لنفسه، ويقول: " هذا رمل سعيد لا يرمى منه شيء"، فكان إذا كتب أشياء رمله من ذلك الرمل (١).
ثم دخلت سنة تسع وعشرين، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة الملك المؤيد عماد الدين صاحب حماة، وصحبته هدايا جليلة، وتقادم عظيمة (٢).
وفيها: عمر السلطان القصر الكبير الذي بالميدان الذي عند بركة الناصرية، وحفر البركة المجاورة للميدان الكبير، وأجرى إليها من الخليج الناصري.
وفيها: أخرج السلطان ولده الأمير أحمد إلى نحو الكرك، ورسم له بأن يقيم بها.
ثم دخلت سنة ثلاثين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان بهدم الإيوان الأشرفي، والدور التي كانت حوله، وعمر هذا الإيوان الموجود الآن.
وفيها: حضر إلى الأبواب الشريفة المقر السيفي تنكر نائب الشام، وقد جاء زائرا إلى السلطان، وصحبته تقادم عظيمة، فأنزله السلطان بالميدان الكبير.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين، فيها: رسم السلطان بأن يعمل للكعبة بابا جديدا، فعمل لها باب من الخشب السنط الأحمر، وعمل عليه الصفائح الفضة، فكان زنتها ثلاثون ألف درهم، ولما قلع الباب العتيق وزنوا ما كان عليه من الفضة، فكان زنتها ستون رطلا، فأنعم به السلطان على بني شيبة، خدام البيت الشريف، فتقاسموه، وهذا الباب كان عمله الخليفة المقتفي بالله في سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
стр. 142
الساقي، وولده الأمير أحمد، والأمير طقز دمر، والأمير سنجر الجاولي، والأمير قوصون، والأمير صوصون، والأمير طايربغا، والأمير (١) بشتاك، والأمير أقبغا آص الجاشنكير، والأمير طقتمر الخازن، والأمير قماري، والأمير تمر الموسوي، والأمير أيدمر أمير جارندار، والأمير مسعود الحاجب، والأمير صاروجا النقيب، وغير ذلك من الأمراء المقدمين والعشراوات، فكان عدة من سافر مع السلطان في تلك السنة إلى الحجاز الشريف، نحو سبعين أميرا (٢) ما بين مقدم ألف وطبلخاناة وعشراوات، فكانت مدة غيبة السلطان في هذه السفرة إلى الحجاز ذهابا وإيابا أربعة وخمسون يوما.
ومن الحوادث في هذه السنة: أن الأمير الكبير بكتمر الساقي لما حج مع السلطان، هو وولده الأمير أحمد، فلما قضوا الفرض ورجعوا فمرض الأمير بكتمر في أثناء الطريق، فلما وصل إلى عيون القصب (٣)، فمات هناك، ودفن بها وذلك في ثاني المحرم من سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، ثم مرض ولده الأمير أحمد أيضا، ومات بنخل ودفن بها، ثم نقلا من بعد ذلك إلى الخانقاه التي بالقرافة الصغري.
وكان الأمير بكتمر أصله من مماليك الملك المظفر بيبرس الجاشنكير، فلما مات الملك المظفر أخذه الملك الناصر محمد مع جملة موجود الملك المظفر بيبرس فجعله ساقيا، ثم عظمت مكانة بكتمر عند الملك الناصر، وصار أميرا كبيرا، ثم زوجه الملك الناصر بأخته، وكان ينزل إلى الأمير بكتمر في بيته، وينفرد عنده وينام في بعض الأحيان بنفسه في نفر قليل من خواصه، وكان إذا قدم إلى السلطان شيء فيقدم لبكتمر مثله أو أحسن منه، وصار صاحب الحل والعقد في دولة الملك الناصر، وعظمت مهابته وكثرت أمواله، حتى قيل: كان في أسطبله مائة سطل بيد مائة سايس، وتحت يد كل سايس طوالة خيل من الخيول الخاص، وحوى من الأموال ومن الجواهر والتحف ما لا حواه غيره من الأمراء في عصره، فلما ثقل أمره على الملك الناصر محمد فدى عليه من أسقاه
стр. 143
سما، هو وولده الأمير أحمد بن أخت السلطان، فماتا وهما راجعان من الحجاز، كما تقدم.
وقيل: لما مات بكتمر أحتاط الملك الناصر على موجوده الذي كان معه في طريق الحجاز، فقيل: وجد معه خمسمائة تشريف على سائر الأصناف، ما بين خلع أطلس وكوامل وغير ذلك حتى خلع للمتعممين، ومن دونهم من الأمراء والأجناد وغيرهم، وقيل: وجد معه عدة قيود وزناجير في حوش خاناة، فعند ذلك تحقق السلطان صحة ما كان نقل عنه.
وكان الأمير بكتمر يحجر على الملك الناصر، ويمنعه من الظلم، وكان الملك الناصر لا يخالفه في شيء يقوله، وكان الملك الناصر مع بكتمر مسلوب الاختيار.
وكان الأمير بكتمر من أحسن الناس شكلا، أبيض اللون، مشرب بحمرة، أسود اللحية، معتدل الامة، حسن العبارة، وافر العقل، له وقار، وهيئة تامة، قليل الأذى في [٥٠/ ١] حق الرعية، وكان له بر ومعروف، فمن جملة ذلك أنه أنشأ بالقرافة الصغري خانقاة، وجعل فيها حماما وفرنا وطاحونا، وقرر فيها صوفة وحضور، وجعل لها أوقافا كثيرة وأوقف بها ربعة مكتوبة كلها بالذهب لم يعمل مثلها، وهي موجودة إلى الآن، وله آثار كثيرة بمصر والشام.
ولما مات الأمير بكتمر رقى من بعده الأمير فوصون، وعظم أمره، قيل: إن السلطان أنعم بزر دخانة الأمير بكتمر على الأمير قوصون، قيل: أنها قومت بستمائة ألف دينار، وقيل زوجة الملك الناصر بإحدى بناته ورقاه في أيامه.
وقيل: وقع بين الأمير بكتمر الساقي قبل أن يموت وبين الأمير قوصون تشاجر، فقال قوصون لبكتمر: "أنا ما نقلت من الأطباق إلى الأسطبلات، بل أخذني السلطان من شخص تاجر كنت في خدمته، فلما أخذني السلطان اتفق في ذلك اليوم أن شخصا من المماليك السلطانية توفى في ذلك اليوم، فأنعم علي السلطان بإقطاعه وبيته وبركة وقماشه، وصرت خاصكيا في ذلك اليوم".
وسبب ذلك أن التاجر الذي كنت عنده قال له السلطان: "بيعني هذا المملوك"، فقال التاجر: "هذا ما هو مملوك بل هو حر (١) "، فقال السلطان:
стр. 144
"لابد من أخذه"، فأخذني من ذلك التاجر، وأرضاه عن ثمني بأشياء كثيرة، ثم إن السلطان أنعم علي بما تقدم ذكره فلم أباع مثل المماليك، وكنت من مبتدأ أمري في عز ورفعة بخلاف ما يقع للمماليك، انتهى ذلك.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير مهنا بن عيسى أمير آل فضل، فلما حضر أخلع عليه السلطان وأقره على حاله (١).
وفيها: حضر المقر السيفي تنكز نائب الشام إلى عند السلطان زائرا وصحبته الهدايا والتقادم، فأكرمه السلطان، وأنزله بالميدان الكبير الذي بالناصرية، وكان ذلك أخر اجتماعه بالسلطان الملك الناصر محمد.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين وسبعمائة، فيها: أفرج السلطان عن من يذكر من الأمراء المعتقلين، وهم: الأمير بيبرس الحاجب، وتمر الساقي، والأمير غانم بن أطلس خان، والأمير طغلق، وبلاط اليونسي، والشيخ علي الأوجاقي، وبلرغي، وبتخاص، ولاجين العمري، وبيبرس العلمي، وكجلي.
وفيها: رسم السلطان بعمارة قنطرة على بحر أبي المنجا عند شيبين القصر (٢).
وفيها جاءت الأخبار بأن الأرمن ملكوا سيس، فأرسل السلطان إلى نائب حلب بأخذ العسكر، وأن يكبس على من في سيس، فخرج إليها في سابع عشرين شهر رمضان، فحاصروا من في سيس، ودخلوا إليها ونهبوا ما فيها، وأحرقوا ضياعها، وأسروا من الأرمن الذي كانوا بها نحو ثلثمائة إنسان.
فلما بلغ الأرمن الذي (٣) كانوا بقلعة إياس، ما جرى على من كان في سيس، فثاروا على من كان في المدينة من المسلمين، وحشروهم في فندق وأحرقوهم عن أخرهم، وكانوا نحو ألفين إنسان من المسلمين، وذلك في يوم عيد النحر من السنة المذكورة.
ثم دخلت سنة ست وثلاثين، فيها: وقع الغلاء بالديار المصرية، فأبتاع القمح كل أردب بسبعين درهما، وعدم الخبز من الأسواق، فرسم السلطان للأمراء بفتح
стр. 145
شونهم وبيعهم القمح بثلاثين درهما الأردب، فامتثلوا ذلك، ثم بعث الله تعالى بالرخاء وانحطت الأسعار في أوائل شهر رمضان.
وفيها: رسم السلطان لتنكز نائب الشام بعمارة قلعة جعبر (١)، فعمرها في أسرع مدة، ورتب فيها الرجال، وجعل لها نائبا، ثم رجع تنكز إلى دمشق.
وفيها: توجه الأمير [١/ ٥١] أزدمر الشمسي نائب بهسنا إلى قلعة درندة (٢)، وحاصرها، فطلب منه أهلها الأمان، فتسلمها، وأقام بها نائبا، ثم توجه إلى قلعة النقير (٣)، وحاصرها، فطلب أهلها الأمان، فتسلمها، وأقام بها نائبا.
