← История

История · id 30069

عقود الجمان في وقائع الأزمان

ابن إياس

Полный текст (553 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

ثلاثة أيام، ثم إن الأمير نوروز الحافظي حضر إلى القاهرة تحت الليل، وتوجه إلى بيت المقر الأتابكي بيبرس، ومن جملة سعد الملك الناصر أن في تلك الليلة اتفق جماعة من المماليك السلطانية نحو ألف مملوك بأن يتوجهوا إلى جكم ونوروز في تلك الليلة فما صبر نوروز، وحضر إلى بيت الأتابكي بيبرس في تلك الليلة، وكم من عجلة أعقبت ندامة. ثم إن الأتابكي بيبرس طلع إلى القلعة، واجتمع بالسلطان، وتقرر الحال على أن نوروز يكون نائب الشام فأرسل إليه السلطان خلعة، ورسم له بأن يخرج إلى الشام من يومه، فلما خرج نوروز إلى الريدانية، أرسل إليه السلطان من قيده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، فعز ذلك على الأتابكي بيبرس، وأقام في بيته أيام لم يطلع إلى القلعة، وكان الأتابكي بيبرس حلف لنوروز بالطلاقة ثلاثة: "أنه ما يحصل له تشويش"، فلما فعل به السلطان ذلك، فعز عليه هذا إلى الغاية. ثم إن الأمير حكم العوضي أرسل يسأل فضل السلطان بأن يتوجه إلى ثغر دمياط، ويقيم به و هو طرخان، فأجيب إلى سواله، ورسم له بالحضور فتوجه إليه الأمير أينال حطب إلى شبرامنت، فأحضره في ليلة الأربعاء، فطلع إلى عند الأمير سودون أمير أخور كبير، فرسم السلطان بتقييده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، وأرسل معه الأمير تمربعا المشطوب وهو مقيد والأمير سودون من زاده، وجماعة من الأمراء الذين خامروا على السلطان فقيدوا أجمعين وأرسلوا إلى السجن بثغر الإسكندرية صحبة الأمير سودون تلي. ثم إن السلطان رسم بالإفراج عن الأمير يشبك الشعباني من السجن بثغر الإسكندرية فحضر إلى القاهرة وطلع إلى القلعة، وباس الأرض، وأخلع عليه، ونزل إلى بيته، ورسم بعود إقطاعه كما كان من قبل، وأخلع عليه واستقر دوادار كبير على عادته. ثم إن السلطان رسم بالإفراج عن الأمير قطلوبغا الحسني، والأمير أقباي الكركي، والأمير جركس القاسمي، فتوجه لإحضارهم الأمير سودون بقجه، فتوجه إلى ثغر الإسكندرية وأحضرهم إلى القاهرة فطلعوا إلى القلعة وباسوا الأرض، وأخلع عليهم ونزلوا إلى بيوتهم، ثم إن السلطان أنعم عليهم بتقادم ألوف عوضا عن من سجن من الأمراء بثغر الإسكندرية، كما تقدم، فكانوا مثل بابات خيال الظل شيء يجيء، وشيء يروح، كما قيل في المعنى لبعضهم:

стр. 387

رأيت خيال الظل أعجب منظرا … لمن هو في علم الحقيقة راقي تمر وتمضى بابة بعد بابة … وتفنى جميعا والمحرك باق (١) وفي هذه السنة وهي سنة أربع وثمانمائة: في يوم الثلاثاء ثالث عشر شوال ورد كتاب من ثغر الإسكندرية يخبرون فيه، بأن قد حضرت مركب من بلاد ابن عثمان، وفيها جماعة من التركمان، فأخبروا بأن تمرلنك المخذول قد هلك، وصح ذلك (٢). قال القاضي تقي الدين ابن المقريزي محتسب القاهرة: "كنت عند القاضي فتح الدين فتح الله كاتب السر الشريف، فجاءه كتاب ابن عثمان يخبر فيه موت تمرلنك، وأن القان أحمد بن أويس رجع إلى بلاده، وكذلك قرا يوسف، وأخبروا بأن الجمرة التي طلعت في جسده وهو بدمشق فرعت في سائر جسده حتى هلك، وعجل الله تعالى بروحه إلى النار، كما قيل في ذلك: زبانية النيران تكره وجهه … ومنه استعادت مذ رأته (٣) جهنم (٤) وقيل: لما دفن كان يسمع له عوي في قبره مثل عوى الكلاب، وقيل: أنهم شاهدوا الدخان يطلع من قبره، وكان قبل موته شرع في جمع عساكر، وقصد أن يتوجه إلى مصر، فكفى الله تعالى الناس شره، وقد قال في ذلك بعض الشعراء: مات تمرلنك وجائت لنا … أخباره فيما تأتي إليه (٥) وقد كفانا ربنا شره … والله كافي من توكل عليه (٦) وفي هذه السنة: خرج المحمل من القاهرة في يوم ثاني عشرين شوال ولم يعلم بأن المحمل قد تأخر عن الخروج مثل هذه السنة، وكان أمير المحمل في تلك السنة الأمير نكبيه الازدمري (٧).

стр. 388

وفي هذه السنة: دخل الأمراء إلى بيت المقر الأتابكي بيبرس ولعبوا عنده بالصولجان والأكرة، فلما فرغوا وخرجوا من بيته تلقاهم نحو ثلاثماية مملوك (١) من مماليك السلطان الأجلاب، فضربوا الأمراء حتى الأمير يشبك الشعباني الدوادار الكبير، فهرب وطلع إلى باب السلسلة، وأقام هناك إلى بعد العصر، فلما بلغ السلطان ذلك رسم للحجاب ووالي القاهرة بأن يحضروا المماليك الذي (٢) فعلوا ذلك بالأمراء، فأحضروا منهم مملوكين فضربهم السلطان بالمقارع ثم سكنت هذه الفتنة. وفي أواخر هذه السنة: زاد شر عربان البحيرة، وخرجوا عن الحد في الفساد، ونهب البلاد، فرسم السلطان بأن يجردوا إليهم الأمراء فتوجه إليهم عشر من الأمراء المقدمين، وهم: بكتمر الركني، ويشبك الشعباني، وسودون المارديني، ويلبغا الناصري، وأنيال بيه بن قجماس، وسودون من علي بيه، وسعد الدين إبراهيم بن غراب أمير مجلس، وقطلوبغا الكركي، وآلان اليحياوي، وأينال العلائي حطب؛ ومن الأمراء الطبلخانات والعشراوات أربعة عشر أميرا؛ ومن المماليك السلطانية نحو أربعمائة مملوك، فخرجوا من القاهرة على حمية، وتوجهوا إلى البحيرة (٣). ثم دخلت سنة خمس وثمانمائة، فيها: وقعت وحشة بين السلطان وبين الأتابكي بيبرس، فرسم له السلطان بأن يتوجه هو وحريمه إلى ثغر دمياط، فأخذ في أسباب خروجه إلى دمياط، فطلع الأمراء وتكلموا مع السلطان، بسبب ذلك فبطل أمر سفره إلى دمياط، وكان سبب تغيض السلطان عليه كون أنه تعصب للأمير نوروز الحافظي، وشفع فيه بأن يكون نائب الشام، فشق ذلك على السلطان، وبقي في نفسه منه شئ. ثم دخلت سنة ست وثمانمائة، فيها: اضطربت أحوال الديار المصرية والبلاد الشامية وكثر الخلف بين الأمراء وزاد شر العربان في الشرقية وفي الغربية، وقويت رؤوس الفلاحين عن وزن الخراج، وخامروا النواب بالبلاد الشامية والحلبية، واستمر الحال يتزايد والفتن ثائرة (٤) بين الأمراء إلى أن دخلت سنة ثمان وثمانمائة.

стр. 389

فيها: ضاق الأمر على الملك الناصر فرج حتى كادت أن تزهق نفسه من هذه الأحوال. فلما كان يوم الأحد خامس عشرين ربيع الأول من سنة ثمان وثمانمائة نزل السلطان الملك الناصر من القلعة بعد الظهر واختفى فلم يعلم له مكان، فلما بلغ ذلك إلى الأمراء ركبوا وطلعوا إلى القلعة، واجتمعوا في الجامع وضربوا مشورة فيمن يسلطنوه، فوقع الاتفاق على سلطنة أخيه عبد العزيز، فطلبوه من دور الحرم، وسلطنوه في ذلك اليوم، ولقبوه بالملك المنصور، وخلع الملك الناصر فرج من السلطنة. فكانت مدة سلطنة الملك الناصر فرج في هذه المرة ست سنين وخمسة أشهر وعشرة أيام. وقد عاد إلى السلطنة ثانيا، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى.

стр. 390

ذكر سلطنة الملك المنصور عز الدين أبي العز عبد العزيز ابن الملك الظاهر برقوق ين أنس وقيل أنص العثماني الجركسي (١) وهو السابع والعشرون من ملوك الترك وأولادهم الديار المصرية، وهو الثالث من ملوك الجراكسة وأولادهم بمصر؛ تسلطن بعد خلع أخيه الملك الناصر فرج في يوم الأحد، وقيل: يوم الإثنين سادس عشرين ربيع الأول سنة ثمان وثمانمائة، بعهد من أبيه الملك الظاهر برقوق عند موته، كما تقدم ذلك. وكان له من العمر لما تسلطن عشر سنين، وقيل: دون ذلك؛ وأمه أم ولد تركية الجنس، تسمى قنقباى، فألبسوه خلعة السلطنة بعد أن بايعه الخليفة والقضاة، فركب من باب الستارة إلى القصر الأبلق، والأمراء مشاه بين يديه فجلس على سرير الملك، وباسوا له الأمراء الأرض، ونودي باسمه في القاهرة، ودقت له البشائر، وتلقب بالملك المنصور. ولكنه لم يتم أمره في السلطنة ولا ساعده الزمان، كما قيل في المعنى: ما كل من طلب المعالي نافذا … فيها ولا كل الرجال فحولا! (٢) فوقع بين الأمراء الخلف، ولا سيما المقر السيفي يشبك الشعباني الدوادار، فإنه كان في دولة الملك الناصر فرج صاحب الحل والعقد، وكان يتصرف في أمور المملكة بحسبما يختار من ذلك، فصار غيره متكلما في أمور الدولة، فعز ذلك عليه، والتفت إلى عود الملك الناصر فرج. فلما رأى ذلك المقر السيفي السعدي سعد الدين ابن غراب، فأسر إلى المقر السيفي يشبك الشعباني بأن الملك فرج عنده، ففرح الأمير يشبك بذلك، وأخذ في أسباب ظهور الملك الناصر.

