← История

История · id 30069

عقود الجمان في وقائع الأزمان

ابن إياس

Полный текст (553 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

أتاك على يدك (١) الموت لما … ظهرت بما نهاك الشرع عنه فلا تعتب سواك على الذي قد … بليت به فدود الخل منه (٢) وقال آخر: بدا شقاء يلبغا وعدت … عداه في سفنه إليه والكبش لم يفده وأضحت … تنوح غربانه عليه (٣) وقال آخر: حواشى يلبغا كانوا زناة … فلا تعجب إذا رجموا جهارا ولا عجب إذا سكروا بحرب … فأهل الكبش ما برحوا سكارى (٤) وكانت قتلة الأتابكي يلبغا في ليلة الأحد تاسع ربيع الآخر من سنة ثمان وستين وسبعمائة. وكان أميرا جليلا مليا، عالي الهمة، نفاذ الكلمة، صاحب الحل والعقد بالديار المصرية ليس على يده فيما يأمر به، وكان الملك الأشرف شعبان في يد يلبغا مثل اللولب يدوره كيف شاء. وكان يلبغا سيئ الخلق، جري اليد سفاحا للدماء قتل جماعة كثيرة من مماليكه ومن الأمراء ولا سيما قتله للسلطان حسن وهو أستاذه، وقد رقاه في أيامه، كما تقدم. وقيل: أنه غضب يوما على سابق الدين مثقال مقدم المماليك فضربه في وسط القصر الكبير ستمائة عصاه (٥)، وكان قرب موته زاد في الأذى والظلم في حق الناس لكنه كان أميرا زائد الشهامة والعظمة. قيل: بلغت عدة مماليكه نحو ألفين وخمسمائة مملوك (٦)، وكان منهم أربعة أمراء مقدمين ألوف غير العشراوات، وإليه ينتسب الطرز الذهب العريض الطويل، فيقال: طرز" يلبغاوي"، وإليه تنتسب الصحون الكبار، فيقال: "صحون يلبغاوية".

стр. 212

قيل: كان ضريبة كل صحن عشرة أرطال لحم، وإليه تنتسب أشياء كثيرة غير ذلك، وكان ماشيا على نظام ما لا مشاعليه أحد من الأمراء قبله ولا بعده، وعاش في أرغد عيش وفي سعة من المال، وعظم الجاه، كما يقال في المعنى: خذ من زمانك ما أعطاك معتنما … وأنت ناه لهذا الدهر أمره فالعمر كالكأس تستخلى أوائله … لكنه ربما مجت أواخره (١) فلما قتل يلبغا أصبح الأمراء وطلعوا إلى القلعة، وقبضوا على جماعة من الأمراء، وهم: قرابغا البدري، ويعقوب شاه، وطيبغا العلائي حاجب الحجاب، وقبضوا على جماعة من الأمراء الطبلخانات، فقيدوا الجميع وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وصار المتحدث في أمور المملكة الأمير طغيتمر النظامي، والأمير اقبعا الأحمدي الجلب. ثم عمل السلطان الموكب وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير قشتمر المنصوري واستقر حاجب الحجاب عوضا عن طيبغا العلائي، وأخلع على الأمير أيدمر الشامي واستقر دوادار كبير، وأضيف إليه نظر الأحباس، وهو أول من تكلم في الأحباس من الدوادارية. وفيها: مسك الصاحب فخر الدين بن قروبنة وتسلمه الأمير قرابغا الصرغتمشي، فصار يعاقبه وأحرق أصابعه بالنار ولا زال يعاقبه حتى مات تحت الضرب. وفيها: في يوم الخميس سادس عشر رجب أثار بعض الأمراء فتنة، وركب وطلع إلى الرملة، فنزل إليهم جماعة من المماليك السلطانية، فكسروهم ومسك الأمير قرابغا الصرغتمشي، والأمير [تغري] (٢) برمش العلائي، والأمير أينبك البدري، والأمير إسحق (٣) الرجبي، والأمير قرابغا العزي، والأمير مقبل الرومي، فقيدوا وأرسلوا إلى السجن بثغر الإسكندرية.

стр. 213

فلما جرى ذلك ركب جميع الأمراء على السلطان فنزل إلى الحراقة، ودقت الكوسات حربى، ووقف الأمراء بسوق الخيل، فأرسل السلطان يقول للأمراء: "إيش قصد كم"، فقالوا: "مسك" الأمير أسندمر الناصري وجماعة من مماليك يلبغا". وكان الأمير أسندمر لما قتل يلبغا استقر أتابك العساكر عوضا عن يلبغا العمري، وسكن في بيته الذي في الكبش، والتف عليه جماعة من مماليك يلبغا وأراد ان يمشي على طريقة يلبغا. فلما ركب الأمراء ووقفوا بسوق الخيل، فلم يشعروا إلا والأمير أسندمر قد أقبل من نحو قبة الهوى، ووصل إلى تحت الطبلخاناة السلطانية، ومعه مماليك يلبغا وجماعة من الزعر بأيدهم المقالع، فلما رأوه الأمراء الذي (١) في سوق الخيل هربوا من وجهه بأجمعهم، ولم يثبت في الوقوف من الأمراء سوى الأمير الجاي اليوسفي (٢)، والأمير أرغون شاه [ططر] (٣)، فصاروا يتقعوا مع الأمير أسندمر، وممالك يلبغا إلى بعد الظهر، فلم يساعدهما أحد من الأمراء، ولم يطلع إلى الرملة منهم واحد، فعند ذلك هرب الأمير الجاي اليوسفي، والأمير أرغون شاه تتر، وانكسرا وانتصر عليهما الأمير أسندمر ومماليك يلبغا. ثم إن الأمير أسندمر قبض على جماعة من الأمراء، وهم: الأمير أيدمر الشامي الدوادار، والجاي اليوسفي، وقطلوبغا جركس أمير سلاح، وأرغون شاه ططر (٤)، وطغيتمر (٥) النظامي، وقجماس الطازي، وأقطاي اليلبغاوي، وأقبغا الأحمدي (٦)، وجماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، فقيدوا وأرسلوا إلى السجن بثغر الإسكندرية.

стр. 214

فكان عدة من مسك في هذه الحركة من الأمراء المقدمين ثمانية (١)، ومن الأمراء الطبلخانات والعشراوات تسعة (٢)، ولما انتصر أسندمر الناصري هذه النصرة العظيمة لم يخلع الملك الأشرف شعبان من السلطنة بل أبقاه على حاله. تم عمل السلطان الموكب وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي أسندمر الناصري واستقر أتابك العساكر على عادته، وأخلع على المقر السيفي أزدمر العمري الناصر الشهير بالخازندار واستقر أمير سلاح وقد تقدم أنه تولى نائب حلب، ثم رسم بإحضاره، فلما حضر أخلع عليه واستقر أمير سلاح بالديار المصرية عوضا عن قطلوبغا جركس. وأردمر العمري هذا هو جد والد مؤلف هذا التاريخ، وكان جد والده لأمة، وكان الأمير أزدمر أميرا دينا، خيرا، له بر ومعروف، وأثار فمن ذلك أنه أنشأ حوضا وسبيلا في قرية جلمة بني سعد من أعمال قاقون، وأنشأ خانا بالقرب من حلب يسمى خان سراقب، وجعله للسبيل، وله أوقاف على الحرمين الشريفين، وكان كثير البر والصدقات ناظرا إلى فعل الخير وحب الثواب تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه. وأخلع علي الأمير جركتمر المنجكي واستقر أمير مجلس، وأخلع على الأمير الطنبغا اليلبغاوي واستقر رأس نوبة النوب، وأخلع على الأمير بيرم العزي طقطاي واستقر دوادار كبير عوضا عن أيدمر الشامي، وأخلع على قطلقتمر العلائي واستقر أمير جاندار، وأخلع على سلطان شاه بن قرا واستقر حاجب ثاني (٣)، وأنعم السلطان على جماعة كثيرة من المماليك بأمريات طبلخاناه وعشراوات عوضا عمن مسك في هذه الحركة، ونفى إلى السجن بثغر الإسكندرية، كما تقدم. وفي أثناء هذه السنة كانت وفاة الشيخ جمال الدين محمد بن نباته المصري، وهو صاحب الأشعار اللطيفة، الذي فاق بها على من تقدمه من الشعراء، وكان

стр. 215

مولده في سنة ست وثمانين وستمائة، ووفاته في سنة ثمان وستين وسبعمائة، فكانت مدة حياته اثنتين وثمانين سنة، ومن شعره لنفسه، وهو قوله: أصغ لما قال أخو وقتكم … وخل عنك اليوم ما قيلا واسمع مقاطيعا له أطربت … ولا تقل إلا مواصيلا (١) ثم دخلت سنة تسع وستين وسبعمائة، فيها: جاء الفرنج إلى مدينة إياس، وحاصروا قلعتها، وكان الفرنج في مائة (٢) قطعة من المراكب الحربية، فخرج إليهم الأمير منكلى بغا الشمسي نائب حلب، وصحبته العساكر الحلبية، فلما سمعوا الفرنج بقدوم نائب حلب رحلوا من قلعة إياس، وتوجهوا إلى طرابلس، وكانوا ثلاثة ملوك من ملوك الفرنج: صاحب قبرس، و صاحب رودس، وصاحب الأسيتار (٣). وكان نائب طرابلس غائبا عن المدينة فأغتنموا الفرنج هذه الغفلة، ونزلوا إلى ساحل طرابلس، فخرج إليهم بعض عسكر، فاتقعوا معهم فانكسروا عسكر طرابلس، ودخل الفرنج إلى البلد، ونهبوا أسواقها، وقتلوا بها جماعة من المسلمين نحو أربعين رجلا، ثم تسامعوا بذلك أهل البلاد فتحابوا وجاءوا إلى طرابلس، واتقعوا مع الفرنج وقعة عظيمة فقتل من الفرنج نحو ألف فارس، وانكسروا ورجعوا إلى بلادهم خائبين. وفي أواخر هذه السنة: هجم الوباء على الديار المصرية، وأقام نحو أربعة أشهر، فكان يخرج من أبواب القاهرة في كل يوم "عشرة آلاف" (٤) جنازة، فكان الأمر كما قال القائل:

стр. 216

تروعنا الجنائز مقبلات … وتلهو حين تتعرض (١) مدبرات كروعة ظبية صدفت لذنب (٢) … فلما غاب عادت راتعات (٣) ثم دخلت سنة سبعين وسبعمائة، فيها في يوم الجمعة سادس شهر صفر بعد صلاة الجمعة ركب مماليك يلبغا ومعهم جماعة من الأمراء، ثم دخلوا إلى بيت الأتابكي أسندمر الناصري، فقال لهم: "إيش قصدكم"، فقالوا: "أمسكوا خمسة من الأمراء، وأنفواهم، وإلا نقتلهم"، فقال لهم أسندمر: "ومن هؤلاء الأمراء الذين تمسكونهم"، فقالوا: "أزدمر العمري أمير سلاح، وبيرم العزي أمير دوادار، وجر كتمر المنجكي أمير مجلس، وبيبغا القوصوني أمير أخور كبير، وكبك الصرغتمشي الجوكندار"، فمسكهم أسندمر الناصري، وقيدهم وأرسلهم الى السجن بثغر الإسكندرية (٤). وأما الأمير أزدمر العمري الخازندار، فقيدوه وأرسلوه إلى السجن بقلعة الصبيبة، فأقام في السجن إلى سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، فرسم له بالإفراج، فلما قصد التوجه إلى نحو القاهرة فمرض في أثناء الطريق، فدخل إلى القاهرة وهو مريض، فأقام مدة يسيرة، ومات في أوائل سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، ودفن في القرافة الصغرى بالقرب من زاوية الشيخ أبي العباس البصير، رحمة الله عليه (٥). ثم إن مماليك يلبغا استمروا على ما هم عليه في لبسهم آلة الحرب، وعظم الفساد، فلما أصبحوا يوم السبت قالوا للأتابكي أسندمر الناصري: "اخلع السلطان الملك الأشرف شعبان، وولي غيره". فلما بلغ السلطان ذلك نزل إلى الأسطبل السلطاني، وجلس بالمقعد المطل على الرملة، وعلق الصجنق (٦)، ودقت الكوسات حربي، وركبوا المماليك السلطانيه

стр. 217

وجماعة من الأمراء المقدمين والطبلخانات والعشراوات، واجتمع معهم السواد الأعظم من العوام والزعر. وكان مماليك يلبغا قد طغوا وتنمردوا، وصاروا يأخذون نساء الناس من الحمامات، وينهبون أموال التجار من الدكاكين، فبغضوهم الناس قاطبة. فلما ركبوا على السلطان تعصب عليه الناس أجمعين، فتوجه مماليك يلبغا إلى بيت الأتابكي أسندمر، وركبوه بالغصب وتوجهوا به من وراء القلعة ومعه جماعة من الأمراء، ثم زحفوا تحت الطبلخاناه السلطانية، فلاقتهم الزعر والعوام بالحجارة والمقاليع، فألقى الله تعالى في قلوب مماليك يلبغا الرعب فولوا مدبرين، وانكسروا كسرة قوية، وهرب أسندمر الناصري، وكان يظن أنه ينتصر كما وقع له قبل ذلك، فلم يكن بعد ساعة إلا وقد مسك الأتابكي أسندمر وجماعة كثيرة من مماليك يلبغا، وصار العوام كل من مسكوه من مماليك يلبغا يقتلوه. ثم احضروا أسندمر إلى بين يدي السلطان الملك الأشرف شعبان، فأراد ان يقيده ويرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، فشفع فيه الأمراء، وعرفوا السلطان أنه مقهور مع مماليك يلبغا، ولا يقدر على ردهم، فأطلقه السلطان، ورسم له بان يكون أتابكا على عادته، ورسم له بأن ينزل إلى بيته، وأرسل معه الأمير خليل بن قوصون أمير مجلس، وكان الأمير خليل ابن عمة السلطان الملك الأشرف شعبان. فلما نزل مع الأتابكي أسندمر إلى بيته في صورة أنه مرسم عليه حتى تخمد هذه الفتنة، فتحالفا وتعاهدا على المخامرة على السلطان، واجتمع عند الأتابكي أسندمر في تلك الليلة جماعة من الأمراء ومن مماليك يلبغا. فلما كان يوم الإثنين ثامن عشر صفر من السنة المذكورة ركب الأتابكي أسندمر والأمير خليل بن قوصون وجماعة من الأمراء، وطلعوا إلى الرملة ووقفوا بسوق الخيل، فنزل السلطان إلى المقعد المطل على الرملة، وعلق الصنجق، ودقت الكوسات حربي، فحصل في ذلك اليوم وقعة عظيمة بين السلطان وبين الأتابكي أسندمر، فانكسر أسندمر والأمير خليل بن قوصون، وهربا فنهب العوام بيوت من انكسر من الأمراء، وصاروا يمسكون مماليك يلبغا أولا بأول، ويودعوهم في الحبوس، ثم مسكوا الأتابكي أسندمر، والأمير

стр. 218

خليل بن قوصون، والأمير الطنبغا اليلبغاوي، وجماعة كثيرة من الأمراء ممن كان من عصبه أسندمر. ثم إن السلطان قيدهم أجمعين، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وأما مماليك يلبغا فأكثرهم قتل، وعرقوا منهم جماعة، وهرب إلى بلاد الشرق منهم جماعة، وانتصر عليهم الملك الأشرف شعبان هذه النصرة العظيمة، وفي ذلك يقول إبراهيم المعمار: سلطاننا دامت له عزة … ونصرة من أجل هاتين دمر كبشين ومن سعده … ما انتطحت في ذاك شاتين (١) وقال الشيخ شهاب الدين بن العطار (٢): هلال شعبان جهرا لاح في صفر … بالنصر حتى أرى عيدا بشعبان وأهل كيش كأهل الفيل قد أخذوا … رجما وما انتطحت في الكبش عنزان (٣) ثم إن السلطان رسم بالإفراج عن من يذكر من الإمراء، وهم: ألجاي اليوسفي، وأيدمر الخطاي، وجماعة من الأمراء ممن كان مسجونا. ثم عمل السلطان الموكب وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي يلبغا آص المنصوري واستقر أتابك العساكر عوضا عن أسندمر الناصري، وأخلع على المقر السيفي الجاي اليوسفي واستقر أمير سلاح عوضا عن الأمير أزدمر العمري، وأنعم على الأمير أيدمر الخطاي بتقدمة ألف. ثم بعد أيام بلغ السلطان أن الأتابكي يلبغا اص اتفق معه جماعة من المماليك السلطانية بأن يركبوا على السلطان، فلما تحقق السلطان ذلك قبض على الأتابكي يلبغا آص وعلى الأمير تلكتمر المحمدي، وقيدهما وأرسلهما إلى السجن بثغر الإسكندرية، وفي ذلك يقول الشهاب بن العطار:

стр. 219

يلبغا آص تولى جمعة … فبغى واختار حربا وادعى ويح من جاء لحكم زائرا … ثم ما سلم حتى ودعا (١) ثم إن السلطان أرسل خلف المقر السيفي منكلي بغا الشمسي نائب حلب فلما حضر إلى الأبواب الشريفة، أخلع عليه واستقر أتابك العساكر عوضا عن يلبغا، آص، وأرسل خلف الأمير علي المارديني نائب دمشق، فلما حضر أخلع عليه واستقر نائب السلطنة بالديار المصرية، وأنعم على جماعة كثيرة من الأمراء بتقادم ألوف، وعلى جماعة بطبلخانات وعشراوات. وفي هذه السنة: توفي الملك المنصور غازي صاحب ماردين، وتولى بعده ولده الملك الصالح محمود. وفي هذه السنة وهي سنة سبعين وسبعمائة، فيها: ظهر بالشام جراد عظيم لم يسمع بمثله، وكان قد أتى من مكة، فكثر حتى أكل الاشجار وأخشاب السقوف والأبواب، وما وصل إليه من الأمتعة، وسدت الناس أعين الماء خوفا من الجراد أن يفسدها، وكان معظم أمره في حوران وعجلون من قرى الشام، حتى قيل: حضر الناس إلى صلاة الجمعة فملاء الجراد صحن الجامع، وترمي على الخطيب وهو فوق المنبر حتى شغله عن الخطبة، ثم كثر حتى جافت منه القرى والبلدان، فصار الناس يشمون القطران من تلك الرائحة الكرهة، ثم تناقص وارتفع. ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، فيها: أخلع على الأمير قشتمر المنصوري واستقر نائب حلب (٢). وفيها: استقر الأمير منحك اليوسفي نايب الشام، وحضر بعد مدة إلى الأبواب الشريفة، وصحبته التقادم والهدايا (٣). وفيها: أخلع على الأمير آل كز الكشلاوي واستقر وزيرا واستادارا (٤).

стр. 220

وفيها: عدي السلطان الملك الأشرف شعبان إلى بر الجيزة على سبيل التنرة، ونزل عند الأهرام، وأقام هناك سبعة أيام، ثم رحل من هناك وتوجه إلى البحيرة ثم رحل منها وتوجه إلى ثغر الإسكندرية، وكان أيام النيل فحصلت للناس مشقة عظيمة من المخائض، فلما دخل إلى ثغر الإسكندرية دخل من باب رشيد، والأمراء بين يديه من باب رشيد إلى باب البحر، وفرشت له الشقق الحرير تحت حافر فرسة، وكان له يوم مشهود فأقام هناك ثلاثة أيام وتوجه إلى نحو الديار المصرية (١). وفيها: في يوم الأربعاء وقف العوام تحت القلعة، ومنعوا من يطلع إليها، ثم أرسلوا يقولون للسلطان: "سلمنا بكتمر الشريف والي القاهرة وعلائي الدين ابن كلبك شاد الدواوين"، فوقفوا تحت القلعة إلى بعد العصر، وكلما ينزل إليهم الأوجاقية يقولون لهم: "أرجعوا فيأبوا من الرجوع"، فرسم السلطان للمماليك بأن ينزلوا إليهم فنزلوا إليهم وأرموا عليهم بالنشاب، ومسكوا منهم جماعة ووضعوهم في الحبوس، وقتل منهم جماعة، وفر الباقون، ثم في ثاني يوم نادي السلطان للعوام بالأمان والاطمان (٢). وعزل عنهم بكتمر الشريف والي القاهرة وولي الأمير حسين بن الكوراني واستمر والي القاهرة (٣). وفيها جاءت الأخبار بأن نائب حلب قشتمر المنصوري قد قتل، هو وولده محمد، وسبب ذلك أن حيار أمير آل فضل وولده نعير حصل بينهما وبين نائب حلب وقعة عظيمة، وقتل فيها جماعة من عسكر حلب، فقتل نائب حلب وولده في تلك المعركة، ثم إن السلطان أخلع على الأمير عشقتمر المارديني واستقر به نائب حلب عوضا عن قشتمر المنصوري، وأرسل خلعة إلى الأمير زامل بأن يكون عوضا عن حيار بن مهنا ورحل آل فضل. (٤)