وفيها: رسم السلطان بنقل الخليفة الامام المستكفي بالله أبو الربيع سليمان من مناظر الكبش إلى قلعة الجبل، فأنزله بالبرج الكبير، ومنعه من الاجتماع بالناس، فأقام على ذلك مدة، ثم رسم له بالنزول إلى مناظر الكبش على عادته بعد أن أقام في البرج خمسة أشهر وسبعة أيام.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين، فيها: أرسل تجريدة إلى نحو البلاد الحلبية، بسبب فساد الأرمن في البلاد (٤).
وفيها حضرت إلى الأبواب الشريفة الحرة زوجة ملك الغرب طالبة للحجاز الشريف، وأحضرت صحبتها التقادم والهدايا النفيسة (٥).
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين، فيها: رسم السلطان الملك الناصر بتوجه الخليفة أبو الربيع سليمان من القاهرة إلى مدينة قوص من بلاد الصعيد (٦)، فخرج هو وعياله وأولاده، فشق ذلك على الناس وتأسفوا لهذا الأمر، وفي ذلك يقول الشيخ زين الدين ابن الوردي
стр. 146
أخرجوكم إلى الصعيد لأمر (١) … غير مجز (٢) في ملتي واعتقادي
لا يغيركم الصعيد وكونوا … فيه مثل السيوف في الأغماد (٣)
وكان سبب تغير خاطر السلطان الملك الناصر محمد على الخليفة أبي الربيع سليمان، قيل: رفعت للملك الناصر قصة، وعليها خط الخليفة سليمان: "بأن يحضر الناصر محمد بن قلاون إلى مجلس الشرع الشريف بالمدرسة الصالحية أو يوكل"، فشق ذلك على الملك الناصر محمد، وبقي في خاطرة من الخليفة سليمان، حتى نفاه إلى قوص.
فلما نفاه أعهد بالخلافة إلى ولده أحمد، فلم يمش السلطان ذلك العهد الذي عهده سليمان إلى ولده أحمد، وأقامت مصر بلا خليفة أربعة أشهر، والسلطان مصمم على عدم ولاية أحمد بن المستكفي بالله سليمان.
ثم إن السلطان ولي إبراهيم أخو المستكفي بالله سليمان، وكان قبيح السيرة، قال قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر في تاريخه (٤)، لما تولى إبراهيم المذكور الخلافة، لقبوه بالواثق بالله، فكانت العوام تسميه المستعطي بالله لقذارة نفسه، وسوء تدبيره (٥).
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، فيها ظهرت بالقاهرة امرأة تسمى الخناقة، فكانت تحتال على النساء والأطفال، وتخنقهم، وتأخذ ثيابهم، فشاع أمرها بين الناس، فلا زالوا يحتالوا عليها حتى أنهم مسكوها، وشنقوها على باب زويلة، وكان لها يوما مشهودا.
وفيها: قبض السلطان على ناظر الخواص الشريفة المسمى بالنشو، وسلمه إلى الأمير بشتاك الناصري، فعاقبه حتى مات تحت الضرب، واستصفى أمواله، ثم ولوا صهره، وفي ذلك يقول المعمار (٦):
стр. 147
قد أخلف النشو صهر سوء … قبيح فعل كما تروه
أراد للشر فتح باب … فأغلقوه وسمروه (١)
ثم دخلت سنة أربعين وسبعمائة، فيها توفي الخليفة أبو الربيع سليمان، وهو بقوص، وكانت وفاته في شهر شعبان من السنة المذكورة (٢).
وفيها توفي سيدى أنوك ولد السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان أعز أولاده عنده، وكان مليح الشكل، حسن الهيئة، بديع الجمال، ومات من العمر نحو عشرين سنة، فتأسف عليه السلطان أسفا شديدا، وأظهر عليه الحزن ومما رباه به الشيخ صلاح الدين الصفدي، وهو قوله:
مضيت وكنت للدنيا جمالا … وجرعت "النجوم الزهر" (٣) فقدك
ومن عجب الليالي فيك أن لا … يموت أبوك يا آنوك بعدك (٤)
وفيها: أرسل السلطان الأمير بشتاك الناصري، والأمير يلبغا اليحياوي، [٥٢/ ١] وصحبتهم عشرين مملوكا من الخاصكية، وأمرهم بالقبض على تنكز نائب الشام.
وكان أصل تنكز من مماليك الملك المنصور لاجين، ولهذا كان يدعى تنكز الحسامي، فلما قتل المنصور لاجين وتولى الملك الناصر محمد أخذ تنكز من جملة موجود الملك المنصور لاجين، وصار من مماليك الناصر محمد، ثم جعله خاصكيا، ثم بقي أمير عشرة، ثم بقي أمير طبلخاناة، ثم بقي مقدم ألف، ثم بقي نائب الشام.
وكان تنكز دينا خيرا، كثير البر والمعروف، وله آثار كثيرة بمصر والشام، وأقام في نيابة دمشق ثمانية وعشرين سنة، وعظم أمره وهابته الملوك والأمراء والنواب، وكان له عند السلطان الملك الناصر منزلة عظيمة، حتى كان يكاتبه "أعز الله أنصار المقر الكريم"، وزاده في الألقاب الأتابكي الزاهدي العايدي، معز الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين (٥)، وهذا لم يقع لنائب قبله من النواب، وكان السلطان لا يفعل شيئا من الأمور حتى يرسل يشاور تنكز فيها.
стр. 148
وكان تنكز عفيف الذيل واليد، غير أنه كان صعب الخلق، شديد الغضب، ما غضب على أحد ثم رضى عنه أبدا.
فلما تقل أمره على الملك الناصر، أو قعت العدي بين السلطان وبينه، فأرسل إليه الأمير بشتاك الناصري، والأمير يلبغا اليحياوي، فلما وصلوا إليه قالوا له: "السلطان رسم بأن تحضر إلى القاهرة ليزوج ابنك ببنت السلطان"، فقال تنكز للأمراء الذين حضروا من القاهرة: "أمضوا أنتم وأنا أحضر بولدي إلى الأبواب الشريفة بعدكم بسرعة"، فلما حضروا عند السلطان أغلظوا في العبارة، وأثخنوا جراحات تنكز عند الملك الناصر.
فعند ذلك أرسل إليه السلطان الأمير طاجار الدوادار، وقال له: "قم أحضر عند السلطان والخيرة لك"، ولو أن تنكز حضر إلى السلطان صحبة [٥٢ ب/] الأمير بشتاك، والأمير يلبغا اليحياوي، كان حصل له كل خير وافر، وما كان السلطان يسمع فيه كلام الأعداء، ثم إن تنكز قال لطاجار: "أمض أنت، وأنا بعد ثمانية أيام خلفك".
فلما حضر طاجار عند السلطان، ورد الجواب بغير طائل، فتغير السلطان على تنكز تغيرا عظيما، وعين له تجريدة ثقيلة، ورسم للنواب بأن يمشوا عليه من هناك، فمشى عليه الأمير طشتمر حمص أحضر نائب صفد (١)، والعسكر المصري، فعند ذلك قبضوا على تنكز نائب الشام، وأرسلوه صحبة الأمير بيبرس السلحدار، وكان ذلك في ثالث عشر ذي الحجة.
ثم أحاطوا على موجوده، فالذي ضبط من ذلك من الذهب العين ثلثمائة ألف دينار، وستين ألف دينار، ومن الفضة النقرة ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم؛ ووجد له من البلخش والياقوت واللؤلؤ الحب الكبار ما لا يحصى؛ ووجد عنده من الأطرز الزركش والحوايص الذهب والخلع الأطلس ما لا يحصى لكثرته (٢)، ووجد عنده من أصناف الأقمشة والبرك فكان عدة ما حمل عليه ذلك البرك ثمانمائة حمل جمل (٣)، ووجد له ودائع عند الناس أربعون ألف دينار (٤)، وألف ألف ومائة ألف درهم نقرة، ووجد له من الأملاك والضياع بمصر والشام
стр. 149
ما لا يحصى عددهم فقوموا بما ينيف عن مائة ألف دينار (١)، وذلك خارجا عن الأوقاف الذي (٢) بمصر والشام.
فلما وصل تنكز إلى القاهرة رسم السلطان بتقييده، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، فأعتقل بها نحو أربعين يوما، ثم إن السلطان أرسل إليه مقدم الدولة الحاج إبراهيم بن صابر، فخنقه وهو في السجن؛ ثم غسله وكفنوه وصلي عليه، ودفن بثغر الإسكندرية، ثم نقل من بعد ذلك إلى دمشق في سنة أربع وأربعين وسبعمائة (٣)، ودفن في تربته التي عمرها بالقرب من جامعه الذي أنشأه بدمشق، وفي ذلك يقول الصلاح الصفدي: [١/ ٥٣]
إلى دمشق نقلوا تنكزا … فيا لها من آية ظاهرة
في جنة الدنيا له جثة … ونفسه (٤) في جنة الآخرة (٥)
وقوله فيه أيضا:
في نقل تنكر سر … أراده الله ربة
أتى به نحو أرض … يحبها وتحبة (٦)
وكان تنكز أخضر (٧) اللون، خفيف اللحية، طويل القامة، مليح الشكل، حسن الوجه، وافر العقل، حسن السياسة، أقام في نيابة دمشق ثمانية وعشرين سنة ولاية واحدة، وهذا لم يعهد النائب قبله، وكان السلطان معه مسلوب الاختيار فيما يختاره، ثم إن السلطان أقلب عليه بعد ذلك، جرى منه ما تقدم ذكره، فكان كما يقال في الأمثال: " ثلاثة لا يأمن إليهم، المال وإن كثر، والملوك وإن قربوا، والمرأة وإن طالت صحبتها" (٨).
стр. 150
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، فيها: تزايدت عظمة السلطان الملك الناصر محمد، وكثرت مماليكه، حتى صار راتبه وراتب مماليكه في كل يوم من اللحم ستة وثلاثين ألف رطل، وبالغ في مشترى المماليك.