стр. 391

فلما كان يوم الخميس رابع جمادى الآخر من سنة ثمان وثمانمائة: ظهر الملك الناصر فرج من بيت سودون الحمزاوي، فاضطربت القاهرة وماجت، وجاء إليه الأمراء والمماليك السلطانية، فصار العسكر فرقتين فرقة مع الملك الناصر فرج، وفرقة مع أخيه عبد العزيز. وكان الذي من عصبة أخيه عبد العزيز: الأتابكي بيبرس، والأمير سودون المحمدي، والأمير أينال باي بن قجماس، والأمير سودون المارديني، وجماعة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، وجماعة من المماليك السلطانية. وكان من عصبة الملك الناصر: فرج الأمير يشبك الشعباني الدوادار، وجماعة كثيرة من الأمراء، ومن المماليك السلطانية جماعة كثيرة أكثر من الفرقة التي مع أخيه عبد العزيز. فلبسوا آلة الحرب، واقتتلوا في ذلك اليوم إلى بعد الظهر أشد القتال، فانكسر الأتابكي بيبرس ومن كان معه من الأمراء، وانهزموا أجمعين، وانتصر عليهم الملك الناصر، وملك القلعة، وخلع أخاه الملك المنصور عبد العزيز من السلطنة، ورسم له بأن يدخل إلى دور الحرم، فدخل إليها، وأقام بها إلى شهر صفر سنة تسع وثمانمائة، فأخرجه الملك الناصر إلى ثغر الإسكندرية، هو وأخوه سيدي إبراهيم، فأقاما بثغر الإسكندرية نحو أربعين يوما، ثم جاءت الأخبار بموتهما في يوم واحد، فقيل: إن الملك الناصر أشغلهما في حلوى. فكانت مدة سلطنة الملك المنصور عبد العزيز بن برقوق شهرين وعشرة أيام. وتوفي بالإسكندرية في ليلة الإثنين سابع ربيع الأول سنة تسع وثمانمائة، ومات سيدي إبراهيم بعده بيومين، ونقلا بعد موتهما من الإسكندرية، ودفنا عند والدهما برقوق في الخانقاة التي في الصحراء.

стр. 392

ذكر عود الملك الناصر فرج ابن الظاهر برقوق إلى السلطنة (١) وهي السلطنة الثانية، عاد وجلس على سرير ملكه، في يوم الخميس رابع جمادى الآخر من السنة المذكورة. ثم قبض على الأتابكي بيبرس، وقيده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، ومعه جماعة من الأمراء ممن كانوا من عصبة أخيه عبد العزيز. ثم أخلع على المقر السيفي تغري بردي واستقر به أتابك العساكر عوضا عن بيبرس؛ وأخلع على جماعة كثيرة من الأمراء المقدمين وغيرهم عوضا عن من سجن بثغر الإسكندرية. وفي هذه السنة: توفى الإمام أمير المؤمنين المتوكل على الله محمد ابن أمير المؤمنين المعتضد بالله، وكانت وفاته في ليلة الثلاثاء ثامن عشرين رجب من السنة المذكورة، فكان مجموع خلافته بمصر إلى أن مات نحو خمسة وأربعين سنة. وقيل: جاءه من صلبة أكثر من مائة ولد ما بين ذكور وإناث، ومسقوط، وتولى الخلافة من أولاده خمسة، وهم: العباس، وداوود، وسليمان، وحمزة، ويوسف، وقد تقدم ذلك في تراجم الخلفاء، ولما توفي المتوكل تولى ابنه العباس الخلافة، وتلقب بالمستعين بالله. وفي هذه السنة: أفرج السلطان عن الأمير نوروز الحافظي، وجكم العوضي، واستقر بهما نوابا، فلما خرجوا من مصر، خامروا عليه وأظهروا العصيان، والتف نوروز على شيخ المحمودي.

стр. 393

وأما حكم العوضي، فتسلطن بحلب، وباسوا له الأرض، وحكم من الفرات إلى الشام، ثم خرج من حلب إلى قتال بعض الخوارج من التركمان، وهم قرا يوسف فقتل في المعركة، ولا يعرف من قتله، وكفى الله تعالى الملك الناصر شره. فعند ذلك صفا للملك الناصر الوقت، فأخذ في أسباب قتل مماليك أبيه، فكان يقتل في كل ليلة من المماليك بحسبما يختار من ذلك، فقيل: كان يخرج بعد العشاء، وهو سكران فيعرضون عليه المماليك، وهم في زناجير (١) حديد، فيقدمون إليه واحدا بعد واحد، فيقول: "من" هذا، فيقولون له: "هذا فلان من الطبقة الفلانية"، فيذبحه بيده، ثم يدوس على وجهه برجله، وربما يبول على وجهه أو يصب عليه قدح نبيذ، وذكروا عنه أشياء كثيرة من هذا النمط، فقيل: أنه ذبح بيده نحو من ألفين مملوك، غير ما قتل من الأمراء وغيرهم. وكان معذورا في قتله لبعضهم، فأنه كان يسامح الواحد منهم المرة والمرتين والثلاثة، وهم يعذرونه ويعصون عليه، حتى كان يقول الملك المؤيد شيخ بعد موت الملك الناصر: "ما صبر أحد من الملوك كصبر الملك الناصر فرج على مماليك أبيه، فأنه ما كان يقتل الواحد منهم، حتى يكون قد عصى عليه المرة والمرتين والثلاثة". وجرى للملك الناصر فرج مع مماليك أبيه من الوقائع ما يطول شرحه عن هذا المختصر، وكان الأتابكي تغري بردي يرجعه عن هذه الأفعال الشنيعة، وهو لا يرجع، فلما ثقل عليه كلام الأتابكي تغري بردي استقر به نائب الشام، وأبعده عنه، وأسرف في قتل المماليك، حتى جاوز في ذلك الحد. فعند ذلك نفرت منه قلوب المماليك، وصاروا يتسحبون من الديار المصرية، ويتوجهون إلى الأمير نوروز الحافظي، والأمير شيخ المحمودي إلى نحو البلاد الشامية، فقويت شوكة نوروز وشيخ، وتلاشى أمر الملك الناصر فرج، وصار حكمه لا يتجاوز إلى قطيا (٢) في غالب الأمور، ولا سيما لما عصى عليه نوروز وشيخ وسائر النواب، وانقلب العسكر جميعه عليه، بسبب أفعاله الشنيعة، مما تقدم ذكره من القتل وسفك الدماء.

стр. 394

ومن الحوادث في أيامه، أن في سنة عشر وثمانمائة: ظهر في السماء بعد مغيب الشفق، حمرة عظيمة من الجهة الغربية، ثم اشتدت تلك الحمرة، حتى صارت كالنار الموقدة، وكان وراء تلك الحمرة برق ساطع، فصار كلما لمع يخيل للناظر أنها نار لا محالة، ثم انتشرت تلك الحمرة، حتى كادت أن تغطي ثلث السماء، واستمر الحال على ذلك إلى نصف الليل، فخاف الناس من ذلك، وتضرعوا إلى الله تعالي بالدعاء؛ فانكشفت تلك الحمرة قليلا قليلا، حتى انجلت، فأصبح الناس يتحدثون بما وقع في تلك الليلة من العجائب (١). ومن الحوادث في أيامه أيضا، أن في سنة اثنتى عشر وثمانمائة أوفى النيل المبارك في أول يوم من مسري، وبلغت الزيادة في تلك السنة اثنين وعشرين ذراعا وأصبع من ثلاثة وعشرين ذراعا؛ فحصل بذلك في تلك السنة للناس الضرر الشامل، وغرق أكثر البساتين، وتبحرت الأرض، وانقطعت الطرق، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: يا رب أن النيل زاد زيادة … أدت إلى هدم وفرط تشتت ما ضره لو جاء على عاداته … في دفعه أو كان يدفع بالتي (٢) وقال آخر في المعنى: قد زاد هذا النيل في عامنا … فأغرق الأرض (٣) بإنعامه وكاد أن يعطف من مائه … عرى على أزرار أهرامه (٤) ثم دخلت سنة أربعة عشر وثمانمائة، فيها قوى عزم الملك الناصر فرج على الخروج إلى قتال نوروز وشيخ، فأعرض العسكر، ونفق عليهم وتجهزوا للسفر، ثم خرج الملك الناصر من القاهرة في موكب عظيم، ورسم للعسكر أن يخرجوا وهم لابسون آلة الحرب، فتوجه الملك الناصر إلى منزلة الريدانية، وصحبته الخليفة العباس والقضاة الأربعة وسائر الأمراء، وهذه التجريدة الثالثة التي خرج فيها الملك الناصر فرج بنفسه، فأنه خرج أول ما تسلطن إلى تنم الحسني نائب الشام لما أن عصى عليه؛ وخرج في ثاني مرة إلى قتال تمرلنك،