стр. 221

وفي أواخر هذه السنة: أنعم السلطان على الأمير بشتاك العمري الناصري بتقدمة ألف، وكذلك الأمير بهادر الجمالي، وجماعة من الأمراء غير ذلك، وأنعم على جماعة من الأمراء بطبلخانات وعشراوات (١). وفي هذه السنة: حجت خوند بركة والدة السلطان الملك الأشرف شعبان، فخرجت من القاهرة في تجمل زائد، وصحبتها من الكوسات والعصائب السلطانية، وحج صحبتها من الأمراء: الأمير بشتاك العمري رأس نوبة النوب، والأمير بهادر الجمالي، ومائة مملوك من المماليك السلطانية، وسافرت في أجمل هيئة. (٢) ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة، فيها: في سادس عشر المحرم حضرت خوند والدة السلطان من الحجاز الشريف فخرج السلطان إليها وتلقاها من البويب (٣)، وكان لها يوم مشهود. (٤) وفيها: توفي الأمير علي المارديني الناصري نائب السلطنة بمصر، وكان أميرا دينا خيرا، منقادا إلى الشرع، قريبا من الناس، باشر نيابة دمشق، ونيابة حلب، ونيابة السلطنة بمصر، ومات والناس راضية عنه، ولما مات أخلع السلطان على الأمير طشتمر العلائي واستقر نائب السلطنة بمصر. (٥) ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان الملك الأشرف شعبان للسادة الأشراف بالديار المصرية والبلاد الشامية بأن يجعلوا في

стр. 222

عمائمهم شطفات خضر ليتميزوا عن غيرهم وتعظيما لقدرهم (١)، وفي ذلك يقول الشيخ شهاب الدين بن جابر الأندلسي (٢): جعلوا لأبناء الرسول علامة … إن العلامة شأن من لم يشهر نور النبوة في كريم وجوههم … يغني الشريف عن الطراز الأخضر (٣) وقال الشيخ بدر الدين حسن بن حبيب: عمائم الأشراف قد تميزت … بخضرة رقت وراقت منظرا وهذه إشارة أن لهم … فى جنة الخلد لباسا أخضرا (٤) وقال الشيخ شمس الدين بن المزين الدمشقي أطراف تيجان أتت من سندس … خضر كأعلام على الأشراف والأشرف السلطان خصصهم (٥) بها … شرفا ليعرفهم من الأطراف (٦) وقال الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة التلمساني: لآل رسول الله جاه ورفعة … بها رفعت عنا جميع النوائب وقد أصبحوا مثل الملوك برنكهم … إذا ما بدوا للناس تحت العصائب (٧) وفيها: عزل السلطان قاضي القضاة بهائي الدين السبكي الشافعي، وأخلع على الخطيب برهان الدين ابن جماعة خطيب القدس واستقر به قاضي القضاة

стр. 223

الشافعية بالديار المصرية، وبرهان الدين هذا هو ابن أخي قاضي القضاة عز الدين ابن جماعة. (١) ثم دخلت سنة أربع وسبعين وسبعمائة، فيها: توفي الأتابكي منكلي بغا الشمسي، فأخلع السلطان على المقر السيفي الجاي اليوسفي، واستقر أتابك العساكر بمصر عوضا عن منكلي بغا الشمسي. وفيها: أنعم السلطان على ولده الأمير علي بتقدمة ألف. وفيها: توفيت خوند والدة السلطان الملك الأشرف شعبان، وكانت متزوجة بالمقرالأتابكي الجاي اليوسفي. وكانت دينة خيرة، ولها بر ومعروف، كثيرة البر والصدقات، ومن أفعالها الحسنة أنها أنشأت مدرسة بالتبانة (٢)، ورتبت بها دروس للمذاهب الأربعة، ومكتبا للأيتام، وحوضا للسبيل، وجعلت لذلك أوقافا كثيرة. ولما ماتت دفنت بهذه المدرسة، فحزن عليها السلطان الملك الأشرف حزنا شديدا؛ لأنه كان يحبها ولا يخالفها فيما تريد من أمور المملكة من الشفاعات وغيرها، ولما ماتت رتاها الأديب شهاب الدين ابن الأعرج السعدي (٣)، وهو قوله:

стр. 224

في ثاني العشرين من ذي القعدة (١) … كانت صبيحة موت أم الأشرف فالله يرحمها ويعظم أجره … ويكون في عاشور موت اليوسفي (٢) فكان القال بالمنطق. ثم دخلت سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فيها: في يوم الثلاثاء سادس المحرم وثب الأتابكي الجاي اليوسفي على السلطان، ولبس آلة الحرب، وطلع هو ومماليكه إلى الرملة، وسبب ذلك أنه قد حصل بينه وبين الملك الأشرف شعبان تشاجر؛ بسبب ميراث والدة السلطان، فحنق منه ألجاي، وركب وأظهر المخامرة على السلطان. فلما تحقق السلطان مخامرته، نادى للعسكر والأمراء بأن يركبوا علي الجاي، فركب العسكر جميعه وطلعوا إلى الرملة، واتقعوا مع الجاي إحدى عشر وجها؛ فانكسر الجاي وهرب إلى نحو بركة الحبش (٣)، ثم طلع من وراء الجبل الأحمر، ومضى إلى قبة النصر وأقام هناك، فأرسل السلطان خلفه فأبا أن يحضر، فأرسل إليه خلعة هناك بأن يستقر نائب حماه، فقال: " أنا أروح بشرط أن يكون بركي، وقماشي، ومماليكي معي "، فما أجابه السلطان إلى ذلك، وبات العسكر ليلة الخميس لابسين آلة الحرب، فهرب من مماليك الجاي في تلك الليلة جماعة وأتوا إلى عند السلطان. فلما أصبح الصباح رسم السلطان للأمراء والمماليك السلطانية بأن يتوجهوا إلى قبة النصر ويحاربوا ألجاي، فلما أقبل عليه العسكر هرب من وجههم، فساقوا خلفه إلى نحو قليوب، فأرمى نفسه بفرسه في البحر، فغرق الجاي وطلع الفرس من البر الغربي، ثم إن العسكر مسكوا جماعة من مماليك الجاي، وأحضروهم إلى القاهرة.

стр. 225

ثم إن السلطان أرسل الغطاسين غاصوا عليه إلى أن طلعوا به، فأحضروا له تابوت وأتوا به إلى القاهرة وذلك في يوم الجمعة تاسع المحرم سنة خمس وسبعين وسبعمائة، فلما حضر إلى القاهرة غسلوه، وكفنوه، وصلوا عليه، ودفنوه في جامعه الذي أنشأه في سويقة العزي (١). وكان الجاي أميرا جليلا مليا مهابا، كثير البر والصدقات، وكان زوج أم السلطان الملك الأشرف شعبان، ولو مسكة السلطان ما حصل له منه إلا كل خير. ثم إن السلطان أرسل أحضر الأمير أيدمر نائب طرابلس، فلما حضر إلى الأبواب الشريفة أخلع عليه السلطان واستقر به أتابك العساكر عوضا عن الجاي، فأقام مده يسيرة ومات بالقاهرة، فأرسل السلطان خلف المقر السيفي منجك اليوسفي نائب الشام، فلما حضر إلى الأبواب الشريفة أخلع عليه السلطان واستقر به نائب السلطنة وأتابك العساكر، وفوض إليه أمور المملكة جميعها، ورسم له بأن يخرج الأمريات بالشام، وأن يولي الولاة والكشاف بالديار المصرية (٢)، ورسم له بأن يخرج الإقطاعات من أربعمائة دينار إلى ستمائة، وكانت عادة النواب بمصر لا يخرجوا من الإقطاعات أكثر من أربعمائة دينار، وفيه يقول شهاب الدين ابن أبي حجلة من أبيات: أمنجك سل في الأعداء بترك … ولا تترك من الإفرنج بترك تداركت المعالي بالعوالي … ولكن فضل جودك ليس مدرك فجودك حول شاطي البحر بحري … فيا الله فيه ماء أبوك (٣) وقد أنست مصرا حين قالت (٤) … تولى الله حيث حللت نصرك (٥) وفيها: أخلع السلطان على مملوكه المقر السيفي أرغون شاه الأشرفي واستقر به رأس نوبة النوب.

стр. 226

وفيها: كان الغلاء بالديار المصرية، وسبب ذلك توقف النيل عند الوفاء، ونقص أصبعين، فخرج الناس قاطبة إلى الصحراء يستسقون، وذلك في يوم الخميس ثالث ربيع الآخر من السنة المذكورة، فخرج الناس إلى نحو قبة النصر، وأحضروا هناك منبرا، واجتمع القضاة، والفقراء، والمشايخ، وأعيان الناس من الأمراء وغيرهم، والخليفة، ولم ينزل السلطان، وكان الذي خطب خطبة الاستسقاء الشيخ شمس الدين بن القسطلاني خطيب جامع عمرو، فلما خطب ودعى كشف رأسه وحول رداءه، فكشفوا الناس رؤوسهم، واستغاثوا إلى الله تعالى بالدعاء، وكان يوما مشهودا تسكب فيه العبرات، فلم يزد النيل بعد ذلك شيئا (١)، وتزايد سعر القمح وجميع الغلات، وقد انتهى السعر من سبعين درهما كل أردب إلى مائة وعشرين (٢) درهما، وأشتد الأمر على الناس، وشرقت البلاد في تلك السنة، وقلت الأقوات. فرسم السلطان للأتابكي منجك بأن يجمع الحرافيش ويفرقهم على الأمراء المقدمين لكل أمير مقدم ألف مائة حرفوش، وعلى أعيان التجار ومساتير الناس لكل واحد بحسب مقامه وقدرته على ذلك، ثم إن السلطان نادى بأن كل من شحت من الحرافيش من بعد ذلك صلب من غير معاوده، ورسم السلطان بأن يعطوهم في كل يوم رطلين من الخبز وما يشاكل ذلك من الطعام. ثم دخلت سنة ست وسبعين وسبعمائة، فيها تناهي سعر الغلة إلى مائة وأربعين درهما كل أردب والشعير بثمانين درهما كل أردب، والخبز كل رطلين إلا ربع بدرهم، وصار أكثر الناس يأكلون خبز الفول والنخال، وأبيع اللحم الضان كل رطل بدرهمين ونصف، واللحم البقري كل رطل بدرهم ونصف، والراوية الماء بخمسة دراهم، ومات في تلك السنة أكثر الدواب من قلة العلف، وغلاء سائر البضائع في تلك السنة، حتى أتباع كل بطيخة صيفي بمائة درهم، وكل دجاجة بعشرة دراهم، وكل رمانة بستة عشر درهما، وجاء عقيب ذلك فناء عظيم وأوخام زائدة، وكان ذلك في شهر رمضان من السنة المذكورة (٣).