وهو أول من اتخذ الشاش والقماش للعسكر، والأقبية المفتوحة، والطرز الذهب، والحوايص الذهب، والأقبية القاقم.
وهو أول من رتب المواكب في القصر على هذا الترتيب الحسن، ورتب وقوف الأمراء في المواكب على قدر منازلهم، وكذلك أرباب الوظائف من المتعممين.
وقد طالت أيامه في السلطنة بخلاف من تقدمه من الملوك، وصفا له الوقت، وصار أكثر الأمراء والنواب مماليكه ومماليك والده قلاون؛ ولا يعلم لأحد من الملوك آثار مثله، ومثل مماليكه، حتى قيل: قد تزايدت في أيامه الديار المصرية والبلاد الشامية من العمائر مقدار نصفها من جوامع وقناطر وجسور وغير ذلك.
قال الشيخ سيف الدين أبو بكر بن أسد في تاريخه: وقفت على تواريخ الملوك المتقدمة فما رأيت لأحد من الملوك ما وقع للملك الناصر محمد بن قلاون، فأنه خطب له في أماكن لم يخطب فيها لأحد من الملوك قبله، وكاتبوه سائر ملوك الأرض من مسلم وكافر، وهابوه وهادوه وخشوا من سطوته، وهذا لم يتفق لغيره من الملوك، وكان مسعودا في حركاته محببا للناس؛ وفيه يقول الصفي الحلي من أبيات مدحه بها:
الناصر السلطان من (١) خضعت له … كل (٢) الملوك مشارقا ومغاربا
ملك يرى تعب المكارم راحة … ويعد راحات الفراغ متاعبا
ترجى مكارمه ويخشى (٣) بطشه … مثل الزمان مسالما ومحاربا
فإذا سطا ملأ القلوب مهابة … وإذا سخا ملأ العيون مواهبا (٤)
ولم يزل منتصبا على تحت مملكته حتى مرض، ومات على فراشه في ليلة الخميس في العشرين من ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، ومات وله
стр. 151
من العمر نحو ثمانية وخمسين سنة، ودفن في يوم الخميس المذكور على والده قلاون في القبة التي أنشأها والده بين القصرين، وكثر عليه الحزن والأسف، كما قيل في المعنى:
حكم المنية في البرية جاري … ما هذه الدنيا بدار قرار
ومكلف الأيام ضد طباعها … متطلب في الماء جذوة نار
طبعت على كدر وأنت تريدها (١) … صفوا من الأقدار والأكدار
وإذا رجوت المستحيل فإنما … تبني الرجاء على شفير هار [١/ ٥٤]
فالعيش شوم والمنية يقظة … والمرء بينهما خيال سار (٢)
فكانت جملة سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون بالديار المصرية والبلاد الشامية ثلاثة وأربعون سنة وثمانية أشهر وأيام، وذلك دون الخلع بينهم، كما تقدم، فكان ما بينهم نحو أربع سنين وأشهر، وقد تولى المملكة ثلاث مرات، كما تقدم، وحج ثلاث حجات وزار القدس والخليل ﵇، ثلاث مرات.
ولما مات خلف من الأولاد أحد عشر ولدا، وهم سيدي أبو بكر، وسيدي أحمد، وسيدي كجك، وسيدي شعبان، وسيدي إسماعيل، وسيدي حاجي، وسيدي حسن، وسيدي صالح، فهذه الثمانية تولوا من بعده السلطنة، كما سيأتي ذكرهم في مواضعه.
وأما الذي لم يلوا السلطنة: فسيدي رمضان، وسيدي حسين، وسيدي يوسف؛ وأما الذين توفوا في أيام حياته فسيدي إبراهيم، وسيدي محمد، وسيدي أنوك، وسيدي علي فهذا مجموع ما جاءه من الأولاد الذكور، وأما ما جاءه من البنات فشيء كثير.
وأما فتوحاته الذي فتحها في أيامه: ملطية، وآمد، ودارندة، وإياس، وبهنسا، ومرعش، وتل حمدون، وقلعة النقير، وقلعة نجيمة (٣)، والهارونية (٤)، وكاورا (٥)، واسفندكار (٦)، وغير ذلك.
стр. 152
وأما نوابه بالديار المصرية: كتبغا، وسلار، وبكتمر الجوكندار، وبيبرس الدوادار المنصوري، وأرغون الناصري مملوكه.
وأما وزرائه: سنجر الشجاعي، وتاج الدين ابن حنا، وفخر الدين الخليلي تولى مرتين، وسنقر الأعسر، وأيبك البغدادي، ومحمد بن الشنحي (١)، وأيبك الأشقر وهو أول من تسمى مدبر المملكة؛ وابن عطا، وابن النشاي، وبدر الدين محمد بن التركماني، وأمين الدين ابن الغنام تولى ثلاث مرات؛ وبكتمر الحاجب، ومغلطاي الجمالي.
وأما قضاته الشافعية: الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، والشيخ بدر (٢) الدين ابن جماعة، وجمال الدين الزرعي، وجلال الدين القزويني، وعز الدين ابن جماعة.
وأما كتاب سره: القاضي شرف الدين ابن فضل الله، والقاضي علائي الدين ابن الأثير، والقاضي محيي الدين ابن فضل الله، وولده القاضي شهاب الدين وهو صاحب كتاب الإنشاء وله شعر جيد، والقاضي شهاب الدين محمود، والقاضي علائي الدين ابن فضل الله.
وأما نظار جيشه: القاضي بهاء الدين ابن الحلي، والفخر وأظنه صاحب القنطرة، تولى مرتين؛ والقاضي قطب الدين ابن شيخ السلامية، والقاضي شمس الدين ابن التاج، والقاضي مكين الدين ابن قروينة، وجمال الكفاة.
وأما نظار خواصه: فالقاضي كريم الدين ابن الشديد، والنشو، وصهره.
وأما دواداريته: الأمير عز الدين أيدمر مملوكه، والأمير أرغون الناصري مملوكه، ورسلان، والجاي مملوكه، وصلاح الدين يوسف بن الأسعد، وبغا، وطاجار الدوادار.
стр. 153
وأما ما أنشأه في أيامه من العمائر: وهو القصر الكبير الأبلق، والقصرين الذي تليه، والأيوان الكبير، والجامع الكبير الذي بالقلعة، والجامع الجديد المطل على بحر النيل، والخانقاة التي بسرياقوس، والحوش الكبير الذي بالقلعة، ودور الحرم، والمجراة التي من بحر النيل إلى قلعة الجبل، والميدان الذي تحت القلعة، والميدان الكبير الذي عند موردة الجبس، والقصر الذي به، والبركة الناصرية، وميدان المهارة، وهو الذي أجرى الخليج الناصري من موردة الجبس إلى القنطرة الجديد، وأنشأ عليه القناطر، كما تقدم، وهو الذي عمر قناطر أم دينار، وقناطر شيبين، ووقناطر [٥٥/ ١] أبو صير، والجسر الذي بشبرامنت، وجسر بني يوسف، وقناطر اللبيني.
وجدد عمارة جامع راشدة، وجدد عمارة الرصد، وجدد عمارة المشهد النفيسي، وعمر الزريبة التي بثغر دمياط، وعمر الأسطبل السلطاني، والطلبلخاناة التي بالصوة، وعمر زاوية الشيخ رجب التي تحت القلعة، وله غير ذلك آثار كثيرة بمصر والشام.
وأما ما أبطله في أيامه من وجوه الظلم: وهو ضمان المغاني، وكان عبارة عن أخذ مال من النساء البغايات، وذلك لو خرجت أجل امرأة في القاهرة تقصد البغاء، ونزلت اسمها عند امرأة تسمى الضامنة، وأقامت بما يلزمها من المبلغ المعين عليها، لما قدر أكبر من في مصر يمنعها من البغاء، وعمل الفاحشة، ولا يزجرها عن ذلك، وكان يتحصل من هذه الجهة مال كبير، فأبطل ذلك في أيامه. وأبطل أيضا ما كان يوخذ ممن كان يبيع ملكا عن كل ألف عشرين درهما، فأبطل ذلك جميعه، وكان يتحصل من هذين الجهتين مالا كبيرا.
وكان الناصر محمد من أجل الملوك قدرا، وأعظمهم نهيا وأمرا، وأكثرهم أثرا وذكرا، ومعروفا وبرا، وجبلت على محبته القلوب سرا وجهرا، ولما مات تولى من بعده ابنه المنصور أبي بكر.
стр. 154
ذكر سلطنة الملك المنصور سيف الدين أبي بكر ابن الملك الناصر محمد بن قلاون (١)
وهو الثالث عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو أول من تسلطن من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان في أولاده من هو أكبر منه، ولكن الملك الناصر محمد اختار ذلك وعهد إليه، وقدمه على إخوته؛ وكانت ولايته في يوم الخميس حادي عشرين ذي الحجة من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
فلما جلس على سرير الملك، وتم أمره في السلطنة، عمل الموكب، فاجتمعت في القصر الكبير [سائر الأمراء] (٢)، فأخلع في ذلك اليوم على من يذكر من الأمراء وهم: المقر السيفي طقز دمر صاحب القنطرة التي على الخليج الحاكمي فاستقر نائب السلطنة بمصر؛ وأخلع على المقر السيفي قوصون واستقر أتابك العساكر بمصر؛ وأخلع على المقر السيفي حمص أحضر واستقر نائب حلب.