стр. 395

كما تقدم؛ وخرج في ثالث مرة بسبب نوروز وشيخ لما أظهروا العصيان، وهي التجريدة التي قتل فيها. فلما رحل الملك الناصر ووصل إلى غزة، فصار غالب المماليك السلطانية يتسحبون من عنده، ويتوجهون إلى نوروز وشيخ، فقوى أمر نوروز وشيخ، واجتمع عندهما عسكر عظيم من النواب والأمراء والمماليك السلطانية والعربان والعشير، فكان عندهما من الأمراء والنواب ما يزيد على عشرين أميرا، منهم: قرقماس المسمى بسيدي الكبير، والأمير بكتمر جلق، والأمير سودون المحمدي، والأمير شاهين الأفرم، والأمير طوغان الحسني، وغير هؤلاء من النواب. فلما وصل الملك الناصر إلى دمشق، فصار نوروز وشيخ يتوجهان في كل يوم من بلد إلى بلد، والملك الناصر في أثرهما سوقا هو ومن معه من العسكر، وقد انقطع منهم جماعة كثيرة من شدة السوق والتعب إلى أن وصل إلى اللجون (١). فلما كان يوم الثلاثاء خامس عشرين المحرم من سنة خمسة عشر وثمانمائة، تلاقى الملك الناصر فرج هو ومن بقي معه من الأمراء والعسكر على اللجون، وهو مكان بالقرب من دمشق، فتلاقى (٢) الملك الناصر والنواب على اللجون بعد العصر، وهو لا يعي من شدة السكر، فدكس عليهم فكلموه الأمراء في ذلك هم والقاضي فتح الله كاتب السر الشريف، وقالوا له: يا مولانا السلطان أنزل هنا ساعة حتى يستريح العسكر من التعب ويريحون خيولهم، فلم يلتفت إلى كلامهم، وقال: "أنا لي سنين انتظر هذا اليوم ومتى أن نزلت هنا ساعة يهرب النواب من وجهي". فلما لم يسمع نصح أحد من الأمراء، تسحب من عنده الأمير قجق (٣) أمير سلاح، وتوجه إلى عند نوروز وشيخ، فلما رأوا بقية العسكر هذه الأحوال الفاسدة، فلوا من حول الملك الناصر، وتوجهوا إلى النواب وهو مع ذلك مصر على رأيه الفاسد في الكبس على الأمراء والنواب، فكبس عليهم بمن بقي معه من العسكر، فلم تكن إلا ساعة يسيرة، وقد انكسر الملك الناصر فرج وهو باللجون.

стр. 396

فلما انكسر انهزم إلى نحو دمشق في نفر قليل من العسكر نحو ثلاثمائة مملوك، فبات في تربة تنم نائب الشام كان، وذلك في ليلة الأربعاء سادس عشرين المحرم. فلما انهزم الملك الناصر، استولى نوروز وشيخ على خزائن المال والأطلاب، ودخلوا إلى دمشق وملكوها، وقد انتصروا على الملك الناصر فرج، وكسروه على اللجون، كما تقدم ذكر ذلك، وفي [١٨٢/ ١ أ] هذه الواقعة يقول الشيخ تقي الدين ابن حجة الشاعر، من قصيدة امتدح بها الملك المؤيد شيخ، فمن أبياتها في المديح قوله: وجميع هاتيك البغاة بأسرهم (١) … دارت عليهم من سطاك دوائر (٢) وعلى ظهور الخيل ماتوا خيفة … فكأن هاتيك السروج مقابر (٣) فلما دخل العسكر إلى دمشق اجتمعوا في دار السعادة، واشتوروا فيمن يولوه سلطان، ثم خلعوا الملك الناصر فرج من السلطنة. فأرسل الملك الناصر إلى الأمير شيخ يطلب منه الأمان، ولو أن الملك الناصر التجأ إلى الأمير نوروز الحافظي ما حصل له سوء، فأن نوروز كان صهر الملك الناصر زوج أخته، ولكن التجأ إلى الأمير شيخ، فأرسل إليه من قيده، وسجن بقلعة دمشق. ثم أحضروا القضاة الأربعة في دار السعادة، وكتبوا محضرا بأفعال الملك الناصر، وقامت البيئة بما يوجب كفره، فحكم القضاة بقتله. فلما كانت ليلة السبت (٤) سادس صفر من السنة المذكورة، قتل الملك الناصر فرج بن برقوق، وهو بقلعة دمشق، قيل: دخلوا عليه فداوية، فقتلوه بالخناجر حتى مات، ثم ألقوه على مزبلة وهو عريان، والناس ينظرون إليه ولو أمكن مماليك أبيه أن يحرقوه لحرقوه بالنار مما قاسوا منه، كما تقدم. ثم بعد ثلاثة أيام غسلوه وكفنوه وصلوا عليه، ودفنوه في مقبرة باب القراديس بمرج الدحداح بدمشق، فكان كما قيل:

стр. 397

كم من ملوك طغوا فينا وما عدلوا … ولم تنل منهم رفقا مساكنهم فاستعن بالسمع عن مراهم عظة … فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهم (١) فكانت مدة سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق بالديار المصرية إلى يوم خلع بدمشق ثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر وأحد عشر يوما، وذلك خارجا عن مدة خلعه بأخيه الملك المنصور عبد العزيز وهي شهرين وعشرة أيام (٢)؛ ولما قتل الملك الناصر فرج كان له من العمر نحو ستة وعشرين سنة (٣). وخلف من الأولاد خمسة صبي (٤) وأربع بنات، وهم: سيدي خليل توفي وهو بثغر الإسكندرية في أثناء دولة الأشرف أينال، ونقل بعد موته من الإسكندرية، ودفن في الخانقاة البرقوقية؛ وأما البنات فخوند شقرا، وخوند آسية، وخوند زينب، وخوند هاجر. وكان الملك الناصر فرج شجاعا، بطلا مقداما، غير أنه كان مسرفا على نفسه، منهمكا على شرب الخمور، وسماع الزمور، وكان عنده كرم زائد مع جهل عظيم، وكان سفاحا للدماء قتل في أيامه خلقا لا تحصى. وكانت صفته أبيض اللون يميل إلى الصفرة، أشهل العينين، وافر الأنف، نحيف الجسد جدا، معتدل القامة، مستدير اللحية، أشقر الشعر، عربي الوجه، مهاب الشكل. ومما أنشأه في أيامه من الأماكن: وهو الجامع الذي بالحوش السلطاني بالقرب من الدهيشة؛ وأنشأ المدرسة التي تجاه باب زويلة التي تسمى الدهيشة؛ والربعين الذي عند جامع الصالح، وله غير ذلك من الآثار بالديار المصرية. وتوفي في أيامه من العلماء والأعيان جماعة كثيرة، منهم شيخ الإسلام سراج الدين عمر البلقيني (٥) الشافعي ﵁، وغيره من الأعيان. وقد انتهت أخبار دولة الملك الناصر فرج بن برقوق، وذلك على سبيل الاختصار من أخباره.

стр. 398

ذكر سلطنة الخليفة المستعين بالله أبي الفضل العباس ابن الإمام المتوكل على الله محمد بن المعتضد بالله ابن المستكفي بالله ابن الإمام الحاكم بأمر الله أحمد (١) المتصل بنسبه الشريف إلى العباس عم رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عنهم أجمعين تسلطن بدمشق، بعد خلع الناصر فرج بن برقوق، في يوم الإثنين سابع عشرين المحرم، سنة خمسة عشر وثمانمائة؛ فمن المؤرخين من عده من جملة السلاطين بالديار المصرية، ومنهم من عده من جملة خلفاء بني العباس؛ وهذا لم يتفق لخليفة من بني العباس قبله أنه تسلطن بالديار المصرية وحكم بها على هذا الوجه، وفيه يقول بعض الشعراء: خليفتنا حاز الفخار باسره … وبأسره مجموع كل الناس ولقد روي الضحاك عن ثغر له … والجفن في الأغضا (٢) عن العباس (٣) وكان سبب سلطنة الخليفة العباس أنه لما جرد الملك الناصر فرج إلى نحو دمشق، بسبب عصيان شيخ ونوروز، كما تقدم، فكان الخليفة العباس بصحبة الملك الناصر مع القضاة الأربعة، فلما انكسر الملك الناصر فرج اجتمع الأمراء، وضربوا مشورة فيمن يولوه السلطنة. فقال نوروز لشيخ " لا أنا ولا أنت نتسلطن، وأحق ما يتسلطن الخليفة، وأكون أنا نائب الشام، وأنت أمير كبير بالديار المصرية ومدبر أمر المملكة". فأتفقا وتحالفا على ذلك.

