فهذه الخمسة طواعين المشهورة التي جاءت في صدر الإسلام؛ ولكن لم يسمع بمثل هذا الطاعون الذي جاء في سنة تسع وأربعين وسبعمائة لأنه عم البلاد قاطبة، ومات فيه من الناس ما لا يحصى عددهم من مسلم وكافر.
وكان قوة عمله في بلاد الفرنج؛ وأقام دائرا في الأرض مدة سنين (١) حتى عدمت جميع البضائع، لقلة الجلاب، وبلغت الراوية الماء أكثر من عشرة دراهم، وبلغ طحين الأردب الدقيق خمسة عشر درهما، وجاء عقيب ذلك الفناء غلاء عظيم، حتى أبيع فيه كل وئية قمح بمائتين درهم.
وكان هذا الطاعون قد زاد على ما قبله من الطواعين، لأنه وقع أيضا في القطط والكلاب، حتى في الطيور والوحوش، ولقد شاهدوا منهم أشياء كثيرة، وهي مطروحة في البراري، وتحت إباطها الطواعين، وكذلك الخيل والحمير والبهائم، وفي ذلك يقول الصلاح الصفدي:
لما افترست صحابي … يا عام تسع وأربعينا
ما كنت والله تسعا … بل كنت سبعا يقينا (٢)
وقوله أيضا:
لا تثق بالحياة طرفة عين … في زمان طاعونه مستطير
فكأن القبور شعلة شمع … والبرايا لها فراش تطير (٣)
وقال المعمار:
قبح الطاعون داء … فقدت فيه الأحبة
بيعت الأنفس فيه … كل إنسان بحبة (٤)
وقال الشيخ زين الدين ابن الوردي، ﵀ عليه:
يقولون شم الخل في زمن الوبا … وفاقا لما قال الأطباء يا خلي
فإن قلت للطاعون تسطو على الورى … يقول نعم … أسطو وأنفك في الخل (٥)
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدي أيضا، رحمه الله تعالي:
стр. 177
دارت من الطاعون كأس الفنا … فالنفس من سكرته طافحة
قد خالف الشرع وأحكامه … لأنه يثبت بالرائحة (١)
ثم دخلت سنة خمسين وسبعمائة، فيها: جاءت الأخبار بأن أرغون شاه نائب الشام قتل في الليل؛ وسبب ذلك أن الأمير [١/ ٦٦] جبعا نائب طرابلس دخل إلى دمشق في طائفة من الأمراء والمماليك، وكان أرغون شاه نائب الشام مقيما بالقصر الأبلق الذي بالشام، هو وعياله، فدخل عليه الجبعا وهو نائم، وقبض عليه وقيده، وسجنه.
فلما أصبح الصباح اجتمع أمراء دمشق، وقالوا للجبغا "لايش فعلت هذا"، فأخرج لهم كتاب السلطان بمسك أرغون شاه، فعند ذلك سكتوا، ثم إن الجبغا أحتاط على موجود أرغون شاه جميعه.
فلما كان ثاني ليلة وهي ليلة الجمعة رابع عشرين ربيع الأول (٢) وجدوا أرغون شاه مدبوحا، وهو في السجن، فأثبت الجبعا محضرا، بأن أرغون شاه ذبح نفسه بيده.
فعند ذلك وقع بين جيش دمشق وبين الجبعا بسبب ذلك، فركبوا على الجبغا، وأنكروا عليه في الكتاب الذي كان معه من عند السلطان، وكان الجبعا أظهر كتاب السلطان بقتل أرغون شاه، فتحاربوا هم والجبغا، ثم إن الجبغا أخذ ما أحتاط عليه من موجود أرغون شاه من أموال وحيول وغير ذلك، وتوجه إلى نحو المزة (٣)، فلم يتبعه أحد من عسكر الشام، وخافوا عقبا ذلك، ثم رحل الجبغا إلى طرابلس.
ثم إن أمراء دمشق كاتبوا السلطان بما جرى من الجبعا في حق نائب الشام، وأرسلوا ذلك الكتاب على يد بريدي، فتوجه إلى القاهرة، فلما بلغ السلطان أنكره، وعاد الجواب مع البريدي، بأن ليس عند السلطان من ذلك علم بما وقع من الجبعا، وأن الكتاب الذي أظهره الجبعا مفتعل عن السلطان.
ثم رسم السلطان لعسكر دمشق بأن يمشوا على الجبعا حيث كان ويقتلوه، فعند ذلك خرجوا إليه عساكر دمشق في العشر الأول من ربيع الآخر، ولا زالوا
стр. 178
خلفه حتى قبضوا عليه، وعلى من كان معه من أمراء طرابلس، ودخلوا بهم إلى الشام، وكان يوما مشهودا بدمشق، ثم إن عسكر دمشق وسطوا الجبغا وايان الحاجب في سوق الخيل بدمشق، وعلقا على الخشب فمكثا أياما ثم أنزلا ودفنا.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، فيها: أخرج السلطان تجريدة إلى البلاد الشامية والحلبية، فظفروا بشخص من التتار يسمى ابن هندوا، وكان قد ملك مدينة سنجار (١)، فحاصروه، فطلب منهم الأمان، ثم رجع العسكر وهم سالمون.
وفيها: رشد الملك الناصر حسن، وقبض على جماعة من الأمراء، منهم: بيبغا أورس، ومنجك اليوسفي.
وفيها: كانت وقعة بمكة في منى بين الأمير طاز وبين الملك المجاهد صاحب اليمن، فأنه حج في تلك السنة، فحصل بينه وبين الأمير طاز وقعة صعبة، فانكسر الملك المجاهد، وقبض عليه الأمير طاز وقيده، وأحضره صحبته إلى الأبواب الشريفة.
ثم دخلت سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة، فيها: قدم الأمير طاز من الحجاز الشريف، وصحبته الملك المجاهد صاحب اليمن، فلما حضر بين يدي السلطان أطلقه، ورسم له بالعود إلى بلاده، وأرسل معه الأمير قشتمر المنصوري، فلما توجه صحبته إلى الينبع (٢)، فأراد الملك المجاهد أن يهرب من هناك، فقبض عليه الأمير قشتمر ورجع به إلى القاهرة، فقيد وأرسل إلى السجن بقلعة الكرك.
وفيها في يوم الأحد سابع عشر جمادى الآخر وثب الأمراء على السلطان الملك الناصر حسن، ولبسوا آلة الحرب، وطلعوا إلى الرملة، ووقفوا تحت القلعة، وهم: الأمير طاز، والأمير بيبغا الشمسي، والأمير بيغرا [٦٧: أ] الناصري، فدكز الأمير طاز وطلع إلى القلعة، وهو راكب، ومعه بعض أمراء، فقبض على السلطان حسن، وسجنه بالقلعة داخل دور الحرم، فأقام بها إلى حين عودته إلى السلطنة، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.
стр. 179
فكانت مدة الملك الناصر حسن في السلطنة بالديار المصرية ثلاث سنين وتسعة أشهر، وهي السلطنة الأولى، ثم تولى من بعده أخيه صالح.
стр. 180
ذكر سلطنة الملك الصالح صلاح الدين صالح ابن الملك الناصر محمد ابن الملك المنصور قلاون (١)
وهو العشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ وهو الثامن من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان مولده بقلعة الجبل في شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، وأمه خوند قطلو ملك بنت الأمير تنكز نائب الشام؛ تولى المملكة بعد خلع أخيه الناصر حسن في يوم الإثنين ثامن جمادى الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة.
فلما جلس على سرير الملك، وتم أمره في السلطنة، فصار الأمير طاز صاحب الحل والعقد، وليس للملك الصالح معه سوى مجرد الاسم فقط.
فوقع الخلف بين الأمراء، فوثب الأمير منكلى بغا الفخري والأمير مغلطاي على الأمير طاز، فلما ركبوا توجهوا إلى قبة النصر، فعند ذلك ركب السلطان الملك الصالح، ونزل من القلعة ومعه الأمير طاز وجماعة من الأمراء والخاصكية.
ونادى في القاهرة للعوام أى من وجدوه من مماليك منكلي بغا الفخري، ومغلطاي يقتلوه فقتل في ذلك اليوم جماعة كثيرة من المماليك.
ثم زحف السلطان والأمير طاز إلى نحو الأمراء، فتقاتلوا (٢) عند خليج الزعفران، فوقع بينهم وقعة عظيمة، فانكسر الأمير منكلي بغا الفخري و مغلطاي، ومسكا في ذلك اليوم، فحبسا في خزانة شمايل، ورجع السلطان والأمير طاز إلى القلعة.
ثم إن السلطان أرسل بالإفراج عن الأمير شيخوا العمري، والأمير منجك اليوسفي، فأحضروا من ثغر الإسكندرية، وطلعوا إلى القلعة، فأنعم على شيخوا
стр. 181
بتقدمة ألف، وكذلك أروس، وكان في السجن بالكرك، فلما حضر أخلع عليه واستقر نائب حلب؛ وأخلع على الأمير أرغون الكاملي واستقر نائب الشام.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، فيها جاءت الأخبار بأن بيبغا أروس نائب حلب خرج عن الطاعة، وكذلك بكلمش نائب طرابلس؛ وكذلك الأمير أحمد نائب حماة؛ وكذلك الطنبغا برناق نائب صفد؛ فأرسل أرغون الكاملي نائب الشام يخبر السلطان والأمير طاز بما وقع من النواب.
ثم جاءت الأخبار من بعد ذلك بأن بيبغا أروس وصل إلى دمشق بمن معه من العساكر الحلبية، فلما بلغ نائب الشام ذلك خرج من الشام، وترك بالشام نائب غيبه، وأقام هو بغزة، فلما وصل بيبغا أروس إلى دمشق دخلها، ووقف بسوق الخيل ومعه من تقدم ذكره من النواب والعسكر، فاستعرض هناك العسكر الشامي والعسكر الحلبي، فكان معه من النواب والأمراء نحو ستين أميرا غير العساكر.
