه، وذلك على سبيل التنزة، فذبح هناك السلطان خروفا بيده، وانشرح ذلك اليوم، فلما مدوا السماط جعلوا ذلك الخروف الذي ذبحه السلطان بيده في صدر السماط، فقطع منه السلطان الكتف، ثم جرده من لحمه، وأنقاه وتركه ساعة إلى أن حف، ثم لوحه على النار قليلا، ثم تفل عليه، وألقاه من يده، فسأله بعض الأمراء عن ذلك بعد أن سكن غضبه، فقال: " هذا الصبي تفجق لا تخرجوه بعدي إلى البلاد الشامية، لأنه يحصل منه فساد كبير إذا خرج"، فكان الأمر كما قاله المنصور قلاون، والملوك لهم فراسة، كما قيل في المعنى لبعضهم:
стр. 110
يرى العواقب في أثناء فكرته … كأن أفكاره بالغيب كهان
لا طرفة منه إلا تحتها عمل … كالدهر لا دورة إلا لها شان (١)
ولم يزل قفجق موخرا في دولة الملك المنصور قلاون مدة حياته إلى أن مات المنصور قلاون، وتسلطن ولده خليل، ثم تسلطن لاجين فولى قفجق نيابة الشام، ثم إن المنصور لاجين قصد مسك قفجق فهرب إلى بلاد (٢) الشرق، وأثار هذه الفتنة العظيمة، وندب غازان إلى المجيء إلى بلاد الشام، وكان للملك المنصور قلاون معرفة تامة في علم الكتف.
قال القاضي محيى الدين ابن فضل الله: "حكى لي الأمير قفجق بعد ما جرى، الذي جرى من غازان، قال: "لما تلاقينا نحن وأنتم - يعني عسكر السلطان وعسكر غازان - فلما كاد غازان أن ينكسر وهم بالهروب، فطلبني ليضرب عنقي، لأن مجيئه كان برأي، فلما حضرت بين يديه، فقال لي: "ما هذا الحال"، فقلت له: "أنا أخبر بعسكرنا فأن لهم حملة واحدة، فالقان يصبر ساعة فما يبقى قدامه أحد منهم"، فصبر ساعة فكان الأمر كما قلته، فلما انكسرتم، فأراد أن يزحف عليكم بمن معه من العساكر، فعلمت أنه متى ما زحف عليكم لم يبقي منكم أحدا، فقلت له: "القان يصبر ساعة فأن عسكرنا لهم حيل كثيرة، وربما يكون لهم كمين، فيخرج علينا، فتنكسر"، فوقف ساعة حتى أبعدتم عنا، فلولا أنا ما سلم منكم أحد (٣). ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الناصر.
ثم في هذه السنة وهي سنة تسع وتسعين وستمائة، فيها: اختلفت عربان البحيرة اختلافا فاحشا، وهم طائفتان جابر ومرديس، فعين [٣٤/ ١] لهم السلطان تجريدة عظيمة، وكان باش العساكر الأمير بيبرس الدوادار المنصوري أحد الأمراء المقدمين، وصحبته عشرين أميرا طبلخاناه وعشراوات، فخرجوا على الفور، وجدوا في السير إلى أن وصلوا إلى تروجة، فوجدوهم قد تفرقوا، فتبعوهم فأخذوا مواشيهم من الجمال والأغنام، ثم إنهم كتبوا لهم أمان، وأصلحوا بينهم ثم عاد الأمراء والعسكر إلى الأبواب الشريفة.
стр. 111
ثم دخلت سنة سبعمائة من الهجرة النبوية، فيها: جاءت الأخبار بأن التتار وصل أوائلهم إلى الفرات، وهم خلائق لا تحصى، فعند ذلك أحضر السلطان الأمراء وضربوا مشورة في أمر ذلك، وقرر السلطان برأي الأمراء على الأغنياء وأعيان التجار مال؛ بسبب كلفة العسكر برسم التجريدة، وكان المتكلم على ذلك الأمير سنقر الأعسر الوزير، والأمير ناصر الدين ابن الشيخي والي القاهرة، فاستخرجوا في هذه الحركة نحو مائة ألف دينار (١).
ثم خرج السلطان وصحبته العساكر، فلما وصل إلى غزة، جاءت الأخبار بأن العساكر الحلبية توجهوا إلى التتار، وكسروهم كسرة قوية، ورجعوا إلى بلادهم، فلما بلغ السلطان ذلك رجع إلى الديار المصرية، وسبب رجوعه أن العسكر تقلقوا من قلة (٢) التبن والشعير، ولما رجع السلطان من غزة، أرسل من هناك تجريدة صحبة الأمير بكتمر السلحدار، فأقاموا بالرها لتطمئن الرعية.
وفيها رسم السلطان لليهود والنصارى والسمرة، بلبس عمائم مختلفة الألوان، فألبس اليهود عمائم صفر، والبس النصاري عمائم زرق، والبس السمر (٣) عمائم حمر (٤)، وفي ذلك يقول شمس الدين الطيبي:
تعجبوا للنصارى واليهود معا … والسامريين لما عمموا الخرقا
كأنما بات بالأصباغ منسهلا … نسر السماء فأصحى فوقهم درقا (٥)
ثم دخلت سنة إحدى وسبعمائة، فيها: في ليلة الجمعة ثامن عشر جمادى الأول توفي الخليفة الإمام أحمد الحاكم بأمر الله، وتولى ابنه المستكفي بالله أبي
стр. 112
الربيع سليمان، وكانت خلافة الامام أحمد نيفا وأربعين سنة، وهو أبو الخلفاء الذين بمصر كلهم.
ثم دخلت سنة اثنتين وسبعمائة، فيها: جاءت الأخبار من البلاد الحلبية بأن قطلوشاه أمير غازان قد تحرك، ووصل إلى الفرات، وأرسل كتاب إلى نائب حلب مضمونه أن بلادهم قد أمحلت في هذه السنة، وكان ذلك عين الخداع.
ثم بعد ذلك جاءت الأخبار بأن طائفة من التتار وصلوا إلى مرعشر (١)، فجفلت منه الرعية، فعند ذلك استعد السلطان للخروج إليهم، وبرزت المراسيم الشريفة للنواب بأن يستعدوا لذلك، ثم إن السلطان عين من الأمراء المقدمين ستة، ومن المماليك السلطانية نحو ألف مملوك، وخرجوا من القاهرة في ثاني عشر رجب من السنة المذكورة، فلما وصلوا إلى قاقون، تواترت الأخبار بصحة وصول التتار، وأن غازان فيهم وقد وصلوا إلى الرحبة، وأن نائب الرحبة الأمير سنجر الغتمي تلطف بغازان، وأرسل له بالإقامات مع ولده ومنعه من محاصرة البلد، ثم إن غازان أرسل نائبه الأمير قطلوشاه إلى نحو الشام ومعه اثنا عشر طومان، ورجع غازان إلى نحو بلاده (٢).
فلما بلغ السلطان الملك الناصر ذلك أحضر الأمير سلار النائب، وضربوا مشورة في ذلك، ثم إن الأمير سلار [١/ ٣٥] وبقية الأمراء أشاروا على السلطان بالخروج إلى الشام، قبل أن يتمكن العدو من البلاد على الفور، ونادى في القاهرة للعسكر بأن لا يتأخر من الجند لا كبير ولا صغير ولا جليل ولا حقير.
وأحضر السلطان طائفة من عربان الشرقية والغربية والبحيرة (٣)، وخرج مسرعا وصحبته الخليفة المستكفي بالله أبو الربيع سليمان والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، فتقدم الأمير بيبرس الجاشنكير مع جماعة من الأمراء إلى نحو الشام، قبل وصول السلطان إليها، فجمعوا النواب والعساكر الشامية والعربان حين وصولهم إلى الشام.
جاءت الأخبار بوصول جاليش قطلوشاه نائب غازان، فلما بلغ الأمراء ذلك ركبوا على حمية، هم والنواب، فكسروا جاليش قطلو شاه ونهبوهم (٤)، فلما بلغ
стр. 113
السلطان ذلك خرج من القاهرة في ثالث، شعبان، وجد في السير هو والعسكر حتى وصل إلى دمشق، فكان دخوله إليها في يوم السبت مستهل شهر رمضان من السنة المذكورة، ففرح الناس بقدومه (١).
ثم إن السلطان برز إلى قتال عسكر غازان، فخرج بمن معه من الأمراء والنواب والعساكر، وما جمع من العربان المصرية والشامية، فاجتمعوا على مرج راهط، فلما تلاقى عسكر السلطان مع عسكر غازان، وكان قطلوشاه نائب غازان في مائة ألف مقاتل من التتار، فتلاقوا تحت جبل غباغب، فكان بين الفريقين وقعة لم يسمع بمثلها في مبتدأ الإسلام، فكانت النصرة للملك الناصر على عساكر التتار، التي قد سدوا الفضاء لكثرتهم، فقتل منهم جماعة كثيرة، "وأسر منهم أكثر من الثلث" (٢).
وقتل من عسكر السلطان جماعة كثيرة منهم من الأعيان الأمير حسام الدين لاجين أستادار العالية، واوليا بن قرمان (٣)، وسنجر الكافري، وأيدمر الشمسي القشاش، وأقوش الشمسي الحاجب، وعز الدين أيدمر المنصوري الشهير بالرفا، وعز الدين أيدمر نقيب الجيوش المنصورة، وعلائي الدين ابن ددا التركماني، وحسام الدين علي بن ساخل، وسيف الدين بهادر الدكاجكي، ونحو ألف (٤) مملوك من مماليك السلطان والأمراء.