стр. 399

وكان القائم في سلطنة الخليفة المقر السيفي نوروز الحافظي، فطلبوا الخليفة ليسلطنوه، فأمتنع من ذلك غاية الامتناع، فلا زالوا عليه حتى سلطنوه على كره منه؛ بعد أن أشرط عليهم شروطا كثيرة، منها: أنه إذا خلع من السلطنة يكون خليفة كما كان في الأول، فأجابوه إلى ذلك. وأحضروا له خلعة السلطنة فلبسها، وباسوا له الأمراء الأرض، واستقر بالأمير نوروز نائب الشام، وبالأمير شيخ المحمودى أتابك العساكر [٣\ ١٨] بالديار المصرية، واتفقوا على أن نوروز يضع يده على البلاد الشامية والحلبية من الفرات إلى غزة، ومن غزة إلى مصر وأعمالها يكون تحت حكم الخليفة، فتراضوا على ذلك. ثم إن الخليفة والأتابكي شيخ والعسكر قصدوا التوجه إلى نحو الديار المصرية، فخرجوا من الشام، والخليفة في غاية العظمة والعز، وأطاعوه سائر الأمراء والعسكر، فلما دخل إلى القاهرة هو والأتابكي شيخ فطلع الخليفة إلى القلعة، وسكن بها كعادة السلاطين، وسكن الأتابكي شيخ في باب السلسلة. فكان الأمراء إذا فرغوا من خدمة الخليفة بالقصر، نزلوا إلى خدمة الأتابكي شيخ، ويقع بين يديه الابرام والنقض والحل والعقد، وكان الأتابكي شيخ لا يمكن الخليفة العباس من كتب العلامة على المراسيم، والمربعات (١)، والمناشير، إلا بعد أن تعرض عليه، واستمر الأمر على ذلك مدة يسيرة. ثم إن الأتابكي شيخ بدا له أن يتسلطن، ويخلع الخليفة العباس من السلطنة، فجمع القضاة الأربعة وكتب محضرا: بأن الفساد قد كثر في البر والبحر، وزاد شر العربان في البلاد، وخرجوا عن الطاعة وفسدت الأحوال؛ وأن الوقت محتاج لإقامة سلطان تركي، ليدفع بسطوته الفساد وتنصلح الأحوال على يديه". فعند ذلك حملوا القضاة بخلع الخليفة من السلطنة، فخلعوه من غير اختياره من السلطنة، وتولى الأتابكي شيخ سلطان، ثم لما خلع الخليفة من السلطنة استمر في القلعة محتفظا به مدة يسيرة، وهو في الخلافة دون السلطنة، ثم خلعه

стр. 400

شيخ من الخلافة أيضا، وولى أخاه داوود، وتلقب بالمعتضد بالله، وذلك في سنة ستة عشر وثمانمائة في سادس ذي الحجة (١). وكان الخليفة العباس لما خلع من الخلافة عهد إلى ولده يحيى فلم [١/ ١٨٤] يمضي له شيخ ذلك، وولى أخاه داوود، وأرسل الخليفة العباس إلى السجن بثغر الإسكندرية، فأقام بالسجن إلى أن مات في أثناء دولة الملك الأشرف برسباي. وكانت وفاته في يوم الأربعاء حادي عشرين جمادى الآخر سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وذلك في الوباء الذي جاء في تلك السنة، وكان الأشرف برسباي لما أن تسلطن أخرج الخليفة العباس من السجن، وأسكنه في بعض دور الإسكندرية إلى أن مات. وكانت مدة سلطنة الخليفة العباس بالديار المصرية ستة أشهر إلا أياما، ثم كانت مدته في الخلافة دون السلطنة ثمان سنين وشئ. ولما تسلطن كان مع الأتابكي شيخ مثل اللولب يدوره كيف شاء ليس له في السلطنة إلا مجرد الاسم فقط، والأمر كله للأتابكي شيخ. ومن الحوادث في أيامه: نقل الشيخ شهاب الدين ابن حجر في تاريخه (٢) أن في سنة ستة عشر وثمانمائة، تولى قاضي القضاة صدر الدين ابن الآدمي الحنفي قاضي قضاة الحنفية ومحتسب القاهرة، وهو أول من جمع بين القضاء والحسبة في وقت معا، ولم يسمع بمثل ذلك فيما تقدم من الدول الماضية (٣).

стр. 401

ذكر سلطنة الملك المؤيد أبي النصر شيخ ابن عبد الله المحمودي الظاهري (١) وهو الثامن والعشرون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الرابع من ملوك الجراكسة. أصله من مماليك الملك الظاهر برقوق، اشتراه من الخواجا محمود شاه وأعتقه، ثم صار ساقيا خاصكيا، ثم بقى أمير عشرة، ثم بقى أمير أربعين، وسافر إلى الحجاز أمير [حاج] (٢) أول في سنة إحدى وثمانمائة، ثم بقي مقدم ألف في دولة الملك الناصر فرج، ثم استقر به نائب طرابلس، وأسره تمر لنك، وقد تقدم ذلك. ووقع له في أيام الملك الناصر فرج أمور شتى، ومحن كثيرة، وحبسه الملك الناصر في خزانة شمايل، فأقام بها مدة، ولم يزل في عصيان وهجاج في البلاد الشامية، حتى مضى أكثر عمره إلى أن كان من أمر الناصر فرج ما كان، فلما قتل الناصر فرج، وتولى الخليفة العباس، فبقي شيخ أتابك العساكر ونظام المملكة، ثم إن شيخ خلع الخليفة من السلطنة، وتسلطن عوضه. فكانت سلطنته في يوم الإثنين مستهل شهر شعبان سنة خمسة عشر وثمانمائة، وفيه يقول ناصر الدين ابن كميل الشاعر: تسلطن الشيخ وزال العنا … فالناس في بشر وتيه وفيخ (٣) فلا تقاتل بصبي ولا … تلق به جيشا وقاتل بشيخ (٤) فلما تسلطن شيخ تلقب بالملك المؤيد، ونودي باسمه في القاهرة، وضج الناس له بالدعاء، ودقت له بالبشائر.

стр. 402

فلما بلغ المقر السيفي نوروز الحافظي بأن شيخ قد خلع الخليفة العباس من السلطنة وتسلطن عوضه، فعز ذلك عليه، وعصى على المؤيد شيخ، ولم يبس له الأرض ولا أطاعه، فأن كان بين نوروز وشيخ صحابة أكيدة وأيمان عظيمة ومواثيق، فخان شيخ الأيمان وتسلطن، واستمر نوروز يدعو للخليفة العباس على منابر دمشق وأعمالها. ومن الحوادث في أيامه أن في سنة ستة عشر وثمانمائة في أوائل سلطنة المؤيد شيخ، ظهر بالقاهرة شخص يدعي أنه يصعد إلى فوق السماء، ويشاهد الباري جل وعلا، وأنه يكلمه في كل يوم [١٨٥/ ١] مرة، فأعتقده جماعة كثيرة من العوام، فلما بلغ السلطان ذلك رسم بأن يعقد له مجلس في المدرسة الصالحية، فحضر القضاة الأربعة، وشهدوا عليه البينة بما يقوله، فحكم القاضي المالكي بقتله بشهادة اثنين على أنه حاضر العقل، ثم شهد جماعة من أهل الطب بأنه مختل العقل، فعند ذلك سجنوه، ولم يثبت كفره (١). وفي أيام الملك المؤيد شيخ تولى الحسبة الشريفة منكلي بغا الشمسي (٢)، وهو أول من تولى الحسبة من الأتراك. ثم إن الملك المؤيد شيخ لما طال عليه عصيان نوروز أعرض العسكر، وجرد إليه نفسه، وذلك سنة سبعة عشر وثمانمائة، فلما بلغ نوروز مجيء الملك المؤيد شيخ فحصن دمشق غاية التحصن، وركب على أسوارها المكاحل بالمدافع الكبار، فلما أن وصل الملك المؤيد إلى دمشق حاصر نوروز أشد ما يكون من المحاصرة، ونصب المناجنيق إلى مقابل قلعة دمشق، واستمر يحاصر نوروز مدة طويلة حتى ضجر من ذلك نوروز، وأرسل يطلب من الملك المؤيد الأمان، وسلم نفسه إليه، بعد أمور جرت بينهما يطول شرحها عن هذا المختصر، وآخر الأمر قتل نوروز بقلعة دمشق، وقطعت رأسه وجئ بها إلى القاهرة، وعلقت على باب زويلة ثلاثة أيام، ثم دفنت، فكان لسان حال الأمير نوروز مع المؤيد شيخ، كما قال القائل في المعنى:

стр. 403

يا غادرا بي ولم أعدر بصحبته … وكان منى مكان السمع والبصر قد كنت من قلبك القاسي أخاف جفا … فجاء ما قلته نقشا على حجر (١) قال الشيخ تقي الدين ابن حجة الشاعر: "أنشدت مولانا السلطان الملك المؤيد شيخ أعز الله أنصاره قصيدة، وقد كسر النيل المبارك في أوائل مسري. وكان قد عزم إلى التوجه إلى دمشق بسبب عصيان نوروز، فكان ما أنشدته وهو قولي (٢): أيا ملكا بالله صار مؤيدا … ومنتصبا في ملكه نصب تمييز كسرت بمسرى سد (٣) مصر وتنقضي … وحقك بعد الكسر أيام نيروز (٤) فكان الفأل بالمنطق، وكسر نوروز في تلك السنة. فلما توجه المؤيد شيخ إلى دمشق، وقتل نوروز وانتصر عليه، فقصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، ثم أخلع على المقر السيفي أينال الصلاني واستقر به نائب حلب؛ وأخلع على المقر السيفي سودون من عبد الرحمن واستقر به نائب طرابلس؛ وأخلع على المقر السيفي تاني بك البجاسي واستقر نائب حماه، ومهد جهات مملكته، ورحل عن دمشق، وقصد التوجه إلى نحو ديار مصر، وهو في غاية النصر والعز؛ فدخل إلى القاهرة، وهو في موكب عظيم، وحملت القبة والطير على رأسه، حتى طلع إلى قلعة الجبل. فلم تمضي عليه نحو سنة حتى جاءت إليه الأخبار بأن النواب المقدم ذكرهم عصوا أجمعين، وخرجوا عن الطاعة، فجرد إليهم الملك المؤيد شيخ ثانيا، وخرج بنفسه وتحارب مع النواب فانتصر عليهم، وقبض على أينال الصلاني نائب حلب، وعلى قانباي المحمدي نائب دمشق فقطع رؤوسهم، وهرب من بقي من النواب إلى عند قرا يوسف (٥) أمير التركمان؛ ثم رجع إلى نحو الديار المصرية، وقد مهد البلاد الشامية والحلبية، واستقر بجماعة من الأمراء نوابا عوضا عن من قتل منهم.