فلما فرغ من العرض نزل عند قبة [١/ ٦٨] يلبغا، وأرسل إلى نائب قلعة دمشق، وهو الأمير أياجي، يطلب منه أميرا كان مسجونا بقلعة دمشق، فأرسل إليه الأمير أياجي يعتذر بأن هذا المسجون سجن بأمر السلطان، ولا يقدر على إطلاقه، ثم إن النائب حصن قلعة دمشق تحصينا عظيم، وأرسل يقول لأهل البلد: "لا تفتحوا دكاكينكم ولا تبيعوا شيئا على عسكر حلب".
فعند ذلك اشتد غضب الأمير بيبغا أروس على أهل دمشق، وأمر عسكره بأن ينهبوا القرى التي حول دمشق، والبساتين، ويقطعوا الأشجار، فما أبقوا في ذلك ممكن حتى نهبوا البنات والنساء، وجرى على أهل دمشق من عسكر بيبغا ما لا جرى عليهم من عسكر غازان لما قدم إلى دمشق.
فلما جاءت الأخبار بذلك رسم للعسكر بأن يتجهزوا للسفر، وعلق الجاليش، ثم إن السلطان عين الأمير عمر شاه، وهو صاحب القنطرة، والأمير محمد بن بكتمر الساقي، والأمير قماري الحموي، بأن يخرجوا قبل خروج السلطان، فتوجهوا إلى ناحية الصيد لحفظ البلاد من فساد العربان.
ثم خرج السلطان الملك الصالح صالح إلى نحو البلاد الشامية، وصحبته من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير طاز، والأمير شيخوا، والأمير ضرغتمش، والأمير أسندمر العمري، وأخوه طاز، وجرد مر، وقرابغا، وبتخاص، وقجا
стр. 182
السلحدار، وطشتمر القاسمي، وسنقر المحمدي، وقطلوبنا الذهبي، وبقية الأمراء المقدمين، وكان معه من الأمراء الطبلخاناة والعشراوات، نحو من ثمانين أميرا.
ثم إن السلطان ترك بالقاهرة الأمير قبلاي نائب السلطنة لصون المدينة، وخرج السلطان من القاهرة في يوم الثلاثاء سابع شهر شعبان سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، وكان صحبته الخليفة المعتضد بالله أبو بكر والقضاة الأربعة، فوصل الملك الصالح إلى دمشق في مستهل شهر رمضان، ونزل بالقلعة وصلى الجمعة بالجامع الأموي.
وكان الأمير بيبغا أروس لما بلغه قدوم السلطان إلى دمشق، رحل من دمشق في النصف من شعبان، وخلف جماعة من التركمان في أطراف البلاد، فلما استقر السلطان بدمشق أقام بالقلعة وتوجه الأمراء خلف بيبغا أروس ومن معه من النواب.
فلما كان خامس شهر رمضان أحضروا بين يدي السلطان سيوف من قتل من الأمراء والنواب الذين كانوا صحبة بيبغا أروس.
فلما كان ثالث شوال جاءت الأخبار إلى عند السلطان بأن بيبغا أروس انكسر وهرب، ومسك جميع من كان معه من الأمراء والنواب، ثم دخلوا بهم إلى دمشق وهم في زناجير وقيود، وكان لهم يوم مشهود.
فركب الملك الصالح ونزل من القصر الأبلق إلى الطارمة، ووقف العسكر تحت القلعة، وأحضروا بالأمراء الممسوكين والنواب بين يدى السلطان، فوسط في ذلك ليوم منهم ستة أمراء بسوق الخيل بدمشق، وهم: الطنبغا برناق نائب صفد وهو صاحب الدرب المنسوب إليه؛ وطيبغا الأوجاقي المعروف بحلاوة، والمهدي شاد الدواوين بحلب، وأسنبغا التركماني، والطنبغا شاد الشربخاناة المعروف بالعلائي، وشادى أخو الأمير أحمد نائب حماة؛ ثم شفع في ملكتمر السعيدي فحبس بقلعة دمشق.
ثم إن السلطان قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وهو في غاية النصر والإقبال [٦٩/ ١] فدخل إلى القاهرة في نصف شوال من السنة المذكورة، فزينت له القاهرة، وطلع إلى القلعة في موكب عظيم.
стр. 183
وفي أواخر هذه السنة: قبض السلطان الملك الصالح على الصاحب علم الدين ابن زنبور وكان وزيرا، وناظر الجيوش المنصورة، وناظر الخواص الشريفة، وهذه الوظائف السنية لم تجمع في أحد قبله من الأعيان، وفيه يقول الأديب سميكة:
هذا ابن زنبور الصاحب … في الناس ما أكثر سمة
يا من در زنبور إشن كان … أبوه أو زنبور أمة (١)
فلما مسك ضرب وقيد ونفي إلى قوص، واحتاط على موجوده من صامت وناطق.
فمن ذلك ما نقل عن قاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة أنه قال: "وقفت على قوائم فيها ما ضبط من موجود الصاحب علم الدين ابن زنبور، وهي: قماش ملون مفصل ألفين وستمائة قطعة منها مفري ألفين قطعة، جندات بوجهين ستمائة قطعة، حنينيات (٢) خمسة آلاف قطعة، أواني ذهب وفضة ستين قنطارا، فصوص جوهر قنطاران وأربعون رطلا، لؤلؤ حب أردبين بالمصرى، ذهب عين ستمائة ألف دينار، حوايص ذهب ستة ألاف حياصة كلوتات (٣) زركش ستة ألاف كلوته.
ووجد له دخائر عند الناس في أماكن عدتها ستة وثلاثون مكانا، ووجد له فضة نقرة ثلاثون أردبا، شاشات ثلثمائة ألف شاش، بسط رومي ومقاعد من سائر الأنواع خمسة وثلاثون ألف قطعة، أنظاع صغار وكبار ثلاثون ألف نطع، خيول وبغال وجمال عشرون ألف رأس، ووجد له في مكان أيضا سبعمائة ألف دينار.
ووجد له عبيد وجوار سبعمائة رأس، مماليك ترك وروم خمسون مملوكا، خدام مائة رأس، ووجد له من الصيني ثلاثون ألف قطعة، ومن النحاس
стр. 184
أربعون ألف قطعة، ووجد له من الأملاك والعقار والضياع ستة ألاف مكان، قوموا بثلثمائة ألف دينار، ووجد له من المعاصر خمسة وعشرين معصرة، وبهم من القنود ما لا ينحصر وزنه.
ووجد له إقطاعات حلقة سبعمائة إقطاع، ووجد له سروج وبدلات وعدد للخيل قوموا بثمان مائة ألف درهم، ووجد له مخازن فيها بضائع وبهار قوموا بأربعمائة ألف دينار، ووجد له من المراكب ستمائة مركب، ووجد له من البساتين والغيطان مائتين موضع، ووجد له من السواقي ألف وأربعمائة ساقية، ووجد له من الأبقار الحلابة والغنم ما لا ينحصر، ووجد له من العلال ما لا ينحصر.
ووجد له عند الناس ودائع كثيرة من قماش ومال وغير ذلك ما لا ينحصر (١)، ومع ذلك كله أخذ جميع ماله ونفي من القاهرة، ومات غريبا عن أهله ودفن هناك، فكان كما يقال: " المال كالماء، من استكثر منه، غرق فيه".
وقال بعضهم في ذم المال:
النار آخر دينار نطقت به … والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء ما دام مشغوفا بحبهما (٢) … معذب القلب بين الهم والنار (٣)
وقال بعضهم أيضا:
رأيت الدرهم المضروب أضحى … كلص ماله أبدا أمانة
ألم ترى كل انسان حريص … يحصله ويرميه الخزانة (٤)
ثم دخلت سنة أربع وخمسين وسبعمائة، فيها: حضر إلى القاهرة [٧٠/ ١] رؤوس جماعة من النواب الذي (٥) تقدم عصيانهم، وهم بيبغا أروس نائب
стр. 185
حلب، وبكلمش نائب طرابلس، والأمير أحمد نائب حماة، فلما حضروا بهم علقوا على باب زويلة ثلاثة أيام.
وفيها: ظهر فساد العربان ببلاد الصعيد، وكان كبير العربان يسمى الأحدب شيخ عرك، فاجتمع عليه طائفة كبيرة من العربان، وأظهروا الفساد، ونهبوا الغلال، ولم يبقوا ممكنا.
فلما بلغ السلطان ذلك فخرج إليهم بنفسه، وكان جاليش العسكر الأمير طاز، والأمير شيخوا، والأمير صرغتمش، فلما ساروا إلى العرب وقع بينهم وقعة عظيمة، لم يسمع بمثلها فيما تقدم، فعند ذلك انكسر الأحدب كبير العربان ومن معه من العرب بعد أن كادت الأمراء أن تنكسر، وقتل من العرب خلق لا تحصى لكثرتهم، حتى قيل: أن بعض الأمراء بنى من رؤوسهم مساطب على جنب البحر ومآذن (١)، وجعل رنكه عليها، ولا زال الأمير شيخوا وصرغتمش يتبع العربان إلى بلاد الواحات الداخلة.
ثم رجع الأمراء إلى الديار المصرية، ومعهم من العرب الأسرى نحو ألف إنسان من أكابر العربان، وغنموا منهم مائة حمل رماح، وثلاثون حمل درق، وثمانون حمل سيوف، ومن الخيول ألف وسبعمائة رأس، ومن الجمال ألف وخمسمائة جمل، ومن الأغنام ما لا يحصى عددهم (٢).
فلما وصلوا إلى القاهرة دخل السلطان قبل الأمراء بأيام، ثم دخل الأمير شيخوا والأمير صرغتمش بعده، وصحبتهم الأسرى والغنائم، فرسم السلطان يتوسيط أربعة عشر إنسان من أكابر العربان، ووسط مائة وأربعين من أشرار هم؛ ثم إن السلطان نادى في القاهرة بأن فلاح لا يركب فرس، ولا يحمل سلاح.