ثم حال الليل بين العسكرين، واختلط الظلام، ثم إن عسكر التتار التجأ إلى أعلى الجبال، وباتوا يوقدون النيران، وبات السلطان والعساكر محدقين بهم كالحلقة.
فلما أسفر صبح يوم الأحد ثاني (٥) شهر رمضان فعاينوا التتار الخطب المهول، وأيقنوا بالهلاك، وأمتلأت قلوبهم رعبا، فعند ذلك فسحت لهم العساكر السلطانية فبادروا للهروب، فحملوا عليهم العساكر السلطانية فصيروهم رمما، وأسروا منهم ما شاء فأمتلأت من قتلاهم القفار وأمسوا، كما قال الشاعر، من أبيات:
стр. 114
مشوا (١) متسابقي الأعضاء فيهم … لأرجلهم بأرؤسهم عثار
إذا فاتوا السيوف تناولتهم … بأسياف من العطش القفار (٢)
ثم إن السلطان أرسل الأمير بكتوت الفتاح بكتب هذه النصرة إلى الديار المصرية، ثم رحل من مكان الوقعة إلى دمشق وصحبته الخليفة المستكفي بالله والقضاة الأربعة، فنزل بالقصر الأبلق ونزل الخليفة برباط الناصر بسفح جبل قاسيون، فدخل في موكب عظيم، وزينت له دمشق فأقام بها أياما (٣).
ثم قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، فوصل إلى القاهرة في ثالث عشرين شوال من السنة المذكورة، فدخل إلى القاهرة في موكب عظيم، وزينت له زينة عظيمة، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، وجعلوا الأسارى من التتار في [٣٦/ ١] في قيود من الحديد، وصناجقهم بأيديهم منكوسة وطبولهم معكوسة، فشق القاهرة وهم بين يده.
فلما وصل إلى قبة والده التي بين القصرين، ترجل الملك الناصر عن فرسه، ودخل وزار قبر والده قلاون، ثم خرج وطلع إلى القلعة، والأمراء جميعا بين يديه، وفرشت تحت رجلي فرسه الشقق الحرير إلى أن وصل إلى قلعة الجبل، وجلس على سرير ملكه.
نقل بعض المؤرخين: أن الذي غنموه العساكر السلطانية في هذه الوقعة، لما كسروا التتار من سلاح وقماش وخيول وسبايا من النساء والبنات، ما لا يسمع بمثله فيما تقدم من الغنائم.
وفي هذه السنة: في الثالث والعشرين من ذي الحجة وقعت زلزلة شديدة بالديار المصرية، وسائر أعمالها، وكان قوة عملها في ثغر الإسكندرية، فهدمت سورها والأبراج، وعدة أماكن من المدينة، وهدمت جانب المنار، وفاض البحر المالح على البر.
وأما الديار المصرية فهدمت أكثر جدران الجامع الحاكمي، وهدمت مأذنة المدرسة المنصورية، ومأذنة الجامع الظافري الذي بالفكاهين (٤)، ومأذنة جامع
стр. 115
الصالح (١)، وهدمت جدران الجامع العمري الذي بمصر العتيقة، وتشققت من هذه الزلزلة الجبال وخرج الناس إلى الصحاري، وظنوا أنها القيامة؛ وكانت هذه الزلزلة متصلة إلى دمشق، والكرك، والشوبك، وصفد، وغالب البلاد الشامية.
وأقامت هذه الزلزلة تعاود الناس مدة عشرين يوما وهلك فيها جماعة كثيرة تحت الردم، حتى قيل: أن شخصا كان يبيع اللبن، فسقطت عليه دار، فظنوا الناس أنه قد مات، فأقام ثلاثة أيام بلياليها وهو تحت الردم، فلما شالوا عنه الردم، فوجدوه على قيد الحياة، فأخرجوه من تحت الردم سالما، لأنه تشبكت فوقه الأخشاب، فسلم بذلك، وقيل: كانت معه جرة فيها لبن، فوجدت كما هي سالمة وفيها اللبن.
وقيل: كانت هذه الزلزلة في الصيف فجاء عقيبها لفحات سموم تلقح حتى أغمى على الناس منها.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعمائة، فيها خرج الأمير بيبرس الدوادار، لعمارة ما تهدم من الأبراج والأسوار بمدينة الإسكندرية، بسبب ما حصل من الزلزلة؛ فكان عدة ما سقط من الأبراج سبعة عشر برجا وستة وأربعون بدنة (٢).
ثم إن جماعة من الأمراء التزموا بترميم ما تهدم من الجوامع بالديار المصرية، مما كان من أمر الزلزلة، فأنفقوا على ذلك من مالهم جملة كبيرة.
وفي هذه السنة جاءت الأخبار بموت القان محمود غازان، الذي جرى منهم ما تقدم ذكره، وهو غازان بن أرغون بن أبغا بن القان هلاكوا ملك التتار، وقيل: أنه مات مسموما، سمته زوجته بلغان شاه، وكان قصد غازان أن يزحف على البلاد الشامية ثانية، فكفى الله المؤمنين القتال (٣)، وقيل: أن زوجته بلغان شاه سمته في منديل الفرش، وكان موته بالقرب من همدان، وحمل إلى تبريز، فدفن بها، وفي ذلك يقول علائي الدين الوداعي، شعرا:
стр. 116
قد مات غازان بلا مرية (١) … ولم يمت في الحجج (٢) الماضية
بل شنعوا عن موته فأنثنى (٣) … حيا ولكن هذه (٤) القاضية (٥)
ثم دخلت سنة أربع وسبعمائة، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة صاحب دنقلة (٦)، وصحبته هدايا جليلة، من رقيق وجمال والأبقار الخيسية، وغير ذلك فأنزل بدار الضيافة [١/ ٣٧] وأخلع عليه.
ثم دخلت سنة خمس وسبعمائة، فيها ابتدأ المقر الركني بيبرس الجاشنكير بعمارة خانقاته، التي برحبة باب العيد، قبالة الدرب الأصفر (٧).
وفي أواخر سنة ست وسبعمائة وقع الغلاء بالديار المصرية وهافت الغلة وتشحطت، ودام ذلك إلى أن دخلت سنة سبع وسبعمائة فأشتدت الأسعار، ثم تراجع الحال قليلا، قليلا، حتى عاد إلى ما كان عليه من الرخص (٨).
وفيها وقع بين السلطان وبين سلار النائب، وثار بينهما القال والقيل، فأرسل سلار النائب يقول للسلطان: "أنفى جماعة من الخاصكية، وهم: بيبغا التركماني، وخاص ترك، وينتمر، وكانوا من خواص السلطان (٩)، فقال السلطان: "وما ذنبهم"، فقال سلار: "هؤلاء يرمون الفتن بيننا وبين السلطان"، فما وسع السلطان إلا أنه أخرجهم إلى القدس ترضية لخاطر سلار النائب.
وفيها عين السلطان تجريدة إلى بلاد اليمن، لأن صاحب اليمن الملك المؤيد هزبر الدين داود، منع الهدية التي كانت مقررة على آبائه، فرسم السلطان
стр. 117
بعمارة مراكب تسمى جلبات، وعين جماعة من الأمراء، فلما وردت عليه الأخبار بحركة التتار، فأهمل ذلك (١).
ثم دخلت سنة ثمان وسبعمائة، فيها: جاءت الأخبار بحركة التتار، فرسم السلطان بتجهيز العساكر، وعين جماعة من الأمراء، منهم: الأمير جمال الدين آقوش الموصلي المسمى قتال السبع، والأمير شمس الدين الدكز السلحدار، وغيرهما من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، والمماليك السلطانية، فلما شرعوا في أمر الخروج إلى السفر، جاءت الأخبار برجوع التتار إلى بلادهم، فبطل أمر التجريدة (٢).
ثم قوي عزم السلطان على الحج في تلك السنة، فلما كان يوم السبت خامس عشرين شهر رمضان من السنة المذكورة، خرج السلطان من القاهرة، وصحبته جماعة من الأمراء، منهم: الأمير عز الدين أيدمر الخطيري أستادار العالية، وهو صاحب الجامع الذي في بولاق، والأمير حسام الدين قرا لاجين (٣) أمير مجلس، والأمير آل ملك الجوكندار، والأمير بلبان المحمدي أمير جاندار، وأيبك الرومي، وبيبرس الأحمدي، وغير هؤلاء جماعة من الأمراء والخاصكية.
فسار إلى نحو الصالحية، فعيد بها عيد الفطر، ورحل منها، وقصد التوجة إلى نحو الكرك، فدخلها في يوم الأحد عاشر، شوال، فلما وصل إلى خندق قلعة الكرك، فمدوا له جسر ليعبر عليه، فلما عبر على ذلك الجسر، فانكسرت أخشاب الجسر من تحت أرجلهم بعد أن تقدم فرس السلطان بخطوتين، فسقط بعض مماليك في الخندق، فلم يمت منه غير واحد، وانصدع منهم جماعة كثيرة.
فلما طلع السلطان إلى قلعة الكرك واستقر بها أياما، فجمع الأمراء وصرح لهم بما كان عنده كمين، وأنه قد رغب عن الملك، واختار الإقامة بالكرك، ثم رسم لنائب الكرك أن يخرج من القلعة، فخرج منها بمن كان معه من الرجال واستقر السلطان الملك الناصر بها، وكان السلطان قد قرر مع الأمراء بأنه
стр. 118
يتوجه إلى الكرك قبل خروجه إلى الحج ليتفقد الأحوال، وأن عياله يسافرون مع الركب المصري وهو يلاقيهم من العقبة.