стр. 404

فلما رجع إلى مصر فلم يقم (١) سوى مدة يسيرة، وقد جاءت الأخبار بأن النواب قد عصوا أجمعين، وخرجوا عن الطاعة، فجرد إليهم المؤيد شيخ ثالثا، فتحارب معهم وانتصر عليهم، وقتل منهم [١٨٦/ ١] جماعة كثيرة ورجع إلى نحو الديار المصرية وهو في غاية النصر وقد مهد البلاد الشامية والحلبية. ثم بعد ذلك صفا الوقت للملك المؤيد شيخ، وعاش في أواخر عمره في أرغد عيش، وكان لا يبرح بالقلعة إلا قليلا، وكان غالب أيامه في بولاق في البارزية عند القاضي ناصر الدين ابن البارزي كاتب السر الشريف، وكان يقع له هناك المواكب الجليلة، وكان يتوجه بنفسه في يوم وفاء النيل إلى المقياس، وينزل في الذهبية ويكسر السد. وكان في يوم الوفاء أمر الأمراء المقدمين الألوف بأن يزين كل واحد منهم حراقة ويشحنها بالصناجق والكوسات، ويكون له في ذلك اليوم موكبا لم يسمع بمثله. وكان يمشي على طريقة أستاذه الملك الظاهر برقوق، وكان في بعض الأوقات ينزل يعوم في البحر مع أخصائه، ويمتزج مع الندماء في الخلوات، وكان يميل إلى اللهو والطرب، ويقرب أرباب الفن والآلات من المغاني، وكانت أرباب الفنون تتناها في أيامه في فنونهم، لجودة فهمه وحسن معرفته، وكان ينظم الشعر، ويركز الفن، وإلى الآن أقواله دائرة بين المغاني، ويقولون هذا من نظم الملك المؤيد شيخ، ومما يحضرني الآن من نظمه، وهو قوله من أبيات نظمها: قتلتنا (٢) سوالف وخدود … وعيون نواعس (٣) وقدود أسرتنا الظبا وهن نعاس (٤) … وخضعنا لها (٥) ونحن الأسود (٦) إلى أن يصل في القصيدة إلى الاستشهاد باسمه، فيقول:

стр. 405

وأنا الخاصكي وشيخ المؤيد نظم شعري جواهر وعقود (١) وكان معظما للعلماء والفقهاء، والصلحاء، وهو الذي أنشأ الجامع المؤيدى الذي هو داخل باب زويلة، وكان بناؤه في سنة اثنتين وعشرين وثمانمائة (٢)، وكان هذا المكان قديما سجنا يحبسون فيه أصحاب الجرائم، وكان يسمى خزانة شمايل، وقد نسبت إلى شخص يسمى شمايل، وكان والي القاهرة في أيام الملك الكامل محمد من بني أيوب، وهو صاحب المدرسة الكاملية، وكان الملك المؤيد شيخ حبس في خزانة شمايل في دولة الملك الناصر فرج، فنذر على نفسه إن تخلص من هذه الشدة وبقي سلطانا فيهدم ذلك المكان، ويبني مكانه جامعا، فلما بقى سلطان فعل ذلك، وبني هذا الجامع، وقد تناها في زخرفه ورخامه وأبوابه وسقوفه، حتى قيل: ما بني في القاهرة مثله، ومثل مدرسة السلطان حسن في الإمكان. وأوقف على هذا الجامع أوقافا عظيمة، وأودع فيه أشياء كثيرة من الكتب النفيسة، وقرر فيه صوفه وحضور من بعد العصر، ورتب لهم خبز وجوامك (٣) في كل شهر، ثم قرر الشيخ ناصر الدين الديري الحنفي شيخ الحضور ومدرس في العلم الشريف. فقيل: أنه أول ما حضر في الجامع بعد أن كمل، فاجتمعت هناك العلماء والفقهاء والسلطان الملك المؤيد شيخ، فخرج الشيخ ناصر الدين الديري من الخلوة والمقر الصارمي إبراهيم ولد السلطان الملك المؤيد حامل سجادة الشيخ ناصر الدين الديري ففرشها له في المحراب. وقيل: لما كملت عمارة الجامع فرسم السلطان بأن تملأ الفسقية التي في صحن الجامع سكرا وماء ليمون، فمليئت سكرا ووقف الرؤوس نوب يفرقون السكر على الناس بالطاسات، واخلع السلطان في ذلك اليوم على جماعة كثيرة من المشيدين (٤) [١٨٧/ ١] والمهندسين.

стр. 406

ولما كان أول جمعة خطبت في هذا الجامع حضر القضاة الأربعة، وأعيان العلماء، والسلطان، وسائر الأمراء، وأرباب الدولة، وكان يوما مشهودا، فخطب القاضي كاتب سر ناصر الدين ابن البارزي في ذلك اليوم خطبة بليغة. ومن الحوادث: أن لما بنوا مئذنة هذا الجامع مالت عندما كملت، وأبدت إلى السقوط، فرسم السلطان بهدمها فهدمت، ثم أعيدت ثانيا، وقد تداعب في هذه الواقعة قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر الشافعي، وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي، فقال شهاب الدين ابن حجر: لجامع مولانا المؤيد رونق … منارته تزهو من الحسن والزين (١) تقول وقد مالت عليهم ترفقوا … فليس على هدمى أضر من العيني (٢) فأجاب العيني عن ذلك بقوله: منارة كعروس الحسن إذ جليت … وهدمها بقضاء الله والقدر قالوا: أصيبت (٣) بعين قلت ذا غلط … ما أوجب الهدم إلا خبثة (٤) الحجر (٥) وقد قالت الشعراء في ذلك مداعبات كثيرة أعجوبة، ذكرها قاضي القضاة شهاب الدين ابن حجر رحمة الله عليه، أن في دولة الملك المؤيد شيخ في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة (٦) ولدت في مدينة بلبيس (٧) جاموسة مولودا له رأسان وأربعة أيدي، وسلسلتي ظهر، ودبر واحد، وفرج واحد، ورجلين اثنين في حقوها، فأقامت أياما وماتت. وذكر أيضا في تاريخه (٨) أن في سنة ثلاث وعشرين (٩) في دولة المؤيد شيخ ولدت المصونة فاطمة بنت قاضي القضاة جلال الدين البلقيني ولدا

стр. 407

خنثى له ذكر وفرج وله يدان زايدتان في كتفيه وله قرنان في رأسه مثل قرون الثور فأقام ساعة ومات. وذكر أيضا في تاريخه (١) من العجائب أن في سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة (٢) في دولة المؤيد شيخ ذبح جمل بمدينة غزة في الليل، فأضاء لحمه كما يضيء الشمع في الليل، وقيل رمي قطعة من لحمه لكلب، فلم يأكل منها شيئا، ولا يعلم سبب ذلك، وهذا من العجائب التي لم يسمع بمثلها. ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك المؤيد شيخ، وذلك أنه أقام في السلطنة بالديار المصرية في أرغد عيش، وكان يعتريه ضربان المفاصل، فقوي عليه الألم، وصار مقعدا، وكان إذا أراد الحركة يحمل على الأكتاف، وينقل من مكان إلى مكان، ثم إنه قوي عليه المرض، ولزم الفراش مدة طويلة، وسلسل في المرض إلى أن توفي في يوم الإثنين تاسع المحرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة، ودفن في جامعه الذي أنشأه داخل باب زويلة، وقيل مات وله من العمر نحو اثنتين وستين سنة (٣). وخلف من الأولاد ثلاثة (٤)، وهم المظفر أحمد الذي تسلطن بعده، وبنتان وهما خوند عائشة زوجة الأتابكي قرقماس الشعباني، وخوند أسية زوجة الأمير يشبك الفقية الدوادار الكبير، وهي والدة سيدي يحيى ابن الأمير يشبك الفقية. وكانت مدة سلطنة الملك المؤيد شيخ بالديار المصرية ثمان سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام. وكان ملكا جليلا، مهابا، عارفا بأحوال المملكة، ثابت العقل، مقداما، وله في الحرب مكائد وحيل، وثبات وقت الصدمة، وكان كريما على من يستحق الكرم، بخيلا على من يستحق البخل، وكان يضع الأشياء في محلها، وكانت دولته ثابتة القواعد.

стр. 408

وهو الذي أنشأ في أيامه: المقر الزيني عبد الباسط بن الجناب الغرسي (١) خليل؛ وأنشأ القاضي علم الدين سليمان بن الكويز، وابن مزهر الكبير [١٨٨/ ١] والد القاضي كاتب السر المقر الزيني أبو بكر، وأنشأ القاضي ناصر الدين ابن البارزي والد القاضي كمال الدين ابن البارزي كاتب السر الشريف بالديار المصرية؛ وهو الذي أنشأ الأمير ناصر الدين التاج وكان في أيامه أستادار الصحبة؛ وأنشأ في أيامه جماعة كثيرة حضروا صحبته من البلاد الشامية، فرقاهم إلى الوظائف السنية، وصاروا من أعيان الديار المصرية. وكان الملك المؤيد ناضرا إلى فعل الخير، كثير البر والمعروف، وله أوقاف كثيرة على جهات بر وصدقة. ومما أنشأه بالديار المصرية من العمائر: وهي المدرسة التي في رأس الصوة مكان المدرسة الأشرفية التي هدمت في دولة الملك الناصر فرج؛ وأنشأ (٢) الجامع الذي عند المقياس المطل على بحر النيل؛ وأنشأ الجامع العظيم الذي داخل باب زويلة؛ وجدد عمارة المكان المعروف بالتاج، والسبعة وجوه الذي (٣) كان قديما من مفترجات القاهرة، وقد هدم في دولة الملك الظاهر جقمق، وجدد عمارات المدرسة الخروبية التي ببر الجيزة، وأنشأ (٤) بها الخلاوي والمآذن، وله غير ذلك آثار كثيرة، فهذا ما عد من محاسنه. وأما ما عد من مساوئه فقد ذكر الشيخ شهاب الدين المقريزي في تاريخه عن الملك المؤيد شيخ أشياء كثيرة من المساوئ، منها: أنه كان جهوري (٥) الصوت، وفيه بذاءة (٦) لسان وسفاهة، وكان غير مقبول الشكل، طويل القامة، مترك الوجه، واسع العينين، كبير الكرش، ذري اللون، أكث اللحية، أبيض الشعر؛ ومنها: أنه كان سفاكا للدماء قتل جماعة كثيرة من النواب والأمراء؛ ومنها: لما عمر الجامع الذي هو داخل باب زويلة، فكان يكبس بيوت الناس،