ثم بعد أيام حضر الأحدب كبير العربان شيخ العركي، وكان قد هرب من وجه السلطان والأمراء، فحضر طائعا إلى الأبواب الشريفة، فأقره السلطان على عادته شيخ العركي كما كان، وأخلع عليه، وتوجه إلى بلاده، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
стр. 186
ما هادن السلطان أعدائه (١) … إلا لأمر فيه إذلالهم
حتى له تكثر أموالهم … وللظبى تكبر (٢) أطفالهم (٣)
وفيها برز مرسوم السلطان بأن اليهود والنصاري لا يستخدموا في ديوان، وأن تكون عمائمهم عشرة أذرع؛ وأنهم لا يركبوا مع مكارى مسلم، وإذا مروا بالمسلمين ينزلوا من على الحمير، ويظهروا المسكنة؛ وأنهم لا يدخلوا الحمام إلا بصليب في أعناقهم، وأشرطوا عليهم أشياء كثيرة من هذا النمط.
وفيها توجه الأمير أرغون الكاملي نائب حلب، وصحبته العساكر الحلبية إلى مدينة الأبلستين، في طلب الأمير قراجا بن ذو الغادر أمير التركمان، ليقبضوا عليه، لكونه وافق بيبغا أروس على العصيان.
فلما وصل إليه العساكر الحلبية، هرب بمن معه من التركمان، فساروا خلفه، وتبعوا أثره إلى أن أدركوه بأطراف بلاد الروم، فلما أحس بهم هرب، فنهبوا العسكر بيوته وبيوت من معه من التركمان، وأخذوا مواشيهم.
ثم إن قراجا المذكور التجأ إلى ابن أرتنا عظيم الروم، فقبض عليه أرتنا، وجهزه إلى السلطان، فلما وصل إلى القاهرة، رسم السلطان بتسميره (٤) فسمروه، وطافوا به في القاهرة، ثم وسطوه في الرملة (٥).
ثم دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة، فيها اتفق جماعة من الأمراء على [١/ ٧١] خلع الملك الصالح، منهم: الأمير شيخوا العمري الناصري، ومعه جماعة من الأمراء، وكان الأمير طاز الناصري الدوادار مسافرا يتصيد بالبحيرة (٦)، فاغتنم الأمراء هذه الفرصة.
стр. 187
وكان الأمير شيخوا لما أفرج عنه من السجن، وحضر إلى القاهرة، أخلع عليه واستقر أمير كبير في دولة الملك الصالح، وهو أول من سمي بأمير كبير، ولبس لها خلعة، وصارت الأتابكية من يومئذ وظيفة.
فلما اتفق رأى الأمراء على خلع الملك الصالح، كان القائم في ذلك المقر السيفي سيف الدين شيخوا أمير كبير.
فلما كان يوم الإثنين ثانى شوال طلع الأمراء إلى الموكب على العادة، فقبضوا على الملك الصالح بحضرة شيخوا، وخلعوه من الملك، وسجنوه بدور الحرم، وأعادوا أخاه الناصر حسن إلى السلطنة.
واستمر الملك الصالح في دور الحرم محتفظا به إلى أن مات في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبعمائة، ودفن بتربة عمه الملك الصالح علي بن قلاون وقد تقدم ذكر ذلك في أخبار قلاون، وهو في القبة التي بالقرب من السيدة نفيسة ﵂.
وكان الملك الصالح هذا مليكا جليلا مهابا، وافر العقل، قليل الأذى، دينا خيرا، حسن السيرة، مليح الشكل.
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية إلى أن خلع ثلاث سنين وثلاثة شهور وأربعة عشر يوما.
ذكر من توفي في أيام دولته من الأعيان، وهم الخليفة الحاكم بأمر الله بن المستكفي بالله توفي في سنة أربع وخمسين وسبعمائة؛ وتوفي الشيخ أبو حيان المغربي (١)؛ والشيخ زين الدين ابن الوردي (٢)، وهو صاحب "كتاب البهجة"، وله شعر جيد، وكان من كبار علماء الشافعية؛ وتوفي الشيخ شمس الدين الذهبي المؤرخ (٣)؛ وتوفي القاضي شهاب الدين ابن فضل الله كاتب السر (٤)، وهو صاحب كتاب الإنشاء، حيث يقول في ذلك:
стр. 188
يا طالب الإنشاء خذ علمه … عني فعلمي غير منكور
ولا تقف في باب غيري فما … تدخله إلا بدستوري (١)
وتوفي الحافظ بن قيم الجوزية؛ وتوفي ابن اللبان الشاعر (٢)؛ وتوفي الشيخ شمس الدين ابن العفيف (٣)، صاحب الأشعار اللطيفة، توفي في سنة خمس وخمسين وسبعمائة، ومن شعره اللطيف، قوله:
زرتكم صحبة وودا … وجدتكم (٤) مغلقين بابا
سعيي إلى بابكم جنون … عليه فأستأهل الحجابا (٥)
стр. 189
ذكر عود الملك الناصر حسن ابن الملك الناصر محمد بن قلاون (١)
وهي السلطنة الثانية، جلس على سرير الملك في يوم الإثنين ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة.
فلما تم أمره في السلطنة صار المقر السيفي شيخوا أمير كبير على عادته، وصار صاحب الحل والعقد في أيامه، وكانت عظمت شيخوا في تلك الأيام؛ وصار الأمير صرغتمش رأس نوبة النوب، فاستمر شيخوا وصرغتمش أرباب الحل والعقد في تلك الأيام.
فلما حضر الأمير طاز من الصيد، فقبض عليه الأمراء، وسجنوه بالقلعة هو وأخوته ثم إن بعض الأمراء شفع فيه، فأفرج عنه، وأخلع عليه واستقر نايب حلب، فتوجه إليها من يومه.
ثم دخلت سنة ست وخمسين وسبعمائة، فيها كملت عمارة المقر السيفي شيخوا، وهي الخانقاة والجامع والحمامات والربوع، الذي بخط الصليبة، ثم قرر الشيخ الإمام العالم العلامة أكمل الدين الحنفي شيخ الخانقاة، وكان الشيخ أكمل الدين من أكابر الحنفية في عصره، وفيه يقول الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة:
شيخ تقدم في العلوم لأنه … إن عد أرباب الفضائل أول
ما قيل هذا كامل في ذاته … إلا وقلت الشيخ عندي أكمل (٢)
ثم إن شيخوا قرر بالخانقاه حضور من بعد العصر، وأوقف عليها وعلى الجامع جهات كثيرة، وأشرط في وقفه أشياء كثيرة من بر وإحسان للصوفة (٣)، وفيه يقول شهاب الدين بن أبي حجله:
стр. 190
ومدرسة للعلم فيها مواطن … فشيخوا بها فرد وإيثاره (١) جمع
لئن بات فيها لقلوب مهابة … فواقفها ليث وأشياخها سبع (٢)
ثم دخلت سنة سبع وخمسين وسبعمائة، فيها ابتدأ السلطان الملك الناصر حسن بعمارة مدرسته التي في الرملة تجاه القلعة بسوق الخيل، وكان مكانها قصر يلبغا اليحياوي نايب الشام، فهدمه، وبنى المدرسة مكانه، وهذه المدرسة لم يعمر مثلها في مبتدأ الإسلام وإلى الآن (٣).
قيل: أن أيوانها بني على مثال إيوان كسرى أنو شروان، وجعل فيها أربع مدارس، لكل شيخ مذهب مدرسة، ومن رأى عمارة مدرسة السلطان حسن عرف علو همته بين الملوك السالفة، كما قيل في المعنى:
لسنا وإن كرمت أوائلنا … أبدا على الأنساب (٤) نتكل
نبني كما كانت أوائلنا … تبني ونفعل فوق (٥) ما فعلوا (٦)
وفي هذه السنة: هبت ريح عظيمة من جهة الغرب، وكان ابتدأها من أوائل النهار، فاصفر منها الجو، ثم أحمر، ثم أسود، واستمرت ذلك اليوم، فهدمت عدة أماكن، وقلعت عدة أشجار، ودام ذلك إلى قرب التسبيح، فأمطرت السماء، وسكنت الرياح.
وفي هذه السنة: جاءت الأخبار بأن القان حسن صاحب بغداد توفي إلى رحمة الله تعالى، وتولى ولده القان أويس عوضه.
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، فيها: وثب مملوك من مماليك السلطان السلحدارية، يسمى قطلو قجاه السلحدار، على المقر السيفي شيخوا، وهو في الخدمة بالإيوان، فضربه في وجهه بالسيف ثلاث ضربات فعند ذلك وقع شيخوا إلى الأرض مغشيا عليه.
стр. 191
وقام السلطان من المجلس وهو مرتاب، فطلع مماليك شيخوا إلى القلعة وهم راكبون، ومعهم الأمير خليل بن قوصون، وكان شيخوا متزوجا بأم الأمير خليل زوجة قوصون، فلما طلعوا إلى القلعة وجدوا في شيخوا بعض رمق، فحملوه على جنويه، ونزلوا به إلى بيته من سلم المدرج، ومماليكه من حوله، وكانوا نحو تسعمائة مملوك.
فلما نزل إلى بيته أحضروا له مزين، فخيط جراحاته، وكان ذلك يوم الإثنين في العشرين من شعبان (١).
فلما بات تلك الليلة نزل له السلطان في يوم الثلاثاء إلى بيته، ونزل عن فرسه ودخل إلى مكان فيه شيخوا، وسلم عليه، وحلف له أن الذي جرى لم يكن بعلمه، ولا له به خبر.