ثم صار أمر المملكة ضائع بين الأمراء، فصار مع الأمير طاجار الدوادار عصبة من الأمراء، ومع الأتابكي قوصون عصبة من الأمراء، فأتفق طاجار الدوادار مع السلطان الملك المنصور على القبض على الأتابكي قوصون، وهو في الخدمة بالقصر الكبير، وكان الملك المنصور في طبعه الخفة والرهج في الأمور، فأفشى سره لبعض الخاصكية، فبلغوا ذلك للأتابكي قوصون، وأخبروه بما قد عزم السلطان عليه من مسكه له، فكان كما قيل في المعنى:
стр. 155
إذا المرء أفشى سره بلسانه … ولام عليه غيره فهو أحمق
إذا ضاق صدر المرء من (١) سر نفسه … فصدر الذي يستودع السر أضيق (٢)
فلما بلغ الأتابكي قوصون ذلك فأتفق الأمير أيدغمش أمير أخور كبير، وجماعة من الأمراء، على خلع الملك المنصور أبي بكر.
فلما كان يوم الموكب امتنع الأتابكي قوصون عن حضور الخدمة، فاضطربت الأحوال في ذلك اليوم.
ثم إن الأتابكي قوصون طلع إلى القلعة بعد انفضاض الموكب، وقت الظهر على حين غفلة، وقبض على الملك المنصور أبي بكر، وأرسله إلى السجن بمدينة قوص، ومعه أخويه يوسف ورمضان.
فكانت مدة سلطنة الملك المنصور أبي بكر نحو ثلاثة أشهر، وكان خلعه في شهر صفر من سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
ثم إن الأتابكي قوصون قبض على الأمير طاجار الدوادار، والأمير بشتاك، ومعهما جماعة من الأمراء، وأرسلهم [٥٦/ ١] إلى السجن بثغر الإسكندرية، وقبض على جماعة كثيرة من المماليك السلطانية.
ثم إن الأتابكي قوصون أرسل إلى عبد المؤمن متولي ناحية قوص بأن يقتل الملك المنصور أبي بكر فقتله، وأرسل رأسه إلى قوصون في الدس، فكتم موته عن الناس، وهو أول من قتل من أولاد محمد بن قلاون، وكان ذلك من أكبر ذنوب قوصون، ثم تسلطن من بعده أخيه كجك.
стр. 156
ذكر سلطنة الملك الأشرف علائي الدين كجك ابن الملك الناصر محمد بن قلاون (١)
وهو الرابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثاني من أولاد محمد بن قلاون، تولى المملكة بعد أخيه المنصور، وجلس على سرير الملك في يوم الإثنين حادي عشرين صفر سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، فجلس على سرير الملك وله من العمر سبع سنين (٢).
فلما تم أمره في السلطنة أخلع على المقر السيفي قوصون الناصري واستقر نائب السلطنة، وأتابك العساكر، وسكن في دار النيابة، وتصرف في أمور المملكة بحسبما يختاره منها، فكان إذا حضرت العلامة، أخذ قوصون بيد السلطان كجك والقلم في يده حتى يريه كيف يعلم على المراسيم والمناشير، وكان الأمر جميعه بيد قوصون والسلطان معه مثل العصفور في يد النسور.
فاضطربت أحوال الديار المصرية والبلاد الشامية، وكثر الخلف بين الأمراء، وتوقفت أحوال الرعية، وحصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك، وقد قال بعض الشعراء في المعنى:
سلطاننا اليوم طفل والاكابر في … خلف وبينهم الشيطان قد نزغا
فكيف يطمع من مسته مظلمة … أن يبلغ السؤل والسلطان ما بلغا (٣)
ثم إن الأتابكي قوصون صار في كل يوم يمسك جماعة من المماليك السلطانية، وأرسل إلى الطنبغا نائب الشام يأمره بالقبض على طشتمر حمص أخضر نائب حلب.
стр. 157
فلما بلغ طشتمر ذلك قوي عزمه على أن يتوجه إلى الكرك، ويحضر الأمير أحمد ولد السلطان الملك الناصر محمد من الكرك، وكان مقيما بها من أيام والده الملك الناصر، وقد تقدم ذلك.
فلما بلغ الأتابكي قوصون ذلك، أرسل الأمير قطلو بغا الفخري إلى الكرك، بأن يقبض على الأمير أحمد ولد السلطان الملك الناصر، ويتوجه به إلى السجن بثغر الإسكندرية، فلما توجه الأمير قطلوبغا الفخري إلى الكرك، كاتب نائب حلب ونائب حماة ونائب صفد بأن يكونوا عونا له على أن يحضر الأمير أحمد من الكرك إلى القاهرة، ويسلطئوه عوضا عن أخيه كجك، فوقع اتفاقهم على ذلك، وتوجهوا إلى دمشق بمن معهم من العساكر ليقبضوا على الطنبغا نائب الشام لأنه كان من عصبة قوصون، فأرسل الطنبغا نائب الشام إلى النواب يسألهم في الصلح، وأنه يكون تحت الطاعة للأمير أحمد ولد السلطان الملك الناصر، فوقع الاتفاق على ذلك.
فلما بلغ الأتابكي قوصون ذلك أراد أن يقبض على الأمير أيدغمش أمير أخور كبير، فلما بلغ أيدغمش ذلك، ركب هو والأمير أقسنقر والأمير يلبغا اليحياوي، وجماعة الأمراء، وطلعوا إلى الرملة، وأحاطوا بالقلعة.
ونادي الأمير أيدغمش للعسكر كل من لم يكن عنده فرس يحضر إلى الأسطبل السلطاني، ويأخذ له فرس، فطلعوا إليه العسكر قاطبة، ففرق عليهم عدة خيول من الأسطبل السلطاني، فوثب العسكر بأجمعهم على قوصون، فلما تحقق قوصون أن الركبة عليه [٥٧/ ١] أقام بالقلعة وحصنها.
ثم إن الأمير أيدغمش نادي للأعوام بأن ينهبوا بيت قوصون، فدخلوا إليه السواد الأعظم من الأعوام، وأحرقوا بابه ونهبوا أسطبله، وما كان في حواصله من سكر وخيام ونحاس وصيني وسلاح وغير ذلك، وهو ينظر إليهم من شباك طبقته التي فوق الأسطبل السلطاني، فبقى قوصون يقول: " يا مسلمين، ما تحفظوا هذا المال، أما أن يكون لي أو للسلطان"، فقال الأمير أيدغمش أمير أخور: "هذا شكرانه للعوام، والذي عندك من المال والتحف يكفي السلطان"، فصار العوام كل من رأوه من مماليك قوصون أو من حاشيته يقتلوه في الطرقات، واستمر الأمر على ذلك إلى بعد الظهر، فانكسرت همه قوصون عن القتال، وتسحب من كان عنده من العسكر، فهجم عليه الأمير أيدغمش ومسكه وقيده وسجنه في الزردخاناة.
стр. 158
فلما مسك قوصون نهب العوام خانقاته التي داخل باب القراقة، وجامعه الذي بالقرب من بركة الفيل، ثم إن الأمير أيدغمش صار يمسك الأمراء الذي (١) كانوا من عصبة قوصون، ثم أرسلوا قوصون إلى السجن بثغر الإسكندرية، وفيه يقول المعمار:
شخص قوصون رأينا … في العلاليق مسمر
فعجبنا منه لما … جاء في التسمير سكر (٢)
وكان أميرا عظيما مليا مهابا، صار في أيام الأشرف كجك صاحب الحل والعقد، وتصرف في أمور المملكة كما يختار.
فلما أرسل قوصون إلى السجن، خلع الأشرف كجك من السلطنة، ودخل إلى دور الحرم، ثم أرسلوا الأمراء إلى الأمير أحمد بن الناصر محمد ليحضر من الكرك، حتى يولوه السلطنة، فخطب باسمه في القاهرة قبل حضوره من الكرك، ولقب بالملك الناصر إلى أن حضر، وتولى السلطنة، كما سيأتي ذلك في موضعه.
فكانت مدة أخيه الأشرف كجك في السلطنة إلى أن خلع خمسة أشهر.
وأقام في دور الحرم إلى أن مات على فراشه في دولة أخيه الملك الكامل شعبان، وكان أبوه الملك الناصر محمد بن قلاون لحظ فيه بعين الفراسة أنه يلي الملك وهو صغير، فسماه كجك يعني سلطان صغير، فتسلطن وله من العمر خمس سنين، وقيل: دون سبع سنين.
стр. 159
ذكر سلطنة الملك الناصر شهاب الدين أحمد ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون (١)
وهو الخامس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الثالث من أولاد الناصر محمد بن قلاون، تسلطن بعد خلع أخيه الأشرف كجك، في يوم الإثنين عاشر شهر شوال سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
فلما جلس على سرير الملك، وقع منه أمور لا تقع إلا ممن أصيب في عقله، وذلك أن الأمير طشتمر حمص أخضر نائب حلب، لما حضر معه من الكرك، وكان سببا في سلطنته، فلما حضر إلى الديار المصرية، أخلع عليه واستقر به نائب السلطنة بمصر، واستقر بالأمير قطلوبغا الفخري نائب دمشق؛ وأخلع على الأمير علائي الدين أيدغمش واستقر به نائب حلب، فلم يقم في السلطنة سوى ثلاثة وثلاثين يوما، وقبض على الأمير طشتمر حمص أخضر وقيده، وكان ذلك من جملة عكس الناصر أحمد، ثم أرسل نحو ألف فارس إلى قطلوبغا الفخري الذي استقر به نائب دمشق، وأمرهم بالقبض عليه.
فلما كان يوم الإثنين سلخ ذي القعدة، فخرج السلطان الملك الناصر أحمد من الديار المصرية في طائفة من العسكر قاصدا نحو الكرك، ومعه أموال جزيلة أخذها من الخزائن السلطانية، وأخذ معه من التحف أشياء كثيرة، وتوجه إلى الكرك، فدخلها في يوم الثلاثاء ثامن ذي الحجة، وأخذ معه الأمير طشتمر حمص أخضر وهو مقيد [٥٨/ ١] في محفة، ولما وصل ذلك العسكر الذي أرسلهم إلى دمشق فقبضوا على قطلوبنا الفخري، وأحضروه إلى الكرك فأعتقله هو وطشتمر حمص أخضر في قلعة الكرك.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة، فيها: في خامس المحرم كتب الأمراء الذين بمصر كتابا إلى السلطان الملك الناصر أحمد، وهو بالكرك بأن
стр. 160
يحضر إلى الديار المصرية، فإن أحوال المملكة ضائعة، وأرسلوا هذا الكتاب صحبة خاصكي يقال له طقتمر الصلاحي، فدخل إلى الكرك في حادي عشر المحرم، واجتمع بالسلطان ورد الجواب عن السلطان "بأنه قاعد في الكرك إلى حين يمضي الشتاء، وبعد ذلك يحضر إلى القاهرة".