стр. 227

وفيها: جاءت الأخبار بفتح مدينة سيس، وكانت في أيدي الأرمن مدة طويلة، ففرح السلطان بذلك، وأمر بدق الكوسات ثلاثة أيام، وأحضر التكفور (١) صاحب سيس أسيرا إلى الأبواب الشريفة، فرسم السلطان باعتقاله ورتب له ما يكفيه، وفي فتح سيس يقول بعض الشعراء من أبيات: الملك الأشرف إقباله … تهدى له كل عزيز نفيس ساق إلى سوق العدى أدهما … وساعد الجيش على أخذ سيسن (٢) وفيها: جاءت الأخبار بأن القان أويس صاحب بغداد قد توفى إلى رحمة الله تعالى، وتولى بعده ابنه الأكبر شيخ حسين، وكانت مدة مملكة ألقان أويس على بغداد وتوريز (٣) تسع عشرة سنة. وفيها توفى المقر السيفي منجك اليوسفي نائب السلطنه بالديار المصرية وأتابك العساكر، وذلك في يوم الخميس تاسع عشرين ذي الحجة من السنة المذكورة، ومات وله من العمر نحو سبعين سنة، ودفن في خانقاته التي أنشأها تحت القلعة بالقرب من الصوة، وكان أميرا دينا خيرا، كثير البر والصدقات، وله آثار كثيرة بمصر والشام. ثم دخلت سنة سبع وسبعين وسبعمائة أقول وهذه السنة عزيزة الوقوع جدا، لم يتفق مثلها من مبتدأ الإسلام من سنين الهجرة النبوية، ولم يتفق أن يأتي مثلها من السنين القابلة، وذلك قد اجتمع فيها ثلاث سباع فهي سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وهذا غير ممكن أن يتفق مثلها مما يأتي من الأعوام القابلة وللعاقل في هذا نظر. ففيها: ختن السلطان الملك الأشرف شعبان أولاده، وأقام المهم عمال في القلعة سبعة أيام، وكان ذلك في تاسع المحرم.

стр. 228

وفيها: ابتداء السلطان بعمارة مدرسته (١) التي أنشأها في رأس الصوة (٢) تجاه الطبلخاناة السلطانية، وكان غالب الناس يتطيرون من حوادث هذه السنة، فلم يحصل فيها إلا كل خير. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فيها: أبطل السلطان ضمان المغاني من سائر مملكته واستمر ذلك إلى الآن، وهو جائز في صحيفته، وأبطل ضمان القراريط، وكان ذلك أن الشخص إذا أباع ملكا يوخذ منه لبيت المال عن كل ألف درهم عشرين درهما نقرة، فأبطل ذلك جميعه. وفيها: توعك جسد السلطان، وأقام أياما ثم شفي. وفيها: قوي عزم السلطان إلى السفر إلى الحجاز الشريف، فأشار عليه بعض الصلحاء بترك الحج في هذه السنة، فلم يسمع من أحد. فلما كان يوم السبت ثاني عشر شوال، خرج طلب السلطان، وأطلاب الأمراء المسافرين صحبته ومما اشتمل عليه طلب السلطان من الهجن عشرين قطار بقماش ذهب، وخمسة عشر قطار هجن بقماش حرير، وقطار هجن ملبسه خليفتي، وقطار هجن بقماش أبيض برسم الإحرام، ومائتين فرس ملبسه بركستوانات حرير ملون، وكجاوتين زركش، وتسع محفات بأعشية زركش، وستة وأربعين زوج محائر مخمل ملون، وقطارين جمال محملة أشجار مزهرة في طينهم في صناديق خشب، وغير ذلك من جمال محملة سكر، وحلوى، وفاكهة، وما أشبه ذلك (٣). ثم خرج السلطان في يوم الإثنين رابع عشر شوال، فلما نزل من القلعة توجه إلى سرياقوس، وأقام بها إلى يوم الثلاثاء ثاني عشرين شوال، ولما أقام السلطان بسرياقوس أخلع الشيخ ضياء الدين القنوي (٤) واستقر به شيخ مدرسته التي

стр. 229

أنشأها برأس الصوة، وقرر فيها حضورا من بعد العصر، وكانت هذه المدرسة من محاسن الدنيا في الزخرف والبناء، وقد هدمت هذه المدرسة في دولة الملك الناصر فرج بن برقوق. ثم إن السلطان رحل من سرياقوس وتوجه إلى بركة الحاج ونزل بها، وكان صحبته من الأمراء المقدمين تسعة، وهم المقر السيفي أرغون شاه الأشرفي أتابك العساكر، والمقر السيفي صرغتمش الأشرفي أمير سلاح، والمقر السيفي بيبغا السابقي أمير مجلس، والمقر السيفي بهادر الجمالي أمير خور كبير، والمقر السيفي صراي تمر المحمدي رأس نوبة النوب، والمقر السيفي طشتمر العلائي الدوادار، والأمير مبارك شاه الطازي، والأمير طلقتمر العلائي الطويل، والأمير بشتاك الكريمي، ومن الأمراء الطبلخاناة خمسة وعشرين أميرا، ومن الأمراء العشراوات خمسة عشر أميرا. ثم إن السلطان جعل المقر السيفي أقتمر عبد الغني نائب السلطنة مقيما بالقاهرة، وجعل الأمير أيدمر الشمسي نائب الغيبة، ورسم لنائب السلطنة، وسائر الأمراء المقيمين بالقاهرة بأن يطلعوا إلى القلعة في كل يوم أثنين وخميس ويعطوا الخدمة للأسياد أولاد السلطان، فصار الأمراء يجلسون على باب الستارة ويخرج إليهم ابن السلطان وهو الأمير علي، وكان أكبر أولاده، فيجلس الأمراء ساعة لطيفة على باب الستارة، ثم يقوم الأمير علي ولد السلطان ويقول بيده: "بسم الله"، فيقوم الأمراء وينصرفوا بعد أن يشربوا السكر. ثم إن السلطان رحل من بركة الحاج وقصد التوجه إلى الحجاز الشريف، وكان السلطان قد ضبط أمور المملكة قبل أن يخرج إلى الحجاز، وأخذ معه من الأمراء من كان يخشى أمره، وترك بالقاهرة من كان يركن إليه من الأمراء، وظن أن الوقت قد صفا له والأقدار تجرى بخلاف الاختيار، كما يقال في المعنى: إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول ما يجني عليه اجتهاده (١) فلما رحل السلطان من بركة الحاج رجع الأمراء المودعون له إلى بيوتهم، واستقر الأمر على ذلك.

стр. 230

فلما كان يوم السبت ثالث القعدة أتفق الأمير طشتمر المحمدي اللفاف أحد الأمراء العشراوات، والأمير قرطاي الطازي أحد رؤوس النوب، والأمير أسندمر الصرغتمشي، والأمير أينبك البدري أحد الأمراء الطبلخاناة، وجماعة من المماليك السلطانية، وجماعة مماليك الأسياد، وجماعة من مماليك الأمراء المسافرين صحبة السلطان، فلبسوا آلة الحرب في يوم السبت المذكور، وطلعوا إلى الرملة، ووقفوا ساعة، ثم طلعوا إلى القلعة، واجتمعوا بالمماليك الذي (١) في الطباق، فألبسوهم آلة الحرب أيضا، ثم اجتمعوا كلهم وأتوا إلى باب الستارة، ودقوا الباب، فخرج إليهم الأمير الزمام وهو مثقال الجمالي، والأمير جلبان العلائي اللالا، والأمير قطلوبغا جركس اللالا، فقالوا لهم: "إيش الخبر"، فقالوا: "أعطونا الأمير علي ابن السلطان حتى نسلطنه فإن قد بلعنا أن والده الملك الأشرف شعبان قد مات بالعقبة". فتوقف الأمير الزمام ساعة، فعينوا له القتل، فدخل إلى الحريم وأخرج لهم الأمير علي، فأجلسه على باب الستارة، ثم إنهم أحضروا نائب الغيبة الأمير أيدمر الشمسي، وباسوا للأمير على الأرض، ثم توجهوا به إلى الإيوان السلطاني، فأجلسوه على التخت، وأرسلوا طلبوا الأمراء الذين بالمدينة، فطلعوا إلى سوق الخيل، فطلبوهم أن يطلعوا إلى القلعة، فأبوا من ذلك، فأنزلوا لهم بالأمير علي إلى باب السلسلة، وجلس بالحراقة التي في الأسطبل السلطاني، فطلعوا إليه سائر الأمراء الذين بالمدينة، وباسوا له الأرض وحلفوا له، ثم إن المماليك مسكوا في ذلك اليوم جماعة من الأمراء العشراوات، وهم طشتمر الصالحي، وبلاط السيفي الجاي، وخطط اليلبغاوي أحد رؤوس النوب، وسجنوهم بالقصر، ثم قالوا لوالي القاهرة أنزل نادي في المدينة بالأمان والاطمان، والدعاء للسلطان الملك المنصور علي، فنزل الوالي ونادى في المدينة بذلك. وأقاموا إلى يوم الأحد وهم لابسون آلة الحرب، فلما كان وقت الظهر اشتاع الخبر بأن شخصا من المماليك السلطانية قبض على شخص من المماليك يسمى قازان اليرقشي أمير أخور، وكان قد توجه صحبة السلطان الملك الأشرف شعبان إلى الحجاز الشريف، فوجدوه في المدينة متنكرا فمسكوه، وجاءوا به إلى الأمير أيدمر الشمسي نائب الغيبة، فسألوه عن سبب مجيئه،

стр. 231

فصار يمغمغ في الكلام، فعروه وأرادوا توسيطه، فقال لهم: "أمهلوا حتى أخبركم القصة". ثم حكى لهم أن السلطان لما وصل إلى العقبة في يوم الثلاثاء فأقام بها ذلك اليوم، فلما أصبح نهار الأربعاء طلبوا منه المماليك السلطانية العليق (١)، فقال لهم: "أصبروا إلى الأزنم (٢) "، فلما مد لهم السماط فلم يحضر من المماليك السلطانية أحد، وأبوا أن يأكلوا السماط، واتفقوا بأن يركبوا على السلطان هناك. وكان الذي وافق المماليك على الركوب من الأمراء: الأمير طشتمر العلائي الدوادار الكبير، والأمير مبارك الطازي، والأمير صراي تمر المحمدي، والأمير قطلقتمر العلائي الطويل، فركبوا على السلطان في يوم الخميس، وركب معهم جماعة كثيرة من مماليك الأسياد فتحاربوا مع السلطان، فأنكسر السلطان و هرب هو وجماعة من الأمراء، وهم: الأتابكي أرغون شاه الأشرفي، والأمير ضرغتمش الأشرفي أمير سلاح، والأمير بيبغا السابقي، والأمير بشتاك الكريمي، والأمير أرغون كتك، والأمير يلبغا الناصري، وجماعة من المماليك السلطانية، وقد فارقت السلطان والأمراء بعجرود (٣) وهم على مجيء في هذه الليلة، فعند ذلك ركب الأمير أسندمر الصرغتمشي، والأمير طولو، وجماعة كثيرة من المماليك السلطانية، وتوجهوا إلى بركة الحاج فوجدوا الأمراء الذين توجهوا مع السلطان، ولم يجدوا معهم السلطان ولا الأمير يلبغا الناصري ولا الأتابكي أرغون شاه الأشرفي، فقتلوا الأمراء الذي (٤) جاءوا مع السلطان، وحملوا رؤوسهم إلى القاهرة، وعلقوهم على باب القلعة، هذا ما كان من أمر الأمراء. وأما ما كان من أمر السلطان الملك الأشرف شعبان فأن محمد بن عيسي الهجان أمير العائد قال للسلطان: "أنا أخذك وأتوجه بك إلى نحو بلاد الشام فتقيم