فلما كان سابع عشر، شوال خرج المحمل من القاهرة، وصحبته عيال السلطان، والسنيح (١) والبرك السلطاني، وكان أمير المحمل في تلك السنة الأمير جمال الدين خضر بن نوكبه (٢).
فلما وصلوا إلى العقبة، أرسل السلطان أخذ عياله، وأخذ السنيح، وأحضرهم إلى الكرك، فلما صاروا عنده في الكرك [١/ ٣٨] رسم إلى الأمراء الذين كانوا صحبته بأن يعودوا إلى الديار المصرية، وأعاد صحبتهم البرك والهجن وخزائن المال والعصائب السلطانية التي كانوا برسم سفر الحجاز، فحضر الأمراء إلى الديار المصرية، وعلى أيديهم كتاب يتضمن رغبته عن الملك، وإقامته بالكرك، وأذن لهم في إقامة من يصلح للملك، وأشهد على نفسه بالخلع.
فلما كان يوم السبت ثالث عشرين شوال، حضر الأمراء الذين كانوا صحبة السلطان، فلما بلغ الأمراء الذين بالقاهرة مجيء الأمراء المقدم ذكرهم، ركبوا جميعا ووقفوا بسوق الخيل فقرأوا عليهم كتاب السلطان، وأنه خلع نفسه من الملك، واختار الإقامة بالكرك.
فأشتوروا الأمراء في بعضهم، وقالوا: "إن راددنا السلطان في العود، نخشى من نفاق الغربان في البلاد إلى حين عود الجواب".
فلما كان وقت الظهر ركب الأمراء وطلعوا إلى القلعة، واجتمعوا في دار النيابة، وضربوا مشورة فيمن يولونه السلطنة، وكانت الكلمة مجتمعة بين سلار النائب، وبين الأتابكي بيبرس الجاشنكير، فطال بينهما الكلام فيمن يلي السلطنة، فوقع الاتفاق على سلطنة الأتابكي بيبرس الجاشنكير، وأن سلار يكون نائبا على عادته.
ثم إن جميع الأمراء تحالفوا على ذلك، بأن يكونوا كلمة واحدة، ثم أحضروا خلعة السلطنة والفرس والقبة والطير فلبس الأتابكي بيبرس الجاشنكير خلعة
стр. 119
السلطنة من دار النيابة، وركب الفرس من دار النيابة إلى الإيوان الأشرفي، وحملت القبة والطير على رأسه.
فكانت سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون في هذه المرة الثانية عشر سنين وكسور، [ب/ ٣٨] وهي السلطنة الثانية.
وقيل (١): كان سبب توجه الملك الناصر محمد بن قلاون إلى الكرك، فأنه صار مع سلار النائب ومع الأتابكي بيبرس الجاشنكير (٢) في غاية الضنك، لا يتصرف في شيء من أمور المملكة إلا باختيارهما.
حتى قيل: أنه طلب يوما خروفا بدريا رميسا فمنع منه، وقيل له: "حتى يجيء كريم الدين كاتب بيبرس الجاشنكير".
فغضب من ذلك، وتوجه إلى الكرك واختار الإقامة بها، وأخذ عياله من العقبة، كما تقدم.
стр. 120
ذكر سلطنة الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري (١)
وهو الثاني عشر من ملوك الترك وأولادهم بالتيار المصرية؛ تسلطن بعد خلع الملك الناصر محمد بن قلاون، في يوم السبت بعد العصر ثالث عشرين شهر شوال سنة ثمان وسبعمائة، فلما ركب بشعار السلطنة من دار النيابة إلى الإيوان الأشرفي، والأمراء وأعيان الدولة مشاة بين يديه، فجلس على سرير الملك، وتلقب بالملك المظفر.
ثم إنه استقر بالأمير سلار نائبا على عادته، وأخلع على الصاحب ضياء الدين النشاي (٢) واستقر به في الوزارة على عادته، وأخلع على جماعة كثيرة من الأمراء وأرباب الوظائف في ذلك اليوم، حتى قيل: أنه أخلع ألفين ومائتين (٣) خلعة، ما بين خلع وتشاريف وغير ذلك.
ثم دخلت سنة تسع وسبعمائة، فيها: توقف النيل عن الزيادة في أواخر مسرى، ونقص في أواخر النسى، فضج الناس لذلك، وتشحطت الغلال، وارتفع السعر في سائر الغلال، ثم سكن الأمر قليلا، وانحطت الأسعار، ثم كسر السد من غير وفاء، وذلك في سابع توت، فلم يخلق المقياس لذلك، لان التخليق ما يكون [٣٩/ ١] إلا بالوفاء (٤).
فلما كان سابع عشرين توت نقص النيل جملة واحدة، فكان منتهى الزيادة في تلك السنة خمسة عشر ذراعا وسبعة عشر أصبعا، وفي ذلك يقول النصير الحمامي (٥):
стр. 121
إن عجل النوروز قبل الوفا … عجل للعالم صفع القفا
فقد كفى من دمعهم ما جرى … وما جرى من نيلهم ما كفى (١)
ثم إن العوام صنفوا كلاما ولحنوه وصاروا يغنونه في أماكن المفترجات وغيرها، وهو هذا:
سلطاننا ركين … ونائبوا دقين
يجينا الما … من أين؟
هاتوا لنا الأعرج … يجي الما ويدحرج (٢)
وكان سلار النائب في ذقنه بعض شعرات في حنكه، لأنه كان من التتار الخطاى، وكان الملك الناصر محمد بن قلاون به بعض عرج.
فلما فشي هذا الكلام بين الناس، فبلغ السلطان الملك المظفر بيبرس، فقبض على جماعة كثيرة من الأعوام، نحو ثلثمائة إنسان، فضرب منهم جماعة بالمقارع، وقطع ألسن جماعة منهم، وأشهرهم في القاهرة.
ثم إن السلطان الملك المظفر بيبرس حسن بباله أن يقبض على جماعة من الأمراء والخاصكية، فقبض على نحو ثلثمائة إنسان، فعند ذلك نفرت منه القلوب، واختار كل أحد عود الملك الناصر محمد، وصاروا جماعة من المماليك السلطانية يتسحبون تحت الليل، ويتركون بيوتهم وأولادهم وأموالهم، ويتوجهون إلى الكرك عند الملك الناصر محمد.
ثم إن الملك المظفر بيبرس أرسل إلى الملك الناصر محمد كتاب على يدي الأمير مغلطاي، والأمير قطلوبغا، وكان مضمون الكتاب يشتمل على تهديد ووعيد وإنكار وتشديد، فمنها: "إن لم تنته وترجع عن مكاتبتك للأمراء، وإلا جرى عليك كما جرى على أولاد الملك الظاهر بيبرس البندقداري، ونفيهم إلى القسطنطينية".
فلما وصل إلى الملك الناصر وهو بالكرك، وقرأ ذلك الكتاب، اشتد غضبه على مغلطاي وقطلوبغا الذي أرسلهما إليه المظفر بيبرس، فقبض عليهما حين أغلظ عليه في القول، وأعتقلهما بعد أن ضربهما علقة قوية.
стр. 122
ثم إن الناصر محمد كاتب نائب حلب، ونائب طرابلس، ونائب صفد، ونائب حماة، وهو يقول لهم: "لما أشتد علي الضنك خرجت من القاهرة، وتركت لهم الملك، ورضيت بأحقر المساكن، وأصغر الأماكن، ليستريح خاطري، فما بيرجعوا عني، وأرسلوا يطلبوا مني المال والخيل والمماليك الذي في خدمتي، وانتهى الحال إلى أن أغلظوا علي في المخاطبة، وأرسلوا يقولون لي لإن لم تنته عن مكاتبتك إلى الأمراء، وإلا جرى عليك مثل ما جرى على أولاد الملك الظاهر بيبرس، ونفيهم إلى القسطنطينية"، ثم قال لهم في رسالته: "وأنتم تعلمون ما لوالدي عليكم من العتق والتربية والاحسان، وما أظنكم ترضون لي بهذا الهوان العظيم، فأما أنكم تكفوا عني هؤلاء المتعصبين علي، وتكفوني هذا الأمر، وإلا فأنا التجئ إلى بلاد التتار، وهو خير لي من النفي إلى بلاد الكفار" (١).
ثم إن الملك الناصر أرسل هذه المطالعات على يد شخص يسمى تاج الدين أوزان، فلما وصلت هذه المطالعات إلى النواب، فأخذتهم الحمية لابن أستاذهم، فأرسلوا يعرفونه أنهم طوع يده، ووفق مقصده، ومتى أراد الحركة بادروا نحوه.
فلما وردت هذه الأجوبة على الملك الناصر قصد الخروج من الكرك، فخرج منها، وسار إلى البرج الأبيض (٢) من أعمال البلقاء، فأرسل الأمير جمال الدين أقوش الأفرم نائب الشام يعرف الملك المظفر [٤٠/ ١] بيبرس بأن الأمراء والنواب قد فسدت بواطنهم، وتغيرت خواطرهم، وأن الملك الناصر قد تحرك وخرج من الكرك، وهو قاصد للديار المصرية.