стр. 409

ويأخذ رخامه غصبا، وأخذ العامودين السماقين اللذين في المحراب من جامع قوصون، وأخذ الباب الذي على جامعه، والتنور النحاس الكبير من مدرسة السلطان حسن، وقيل: أعطى فيهم ثمنا بخسا؛ ومنها: أنه أحدث في أيامه أشياء كثيرة من وجه الظلم، بسبب ما يصرفه على التجاريد الذي (١) جردها لما عصوا عليه النواب (٢)؛ ومنها: أنه قيل: "سم ولده سيدي إبراهيم لأجل السلطنة"، ورسم بخنق القاضي فتح الله كاتب السر الشريف فخنق، وقد ذكر المقريزي عنه أشياء كثيرة من هذا النمط السكوت عنها أجمل، ومنها: أنه كان يميل إلى شرب الراح، والأشياء المخدرة. ومن أزواجه خوند سعادات أم ولده المظفر أحمد، وخوند بنت قمس، وغير ذلك من النساء والسراري. وقد انتهت أخبار دولة الملك المؤيد شيخ وذلك على سبيل الاختصار منها. وأما من توفي في أيامه من أعيان العلماء: الشيخ برهان الدين ابن رقاعة الدمشقي (٣)، والشيخ جمال الدين ابن ظهيرة عالم مكة (٤)، والشيخ مجد الدين الشيرازي (٥)، والشيخ شمس الدين التباني من كبار الحنفية (٦)، وابن هشام العجمي، والشيخ عز الدين ابن جماعة (٧)، والقاضي ناصر الدين ابن البارزي كاتب السر (٨)، والشيخ خلف النحريري من كبار المالكية (٩)، وغير ذلك من أعيان العلماء والصلحاء.

стр. 410

وتوفي قاضي القضاة جلال الدين ابن البلقيني الشافعي (١)، قيل: أنه توفي بمنزلة الصالحية عند عود الملك المؤيد شيخ من البلاد الشامية، فلما توفي القاضي جلال الدين ابن سراج الدين البلقيني فاشتوروا فيمن يولوه قاضيا عوضه، فاستقر الحال على تولية القاضي علم الدين صالح البلقيني الشافعي أخو جلال الدين المذكور، وقيل: تولى ولي الدين العراقي عوضا عن جلال الدين البلقيني، وفي هذه الواقعة يقول الشيخ شهاب الدين ابن حجر مداعبة لطيفة في المعنى، وهو قوله: مات جلال الدين، قالوا: ابنه … يخلفه، أو فالأخ الكاشح [١٨٩/ ١] فقلت: تاج الدين لا لائق … بمنصب الحكم، ولا صالح (٢) ولما توفي الملك شيخ تولى من بعده ابنه المظفر أحمد.

стр. 411

ذكر سلطنة الملك المظفر أبي السعادات أحمد ابن الملك المؤيد شيخ المحمودي الظاهري (١) وهو التاسع والعشرون من ملوك الترك ومن أولادهم بالديار المصرية، وهو الخامس من ملوك الجراكسة وأولادهم؛ تسلطن بعد موت أبيه الملك المؤيد شيخ، في يوم الإثنين تاسع المحرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وأمه خوند سعادات بنت الأمير صرغتمش الناصري، وتسلطن وله من العمر سنة وثمانية شهور وسبعة أيام. ولما تسلطن صار المقر السيفي ططر مدبر المملكة، ووصي على الملك المظفر أحمد، وكان ططر يومئذ أمير مجلس، ولما أرد الخليفة أن يبايع للملك المظفر أحمد أشرط على الأمير ططر بأنه يكون هو القائم بمصالح المسلمين، وكان الأتابكي الطنبغا القرمشي غائبا في التجريدة، هو وجماعة من الأمراء في البلاد الشامية. فلما مات الملك المؤيد تعصب المماليك المؤيدية لابن أستاذهم وسلطنوه باليد، وصار الأمير ططر مدبر المملكة، فبقي مع المماليك المؤيدية مثل اللولب يديرونه كيف شاءوا، فصار ططر يرضيهم بكل ما (٢) أمكنه من الوظائف والإقطاعات والأمريات، فاستقر بالأمير تغري بردي بن قصروه أمير أخور كبير، وكان أمير عشرة؛ واستقر بجماعة كثيرة منهم أمراء مقدمين ألوف وكانوا عشراوات، وأنعم على جماعة منهم من الخاصكين بأمريات أربعين، وأمريات عشرة؛ وأنعم على جماعة كثيرة من المماليك المؤيدية بالإقطاعات السنية، واستمروا على ذلك، إلى أن جاءت الأخبار من دمشق بأن نائب الشام جقمق الأرغون شاوي قد خامر، وخرج عن الطاعة، وكذلك يشبك

стр. 412

المؤيدي نائب حلب، وبقية النواب؛ وأن نائب الشام اتقع مع الأتابكي الطنبغا القرمشي، فانكسر الأتابكي الطنبغا وهرب إلى نحو صرخد. ثم إن الأتابكي الطنبغا جمع عسكرا ثقيلا من العربان والعشير، ورجع إلى دمشق، وتحارب مع جقمق نائب الشام، فانكسر جقمق وهرب، فملك الأتابكي الطنبغا دمشق وقلعتها. فلما جرى ذلك وبلغ الأتابكي الطنبغا القرمشي موت الملك المؤيد، وسلطنة ولده أحمد، وأن الأمير ططر صار مدبر المملكة، فعصي الأتابكي الطنبغا بالشام، وحصن قلعة دمشق غاية التحصين، واجتمع عنده عسكر عظيمة من العربان وغيرهم. فلما بلغ المقر السيفي ططر ذلك أعرض العسكر، وجرد إلى نحو دمشق، وأخذ معه الملك المظفر أحمد في محفة، ومعه المرضعة وأمه خوند المقدم ذكرها. فلما وصلوا إلى دمشق ألقى الله تعالى الرعب في قلب الأتابكي الطنبغا القرمشي، فخرج إلى ططر وهو طائع، فقبل الأرض للملك المظفر أحمد وهو في المحفة. فلما دخل ططر إلى دمشق قبض على الأتابكي الطنبغا القرمشي، وقبض على نائب الشام جقمق الأرغون شاوى، وسجنهما بقلعة دمشق، ثم إنه خنقهما تحت الليل؛ وقبض على جماعة من الأمراء، ثم إنه أخذ في أسباب مسك جماعة من المؤيدية، فقيل أنه قبض في يوم واحد على أربعين شخصا من الأمراء والخاصكية المؤيدية، وحبسهم في قلعة دمشق. فعند ذلك صفا لططر الوقت، فلما جرى ذلك التف على ططر خشداشينه الظاهرية، وفرق عليهم إقطاعات من مسك من المؤيدية، فقويت شوكة ططر وصار [أ/ ١٩٠] له عصبة بخشداشينه. فعند ذلك خلع الملك المظفر أحمد من السلطنة، وتسلطن عوضه وهو بدمشق، وذلك في يوم الجمعة تاسع عشرين شعبان سنة أربع وعشرين وثمانمائة. وكان المقر السيفي ططر من حين عصى الأتابكي الطنبغا القرمشي استقر أتابكي العساكر، ومدبر المملكة وتزوج بخوند سعادات وهو بدمشق، ثم إنه قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وأخذ معه الملك المظفر في محفة؛ فلما دخل القاهرة كان له يوم مشهود وحملت على رأسه القبة والطير، ولعبوا قدامه بالغواشي الذهب إلى أن طلع إلى القلعة.

стр. 413

ثم إنه أرسل الملك أحمد إلى السجن بثغر الإسكندرية، فأقام بها إلى أن مات بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وذلك في دولة الملك الأشرف برسباي، ونقل بعد موته من الإسكندرية ودفن على أبيه الملك المؤيد بالجامع المؤيدي. فكانت مدة سلطنة الملك المظفر أحمد ابن المؤيد شيخ بالديار المصرية سبعة أشهر وعشرين يوما (١). وكان الملك المظفر أحمد حسن الوجه، غير أنه كان بعينه حولا فاحشا، حصل له عندما أجلسوه على سرير الملك حين دقت الكوسات بالقصر الكبير على غفلة، فارتجف من ذلك واضطرب، فحصل له هذا الحول بعينه من الرجفة؛ فهذا ما حصل له من فائدة السلطنة، وآخر الأمر سجن بالإسكندرية، إلى أن مات بالسجن، وكان ذلك من مماليك أبيه المؤيدية بتعصبهم له حتى سلطنوه ودخلوا في خطيته. ومن الحوادث في أيامه أن في سنة أربع وعشرين وثمانمائة: استمرت زيادة النيل المبارك إلى أخر هاتور من الشهور القبطية، فحصل بذلك الضرر الشامل لأهل مصر، وغرق في تلك السنة زروع كثيرة وبساتين، وتبحرت الأرض من مكث الماء عليها، وحصل بذلك بعض غلاء وتزايدت أسعار الغلال (٢)، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: يا نيل يا ملك الأنهار قد شريت … منك البرايا شرابا طيبا وغذا (٣) وقد دخلت القري تبغي (٤) منافعها … فعمها بعد فرط النفع منك أذا (٥) فقال تذكر عني أننى ملك … وتنتني ناسيا أن الملوك أذا (٦) وهذا ما انتهى إلينا من أخبار الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ، وذلك على سبيل الاختصار.