ثم إن السلطان بدا له أن يقتل طشتمر حمص أخضر وقطلوبغا الفخري، فأخرجهما من السجن، ووسطهما في ميدان الكرك، وهذا الأمر ما يقع ممن في رأسه عقل، وكانا سببا في سلطنته وتعصبا له حتى تسلطن، فكان كما قيل في المعنى:
ما تفعل الأعداء في جاهل … ما يفعل الجاهل في نفسه (١)
وقد قال المعمار في طشتمر حمص أخضر عدة مقاطيع منها:
جننت بالملك لما … اتاك بالبسط ما جن
وقد أمنت الليالي … يا حمص أحضر وداجن (٢)
فلما وقع من الناصر أحمد ذلك فنفرت منه القلوب، ولم يستحسن أحدا من الناس منه هذه الفعال القبيحة، فلما بلغ الأمراء الذين بالقاهرة ما فعل الناصر أحمد، اتفقوا على خلعه فخلعوه من السلطنة، وسلطنوا أخوه إسماعيل، واستمر الناصر أحمد في الكرك إلى أن قتل، كما سيأتي ذكره في موضعه.
فكانت مدته في السلطنة إلى أن خلع وهو بالكرك شهرين واثني عشر يوما، فكان كما قيل في المعنى لبعضهم:
فلم يقم إلا بمقدار أن … قلت له أهلا وسهلا ومرحبا (٣)
стр. 161
ذكر سلطنة الملك الصالح عماد الدين إسماعيل ابن الملك الناصر محمد بن قلاون (١)
وهو السادس عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الرابع من أولاد الناصر محمد بن قلاون، تسلطن بعد خلع أخيه الناصر أحمد، في يوم الخميس ثاني عشرين المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة (٢).
فلما جلس على سرير الملك، وتم أمره في السلطنة استقر بالأمير أقسنقر السلاري نائب السلطنة بالديار المصرية؛ واستقر بالأمير أيدغمش في نيابة الشام واستقر بالأمير طقز دمر في نيابة حلب؛ واستقر بجماعة كثيرة من الأمراء كل واحد منهم في وظيفة من الوظائف.
ثم قبض على الأمير الطنبغا المارديني وهو صاحب الجامع الذي في البرادعيين، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين وسبعمائة، فيها: قبض على الأمير أقسنقر السلاري نائب السلطنة، واستقر بالأمير آل ملك في نيابة السلطنة بمصر.
فلما تولى آل ملك نائب السلطنة أمر بهدم خزانة البنود، وكانت داخل القاهرة، وكان يسكنها طائفة من الأرمن الأسرى، وكانت قبل ذلك حبسا يحبس فيها أصحاب الجرائم، فلما هدمها جعلها دارا للخمارة لأنها كانت بالقرب من داره، فصار يجتمع بها أقوام من المناجيس والمقامرين والحرامية، ولا يقدر أحد من الناس يمنعهم من ذلك، لا والي ولا غيره من الحكام، فلما تضرر الناس من ذلك، فأخربها وجعلها أسطبلات وقاعات وغير ذلك (٣).
стр. 162
ثم دخلت سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فيها: أخذت الكرك، وقتل الناصر أحمد بن الناصر محمد بن قلاون، وقد صار [١/ ٥٩] أخوه الملك الصالح يجرد إليه العساكر تجريدة بعد تجريدة، فلم يبق بالقاهرة أميرا ولا جنديا حتى خرج إليه، وحاصره فلم يقدروا عليه.
وهو مع ذلك لا يكل ولا يمل من القتال، حتى نفد جميع ما كان في خزائنه من الأموال، حتى أنه ضرب ما بقي عنده من الذهب وخلط معه النحاس، ونفقه على عسكره، فكان الدينار منه يساوي خمسة دراهم.
وهلك من كان عنده في قلعة الكرك من الجوع والعطش والعري، فلما تمادى عليه الأمر تفرق من كان حوله من عسكره، وظهر عليه الخذلان بعد أن أقام في المحاصرة نحو ثلاث سنين، ثم إنهم مسكوه في يوم الإثنين ثاني عشرين صفر من سنة خمس وأربعين وسبعمائة (١) فعند ذلك أرسل إليه الملك الصالح الأمير منجك اليوسفي فقطع رأسه، وأحضرها بين يدي أخيه الملك الصالح.
وكان الناصر أحمد أشجع أخوته وأحسنهم شكلا، ولكنه كان سيء التدبير في أموره، قليل المعرفة، الغالب عليه الجهل، فلم تساعده الأقدار.
ثم دخلت سنة ست وأربعين وسبعمائة، فيها: مرض السلطان الملك الصالح وأقام مريضا نحو أربعين يوما، ثم مات في يوم الخميس حادي عشرين ربيع الأول سنة ست وأربعين.
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية ثلاث سنين وشهر ونصف.
وكان خيار أولاد الناصر محمد بن قلاون، وله بر ومعروف وآثار، فمن ذلك أنه أوقف قرية من ضواحى القاهرة تسمى بيسوس (٢) على كسوة الكعبة الشريفة؛ وكان يحب العدل في الرعية، وساس الملك في هذه المدة أحسن سياسة، ومات على فراشه بخلاف أخوته، وكان على مذهب بعض الخلفاء يميل إلى الجوار المولدات والحبش حتى السودان، وكان يحب من يمدح له في ذلك، فكان الشعراء يكثرون له من مدح ذلك، فمن ذلك قول بعض الشعراء:
стр. 163
يكون الخال في خد قبيح … فيكسوه الملاحة والجمالا
فكيف يلام مشغوف على من … يراه كله في العين خالا (١)
ولهم في هذا المعنى عدة مقاطيع.
ولما مات الملك الصالح دفن في القبة التي بين القصرين، وقد رثاه الصلاح الصفدي:
مضى الصالح المرجو للبأس والندى … ومن لم يزل يلقى المنى بالمنائح
فيا لك مصر كيف حالك بعده … إذا نحن أثنينا عليك بصالح (٢)
стр. 164
ذكر سلطنة الملك الكامل زين الدين شعبان ابن الملك الناصر محمد بن قلاون (١)
وهو السابع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الخامس من أولاد الملك الناصر محمد قلاون، تسلطن بعد موت أخيه الملك الصالح إسماعيل بعهد منه، وكان شعبان هذا أخاه والملك الصالح إسماعيل شقيقه؛ فجلس على سرير الملك في يوم الخميس حادي عشرين ربيع الأول سنة ست وأربعين وسبعمائة.
وفيه يقول ابن نباتة:
طلعة سلطائنا تبدت (٢) … بكامل السعد في الطوع (٣)
واعجب لنا منه كيف أبدت (٤) … هلال شعبان في ربيع (٥)
فلما تم أمره في السلطنة، سار في الناس سيرة قبيحة، وصار يخرج الإقطاعات بالمال، وعمل لذلك ديوانا، وصار يعين القدر في المناشير، وكان محبا لجمع المال، ثم أخذ في أسباب القبض على جماعة من الأمراء، فقبض على آل ملك نائب السلطنة، ثم أفرج عنه، وولاه نيابة صفد، فلما توجه إليها أرسل قبض [٦٠/ ١] عليه في أثناء الطريق، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، هو والأمير قماري أستادار العالية، ثم استقر بالأمير القطاي في نيابة السلطنة بمصر، وأرسل بالقبض على طقز دمر نائب الشام، وولى الأمير يلبغا اليحياوي عوضه في نيابة الشام.
стр. 165
وفي هذه السنة: توفي الملك الأشرف كجك وهو في دور الحرم من حين خلع من السلطنة، كما تقدم.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين وسبعمائة، فيها جاءت الأخبار من البلاد الشامية بأن يلبغا اليحياوي نائب الشام خامر على السلطان وأظهر العصيان.
فلما كان يوم الجمعة اجتمع الأمراء كلهم في القلعة، فقرأ عليهم السلطان ما ورد من الأخبار، بسبب عصيان نائب الشام، فاتفق رأيهم بأن يرسلوا الأمير منجك اليوسفي لكشف الأخبار، فتوجه إلى دمشق، ثم إن السلطان أعرض العسكر، وقصد التوجه إلى قتال نائب الشام.
فلما كان يوم السبت طلب السلطان أخويه وهما حاجي وحسين، إليهما سرور الزيني، وقال لهما: "أحضروا إلى عند السلطان"، فقالوا: "نحن شربنا اليوم دوى، ولا نستطيع الحضور في هذا اليوم".
ثم إن السلطان أرسل إليهم الزمام صواب الطولوني، وقال له: "قل لهم بأن يحضروا والخيرة لهم"، فابوا عن الحضور، وقالوا: "أصبروا علينا إلى أن نتعافا، ونحضر إلى بين يدي السلطان".
فلما ردوا هذا الجواب، فغضب السلطان غضبا شديدا، وقال أرسلوا خلف الأمير أسندمر الكاملي، والأمير قطلوبغا الكركي، فلما حضرا، قال السلطان لهما: " طلبت أخوتى بأن يحضروا إلى عندي، فأبوا عن الحضور"، فقال الأمير أسندمر الكاملي لأرغون العلائي زوج أم السلطان: "أدخل أنت إليهما وأخرجهما من عند أمهاتهما"، فدخل إليهما العلائي، وأخرجهما إلى عند مقام الرديني (١)، وأمهاتهما معهما يتباكون.