فلما وقف المظفر بيبرس على مطالعة نائب الشام، فعين للناصر تجريدة، وبها من الأمراء، الأمير سيف الدين بلرغي (٣) صهره، والأمير عز الدين أيبك البغدادي، والأمير شمس الدين الدكز السلحدار، والأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك (٤)، وعين معهم نحو أربعة آلاف (٥) مملوك، فنفق عليهم وجهزوا
стр. 123
أمرهم في سبعة أيام (١)، ثم خرجوا من القاهرة في يوم السبت تاسع رجب من السنة المذكورة، فلما نزلوا بمسجد التبن عند المطرية (٢)، فأقاموا به يوما و ليلة، ثم عادوا إلى القاهرة.
وسبب عودهم أن كتاب نائب الشام ورد على المظفر بيبرس بأن الملك الناصر دخل إلى الشام في عسكر عظيم، وزينت له، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، ومعه بكتمر الجوكندار نائب صفد بالعساكر الصفدية، وأسندمر كرجي نائب طرابلس بالعساكر الطرابلسية، وتمر الساقي نائب حمص، ومعه عساكر حمص، وكذلك نائب حماه، وبقية النواب، ونزل بالقصر الأبلق، والحاج بهادر حامل الجتر على رأسه.
فلما نزل بالقصر الأبلق أحضر إليه السنجري نائب قلعة دمشق بسماط عظيم، ثم إن الملك الناصر حلف سائر النواب، وسائر الأمراء، وأرسل أمان إلى جمال الدين أقوش الأفرم نائب الشام، وأنه على عادته، وخطب باسم الملك الناصر في يوم الجمعة على منابر دمشق؛ ثم حضر الأمير قرا سنقر المنصوري نائب حلب، وصحبته العساكر الحلبية، فركب الملك الناصر وخرج إلى تلقيه.
فلما بلغ الملك المظفر بيبرس ذلك اضطربت أحواله، وضاقت عليه الدنيا بما رحبت.
فلما كان يوم الثلاثاء سادس عشر شهر رمضان، دخل المقر السيفي سلار النائب مع جماعة من الأمراء إلى الملك المظفر بيبرس، وقالوا له: "إن غالب الأمراء والعسكر قد تسحبوا من القاهرة، وتوجهوا إلى عند الملك الناصر، وقد اختاره كل أحد من العسكر، ومن الرأي أن ترسل إلى الملك الناصر مع أحد من الأمراء، وتسأله في مكان تتوجه إليه أنت وعيالك، فلعله أن يجيبك إلى ذلك، ومتى لم تبادر بهذا، وإلا دهمتك العساكر، وتؤخذ كرها".
فقال المظفر: " ومن هو الذي يتوجه إلى الملك الناصر بهذه الرسالة"، فأشار عليه الأمراء: "بأن الأمير بيبرس الدوادار، والأمير بهادر اص يتوجها بهذه الرسالة".
стр. 124
ثم إن الملك المظفر بيبرس كتب كتابا إلى الملك الناصر يترقق له فيه، ويسأله في مكان يتوجه إليه هو وعياله، أما الكرك، وأما صهيون، وأما حماة.
ثم إن الملك المظفر نزل عن الملك، وأشهد على نفسه بالخلع، وجهز الخلع والكتاب على يدي الأمير بيبرس الدوادار.
ومن عجائب الاتفاق أن الساعة التي ركب فيها الملك الناصر محمد من الشام وهو قاصد نحو الديار المصرية، كانت هي الساعة التي خلع فيها الملك المظفر بيبرس نفسه من الملك، فكانت كما يقال ساعة سعد؛ ودام فيها الملك الناصر في السلطنة إلى أن مات على فراشه، كما سيأتي ذكره في موضعه.
فلما توجه الأميران المذكوران إلى عند الملك الناصر بكتاب الملك المظفر، كما تقدم، فأقام الملك المظفر بعد ذلك أياما، ثم دخل إلى الخزائن السلطانية، وأخذ من المال ما قدر عليه والتحف والخيول والسلاح، وأخذ معه سبعمائة مملوك، وأخذ صحبته [١/ ٤١] الأمير بكتوت الفتاح، والأمير أيدمر الخطيري، والأمير قجماس.
فلما كان ليلة الأربعاء سادس عشر شهر رمضان من السنة المذكورة نزل المظفر بيبرس من القلعة بعد العشاء، من باب القرافة (١)، وأخذ من الاصطبل (٢) السلطاني عدة خيول من الخيول الخاص.
فلما بلغ العوام نزوله من القلعة، تجمعوا له ورجموه، وسبوه سبا قبيحا، فأنه كان أفحش في حقهم، وشوش على جماعة منهم كما تقدم من ذلك؛ فلولا أنه أشغل العوام بنثر الفضة عليهم، وإلا كانوا قتلوه لا محالة؛ فلما نزل من القلعة توجه إلى نحو أطفيح (٣)، وقصد بأن يتوجه إلى أسوان.
فلما أصبح الصباح، وأشيع ذلك بين الناس، فخرج من بقي في القاهرة من الأمراء والعساكر طالبين الملك الناصر، وتأخر الأمير سلار في القلعة لحفظ القلعة وخزائن المال، ثم إن سلار أفرج عن الذين كان الملك المظفر أعتقلهم
стр. 125
بالقلعة، ثم إنه كاتب الملك الناصر بما وقع من أمر الملك المظفر، وأرسل الطنبغا الجمدار بهذه الواقعة.
ولما كان يوم الجمعة خطب باسم الملك الناصر محمد قبل دخوله إلى القاهرة، هذا ما كان من أمر الملك المظفر بيبرس الجاشنكير.
وأما ما كان من أمر الملك الناصر محمد فأنه لما خرج من الشام، ووصل إلى غزة فحضر إليه الأمير بيبرس الدوادار، والأمير بهادراص، وقد سافرا على خيل البريد، فلما قرأ كتاب المظفر وتحقق خلعه، ففرح الملك الناصر لذلك، وقال: "الحمد لله الذي صان الله تعالى دماء المسلمين عن القتال"، ثم أخلع عليهما التشاريف السنية، ثم إن الملك الناصر كتب إلى الملك المظفر بالأمان وأعاد الأميرين المذكورين إلى القاهرة فوجدوا الملك المظفر قد تعدى عن أطفيح، فأرسلوا إليه بالأمان، فكانت مدة غيبة الأميرين ستة أيام (١) ذهابا وإياب من القاهرة إلى غزة.
ثم إن الملك الناصر خرج من غزة، وجد في السير، فوصل إلى بركة الحاج (٢) في سلخ شهر رمضان، فعيد هناك، وخرج إليه المقر السيفي سلار النائب، وقبل له الأرض، وكذلك سائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وأعيان الناس، ثم إن الملك الناصر صلى في الدهليز السلطاني صلاة العيد، وطلع إلى القلعة في موكب عظيم، وكان ذلك في يوم الأربعاء مستهل شوال سنة تسع وسبعمائة.
стр. 126
ذكر عود الملك الناصر محمد ابن قلاون إلى السلطنة (١)
وهي السلطنة الثالثة، فلما كان يوم الخميس ثاني شوال من السنة المذكورة، لبس الملك الناصر خلعة السلطنة، وبايعه الخليفة المستكفي بالله سليمان، وجلس على سرير الملك، وحملت القبة والطير على رأسه.
وجلس بالإيوان الأشرفي، وأحضر النواب الذين حضروا صحبته، وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر، وحلفهم لنفسه من كبير وصغير، فلما حلفوا قام المقر السيفي سلار النائب وسأل السلطان بأن يعفيه من النيابة، ويخرج إلى الشوبك، ويقيم بها بطالا، لأن الشوبك كانت جارية في إقطاع الأمير سلار، فأجابه السلطان إلى ذلك، وأعطاه دستورا إلى السفر، وأخلع عليه خلعة الرضا، وسافر من يومه بعد العصر.
فكانت مدة نيابته بالديار المصرية إحدى عشرة سنة، ثم إن السلطان استقر بالأمير بكتمر الجوكندار في نيابة عوضا عن سلار.
ثم إن السلطان أرسل الأمير بيبرس الدوادار، وبهادر اص إلى الملك المظفر [٤٢/ ١] بيبرس، وكان تقدم إلى نحو أخميم، فلما اجتمعا به فتلطفا معه في القول، حتى استخلصا منه الأموال الذي (٢) كان أخذها من الخزائن والخيول الخاصة، وأخذوا منه المماليك الذي (٣) كانوا معه.
ثم إنهم قالوا له: "إن السلطان يقول لك امضي من على السويس، وتوجه من هناك إلى الكرك، فأقم بها أنت وعيالك". فرحل الملك المظفر من هناك على أنه
стр. 127
يمضي إلى الكرك، وتوجه الأمراء الذين كانوا صحبة الملك المظفر مع الأمير بيبرس الدوادار، وصحبتهم المماليك والخيول والأموال، فتوجهوا إلى نحو القاهرة.
وتوجه الملك المظفر بيبرس إلى نحو السويس على أنه يمضي إلى الكرك، فبينما هو في أثناء الطريق أرسل الملك الناصر إليه الأمير أسندمر كرجي بمماليكه فقبض عليه، وأحضره إلى الأبواب الشريفة، فطلع إلى القلعة في الليل، وذلك في ليلة الخميس رابع عشر ذي القعدة، فأودعه السلطان في الاعتقال.
فلما كان يوم الخميس وقت الظهر طلبه السلطان في خلوة، فلما مثل بين يديه وبخه بالكلام، وعدد له ما وقع منه من القبائح، ثم أمر بخنقه بين يديه، فخنق بوتر حتى كاد يهلك، ثم نفس له وزاد في سبه، ثم خنقه ثانيا إلى أن مات في ذلك اليوم وهو يوم الخميس المذكور.