стр. 414

ذكر من توفى في أيامه من أعيان العلماء، وهم: الشيخ ولي الدين العراقي الشافعي (١)، والشيخ ناصر الدين الديري الحنفي شيخ مدرسة المؤيدية، وقيل: أدرك دولة الملك الأشرف برسباي، ومات بها (٢)، والله أعلم.

стр. 415

ذكر سلطنة الملك الظاهر سيف الدين أبي سعيد ططر الظاهري الجركسي (١) وهو الثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو السادس من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية. وأصله من مماليك الملك الظاهر برقوق اشتراه وأعتقه، وجعله من جملة المماليك السلطانية، ثم إنه التف على جكم العوضي نائب حلب، فلما تسلطن جكم بحلب وقتل في المعركة التي وقعت بينه وبين التركمان وهم قرا يوسف، ولا يعلم من قتله. فعند ذلك التف ططر على شيخ ونوروز الحافظي، ودام معهما إلى أن قتل الملك الناصر فرج بن برقوق، وتسلطن الخليفة العباس، فبقي ططر أمير عشرة، ثم بقي أمير أربعين، ثم بقي مقدم ألف في دولة الملك المؤيد شيخ، ثم انتقل من بعد ذلك فبقي رأس نوبة النوب، ثم بقي أمير مجلس، كل ذلك في دولة المؤيد شيخ. فلما مات الملك المؤيد كان الأتابكي الطنبغا القرمشي مسافرا في التجريدة في البلاد الشامية، فلما تسلطن الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ صار ططر مدبر المملكة ونظام الملك، ثم جرد وخرج إلى الشام بسبب الأتابكي الطنبغا القرمشي وصحبته الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ، وقد تقدم ذلك. فلما دخل إلى دمشق قبض على الأتابكي الطنبغا القرمشي وقجقار القردمي أمير سلاح، وعلى جماعة كثيرة من الأمراء ممن كانوا صحبة الأتابكي الطنبغا القرمشي، لما توجه إلى الشام وقبض على جماعة من النواب وسجنهم بقلعة دمشق، ثم قتل منهم جماعة كثيرة، ثم قبض على جماعة من الأمراء والمماليك المؤيدية نحو خمسين إنسانا.

стр. 416

فعند ذلك صفا له الوقت، وقويت شوكته، فخلع الملك المظفر من السلطنة، وتسلطن عوضه، فتسامعوا به خشداشينه الذي (١) كانوا تفرقوا في بلاد الشرق، لما أن هربوا من المؤيد شيخ، فحضروا إلى عنده، والتفوا عليه، ثم إن ططر توجه إلى نحو القاهرة فمرض في أثناء الطريق، وقيل: إن زوجته خوند سعادات أشغلته في منديل (٢) الفرش، لما خلع ابنها المظفر أحمد من السلطنة، وطلقها. فدخل ططر إلى القاهرة وهو متوعك في جسده فجلس على سرير الملك، وحكم بين الناس عدة مواكب، ثم إنه ثقل في المرض، ولزم الفراش إلى أن مات في يوم الأحد رابع ذي الحجة سنة أربع وعشرين وثمانمائة؛ ومات وله من العمر نحو خمسة وخمسين سنة (٣)، ودفن بجوار قبر الإمام الليث بن سعد، رضي الله تعالى عنه. فكانت مدة سلطنته بالشام وبمصر ثلاثة أشهر وأيام، بما فيها من مدة توعكه وانقطاعه، وقد تحمل في هذه المدة اليسيرة إثم من قتله من الأمراء والمماليك في طلب السلطنة وقد مهد لغير، فكان كما قال القائل في المعنى: هي الدنيا؛ إذا كملت … وتم سرورها خذلت وتفعل بالذين بقوا … كما فيمن مضى فعلت (٤) وقال آخر: يا خاطب الدنيا إلى نفسه … تنح عن خطبتها تسلم إن التي تخطب غرارة … قرية العرس من المأتم (٥) ولما مرض الظاهر ططر عهد بالسلطنة إلى ولده المقر الناصري محمد، وجعل الأتابكي جاني بك الصوفي وصي على ولده، ومدبر المملكة.

стр. 417

ذكر سلطنة الملك الصالح ناصر الدين محمد ابن الملك الظاهر ططر الجركسي الظاهري (١) وهو الحادي والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو السابع من أولاد الجراكسة بالديار المصرية؛ تسلطن بعد موت أبيه في يوم الأحد رابع ذي الحجة سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وكان له من العمر لما تسلطن نحو إحدى عشرة سنة. فلما تم أمره في السلطنة صار الأتابكي جاني بك الصوفي مدبر المملكة، وصاحب الحل والعقد بالديار المصرية، فوقع بينه وبين المقر السيفي برسباي الدقماقي الدوادار الكبير، والأمير طراباي الظاهري حاجب الحجاب، فوثبوا على الأتابكي جاني بك الصوفي في يوم عيد النحر من سنة أربع وعشرين، فكان بينهم وقعة عظيمة، فانكسر جاني بك الصوفي وهرب، ثم قبض عليه المقر السيفي برسباي في ذلك اليوم، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية. وصار المقر السيفي برسباي هو المتكلم في أمور المملكة، ثم وقع بينه وبين الأمير طراباي حاجب الحجاب، فقبض عليه برسباي في القصر وقيده وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية. فعند ذلك قويت شوكة برسباي، وانحصرت الكلمة فيه، فتعصبوا له جماعة من الأمراء والمماليك السلطانية، وخلعوا الملك الصالح محمد بن ططر من السلطنة، وولوا برسباي، وذلك في يوم الأربعاء ثامن ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة. فكانت مدة سلطنة الملك الصالح محمد بن ططر بالديار المصرية ثلاثة أشهر وأربعة [٢\ ١٩٢] عشر يوما، ليس له في السلطنة إلا مجرد الاسم فقط.

стр. 418

ولما خلعه برسباي من السلطنة لم يسجنه بثغر الإسكندرية، كعادة أولاد الملوك، بل رسم له بالسكنة داخل دور الحرم عند أمه خوند بنت الأمير سودون الفقيه، واستمر ساكن بالقلعة مدة، وزوجه الملك الأشرف برسباي بنت الأتابكي يشبك الأعرج، ورسم له بالركوب والنزول إلى القاهرة في بعض الأوقات، فكان يركب وينزل صحبة المقر الناصر محمد ولد السلطان الأشرف برسباي، وهو ابنه الكبير توفي في حياة والده الملك الأشرف. ثم استمر ابن ططر على ذلك إلى أن مات بالطاعون في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، وكانت وفاته في ليلة الخميس ثاني عشرين جمادى الآخر من السنة المذكورة، ومات وله من العمر نحو عشرين سنة (١). وكان عنده بعض سبهلله (٢) فكان يسمى الفرس "البوز" الفرس الأبيض، فقال له بعض خدامه: "لا تقل الفرس الأبيض، وقل الفرس البوز"، فحفظ منه ذلك، فطلب يوما سلطانية صينى أبيض، فقال: "هاتوا السلطانية البوز"، فنهره بعض الخدام، ونهاه عن ذلك، فقال: "لالاتي (٣) علمني ذلك"، وكان له من هذا النوع أشياء كثيرة، فكان كما قيل في الأمثال: في الناس من تسعده الأقدار (٤) … وفعله جميعه إدبار (٥)

стр. 419

ذكر سلطنة الملك الأشرف سيف الدين أبي النصر برسباي الدقماقي الظاهري (١) وهو الثاني والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثامن من ملوك الجراكسة وأولادهم. وأصله جركسي الجنس، جلبه بعض التجار إلى البلاد الشامية، فاشتراه الأمير دقماق المحمدي نائب ملطية، مع جملة مماليك صغار، ثم أخذه الملك برقوق مع جعلة مماليك دقماق، وجعله من جملة مماليك الأطباق (٢) بطبقة الزمامية، وكان أغاته الأمير جركس القاسمي المصارع، ثم إن الملك الظاهر برقوق أعتقه، ثم بقى في دولة الملك الناصر فرج ساقيا، ثم التف على شيخ ونوروز لما خامروا على الملك الناصر، فلما بقى المؤيد شيخ سلطانا جعله أمير عشرة، ثم بقى أمير طبلخاناة، ثم بقى مقدم ألف، ثم تولى نيابة طرابلس، ثم مسك وحبس بسجن المرقب مده، ثم أطلق وأنعم عليه بتقدمة ألف بدمشق، ثم قبض عليه الأمير جقمق الأرغون شاوي نائب الشام بعد موت المؤيد شيخ وسجنه، ثم أطلقه الأمير ططر لما كان بدمشق؛ فلما تسلطن ططر أحضره صحبته من دمشق إلى الديار المصرية، فاستقر به دوادار كبير عوضا عن الأمير علي باي المؤيدي، ثم استمر على ذلك إلى أن مات ططر؛ فوقع بينه وبين الأتابكي جاني بك الصوفي في دولة الملك الصالح محمد بن ططر فقبض على جاني بك الصوفي، وأرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، فعند ذلك تعصبوا له الأمراء، وخلعوا الملك الصالح محمد بن ططر من السلطنة، وسلطنوا برسباي وهو دوادار كبير، ولم يكن أتابك العساكر.