فلما حضروا بين يدي السلطان باسوا له الأرض، وقالوا: "يا مولانا السلطان لا تأخذ علينا، فإنا كنا شربنا دوى، ولنا أيام ونحن ضعاف"، فقال له السلطان: "تكذبوا ما أنتم إلا مخامرين علي"، فأخرج حاجي ختمة كانت معه وحلف عليها "أنه ما امتنع عن الحضور إلا كان ضعيفا وشرب دوى"، فقال له السلطان: "ما هذا صحيح"، فحلفت أمه وكشفت رأسها، وكذلك فعلت أم سيدي حسين، فدفعهما السلطان واعتاظ عليهما، وقال: "أنتم نساء ما لكم عقول".
стр. 166
ثم أمر بإدخال أخويه إلى الدهيشة، وأمهاتهما معهما، ووصى عليهما الخدام، فباتوا تلك الليلة حول الدهيشة، ومعهم سيوفهم.
فلما أصبح السلطان طلب عشرين حجر مسفط وحملين جبس، وقصد إدخالهما في مكان تحت الدهيشة، ويبنى (١) عليهما بالحجر.
فلما كان يوم الإثنين ثالث عشرين جمادى الأول (٢) بعد صلاة الصبح، خرج من بيته الأمير ملكتمر الحجازي، وهو لابس آلة الحرب، هو ومماليكه إلى عند قبة الهواء، وقصد الوثوب على السلطان الملك الكامل، أنه بلغه أن السلطان يقصد مسكه في ذلك اليوم، فتوجه إلى قبة الهواء.
فلما استيقظ السلطان من نومه رأى الأحوال مضطربة، فقال لأرغون العلائي: "إيش الخبر"، فأخبروه: "بأن الأمير ملكتمر الحجازي وأرغون شاه، وجماعة كثيرة من الأمراء لبسوا آلة الحرب، وتوجهوا إلى قبة الهواء".
فعند ذلك رسم السلطان بشد الخيول، وبفتح باب الزردخاناة، فلم يجد عنده أحدا من المماليك إلا قليل، فركب وخرج من باب الأسطبل السلطاني [١/ ٦١] ومعه بعض الأمراء وبعض مماليك، ودقت الكوسات حربي، فمشي السلطان إلى تحت الطبلخاناة، ووقف وبقي ينتظر من يطلع إليه، فلم يطلع إليه أحدا من الأمراء، سوى الأمير أسندمر الكاملي، والأمير قطلوبغا الكركي، والأمير أرغون العلائي، وجوهر السحرتي مقدم المماليك.
فلما علم السلطان أن ما بقي يجي إليه أحد، تقدم إلى بين العروستين (٣)، وقصد بأن يتوجه إلى قبة الهواء، فبرز إليه الأمير أرغون شاه، والأمير قرابغا القاسمي، والأمير أقسنقر، وضربوا عليه يزك (٤)، ووقع القتال، فبرز الأمير بيبغا (٥) أروس إلى أرغون العلائي، وضربه بطبر على وجهه، فسقط عن فرسه إلى الأرض.
стр. 167
فلما رأى من كان حول الملك الكامل، أن الأمير أرغون العلائي انكسر، تسحب من كان حوله من العسكر، فلما رأى الملك الكامل أن أمره تلاشي فهرب في أربعة من المماليك، وطلع إلى القلعة، وأراد أن يدخل من باب السلسلة، فوجده مقفولا، فصار يسأل بعض المماليك الصغار بأن يفتح له الباب، حتى يطلع إلى القلعة، فنزل إليه بعض المماليك، وفتح له الباب، فطلع إلى القلعة، وهو سائق فأراد أن يدخل إلى الحوش، ويقتل أخويه، فلم يفتحوا له الخدام باب الحوش، فرجع إلى بيت أمه، فاختفى فيه، هذا ما كان من أمر الملك الكامل شعبان بعد كسرته عند قبة الهواء (١).
وأما ما كان من أمر الأمراء الدين وثبوا على السلطان، فأنهم لما انكسر فمسكوا الأمراء الذي (٢) كانوا مع السلطان، وهم أرغون العلائي، وأسندمر الكاملي، وقطلوبغا الكركي، وجوهر السحرتي مقدم المماليك، وكل من كان معه من الأمراء والمماليك، ثم طلعوا إلى القلعة وهم راكبون على خيولهم إلى وسط الحوش السلطاني إلى أن وصلوا إلى باب الستارة، فقالوا للخدام: "أين بن أستاذنا حاجي؟ "، فقالوا لهم الخدام: "أنه محبوس في الدهيشة هو وأخوه سيدي حسين"، فدخلوا إلى الدهيشة، وأخرجوا حاجي وحسين، وباسوا الأرض لحاجي، وقالوا له: "أنت سلطاننا".
ثم إنهم تطلبوا الملك الكامل شعبان فلم يجدوه فهجموا عليه في بيت أمه، وكان بيت أمه فوق القلعة عند دار النيابة، فلم يجدوه في البيت، فمسكوا الجوار، وقصدوا يوسطوهم، وأحضروا لهم المشاعلية، فأقروا عليه بأنه في بيت الأزيار (٣)، فهجموا عليه، فوجدوه واقفا بين الأزيار، وقد أبتلت أثوابه بالماء، فمسكوه ومضوا به إلى الدهيشة، فسجن في المكان الذي كان فيه أخويه حاجي وحسين، وكان المتولي أمر ذلك الأمير أرغون شاه، والأمير ملكتمر الحجازي.
قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في "تذكرته (٤): حكى لي أسنبغا دوادار الأمير أرغون شاه، قال: مدينا السماط على أن الملك الكامل شعبان يأكل منه،
стр. 168
ثم جهزنا إلى حاجي وحسين شيئا من الطعام، وهما في السجن، فخرج حاجي من السجن، وأكل السماط الذي صنع لأخيه الملك الكامل، ودخل الملك الكامل إلى السجن، وأكل ما كان صنع لأخيه حاجي وحسين، فسبحان القادر على كل شيء، وهو الفعال لما يريد، وقد قال القائل في المعنى:
لا تأمنن الدهر وهو مسالم … سلس القياد فقد يعود محربا
واحذر تقلبه ولا تعجب له … إن أركب الماشي وأمشى الراكبا (١)
وقال بعضهم:
كم حاربتني شدة بجيشها … وضاق صدري من لقاها وانزعج
حتى إذا أيست من خلاصها … جاءتني الألطاف تسعى بالفرج (٢)
ثم إن الملك الكامل أقام محبوسا في مكان في الدهيشة ثلاثة أيام، ثم إن أخاه حاجي أرسل إليه أربعة أنفس من السلحدارية، [٦٢/ ١] وأمرهم بقتله، فدخلوا عليه وقتلوه، وهو في السجن فمات في ليلة الخميس ثالث جمادى الآخر سنة سبع وأربعين وسبعمائة.
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية سنة وشهرين ونصف.
وكان أشقر اللون، أزرق العينين، وافر الأنف، مجدر الوجه، يميل إلى الصفرة، قبيح الشكل والفعل، ولما مات دفن على والده في القبة التي بين القصرين، وفيه يقول الصلاح الصفدي:
بيت فلاون سعاداته … في عاجل كانت بلا أجل
حل على أملاكه للردى … دين قد استوفاه بالكامل (٣)
ثم تولى من بعده أخوه حاجي.
стр. 169
ذكر سلطنة الملك المظفر حاجي ابن الملك الناصر محمد بن قلاون (١)
وهو الثامن عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو السادس من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان مولده في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وكان أبوه الملك الناصر في الحجاز، فولد في طريق الحجاز عند العود، فسماه حاجي.
فلما خلع الملك الكامل تسلطن بعده في يوم الإثنين مستهل جمادى الآخر سنة سبع وأربعين وسبعمائة، وفيه يقول الشيخ جمال الدين ابن نباته المصري:
يا إمام الوري مضى نصف عام (٢) … لم أنل فيه من وصولي ربع (٣)
سنة إن غفلت عني فيها … كسرتني وكيف لا وهي سبع (٤)
فلما تم أمر الملك المظفر حاجي في السلطنة، أراد أن يقبض على جماعة من الأمراء، فرسم لنقيب الجيوش المنصورة بأن يدور على الأمراء المقدمين، بأن يطلعوا إلى القلعة، بسبب القصر.
فلما طلع الأمراء إلى القصر دخل عليهم بعد المغرب جماعة من المماليك السلطانية، ومسكوا جماعة من الأمراء، وهم مجتمعون في القصر، فلما تقدموا إلى الأمير أقسنقر ليمسكوه، فجرد سيفه، وقصد نحو السلطان ليقتله، فمسكه الأمير شجاع الدين غرلوا والأمير كجلي، وأخذوا سيفه منه، ثم مسكوه وقبضوا على الأمير ملكتمر الحجازي، والأمير قرابغا القاسمي، والأمير أيتمش عبد الغني، وصمغار، وكانت ساعة تشيب منها النواصي، ثم
стр. 170
أمر السلطان بتقييدهم، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وهم: بزلار العمري، وصمغار، وقرابغا القاسمي، وأيتمش عبد الغني.
وأما الأمير أقسنقر والأمير ملكتمر الحجازي فرسم السلطان بأن يحبسوا في مكان في الحوش السلطاني، فلما حبسوا فقضى الله أمره فيهم في تلك الليلة، فخنقوا تحت الليل ودفنوا.
وكان الأمير أقسنقر والأمير ملكتمر الحجازي سببا لسلطنة الملك المظفر حاجي، فلما تسلطن جرى عليهما منه ما جرى، وكان هذا بخلاف الظن، وقد قال القائل في المعنى:
ربما يرجو الفتى نفع فتى … خوفه أولى به من أمله
رب من ترجو به دفع أذى … سوف يأتيك الأذى من قبله (١)
تم عمل السلطان الموكب، وأخلع في ذلك اليوم على خمسة عشر أميرا، ما بين مقدم ألف وطبلخاناة.