ثم رسم السلطان بأن يسلم إلى زوجته، وأمر بدفنه في تربة في القرافة؛ ثم بعد مدة تدخل الأمراء على السلطان، بأن ينقل الملك المظفر بيبرس إلى خانقاته التي تم إنشائها عند الدرب الأصفر (١)، بالقرب من خانقة سعيد السعداء (٢).
فكانت مدة سلطنة الملك المظفر بيبرس الجاشنكير بالديار المصرية أحد عشر شهرا وأيام.
وكان مليح الشكل، أبيض اللون، أشقر اللحية، أشهل العينان، وافر العقل، حسن السيرة، وكان كفوا للسلطنة (٣).
وفي أواخر هذه السنة: أخلع السلطان على من يذكر من النواب وهم: الأمير قراسنقر المنصوري تولى نيابة الشام عوضا عن الأفرم، وأقام الأفرم بصر خد بطالا؛ واستقر الأمير قفجق المنصوري نائب حلب، واستقر الحاج بهادر في نيابة طرابلس (٤).
стр. 128
ثم إن السلطان الملك الناصر محمد عمل الموكب في الإيوان الأشرفي، وقبض على جماعة من الأمراء البرجية، وأمر جماعة من مماليكه وهم: تنكز، وكستاي، وبيبرس السلحدار (١).
ثم دخلت سنة عشرة وسبعمائة، فيها: أخلع السلطان على الأمير بكتمر الناصري الحاجب واستقر به وزيرا.
ثم إن السلطان بلغه أن أخو سلار النائب، وجماعة من الأمراء الذين كانوا من عصبة سلار، قصدهم الوثوب على السلطان، فبادر السلطان وقبض على أخى سلار، وجماعة من الأمراء نحو أربعة عشر أميرا.
ثم إنه كتب إلى سلار مطالعة تتضمن ما بلغه عنهم، ثم إنه رسم لسلار بالحضور إلى الأبواب الشريفة ليزول القال والقيل، ثم أرسل هذه المطالعة على يد الأمير علم الدين سنجر الجاولي، وأمره بالقبض على سلار، فتوجه إليه سنجر الجاولي، وكان سلار مقيما بالشوبك كما تقدم، فلما حضر أودعه السلطان في السجن، فلم يلبث في السجن إلا قليلا ومات، وكان أصله من مماليك الملك الصالح علي بن قلاون الذي مات في حياة والده، كما تقدم.
وقيل (٢): لما سجن سلار بالقلعة أحضر إليه السلطان طعاما، فأبى أن يأكل منه، ورده عليه، وأظهر الحنق، فلما بلغ السلطان ذلك فأمر بأن لا يعودون يرسلوا إليه طعاما، فأقام أياما لم يأكل [٤٣/ ١] شيئا، حتى قيل: أنه لما تزايد به الجوع أكل أخفافه، وهو في السجن بقلعة الجبل، فلما بلغ السلطان ذلك أرسل يقول له: "السلطان قد رضي عليك، فقم وأخرج من السجن"، فقام ومشى خطوات ثم وقع ميتا من شدة الجوع، وعظم القهر.
وكان شديد الغضب، وكان له بر ومعروف، كثير الصدقات، وكان أسمر اللون، مربوع القامة، خفيف اللحية، له بعض شعرات في حنكه، وكان من التتار الخطاي، وكان لطيفا في ملبسه.
стр. 129
اقترح أشياء في الملبوس، وهي منسوبة إليه إلى الآن، وهو السلاري والمناديل (١) السلارية، واقترح أشياء في قماش الخيل وآلة الحرب، وهي منسوبة إليه إلى اليوم.
ولما مات تولى أمر دفنه الأمير علم الدين سنجر الجاولي، ودفنه في مدرسته الجاولية التي عند الكبش (٢).
ثم إن السلطان احتاط على موجود سلار، فظهر له من الأموال والتحف ما لا يسمع بمثله في خزائن الملوك.
قال محمد بن شاكر الكتبي (٣): وقفت على قوائم بخد المولى جمال الدين ابن الفويرة (٤) تتضمن ما أشتملت عليه تركة المرحوم سلار النائب:
وهو ما ضبط في أول يوم وهو يوم الأحد سادس عشر جمادى الأول من سنة عشر وسبعمائة ياقوت أحمر بهرمان رطين (٥)، بلخش (٦) رطين (٧) ونصف، زمرد ريحانى وذبابي (٨) تسعة عشر (٩) رطلا، صناديق ستة، ضمنها فصوص ماس، وعين الهر قطع كبار العدة ثلثمائة، لؤلؤ مدور كبار من مثقال إلى درهم ألف ومائة وخمسين (١٠) حبة، ذهب عين مائتي ألف دينار، دراهم أربعمائة ألف درهم واحد وسبعون ألف درهم (١١).
стр. 130
وفي يوم الإثنين سابع عشرة، فصوص مختلفة رطلان، ذهب عين خمسة وخمسين ألف دينار، دراهم ألف ألف درهم، مصاغ وعقود ذهب أربع قناطير مصرى، طاسات، وأطباق وطسوت (١)، وأهوان ذهب وفضة ست قناطير (٢).
وفي يوم الثلاثاء ثامن عشرة، ذهب عين خمسة وأربعون ألف دينار، دراهم ثلثمائة ألف وثلاثون ألف درهم، قطزيات (٣) وأهله، وطلعات، صناجق فضة، ثلاث قناطير (٤).
وفي يوم الأربعاء تاسع عشرة، ذهب عين ألف ألف دينار، دراهم ثلثمائة ألف درهم، أقيبا بفرو قاقم ثلثمائة قبا، أقبيا حرير عمل الدار ملونة بفرو سنجاب أربعمائة قبا، سروج ذهب بمياتر زركش مائة سرج، وظهر له عند صهره الأمير موسى ثمان صناديق لم يعلم ما فيها، ووجد له من التفاصيل الطرد وحش، وعمل الدار ألف تفصيلة، ووجد له من الخيام ست عشرة نوبة، ووصل صحبته من الشوبك من الذهب العين مائة ألف دينار، ومن الدراهم أربعمائة ألف درهم ومن الخلع الملونة ثلثمائة خلعة، وخركاه بغشاء أطلس أحمر مطرز بزركش، ووجد له من الخيول ثلثمائة رأس، من الخيول الخاص دون الدشار، ومن البغال مائة وعشرين قطار، ومن الجمال مائة وعشرين قطار، هذا كله خارجا عما وجد له من الأملاك، والضياع، والمعاصر، والشون، والمراكب، والعبيد، والخدام، والجوار، والمماليك والفرش والأغنام، والأبقار، ووجد له في الشؤن، ثلثمائة ألف أردب، غلة ومع هذا كله مات بالجوع وهو في السجن، ثم ظهر له مخباة في داره فوجد فيها أكياس ذهب ما
стр. 131
يعلم عدة ما فيها، ووجد له في مكان قريب من الخلاة فسقية مملؤة ذهب عين سكب بغير أكياس ما يعلم لهم عدة.
وقيل: كانت أجرة أملاكه وضياعه ومستاجراته في كل شهر مائة ألف دينار.
ومن العجائب أن سلار حوى هذه الأموال العظيمة، وقد [١/ ٤٤] أقام في نيابة السلطنة بمصر إحدى عشرة سنة، فهذه الأموال كلها جمعت في هذه المدة اليسيرة، وهذا من العجائب التي لم يسمع بمثلها، فأما أنه ظفر بكنز، وأما أنه صح معه عمل الكيمياء، وأما أنه أخذ هذه الأموال من الخزائن السلطانية قبل حضور الملك الناصر من الكرك، قد قال القائل في المعنى:
أجمع (١) وأنت من الدنيا على حذر … واعلم بأنك بعد الموت مبعوث
واعلم بأنك ما قدمت من عمل … محصى عليك وما خلفت موروث (٢)
ثم دخلت سنة إحدى عشرة وسبعمائة، فيها: خطب للسلطان الملك الناصر محمد بن قلاون في أفريقية ببلاد الغرب، وسبب ذلك أن صاحب أفريقية، وهو أبو يحيى اللحياني (٣)، قدم على السلطان الملك الناصر، وأراد أن يستنجد به على بعض ملوك الغرب، والتزم للسلطان أنه إذا فتح أفريقية أقام نفسه فيها نائبا عن السلطان، فجرد السلطان معه أمير عشرة، ونحو مائة مملوك.
فلما توجهوا نحو بلاد الغرب تسامعت به العربان وأهل الأعمال، بأنه واصل بجيش من قبل السلطان فعظم أمره، فلما وصل إلى بلاد الغرب وثب على بلاد بجاية وتونس وملكها، ودخل إليها والصناجق السلطانية على رأسه، فراج أمره وهابته ملوك الغرب وفتح أفريقية، وذلك في شهر رجب من السنة المذكورة فخطب للسلطان في هذه الأقاليم كما قرر معه.
стр. 132
وفيها: قبض السلطان على الأمير كراي المنصوري نائب الشام، والأمير بكتمر الجوكندار نائب السلطنة، ونقل الأمير أقوش نائب الكرك إلى نيابة دمشق؛ واستقر بالأمير بيبرس الدوادار المنصوري في نيابة السلطنة بمصر.
وفيها: هرب الأمير قراسنقر المنصوري نائب الشام والأمير أقوش الأفرم إلى بلاد التتار.