стр. 232

بغزة، وتجمع العساكر وسائر عربان بلاد الشام، وتدخل إلى القاهرة، وتأخذ مملكتك بالسيف"، فوافقه السلطان على ذلك، وأراد أن يتوجه معه إلى غزة، فلم يوافقه على ذلك الأتابكي أرغون شاه ولا الأمير يلبغا الناصري، ودخلوا إلى القاهرة تحت الليل، فأختفى السلطان تلك الليلة في تربة في الصحراء، فلما أخذه قرار في تلك الليلة فتوجه من هناك آخر الليل إلى الجودرية، فاختفي عند امرأة في الجودرية تسمى أمنه زوجة ابن المشتولي، كانت تربية خوند أم السلطان، فأقام عندها مختفى. فلما كانت ليلة الإثنين جاءت امرأة (١) إلى الأمير أينبك البدري، وأخبرته بأن السلطان مختفى في مكان بالجودرية (٢)، فأرسل معها مماليك، ومعهم الأمير الطنبغا السلطاني، فتوجهت بهم إلى بيت أمنه زوجة ابن المشتولي، فكبسوا البيت المذكور، فهرب السلطان واختفى بالبادهنج (٣)، فطلعوا إلى السطح فتشوا عليه فوجدوه في البادهنج، فمسكوه، ثم إنهم نهبوا كل شيء كان في البيت (٤)، وطلعوا بالسلطان إلى القلعة، وهو راكب فرس، فتسلمه الأمير أينبك البدري، وخلا به تلك الليلة، وبات يعاقبه ويقرره على الذخائر (٥) كلها، فأخبره عنها. فلما كانت ليلة الثلاثاء دخل جركس مملوك الجاي اليوسفي وكان شاد العمائر عند الجاي، فتسلم السلطان الملك الأشرف شعبان، وخنقه بوتر تحت الليل حتى مات، وذلك في ليلة الثلاثاء سادس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، فلما مات وضعه في قفة وكسر ظهره وخيط عليه بلاس، وأرسله تحت الليل على حمار، فأرماه في بئر بالقرب من باب الزغلة عند المجراة، فمات شهيدا، رحمة الله عليه، فكان الأمر كما قد قيل:

стр. 233

يا نفس صبرا وإلا فاهلكي جزعا … إن الزمان على ما تكرهين بني لا تحسبي نغمة سرتك صحبتها … إلا بمفتاح (١) أبواب من الحزن (٢) هذا ما كان من أمر الملك الأشرف شعبان. وأما ما كان من أمر الأمراء الذين خامروا على السلطان في العقبة فأنهم لما أن هرب السلطان ومن معه من الأمراء، فاجتمع الأمراء الذي (٣) كانوا بالعقبة، وجاءوا إلى الخليفة المتوكل على الله، وكان صحبة السلطان لما سافر، فقالوا له: "يا أمير المؤمنين أعمل أنت سلطان"، فحلف الخليفة أنه ما يتسلطن وامتنع كل الامتناع، فأقاموا العسكر والأمراء على ذلك يومين وهم يسألون الخليفة، وهو يمتنع من ذلك، فلما طال الأمر توجهوا القضاة الأربعة الذين كانوا صحبة السلطان من العقبة إلى زيارة بيت المقدس الشريف. وأما بقية الحجاج فإن الأمراء عينوا الأمير بهادر الجمالي أمير أخور كبير بأن يتوجه صحبة الحاج أمير المحمل، وجعلوا الأول والمحمل فرد ركب. ثم إن الأمراء والعسكر أخذوا الخليفة وتوجهوا إلى القاهرة وصحبتهم حريم السلطان الملك الأشرف شعبان، فلما وصلوا إلى عجرود جاءت الأخبار لهم بما جرى في القاهرة من قتل السلطان وسلطنة ولده على الملك المنصور. ومن غريب الاتفاق أن اليوم الذي خامروا فيه المماليك، وركبوا على السلطان في العقبة وافق اليوم الذي ركبوا فيه الأمراء والمماليك بالقاهرة، ووقعت فيه الفتنة بمصر، فلما وصل الأمراء من العقبة إلى بركة الحاج، فجاءت الأخبار إلى القاهرة بذلك فتوجه إليهم جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية، فتلاقوا معهم في الريدانية، فاتقعوا هناك فأنكسر الأمراء الذي (٤) خرجوا لهم من القاهرة وساق خلفهم الأمير قطلقتمر العلائي الطويل إلى رأس الصوة، فتكاثروا عليه المماليك السلطانية فمسكوه من وقته، وأحضروا به إلى المقر السيفي أقتمر عبد الغني نائب السلطنة، فتلقاه وأكرمه، ثم إن الأمير طشتمر الدوادار الكبير اتقع مع

стр. 234

العسكر إلى بعد المغرب عدة وجوه، فأنكسر طشتمر وهرب إلى نحو الباب المحروق، فاختفى في تربة هناك، وأرسل يطلب الأمان من الأمراء، فأرسلوا إليه بالأمان، فلما حضر بين يدى الأمراء قبضوا عليه وقيدوه، وأرسلوه إلى السجن بثغر الإسكندرية، وفي ذلك يقول شهاب الدين ابن العطار: إن كان طشتمر طغى … وأتى لحرب يسرع وبغى سيؤخذ عاجلا … ولكل باغ مصرع (١) قيل: ولما قتل الملك الأشرف شعبان أقام في البئر أياما حتى ظهرت رائحته فطلعوا به من البئر بعض الترابه فمر به بعض خدامه فعرفه بإمارة كانت فيه، فلما دخل الكيل أخذ ذلك الخادم جماعة من خشداشينه ومعهم تابوت، فحملوه فيه، وأحضروه إلى مدرسة والدته التي بالتبانة، فغسلوه هناك وكفنونه وصلوا عليه ودفنوه في القبة التي تجاه قبة والدته، رحمة الله عليه (٢). وكان الملك الأشرف شعبان من حسنات الزمان في العدل والحلم، وكان ملكا هينا لينا محبا للعلماء والفقراء منقادا إلى الشرع، وكان محسنا لأقاربه، وبني عمه وأخوته، وينعم عليهم بخلاف من تقدمه من أقاربه، وكانت الدنيا في أيامه هادية من الفتن من التركمان والعربان وغيرهم، وقد قال من مدحه: بالملك الأشرف المفدى … شعبان فزنا بكل فضل من وطن الكون والرعايا … بطي ظلم ونشر عدل (٣) وقيل فيه أيضا: للملك الأشرف السلطان سيدنا … مناقب بعضها يبدو به العجب له خلائق بيض لا يغيرها … صرف الزمان كما لا يصدأ الذهب (٤) وكان مولده في سنة أربع وخمسين وسبعمائة، وتولى الملك وله من العمر عشر سنين (٥)، ومات وله من العمر أربع وعشرين سنة.

стр. 235

وكانت مدة سلطنته بالديار المصرية أربع عشرة سنة وشهرين وعشرين يوما، وكانت قتلته في ليلة الثلاثاء خامس ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة. ولما مات خلف من الأولاد ستة بنين، وهم: سيدي علي الذي تسلطن بعده، وسيدي أمير حاج، وسيدي قاسم سيدي محمد، وسيدي إسماعيل، وسيدي أبو بكر، وولد له بعد موته سيدي أحمد الذي من خوند سمرا، وخلف سبع بنات (١). وأما فتوحاته فمدينة سيس، وسنجار، ودوركي (٢). ومن إنشائه المدرسة التي كانت في رأس الصوة تجاه الطبلخاناة السلطانية؛ ومن إنشائه الأشرفية التي بالقلعة وغير ذلك. وكان في أيامه من الأمراء الطبلخاناة والعشراوات جماعة كثيرة من أولاد الناس، وهم: الأمير عبد الله بن بكتمر الحاجب، وأمير حاج بن مغلطاي، وعلي ابن منجك اليوسفي، ومحمد بن تنكزبغا، وأحمد بن يلبغا العمري، وموسى بن دندار، وقرطقا بن سوسون. ومن الأمراء العشراوات، وهم: أبو بكر بن سنقر الجمالي، وأحمد بن محمد بن لاجين، ومحمد بن بكتمر الشمسي، ومحمد بن قطلوبغا المحمدي، ومحمد بن سنقر المحمدي، وخضر بن عمر بن أحمد بن بكتمر الساقي، وغير ذلك من أولاد الأمراء. وفي الجملة أنه كان ملكا جليلا، مهابا، كريما، عارفا بتدبير أمور المملكة، مستجلبا بالإحسان قلوب الرعية، مجريا أمورهم على القواعد المرضية. ولما مات رثاه القيم الأديب خلف الغباري بهذه القطعة الزجل وهي هذه: عن منازل طالع القلعة … كوكب السعد اختفى حين بان اقتران زحل مع المريخ … وكسوف شمس انتقال شعبان

стр. 236

صار محرم نومنا لما … صفر المنزل من الأشرف وادخر منا ربيع (١) العيش … وجمادين فتكهم أسرف ورجب فيه الملك شعبان … دور المحمل ولما أشرف رمضان صاموا وفي شوال … شال وذي القعدة بدا الحرمان فيه جرت سيرة لذي الحجة … ما جرت في سالف الأزمان قد فهمنا أصل ذي النوبة … بسماع ما جاء من الأخبار في حصار شعبان وفي ضربو … نوبتين والخنق بالأوتار ولذا صار قلبنا موصول … بالهموم والعقل منا طار وخروج السهم لو [تشييب] (٢) … في القصب من داخل الأبدان والسيوف غنت لرقص الخيل … والأنامل هزت العيدان للحجاز لما نوي الأشرف … ورحل مع جملة العشاق خامرت مائة من العسكر … ولرصد الغدر جو (٣) أجواق قتلوه شركة وتاريخو … للعراق والأصبهان انساق وقد أضحى في الرمل مدفون … والذى بيه في طرب فرحان صار محير والحمام في الدوح … ناح لفقدو باختلاف الحان الدخاير ذاهبة حين صار … واسطة عقد الجيوش غايب والذهب كنو الحزين صفر … صورتو وأما اللجين شايب والعقيق كنو قد اتخضب … بالدما حين كهربو كارب وسلوك الدر والياقوت … عقدها اتفرط من التيجان وأصبح الجوهر يتيم بعدو … ودسوع العين عليه مرجان ذي الذي كان الملك إيدو … وايدهم في فرد زبدية جوه بعملة غدر مدفونة … وحيل في السر مخفية وقلوب بالغم مغمومة … وكبود بالغين مشوية وأمور مزورة لكن … قبل ما سقوه الهوان ألوان طبخوا القدرة وقد صارو … حولها مستجمعين إخوان في أتابك مصر كنت أعهد … قوم عزيزين جبر للمكسور