وفيها: جاءت الأخبار بأن يلبغا اليحياوي نائب الشام هرب، ثم مسك وسجن، ثم قطعت [رأسه] (٢)، وأحضرت إلى القاهرة، وعلقت على باب زويلة.
وفيها: قبض السلطان على الأمير شجاع الدين غرلوا وسجنه، ثم أمر بقتله فقتل ودفن، فنبشوا العوام قبره، وأخذوا كفنه، فلما بلغ السلطان ذلك فرسم لوالي القاهرة بأن يقبض على من فعل ذلك، فقبضوا على جماعة من العوام، وضربوهم بالمقارع، وقطعوا [٦٣/ ١] أيدهم وطافوا بهم في القاهرة.
وفيها: في يوم الأربعاء ثامن شهر رمضان وصل من الشام مال من موجود يلبغا اليحياوي نائب الشام، فلما دخل إلى الحزائن الشريفة فأنفقه السلطان جميعه على غلمان طيور الحمام.
وكان الملك المظفر حاجي مولعا بحب اللعب بالحمام، حتى خرج في ذلك عن الحد، وعمل للحمام خلاخيل ذهب في أرجلهم، وألواح ذهب في أعناقهم، وصنع لهم مقاصير خشب مطعمة.
стр. 171
فقال الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة في ترجمته للمظفر حاجي: "وقد اشتغل بلعب الطيور عن تدبير الأمور، والتهي (١) عن الأحكام، بالنظر للحمام، فجعل السطوح داره، والشمس سراجه، والبرج مناره، وأطاع سلطان هواه، وخالف من نهاه، وصار لا يعرف في ذلك الهزل من الجد، وخرج في الأمور عن الحد، وصار لا يبات في القصر عند الأمراء في ليالي المواكب إلا قليل، واستخف بالأمراء من حقير وجليل، فصار نهاره عند الحمام، وليله عند الجوار ينام".
فلما بلغ الأمراء أن السلطان أنفق المال الذي وصل من موجود نائب الشام على غلمان الحمام، وكان نحو خمسين ألف دينار، فشق ذلك على الأمراء وعز عليهم.
فلما حضر الأمير جبعا من السفر، فذكروا له الأمراء ما وقع من السلطان من هذه الأمور، فدخل الأمير جبعا على السلطان وقت الظهر، وذكر له ما قالوه الأمراء، وعنف السلطان في هذه الأمور الذي يفعلها، وقال له: "إن الأمراء والعسكر قد خامروا على السلطان بسبب ذلك "، فأغتاظ السلطان، ورسم بذبح الحمام الذي عنده أجمعين، وخرب تلك المقاصير، ورسم للخدام بأن أحدا منهم لا يخلي عنده شيء من الحمام، ثم أرسل إلى الأمير جبغا يقول له: "أني قد ذبحت الحمام التي عندي كلهم، وأنا إن شاء الله تعالى، أذبح في هذا القرب خياركم كما ذبحت الحمام".
فلما سمع الجبعا ذلك قام من وقته، ودخل إلى نائب السلطنة، وأعمله بما قاله السلطان، وكذلك أعلم الأمير بيبغا أروس بذلك، فاتفقوا كلهم على الوثوب عليه، قال الشيخ صلاح الدين الصفدي:
أيها العاقل اللبيب تفكر … في المليك المظفر الضرغام
قد تمادى في البغي والغي حتى … كان لعب الحمام جد الحمام (٢)
فلما كان يوم الأحد ثاني عشر شهر رمضان لبسوا الأمراء آلة الحرب، وخرجوا إلى قبة النصر، فلما بلغ السلطان ذلك رسم بشد الخيول، ودقت الكوسات حربي، وركب السلطان هو ومماليكه، وخرج من باب الأسطبل
стр. 172
السلطاني ومعه بعض مماليك، ومقدمهم عنبر السحرتي، ثم إن السلطان مشى إلى بين الترب بمن معه من المماليك.
ثم طلب الأمير شيخوا العمري وبعثه إلى الأمراء الذي (١) في قبة النصر، وقال لهم: "إيش قصدكم حتى نعرف"، فمضى الأمير شيخوا بهذه الرسالة إلى الأمراء، فقالوا له: "امض إليه، وقل له ينزل عن الملك، ويكف هذا القتال".
فلما رد شيخوا هذا الجواب على السلطان؛ فأغتاظ، وقال: "لا أنزل عن الملك، وما عندي إلا السيف"، فرجع شيخوا بهذا الجواب، ثم زحف الأمراء الذي (٢) في قبة النصر على السلطان، وجاء الأمير يببغا أروس من وراء الجبل، وضربوا على السلطان يزك، فلما رأى ذلك من كان مع السلطان، فصاروا يتسحبون من حوله قليلا قليلا.
فتقدم إليه الأمير بيبغا أروس، وحمل على السلطان فضربه السلطان بطير كان معه فلم يؤثر فيه، ثم نزل بيبغا أروس عن فرسه ومسك لجام فرس السلطان، وتكاثروا عليه المماليك، فقلعوه من سرجه، فقبض عليه الأمير بيبغا أروس، وأخذه وهو ماشي مكشوف الرأس، ومضى [٦٤/ ١] به إلى عند الأمراء، فلما وقف بين يدي الأمير أرقطاي نائب السلطنة، نزل أرقطاي عن فرسه، وأرمى على الملك المظفر قباءه، وقال: "أعوذ بالله أن أقتل سلطان بن سلطان، امضوا به إلى القلعة، فأسجنوه بها"، فأخذه الأمير بيبغا أروس، ومضى به إلى تربة في الباب المحروق فخنقه هناك، ودفن من وقته، ومات وله من العمر نحو عشرين سنة.
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية سنة وثلاثة أشهر وثمانية عشر يوما.
وكان الملك المظفر حاجي شجاعا مقداما جريا، سفاكا للدماء قتل جماعة كثيرة من الأمراء في أيامه، وكان كثير المصادرات للرعية وغيرهم، وفيه يقول الصلاح الصفدي:
стр. 173
حان (١) الردى للمظفر … وفي الثرى قد (٢) تعفر
كم قد أباد أميرا … على المعالي توفر
وقاتل النفس ظلما … ذنوبه ما تكفر (٣)
ولما قتل المظفر حاجي طلع الأمراء إلى القلعة، واشتوروا فيمن يسلطنون، فمنهم من يقول: "نسلطن سيدى حسين"، ومنهم من يقول "لا، معي ما تسلطن حسين يقتلنا عن آخرنا"، وكثر القال والقيل بين الأمراء، وأقامت القاهرة بغير سلطان يومين، والناس يدعون إلى الله تعالى بإصلاح أحوال المسلمين.
ثم في اليوم الثالث وقع الاختيار بين الأمراء على أن يولوا سيدي حسن بن الملك الناصر محمد بن قلاون، فطلبوه من دور الحرم، وسلطئوه بعد خلف كثير.
стр. 174
ذكر سلطنة الملك الناصر أبي المحاسن حسن ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون (١)
وهو التاسع عشر من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو السابع من أولاد الناصر محمد بن قلاون تولى الملك وله من العمر ثلاث عشرة سنة، وكان مولده في سنة ست وثلاثين وسبعمائة.
تسلطن بعد قتل المظفر حاجي، في يوم الثلاثاء رابع عشر شهر رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، فأركبوه من باب الستارة إلى الأيوان، وهو بخلعة السلطنة، قيل: كان اسم السلطان حسن قماري، فلما أرادوا أن يسلطئوه، فقال للأمراء: "أنا ما اسمى إلا حسن"، فقال الأمراء: "على بركة الله"، فلما سلطئوه دقت الكوسات، ونودي باسمه في القاهرة، وضج الناس له الدعاء.
فلما جلس على سرير الملك، وتم أمره في السلطنة، أخلع على الأمير بيبغا أروس واستقر به نائب السلطنة بمصر عوضا عن أرقطاي؛ وأخلع على أرقطاي واستقر نائب حلب؛ وأخلع على الأمير أرغون شاه واستقر به نائب الشام؛ وأخلع على الأمير منجك اليوسفي واستقر به وزيرا وأستادرا؛ وأخلع على جماعة كثيرة من الأمراء، واستقر كل واحد منهم في وظيفة من الوظائف، وفرق الإقطاعات على المماليك السلطانية، وأرضى سائر الرعية.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وسبعمائة، فيها: ركب الأمراء ونزلوا إلى بحر النيل، وكان قد نشف مما يلي بر، مصر، فأتفق رأي الأمراء على أن يسدوا البحر مما يلي بر الجيزة، فرسم الأمراء للأمير منجك اليوسفي الوزير بأن يتولى أمر ذلك، فأرمى على كل دكان بمصر والقاهرة درهمين، وكتبوا مراسيم شريفة إلى الولاة والكشاف، بأن يأخذوا على كل نخلة في البلاد درهم، فجمع من ذلك أموالا عظيمة.
стр. 175
فأخذ الأمير منجك ذلك المال، واشترى منه مراكب، وملاهم حجارة وطين وأخشاب، وغرقهم في بحر الجيزة، فلم يفد من ذلك أشياء، فغضب الأمراء على منجك ومسكوه؛ بسبب ذلك أنه جمع من البلاد ومن القاهرة مالا جزيلا، وضيعه في البطال، [٦٥/ ١] ولم يحصل بذلك نفع للمسلمين (١).
وفيها: أخلع على الأمير جبعا واستقر نائب طرابلس؛ وأخلع على الأمير أحمد شاد الشربخاناه واستقر نائب صفد.
وفيها: كان الفناء الذي أفنى العباد، وأخرب البلاد، وكان هذا الطاعون عاما في سائر الأرض، حتى قيل: كان يخرج من القاهرة في كل يوم أكثر من عشرين ألف جنازة، وأحصى بعض الناس ما يخرج من أبواب القاهرة من الجنائز، فبلغ عدتهم في شهر شعبان ورمضان تسعمائة ألف إنسان، ولم يسمع بمثل هذا الطاعون، فيما تقدم.