ثم دخلت سنة اثنتا عشر وسبعمائة، فيها: حضر رسل صاحب اليمن وصحبتهم هدايا جليلة.
وفيها: حضر ملك النوبة إلى الأبواب الشريفة، وصحبته تقادم كثيرة، منها: ألف رأس رقيق وجمال وأبقار كثيرة خيسية.
وفيها: قبض السلطان على الأمير بيبرس الدوادار المنصوري نائب السلطنة، واستقر بالأمير أرغون الدوادار الناصري في نيابة السلطنة بمصر.
واستقر بالأمير تنكز الحسامي في نيابة دمشق عوضا عن الأمير أقوش؛ ولما تولى الأمير تنكز نيابة دمشق جعل السلطان دمشق أكبر من نيابة حلب، وكانت نيابة حلب أكبر من دمشق في أول الزمان؛ ثم استقر بالأمير سودون الناصري في نيابة حلب.
وفيها: انتهت عمارة الجامع الجديد (١)، الذي أنشأه الملك الناصر محمد بن قلاون، عند موردة الحلفاء، المطل على بحر النيل، وكان قد شرع في عمارته من سنة عشر وسبعمائة، وقيل: أنه نقل حجارته من صنم يقال له السرية، كان في قصر الشمع (٢).
وفيها: أمر السلطان بعمارة الميدان الذي تحت القلعة، وأمر بعمارة الميدان الكبير الذي عند موردة الجبس (٣).
وفيها: حضر مملوك نائب حلب، وأخبر بأن التتار قد تحركوا على البلاد؛ فعرض السلطان العسكر، ونفق، وخرج من القاهرة في أوائل شهر رمضان من السنة المذكورة.
стр. 133
فلما وصل إلى غزة، جاءت الأخبار بأن التتار لما سمعوا بقدوم السلطان، رحلوا عن قلعة الرحبة، وتوجهوا إلى بلادهم، وأن نائب الرحبة (١) كبس عليهم وكسرهم كسره قوية، فلما سمع السلطان بذلك قوي عزمه على أن يسافر من هناك إلى الحجاز الشريف، وقد سميت هذه الغزوة «الكذابة».
ثم إن السلطان فرق العساكر في البلاد الشامية والبلاد الحلبية، وتوجه السلطان إلى الكرك، ثم توجه من هناك إلى الحجاز، وهذه الحجة الأولى، فحج السلطان في تلك السنة [٤٥/ ١] ورجع إلى دمشق في ثاني عشر المحرم من سنة ثلاثة عشر وسبعمائة، ثم توجه إلى القاهرة فدخلها في ثالث عشر صفر من سنة ثلاثة عشر، وكان يوم دخوله إلى القاهرة يوما مشهودا، وزينت له زينة عظيمة، وكان له موكب عظيم.
وفي أثناء السنة الخالية وهي سنة اثنتا عشر وسبعمائة، فيها: كانت وفاة الشيخ نصير الدين الحمامي الشاعر، وكان من الشعراء المعدودة، وله شعر جيد، فمن شعره لنفسه، وهو قوله:
لي منزل معروفه … ينهل غيثا كالسحب
أقبل ذا العذر به … وأكرم الجار الجنب (٢)
وقوله:
وكدرت حمامي بغيبتك التي … تكثر من لذاتها صفو مشرب (٣)
فما كان صدر الحوض منشرحا بها … وما (٤) كان قلب الماء فيها بطيب (٥)
ثم دخلت سنة ثلاثة عشر وسبعمائة، فيها: عاد [السلطان] (٦) من الحجاز الشريف، فأقام مدة يسيرة، ثم سافر إلى بلاد الصعيد، بسبب تمهيد إقليم الصعيد من فساد العربان، فضيق عليهم السلطان من البر الشرقي، ومن البر الغربي، حتى أسر العربان جميعها، فصفدوا في الحديد، وحملوا في المراكب إلى القاهرة، فسجن منهم جماعة، واستعمل منهم جماعة في الحفير للجسور.
стр. 134
ثم عاد السلطان وأقام بالأهرام أياما على سبيل التنزه، ثم طلع إلى القلعة، وكان ذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة.
وفيها: شرع السلطان في روك البلاد الشامية، وهو الروك الناصري، فأمر بإحضار كتاب الجيوش الشامية والمصرية، وحضر نائب غزة وتكلموا في ذلك، وكتبوا المثالات والمناشير، وأرسلوهم على يد الأمير قجليس السلحدار، فسلم الأوراق إلى نائب الشام، ففرقها في ذلك اليوم على الجيوش الشامية.
وحولت سنة اثنتا عشر وسبعمائة الخراجية إلى سنة ثلاثة عشر وسبعمائة الهلالية.
ثم دخلت سنة أربعة عشر وسبعمائة، فيها: شرع السلطان في عمارة القصر الأبلق بقلعة الجبل وهو عبارة عن ثلاثة قصور متداخلة في بعضهم، وفيهم خمس قاعات، وثلاثة مراقد؛ قيل: أنه أكمل عمارة ذلك في عشرة أشهر.
فلما كمل ذلك فأمر السلطان بأن يمد فيه سماطا عظيما، وأرسل خلف الأمراء من الأكابر والأصاغر وأعيان الدولة وغالب العسكر، فمد لهم سماطا عظيما، فأكلوا وشربوا القمز (١) وملأ الفسقية التي في القصر الكبير سكرا وليمون.
ثم إن السلطان أخلع في ذلك اليوم على الأمراء، وأرباب الوظائف، والأعيان، والبنايين والمهندسين، نحو ألفين وخمسمائة خلعة، ما بين تشاريف وأقبياء وغير ذلك، وفرق في ذلك اليوم من المال نحو مائة ألف دينار (٢)، ذكر ذلك صاحب تاريخ زبدة الفكر (٣).
ثم دخلت سنة خمسة عشر وسبعمائة، فيها: توجه نائب تنكز وسائر النواب، والعسكر المصري (٤) إلى نحو ملطية (٥)، فحاصروا الأروام (٦) الذين
стр. 135
كانوا بها، فطلبوا الأمان من العسكر، ففتحوها في يوم الإثنين ثاني عشرين المحرم (١) من السنة المذكورة.
وفيها: راك السلطان البلاد المصرية وهو الروك الناصري بعد الروك الحسامي.
ثم دخلت سنة ستة عشر وسبعمائة، فيها: جرد السلطان العسكر إلى صحرة عيذاب (٢)، بسبب فساد العربان، فخرج إليهم ستة أمراء مقدمين ألوف، وجماعة من العسكر، فتوجهوا إلى نحو [بلاد] (٣) البجاة، وجاوزوا الأقاليم الثلاثة، فلم يظفروا بأحد من العربان الباغية، فرجعوا إلى الديار المصرية من غير طائل، فكان غالب قوت العسكر في هذه السفرة من الذرة.
وفي هذه السنة: توفي الشيخ [١/ ٤٦] علائي الدين الوداعي الكندي، وكان شاعرا ماهرا، وله شعر جيد، فكانت مدة حياته ستة وسبعين سنة، ومولده في سنة أربعين وستمائة.
ثم دخلت سنة سبعة عشر وسبعمائة، فيها: جرد السلطان العسكر إلى نحو آمد (٤)، فملكوها على حين غفلة من أهلها.
وفيها: سافر السلطان إلى غزة، وتوجه من هناك إلى زيارة بيت المقدس، فزاره، ثم توجه إلى زيارة الخليل ﵇، فزاره؛ ثم رجع إلى الديار المصرية، وذلك في جمادى الآخر من السنة المذكورة.
وفيها: أوفى النيل بدري في تاسع عشرين أبيب (٥)، وكسر السد، وخلق المقياس.
وفيها: وسع السلطان الجامع الذي في قلعة الجبل، وعمره على ما هو عليه الآن، فقيل: أنه أكمل عمارته في أربعة أشهر وخمسة وعشرين يوما (٦).
стр. 136
وفي سنة ثمانية عشر وسبعمائة، فيها: جهز السلطان عسكرا إلى نحو بلاد برقة، بسبب فساد العربان لأنهم منعوا الزكاة والعداد، وأظهروا العصيان.
وفيها أجرى السلطان ماء النيل من البحر إلى قلعة الجبل، في مجار على قناطر، وركز لها أبار بسواقي نقالة في عدة أماكن.
وفيها: عمر السلطان الحوش بقلعة الجبل، وزرع به بستان عظيم، ونقل إليه الأشجار والرياحين من سائر البلاد.
وفيها: حج السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، وهي الحجة الثانية، وحج صحبته من الأمراء المقدمين نحو اثنين وعشرين أميرا (١)، من الأمراء الطبلخانات والعشراوات نحو ثلاثين أميرا، وحج مع السلطان في تلك السنة الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة، وسافر معه القاضي كريم الدين ناظر الخواص الشريفة، والقاضي فخر الدين ناظر الجيش، والقاضي علائي الدين ابن الأثير كاتب السر، وكان سفر السلطان في تاسع ذي القعدة، فوصل إلى مكة، وحج وقضى مناسك الحج، وغسل الكعبة بيده.
وأبطل جميع المكوس التي كانت بمكة والمدينة في تلك السنة، ثم رجع السلطان إلى الديار المصرية.
في سنة تسعة عشر وسبعمائة، وفيها: تزوج السلطان ببنت أزبك خان، فأحضرت من بلاد الشرق إلى الديار المصرية، فدخل عليها، وكان لها مهم عظيم.