ثم رسم السلطان بإحضار قطلو قجاه الذي ضرب الأمير شيخوا، فسأله السلطان: "هل أمرك أحد من الأمراء بذلك"، فقال قطلو فجاه: "لا والله ما أمرني أحد من الناس بذلك، غير أني قدمت للأمير شيخوا قصة، بسبب إقطاع فأخرجه لشخص غيري، ففعلت ذلك من قهري منه"، فعند ذلك رسم السلطان بتسميره فسمر على جمل، وطافوا به في القاهرة، ثم وسطوه في الرملة.
واستمر شيخوا ملازما للفراش، من شهر شعبان إلى أواخر ذي القعدة نحو من ثلاثة شهور ونصف، إلى أن مات في يوم الجمعة سادس عشرين ذي القعدة سنة ثمان وخمسين وسبعمائة، فكثر عليه الحزن والأسف، وكانت جنازته مشهودة، ونزل السلطان وصلى عليه في سبيل المؤمني، ودفن في خانقاته التي في الصليبة داخل القبة.
وكان شيخوا من أجل الأمراء قدرا، وأعظمهم معروفا وبرا، وله بالقاهرة آثار وذكر، ومن أنشأه الجامع الأخضر (٢)، الذي بالقرب من فم الخور، وله آثار كثيرة غير ذلك، واتفق يوم موته أن الأرض زلزلت زلزلة خفيفة، وأمطرت السماء، وفي ذكر يقول بعض الشعراء:
стр. 192
بروحي من أبكى السماء لفقده (١) … بغيث ظنناه نوال يمينه
وما استعبرت إلا أسى وتأسفا … وإلا فماذا القطر في غير حينه! (٢)
وقال بعضهم أيضا يرثيه:
لما أقلت عن المنازل أظلمت … تلك البقاع (٣) وغاب عنها المشفق
وتقول مصر لبعد (٤) شيخوا شقني … أرق على أرق ومثلي بارق (٥)
وكان شيخوا أميرا دينا خيرا، كثير البر والصدقات، قليل الأذى.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين وسبعمائة، فيها: تزايدت عظمة الأمير صرغتمش بعد الأمير شيخوا واستقر كما كان شيخوا، وصار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، فأرسل قبض على الأمير طاز نايب حلب، وسجنه بثغر الإسكندرية.
فأنه كان بينه وبين الأمير صرغتمش حظ نفس قديم من أيام شيخوا، وكان شيخوا يدخل بينهما الصلح في كل وقت، ثم يعودا إلى ما كانا عليه من حظوظ النفوس، فلما سجن الأمير طاز، تولي بعده الأمير منجك اليوسفي نايب حلب.
وفيها: ضربت الفلوس الجدد كل فلس بدرهم وبدرهمين، وكل فلس زنته مثقال، وذلك بإشارة المقر السيفي صرغتمش الناصري رأس نوبة النوب، فثقل أمر ذلك على الناس، وتضررت منه السوقة.
ثم إن الأمير صرغتمش لما تضاعفت حرمته، وانفرد بأمور المملكة، وصار معه عصبة من الأمراء، فثقل أمره على الملك الناصر حسن، فبادر إليه وقبض عليه، وعلى جماعة من الأمراء ممن كان من عصبته (٦)، فكان كما قيل في الأمثال:
стр. 193
وربما فات بعض الناس حاجتهم (١) … مع التواني (٢) وكان الحزم لو عجلوا (٣)
فلما كان يوم الإثنين في العشرين من شهر رمضان (٤) من السنة المذكورة قبض السلطان على الأمير صرغتمش الناصري، وهو في الموكب بالقلعة.
فلما سمعوا مماليكه بذلك ركبوا وطلعوا إلى الرملة، ووقفوا تحت القلعة، وكانوا ثمانمائة مملوك، فعند ذلك ركبوا المماليك السلطانية وبقية الأمراء، واتقعوا مع مماليك صرغتمش من باكر النهار إلى قريب المصر، فانكسروا مماليك صرغتمش وهربوا.
فعند ذلك نهبوا العوام والزعر بيت صرغتمش، ودكالين الصليبة، وصاروا يمسكون جماعة من الأعجام من صوفية الخانقاة الصرغتمشية، وكل من رأوه من حاشية صرغتمش يمسكوه، واستمر الأمر على ذلك إلى آخر النهار.
فلما كان يوم الثلاثاء حادي عشرين رمضان، رسم السلطان بتقييد الأمير صرغتمش، وأرسلوه إلى السجن بثغر الإسكندرية، ومعه جماعة من الأمراء ممن كانوا من عصبته، وهم: الأمير طشتمر القاسمي حاجب الحجاب، والأمير طقبغا صاووق، والأمير جركس الرسولي، وغيرهم من الأمراء.
وفيها: توفي الأمير تنكربغا المارديني وهو صهر السلطان الملك الناصر حسن، فلما مات أنعم السلطان على مملوكه يلبغا العمري الناصري الخاصكي بتقدمة ألف، وهو إقطاع تنكربغا المارديني، ثم أخلع عليه، وجعله أمير مجلس، وهذا أول عظمة يلبغا (٥).
ولما نفي السلطان الأمير صرغتمش إلى ثغر الإسكندرية، ومن معه من الأمراء، فأقام الأمير صرغتمش في السجن إلى أوائل ذي الحجة، فأشاعوا في القاهرة موته بأنهم دخلوا عليه فوجدوه ميتا، فكان مدة اعتقاله شهرين واثني عشر يوما (٦)؛ وكان أميرا عظيما مهابا مليا، وله بر ومعروف وآثار، وغير ذلك.
стр. 194
ومما وقع في أيامه من الحوادث إن النصارى كان عندهم صندوق من الخشب، وفيه أصبع بعض من هلك من عبادهم، يسمونه الشهيد، وكان هذا الصندوق في كنيسة من كنائسهم، يحفظونه غاية الاحتفاظ.
فإذا كان يوم الثامن من شهر بشنس من شهور القبط، أخرجوا ذلك الصندوق الذي فيه الأصبع، وتوجهوا به إلى نحو شبرا، وهي من ضواحي القاهرة، فيلقون ذلك الأصبع في بحر النيل، ويغسلونه فيه، ويزعمون أن النيل لا يزيد إلا بإلقاء ذلك الأصبع فيه، ثم يعيدونه إلى الصندوق، ويحتفظون به إلى العام القابل، فيلقونه أيضا في النيل في التاريخ المذكور، فأقاموا على ذلك دهرا طويلا.
وكان يحصل بسبب ذلك من الفساد، وارتكاب المعاصي ما لا يسمع بمثله، فكان أهل مصر يخرجون إلى شبرا، وينصبون الخيام على شاطئ بحر النيل، ويمتلئ البحر بالمراكب من كل جانب، ولم يبق في القاهرة معن ولا مغنية، ولا صاحب آلة، ولا رب ملعوب، إلا ويخرج إلى شبرا في يوم عيد الشهيد، فيجتمع هناك عالم لا يحصى، وتنفق (١) أموال لا تنحصر، ويتجاهرون بما لا ينبغي شرحه من المعاصي.
وكان اعتماد فلاحين شبرا دائما في وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر في يوم عيد الشهيد، وكانت شبرا تزرع كلها كروم بسبب ذلك، حتى قيل: كان يباع في ثلاثة أيام من عيد الشهيد بخمسة آلاف دينار (٢) خمرا.
ولم يزل ذلك الحال على ما ذكرناه من الاجتماع واللهو في ذلك المكان، في كل سنة أيام عيد الشهيد إلى أن دخلت سنة خمس وخمسين وسبعمائة، وذلك في أواخر دولة الملك الصالح صالح بن الناصر محمد بن قلاون.
فتعصب الأمير صرغتمش الناصري، وقام في ذلك قياما عظيما الله تعالى، وألزم السلطان الملك الصالح بإبطال ذلك (٣)، فرسم السلطان لحاجب الحجاب،
стр. 195
وعلائي الدين ابن الكوراني والي القاهرة، بأن يتوجهوا إلى نحو شبرا، ويمنعون الناس من نصب الخيام على شاطئ بحر النيل.
ثم إن الأمير صرغتمش كبس على الكنيسة التي فيها ذلك الأصبع، وأخذ الصندوق، وأحضره إلى بين يدي السلطان الملك الصالح، فأمر بحرقه بين يديه في الميدان الذي تحت القلعة، ورسم بأن يدروا رماد ذلك الأصبع في البحر، وبطل ذلك الأمر من يومئذ.
وكان ذلك في صحيفة المقر السيفي صرغتمش الناصري رأس نوبة النوب، تغمده الله برحمته، فاتفق أن النيل زاد في تلك السنة زيادة لم يعهد بمثلها في مبتدأ الإسلام، وبطل ما كانوا يعتقدونه النصاري أن النيل لا يزيد إلا بإلقاء ذلك الأصبع فيه؛ ومن هنا نرجع إلى أخبار دولة الملك الناصر حسن.
ثم دخلت سنة ستين وسبعمائة، فيها جاءت الأخبار بأن المقر السيفي منجك اليوسفي لما تولى نيابة الشام، وخرج إلى غزة فهرب من هناك، ولم يعرف له خير، فعاقب السلطان بسبب خلقا كثيرة، وحبسهم إلى أن ظهر، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه.
ثم دخلت سنة إحدى وستين وسبعمائة، فيها: ركب السلطان الملك الناصر حسن، وشق القاهرة، ونزل إلى القبة التي فيها والده قلاون التي بين القصرين، وزار قبر والده، ودخل إلى الضعفاء والمجانين، ثم ركب وخرج من باب النصر، وشق الفضاء، ثم رجع إلى القلعة من بين الترب (١).
وفيها: رسم السلطان للمقر السيفي بيدمر الخوارزمي نائب حلب، بأن يتوجه بالعساكر الحلبية إلى مدينة سيس ويحاصرها، فلما خرج إليها أخذها
стр. 196
بالأمان، ثم توجه إلى طرسوس فأخذها بالأمان، وكذلك المصيصة، وفتح في تلك السنة عدة قلاع، ورجع إلى حلب، وهو منصور (١).