فإن الطواعين المشهورة في الإسلام خمسة (٢)، وهم: طاعون شيرويه (٣).
وطاعون عمواس (٤): كان في زمن عمر بن الخطاب فوقع بالبلاد الشامية.
والطاعون الجارف: كان في زمن عبد الله بن الزبير في سنة سبع وستين من الهجرة، فقيل: مات فيه في ثلاثة أيام في كل يوم سبعين ألفا، وقيل: مات فيه لأنس بن مالك ﵁، ثلاثة وثمانون ولدا، وقيل: ثلاثة وسبعون ولدا في ثلاثة أيام، وقيل: رزق من صلبه مائة ولد.
وطاعون الفتيات، قيل: أنه ابتدأ بالعذاري والجواري، وكان قوة عمله بالبصرة وواسط، ومشى إلى البلاد الشامية.
وطاعون جاء في سنة إحدى وثلاثين ومائة، فمات فيه ألف ألف وستمائة ألف وخمسون ألف إنسان، ومات فيه المغيرة بن شعبة.
стр. 176
فهذه الخمسة طواعين المشهورة التي جاءت في صدر الإسلام؛ ولكن لم يسمع بمثل هذا الطاعون الذي جاء في سنة تسع وأربعين وسبعمائة لأنه عم البلاد قاطبة، ومات فيه من الناس ما لا يحصى عددهم من مسلم وكافر.
وكان قوة عمله في بلاد الفرنج؛ وأقام دائرا في الأرض مدة سنين (١) حتى عدمت جميع البضائع، لقلة الجلاب، وبلغت الراوية الماء أكثر من عشرة دراهم، وبلغ طحين الأردب الدقيق خمسة عشر درهما، وجاء عقيب ذلك الفناء غلاء عظيم، حتى أبيع فيه كل وئية قمح بمائتين درهم.
وكان هذا الطاعون قد زاد على ما قبله من الطواعين، لأنه وقع أيضا في القطط والكلاب، حتى في الطيور والوحوش، ولقد شاهدوا منهم أشياء كثيرة، وهي مطروحة في البراري، وتحت إباطها الطواعين، وكذلك الخيل والحمير والبهائم، وفي ذلك يقول الصلاح الصفدي:
لما افترست صحابي … يا عام تسع وأربعينا
ما كنت والله تسعا … بل كنت سبعا يقينا (٢)
وقوله أيضا:
لا تثق بالحياة طرفة عين … في زمان طاعونه مستطير
فكأن القبور شعلة شمع … والبرايا لها فراش تطير (٣)
وقال المعمار:
قبح الطاعون داء … فقدت فيه الأحبة
بيعت الأنفس فيه … كل إنسان بحبة (٤)
وقال الشيخ زين الدين ابن الوردي، ﵀ عليه:
يقولون شم الخل في زمن الوبا … وفاقا لما قال الأطباء يا خلي
فإن قلت للطاعون تسطو على الورى … يقول نعم … أسطو وأنفك في الخل (٥)
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي أيضا، رحمه الله تعالي:
стр. 177
دارت من الطاعون كأس الفنا … فالنفس من سكرته طافحة
قد خالف الشرع وأحكامه … لأنه يثبت بالرائحة (١)
ثم دخلت سنة خمسين وسبعمائة، فيها: جاءت الأخبار بأن أرغون شاه نائب الشام قتل في الليل؛ وسبب ذلك أن الأمير [١/ ٦٦] جبعا نائب طرابلس دخل إلى دمشق في طائفة من الأمراء والمماليك، وكان أرغون شاه نائب الشام مقيما بالقصر الأبلق الذي بالشام، هو وعياله، فدخل عليه الجبعا وهو نائم، وقبض عليه وقيده، وسجنه.
فلما أصبح الصباح اجتمع أمراء دمشق، وقالوا للجبغا "لايش فعلت هذا"، فأخرج لهم كتاب السلطان بمسك أرغون شاه، فعند ذلك سكتوا، ثم إن الجبغا أحتاط على موجود أرغون شاه جميعه.
فلما كان ثاني ليلة وهي ليلة الجمعة رابع عشرين ربيع الأول (٢) وجدوا أرغون شاه مدبوحا، وهو في السجن، فأثبت الجبعا محضرا، بأن أرغون شاه ذبح نفسه بيده.
فعند ذلك وقع بين جيش دمشق وبين الجبعا بسبب ذلك، فركبوا على الجبغا، وأنكروا عليه في الكتاب الذي كان معه من عند السلطان، وكان الجبعا أظهر كتاب السلطان بقتل أرغون شاه، فتحاربوا هم والجبغا، ثم إن الجبغا أخذ ما أحتاط عليه من موجود أرغون شاه من أموال وحيول وغير ذلك، وتوجه إلى نحو المزة (٣)، فلم يتبعه أحد من عسكر الشام، وخافوا عقبا ذلك، ثم رحل الجبغا إلى طرابلس.
ثم إن أمراء دمشق كاتبوا السلطان بما جرى من الجبعا في حق نائب الشام، وأرسلوا ذلك الكتاب على يد بريدي، فتوجه إلى القاهرة، فلما بلغ السلطان أنكره، وعاد الجواب مع البريدي، بأن ليس عند السلطان من ذلك علم بما وقع من الجبعا، وأن الكتاب الذي أظهره الجبعا مفتعل عن السلطان.
ثم رسم السلطان لعسكر دمشق بأن يمشوا على الجبعا حيث كان ويقتلوه، فعند ذلك خرجوا إليه عساكر دمشق في العشر الأول من ربيع الآخر، ولا زالوا
стр. 178
خلفه حتى قبضوا عليه، وعلى من كان معه من أمراء طرابلس، ودخلوا بهم إلى الشام، وكان يوما مشهودا بدمشق، ثم إن عسكر دمشق وسطوا الجبغا وايان الحاجب في سوق الخيل بدمشق، وعلقا على الخشب فمكثا أياما ثم أنزلا ودفنا.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، فيها: أخرج السلطان تجريدة إلى البلاد الشامية والحلبية، فظفروا بشخص من التتار يسمى ابن هندوا، وكان قد ملك مدينة سنجار (١)، فحاصروه، فطلب منهم الأمان، ثم رجع العسكر وهم سالمون.
وفيها: رشد الملك الناصر حسن، وقبض على جماعة من الأمراء، منهم: بيبغا أورس، ومنجك اليوسفي.
وفيها: كانت وقعة بمكة في منى بين الأمير طاز وبين الملك المجاهد صاحب اليمن، فأنه حج في تلك السنة، فحصل بينه وبين الأمير طاز وقعة صعبة، فانكسر الملك المجاهد، وقبض عليه الأمير طاز وقيده، وأحضره صحبته إلى الأبواب الشريفة.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، فيها: قدم الأمير طاز من الحجاز الشريف، وصحبته الملك المجاهد صاحب اليمن، فلما حضر بين يدي السلطان أطلقه، ورسم له بالعود إلى بلاده، وأرسل معه الأمير قشتمر المنصوري، فلما توجه صحبته إلى الينبع (٢)، فأراد الملك المجاهد أن يهرب من هناك، فقبض عليه الأمير قشتمر ورجع به إلى القاهرة، فقيد وأرسل إلى السجن بقلعة الكرك.
وفيها في يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخر وثب الأمراء على السلطان الملك الناصر حسن، ولبسوا آلة الحرب، وطلعوا إلى الرملة، ووقفوا تحت القلعة، وهم: الأمير طاز، والأمير بيبغا الشمسي، والأمير بيغرا [٦٧: أ] الناصري، فدكز الأمير طاز وطلع إلى القلعة، وهو راكب، ومعه بعض أمراء، فقبض على السلطان حسن، وسجنه بالقلعة داخل دور الحرم، فأقام بها إلى حين عودته إلى السلطنة، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.
стр. 179
فكانت مدة الملك الناصر حسن في السلطنة بالديار المصرية ثلاث سنين وتسعة أشهر، وهي السلطنة الأولى، ثم تولى من بعده أخيه صالح.
стр. 180
ذكر سلطنة الملك الصالح صلاح الدين صالح ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون (١)
وهو العشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الثامن من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان مولده بقلعة الجبل في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأمه خوند قطلو ملك بنت الأمير تنكز نائب الشام؛ تولى المملكة بعد خلع أخيه الناصر حسن في يوم الإثنين ثامن جمادى الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة.
فلما جلس على سرير الملك، وتم أمره في السلطنة، فصار الأمير طاز صاحب الحل والعقد، وليس للملك الصالح معه سوى مجرد الاسم فقط.
فوقع الخلف بين الأمراء، فوثب الأمير منكلى بغا الفخري والأمير مغلطاي على الأمير طاز، فلما ركبوا توجهوا إلى قبة النصر، فعند ذلك ركب السلطان الملك الصالح، ونزل من القلعة ومعه الأمير طاز وجماعة من الأمراء والخاصكية.
ونادى في القاهرة للعوام أى من وجدوه من مماليك منكلي بغا الفخري، ومغلطاي يقتلوه فقتل في ذلك اليوم جماعة كثيرة من المماليك.
ثم زحف السلطان والأمير طاز إلى نحو الأمراء، فتقاتلوا (٢) عند خليج الزعفران، فوقع بينهم وقعة عظيمة، فانكسر الأمير منكلي بغا الفخري و مغلطاي، ومسكا في ذلك اليوم، فحبسا في خزانة شمايل، ورجع السلطان والأمير طاز إلى القلعة.
ثم إن السلطان أرسل بالإفراج عن الأمير شيخوا العمري، والأمير منجك اليوسفي، فأحضروا من ثغر الإسكندرية، وطلعوا إلى القلعة، فأنعم على شيخوا