стр. 237

منهم أرغون شاه وصنضر غتمش … والشهير بالسبتي المنصبور والأمير بشتاك مع الأقرم … بأمر من لو الحكم والمقتدر جا القضا عاجلا خذ الخمسة … وقد أضحا عزهم منهضمان هكذا الدنيا وقد قالوا … في المثل: "ما عز شيء إلا جال بنفسه و إذا الملك لما … جاء يصيب دستوه عليه مقلوب وأخذ فيلسوس ربيع شامات … وتكشف (١) رخو وصلزر مقطوب هكذا في رقعة الدنيا … دست هذي المملكة المنصوب إذا يكن راكب فرس عزو … عالية فرخان يعود في أخزان والذي في الخاشية بيدق … ينتقل حتى يصير (٢) فرزان مصر وادي تيه وصارت غاب … وسكن وأبراج خوت رفعة وأماراتها الذي كانوا … في هنا من قبل ذي الوقعة للملك خلان وهم غزلان … وأسود وأقمار لهم طلعة خفت الأقمار من الأبراج … وخلا المسكن من الخلان وعن الغاب غابت الآساد … وأقفر الوادي من الغزلان ضم الأشرف قبر ليت شعري … هو لقديل نور ضياه جامع أو صدف فيه خالص الجوهر … أو فلك فيه غاب قمر طالع أو نقول غاب فيه أسد ضاري … أو جفير جواه حسام قاطع (٣) أو كتاس فيه أحسن الغزلان … أو جحما فيه أفرس الفرسان أو جسد فيه روح من الأرواح … أو سواد مقلة وفيها إنسان نسألك يا الله بجاه موسى … وبعيسى وأحمد المحبوب غيث الأشرف واهبه رحمة … وعليه أفرغ صبر أيوب فارق أذكرنا فراق يوسف … مثل ما أورثا حزن يعقوب والخليل منا بقي (٤) قابيل … لخليله و حين يراه لهفان في سفين الخزن بعدو نوح … وآجر دمعك في الخدود طوفان

стр. 238

نصر شعبان تم بالكامل … لعلي والحكم للقادر نسألك يا حق يا عادل … كن لجيش المسلمين ناصر وأرزق العالم عمل صالح … وأصلح الباطن مع الظاهر واحمد الفتنة وطمنا … لا تشتتنا من الأوطان وأنصر المنصور علي واعفو … عن أبيه الأشرف السلطان يا من أمسى مثل ما أصبح في … فرح بالجاه وكثر المال قط لا تركن لذي الدنيا … واحذر احذر حالها إن حال كم عزيز ذلته صار يطلب … جاه يجيه ما جاه ومالو مال فالبس البس حلة التقوى … قبل لبسك شقة الأكفان لا تغرك زينة الدنيا … كل ما تنظر عليها فان آخر الثامن مع السبعين … بعد تاريخ سبعمائة عام يا غباري قلت في الأشرف … نظم شاع في أقليم مصر والشام وأنت في فن الزجل قيم … بدروج تشهد بها الحكام وبنظم النثر من فكرك … كم وكم صنفت من ديوان والبديع لك صارت الفرسان … فيه رجال والقيمة أدوان انتهت أخبار دولة الأشرف شعبان، وذلك على سبيل اختصار منها.

стр. 239

ذكر سلطنة الملك المنصور علي ابن الملك الأشرف شعبان ابن الأمجد حسين ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون (١) وهو الثالث والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، جلس على سرير الملك في يوم الأحد رابع (٢) ذي القعدة سنة ثمان وسبعين وسبعمائة. فلما حضر أمير المؤمنين المتوكل على الله وكان صحبة الأشرف شعبان في العقبة، فلما جرى ما تقدم ذكره، وحضر الخليفة إلى القاهرة، فاجتمع الأمراء والخليفة والقضاة الأربعة، وبايع الخليفة إلى الملك المنصور علي، ولبس خلعة السلطنة من باب الستارة، وركب إلى الأيوان، وجلس هناك ساعة، ثم دخل إلى القصر الكبير ومد به السماط. فلما فرغ من السماط، أخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي أقتمر الصاحبي الشهير بالحنبلي واستقر نائب السلطنة بمصر، ورسم له ببرك الأتابكي أرغون شاه الأشرفي؛ وأخلع على الأمير قرطاي الطازي واستقر رأس نوبة النوب، ورسم له ببرك الأمير صر غتمش الأشرفي؛ وأخلع على الأمير أسندمر الصرغتمشي واستقر أمير سلاح؛ وأخلع على الأمير قطلوبغا البدري واستقر أمير مجلس؛ وأخلع على الأمير طشتمر العلائي الدوادار واستقر نائب الشام، ورسم له بأن يخرج من يومه؛ وأخلع على الأمير إياس الصرغتمشي واستقر دوادار كبير. وأنعم على جماعة من الأمراء بتقادم ألوف، وهم دمرداش اليوسقي، وبلاط السيفي الجاي، والطنبغا السلطاني، ويلبغا النظامي، وأخلع على الأمير أينبك البدري واستقر أمير أخور كبير.

стр. 240

وأنعم على من يذكر من الأمراء بطبلخاناة، وهم: بيقجا الكمالي، وقطلو بغا البشيري، وقطلو بك النظامي، وأحمد بن التركماني، وقطلو قجاه أخو أينبك البدري، وتمربعا البدري، والطنبغا المعلم اليلبغاوي، وتلكتمر عبد الله المنصوري، وأسنبغا الصارمي، وأطلمش الطازي، وأربعا السيفي جبعا، وإبراهيم بن قطلقتمر العلائي، وعلي بن أقتمر عبد الغني، وأسنبغا النظامي، ومامور القلماوي، وأطلمش الأرغوني، ومقبل الرومي. وأنعم على جماعة من الأمراء بأمريات عشرة، وهم: محمد بن قرطاي الطازي، وخضر بن الطنبغا السلطاني، ومحمد بن شعبان بن يلبغا العمري، وتكا الشمسي، وأسنبغا المحمودي، وطبج المحمدي، وتلكتمر المنجكي، وأقبغا السيفي الجاي، وجركس السيفي الجاي وهو الذي خنق الملك الأشرف شعبان، وقد تقدم ذلك؛ وطقتمش السيفي يلبغا، وطوغان العمري الشاطر، وخليل بن أسندمر العلائي، ورمضان بن صرغتمش الناصري، وأخيه حسن، ويوسف بن شادي، وخضر الرسولي، وقطلوبغا أمير علم، وسودون العثماني شاد السلاح خاناه، وأسندمر الشرفي، ومنكلي بغا الطرخاني، ومغلطاي الشرفي، وغير هولاء من الأمراء (١). وأفرج عن جماعة من الأمراء المعتقلين، وتم أمره في السلطنة. ثم دخلت سنة تسع وسبعين وسبعمائة، فيها في يوم الأحد في العشرين من شهر صفر من السنة المذكورة، عمل المقر السيفي قرطاي وليمة، فأهدى إليه المقر السيفي أينبك البدري ششش (٢)، وعمل له فيه بنجا، فلما شرب منه قرطاي تبنج و نام حتى طلعة الشمس، فركب أينبك البدري وألبس مماليكه آلة الحرب، وطلع إلى الرملة، فعند ذلك نزل السلطان الملك المنصور علي إلى المقعد المطل على الرملة، ودقت الكوسات حربي، فاجتمع بقية الأمراء والمماليك السلطانية، فأقاموا على ذلك يوم وليلة.

стр. 241

فلما أصبح نهار الأثنين إحدى عشرين صفر صحى الأمير قرطاي من سكرته، فاجتمع عنده الأمراء، وهم: الأمير أسندمر الصرغتمشي أمير سلاح، والأمير قطلو بغا البدري أمير مجلس، وسودون المنجكي، ومبارك الطازي، وقطلو بغا جركس، وغير ذلك من الأمراء الطبلخاناة والعشراوات، فأرسل الأمير قرطاي يسأل السلطان بأن يكون نائب حلب، فأرسل إليه السلطان منديل الأمان، وخلعة بأن يكون نائب حلب، ورسم له بأن يخرج من يومه، فخرج وتوجه إلى سرياقوس، فلما أن خرج قرطاي مسكوا الأمراء الدين كانوا من عصبة قرطاي، ثم قال المماليك للمقر السيفي أقتمر الحنبلي نائب السلطنة: " أمسك الأمير أينبك البدري"، فقال لهم: "ما هذا مصلحة"، ورجعهم عن ذلك. فلما كان يوم الثلاثاء ثاني عشرين صفر ركب المقر السيفي أقتمر الحنبلي يسير نحو قبة النصر، فأرسل إليه المقر السيفي أينبك البدري خلعة على أن يكون نائب الشام، وقال له: "أخرج من هناك"، فخرج من وقته وساعه. فلما خرج قرطاي استقر أينبك البدري أتابك العساكر عوضا عن طشتمر المحمدي اللفاف، ومسك طشتمر اللفاف وأعيد المقر السيقى أقتمر عبد الغني إلى نيابة السلطنة بمصر كما كان أولا عوضا عن أقتمر الصاحبي الحنبلي؛ وأخلع على بلاط السيفي الجاي واستقر أمير سلاح، عوضا عن أسندمر الصرغتمشي؛ وأخلع على الأمير الطنبغا السلطاني واستقر أمير مجلس عوضا عن قطلوبغا البدري؛ وأخلع على الأمير دمرداش اليوسفي واستقر رأس نوبة النوب على عادته؛ وأنعم على الأمير يلبغا الناصري بتقدمة ألف، وأنعم على جماعة غير هؤلاء بتقادم ألوف وطبلخاناة وعشراوات. ثم إن الأتابكي أينبك البدري وقع بينه وبين الخليفة المتوكل على الله، فخلعه من الخلافة، واستقر بالإمام زكريا بن إبراهيم ابن عم المتوكل على الله، ولقب بالمستعصم، وكانت ولايته من عير مبايعة ولا عهد من المتوكل. ثم إن الأتابكي أينبك أسكن مماليكه في مدرسة السلطان حسن، ومدرسة الأشرف شعبان التي في رأس الصوة (١)، وجعل في كل مدرسة مائتي مملوك وتصرف في المملكة كما يختار، وأعطى لولديه تقدمة ألف (٢).