ثم دخلت سنة عشرين وسبعمائة، فيها: جرد السلطان العساكر إلى مدينة سيس، فطردوا من كان بها من الأرمن، وملكوها.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين فيها حجت خوند طغاي أم أنوك زوجة السلطان الملك الناصر محمد، وحج في خدمتها الأمير قجليس أمير سلاح، والقاضي كريم الدين ناظر الخواص، وغير ذلك من الأعيان.
стр. 137
خرجت من القاهرة في ثامن شوال، وسافر صحبتها الكوسات (١) والعصائب السلطانية، فلما حجت رجعت في عاشر المحرم، فنزل إليها السلطان وتلقاها من بركة الحاج (٢).
وفيها: جرد السلطان الأمراء والعساكر إلى نحو سيس، وقلعة إياس، وذلك أن الأرمن لما رحلوا العساكر السلطانية رجعوا وملكوا سيس، وقلعة اياس، فلما بلغ السلطان ذلك، عين لهم تجريدة ثقيلة، وكان بها من الأمراء: الماس الحاجب، وطرجي أمير مجلس، وأصلم (٣) السلحدار، وبهادر آص، وسنجر الجمدار، وكجكر العلمي، وأقوش الأشرفي نائب الكرك، وغير ذلك من الأمراء والعسكر، فلما وصلوا إلى سيس حاصروها أشد الحصار حتى هرب من كان بها من الأرمن، وقتلوا منهم خلق كثيرة، وفتحوها بالسيف، وأخربوا سورها، وتركوها خاوية على عروشها، ورجعوا العسكر إلى الديار المصرية.
وفيها: عمر السلطان ميدان المهارة الذي عند [١/ ٤٧] قناطر السباع (٤).
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، فيها: قبض السلطان على القاضي كريم الدين الكبير ناظر الخواص الشريفة، وكان يعرف بابن الشديد، وكان السلطان قد أدناه وقربه ونال في أيامه من العز والرفعة ما ناله جعفر البرمكي في أيام هرون الرشيد، وصير إليه التصرف في الخزائن والأموال، وكان الأمراء والأعيان يركبون في خدمته، وينزلون معه إلى بيته.
ثم إن السلطان تغير خاطره عليه فقبض عليه، ثم استصفى أمواله وذخائره ولم يترك له كثيرا ولا قليلا، ثم نفاه إلى الشوبك، هو ولده وعياله، ثم بعد مدة نقله إلى القدس، واستقر بالقاضي تاج الدين عبد الوهاب في نظارة الخواص الشريفة، ثم نقل القاضي كريم الدين المذكور من القدس الشريف إلى بلاد أسوان وهو مقيد فسجن بها فأقام في السجن مدة يسيرة ومات (٥).
стр. 138
قيل: أنه عمد إلى خشبة وعمل فيها حبلا وجعله في عنقه، وخنق به نفسه حتى مات وهو في السجن، فلما مات أحضر السلطان ولده عبد الله وعاقبه وقرره على الأموال والذخائر، فأظهر مخباه في بيته فيها مايتي ألف دينار، وهذا خارجا عما أخذه السلطان منه أولا من الأموال والتحف وغير ذلك ما لا يحصى، كما قيل في المعنى:
احذر مداخلة (١) الملوك ولا تكن … ما عشت بالتقريب منهم واثقا
فالغيث غوثك (٢) إن ضمنت وربما … ترمي بوارقه عليك صواعقا (٣)
ومما يحكى (٤) عن القاضي كريم الدين هذا أنه شرب يوما دواء، فجمع كل ورد بالقاهرة، فحمل إلى داره، ففرش منه في داره ما قدر عليه، حتى على كراسي بيت الخلاء، وداسوا الناس منه ما داسوا، وأخذوا منه ما أخذوا، ثم إن الغلمان أخذوا ما فضل منهم، فأباعوه بثلاثة ألاف درهم (٥).
وكان كريما سخيا، ومن أثاره أنه عمر جامعا بالزريبة (٦)، ووقف عليه وقفا، وعمر بالقرافة خانقاه (٧)، ووقف عليها وقفا، وله أثار كثيرة غير ذلك، وفيه يقول الشيخ جمال الدين ابن نباته:
يا كريما قد وافق (٨) الاسم بالفعـ … ـل وأنسى في الفضل كل قديم
لا تخف نبوة الحوادث فالله … كريم يحب كل كريم (٩)
ومات القاضي كريم الدين هذا وله من العمر نحو ستين سنة.
стр. 139
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، فيها: ابتدأ الملك الناصر محمد بن قلاون بعمارة الخانقاه المباركة التي بسرياقوس (١)، قيل: أن الملك الناصر محمد رأى النبي ﷺ ، في المنام، وأشار عليه بأن يبني في هذا المكان خانقاة، فبنى هذه الخانقاة (٢).
فلما كملت قرر فيها شخص من أولياء الله تعالى، يقال له الشيخ مجد الدين الأقصراي (٣)، ورتب بها، صوفة، وقرر بها حصور (٤).
فلما انتهت العمارة نزل السلطان هناك، وعمل بها وليمة عظيمة، وحضر فيها القضاة الأربعة، وأعيان الناس من العلماء وغيرهم، ثم إن هذه البقعة تزايدت في العمائر، وبنى بها الأماكن الفاخرة، ورغبوا الناس في سكناها، وصارت مدينة عظيمة، فيها عدة مساجد وبنى بها الملك الأشرف برسباي مدرسة عظيمة بخطبة.
ثم دخلت سنة أربع وعشرين وسبعمائة، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة الملك موسى ملك التكرور قاصدا الحجاز الشريف، وصحبته هدايا جليلة، وتقادم عظيمة فحج في تلك السنة، ثم رجع إلى بلاده (٥).
وفيها: رسم السلطان بحفر الخليج الناصري، فبدأ به من عند موردة الجبس إلى القنطرة الجديدة التي بالقرب من زقاق الكحل، ووزع حفره على الأمراء [أ/ ٤٨] بالقصبة الحاكمية، وذلك بمقتضى أن إقطاعاتهم تنتفع بالري من هذا الخليج (٦)، فاحتفل به الأمراء كل الاحتفال، وحفروه حتى نبع الماء من أرضه، وانتجز العمل منه في أقل من شهرين.
ثم دخلت سنة خمس وعشرين وسبعمائة، فيها: برزت المراسيم الشريفة ببناء قناطر على الخليج الناصري الذي حفره، فعمر قنطرة عند الميدان الكبير
стр. 140
بموردة الجبس، وعمر قنطرة تعرف الآن بقنطرة قديدار، وعمر قنطرة بظاهر باب البحر، وعمر قنطرة عند بركة قرموط تعرف الآن بقنطرة العسراء، وعمر قنطرة عند بركة الرطلي تعرف الآن بقنطرة الحاجب، وعمر قنطرة عند زقاق الكحل تعرف الآن بالقنطرة الجديدة (١).
وفيها: راك السلطان البلاد الحلبية كما فعل بالبلاد الشامية.
ثم دخلت سنة ست وعشرين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان بإبطال الضرب بالمقارع من سائر مملكته، وكتب بذلك مراسيم شريفة، وقرئت على المنابر بمصر والشام (٢).
وفي هذه السنة: أبيع القمح بخمسة دراهم كل أردب، والشعير بثلاثة دراهم كل أردب (٣).
وفي هذه السنة: أجرى السلطان عين ماء بمكة، وعم نفعها أهل مكة، وهذه العين تعرف بعين بازان عند الصفا (٤).
ثم دخلت سنة سبع وعشرين، فيها: قبض السلطان على الأمير طشتمر حمص أحضر، والأمير قطلوبغا الفخري، ثم أفرج عنهما في يومهما، فاستمر طشتمر على عادته بمصر، وأرسل قطلوبغا الفخري إلى الشام (٥).
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين، فيها: أمر السلطان بإحضار القاضي محيي الدين ابن فضل الله العمري كاتب سر الشام، فلما حضر إلى الأبواب الشريفة، وأخلع عليه، واستقر به كاتب سر الشريف بالديار المصرية، ومما يحكى عنه: أنه كان إذا دخل إلى عند السلطان وقت العلامة، وخرج من عنده، أحضر فوطة العلامة، وجمع ما فيها من الرمل الذي يتناثر من العلائم بحضرت السلطان، فيجمع ذلك ولا يرمي منه شيئا، ويضعه في مرملته التي
стр. 141
لنفسه، ويقول: " هذا رمل سعيد لا يرمى منه شيء"، فكان إذا كتب أشياء رمله من ذلك الرمل (١).
ثم دخلت سنة تسع وعشرين، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة، وصحبته هدايا جليلة، وتقادم عظيمة (٢).
وفيها: عمر السلطان القصر الكبير الذي بالميدان الذي عند بركة الناصرية، وحفر البركة المجاورة للميدان الكبير، وأجرى إليها من الخليج الناصري.
وفيها: أخرج السلطان ولده الأمير أحمد إلى نحو الكرك، ورسم له بأن يقيم بها.
ثم دخلت سنة ثلاثين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان بهدم الإيوان الأشرفي، والدور التي كانت حوله، وعمر هذا الإيوان الموجود الآن.