وفيها: جاءت الأخبار بأن منجك اليوسفى نايب الشام قد مسك، وكان له نحو سنة مختفي، فلما حضر بين يدي السلطان كان عليه بشت عسلي، وعلى رأسه ميزر أبيض، فلما قابل السلطان وبخه بالكلام، ثم عفى عنه وسامحه، ورسم له بأمرية أربعين في الشام، ويكون طرخانا، فلبس خلعة، وخرج من يومه.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين وسبعمائة، فيها: تزايدت عظمة الملك الناصر حسن، وتناها أمره في الغلو، فعدى إلى بر الجيزة، فأقام بها في كوم برا (٢) مدة طويلة، إلى أن دخل الشتاء، وربط الناس خيولهم في الربيع، وسبب ذلك أن كان بالقاهرة أو خام وأمراض شديدة ووباء، فأقام السلطان هناك حتى يزول ذلك من القاهرة، وكان السلطان نصب هناك خيمة غريبة الشكل، لم يعمل مثلها في الدنيا، قيل: أهداها له بعض ملوك الهند، قيل: كان فيها حمام، وكانت صنعة عجيبة؛ وفيها يقول الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة التلمساني:
حوت خيمة السلطان كل عجيبة … فأمسيت منها باهتا أتعجب
لساني بالتقصير فيها مقصر … وإن كان في أطنابها بات يطنب (٣)
وفيها يقول أيضا:
إذا ما خيمة السلطان لاحت … فقل في حسنها نظما ونترا
وإن رفعت ورمت النصب منها … فصف أطناتها وهلم جرا (٤)
وفي هذه المدة التي أقامها السلطان هناك، وقع بينه وبين مملوكه يلبغا العمري الخاصكي، فقصد الوثوب على السلطان هناك؛ فلما بلغ السلطان ذلك، ركب ليلة الأربعاء تاسع جمادى الأول من السنة المذكورة، ومعه بعض جماعة من الأمراء، وقصد يكبس على يلبغا وهو في الخيام.
стр. 197
فلما علم يلبغا بذلك أخذ حدره، وألبس مماليكه، وخرج عن الخيام وأخلاها، وأكمن قريبا منها، فلما كبس عليه السلطان في نصف الليل، فلم يجد في الخيام أحدا، ثم إن يلبغا حطم على السلطان، وأتقع معه فأنكسر السلطان ومن معه من الأمراء، وهربوا تحت الليل.
وعدى السلطان، وطلع إلى القلعة، فتبعه يلبغا بمن معه من الأمراء والمماليك، فلما طلع السلطان إلى القلعة، فلم يجد معه من المماليك إلا قليل، ولم يكن معه من الأمراء إلا ثمان تمر العمري (١) وأيدمر الدوادار، فلم يجد للمماليك خيولا يركبونها، لأن الخيول كانت في الربيع.
فلما أسفر النهار طلع يلبغا إلى الرملة، وحاصر القلعة، فلما رأى الناصر حسن عين الغلب، ركب ونزل من القلعة، هو والأمير أيدمر الدوادار، وهما في زي العرب، وقصد الناصر حسن بأن يتوجه نحو الشام، ويستنجد بالأمير بيدمر الخوارزمي نايب الشام، فأن الناصر حسن نقله من نيابة حلب إلى نيابة الشام لما أن هرب منجك اليوسفي، كما تقدم.
فلما نزل الناصر حسن من القلعة، فبينما هو في أثناء الطريق عند المطرية، فلقيهما بعض المماليك، فقبض عليهما، وأحضرهما إلى عند يلبغا العمري، فأما أيدمر الدوادار، فأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية.
وأما الملك الناصر حسن فكان آخر العهد به، قيل: إنه خنق ورمي في البحر، ولم يعرف له قبر، ولم يدفن في القبة التي في مدرسته.
وكانت قتلته في جمادى الأول (٢) سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
وكان السلطان حسن أشقر اللون في وجهه بعض نمش، وكان عربي الوجه، أشقر اللحية، نحيف الجسد، معتدل القامة، وكان ملكا شجاعا مقداما مهابا، نافذ الكلمة، محبا لجمع الأموال، ومات وله من العمر نحو سبعة وعشرين سنة، وكان يميل إلى اللهو والطرب وشرب الراح، مولعا بحب النساء الحسان، لا يمل من شرب الراح، ولا من الطرب في الليل والنهار، حتى قال فيه القائل:
стр. 198
لما أتى للعاديات وزلزلت … حفظ النساء وما قرا للواقعة
فلأجل هذا الملك أضحى لم يكن … وأتى القتال وفصلت بالقارعة
لو عامل الرحمن فاز بكهفه … وبنصره في عصره للسابعة
من كانت القينات من أحزابه … عطعط به الدخان نار لامعة (١)
يشير الناظم إلى معنى يسمى عطعط وإلى مشبب يسمى الدخان.
فكانت مدة سلطنة الملك الناصر حسن بالديار المصرية عشر سنين ونصف السلطنة الأولى، ثلاث سنين وتسعة أشهر وأيام، والسلطنة الثانية ست سنين وسبعة أشهر وأيام.
ولما مات خلف من الأولاد عشرة ذكور، وهم: سيدي أحمد، وسيدي علي، وسيدي قاسم، وسيدي إسكندر، وسيدي موسى، وسيدي يحيى، وسيدى شعبان، وسيدي يوسف، وسيدي إسماعيل، وسيدي محمد، وخلف من البنات ستة.
وكان في أيامه من الأمراء المقدمين الألوف من أولاد الناس تسعة (٢)، وهم: عمر بن أرغون النائب، وأسنبغا بن بكتمر الأبوبكري، ومحمد بن المحسنى، وأحمد بن آل ملك النائب، وموسى بن أرقطاي، ومحمد بن طرغاي، ومحمد بن بهادر اص، وموسي بن الأركشي؛ ومن أولاد السلطان ثلاثة أمراء مقدمين، وهم: سيدي أحمد، وسيدي علي (٣)، وسيدي قاسم.
وأما من أولاد الناس من الأمراء الطبلخانات والعشراوات فكثير.
وأما من كان في أيامه من أولاد الناس من النواب، وهم: العلائي بن قشتمر نايب حلب، وبيدمر الخوارزمي نائب دمشق، وابن صبح نائب صفد.
وكان قصد الناصر حسن إنشاء أولاد الناس في أيامه، وهو آخر من تولى السلطنة من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، وكان كفوا للمملكة، لكن خانه الزمان وعاجله حمام، وسطى عليه الدهر، كما قيل في المعنى:
ومن يأمن الدنيا يكن مثل قابض على الماء خانته فروج الأصابع (٤) ولما قتل الناصر حسن تولى من بعده ابن أخيه المظفر حاجي.
стр. 199
وأما من توفي في أيامه من الأعيان، وهم: الشيخ تقي الدين السبكي (١)، والشيخ بهاء الدين ابن عقيل (٢)، والحافظ مغلطاي (٣)، والشيخ أبو أمامه (٤)، وابن النقاش (٥) من كبار الشافعية، وغير هؤلاء من العلماء والأعيان.
وذلك في السلطنة الثانية انتهت أخبار دولة الناصر حسن.
стр. 200
ذكر سلطنة الملك المنصور محمد ابن الملك المظفر حاجي ابن الملك الناصر محمد بن المنصور قلاون (١)
وهو الحادي والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد قتل عمه الملك الناصر حسن في يوم الأربعاء تاسع جمادى الأول (٢) سنة اثنتين وستين وسبعمائة، فتولى الملك وله من العمر أربع عشرة سنة.
وكان القائم بتدبير أمور مملكته المقر السيفي يلبغا العمري الناصري الخاصكي، فاستقر به أتابك العساكر المنصورة، وكانت عظمة يلبغا في أيام الملك المنصور هذا، ثم استقر بالمقر السيفي قشتمر المنصوري نايب السلطنة.
ثم أفرج عن من كان مسجونا من الأمراء، وهم: الأمير طاز الناصري الدوادار، والأمير جركتمر المارديني، والأمير قطلوبغا المنصوري، وطشتمر القاسمي، وملكتمر (٣) المحمدي، وأقتمر عبد الغني، وبكتمر المؤمني، وجرد مر (٤)، وقرابغا (٥)، وبتخاص (٦)، فلما أفرج عنهم أنعم عليهم بالإقطاعات والتقادم الألوف.
ثم جاءت الأخبار في أثناء دولته بأن الأمير بيدمر الخوارزمي نائب الشام خامر، وخرج عن الطاعة، وقد ملك قلعة دمشق، وكذلك جماعة من النواب خامروا معه.
стр. 201
فلما جاءت الأخبار بذلك تجهز السلطان الملك المنصور، وخرج إلى البلاد الشامية، وصحبته الأتابكي يلبغا العمري وجميع الأمراء والعساكر، فخرج من القاهرة في شهر شعبان (١) سنة اثنتين وستين وسبعمائة.
فلما وصل إلى دمشق أرسل نائب الشام يطلب الأمان، فأرسل له السلطان بالأمان، فلما نزل من القلعة، وقابل السلطان قبض عليه الأتابكي يلبغا وقيده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية.
ثم إن السلطان استقر بالأمير علي المارديني نائب الشام عوضا عن بيدمر الخوارزمي، واستقر بالأمير قطلوبغا الأحمدي نائب حلب؛ ثم رجع السلطان إلى القاهرة فدخلها في موكب عظيم.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين وسبعمائة، فيها: تزوج الأتابكي يلبغا بخوند طولوبيه، زوجة أستاذه الملك الناصر حسن.
وفيها: توفي الإمام الخليفة المعتضد بالله ابن الإمام المستكفي بالله سليمان، وعهد بالخلافة لولده الإمام المتوكل على الله محمد، فتولى الخلافة بعد والده واستقر بها.