стр. 420

فتسلطن في يوم الأربعاء ثامن ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وثمانمائة، فلبس خلعة السلطنة، وحمل القبة والطير على رأسه، وجلس على سرير الملك، وباسوا له الأمراء الأرض، وتلقب بالملك الأشرف، ونودي باسمه في مصر والقاهرة، وضج الناس له بالدعاء، ودقت له بالبشابر ثلاثة أيام. فلما تم أمره في السلطنة عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: الأتابكي بيبغا (١) المظفري، واستقر به أتابك العساكر على عادته؛ وأخلع على المقر السيفي قجقار (٢) واستقر به أمير سلاح على عادته؛ وأخلع على أقبغا التمرازي واستقر به [١٩٣/ ١] أمير مجلس؛ وأخلع على المقر السيفي سودون من عبد الرحمن واستقر به دوادار كبير؛ وأخلع على الأمير قصروه من عثمان واستقر به أمير خور كبير؛ وأخلع على المقر السيفي جقمق العلائي واستقر به حاجب الحجاب؛ وأخلع على المقر السيفي أزبك المحمدي واستقر به رأس نوبة النوب؛ وأخلع على المقر السيفي تاني بك البجاسي واستقر به نائب الشام. وأخلع على مملوكه جاني بك واستقر به دوادار ثاني، أمير طبلخاناة، فعظم أمر جاني بك المذكور في دولة أستاذه الملك الأشرف إلى الغاية، وهو صاحب المدرسة التي بالقرب من المنجبية، وله بر ومعروف، وأوقاف كثيرة على جهات البر والصدقات، وكان له كلمة نافذة في دولة أستاذه، وصار صاحب الحل والعقد، وكان له حرمة وافرة أقوى من أمير كبير بمصر، حتى قيل: أنه نفى الأتابكي بيبغا المظفري لدمياط من غير علم السلطان، ومشي له السلطان ذلك، ولم يزل جاني بك على ذلك حتى تخيل منه الملك الأشرف برسباي، فقيل: أنه أشغله، فاستمر ملازم الفراش مدة، وسلسل في المرض حتى مات في أثناء دولة أستاذه الملك الأشرف. ثم أخلع على الأمير ناصر الدين التاج واستقر به والي القاهرة، وكان لطيف المزاج، يمزح معه الملك الأشرف، وينشرح به؛ فهذا ما كان من ترتيب الأمراء أرباب الوظائف في صدر دولته، ثم انتقلت من بعد ذلك الوظائف إلى جماعة كثيرة من الأمراء، وأنعم في أيامه بتقادم ألوف على جماعة كثيرة من الأمراء، لم نذكرهم في هذا المختصر.

стр. 421

وفي أيامه: أخلع على المقر الزيني عبد الباسط واستقر به ناظر الجيوش المنصورة، مع ما بيده من الوظائف السنية، وقد رقى القاضي عبد الباسط في دولة الملك الأشرف برسباي، وصار صحب الحل والعقد في أيامه، حتى قد أطلق عليه عظيم الدولة، وصار مملوكه جاني بك أستادار العالية، واستمر القاضي عبد الباسط نافذ الكلمة، وافر الحرمة إلى أن مات الملك الأشرف وهو على ذلك. ومن الحوادث أن في سنة ست وعشرين وثمانمائة أو فى النيل المبارك في ثامن عشر أبيب (١) من الشهور القبطية، وهذا لم يسمع بمثله فيما تقدم من السنين الماضية، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: لما وفا النيل المبارك عاجلا (٢) … عم البلاد والروابي (٣) طففا (٤) نشروا (٥) القلوع وبشروا بوفائه … فالراية البيضاء عليه بالوفا (٦) ومن الحوادث في أيامه أن الأتابكي جاني بك الصوفي هرب من السجن بثغر الإسكندرية، وجرى بسببه على الناس ما لا خير فيه، وصاروا يكبسون البيوت والحارات عليه، ثم إنه ظهر في بلاد الشرق، وأقام مدة عند بعض أمراء التركمان، ثم بعد ذلك قطعوا رأسه، وأرسلوها إلى القاهرة، فطافوا بها وعلقوها على باب زويلة. ومن الحوادث في أيامه أنه أرسل تجريدة إلى بلاد الفرنج بمدينة قبرس، فأعطاه الله تعالى النصر، ففتحها وأسر ملكها، وجيء به إلى القاهرة أسيرا، وكان يوم دخول العسكر إلى القاهرة يوما مشهودا، وزينت سبعة أيام، ودخلوا بالفرنج وهم في زناجير، وملكهم راكب وعليه آلة الحرب، وكان ذلك في سنة تسع وعشرين وثمانمائة.

стр. 422

ثم إن الملك الأشرف سجن ملك الفرنج، وعلق خوذته (١) في باب مدرسته التي أنشأها عند سوق الوراقين، وهي إلى الآن معلقه في بوابة المدرسة. ومن الحوادث في أيامه أن في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة جاء في مصر فناء عظيم، حتى قيل: كان يخرج من القاهرة في كل يوم نحو أربعة و (٢) عشرين ألف جنازة، فضج الناس من ذلك، فرفعه [١٩٤/ ١] الله تعالي عن الناس بالكلية في ليلة واحدة. (٣) ومن الحوادث في أيامه: أنه جرد العساكر، وخرج بنفسه إلى نحو مدينة آمد، بسبب قرايلك، فخرج الأشرف برسباي من القاهرة في موكب عظيم، فكان في طلبه مائتا جنيب بالسروج المغرق، والبركستوانات (٤) الملونة، وفيهم خمسون فرسا بكنابيش ذهب وسروج ذهب. وكان صحبته الخليفة المعتضد بالله داوود والقضاة الأربعة، فلما وصل إلى مدينة آمد فحاصر قلعتها مدة، فلم يقدر على أخذها، وتقلب عليه العسكر هناك، فخشي أن تقوم هناك فتنة، فمشوا بينه وبين قرايلك بالصلح، فأصطلحا وحلفوا قرايلك أنه لا يتعدى إلى بلاد السلطان. ثم إن الملك الأشرف قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وكان ذلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة، فلما عاد ودخل إلى القاهرة كان له يوم مشهود، وحملت القبة والطير على رأسه إلى أن طلع إلى قلعة الجبل. ثم صفا الوقت من بعد ذلك إلى الملك الأشرف، وبالغ في مشترى المماليك، حتى قيل: "بلغت عدة مماليكه خمسة آلاف مملوك"، وكان الملك الأشرف كثير الرمايات، ويحب المواكب الجليلة، واستمر على ذلك، إلى أن دخلت سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، فيها هجم الوباء بالديار المصرية، ومات فيه من المماليك والعبيد والأطفال ما لا يحصى عددهم.

стр. 423

ثم إن السلطان مرض عقيب ذلك، وسلسل في المرض وحصل له ماخولية وخفت عقل، فمنها أنه رسم بتوسيط الحكماء، فوسط الريس خضر، ووسط ابن العفيف؛ ومنها أنه رسم بنفى الكلاب إلى بر الجيزة، فجمعوا منهم عدة كلاب ونفوهم إلى بر الجيزة؛ ومنها أنه رسم بأن الفلاح لا يلبس زمطا (١) ونودي بذلك في القاهرة؛ ومنها أنه رسم بأن المرأة لا تخرج من بيتها، ولا تمشي خلف جنازة، فكانت الغاسلة إذا خرجت للموتى تأخذ من المحتسب ورقة وتجعلها في رأسها (٢). واستمر الأشرف في هذه الخرافات إلى أن مات في يوم السبت بعد العصر، ودفن في يوم الأحد (٣) ثالث عشر ذي الحجة من أواخر سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، ودفن في تربته التي بالقرب من البرقوقية التي في الصحراء، وكثر عليه الأسف، والحزن من الناس، فكان كما قيل: والمرء كالظل ولابد أن … يزول ذاك الظل بعد أمتداد (٤) فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام. وكان ملكا جليلا معظما، مبجلا في موكبه، وكانت الدنيا في أيامه هادية من الفتن والحروب التي كانت قائمة بالديار المصرية بين الأمراء. وكانت صفته طويل القامة، صبيح الوجه، أبيض اللون، شايب اللحية، عربي الوجة، مهابا عليه وقار وسكينة، وكان عنده لين جانب للرعية، وكان محبا لجمع الأموال، منقادا إلى الشريعة، ويحب أهل العلم والفقهاء. ومما أنشأه في أيامه من العمائر وهي المدرسة التي بالقرب من سوق الوراقين، والمدرسة التي في الصحراء، والمدرسة التي في سرياقوس، والوكالة التي في الصليبة، والربوع، وله بالديار المصرية أثار كثيرة، وأوقاف كثيرة على جهات بر وصدقة.

стр. 424

ومن معروفه ما صنعه بالإسكندرية، وهو أنه أمر بحفر فم خليج الإسكندرية، وكان قد طم بالرمال، فندب (١) لحفره المقر السيفي جرباش الكريمي المعروف بقاشق، فتوجه إلى ثغر مدينة الإسكندرية، وجمع ما قدر عليه من الرجال، فكان عدتهم ثمانمائة إنسان غير الصغار، وابتدأ في حفره في حادي عشر جمادى الأول سنة ست وعشرين وثمانمائة (٢)، فانتهى العمل منه في تسعين يوما، وجرى الماء فيه، وفرح الناس بذلك. وكان الملك الأشرف برسباي خيار ملوك الترك من الجراكسة، ولما مات عهد إلى ولده الملك العزيز يوسف؛ وقد خلف من الأولاد: الملك العزيز يوسف، وأخيه سيدي أحمد. وقد انتهت أخبار دولة الملك الأشرف برسباي وذلك على سبيل الاختصار منها. وأما من توفي في أيامه من أعيان القضاة والعلماء، وهم: قاضي القضاة علائي الدين ابن مغلي الحنبلي (٣)، وقاضي القضاة التفهني الحنفي (٤)، وقاضي القضاة الهروي (٥)، والشيخ صلاح الدين الأقفهسي (٦)، وابن النقاش من كبار علماء الشافعية (٧)، والشيخ تقي الدين الحصني شارح أبو شجاع (٨)، والشيخ بدر

стр. 425

الدين ابن الدماميني المالكي (١)، والشيخ شهاب الدين المقريزي المؤرخ (٢)، والشيخ زين الدين ابن الخراط صاحب النظم اللطيف (٣)، وغير هؤلاء جماعة كثيرة من أعيان العلماء والصلحاء وغير ذلك من أعيان الناس.
следующие страницы →