وفيها: حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفي تنكر نائب الشام، وقد جاء زائرا إلى السلطان، وصحبته تقادم عظيمة، فأنزله السلطان بالميدان الكبير.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين، فيها: رسم السلطان بأن يعمل للكعبة بابا جديدا، فعمل لها باب من الخشب السنط الأحمر، وعمل عليه الصفائح الفضة، فكان زنتها ثلاثون ألف درهم، ولما قلع الباب العتيق وزنوا ما كان عليه من الفضة، فكان زنتها ستون رطلا، فأنعم به السلطان على بني شيبة، خدام البيت الشريف، فتقاسموه، وهذا الباب كان عمله الخليفة المقتفي بالله في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
стр. 142
الساقي، وولده الأمير أحمد، والأمير طقز دمر، والأمير سنجر الجاولي، والأمير قوصون، والأمير صوصون، والأمير طايربغا، والأمير (١) بشتاك، والأمير أقبغا آص الجاشنكير، والأمير طقتمر الخازن، والأمير قماري، والأمير تمر الموسوي، والأمير أيدمر أمير جارندار، والأمير مسعود الحاجب، والأمير صاروجا النقيب، وغير ذلك من الأمراء المقدمين والعشراوات، فكان عدة من سافر مع السلطان في تلك السنة إلى الحجاز الشريف، نحو سبعين أميرا (٢) ما بين مقدم ألف وطبلخاناة وعشراوات، فكانت مدة غيبة السلطان في هذه السفرة إلى الحجاز ذهابا وإيابا أربعة وخمسون يوما.
ومن الحوادث في هذه السنة: أن الأمير الكبير بكتمر الساقي لما حج مع السلطان، هو وولده الأمير أحمد، فلما قضوا الفرض ورجعوا فمرض الأمير بكتمر في أثناء الطريق، فلما وصل إلى عيون القصب (٣)، فمات هناك، ودفن بها وذلك في ثاني المحرم من سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، ثم مرض ولده الأمير أحمد أيضا، ومات بنخل ودفن بها، ثم نقلا من بعد ذلك إلى الخانقاه التي بالقرافة الصغري.
وكان الأمير بكتمر أصله من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فلما مات الملك المظفر أخذه الملك الناصر محمد مع جملة موجود الملك المظفر بيبرس فجعله ساقيا، ثم عظمت مكانة بكتمر عند الملك الناصر، وصار أميرا كبيرا، ثم زوجه الملك الناصر بأخته، وكان ينزل إلى الأمير بكتمر في بيته، وينفرد عنده وينام في بعض الأحيان بنفسه في نفر قليل من خواصه، وكان إذا قدم إلى السلطان شيء فيقدم لبكتمر مثله أو أحسن منه، وصار صاحب الحل والعقد في دولة الملك الناصر، وعظمت مهابته وكثرت أمواله، حتى قيل: كان في أسطبله مائة سطل بيد مائة سايس، وتحت يد كل سايس طوالة خيل من الخيول الخاص، وحوى من الأموال ومن الجواهر والتحف ما لا حواه غيره من الأمراء في عصره، فلما ثقل أمره على الملك الناصر محمد فدى عليه من أسقاه
стр. 143
سما، هو وولده الأمير أحمد بن أخت السلطان، فماتا وهما راجعان من الحجاز، كما تقدم.
وقيل: لما مات بكتمر أحتاط الملك الناصر على موجوده الذي كان معه في طريق الحجاز، فقيل: وجد معه خمسمائة تشريف على سائر الأصناف، ما بين خلع أطلس وكوامل وغير ذلك حتى خلع للمتعممين، ومن دونهم من الأمراء والأجناد وغيرهم، وقيل: وجد معه عدة قيود وزناجير في حوش خاناة، فعند ذلك تحقق السلطان صحة ما كان نقل عنه.
وكان الأمير بكتمر يحجر على الملك الناصر، ويمنعه من الظلم، وكان الملك الناصر لا يخالفه في شيء يقوله، وكان الملك الناصر مع بكتمر مسلوب الاختيار.
وكان الأمير بكتمر من أحسن الناس شكلا، أبيض اللون، مشرب بحمرة، أسود اللحية، معتدل الامة، حسن العبارة، وافر العقل، له وقار، وهيئة تامة، قليل الأذى في [٥٠/ ١] حق الرعية، وكان له بر ومعروف، فمن جملة ذلك أنه أنشأ بالقرافة الصغري خانقاة، وجعل فيها حماما وفرنا وطاحونا، وقرر فيها صوفة وحضور، وجعل لها أوقافا كثيرة وأوقف بها ربعة مكتوبة كلها بالذهب لم يعمل مثلها، وهي موجودة إلى الآن، وله آثار كثيرة بمصر والشام.
ولما مات الأمير بكتمر رقى من بعده الأمير فوصون، وعظم أمره، قيل: إن السلطان أنعم بزر دخانة الأمير بكتمر على الأمير قوصون، قيل: أنها قومت بستمائة ألف دينار، وقيل زوجة الملك الناصر بإحدى بناته ورقاه في أيامه.
وقيل: وقع بين الأمير بكتمر الساقي قبل أن يموت وبين الأمير قوصون تشاجر، فقال قوصون لبكتمر: "أنا ما نقلت من الأطباق إلى الأسطبلات، بل أخذني السلطان من شخص تاجر كنت في خدمته، فلما أخذني السلطان اتفق في ذلك اليوم أن شخصا من المماليك السلطانية توفى في ذلك اليوم، فأنعم علي السلطان بإقطاعه وبيته وبركة وقماشه، وصرت خاصكيا في ذلك اليوم".
وسبب ذلك أن التاجر الذي كنت عنده قال له السلطان: "بيعني هذا المملوك"، فقال التاجر: "هذا ما هو مملوك بل هو حر (١) "، فقال السلطان:
стр. 144
"لابد من أخذه"، فأخذني من ذلك التاجر، وأرضاه عن ثمني بأشياء كثيرة، ثم إن السلطان أنعم علي بما تقدم ذكره فلم أباع مثل المماليك، وكنت من مبتدأ أمري في عز ورفعة بخلاف ما يقع للمماليك، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير مهنا بن عيسى أمير آل فضل، فلما حضر أخلع عليه السلطان وأقره على حاله (١).
وفيها: حضر المقر السيفي تنكز نائب الشام إلى عند السلطان زائرا وصحبته الهدايا والتقادم، فأكرمه السلطان، وأنزله بالميدان الكبير الذي بالناصرية، وكان ذلك أخر اجتماعه بالسلطان الملك الناصر محمد.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، فيها: أفرج السلطان عن من يذكر من الأمراء المعتقلين، وهم: الأمير بيبرس الحاجب، وتمر الساقي، والأمير غانم بن أطلس خان، والأمير طغلق، وبلاط اليونسي، والشيخ علي الأوجاقي، وبلرغي، وبتخاص، ولاجين العمري، وبيبرس العلمي، وكجلي.
وفيها: رسم السلطان بعمارة قنطرة على بحر أبي المنجا عند شيبين القصر (٢).
وفيها جاءت الأخبار بأن الأرمن ملكوا سيس، فأرسل السلطان إلى نائب حلب بأخذ العسكر، وأن يكبس على من في سيس، فخرج إليها في سابع عشرين شهر رمضان، فحاصروا من في سيس، ودخلوا إليها ونهبوا ما فيها، وأحرقوا ضياعها، وأسروا من الأرمن الذي كانوا بها نحو ثلثمائة إنسان.
فلما بلغ الأرمن الذي (٣) كانوا بقلعة إياس، ما جرى على من كان في سيس، فثاروا على من كان في المدينة من المسلمين، وحشروهم في فندق وأحرقوهم عن أخرهم، وكانوا نحو ألفين إنسان من المسلمين، وذلك في يوم عيد النحر من السنة المذكورة.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين، فيها: وقع الغلاء بالديار المصرية، فأبتاع القمح كل أردب بسبعين درهما، وعدم الخبز من الأسواق، فرسم السلطان للأمراء بفتح
стр. 145
شونهم وبيعهم القمح بثلاثين درهما الأردب، فامتثلوا ذلك، ثم بعث الله تعالى بالرخاء وانحطت الأسعار في أوائل شهر رمضان.
وفيها: رسم السلطان لتنكز نائب الشام بعمارة قلعة جعبر (١)، فعمرها في أسرع مدة، ورتب فيها الرجال، وجعل لها نائبا، ثم رجع تنكز إلى دمشق.
وفيها: توجه الأمير [١/ ٥١] أزدمر الشمسي نائب بهسنا إلى قلعة درندة (٢)، وحاصرها، فطلب منه أهلها الأمان، فتسلمها، وأقام بها نائبا، ثم توجه إلى قلعة النقير (٣)، وحاصرها، فطلب أهلها الأمان، فتسلمها، وأقام بها نائبا.
وفيها: رسم السلطان بنقل الخليفة الامام المستكفي بالله أبو الربيع سليمان من مناظر الكبش إلى قلعة الجبل، فأنزله بالبرج الكبير، ومنعه من الاجتماع بالناس، فأقام على ذلك مدة، ثم رسم له بالنزول إلى مناظر الكبش على عادته بعد أن أقام في البرج خمسة أشهر وسبعة أيام.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين، فيها: أرسل تجريدة إلى نحو البلاد الحلبية، بسبب فساد الأرمن في البلاد (٤).
وفيها حضرت إلى الأبواب الشريفة الحرة زوجة ملك الغرب طالبة للحجاز الشريف، وأحضرت صحبتها التقادم والهدايا النفيسة (٥).
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين، فيها: رسم السلطان الملك الناصر بتوجه الخليفة أبو الربيع سليمان من القاهرة إلى مدينة قوص من بلاد الصعيد (٦)، فخرج هو وعياله وأولاده، فشق ذلك على الناس وتأسفوا لهذا الأمر، وفي ذلك يقول الشيخ زين الدين ابن الوردي