ثم دخلت سنة أربع وستين وسبعمائة، فيها توفي سيدي حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاون، وهو والد الملك الأشرف شعبان، وهو أخر من توفي من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون، ومات ولم يتولى السلطنة، وكانت وفاته في ليلة السبت رابع ربيع الآخر (٢) من السنة المذكورة.
وفيها قبض الأتابكي يلبغا العمري على السلطان الملك المنصور محمد، وخلعه من الملك، وأدخله إلى دور الحرم محتفظا به، وذلك في يوم الثلاثاء رابع عشر (٣) شعبان من السنة المذكورة، وولى عوضه الأشرف شعبان بن الأمجد حسين المقدم ذكر وفاته.
فكانت مدة الملك المنصور محمد بن المظفر حاحي بالديار المصرية إلى أن خلع من السلطنة سنتين وأربعة أشهر (٤).
стр. 202
وكان الملك المنصور هذا يميل إلى اللهو والطرب، وشرب الراح، وكان له جوار مغاني جوقة كاملة نحو عشرة جوار شود، تعرف بمغاني المنصور، وكان راضيا بأرغد العيش الطيب، وحب السماع الحسن.
وهو آخر من أقنى الجوار المغاني، يرفون بالطارات عند الصباح والمساء، وكانت هذه عادة الملوك والأكابر، يقنوا عندهم الجوار المغاني، وأخر من كان يفعل ذلك من الأكابر الأمير محمود الأستادار العالية، ثم من بعده بطل ذلك مع ما بطل من محاسن عيشة الأكابر بالديار المصرية.
ثم إن الملك المنصور أقام على ذلك، وهو في دور الحرم مختفي إلى أن مات في ليلة السبت تاسع المحرم إحدى وثمانمائة، ومات وله من العمر نحو خمسة وخمسين سنة (١)، ودفن في تربة جدته أم أبيه خوند طغلي، عند الباب المحروق، ولما مات خلف عدة أولاد ذكور وأناث، وكان قانعا بما هو فيه من أرغد العيش الطيب، كما قال القائل في المعنى:
كل الملوك تسطوا بالملك والسلاح … ونا قنعت منه بالراح والملاح (٢)
وقال آخر في المعنى:
قالوا رأيناك كل وقت … تهيم بالشرب والغناء
فقلت إني أمرء (٣) قنوع … أعيش بالماء والهواء (٤)
стр. 203
ذكر سلطنة الملك الأشرف أبي المعالي زين الدين شعبان ابن الأمجد حسين بن الناصر محمد بن المنصور قلاون (١)
وهو الثاني والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، تسلطن في يوم الثلاثاء خامس عشر شعبان سنة أربع وستين وسبعمائة، وكان له من العمر لما تسلطن إحدى عشرة سنة (٢).
وكان مليح الشكل، بديع الجمال، فلما لبس خلعة السلطنة، وجلس على سرير الملك، وتلقب بالملك الأشرف، ودقت له بالبشائر، ونودي باسمه في القاهرة، فضجوا الناس له بالدعاء، وفيه يقول القيم خلف الغباري (٣)، من زجل لطيف:
حب قلبي شعبان موفق رشيد … وجمالو أشرف ومالو حدود
وأبوه الحسين وعمو الحسن … وارث الملك من جدود الجدود
سل لحظك صارم لقتل العدا … وأنت منصور طول المدا والسنين
زعق السعد بين يديك شاويش … فرح القلب بعد ما كان حزين
ونصب لك كرسى على المملكة … وظهر لك نصره بفتحو المبين
والعصايب من حولك اشتالت … خفقت في الركوب عليك - البنود
فاحكم احكم في مصر يا سلطان … فجميع الملاح لحسنك جنود
فلما تم أمر الأشرف شعبان في السلطنة، أقر الأتابكي يلبغا العمري على عادته أمير كبير، واستقر بالمقر السيفي منكلي بغا الشمسي في نيابة
стр. 204
دمشق؛ واستقر بالمقر السيفي قطلو بغا الأحمدي في نيابة حلب على عادته؛ واستقر بالمقر السيفي أزدمر العمري الناصري الخازندار في نيابة طرابلس؛ واستقر بالأمير قشتمر المنصوري في نيابة صفد؛ واستقر بالأمير عمر شاه في نيابة حماه؛ واستقر بالأمير عمر بن أرغون (١) النائب في نيابة غزة.
ثم عمل الموكب بالقصر الكبير، وأخلع على من يذكر من الأمراء أرباب الوظائف بالديار المصرية وهم: المقر السيفي طيبغا الطويل أمير سلاح، والمقر السيفي عشقتمر المارديني (٢) أمير مجلس على عادته، والمقر السيفي أرغون الأسعردي دوادار كبير، والمقر السيفي أرغون الأزقي رأس نوبة النوب، والمقر السيفي طيبغا العلائي حاجب الحجاب، واستقر بجماعة منهم بتقادم ألوف، وعلى جماعة منهم بطبلخانات وعشراوات، هذا ما كان من أخباره في مبتدأ دولته.
ثم دخلت سنة خمس وستين وسبعمائة، فيها: استقر المقر السيفي عشقتمر المارديني نائب حلب، عوضا عن قطلو بغا الأحمدي (٣)، ثم نقل الأمير أزدمر العمري (٤) إلى نيابة حلب عوضا عن عشقتمر المارديني.
وفيها جاءت الأخبار من البلاد الشامية بأن نائب الشام منكلي بغا الشمسي فتح باب كيسان (٥) الذي بدمشق، بحضور القضاة الأربعة وأرباب الدولة، وكان هذا الباب مغلقا من مدة تزيد على مائتي سنة، وقد سد هذا الباب في أيام العادل نور الدين الشهيد، وقد اقتضى الرأي فتح هذا الباب ففيه مصلحة للمسلمين، ثم
стр. 205
إن نائب دمشق عقد على النهر قنطرة كبيرة على الطريق السالكة بسبب المسافرين (١).
ثم في هذه السنة: برز مرسوم السلطان للقضاة والحكام بإبطال جميع الوكلاء من أبواب الحكام بالديار المصرية والبلاد الشامية، وفي ذلك يقول الشيخ بدر الدين ابن حبيب (٢):
يقول ذا الحق الذي غاله … خصم ألد ولسان كليل
إن صيروا أسر وكيلى سدى … فحسبى الله ونعم الوكيل (٣)
ثم دخلت سنة ست وستين وسبعمائة، فيها: توفي الملك الصالح صالح بن الملك المنصور غازي صاحب ماردين، وكان ملكا جليلا نبيلا يحب العدل في الرعية، فكانت مدة مملكته بماردين نحو أربعة وخمسين سنة، وعاش من العمر نحو سبعين سنة (٤).
ثم دخلت سنة سبع وستين وسبعمائة، فيها: رسم السلطان لنائب حلب بأن يتوجه بالعساكر الحلبية لحصار قلعة خرتبرت (٥) من أعمال ديار بكر، فسار إليها نائب حلب وحاصرها نحو أربعة أشهر، فطلب صاحبها الأمان فأجيب إلى ذلك فنزل طائعا، وحضر إلى الأبواب الشريفة وقابل السلطان فأخلع عليه خلعة واستقر على حاله (٦).
стр. 206
وفي هذه السنة: جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية، بأن صاحب قبرص وصل إلى الثغر في يوم الجمعة ثالث عشرين صفر، وهو في سبعين مركبا من المراكب الحربية، وأن نائب الإسكندرية خرج إليه ومعه جماعة من عربان البحيرة إلى ظاهر باب البحر فاتقع مع الفرنج هناك وقعة عظيمة، فانكسر نائب الإسكندرية، وهرب بمن معه من العربان، فدخل الفرنج إلى المدينة ونهبوا أسواقها وقتلوا جماعة كثيرة من المسلمين وحرقوا باب رشيد (١).
فلما جاءت الأخبار بذلك كان السلطان هو والمقر السيفي يلبغا العمري في سرياقوس على سبيل التنزه، فلما بلغ السلطان ذلك طلع إلى القلعة في باكر النهار ونادى للعسكر بأن الرحيل إلى السفر بعد الظهر.
فصلى السلطان الظهر وركب وعدى إلى بر الجيزة، وكان أيام النيل (٢)، ثم سار إلى الطرانة فنزل بها، وأرسل الجاليش، وهم جماعة من الأمراء: الأمير طيبغا الطويل أمير السلاح؛ والأمير خليل بن قوصون أمير مجلس؛ والأمير قطلوبغا المنصوري؛ والأمير كوكنداي أخو طيبغا الطويل؛ وغيرهم من الأمراء.
فلما وصلوا إلى ثغر الإسكندرية فوجدوا الفرنج قد رحلوا عن الثغر، وتوجهوا إلى بلادهم بعدما جرى منهم ما جرى من القتل والنهب وغير ذلك.
فلما بلغ السلطان رجوع الفرنج إلى بلادهم فرجع إلى القاهرة، ورسم بعمارة ما فسد من ثغر الإسكندرية، وأرسل للأمراء الذين تقدموا بأن يقيموا هناك لتطمين أهل البلد وعودهم إليها.