стр. 242

وفيها: جاءت الأخبار بأن جميع النواب خامروا وخرجوا عن الطاعة، فعند ذلك على السلطان الجاليش، ونفق على العسكر وخرج مسرعا على الهجن، وذلك في تاسع عشر (١) ربيع الأول سنة تسع وسبعين. ومن الحوادث في هذه السنة: أن في سابع عشرين تموز من الشهور القبطية أمطرت السماء مطرا شديدا برعد عظيم وبرق حتى سال من المطر مثل الغدران العظيمة. وفي أواخر ربيع الأول أنفصل الإمام زكريا من الخلافة، وأعيد الإمام المتوكل على الله على عادته، فكانت مدة خلافة المعتصم بالله زكريا عشرين يوما. فلما خرج السلطان الملك المنصور علي من القاهرة ومعه الأتابكي أينبك البدري وبقية الأمراء والخليفة المتوكل والقضاة الأربعة، فلما وصل إلى بلبيس رجع السلطان ومعه الأتابكي أينبك، وسبب ذلك أن قطلو قجاه أخو الأتابكي أينبك كان في الجاليش قدام العسكر، فبلغه أن الجماعة الذي (٢) في الجاليش من الأمراء والعسكر قصدوا أن يكبسوا على قطلو قجاه أخو أينبك البدري ويقتلوه، فهرب قطلو قجاه تحت الليل ومعه ثلاثة من الأمراء، فلما حضر إلى عند أخيه الأتابكي أينبك وأخبره بما جرى فأخذ أينبك الملك المنصور علي ورجع إلى القاهرة، فطلع السلطان إلى القلعة على حين غفلة. فلما كان يوم الإثنين ثانى (٣) ربيع الآخر رجع الأمراء والعسكر من أثناء الطريق، فلما رجعوا ركبوا كلهم على حمية ووقفوا في سوق الخيل، فنزل إليهم قطلو قجاه أخو أينبك ومعه نحو مائتي مملوك من المماليك السلطانية، فانكسر قطلو قجاه أخو أينبك كسرة قوية، وكان جميع الأمراء والعسكر مخامر على الأتابكي أينبك البدري، فلما تحقق أينبك أن هذه الركبة عليه، فركب فرسه وهرب إلى نحو كيمان مصر العتيقة (٤)، فشحته الأمير أيدمر الخطاي مع جماعة من المماليك السلطانية، فلم يقعوا له على أثر، ثم إنهم وجدوا فرسه

стр. 243

ولبسه مرمى بين الكيمان، فلما تحقق الأمراء هروب الأتابكي أينبك فطلعوا إلى الأسطبل السلطاني، وملكوا باب السلسلة، وصار المتحدث في أمور المملكة المقر السيفي قطلقتمر العلائي الطويل، فضرب رنكه (١) على بيت الأتابكي شيخوا (٢) الذي بالرملة. فلما كان صبيحة يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر حضر الأمراء الذين كانوا قد توجهوا في الجاليش قبل العسكر، وهم الأمراء: دمرداش اليوسفي، والأمير بلاط السيفي الجاي، والأمير يلبغا الناصري، والأمير برقوق العثماني، وبركة الجوباني، وبوري الحلبي الأحمدي، وأقبغا آص الشيخوني، وغيرهم من الأمراء؛ فلما حضروا طلعوا إلى الأسطبل السلطاني، وتكلموا مع الأمير "قطقتمر العلائي الطويل (٣) وبقية الأمراء، فتكلموا بأن يقيموا سلطانا كبيرا، فاختلفوا في ذلك؛ ثم إن الأمراء قبضوا على الأمير قطلقتمر العلائي، والأمير الطنبغا السلطاني، وغيرهما من الأمراء، وقيدوهم وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية. فلما كان يوم الأحد تاسع ربيع الآخر ظهر الأمير أينبك البدري فقبض عليه الأمير يلبغا الناصري، وقيده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية فسجن بها، وفيه يقول شهاب الدين ابن العطار: من بعد عز قد ذل أينبك … وانحط بعد السمو من فتكا وراح يبكى الدماء منفردا … والناس لا يعرفون أين بكا (٤) وفيها: في سادس عشر ربيع الآخر ركب الأمير برقوق العثماني، والأمير بركة الجوباني، ويلبغا الناصري، وقبض على جماعة من الأمراء، وهم: الأمير

стр. 244

دمرداش اليوسفي، والأمير تمرباي الحسني، والأمير أقبغا آص الشيخوني، والأمير قطلوبغا الشعباني، والأمير دمرداش التمان تمري المعلم، وأسندمر العثماني، ويجمان العلائي أمير مشوي، وأسنبغا التلكي، وأرسلوا جميعا إلى السجن بثغر الإسكندرية. وأقام الأمير يلبغا الناصري بالأسطبل السلطاني، وحكم بين الناس، ثم أن يلبغا الناصري، أرسل يحضر الأمير طشتمر الدوادار من الشام، واستمر الأمير يلبغا الناصري في الأسطبل السلطاني ستة أيام، ففي اليوم السابع ركب الأمير برقوق العثماني والأمير بركة، وطلعا إلى الأسطبل السلطاني فانزلا يلبغا الناصري منه. ثم إن السلطان أخلع على الأمير برقوق العثماني واستقر به أمير أخور كبير، وأخلع على الأمير بركة الجوباني واستقر به أمير مجلس. ثم حضر الأمير طشتمر الدوادار من الشام، فخرج الملك المنصور علي إليه (١) لتلقيه، وخرج إليه سائر الأمراء، فلما أقبل السلطان على الأمير طشتمر نزل عن فرسه، وقبل الأرض بين يدى السلطان، فلما طلعا إلى القلعة فأخلع عليه واستقر أتابك العساكر بمصر عوضا عن أينبك البدري، وحضر صحبة الأمير طشتمر من الشام الأمير تمرباي الدمرداشي، والأمير تغري برمش العلائي، والأمير سودون الشيخوني، والأمير طقتمش اليلبغاوي، فلما حضروا أنعم عليهم بتقادم ألوف واستقر الأمير تمرباي الدمرداشي رأس نوبة النوب. ثم إن السلطان أفرج عن جماعة من الأمراء المعتقلين بثغر الإسكندرية، منهم سودون المنجكي جهاركس، وقطلوبغا أمير سلاح، والطنبغا السلطاني، وإياس الصرغتمشي، وقطلوبغا البشيري، وأصبغا (٢)، وغير ذلك من الأمراء. وفيها في ثالث عشر شوال توجه الأمير بلاط السيفي الجاي أمير سلاح إلى الربيع بالجيزية، فأرسل إليه السلطان خلعة، ورسم له بأن يتوجه من هناك إلى نيابة طرابلس، فأجاب إلى ذلك؛ ثم اتفق الحال على أن يقيم بالقدس الشريف بطالا، ثم توجهوا به إلى الكرك فأقام بها (٣).

стр. 245

ثم أخلع على الأمير يلبغا الناصري واستقر أمير سلاح عوضا عن بلاط. وفيها: ثاروا فتنة مماليك الأتابكي طشتمر مع مماليك المقر الزيني بركة الجوباني، فلبس كل طائفة منهم آلة الحرب، وقاتلوا أشد القتال، فأرسل الأتابكي طشتمر يطلب لنفسه الأمان من المقر السيفي برقوق أمير أخور كبير، فأرسل إليه برقوق الأمان فركب وطلع إلى عنده بالأسطبل السلطاني، فلما طلع إلى برقوق قبض عليه وقيده، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية هو وأمير حاج بن مغلطاي. ثم إن السلطان أخلع على المقر السيفي برقوق العثماني واستقر به أتابك العساكر بمصر عوضا عن طشتمر العلائي، وأخلع على المقر السيفي أيتمش البجاسي واستقر أمير أخور كبير عوضا عن برقوق. وفي خامس عشر ذي الحجة قبض الأتابكي برقوق على الأمير يلبغا الناصري أمير سلاح، وقيده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، وأخلع على المقر السيفي أينال اليوسفي واستقر أمير سلاح عوضا عن يلبغا الناصري. وفيها: في ليلة الأحد خامس عشرين ذي الحجة وقع حريق بظاهر بابي زويلة، فأحرق دار التفاح والربع الذي حوله، وعملت النار إلى البرادعيين، وإلى عند المدرسة الدهيشة، ولولا سور القاهرة لاحترق نصف المدينة؛ فركب الأمير بركة الجوباني، والأمير أيتمش البجاسي، والأمير قرا دمرداش الأحمدي، والأمير تغري برمش حاجب الحجاب، ومعهم جميع مماليكهم مشاه ليطفوا الحريق، فأقامت النار تعمل في البيوت والربوع والدكاكين يومين بلياليها ولم تنطفئ حتى أعيوا من ذلك (١)، وفي ذلك يقول شهاب الدين بن العطار: أرتنا دار تفاح بليل … حريقا وقده أمسى عظيما ونالت بعد ذاك النور نارا … وكانت جنة فغدت جحيما (٢) وفي ذلك يقول الشيخ زين الدين ابن حبيب الحلبي:

стр. 246

بباب زويلة وافي حريق … أزال معاني الحسن المصون ودمر كل عال من دراه (١) … وصير كل عال مثل دون وعبرة عبرة الرائين أجرى … يقينا كالعيون من العيون وما برح الخلائق في ابتهال … لمحيى الأرض من بعد المنون إلى أن قال في لطف خفي … وفضل عناية يا نار كوني (٢) ثم دخلت سنة ثمانين وسبعمائة، فيها في سادس ربيع الأول قبض الأتابكي برقوق العثماني على جماعة من الأمراء، وهم: الأمير قطلو بغا أمير علم، والطنبغا العلائي، وأسنبغا التلكي، وبلك الأحمدي، وغريب الأشرفي، وجوبان الطيدمرى، وتمان تمر الموسوي، وجنتمر المحمدي، وسودون العثماني، وقرطقا بن سوسون، وبجمان العلائي أمير مشوي، وأقبغا بلشون، وغير ذلك من الأمراء، فقيدوهم وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية. ومن الحوادث في هذه السنة: أن في يوم الإثنين رابع عشرين شعبان ركب الأتابكي برقوق العثماني ليسير نحو قبة النصر، وكان المقر السيفي بركة الجوباني مسافرا في البحيرة يتصيد، فاغتنم المقر السيفي أينال اليوسفي أمير سلاح تلك الغفلة فركب هو ومماليكه وركب معه جماعة من الأمراء، وهم: الأمير سودون جركس المنجكي، والأمير سودون النوروزي، والأمير مصلان الجمالي، وجمق الناصري، فحطم الأمير أينال اليوسفي، وطلع إلى الأسطبل السلطاني فملكه، ثم فتح زردخانة الأتابكي برقوق وألبس مماليكه منها، ثم إنه أنزل مماليك الأتابكي برقوق الكتابية من الطباق وأوقفهم على سور باب السلسلة، فقال له الأمير سودون جركس: "دعني أخذ معي مائة مملوك ملبسه، وأخرج إلى برقوق لما أن يرجع"، فأتقع معه في الريدانية، فمنعه الأمير أينال اليوسفي من ذلك. فلما بلغ الأتابكي برقوق ذلك الخبر فرجع ودخل إلى بيت المقر السيفي أيتمش البجاسي، فلما دخل إليه ففتح أيتمش زردخانته وألبس مماليكه ومماليك الأتابكي برقوق، ثم خرج من بيته وطلع إلى الرمله هو وبرقوق، فأتقعوا مع مماليك أينال وسودون، ثم أحرقوا باب السلسلة، فلما رأوا مماليك برقوق الذي (٣)

стр. 247

أقعدهم أينال في الأبراج الذي (١) على باب السلسلة أن أستاذهم برقوق يحاصر باب السلسلة، فأرموا بالنشاب على أينال اليوسفي وهو في الأسطبل السلطاني، فجاءت أينال نشابة في رقبته فأنجرح وخرج هاربا من باب الأسطبل الذي بالقرافة، فاختفى في بيته فعند ذلك طلع الأتابكي برقوق إلى الأسطبل السلطاني، وأرسل قبض على أينال وسودون من بيوتهم وقيدهم، وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية فسجنا بها (٢)، وفي ذلك يقول شهاب الدين ابن العطار المصري: قد ألبس الله برقوق المهابة فى … نهار الاثنين من عز وتمكين وراح أينال مع سودون وانكسرا … وكان يوما عسيرا يوم الإثنين (٣) وقوله فيه أيضا: بغى إينال واعتقد الأماني … تساعده فما نال المؤمل ومد لأخذ برقوق يديه … ولم يعلم بأن الخوخ أسفل (٤) وكان أينال اليوسفي صاحب الأمير بركة الجوباني، ولما جرت هذه الوقعة كان الأمير بركة مسافرا في البحيرة، كما تقدم أخبار ذلك، فقال شهاب الدين ابن العطار: ما بال أينال أتى … في مثل هذه الحركة مع عمله بأنها … خالية من بركة (٥) ثم إن السلطان عمل الموكب، وقبض على من يذكر من الأمراء، وهم: سودون جركس المنجكي، وسودون النوروزي، وصصلان الجمالي، وجمق الناصري، وقماري الخازندار، فهذا ما كان من حوادث هذه السنة. ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وسبعمائة (٦)، فيها: في يوم الأربعاء سابع عشر صفر أرسل المقر الزيني بركة الجوباني إلى عند الأتابكي برقوق يعلمه

стр. 248

بأن أيتمش البجاسي لابس آلة الحرب هو ومماليكه، فأراد الأتابكي برقوق يكشف عن ذلك فلم يكن لهذا الكلام صحة، فطلع أيتمش إلى عند الأتابكي برقوق وطلبوا المقر الزيني بركة أن يطلع إلى الأسطبل السلطاني فأبى من ذلك، فترددت الرسل بين الأتابكي برقوق وبين الأمير بركة. ثم إن الأتابكي برقوق أرسل الشيخ أكمل الدين الحنفي والشيخ أمين الدين الخلواتي (١) إلى عند الأمير بركة، فمشوا في الصلح بين أيتمش البجاسي وبين الأمير بركة، فأصطلحا ونزل أيتمش إلى عند الأمير بركة صحبة الشيخ أكمل الدين والشيخ أمين الدين، فأخلع الأمير بركة على الأمير أيتمش قباء نخ وأركبه فرس بسرج ذهب وكنبوش (٢)، ثم طلع أيتمش إلى باب السلسلة وانفصل الأمر على ذلك. فلما كان ليلة الجمعة تاسع عشر صفر ركبوا الأمراء ولبسوا آلة الحرب، وسبب ذلك أن الأمير بركة لبس في بيته آلة الحرب وألبس مماليكه ومسك جماعة من الأمراء؛ فلما بلغ بقية الأمراء ذلك لبسوا آلة الحرب وطلعوا إلى الرملة، فعند ذلك أرسل المقر الأتابكي برقوق القضاة الأربعة إلى عند المقر الزيني بركة، فمشوا في أمر الصلح بين الأمراء وبين الأمير بركة، فأصطلحوا وتحالفوا. ثم طلعوا في يوم السبت إلى القلعة ولعبوا بالأكرة والصولجان، وزال ما في خاطرهم من الحقد، وأقاموا على ذلك أيام. فلما كان يوم الإثنين سابع ربيع الأول ركب الأمراء ليسروا نحو قبة النصر ورجعوا، فطلع المقر الأتابكي برقوق إلى الأسطبل السلطاني، ورجع الأمراء إلى بيوتهم، وكان المقر الأتابكي برقوق قد جاءه ولد ذكر وسماه محمد، فعمل له يوم سابعه عقيقة، ومد سماطا عظيما في ذلك اليوم، وعزم على الأمراء كلهم، فطلع إليه بعض أمراء، وكان قبل ذلك بأيام بلغ الأتابكي برقوق بأن الأمير بركة قد اتفق على قتله في يوم الجمعة إذا دخل إلى الصلاة في الجامع، فبقى في نفس برقوق من ذلك شيء.

стр. 249

فلما عمل الوليمة طلع إليه من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير قرا دمرداش الأحمدي، والأمير صراي، والأمير طبج المحمدي، والأمير أقتمر العثماني أمير دوادار كبير، وغير ذلك من الأمراء، ولم يطلع الأمير بركة ولا من كان من عصبته، فمد الأتابكي برقوق السماط، ثم غلق باب السلسلة. وقبض على ثلاثة من الأمراء، وهم: قرا دمرداش الأحمدي، وطبع المحمدي، وأقتمر العثماني، ومسك معهم صراي الرجبي الطويل وهو أخو الأمير بركة الجوباني. ثم إن المقر الأتابكي برقوق ألبس مماليكه آلة الحرب، ونزل بزلار (١) العمري الناصري وهو سائق إلى مدرسة السلطان حسن، فدخلها هو ومماليك الأتابكي برقوق فطلعوا إلى السطح، وأرموا بالنشاب على الأمير بركة وهو جالس في مقعده، وكان ساكنا في البيت الذي تحت مدرسة السلطان حسن، فلما رأى بركة ذلك قام من مقعده وأمر مماليكه أن يلبسوا آلة الحرب، وخرج من باب السر هو ومماليكه ومن كان عنده من الأمراء، فشق من المدينة وخرج من باب الفتوح، وتوجه إلى الريدانية. فلما خرج بركة من بيته نادى الأتابكي برقوق للعوام بأن ينهبوا بيت بركة، فأحرقوا العوام بابه ودخلوا ونهبوا كل ما (٢) فيه من قماش وبرك حتى أخذوا رخامه وأبوابه. ثم إن الأمير بركة أقام في الريدانية ذلك اليوم، فخرج إليه طائفة من خشداشيته، ثم إن الأتابكي برقوق عين الأمير آلان الشعباني (٣)، والأمير أيتمش البجاسي، والأمير قرط التركماني، وغير ذلك من الأمراء والمماليك بأن يتوجهوا إلى الأمير بركة ويتقعوا معه، فتوجهوا إليه واتقعوا معه فكسرهم الأمير بركة وشحتهم إلى تحت القلعة فباتوا تلك الليلة. فلما أصبحوا نهار الأربعاء تاسع ربيع الأول نزل السلطان الملك المنصور علي إلى الأسطبل السلطاني، وجلس في المقعد المطل على الرملة، ودقت الكوسات حربي، واجتمع الأمراء والمماليك السلطانية.

стр. 250

فلما كان الظهر وقت القايلة أرسل المقر الزيني بركة إلى الأتابكي برقوق يقول له: "إيش أنت قاعد تعمل! أما تلاقيني أو الاقيك"، فأرسل إليه برقوق يقول له: " اختر لك أي مكان نرسلك فيه نائبا حتى تخمد هذه الفتنة"، فلما سمع بركة هذا الجواب فلم يوافق على النيابة. وكان ذلك اليوم نهار محر فأزندت البرية على العسكر الذي كان مع الأمير بركة، فأشار عليه بعض أخصائه بأن يركب في ذلك الوقت، وقالوا له: "أن العسكر الذي مع برقوق في هذا الوقت مقيل في البيوت، وهذه وقت غفلة"، فأركب وأحطم إلى الرملة، فركب معه من العسكر في قوة القايله (١)، وانقسموا فرقتين، فرقة في الطريق السالكة، وفرقة من تحت الجبل الأحمر. فلما بلغ الأتابكي برقوق ذلك، فأرسل الأمراء والمماليك السلطانية إلى الفرقة التي فيها الأمير بركة الجوباني، فأتقعوا مع بركة فانكسر الأمير بركة الجوباني، وهرب وتشتت من كان معه من الأمراء والمماليك، فساق بركة حتى خفى عن العيون، فقيل: أنه تقنطر من على فرسه فأختفى في مكان حتى دخل الليل. وأما ما كان من أمر الفرقة التي توجهت من تحت الجبل الأحمر فكان فيها الأمير يلبغا الناصري، فتوجه إليه الأمير أيتمش البجاسي فأتقع معه فضرب أيتمش يلبغا المنجكي بطبر كان معه على وجهه فسقط عن فرسه وانكسر من كان معه من العسكر، وأخذ أيتمش صنجقه وطبلخانته، وجرح من هذه الفرقة جماعة كثيرة، وقتل منهم طائفة كثيرة من المماليك والغلمان. ثم إن الأمير بركة أقام مختفى تلك الليل فتوجه تحت الليل ومعه شخص من الأمراء العشراوات يقال له "أقبغا صيوان"، فأتى إلى جامع المقسي (٢) الذي في باب البحر، فأختفى عند شخص من الصالحين يقال له "الشيخ محمد القدسي". فلما طلع النهار أرسل الأمير بركة إلى عند الأتابكي برقوق يعرفوه أنه مقيم في جامع المقسي، فأرسل إليه برقوق الأمير الطنبغا الجوباني والشرفي يونس
следующие страницы →