ثم إن السلطان أخلع على الأمير بكتمر الشريف (٣) وجعله نائب ثغر الإسكندرية، بتقدمة ألف، وهو أول من وليها من الأمراء المقدمين، وكانت قبل ذلك ولاية منحطة الرتبة، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
стр. 207
إسكندرية قالت … يا نائبي صن (١) دماكا
لقد تغير ثغري … واحتجت فيه سواكا (٢)
وفي هذه الواقعة يقول الشيخ شهاب الدين ابن أبي حجلة:
ألا في سبيل الله ما حل بالثغر … على فرقة الإسلام من عصبة الكفر
أتاها من الإفرنج سبعون مركبا … وضاقت بها الغربان في البر والبحر
وصير منها أزرق البحر أسودا … بنو الأصفر الباغون بالبيض والسمر
أتوا أهلها هجما على حين غفلة … وباعهم في الحرب يقصر عن فتر
فكم من فقير عاش فيها من الغني … وكم من غني مات فيها من الفقر
نثرت دموعى يوم فرط نظامهم … فيا ليت شعري من يبلغهم نثري (٣)
وفيها: خرج الأمير طيبغا الطويل أمير سلاح إلى نحو وادي العباسة (٤) ليتصيد هناك، فأرسل إليه الأتابكي يلبغا العمري جماعة من الأمراء المقدمين، وهم: الأمير أرغون الأسعردي الدوادار، وأروس المحمودي أستادار العالية، والأمير أرغون الأزقي رأس نوبة النوب، والأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب، وأرسل صحبتهم تشريف إلى الأمير طيبغا الطويل أمير سلاح وهو بالعباسة، بأن يستقر نائب الشام، وأن يتوجه من هناك.
فلما وصلوا إليه هؤلاء الأمراء، فأبى طيبغا الطويل بأن يلبس ذلك التشريف، وأظهر العصيان، فوافقه على ذلك الأمير أرغون الأسعردي، والأمير أروس (٥) المحمودي، وهرب الأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب، والأمير أرغون الأزرق، وتوجها إلى نحو القاهرة وأخبرا الأتابكي يلبغا بما قد جرى من هذه الواقعة.
فعند ذلك ركب السلطان الملك الأشرف شعبان هو والأتابكي يلبغا العمري وسائر الأمراء، وذلك في يوم السبت سابع ربيع الأول من السنة المذكورة،
стр. 208
فتوجه السلطان إلى نحو قبة النصر فوقف هناك، هذا ما كان من أمر السلطان والأمراء.
وأما ما كان من أمر طيبغا الطويل، فأنه ساق هو ومن معه من الأمراء من وادي العباسة الليل كله حتى أصبح الصباح، فتلاقى هو والأتابكي يلبغا على قبة النصر، فأتقعوا هناك وقعة عظيمة فأشرف فيها يلبغا على الكسرة، وكان يلبغا قد أكمن كمينا في فم وادي السدرة على طيبعا ومن معه من الأمراء من ورائهم، فانكسر طيبغا الطويل ومن معه ومسك هو والأمير أرغون الأسعردي الدوادار، والأمير وأروس المحمودي الأستادار، والأمير كوكنداي أخو طيبغا الطويل، وأمسكوا غير ذلك جماعة كثيرة من الأمراء الطبلخاناه (١) والعشراوات، ثم قيدوا منهم جماعة وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وانتصر عليهم يلبغا هذه النصرة العظيمة.
وفي هذه السنة: حضر إلى الأبواب الشريفة الأمير حيار بن مهنا أمير آل فضل، وكان له مدة طويلة عاص (٢)، فأحضره نائب حماة، فأخلع عليه واستقر على عادته.
وفيها: أنعم السلطان على جماعة كثيرة من الأمراء بأمريات طبلخانات وعشراوات.
وفيها: مات الملك المجاهد سيف الدين علي صاحب بلاد اليمن، واستقر بعده ولده الملك الأفضل عباس (٣).
ثم دخلت سنة ثمان وستين وسبعمائة، فيها: طلب المقر السيفي منكلي بغا نائب الشام، فلما حضر إلى الأبواب الشريفة أكرمه السلطان، وأخلع عليه واستقر به نائب حلب وجعل حلب أكبر من دمشق على القاعدة القديمة، وأضاف له أربعة آلاف فارس من عسكر دمشق، وتوجه إلى حلب، واستقر بالأمير أقتمر عبد الغنى في نيابة دمشق.
وفيها: اهتم الأتابكي يلبغا بعمارة مائة غراب، بسبب الجهاد في سبيل الله، وكان الشاد على عمارة هذه الأغربة الأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب.
стр. 209
وفيها في مستهل ربيع الآخر عدى السلطان الملك الأشرف شعبان إلى بر الجيزة، ثم فضل التوجه إلى البحيرة ليتصيد هناك، وصحبته الأتابكي يلبغا العمري وبقية الأمراء، فلما عدى السلطان، كان يوما مشهودا في القصف والفرجة، وذلك أن الأغربة الذي عمرهم الأتابكي يلبغا أعرضهم على السلطان في ذلك اليوم وهم قد اشحنوا بالسلاح وآلة الحرب والنفط والطبول والزمور ولعبوا بها في البحر قدام السلطان الملك الأشرف شعبان ذهابا وإيابا وكان يوما لم ير مثله.
ثم إن السلطان عدى إلى بر الجيزة وتوجه إلى الطرانة فأقام بها، فوقع هناك بين الأتابكي يلبغا العمري وبين مماليك فأنه قد صار يضرب بعضهم بالمقارع وقطع أنف بعضهم ويوسط بعضهم فعند ذلك نفرت منه قلوب مماليكه واختاروا قتله (١).
فلما كان ليلة الأربعاء سادس ربيع الآخر ركبوا مماليك يلبغا وكبسوا على أستاذهم وهو في الخيام، فلما أحس (٢) بهم ركب فرس النوبة وهرب تحت الليل، وتوجه إلى انبابه، وعدى من هناك، وتوجه إلى بيته الذي في الكبش.
وطلب الأمراء الذين كانوا بالقاهرة، وأرسل منع المراكب أن لا يعدوا بأحد من العسكر إلى بر مصر، واجتمع عنده من الأمراء المقدمين الأمير طيبغا العلائي حاجب الحجاب وكان أستاداره، والأمير أينبك البدري وكان أمير آخوره، وأقبغا جركس أمير سلاحه، وغير هؤلاء جماعة من الأمراء هذا ما كان من أمر يلبغا.
وأما ما كان من أمر مماليكه فأنهم لما علموا بهروبه اجتمعوا كلهم، وجاءوا إلى السلطان الملك الأشرف شعبان، وقالوا له: "إن لم تركب معنا، وإلا قتلناك"، فركب صحبتهم إلى أن وصلوا إلى ساحل انبابه، فأقام السلطان هناك من يوم الأربعاء إلى يوم الخميس.
ثم إن يلبغا طلع إلى القلعة وأخرج سيدي أنوك أخو الملك الأشرف شعبان من دور الحرم، وسلطنه، ولقبه بالملك المنصور، وذلك في يوم الجمعة، فركب وصحبته سيدي انوك، وجماعة من الأمراء، وتوجهوا إلى نحو الجزيرة الوسطى.
стр. 210
فصار الملك الأشرف شعبان في بر إنبابة، ويلبغا في الجزيرة الوسطى، وهما يتراموا بالنشاب، ومكاحل النفط، فعند ذلك حضر إلى عند السلطان الملك الأشرف شعبان شخص من النواتية، يسمى محمد بن لبطة، كان ريسا على المراكب في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، فقال للسلطان: "أنا أعدى بك"، فأخذ نحو ثلاثين غرابا من الذي كان عمرهم يلبغا، كما تقدم، فكسر بروقهم وعمرهم بالمقاديق، وعدى بالسلطان والعسكر أولا بأول، وهم راكبون الخيول، وذلك في يوم السبت بعد العصر، فطلع السلطان من جزيرة الفيل إلى أن طلع إلى القلعة.
فلما تسامع الأمراء والعسكر الذين كانوا عند يلبغا بأن السلطان الملك الأشرف شعبان طلع إلى القلعة، فصاروا يتسحبون من عند الأتابكي يلبغا، ويطلعون إلى القلعة فلم يبق مع يلبغا الا القليل من الأمراء والعسكر.
فرجع يلبغا من الجزيرة الوسطى، وطلع إلى الرملة، ووقف بسوق الخيل ساعة، فلم يطلع إليه أحد من العسكر فلما رأى أمره في إدبار، نزل عن فرسه وصلى ركعتين قدام باب الميدان، ثم حل سيفه وأعطاه للأمير طيبغا حاجب الحجاب، وركب فرسه وقصد التوجه الى بيته الذي في الكبش، فرجموه العوام وسبوه لأنهم كانوا يبغضونه بغضا شديدا ثم وصل إلى بيته بعد جهد كبير.
فلما أقام في بيته أرسل السلطان إليه بعض الأمراء ليحضروه إلى القلعة، فركب يلبغا من بيته وطلع إلى القلعة، ومعه طيبغا العلائي حاجب الحجاب، وكان طلوعه إلى القلعة يوم السبت وقت المغرب، فلما طلع إلى القلعة فسجن بها هو وطيبغا العلائي فأقام في السجن إلى بعد العشاء، فهجموا مماليكه عليه، وأخرجوه من السحن، وأخذوه، وتوجهوا به إلى باب القلعة، فلما وصلوا به إلى سلم المدرج أراد أن يركب فمنعوه مماليكه من الركوب، ومشوا به إلى رأس الصوة، فتقدم إليه مملوك من مماليكه، يسمى قراتمر، فضربه بالسيف، فأرمى رأسه، فأخذوا رأسه بقية المماليك، ووضعوها في مشعل، وتوجهوا بها إلى بيته الذي في الكبش.
وكان يلبغا له سلعة خلف أذنه، فلما رأوا رأسه لم يشك أحدا في قتله، وصار جسده مرمي في الصوة، فلما أصبح الصباح جاء الأمير طشتمر الدوادار فأخذ جثته، وحصل رأسه وخيطها على جثته، ودفنه في تربة خارج الباب المحروق، وفي هذه الواقعة يقول بعض شعراء العصر في المعنى:
стр. 211
أتاك على يدك (١) الموت لما … ظهرت بما نهاك الشرع عنه
فلا تعتب سواك على الذي قد … بليت به فدود الخل منه (٢)
وقال آخر:
بدا شقاء يلبغا وعدت … عداه في سفنه إليه
والكبش لم يفده وأضحت … تنوح غربانه عليه (٣)
وقال آخر:
حواشى يلبغا كانوا زناة … فلا تعجب إذا رجموا جهارا
ولا عجب إذا سكروا بحرب … فأهل الكبش ما برحوا سكارى (٤)
وكانت قتلة الأتابكي يلبغا في ليلة الأحد تاسع ربيع الآخر من سنة ثمان وستين وسبعمائة.
وكان أميرا جليلا مليا، عالي الهمة، نفاذ الكلمة، صاحب الحل والعقد بالديار المصرية ليس على يده فيما يأمر به، وكان الملك الأشرف شعبان في يد يلبغا مثل اللولب يدوره كيف شاء. وكان يلبغا سيئ الخلق، جري اليد سفاحا للدماء قتل جماعة كثيرة من مماليكه ومن الأمراء ولا سيما قتله للسلطان حسن وهو أستاذه، وقد رقاه في أيامه، كما تقدم.
وقيل: أنه غضب يوما على سابق الدين مثقال مقدم المماليك فضربه في وسط القصر الكبير ستمائة عصاه (٥)، وكان قرب موته زاد في الأذى والظلم في حق الناس لكنه كان أميرا زائد الشهامة والعظمة.
قيل: بلغت عدة مماليكه نحو ألفين وخمسمائة مملوك (٦)، وكان منهم أربعة أمراء مقدمين ألوف غير العشراوات، وإليه ينتسب الطرز الذهب العريض الطويل، فيقال: طرز" يلبغاوي"، وإليه تنتسب الصحون الكبار، فيقال: "صحون يلبغاوية".
стр. 212
قيل: كان ضريبة كل صحن عشرة أرطال لحم، وإليه تنتسب أشياء كثيرة غير ذلك، وكان ماشيا على نظام ما لا مشاعليه أحد من الأمراء قبله ولا بعده، وعاش في أرغد عيش وفي سعة من المال، وعظم الجاه، كما يقال في المعنى:
خذ من زمانك ما أعطاك معتنما … وأنت ناه لهذا الدهر أمره
فالعمر كالكأس تستخلى أوائله … لكنه ربما مجت أواخره (١)
فلما قتل يلبغا أصبح الأمراء وطلعوا إلى القلعة، وقبضوا على جماعة من الأمراء، وهم: قرابغا البدري، ويعقوب شاه، وطيبغا العلائي حاجب الحجاب، وقبضوا على جماعة من الأمراء الطبلخانات، فقيدوا الجميع وأرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وصار المتحدث في أمور المملكة الأمير طغيتمر النظامي، والأمير اقبعا الأحمدي الجلب.
ثم عمل السلطان الموكب وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأمير قشتمر المنصوري واستقر حاجب الحجاب عوضا عن طيبغا العلائي، وأخلع على الأمير أيدمر الشامي واستقر دوادار كبير، وأضيف إليه نظر الأحباس، وهو أول من تكلم في الأحباس من الدوادارية.
وفيها: مسك الصاحب فخر الدين بن قروبنة وتسلمه الأمير قرابغا الصرغتمشي، فصار يعاقبه وأحرق أصابعه بالنار ولا زال يعاقبه حتى مات تحت الضرب.
وفيها: في يوم الخميس سادس عشر رجب أثار بعض الأمراء فتنة، وركب وطلع إلى الرملة، فنزل إليهم جماعة من المماليك السلطانية، فكسروهم ومسك الأمير قرابغا الصرغتمشي، والأمير [تغري] (٢) برمش العلائي، والأمير أينبك البدري، والأمير إسحق (٣) الرجبي، والأمير قرابغا العزي، والأمير مقبل الرومي، فقيدوا وأرسلوا إلى السجن بثغر الإسكندرية.
стр. 213
فلما جرى ذلك ركب جميع الأمراء على السلطان فنزل إلى الحراقة، ودقت الكوسات حربى، ووقف الأمراء بسوق الخيل، فأرسل السلطان يقول للأمراء: "إيش قصد كم"، فقالوا: "مسك" الأمير أسندمر الناصري وجماعة من مماليك يلبغا".
وكان الأمير أسندمر لما قتل يلبغا استقر أتابك العساكر عوضا عن يلبغا العمري، وسكن في بيته الذي في الكبش، والتف عليه جماعة من مماليك يلبغا وأراد ان يمشي على طريقة يلبغا.
فلما ركب الأمراء ووقفوا بسوق الخيل، فلم يشعروا إلا والأمير أسندمر قد أقبل من نحو قبة الهوى، ووصل إلى تحت الطبلخاناة السلطانية، ومعه مماليك يلبغا وجماعة من الزعر بأيدهم المقالع، فلما رأوه الأمراء الذي (١) في سوق الخيل هربوا من وجهه بأجمعهم، ولم يثبت في الوقوف من الأمراء سوى الأمير الجاي اليوسفي (٢)، والأمير أرغون شاه [ططر] (٣)، فصاروا يتقعوا مع الأمير أسندمر، وممالك يلبغا إلى بعد الظهر، فلم يساعدهما أحد من الأمراء، ولم يطلع إلى الرملة منهم واحد، فعند ذلك هرب الأمير الجاي اليوسفي، والأمير أرغون شاه تتر، وانكسرا وانتصر عليهما الأمير أسندمر ومماليك يلبغا.
ثم إن الأمير أسندمر قبض على جماعة من الأمراء، وهم: الأمير أيدمر الشامي الدوادار، والجاي اليوسفي، وقطلوبغا جركس أمير سلاح، وأرغون شاه ططر (٤)، وطغيتمر (٥) النظامي، وقجماس الطازي، وأقطاي اليلبغاوي، وأقبغا الأحمدي (٦)، وجماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، فقيدوا وأرسلوا إلى السجن بثغر الإسكندرية.
стр. 214
فكان عدة من مسك في هذه الحركة من الأمراء المقدمين ثمانية (١)، ومن الأمراء الطبلخانات والعشراوات تسعة (٢)، ولما انتصر أسندمر الناصري هذه النصرة العظيمة لم يخلع الملك الأشرف شعبان من السلطنة بل أبقاه على حاله.
تم عمل السلطان الموكب وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي أسندمر الناصري واستقر أتابك العساكر على عادته، وأخلع على المقر السيفي أزدمر العمري الناصر الشهير بالخازندار واستقر أمير سلاح وقد تقدم أنه تولى نائب حلب، ثم رسم بإحضاره، فلما حضر أخلع عليه واستقر أمير سلاح بالديار المصرية عوضا عن قطلوبغا جركس.
وأردمر العمري هذا هو جد والد مؤلف هذا التاريخ، وكان جد والده لأمة، وكان الأمير أزدمر أميرا دينا، خيرا، له بر ومعروف، وأثار فمن ذلك أنه أنشأ حوضا وسبيلا في قرية جلمة بني سعد من أعمال قاقون، وأنشأ خانا بالقرب من حلب يسمى خان سراقب، وجعله للسبيل، وله أوقاف على الحرمين الشريفين، وكان كثير البر والصدقات ناظرا إلى فعل الخير وحب الثواب تغمده الله تعالى برحمته ورضوانه.
وأخلع علي الأمير جركتمر المنجكي واستقر أمير مجلس، وأخلع على الأمير الطنبغا اليلبغاوي واستقر رأس نوبة النوب، وأخلع على الأمير بيرم العزي طقطاي واستقر دوادار كبير عوضا عن أيدمر الشامي، وأخلع على قطلقتمر العلائي واستقر أمير جاندار، وأخلع على سلطان شاه بن قرا واستقر حاجب ثاني (٣)، وأنعم السلطان على جماعة كثيرة من المماليك بأمريات طبلخاناه وعشراوات عوضا عمن مسك في هذه الحركة، ونفى إلى السجن بثغر الإسكندرية، كما تقدم.
وفي أثناء هذه السنة كانت وفاة الشيخ جمال الدين محمد بن نباته المصري، وهو صاحب الأشعار اللطيفة، الذي فاق بها على من تقدمه من الشعراء، وكان
стр. 215
مولده في سنة ست وثمانين وستمائة، ووفاته في سنة ثمان وستين وسبعمائة، فكانت مدة حياته اثنتين وثمانين سنة، ومن شعره لنفسه، وهو قوله:
أصغ لما قال أخو وقتكم … وخل عنك اليوم ما قيلا
واسمع مقاطيعا له أطربت … ولا تقل إلا مواصيلا (١)
ثم دخلت سنة تسع وستين وسبعمائة، فيها: جاء الفرنج إلى مدينة إياس، وحاصروا قلعتها، وكان الفرنج في مائة (٢) قطعة من المراكب الحربية، فخرج إليهم الأمير منكلى بغا الشمسي نائب حلب، وصحبته العساكر الحلبية، فلما سمعوا الفرنج بقدوم نائب حلب رحلوا من قلعة إياس، وتوجهوا إلى طرابلس، وكانوا ثلاثة ملوك من ملوك الفرنج: صاحب قبرس، و صاحب رودس، وصاحب الأسيتار (٣).
وكان نائب طرابلس غائبا عن المدينة فأغتنموا الفرنج هذه الغفلة، ونزلوا إلى ساحل طرابلس، فخرج إليهم بعض عسكر، فاتقعوا معهم فانكسروا عسكر طرابلس، ودخل الفرنج إلى البلد، ونهبوا أسواقها، وقتلوا بها جماعة من المسلمين نحو أربعين رجلا، ثم تسامعوا بذلك أهل البلاد فتحابوا وجاءوا إلى طرابلس، واتقعوا مع الفرنج وقعة عظيمة فقتل من الفرنج نحو ألف فارس، وانكسروا ورجعوا إلى بلادهم خائبين.
وفي أواخر هذه السنة: هجم الوباء على الديار المصرية، وأقام نحو أربعة أشهر، فكان يخرج من أبواب القاهرة في كل يوم "عشرة آلاف" (٤) جنازة، فكان الأمر كما قال القائل: