← История

История · id 30069

عقود الجمان في وقائع الأزمان

ابن إياس

Полный текст (553 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وفي أيامه: أخلع على المقر الزيني عبد الباسط واستقر به ناظر الجيوش المنصورة، مع ما بيده من الوظائف السنية، وقد رقى القاضي عبد الباسط في دولة الملك الأشرف برسباي، وصار صحب الحل والعقد في أيامه، حتى قد أطلق عليه عظيم الدولة، وصار مملوكه جاني بك أستادار العالية، واستمر القاضي عبد الباسط نافذ الكلمة، وافر الحرمة إلى أن مات الملك الأشرف وهو على ذلك. ومن الحوادث أن في سنة ست وعشرين وثمانمائة أو فى النيل المبارك في ثامن عشر أبيب (١) من الشهور القبطية، وهذا لم يسمع بمثله فيما تقدم من السنين الماضية، وفي ذلك يقول بعض الشعراء: لما وفا النيل المبارك عاجلا (٢) … عم البلاد والروابي (٣) طففا (٤) نشروا (٥) القلوع وبشروا بوفائه … فالراية البيضاء عليه بالوفا (٦) ومن الحوادث في أيامه أن الأتابكي جاني بك الصوفي هرب من السجن بثغر الإسكندرية، وجرى بسببه على الناس ما لا خير فيه، وصاروا يكبسون البيوت والحارات عليه، ثم إنه ظهر في بلاد الشرق، وأقام مدة عند بعض أمراء التركمان، ثم بعد ذلك قطعوا رأسه، وأرسلوها إلى القاهرة، فطافوا بها وعلقوها على باب زويلة. ومن الحوادث في أيامه أنه أرسل تجريدة إلى بلاد الفرنج بمدينة قبرس، فأعطاه الله تعالى النصر، ففتحها وأسر ملكها، وجيء به إلى القاهرة أسيرا، وكان يوم دخول العسكر إلى القاهرة يوما مشهودا، وزينت سبعة أيام، ودخلوا بالفرنج وهم في زناجير، وملكهم راكب وعليه آلة الحرب، وكان ذلك في سنة تسع وعشرين وثمانمائة.

стр. 422

ثم إن الملك الأشرف سجن ملك الفرنج، وعلق خوذته (١) في باب مدرسته التي أنشأها عند سوق الوراقين، وهي إلى الآن معلقه في بوابة المدرسة. ومن الحوادث في أيامه أن في سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة جاء في مصر فناء عظيم، حتى قيل: كان يخرج من القاهرة في كل يوم نحو أربعة و (٢) عشرين ألف جنازة، فضج الناس من ذلك، فرفعه [١٩٤/ ١] الله تعالي عن الناس بالكلية في ليلة واحدة. (٣) ومن الحوادث في أيامه: أنه جرد العساكر، وخرج بنفسه إلى نحو مدينة آمد، بسبب قرايلك، فخرج الأشرف برسباي من القاهرة في موكب عظيم، فكان في طلبه مائتا جنيب بالسروج المغرق، والبركستوانات (٤) الملونة، وفيهم خمسون فرسا بكنابيش ذهب وسروج ذهب. وكان صحبته الخليفة المعتضد بالله داوود والقضاة الأربعة، فلما وصل إلى مدينة آمد فحاصر قلعتها مدة، فلم يقدر على أخذها، وتقلب عليه العسكر هناك، فخشي أن تقوم هناك فتنة، فمشوا بينه وبين قرايلك بالصلح، فأصطلحا وحلفوا قرايلك أنه لا يتعدى إلى بلاد السلطان. ثم إن الملك الأشرف قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، وكان ذلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة، فلما عاد ودخل إلى القاهرة كان له يوم مشهود، وحملت القبة والطير على رأسه إلى أن طلع إلى قلعة الجبل. ثم صفا الوقت من بعد ذلك إلى الملك الأشرف، وبالغ في مشترى المماليك، حتى قيل: "بلغت عدة مماليكه خمسة آلاف مملوك"، وكان الملك الأشرف كثير الرمايات، ويحب المواكب الجليلة، واستمر على ذلك، إلى أن دخلت سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، فيها هجم الوباء بالديار المصرية، ومات فيه من المماليك والعبيد والأطفال ما لا يحصى عددهم.

стр. 423

ثم إن السلطان مرض عقيب ذلك، وسلسل في المرض وحصل له ماخولية وخفت عقل، فمنها أنه رسم بتوسيط الحكماء، فوسط الريس خضر، ووسط ابن العفيف؛ ومنها أنه رسم بنفى الكلاب إلى بر الجيزة، فجمعوا منهم عدة كلاب ونفوهم إلى بر الجيزة؛ ومنها أنه رسم بأن الفلاح لا يلبس زمطا (١) ونودي بذلك في القاهرة؛ ومنها أنه رسم بأن المرأة لا تخرج من بيتها، ولا تمشي خلف جنازة، فكانت الغاسلة إذا خرجت للموتى تأخذ من المحتسب ورقة وتجعلها في رأسها (٢). واستمر الأشرف في هذه الخرافات إلى أن مات في يوم السبت بعد العصر، ودفن في يوم الأحد (٣) ثالث عشر ذي الحجة من أواخر سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، ودفن في تربته التي بالقرب من البرقوقية التي في الصحراء، وكثر عليه الأسف، والحزن من الناس، فكان كما قيل: والمرء كالظل ولابد أن … يزول ذاك الظل بعد أمتداد (٤) فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست عشرة سنة وثمانية أشهر وستة أيام. وكان ملكا جليلا معظما، مبجلا في موكبه، وكانت الدنيا في أيامه هادية من الفتن والحروب التي كانت قائمة بالديار المصرية بين الأمراء. وكانت صفته طويل القامة، صبيح الوجه، أبيض اللون، شايب اللحية، عربي الوجة، مهابا عليه وقار وسكينة، وكان عنده لين جانب للرعية، وكان محبا لجمع الأموال، منقادا إلى الشريعة، ويحب أهل العلم والفقهاء. ومما أنشأه في أيامه من العمائر وهي المدرسة التي بالقرب من سوق الوراقين، والمدرسة التي في الصحراء، والمدرسة التي في سرياقوس، والوكالة التي في الصليبة، والربوع، وله بالديار المصرية أثار كثيرة، وأوقاف كثيرة على جهات بر وصدقة.

стр. 424

ومن معروفه ما صنعه بالإسكندرية، وهو أنه أمر بحفر فم خليج الإسكندرية، وكان قد طم بالرمال، فندب (١) لحفره المقر السيفي جرباش الكريمي المعروف بقاشق، فتوجه إلى ثغر مدينة الإسكندرية، وجمع ما قدر عليه من الرجال، فكان عدتهم ثمانمائة إنسان غير الصغار، وابتدأ في حفره في حادي عشر جمادى الأول سنة ست وعشرين وثمانمائة (٢)، فانتهى العمل منه في تسعين يوما، وجرى الماء فيه، وفرح الناس بذلك. وكان الملك الأشرف برسباي خيار ملوك الترك من الجراكسة، ولما مات عهد إلى ولده الملك العزيز يوسف؛ وقد خلف من الأولاد: الملك العزيز يوسف، وأخيه سيدي أحمد. وقد انتهت أخبار دولة الملك الأشرف برسباي وذلك على سبيل الاختصار منها. وأما من توفي في أيامه من أعيان القضاة والعلماء، وهم: قاضي القضاة علائي الدين ابن مغلي الحنبلي (٣)، وقاضي القضاة التفهني الحنفي (٤)، وقاضي القضاة الهروي (٥)، والشيخ صلاح الدين الأقفهسي (٦)، وابن النقاش من كبار علماء الشافعية (٧)، والشيخ تقي الدين الحصني شارح أبو شجاع (٨)، والشيخ بدر

стр. 425

الدين ابن الدماميني المالكي (١)، والشيخ شهاب الدين المقريزي المؤرخ (٢)، والشيخ زين الدين ابن الخراط صاحب النظم اللطيف (٣)، وغير هؤلاء جماعة كثيرة من أعيان العلماء والصلحاء وغير ذلك من أعيان الناس.

стр. 426

ذكر سلطنة الملك العزيز أبي المحاسن جمال الدين يوسف ابن الملك الأشرف برسباي الظاهري (١) وهو الثالث والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو التاسع من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد موت أبيه الملك الأشرف برسباي، في يوم السبت ثالث عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وثمانمائة، فتسلطن وله من العمر أربع عشرة سنة، وأمه أم ولد جركسية تسمى جلبان. فلما تسلطن وجلس على سرير الملك، استقر بالمقر السيفي جقمق العلائي أتابك العساكر ونظام المملكة على عادته، فاستمر على ذلك مدة يسيرة. ثم إن جماعة من الأمراء والمماليك الأشرفية صاروا يعارضون الأتابكي جقمق في الأمور، فوقع الخلف بينه وبين الأشرفية فقصدوا قتله مرات عديدة، ثم إن جماعة من المؤيدية والناصرية والسيفية تعصبوا للأتابكي جقمق، فقويت شوكته، ووثب على الملك العزيز يوسف، واتقع مع الأشرفية وقعة قوية، فانكسروا الأشرفية وانتصر الأتابكي جقمق عليهم، بعد أمور يطول شرحها عن هذا المختصر، وآخر الأمر أن الملك العزيز خلع من السلطنة، وتولى الأتابكي جقمق، وذلك يوم الأربعاء تاسع (٢) عشر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. فكانت مدة سلطنة الملك العزيز يوسف ابن برسباي بالديار المصرية ثلاثة أشهر وستة (٣) أيام، فكانت سلطنته ليس له فيها إلا مجرد الاسم فقط؛ لأجل كتب العلامة، والأمر كله للأتابكي جقمق.

стр. 427

ولما خلع الملك العزيز من السلطنة، استمر مقيما بالقلعة، وسكن في قاعة البربرية من داخل دور الحرم، وكان قصد الملك الظاهر جقمق أن يزوج الملك العزيز ويصير مقيما بالقلعة، ولا يرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ فما صبر الملك العزيز، ولعب به جماعة من الأشرفية من مماليك أبيه، فحسنوا له الهروب، فهرب من القلعة، ونزل بعد المغرب في هيئة صبي الطباخ وعليه ثياب رثة، وكان ذلك في أوائل رمضان. فلما نزل من القلعة وأشيع ذلك، فأصبح الناس في شعلة نار، وصار الوالي يكبس البيوت بسببه والحارات، وحصل للناس مشقة عظيمة بسبب ذلك، واستمر الحال على ذلك مدة أيام، ثم إن الملك العزيز ضاق عليه الأمر وبقي متحيرا لا يدري أين يروح، فأتى إلى بعض الأمراء تحت الليل فقبض عليه، وطلع به إلى القلعة، فدقت الكوسات لذلك، وسكن الأمر، ولو صبر الملك العزيز لكان خيرا له، "وكم من عجلة أعقبت ندامة"، فكان كما قال القائل في المعنى: [١٩٦/ ١] … قد يدرك المتأني جل مقصده (١) وقد يكون مع المستعجل الزلل (٢) فلما طلع الملك العزيز إلى القلعة قيد، وأرسل إلى السجن بثغر الإسكندرية (٣)، وقد قال القائل في المعنى: ولم يدخلوه السجن إلا مخافة من الناس أن يبدى لهم دولة الحسن فقالوا له شاركت في الحسن يوسفا فشاركه أيضا في الدخول إلى السجن (٤) فاستمر بثغر الإسكندرية إلى دولة الأشرف أينال، فرسم بإخراجه من السجن، وأن يسكن في بعض دور الإسكندرية، ورسم له بأن يركب إلى الجامع في صلاة الجمعة وغير ذلك، واستمر الملك العزيز في الإسكندرية إلى أن مات بها في دولة الملك الظاهر خشقدم، ثم نقل من بعد ذلك ودفن على أبيه، وتوفي بعده أخوه الصغير الذي كان مقيما بالقاهرة عند الأمير قرقماس الجلب، وكان قد تزوج ورزق الأولاد، ومات في دولة الظاهر خشقدم أيضا. انتهت أخبار دولة الملك العزيز يوسف بن الأشرف برسباي، وذلك على سبيل الاختصار.

стр. 428

ذكر سلطنة الملك الظاهر سيف الدين أبي سعيد محمد جقمق العلائي الظاهري (١) وهو الرابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو العاشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد خلع الملك العزيز يوسف بن برسباي، في يوم الأربعاء تاسع (٢) عشر ربيع الأول سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة. وكان أصله جركسي الجنس، جلبه الخواجا كزل، فاشتراه منه العلائي علي ابن الأتابكي أينال اليوسفي، ثم انتقل إلى الملك الظاهر برقوق، وصار من جملة المماليك السلطانية، ثم بقى أمير عشرة، ثم مسك وحبس، ثم أطلق وصار أمير أربعين خازندار في دولة الملك المؤيد شيخ، ثم بقى أمير (مائة) (٣) مقدم ألف في دولة الملك الظاهر ططر، ثم بقى حاجب الحجاب في دولة الملك الأشرف برسباي، ثم بقى أمير أخور كبير، ثم بقى أمير سلاح في أثناء دولة الأشرف برسباي، ثم بقى من بعد ذلك أتابك العساكر في أثناء دولة الأشرف برسباي، فلما مات الملك الأشرف وتسلطن ابنه الملك العزيز يوسف ثم خلع من السلطنة، فتسلطن الأتابكي جقمق كما تقدم ذلك. فلما تم أمر الملك الظاهر جقمق في السلطنة أخلع على من يذكر من الأمراء، وهم المقر السيفي قرقماس الشعباني فاستقر به أتابك العساكر عوضا عن نفسه؛ وأخلع على المقر السيفي أقبغا التمرازي واستقر به أمير سلاح عوضا عن الأتابكي قرقماس الشعباني؛ وأخلع على المقر السيفي يشبك السودوني (٤) واستقر أمير مجلس عوضا عن أقبغا التمرازي؛ وأخلع على المقر

стр. 429

السيفي تمراز القرمشي واستقر به أمير أخور كبير عوضا عن الأمير جانم الأشرفي؛ وأخلع على المقر السيفي قراقجا الحسني واستقر به رأس نوب النوب عوضا عن تمراز القرمشي؛ وأخلع على المقر السيفي تغري بردي البكلمشي الشهير بالمودي واستقر به حاجب الحجاب عوضا عن يشبك السودوني؛ واستقر بالمقر السيفي أركماس الظاهري دوادار كبير على عادته كما كان في دولة الأشرف برسباي، فهذا كان ترتيب الأمراء أرباب الوظائف في مبتدأ دولته، ثم انتقلت الوظائف من بعد ذلك إلى جماعة كثيرة من الأمراء في أيامه. وأنعم في أيامه بتقادم ألوف على جماعة كثيرة من الأمراء المؤيدية والظاهرية والناصرية، وأنعم بأمريات طبلخانات، وأمريات عشراوات على جماعة كثيرة من الأمراء في أيامه، وفرق الإقطاعات على المماليك [١/ ١٩٧] السلطانية، وأرضى العسكر بكل ما يمكن من ذلك، وأنفق على العسكر على جارى العادة نفقة كاملة لجميع المماليك السلطانية، ومن له عادة بذلك. ثم بعد أن تسلطن الملك الظاهر بمدة يسيرة حضر الأمراء والعسكر الذين كانوا في التجريدة نحو البلاد الشامية، فلما دخلوا إلى القاهرة أقاموا أياما، ثم وثب الأتابكي قرقماس الشعباني على السلطان، وطلع إلى الرملة فنزل السلطان إلى المقعد المطل على سوق الخيل، ودقت الكوسات حربي، واتقع العسكر هم والأتابكي قرقماس، فلم يكن إلا ساعة وقد كسر الأتابكي قرقماس وهرب، وكان أكثر الأمراء والعسكر مع السلطان الملك الظاهر. فلما أن هرب الأتابكي قرقماس انفصل ذلك الجمع، واستمر الأتابكي قرقماس مختفى أياما، ثم أرسل يطلب من السلطان الأمان، فلما ظهر وطلع إلى القلعة، فقيد وأرسل إلى السجن بثغر الإسكندرية، فأقام بالسجن مدة يسيرة؛ ثم إن السلطان قد أثبت على الأتابكي قرقماس أشياء توجب الكفر، وحكم بذلك بعض القضاة المالكية، فأرسل السلطان إليه من ضرب عنقه وهو في السجن. ثم إن السلطان لما نفى الأتابكي قرقماس أخلع على المقر السيفي أقبغا التمرازي واستقر به أتابك العساكر عوضا عن قرقماس الشعباني واستقر به أيضا نائب السلطنة، وصار يحكم بين الناس، وهو آخر من تولى نيابة السلطنة بالديار المصرية، وكانت هذه وظيفة قديمة، ثم بطلت، وكان نائب السلطنة قديما يحكم بين الناس، ويخرج الإقطاعات بالمناشير الذي من دون الثلاثين ألف إلى أقل من ذلك.

стр. 430

ثم جاءت الأخبار في أوائل دولته بأن نائب الشام أينال الجكمي خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، وكذلك نائب حلب تغري برمش، فرسم بإخراج تجريدة، فجرد إليهم جماعة من الأمراء؛ ثم إن السلطان أخلع على الأتابكي أقبغا التمرازي واستقر به نائب الشام عوضا عن أينال الجكمي، وأخلع على المقر السيفي يشبك السودوني واستقر به أتابك العساكر عوضا عن أقبغا التمرازي، فلما أن توجه العسكر إلى النواب حاربوهم وانتصروا عليهم، وقتلوا منهم جماعة، وأحضروا رؤوسهم إلى القاهرة. وكان الملك الظاهر جقمق في أوائل سلطنته اضطربت أحواله إلى الغاية، منها وتب (١) الأتابكي قرقماس الشعباني عليه، ومنها هروب الملك العزيز يوسف بن الأشرف برسباي، ومنها عصيان النواب عليه، ثم انصلحت من بعد ذلك أحواله وصفت أوقاته، وطالت في السلطنة أيامه، وعاش في أرغد عيش إلى أن مات على فراشه، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه، فلما طابت أوقاته وصفا عيشه، كما قيل في المعنى: لا تسأل الدهر في بأساء (٢) يكشفها … فلو أردت (٣) دوام البوس لم يدم (٤) ثم أخذ في أسباب أمور دولته، فعزل قاضي القضاة الشافعي شهاب الدين ابن حجر واستقر بالقاضي علم الدين صالح البلقيني، فأقام مدة، ثم عزله، ثم أعيد ابن حجر، ثم عزله، ثم استقر بالقاضي شمس الدين القاباتي قاضي قضاة الشافعية عوضا عن ابن حجر، فأنشد شهاب الدين ابن حجر، وهو يقول: يا أيها السلطان لا تستمع … في أمر قاضيك كلام الوشاة والله لم تسمع (٥) بأن أمرء … أهدى له قط ولا قد رشاة (٦) ولما تولى قاضي القضاة شمس الدين القاياتي، أنشد فيه الشهاب المنصوري الهايم (٧) هذه المداعبة تعصبا لابن حجر، وهو قوله:

стр. 431

إن كان شمس الدين قاياتيكم … مستثقل الحركات والسكنات لا غرو إن أضحي جبانا في الورى … فالجبن منسوب إلى القايات (١) ومن الحوادث: أن شخصا أعجميا يسمى الشيخ نظام الدين، وكان يدعى أنه شريف، فأوحى إلى السلطان أنه يعرف علم الكيمياء [١/ ١٩٨] فاجرى عليه السلطان بسبب ذلك جملة مال، ولم تصح معه الكيميا (٢)، فأرسله السلطان إلى الشرع، فحكم فيه القاضي الديسطي (٣) المالكي بما يوجب قتله بالشرع الشريف، فأتوا به إلى تحت شباك المدرسة الصالحية فضربوا عنقه هناك، وذلك في سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. ومن الحوادث في هذه السنة: أن النيل توقف عن ليالي الوفاء على ثلاثة أصابع، وقيل: أربعة أصابع، وأقام مدة أيام لم يزد شيئا، فرسم السلطان بأن يخرج الناس إلى الاستسقاء، فخرج الناس قاطبة، وتوجهوا إلى الصحراء تحت الجبل الأحمر، فخرج القضاة، ومشايخ العلماء، ومشايخ الصوفية، والزهاد، وحضر أمير المؤمنين المستكفي بالله سليمان، وأعيان الناس، ولم ينزل السلطان الملك الظاهر من القلعة، فعز ذلك على الناس؛ وقد تقدم أن الملك المؤيد شيخ نزل في أيامه إلى الاستسقاء، ولبس جبة صوف أبيض (٤)، وعلى رأسه ميزر صوف أبيض. فلم يوافق الملك الظاهر جقمق على النزول من القلعة إلى الاستسقاء، ثم أحضروا أطفال الكتاتيب، ومعهم المصاحف، وطائفة اليهود ومعهم التوراة، وطائفة النصارى ومعهم الإنجيل، وخرجوا ببعض أبقار وأغنام، وأطفال رضع، وخرج معهم السواد الأعظم من العوام وغيرهم، وكان يومئذ قاضي القضاة الشافعي القاضى شرف الدين يحيى المناوي، فأحضروا له هناك منبرا فصعد عليه، وخطب خطبة الاستسقاء، كما جرت به العادة، فلما أراد أن يحول رداءه وهو في الخطبة، كما جرت به العادة في خطبة الاستسقاء، فسقط الرداء إلى الأرض، فتطير الناس من ذلك.

стр. 432

ومن النكت اللطيفة: قيل: أن بعض العلماء خرج ليستسقي بالناس في بعض البلاد (١)، وكان بالسماء بعض سحاب وقت خروجه، فلما خرج ودعا للناس ورفع يديه بالدعاء، فأصحت السماء وتقطع ذلك السحاب واشتد حر الشمس، فخجل ذلك العالم الصالح من الناس، فأنشد في هذه الواقعة بعض الشعراء (٢): خرجنا لنستسقي بفضل دعائه … وقد كاد سحب الغيم أن يلحق الأرضا فلما بدا يدعو تكشفت السما … فما تم إلا والسحاب قد انفضا (٣) فلما نزل قاضي القضاة يحيى المناوي من على المنير، ورجعت الناس من الاستسقاء، طلع ابن أبي الرداد ونادى بزيادة أصبع؛ وقيل: لم يكن لهذا الزيادة صحة، ثم إن النيل نقص عن ذلك أصبعين، فرسم السلطان بكسر السد من غير وفاء، فلم يجر الماء إلا قليلا، ودخل غالبه إلى بركة الفيل من عند البحمون، ثم نزل البحر من بعد ذلك ولم يزد شيئا. فعند ذلك حصل للناس الضرر الشامل، وشرقت البلاد، وتشحطت الغلال، وتزايد سعر القمح والشعير والفول وسائر الحبوبات، وصار السعر في كل يوم يتزايد حتى بلغ كل أردب قمح أربعة أشرفية ثم تناهى من بعد ذلك إلى ستة أشرفية وسبعة أشرفية كل أردب، وعم هذا الغلاء سائر البلاد، ومات فيه أكثر البهائم والأشجار، وغلاء سعر كل شيء، وجاء عقيب ذلك فناء عظيم، ومات فيه جماعة كثيرة من الناس، واستمر هذا الغلاء من سنة ثلاث وخمسين إلى سنة أربع وخمسين وثمانمائة. وفي هذه التشويطة صار الأمراء ينقلون مغلهم من الشون إلى بيوتهم، وحولهم المماليك بالسلاح خوفا من العوام أن ينهبونه، ثم إن العوام رجموا القاضي زين الدين أبو الخير بن النحاس وكيل بيت المال، قيل: أنه قال: "العوام يأكلون بدرهم حشيش ويأكلون فوقه بأربعة أنصاف حلوى، فيأكلوا بأربعة أنصاف خبز ويتركوا أكل الحشيش والحلوى"، فرجموه وهو نازل من القلعة، وخطفوا شاشه من على رأسه، ورجموا العلائي علي [١٩٩/ ١] بن الفيسي محتسب القاهرة، وصار بعض العوام يخطفون الخبز من على الدكاكين.

стр. 433

وقد رثا بعض الشعراء الخبز فقال: قسما بلوح الخبز عند خروجه … من فرنه وله الغداة فوار ورغائف منه تروقك وهي في … سحب الثقال كأنها أقمار من كل مصقول السوالف أحمر الـ … ـخدين للشونيز (١) فيه عذار كالفضة البيضاء لكن يغتدى … ذهبا إذا قويت عليه النار تلقى عليه في الخوان جلاله … لا تستطيع تده (٢) الأبصار فكأن باطنه بكفك درهم (٣) … وكأن ظاهر لونه دينار ما كان أجهلنا بواجب حقه … لو لم تبينه لنا الأسعار إن دام هذا السعر فاعلم أنه … لا حبة تبقى ولا بقيار (٤) وفي أيامه توفي المقر الزيني عبد الباسط ناظر الجيوش المنصورة، وكانت وفاته في سادس شوال سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة (٥)، وكان السلطان الملك الظاهر جقمق قبض عليه في أوائل دولته، وصادره واستصفى أمواله، ونفاه إلى مكة، ثم نقله إلى الشام، ثم نقله إلى القدس، ثم أحضره إلى الديار المصرية، فأقام بها وهو بطال بغير وظيفة، وهو في غاية العز والعظمة إلى أن مات ودفن في تربته، ولما مات تزوج الملك الظاهر ببنت القاضي عبد الباسط بعد موته (٦)، وأقام معها إلى أن مات، وهي في عصمته. وفي أيامه: توفي شيخ الإسلام شهاب الدين ابن حجر العسقلاني، وكانت وفاته في سنة أربع وخمسين وثمانمائة (٧)، وكان له مشهد عظيم، ولما مات رثاه الشهاب المنصوري الهايم بهذه الأبيات، منها: بكاك العلم حتى النحو أضحي … مع التصريف بعدك في جدال وقد أضحي البديع بلا بيان … وقد سفلت معانيه العوال وقد درست دروس العلم حزنا … وقد ضل الجواب عن السؤال

стр. 434

تنكرت المعارف في عياني … وتمييزي غدا في سوء حال وما عوضت من بدل وعطف … سوى توكيد سقمي واعتلال وكم جنت المنون على كرام … وجند لت الكمي بلا قتال يا قبرا ثوى فيه تهنى … فقد حزت الجميل مع الجمال سقاه الله عينا سلسبيلا … واسبغ ما عليه من الظلال (١) واستمر السلطان الملك الظاهر جقمق على سرير ملكه حتى حصل له ضعف في جسده، فاستمر على ذلك مدة، ثم تزايد به المرض، ولزم الفراش، فعند ذلك طلب الخليفة والقضاة الأربعة، وخلع نفسه من الملك، وعهد إلى ولده المقر الفخري عثمان. فلما كان ليلة الثلاثاء رابع شهر صفر سنة سبع وخمسين وثمانمائة توفي السلطان الملك الظاهر جقمق، ودفن في تربة الأمير جركس القاسمي المصارع التي جددها الأمير قانباي الجركسي، وهي بالقرب من دار الضيافة، ومات الملك الظاهر جقمق وله من العمر نحو ثمانين سنة (٢). فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية أربع عشرة سنة وعشرة أشهر ويومان، وعاش بعد خلعه من السلطنة اثنى عشر يوما. وكان ملكا دينا خيرا كريما، متواضعا، عنده حلم ولين جانب، محبا للعلماء والصلحاء ويقوم لهم إذا دخلوا عليه، وكان يحب الأيتام ويكتب لهم الجوامك، ولا يخرج إقطاع من له ولد ذكر، وكانت الدنيا في أيامه هادئة من الفتن والتجاريد، وكان يحسن إلى أكابر التركمان ويعطيهم العطايا الجزيلة، فكانت بلاد الشرق في أيامه عراق. وكان صفته غليظ الجسم، معتدل القامة، مستدير اللحية، ذري اللون، وكان يميل إلى النساء الحسان، وله عدة سراري، وكان عفيفا عن الزنا واللواط، وكان فصيح اللسان بالعربية متفقها، وله مسائل في الفقة عويصة. وكان يقع منه في بعض الأحيان غلطات كثيرة، ونواقص عظيمة، وأخراق في حق العلماء والفقهاء، منها: أنه سجن قاضي القضاة ولي الدين [١/ ٢٠٠].

стр. 435

السفطي في المقشرة، وعزز الشيخ شمس الدين الكاتب في وسط المدرسة الصالحية، ونفى جماعة كثيرة من الأمراء في حظ نفس، وفعل من هذا النمط أشياء كثيرة، وكان غالب ذلك من الوسائط السوء، لأنه كان على قاعدة الترك وعنده الدعوى لمن سبق وكان عنده حدة زائدة، وبادرة في الأمور، وفي الجملة كانت محاسنه أكثر من مساويه، وكان خيار ملوك الجراكسة كلها بالنسبة إلى غيره، كما قد قيل: ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها … كفى المرء فضلا أن تعد معايبه (١) ولما مات خلف من الأولاد ثلاثة، وهم: الملك المنصور عثمان، وبنت من خوند بنت البارزي تزوجها الأتابكي أزبك، وماتت وهي في عصمته، وبنت أخرى تزوجها الأمير جاني بك الظريف، ومات معها ثم تزوجها الأتابكي أزبك بعد موت أختها، وأقام معها إلى أن مات وهي في عصمته. ومات الملك الظاهر جقمق عن أربعة من النساء، وهم: خوند بنت الأمير جرباش قاشق أمير سلاح كان، وخوند بنت المقر الزيني عبد الباسط ناظر الجيوش المنصورة، وخوند بنت ابن عثمان التركمانية، وخوند الجركسية. وأما أمرائه الأتابكية: فالأمير قرمماس الشعباني أولا، والمقر السيفي أقبغا التمرازي، والمقر السيفي يشبك السودوني، والمقر السيفي أينال العلائي. وأما دواداريته: فالمقر السيفي أركماس الظاهري أولا، ثم المقر السيفي تغري بردي البكلمشي الشهير بالمودي (٢)، ثم المقر السيفي أينال العلائي، ثم المقر السيفي قانباي الجركسي، ثم المقر السيفي دولاتباي المؤيدي. وأما قضاته الشافية: فالقاضي شهاب الدين ابن حجر، والقاضي شمس الدين القاياتي، والقاضي علم الدين صالح البلقيني، والقاضي ولي الدين السفطي، والقاضي شرف الدين يحيى المناوي. وأما قضاته الحنفية: فالقاضي سعد الدين سعد بن الديري. وأما قضاته المالكية: فالقاضي شمس الدين البساطي، وابن التنسي بدر الدين، والقاضي الأموي المالكي.

стр. 436

وأما قضائه الحنابلة فالقاضي محب الدين العسقلاني أولا، والقاضي بدر الدين البغدادي، والقاضي عز الدين الحنبلي. وأما كتاب سره فالقاضي كمال الدين محمد بن البارزي وكان الملك الظاهر جقمق متزوج بأخت القاضي كمال الدين ابن البارزي أولا. وأما نظار جيشه فالقاضي عبد الباسط أولا، ثم القاضي محب الدين ابن الأشقر، وولي أيضا في أيامه كاتب السر بعد القاضي كمال الدين ابن البارزي. وأما نظار الخواص الشريفة فالقاضي جمال الدين يوسف بن كاتب جكم، وتولى في أيامه ناظر الجيوش المنصورة أيضا، وتولى الوزارة أيضا فأقام بها مدة يسيرة ثم استعفى منها. وأما وزراؤه فالصاحب كريم الدين ابن كاتب المناخات (١)، والصاحب أمين الدين ابن الهيصم (٢)، وغير هؤلاء جماعة. وأما أستداريته فالأمير عبد الرحمن بن الكويز، والأمير زين الدين وهو صاحب الجامع الذي في بولاق، والجامع الذي في الحبانية، وله عدة مدارس بالديار المصرية، ورأى في أيام الملك الظاهر من العز والعظمة ما لا رأه غيره من الأستدارية، وطالت أيامه بها. وأما من تولى ولاية القاهرة في أيام الملك الظاهر جقمق فالأمير منصور بن الطبلاوي، والأمير جاني بك، والأمير قراجا، وغير هؤلاء جماعة. وأما من تولى في أيامه الحسبة الشريفة فالشيخ علي المحتسب، والعلائي علي بن الفيسي (٣)، وغير هؤلاء جماعة. وقد انتهت أخبار دولة الظاهر جقمق، وذلك على سبيل الاختصار منها. وأما من توفي في أيامه من الأعيان، وهم الخليفة المعتضد بالله داوود (٤)، والخليفة المستكفي بالله سليمان (٥)، والقاضي بدر الدين ابن التنسي المالكي،

стр. 437

والقاضي ولي [١/ ٢٠] الدين السفطي الشافعي (١)، والقاضي محب الدين العسقلاني الحنبلي (٢)، والقاضي بدر الدين البغدادي الحنبلي، والقاضي شمس الدين البساطي المالكي (٣)، والقاضي الونائي، وقاضي القضاة بدر الدين محمود العيني الحنفي (٤)، وابن الجزري شيخ القراءات (٥)، والسيد الشريف شمس الدين الطباطبائي الزاهد، وذلك في سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة (٦)، والحافظ عبد الرحيم الحموي شيخ الحديث (٧). ومن الزهاد الشيخ محمد بن سلطان، والشيخ كمال الدين المجذوب (٨)، والشيخ عباده (٩)، والشيخ شمس الدين الحنفي الصوفي. ومن أعيان الخدام الأمير جوهر القنق باي الخازندار. وتوفي في أيامه جماعة كثيرة من أعيان العلماء والقضاة والفقهاء وأعيان الناس لم نذكرهم هنا خوف الإطالة. وتوفي في أيامه من أعيان الشعراء، وهم: الشيخ تقي الدين ابن حجة صاحب شرح البديعية (١٠)، والبدر البشتكي (١١)، وشمس الدين ابن كميل (١٢)، وشمس الدين النواجي صاحب حلبة الكميت (١٣)، وجماعة كثيرة غير هؤلاء من الأعيان. انتهى ذلك.

стр. 438

ذكر سلطنة الملك المنصور أبي السعادات فخر الدين عثمان ابن الملك الظاهر جقمق العلائي (١) وهو الخامس والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو الحادي عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد خلع أبيه من السلطنة في يوم الخميس حادي عشرين المحرم سنة سبع وخمسين وثمانمائة، ولما تسلطن كان له من العمر دون العشرين سنة، وأمه أم ولد رومية. فلبس خلعة السلطنة من الدهيشة، وركب إلى القصر الأبلق، والأتابكي أينال العلائي حامل القبة والطير على رأسه، إلى أن دخل إلى القصر، وجلس على سرير الملك، وباسوا له الأمراء الأرض، ودقت له الكوسات بالقلعة [١/ ٢٠] ونودي باسمه في القاهرة وضج الناس له بالدعاء وكل ذلك ووالده الملك الظاهر في قيد الحياة. فلما رجع من القصر عاد إلى سكنه بالحوش السلطاني مراعاة إلى والده إلى أن يتوفي، فأقام على ذلك اثني عشر يوما، حتى توفي والده في اليوم المقدم ذكره. فلما تم أمر الملك المنصور في السلطنة، قبض على الأمير زين الدين الأستادار، وكان بينه وبين زين الدين حظ نفس من أيام والده، فلما قبض عليه، أخلع على الأمير جاني بك نائب جدة واستقر به استادار عوضا عن زين الدين. ثم تسلم زين الدين إلى الأمير فيروز الخازندار، ورسم له بأن يعصره بالمعصار في رجليه فعصره، واستصفى أمواله، واستمر في العقوبة حتى أورد ما قرر عليه من الأموال، وفي واقعة حال زين الدين يقول بعض شعراء العصر:

стр. 439

أخبار زين الدين قد صدحت (١) بها … أطيار ملح في الورى تتغرد (٢) لا غرو إن هم (٣) بالغوا في عصره … فالكرم يعصر والجواد يقيد (٤) ولما كان يوم الإثنين مستهل ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وثب المماليك الأشرفية والمؤيدية ومعهم المماليك السيفية، فتوجهوا إلى بيت الأتابكي أينال العلائي، فركبوه وأتوا به إلى البيت الكبير الذي عند حدرة البقر؛ فلما استقر به أرسل خلف أمير المؤمنين القائم بأمر الله أبي البقاء حمزة، فلما حضر خلع الملك المنصور عثمان من السلطنة، وبايع الأتابكي أينال العلائي. واستمرت الحرب ثائرة بين أينال وبين الملك المنصور من يوم الإثنين إلى [٢٠٢/ ١] يوم الأحد سابع ربيع الأول، فانكسر الملك المنصور عثمان، في يوم الأحد المذكور بعد الظهر. وملك أينال القلعة، وطلع إلى باب السلسلة، فلبس خلعة السلطنة من الحراقة التي في الإسطبل، وطلع إلى القصر الأبلق، وحملت القبة والطير على رأسه، إلى أن جلس على سرير الملك، ونودي باسمه في القاهرة، وضج الناس له بالدعاء ودقت له البشائر ثلاثة أيام. فلما انفض الموكب أرسل قيد الملك المنصور عثمان وحبسه بقاعة البحرة، ثم قبض على جماعة من الأمراء منهم: الأمير قانباي الجركسي أمير أخور كبير، والأمير تمر بغا الدوادار الكبير، والأمير تنم المؤيدي، وغير هؤلاء جماعة كثيرة من الظاهرية فقيدهم وأرسلهم إلى السجن بثغر الإسكندرية. وأما الملك المنصور عثمان فأنه أقام في قاعة البحرة إلى يوم الأحد ثامن عشرين ربيع الأول من السنة المذكورة، فأنزلوه من القلعة من باب القرافة، وهو مقيد إلى أن وصل إلى البحر، فأنزلوه في الحراقة، وتوجهوا به إلى السجن بثغر الإسكندرية، وكان المتسفر عليه الأمير خير بك الأشقر أمير أخور ثاني، فأوصله إلى الإسكندرية ورجع. فكانت مدة سلطنة الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق بالديار المصرية ثلاثة وأربعين يوما لا غير.

стр. 440

وفي هذه المدة: رسم بضرب ذهب مناصره، بسبب النفقة على العسكر، فكان الدينار المنصوري ينقص عن الأشرفي قيراطين ذهب، وإقامة هذه المناصره مدة عماله بمصر وهي ماشية، فكان يحصل بهم للناس الضرر الشامل، بسبب النقص عن الأشرفي، وكان القائم في ذلك الجمالي ناظر الخاص يوسف (١)، كما قال القائل في المعني: فلم يقم الا بمقدار أن … قلت له أهلا وسهلا ومرحبا (٢) فاستمر الملك المنصور في السجن بثغر الإسكندرية إلى دولة الملك الظاهر خشقدم، فرسم له بالإطلاق من السجن، وأن يسكن في بعض دور الإسكندرية، وأن يركب إلى صلاة الجمعة، واستمر على ذلك إلى دولة الملك الأشرف قايتباي فنقله إلى دمياط، ورسم له بالركوب إلى الصيد وإلى التنزه في كل مكان، ثم إن الملك الأشرف قايتباي رسم بإحضار الملك المنصور إلى القاهرة، ليحج ويقضي الفرض، فحضر إلى الديار المصرية وحج ورجع، فأنعم عليه السلطان بأشياء كثيرة، وأقام في القاهرة بعد عوده من الحجاز نحو شهر، وكان يطلع إلى القلعة، ويلعب مع السلطان بالأكرة، ويقف فوق أمير كبير، وهو لابس شاش وقماش، وهو يبدو (٣) أصفر بغير طراز ذهب، وقد بالغ الملك الأشرف قايتباي في إكرامه وتعظيمه لكون الملك المنصور كان ابن أستاذ الملك الأشرف قايتباي. وكان أكثر الأمراء الظاهرية مماليك أبيه الملك الظاهر جقمق، وكان الأتابكي أزبك متزوجا ببنت الملك الظاهر أخت الملك المنصور، وكان المقر السيفي تمراز الشمسي أمير سلاح، متزوجا ببنت الملك المنصور فساعدته الأقدار من كل جانب، ولم يعلم فيما مضى بأن ابن ملك بعد أن تسلطن عاد إلى الديار المصرية على هذا الوجه غير الملك المنصور عثمان هذا، ثم رسم له بالعود إلى دمياط كما كان، فعاد إلى دمياط، وأقام بها مدة طويلة، إلى أن مرض ومات بدمياط في أثناء دولة الملك الأشرف قايتباي. فلما مات هناك رسم السلطان بنقله، فنقل من دمياط، ودفن على أبيه الملك الظاهر جقمق في تربة الأمير قانباي الجركسي، ومات الملك المنصور وقد ناف في العمر عن خمسين سنة. وهذا ما انتهى إلينا من أخباره على سبيل الاختصار.

стр. 441

ذكر سلطنة الملك الأشرف أبي النصر سيف الدين أينال العلائي الظاهري (١) وهو السادس والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو [٣/ ٢٠١] الثاني عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد خلع الملك المنصور عثمان ابن الملك الظاهر جقمق في يوم الإثنين ثامن ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمائة. وكان أصله جركسي، جلبه الخواجا علائي الدين إلى مصر، فاشتراه منه الملك الظاهر برقوق، وصار من جملة المماليك الكتابية، واستمر على ذلك إلى أن مات الملك الظاهر برقوق، وتولى ابنه الملك الناصر فرج فأعتقه، ثم بقي في أخر دولة الملك الناصر فرج خاصكي، ثم بقى في دولة الملك المظفر أحمد ابن المؤيد شيخ أمير عشرة، ثم بقي في دولة الملك الأشرف برسباي أمير أربعين رأس نوبة ثاني، ثم بقي نائب غزة، ثم نقله الملك الأشرف برسباي لما توجه إلى آمد فجعله نائب الرها، وذلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة، فأقام بها إلى أن أحضره الملك الأشرف برسباي إلى القاهرة، فأنعم عليه بتقدمه ألف، واستمرت نيابة الرها بيده زيادة على التقدمة، ثم نقله الملك الأشرف برسباي إلى نيابة صفد، وذلك في سنة أربعين وثمانمائة، واستمر بصفد إلى أن كانت دولة الملك الظاهر جقمق فأحضره إلى القاهرة، وبقي مقدم ألف إلى أن مات الأمير تغري بردي المودي الدوادار، فأخلع السلطان على الأمير أينال وبقى دوادارا كبيرا عوضا عن تغري بردي المودي، ثم لما مات الأتابكي يشبك السودوني استقر الأمير أينال أتابك العساكر بمصر عوضا عن يشبك السودوني، وذلك في سنة تسع وأربعين واستمر على ذلك إلى أن مات الملك الظاهر جقمق، وتولى ابنه الملك المنصور فوثب عليه الأتابكي أينال وخلعه من الملك، وتسلطن عوضه، كما قد تقدم ذكر ذلك في [ب/ ٢٠٣] موضعه.

стр. 442

فلما تم أمر الملك الأشرف أينال في السلطنة، أخلع على من يذكر من الأمراء، وهم: المقر السيفي تاني بك الظاهري واستقر به أتابك العساكر عوضا عن نفسه؛ وأخلع على المقر السيفي خشقدم المؤيدي واستقر به أمير سلاح؛ … وأخلع على المقر السيفي طوخ بوني بازق واستقر به أمير مجلس؛ وأخلع على المقر السيفي قرقماس الجلب الأشرفي واستمر به رأس نوبة النوب؛ وأخلع على المقر السيفي يونس البواب (١) المؤيدي واستقر به دوادار كبير، وزوجه الملك الأشرف أينال بابنته الصغرى؛ وأخلع على المقر السيفي جرباش كرت الناصري واستقر به أمير أخور كبير؛ وأخلع على الأمير جاني بك القرماني واستقر به حاجب الحجاب. وأنعم على ولده المقر الشهابي أحمد بتقدمة ألف، وأنعم على جماعة من الأمراء المؤيدية والأشرفية بتقادم ألوف، وأنعم على جماعة منهم بأمريات أربعين، وأمريات عشرة. واستقر بالأمير تمراز الأشرفي دوادار ثاني، ثم نفي في أوائل دولة الأشرف أينال، فلما نفي استقر السلطان بالأمير برد بك دوادار ثاني عوضا عن تمراز الأشرفي، وكان الأمير برد بك من مماليك الملك الأشرف أينال وزوجه بابنته الكبرى، وكان الأمير برد بك له كلمة نافذة في مصر؛ فهذا كان ترتيب الأمراء أرباب الوظائف في مبتدأ دولته، ثم انتقلت من بعد ذلك الوظائف إلى جماعة كثيرة من الأمراء، حسبما يأتي ذكرهم في مواضعه. ثم إن الأشرف أينال نفق على العسكر نفقه كاملة، واستقام أمره في السلطنة، ثم بعد مدة يسيرة، وثب عليه جماعة من المماليك الظاهرية، والتف عليهم جماعة من المماليك السيفية، ولبسوا آلة الحرب، وطلعوا إلى الرملة، فنزل الملك الأشرف أينال إلى المقعد المطل على سوق الخيل، ودقت الكوسات حربي. ثم إن المماليك توجهوا إلى بيت الخليفة حمزة، فركبوه من بيته، وأتوا به إلى البيت الكبير الذي في حدرة البقر، فأقام هناك ساعة، وإذا بالجمع قد انفض بعد قتال هين، فعند ذلك قام الخليفة وتوجه إلى بيته، وكان السلطان لما أن بلغه اثارت هذه الحركة، وأرسل يقول للخليفة: "غيب من بيتك، إلى أن تنقضي هذه

стр. 443

الحركة "، فلم يسمع الخليفة هذا الكلام، ولم يغب من بيته، وظن أن هذه الحركة يحصل له فيها نفع، كما حصل له في حركة الملك المنصور عثمان، فكان الأمر بخلاف ذلك، وما حصل له من هذه الحركة طايل، وقد قيل: دع التعرض أن الأمر مقدور … وليس للسعي في الادراك تأثير والمرء (١) يعجز عن تحصيل خردلة … بالسعي إن لم تساعده المقادير (٢) فلما خمدت هذه الفتنة طلب السلطان الخليفة، فلما طلع إليه، وبخه بالكلام فلم يرد عليه الخليفة جواب، وأمسك لسانه عن حجته، وكان به بعض صمم (٣). ثم إن السلطان أمر بإدخاله إلى قاعة البحرة، فأقام بها أياما، ثم أرسله إلى السجن بثغر الإسكندرية، وولى أخاه الجمالي يوسف، ودام الخليفة حمزة مقيما بالسجن بثغر الإسكندرية إلى أن مات هناك، وقد تقدم ذلك في تراجم الخلفاء في أول التاريخ، ولما أراد السلطان أن يخلع الخليفة حمزة ويولي الجمالي يوسف، أحضر القضاة الأربعة بالقصر الكبير، فلما كمل المجلس قام القاضي محب الدين ابن الأشقر كاتب السر الشريف، وبقي المجلس ساكنا ساعة، ولم يتكلم أحد من القضاة في شيء من ولاية الجمالي يوسف، ولا في شيء من خلع الخليفة حمزة غير أن قاضي القضاة الشافعي علم الدين صالح البلقيني قال: "نقل بعض علماء مذهبي أن السلطان له أن يعزل الخليفة ويولي غيره"، فهذا كان حاصل المسألة في خلع الخليفة حمزة وولاية أخيه يوسف. فعند ذلك قال القاضي محب الدين ابن الأشقر: "نشهد عليك يا مولانا السلطان، أنك خلعت الخليفة حمزة من الخلافة، ووليت أخاه يوسف"، فقال السلطان "نعم"، فشهد عليه القضاة بذلك، ثم أحضروا التشريف، فلبسة الجمالي يوسف، ونزل إلى بيته، ومعه القضاة الأربعة، وأعيان الناس إلى أن أوصلوه إلى بيته. ولما أقام الملك الأشرف أينال في السلطنة مدة توفي الأتابكي تاني بك الظاهري، فأخلع السلطان على ولده المقر الشهابي واستقر به أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن ثاني بك الظاهري، وأنعم على ولده الصغير المقر

стр. 444

الناصري محمد بتقدمة أخيه الأتابكي أحمد فكان متحصلها في كل سنة أربعة وعشرين ألف دينارا (١). ولما كانت سنة ستين وثمانمائة، فيها حجت خوند زوجة الملك الأشرف أنيال، هي وأولادها، وكان المقر الشهابي أحمد أمير المحمل فخرجوا من القاهرة في تجمل زائد من العظمة، وخوند وأولادها في محفات زركش، وكان يوم خروجهم من القاهرة يوما مشهودا فحجوا ورجعوا إلى القاهرة في سنة إحدى وستين وثمانمائة. ومن الحوادث في أيام الملك الأشرف أينال: ظهر في السماء من جهة الشرق نجم، وله ذنب طويل، فأقام مدة ثم اختفى، وظهر في جهة الغرب، فأقام مدة ثم اختفى، فجاء عقيب ذلك فصل عظيم، ومات فيه من المماليك والعبيد والجوار والأطفال ما لا يحصى عددهم، فأقام نحو خمسة أشهر (٢)، وذلك في سنة أربع وستين وثمانمائة (٣). وفي سنة ثلاث وستين: توفي القاضي محب الدين ابن الأشقر كاتب السر الشريف، وذلك في ثاني عشر رجب من سنة ثلاث وستين وثمانمائة، فلما مات أخلع السلطان [٢٠٥/ ١] على القاضي محب الدين ابن الشحنة واستقر به كاتب السر الشريف عوضا عن ابن الأشقر. ومن الحوادث في أيام الملك الأشرف أينال: وقع حريق عظيم ببولاق من عند جامع زين الدين الأستادار إلى عند حمام بن البارزي، فاحترق في هذه النازلة عدة بيوت وأرباع، واستمرت النار تعمل في البيوت نحو سبعة أيام، وصار من بعد ذلك يحترق في كل ليلة في القاهرة حريق في عدة أماكن من الحارات حتى ضج الناس من ذلك، ولا يعلم سبب هذا الأمر، ولا من كان يفعل ذلك (٤). وفي أثناء دولة الملك الأشرف أينال: توفي القاضي جمال الدين يوسف ناظر الخواص الشريفة وناظر الجيوش المنصورة، وكان قد رقا في أيام

стр. 445

الأشرف أينال كما قد رقا القاضي عبد الباسط في أيام الملك الأشرف برسباي، وصار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية (١). وتوفي في أثناء دولته الريس ناصر الدين المازوني، وكان قد فاق على أهل زمانه في حسن الصوت، وسعة امتداده، ورأى من الأكابر وأعيان الديار المصرية ما لا رآه أحد من المغاني قبله، وكان المازوني فريد أهل زمامه في الإنشاد والمغنى وحسن الصوت (٢)، وقد رثاه الشهاب المنصوري الهايم بعد موته بهذه الأبيات وهي: يا نزهة السمع سكنت الثرى … فللملاهي أيما لهفي كم لطمة من قدم أو يد … في خدي الدكة و الدف (٣) وفيه يقول أيضا: كانت به لذاتنا موصولة … فانقطعت بموته اللذات وكانت الأصوات تزهو بهجة … فارتفعت لموته الأصوات (٤) واستمر الملك الأشرف أينال في السلطنة وهو في أرغد عيش بين أولاده حتى مرض، وسلسل في المرض مدة طويلة، حتى مات في يوم الخميس بعد العصر خامس عشر جمادى الأول سنة خمس وستين وثمانمائة، ودفن من يومه في تربته التي أنشأها له المقر الجمالي يوسف ناظر الخاص بالقرب من تربة القاضي عبد الباسط التي في الصحراء، وتوفي الملك الأشرف أينال وله من العمر إحدى وثمانين سنة (٥). وخلف من الأولاد أربعة، صبيان وهما: الملك المؤيد أحمد، وأخيه المقر الناصري محمد؛ وبنتان إحداهما زوجة الأمير يونس الدوادار الكبير، والأخرى زوجة الأمير برد بك الدوادار الثاني. فكانت مدة سلطنة الملك الأشرف أينال بالديار المصرية ثمان سنين وشهرين وستة أيام.

стр. 446

وكان لما ثقل في المرض خلع نفسه من السلطنة، وعهد إلى ولده الأتابكي أحمد، وعاش بعد خلعه من السلطنة أياما حتى مات. وكان صفة الملك الأشرف أينال طويل القامة، أسمر اللون، خفيف العوارض، وكان يعرف بأينال الأجرود. وكان ملكا حليما هينا لينا، قليل الأذى للرعية، ولولا جور مماليكه في حق الناس لكان خيار ملوك الترك من الجراكسة وغيرهم، وكانت أيامه كلها لهو وانشراح، وكان غالب الأمراء أصهاره، ودام في السلطنة حتى مات على فراشه بين أولاده. وفي أيامه أخرج تجريدة إلى ابن قرمان لما أظهر العصيان على السلطان، فأرسل السلطان إليه تجريدة، وكان باش العسكر المقر السيفي خشقدم أمير سلاح، وصحبته جماعة من الأمراء المقدمين والعشراوات والمماليك السلطانية، فلما توجهوا إلى ابن قرمان هرب منهم، ولم يحصل بينهم قتال، فرجع العسكر وهم سالمون إلى الديار المصرية. وأرسل في أيامه أيضا تجريدة إلى بلاد الفرنج، وكان باش العسكر المقر السيفي يونس الدوادار، وجماعة من الأمراء، ولما أخرج السلطان [٢٠٦/ ١] هذه التجريدة رسم بعمارة مراكب أغربة نحو اثني عشر غرابا، فلما كملت عمارة هذه الأغربة نزل السلطان إلى الجزيرة الوسطى، وكشف على الأغربة، وكان يوم نزوله إلى الجزيرة يوما مشهودا، وأخلع على الأمير سنقر قرق شبق الزردكاش خلعة لكون أنه كان مشد العمارة على الأغربة، فلما سافر الأمراء إلى بلاد الفرنج أقاموا مدة يسيرة، ورجعوا إلى الديار المصرية، وهم سالمون لم يفقد منهم أحد. ومما أحدثه في أيامه: وهو أنه أبطل معاملة الفضة العتيقة جميعها، وأخرج فضه جديدة تصرف مع كل أشرفي بخمسة وعشرين نصف، وبطلت تلك المعاملة القديمة التي كانت توزن بالميزان، فنقصت الفضة العتيقة الثلث فحصل للناس بذلك بعض مشقة، وخسروا في هذه الحركة جملة، مال، وكان القائم في ذلك المقر الجمالي يوسف ناظر الخاص. وكانت دولة الملك الأشرف أينال ثابتة القواعد.

стр. 447

أما أتابكيته فالمقر السيفي تاني بك الظاهري، والمقر الشهابي أحمد ولد السلطان. وأما دواداريته فالمقر السيفي يونس البواب صهر السلطان، والمقر السيفي برد بك الدوادار الثاني وهو صهر السلطان أيضا. وأما قضاته الشافعية القاضي علم الدين صالح البلقيني. وأما قضاته الحنفية شيخ الإسلام سعد الدين ابن الديري الحنفي. وأما قضاته المالكية فالقاضي ولي الدين الأموي، والسيد الشريف سراج الدين ابن حريز. وأما قضاته الحنابلة فالقاضي عز الدين الحنبلي. وأما كتاب سره فالقاضي محب الدين ابن الأشقر، والقاضي محب الدين ابن الشحنه. وأما نظار جيشه فالمقر الجمالي يوسف بن كاتب جكم، ولما مات استقر من بعده جماعة من الأعيان في نظارة الجيش، فمنهم القاضي شرف الدين الأنصاري، والقاضي برهان الدين ابن الديري الحنفي، وغير هؤلاء. وأما نظار الخواص فالمقر الجمالي يوسف بن كاتب جكم، والأمير عبد الرحمن بن الكويز، وغير هؤلاء. وأما وزراؤه فالصاحب علائي الدين ابن الأهناسي، ومنهم الصاحب سعد الدين فرج، وغير هؤلاء جماعة من الأعيان، واستقروا في أيامه في الوزارة ولم يطل بها مدتهم، وهم ابن النجار مباشر قانباي الجركسي، ومنهم والد الصاحب علاء الدين ابن الأهناسي وغير ذلك. وأما أستدارياته فمنهم الأمير زين الدين، ومنهم المقر العلائي علي بن الأهناسي، ثم أعيد الأمير زين الدين ثانيا، ثم ضربه علقة قوية ونفاه إلى المدينة الشريفة ثم رضي عليه، وأحضره إلى القاهرة واستقر به أستادارا أيضا، واستقر في أيامه جماعة كثيرة من الأعيان في الاستدارية فلم يطل بها مدتهم، فمنهم الأمير قاسم الكاشف أقام بها مدة وعزل عنها، ومنهم الأمير ناصر الدين محمد بن أبو الفرج أقام بها مدة وعزل عنها، ومنهم الأمير منصور القبطي، ومنهم الصاحب سعد الدين فرج، وكان الأمير زين الدين ينفصل من الأستادارية ويعود إليها في أيامه عدة مرات.

стр. 448

وأما ما أنشأه في أيامه من العمائر: وهي المدرسة العظيمة التي أنشأها له ناظر الخاص يوسف في الصحراء، والسوق الذي في الرملة بالقرب من حدرة البقر، وله عدة ربوع وحمامات بالقاهرة، وغير ذلك. وأما من توفي في أيامه من أعيان العلماء، وهم: الشيخ كمال الدين ابن الهمام الحنفي (١) شيخ الخانقاه الشيخونية، وأخوه الشيخ عز الدين، وقاضي القضاة المالكي ولي الدين الأموي (٢)، وغيرهم من أعيان العلماء. وأما من توفي من الأعيان في أيامه: فالأتابكي تاني بك الظاهري (٣)، ومحب الدين ابن الأشقر كاتب السر (٤)، والجمالي يوسف ناظر الخاص (٥)، والقاضي برهان الدين ابن الجيعان (٦) وهو صاحب المدرسة التي في بولاق المطلة على البحر، والصاحب سعد [٢٠٧/ ١] الدين فرج، والناصري محمد بن الخضري ابن خالة الملك المؤيد أحمد. وتوفي في أيامه من الصلحاء: الشيخ مدين الزاهد (٧)، والشيخ المجذوب سيدي أحمد خروف (٨)، والشيخ ريحان المجذوب، والشيخ محمد المغربي المجذوب (٩)، وغير هؤلاء. ومن الشعراء: الشيخ شهاب الدين الحجازي (١٠)، والشيخ شهاب الدين ابن الشاب التايب (١١)، وغير ذلك من أعيان الناس جماعة كثيرة. وقد انتهت أخبار دولة الملك الأشرف أينال على سبيل الاختصار منها.

стр. 449

ذكر سلطنة الملك المؤيد شهاب الدين أبي الفتح أحمد ابن الملك الأشرف أينال العلائي (١) وهو السابع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم، وهو الثالث عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن بعد خلع أبيه من السلطنة في يوم الأربعاء رابع عشر جمادى الأول من سنة خمس وستين وثمانمائة؛ فتسلطن وله من العمر نحو أربعين سنة (٢)، وأمه خوند زينب بنت بن خاصكي، تسلطن وولده الملك الأشرف في قيد الحياة، فلبس خلعة السلطنة وهي جبة سوداء بطرز ذهب، وعمامه سوداء، وسيف بداوي مقلد به، فركب من الدهيشة، والمقر السيفي خشقدم أمير سلاح حامل القبة والطير على رأسه، حتى وصل إلى القصر الأبلق، فجلس على سرير الملك، وفيه يقول بعض الشعراء: بمهجتي أفدى مليكا غدا … مؤيدا النصر كالشمس فلو تراه فوق كرسيه … لقلت هذا آية الكرسي (٣) فلما جلس على كرسي المملكة باسوا له الأمراء الأرض، ودقت له الكوسات، ونودي باسمه في القاهرة، وضج الناس له بالدعاء، وتلقب بالملك المؤيد. فلما تم أمره في السلطنة، أخلع على المقر السيفي خشقدم أمير سلاح واستقر به أتابك العساكر عوضا عن نفسه. ثم أخذ في أسباب تدبير أمور مملكته ونفق على العسكر نفقة كاملة لمن له عادة من العسكر، وساس الناس في مدة سلطنته أحسن سياسة، وقمع مماليك أبيه الأجلاب عن أفعالهم القبيحة التي كانوا يفعلونها بالناس من الأذى، ففرح به الناس، وكثر الدعاء له بسبب ذلك.

стр. 450

وكان ناظرا إلى مصالح الرعية، وكان كفوا للسلطنة، وافر العقل، كامل الهيئة، مهاب الشكل، مستدير اللحية، أسود الشعر، طويل القامة، أبيض اللون، جسيم البدن، مليح الشكل، ولكن لم يساعده الزمان على مطلوبه وخانه الدهر في مقصوده، كما قد قيل في المعنى: إذا طبع الزمان على اعوجاج … فلا تطمع لنفسك في اعتدال (١) فلم يتم أمره في السلطنة، وتقلب عليه مماليك أبيه، ووثبوا عليه في شهر رمضان، وحاربوه ثلاثة أيام وهو محاصر في القلعة، فانكسر الملك المؤيد، وقبضوا عليه، وعلى أخيه المقر الناصري محمد، وسجنوهما بقاعة البحرة، وقيدوهما فلم يجدوا لهما من ناصر ولا معين، كما قال القائل: إلى الماء يسعى من يعض بلقمة … فأين يسعى الذي قد غص بالماء؟ (٢) أنى وجدت السم عند أحبتي … فهل عند أعدائي يكون دوائي (٣) ثم إن الأتابكي خشقدم تولى السلطنة بعد الملك المؤيد أحمد، ثم أقام الملك المؤيد وأخيه بقاعة البحرة إلى أن أنزلوهما من القلعة إلى البحر، وتوجهوا بهما في الحراقة إلى ثغر مدينة الإسكندرية، ولما نزلوا بهما وهما في قيود، الملك المؤيد أحمد وأخيه الناصري محمد، فأنزلوهما من الصليبة وقت الظهر على النداء (٤) والاجهار وأوجاقي بخنجر إلى جانب الملك المؤيد، وكذلك أخيه محمد، فكثر عليهما الأسف والحزن من الناس، وكان المستفر عليهما الأمير خير (٥) بك المصارع، فلما وصلوا إلى ثغر الإسكندرية [١/ ٢٠٨] سجنوا الملك المؤيد وأخيه، ورجع الأمير خير بك إلى القاهرة. فكانت مدة سلطنة الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال بالديار المصرية أربعة أشهر وثلاثة أيام؛ وكانت أيام دولته كالأعياد، وأحبته الناس حبا شديدا. ثم إن الملك المؤيد أقام بالسجن هو وأخوه الناصري محمد، ثم إن الناصري محمد توفي هناك بثغر الإسكندرية، ونقل بعد موته إلى القاهرة، ودفن على أبيه الملك الأشرف، ومات وله من العمر نحو من عشرين سنة.

стр. 451

وأما الملك المؤيد أحمد فأنه أقام بالإسكندرية إلى دولة الملك الظاهر تمربعا، فرسم بإخراجه من السجن، ورسم له أن يسكن في أي دار من دور الإسكندرية، فلما كانت دولة الملك الأشرف قايتباي وراج أمر المماليك الأينالية في دولة قايتباي، فعظم أمر الملك المؤيد، وحسنت أوقاته فعمر له بالإسكندرية قاعة عظيمة وسكن بها. ثم إن المقر السيفي يشبك بن مهدي أمير دوادار كبير تزوج ببنت الملك المؤيد أحمد، فتضاعفت حرمته وتزايدت عظمته، ولاسيما أن خوند زوجة الملك الأشرف قايتباي كانت بنت ابن خال الملك المؤيد، فساعدته الأقدار من كل جانب، كما قد قيل في المعنى: وإذا السعادة لاحظتك عيونها … نم في المخاوف واقتدي بأماني (١) فأقام الملك المؤيد على ذلك مدة طويلة، وهو يركب إلى متنزهات الإسكندرية ويتصيد؛ ثم إن والدته خوند زينب مرضت مرضا شديدا فتوجه إليها الأمير يشبك الدوادار ليسلم عليها، فقالت له: "اسأل فضل السلطان أن ينعم لي بحضور ابني الملك المؤيد لأنظره قبل أن أموت، فطلع الأمير يشبك إلى عند السلطان، وذكر له ذلك، فرسم السلطان بإحضاره إلى القاهرة، وبرزت المراسم الشريفة بذلك فحضر الملك المؤيد أحمد إلى القاهرة بسبب ضعف والدته، وكان حضوره إلى القاهرة في سنة خمس وثمانين وثمانمائة (٢). فلما حضر إلى القاهرة طلع إلى القلعة، وأخلع عليه السلطان خلعه وأركبه فرس بسرج ذهب وكنبوش، ونزل إلى عند والدته فأقام عندها إلى أن توفيت ودفنها وعقد عليها وعمل مأتمها، وأقام بالديار المصرية نحو شهر. وفي هذه المدة توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية، ونزل الملك المؤيد في القاهرة هو والأمراء والعسكر، ولم يتوجه مع السلطان إلا قليل من العسكر، فأقام السلطان بثغر الإسكندرية أياما ثم عاد إلى القاهرة، وكان سبب توجه السلطان إلى ثغر مدينة الإسكندرية لأجل عمارة البرج الذي أنشأه السلطان هناك، وهي السفرة الثانية. ثم إن الملك المؤيد قصد يتوجه إلى ثغر الإسكندرية فطلب من السلطان دستورا للسفر، فأذن له في ذلك، فتوجه إلى ثغر الإسكندرية، وأقام بها مدة إلى

стр. 452

أن توفي هناك، ونقل بعد موته إلى القاهرة، ودفن على أبيه الملك الأشرف أينال، وكان بين موت الملك المنصور عثمان بن جقمق وبين موت الملك المؤيد أحمد بن أينال مدة يسيرة نحو سنة، وكل ذلك في أواخر دولة الملك الأشرف قايتباي، وأظن أنها سنة ست وتسعين وثمانمائة (١). وأما من توفي في دولة الملك المؤيد أحمد من الأعيان، وهم: الأمير فيروز (٢) الخازندار النوروزي فاشتملت تركته على مال كبير، فمن جملة ذلك أنه ابتاع له حواصل فحم بألف دينار. وتوفيت أيضا في أيامه الست زوجة قانباي الحمزاوي نائب الشام توفيت بدمشق فأرسل السلطان الأمير شاهين غزالي فأحضر تركتها إلى الديار المصرية، فابتاع لها تركة لم يسمع بمثلها، فقيل: كان جملة تركتها نحو مائة وخمسين ألف دينار (٣). انتهت أخبار دولة الملك المؤيد أحمد ابن الملك الأشرف أينال، وذلك على سبيل الاختصار منها.

стр. 453

ذكر سلطنة الملك الظاهر أبي سعيد سيف الدين خشقدم الناصري المؤيدى (١) وهو الثامن والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو أول ملوك الروم بمصر إن لم يكن أيبك التركماني من الروم، ولا لاجين من الروم، فهو أولهم خشقدم. فكان أصله رومي الجنس، جلبه الخواجا ناصر الدين، وبه كان يعرف بالناصري، فاشتراه منه الملك المؤيد شيخ، وصار خاصكي في دولة الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ، ودام على ذلك دهرا طويلا، إلى أن تسلطن الملك الظاهر جقمق فأمره أمرية عشرة، وذلك في سنة ست وأربعين وثمانمائة، وجعله من جملة رؤوس النوب، واستمر على ذلك إلى سنة خمسين وثمانمائة، فأنعم عليه السلطان بتقدمة ألف بدمشق، فدام بها إلى أن تغير خاطر السلطان الملك الظاهر جقمق على الأمير تاني بك الظاهري حاجب الحجاب، بسبب عبد قاسم الكاشف الذي كان قد اشتهر بالصلاح، فلما نفي الأمير تاني بك إلى دمياط وأقام بها، فسعى القاضي زين الدين أبو الخير بن النحاس وكيل بيت المال هو والأمير تمربغا الدوادار الثاني إلى الأمير خشقدم، فأحضره السلطان من دمشق، وأنعم عليه بتقدمة ألف الذي كانت بيد الأمير تاني بك حاجب الحجاب، وذلك في صفر سنة أربع وخمسين وثمانمائة، فأقام على ذلك إلى أن مات الملك الظاهر جقمق، وتسلطن الملك الأشرف أينال استقر به أمير سلاح، وسافر في أيامه باش العسكر إلى تجريدة ابن قرمان، فلما رجع أقام على ذلك إلى أن مات الأشرف أينال، وتسلطن ولده الملك المؤيد أحمد في سنة خمس وستين وثمانمائة، فاستقر به أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن نفسه، فلما وثب المماليك على الملك المؤيد في شهر رمضان وانكسر، فتسلطن

стр. 454

الأتابكي خشقدم، وخلع الملك المؤيد من السلطنة، وذلك في يوم الأحد (١) سابع عشر شهر رمضان من سنة خمس وستين. فتسلطن خشقدم في يوم الأحد المذكور بعد الظهر، فلبس خلعة السلطنة من الحراقة التي بالأسطبل السلطاني، وركب من هناك، وحمل القبة والطير على رأسه المقر السيفي جرباش المحمدي المعروف بكرت أمير سلاح، وطلع من باب سر القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، ودقت له الكوسات، ونودي باسمه في القاهرة، وضج الناس له بالدعاء، وتلقب بالملك الظاهر، وباسوا له الأمراء الأرض. فلما تم أمره في السلطنة عمل الموكب، وأخلع على من يذكر من الأمراء أرباب الوظائف، وهم: المقر السيفي جرباش المحمدي المعروف بكرت واستقر أتابك العساكر عوضا عن نفسه؛ وأخلع على المقر السيفي قرقماس الجلب واستقر به أمير سلاح؛ وأخلع على المقر السيفي قائم التاجر المؤيدي واستقر به أمير مجلس؛ وأخلع على المقر السيفي يلباي المؤيدي واستقر به أمير أخور كبير؛ وأخلع على المقر السيفي جاني بك نائب جده واستقر به دوادار كبير؛ وأخلع على المقر السيفي برد بك البشمقدار (٢) واستقر به حاجب الحجاب (٣)، ورسم بإحضار المقر السيفي تمربعا من مكة، فلما حضر أخلع عليه واستقر به رأس نوبة النوب؛ وأخلع على المقر السيفي جاني بك الظريف واستقر به دوادار ثاني مقدم ألف؛ وأنعم على الأمير جاني بك شاد الشربخاناه بتقدمة ألف؛ وأخلع على الأمير أينال الأشقر واستقر به والي القاهرة، فأقام مدة يسيرة ثم نقله إلى نيابة ملطية، فلما توجه إلى ملطية أخلع السلطان على الأمير تمر واستقر به والي القاهرة عوضا عن أينال الأشقر؛ واستقر بالأمير تنم رصاص محتسب القاهرة. أنعم بتقادم ألوف على جماعة من الأمراء المؤيدية، والظاهرية، الأشرفية، وعلى جماعة منهم بأمريات أربعين وأمريات عشرة واستقر في أول دولته بالمباشرين والقضاة الأربعة كل أحد على حاله، فهذا كان ترتيب الأمراء أرباب

стр. 455

الوظائف في مبتدأ دولته، ثم انتقلت من بعد ذلك الوظائف إلى جماعة كثيرة من الأمراء والمباشرين والقضاة، حسبما يأتي ذكر ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. ثم إنه فرق الإقطاعات السنية على جماعة من المماليك السلطانية، ونفق على العسكر نفقة كاملة لكل مملوك من المماليك السلطانية مائة دينار، وأرضى جميع العسكر بكل ما يمكن. فلما كان أواخر شهر رمضان جاءت الأخبار بأن نائب الشام جانم الأشرفي، وكان يعرف بالمكحل، قد وصل إلى خانقة سرياقوس، وسبب ذلك أن جماعة الأمراء الأشرفية لما تقلبوا على الملك المؤيد أحمد بن أينال، أرسلوا كاتب المقر السيفي جام نائب الشام بأن يحضر إلى الديار المصرية، ويجعلونه سلطانا عوضا عن الملك المؤيد أحمد، فأبطئ الأمير جانم ولم يحضر بسرعة، فلم يصبر العسكر حتى يحضر، ووثبوا على الملك المؤيد في رمضان كما تقدم ذكر ذلك، وولوا الملك الظاهر خشقدم قبل [ب/ ٢١٠] مجيء الأمير جانم من الشام، فكان كما قيل في الأمثال: الرزق بالحظ وبالتقدير … وليس بالسعي ولا التدبير والرزق لا يأتي بسعي القائم … وربما يأتي لشخص نائم (١) فكان وصول الأمير جانم من الشام في ليلة عيد الفطر، فلما بلغ السلطان ذلك اشتور مع الأمراء، فأشاروا عليه بأن لا يمكن المقر السيفي جانم من الدخول إلى الديار المصرية، فأرسل السلطان الملك الظاهر خشقدم الصاحب علائي الدين علي بن الأهناسي إلى خانقة سرياقوس، ومد هناك مدة عظيمة للمقر السيفي جانم، ثم إن السلطان أرسل إلى المقر السيفي جانم عشرة آلاف دينار، وأنعم عليه ببرك الأمير يونس الدوادار الكبير جميعه فأن الأمير يونس توفي في جمعة تسلطن فيها الملك الظاهر خشقدم، ثم إن السلطان لما أرضى المقر السيفي جانم بالمال والبرك، رسم له بأن يعود إلى الشام، ويستقر نائب الشام على عادته.

стр. 456

فلما توجه إلى الشام أرسل السلطان إلى نائب قلعة الشام بأن يرمي عليه، وهو في دار السعادة، فأرمي عليه فخرج من دار السعادة وهو هارب واستمر هاجج في البلاد إلى أن قتل هناك، ولما هرب جانم نائب الشام، أخلع السلطان على خشداشه المقر السيفي تنم المؤيدي واستقر به نائب الشام، وذلك في أوائل دولته عوضا عن جانم، فأقام بها إلى أن مات هناك. وأما جانم نائب الشام، قيل: أن فداوي قتله، وقتل الفداوي أيضا بعده. ثم إن السلطان بعد مدة يسيرة قبض على جماعة من الأمراء الأشرفية، منهم الأمير جاني بك الظريف، والأمير جاني بك المشد، وخال الملك العزيز الأمير بيبرس، وجماعة من الأمراء الأشرفية، فقبضوا عليهم في وسط القصر الكبير، وقيدوهم ثم أرسلوهم إلى السجن بثغر الإسكندرية. ثم بعد مدة يسيرة وثب المماليك الأشرفية إلى الأتابكي جرباش كرت، وكان مقيما في [١/ ٢١١] تربة الظاهر برقوق، بسبب موت ابنته التي من خوند شقراء، فأركبوه من باب النصر، وحملوا على رأسه صنجق، ولقبوه بالملك الناصر، ثم أتوا به إلى البيت الكبير الذي في حدرة البقر، ثم اتقع المماليك الأشرفية والأينالية مع المماليك الظاهرية، فكان بينهم وقعة عظيمة، فانكسر المماليك الأشرفية والأينالية كسره قوية، ثم انفضوا على ذلك، فأرسل السلطان خلف الأتابكي جرباش فطلع إلى القلعة. ثم إن السلطان قبض على جماعة من المماليك الأينالية والأشرفية، ونفاهم إلى بلاد الصعيد وغيرها. واستمر الملك الظاهر خشقدم في السلطنة إلى سنة ست وستين فمن الحوادث، فيها: أن النيل توقف في أوائل شهر أبيب، وأقام على ذلك نحو خمسة عشر يوما (١) لم يزد فيها شيئا، فضج الناس من ذلك، فرسم السلطان للقضاة والعلماء بأن يتوجهوا إلى المقياس، ويقيموا هناك، ويبتهلوا إلى الله تعالى بالدعاء، فتوجهوا إلى المقياس، وأقاموا به أيام، وصار يجتمع هناك أعيان القضاة والعلماء، وقد قيل في المعنى:

стр. 457

ولقد عهدت النيل سنيا يرى عمرا ويتبع أمره تسديدا … والآن أضحى في الوري متشيعا متوقفا ما أن يحب يزيدا (١) ثم إن السلطان أرسل يستفتي الشيخ أمين الدين الأقصراي الحنفي في ذلك، فأفتى الشيخ أمين الدين بأن جميع بني العباس من رجال ونساء وصغار، يضعون شيئا من الماء في أفواههم، ويصبونه في إناء، ثم يلقونه في بحر النيل، ففعلوا ذلك وأوفى وثبت إلى أواخر توت (٢). ومن الحوادث في أيامه أيضا: أن الشمس كسفت كسوفا عظيما وقت الظهر، وأظلمت الدنيا، وأقامت مكسوفة نحو ساعة حتى انجلت (٣). ثم إن الملك الظاهر خشقدم أقام في السلطنة إلى سنة ثمان وستين وثمانمائة، ففي هذه المدة: عظم أمر المقر السيفي جاني بك نائب جدة الدوادار الكبير، والتفت عليه الظاهرية وصار يركب في موكب عظيم، وقدامة الأمراء والخاصكية حتى يوصلونه إلى بيته، فثقل أمره على الملك الظاهر خشقدم وخشي منه. فلما كان يوم الثلاثاء رابع ذي الحجة من السنة المذكورة طلع جاني بك إلى القلعة وقت صلاة الصبح هو والأمير تنم رصاص المحتسب، فخرج عليهما جماعة من المماليك الأجلاب من مماليك الظاهر خشقدم، فقتلوا الأمير جاني بك الدوادار، والأمير تنم رصاص المحتسب في اليوم المذكور عند باب الجامع الذي بالقلعة عند باب القلة، فقتلوا هناك أشر قتله (٤). فلما طلع النهار غسلوهما، وكفنوها، وصلوا عليهما، ودفن الأمير جاني بك في تربته التي عند الشيخ عدي بن مسافر (٥). وكان الأمير جاني بك نائب جدة أميرا عظيما، مليا، مولعا بغرس الأشجار، كثير التنزه وهو الذي أنشأ القبة والغيط التي في منشية المهراني.

стр. 458

وكانت صفته قصير القامة جدا، أسمر اللون، مستدير اللحية، شايب الشعر، وكان دهاء في نفسه، كثير الحيل، وهو الذي كان القائم في تدبير أمر مملكة الظاهر خشقدم، ومسك الأمراء الأشرفية. ولما قتل الأمير جاني بك، أخلع السلطان علي المقر السيفي يشبك الفقيه المؤيدي واستقر به دوادار كبير عوضا عن جاني بك نائب جده؛ واستقر الأمير جاني بك المعروف بكوهية دوادار عوضا عن الأمير جاني بك الظريف [١/ ٢١٢] الأشرفي. وفي هذه السنة: جرد السلطان العسكر إلى بلاد الفرنج، فأقاموا هناك مدة ثم رجعوا وهم سالمون (١). وفي هذه السنة: قبض السلطان على الصاحب علائي الدين علي بن الأهناسي، وكان قد رقى في أيامه حتى بقى وزيرا وناظر الخاص، وعظم أمره في دولة الملك الظاهر خشقدم فقبض عليه وصادره واستصفى أمواله، ثم نفاه إلى مكة، فتوجه من البحر المالح إلى مكة، فأقام بها إلى أن مات في سنة تسع وستين وثمانمائة، ولما قبض عليه السلطان استقر بالصاحب مجد الدين ابن البقري وكان اسمه شاكر (٢). وفي هذه السنة وهي سنة تسع وستين، فيها: أنعم السلطان على المقر الشهابي أحمد بن العيني بتقدمة ألف (٣). وفيها: حجت خوند الأحمدية زوجة الملك الظاهر خشقدم، وكان المقر الشهابي أحمد بن العيني أمير المحمل، فكان له لما خرج من القاهرة طلب عظيم، واقترح في طلبه أشياء لم يسبق إليها، فمن جملة ذلك أنه صنع أكوارا من الذهب مرصعة بفصوص من البلخش والفيروز، وصنع كنابيش من الذهب مكللة باللؤلؤ والريش، وصنع أشياء من هذا النمط لم يسبق إليها، وخرج في موكب عظيم، والأمراء المقدمين قدامه، وغالب العسكر (٤)، وذلك لكون أن جدة

стр. 459

المقر الشهابي ابن العيني كانت زوجة الملك الظاهر خشقدم من حين كان مملوك سلطان إلى أن بقي سلطانا، وهي خوند الأحمدية، وكانت تدعي أنها من فقراء الشيخ أحمد البدوي، ﵁، فحجت في محفة زركش، فلما عادت أقامت مدة وماتت (١)، فتزوج السلطان بعدها بمستولديه خوند سوار باي، وأقام معها إلى أن مات. [ب/ ٢١٢] ومن الحوادث في أيامه: أنه رسم للأتابكي جرباش المحمدي كرت بأن يتوجه إلى دمياط، فخرج هو وولده المقر الناصري محمد بن خوند شقراء، فأقاموا بدمياط إلى أن كانت دولة الملك الأشرف قايتباي، فرسم بإحضار الأتابكي جرباش وولده من دمياط فحضروا إلى الديار المصرية، فأقام الأتابكي جرباش مدة ومات ثم ماتت بعده خوند شقراء، ثم مات بعدها بمدة يسيرة ولدها المقر الناصري محمد. ولما توجه الأتابكي جرباش إلى دمياط، أخلع السلطان علي المقر السيفي قائم التاجر واستقر به أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن جرباش كرت، فأقام في الأتابكية مدة، ومات في أثناء دولة الملك الظاهر خشقدم في سنة سبعين وثمانمائة، ثم بقي تمربغا أمير مجلس عوضا عن قائم التاجر لما بقي أتابكي؛ ثم بقى أزبك من ططخ رأس النوب عوضا عن تمربعا. فلما مات الأتابكي قائم أخلع السلطان على المقر السيفي يلباي المؤيدي أمير أخور كبير واستقر أتابك العساكر عوضا عن قائم التاجر؛ وأخلع على المقر الشهابي أحمد بن العيني واستقر به أمير أخور كبير عوضا عن يلباي (٢)، وكان المقر الشهابي أحمد بن العيني في دولة الملك الظاهر خشقدم صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، وكان له كلمة نافذة وحرمة وافرة، وفيه يقول سيدي علي بن برد بك هذه الأبيات: يا طاهر الأصل يا سبط الملوك ومن … حاز الطهارة من أصل بوجهين البحر جدك والإجماع منعقد … على طهارة ماء البحر والعين (٣) ومن الحوادث في أيام الملك الظاهر خشقدم: أنه لما أن قتل الأمير جاني بك نائب جدة رسم بنفي جماعة من الأمراء الظاهرية، فقبض على الأمير تمربغا

стр. 460

رأس نوبة النوب، وعلى الأمير أزبك من ططخ صهر الملك الظاهر جقمق، وعلى الأمير برقوق الظاهري [١/ ٢١٣] إحدى الأمراء العشراوات، فقبض عليهم في القصر الكبير وقيدهم، ونزل بهم من القلعة، والأوجاقية خلفهم بالخناجر حتى أوصلوهم إلى البحر فتوجهوا بهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، فلما وصلوا بهم إلى الأسكندرية أقاموا بها ثلاثة أيام، فطلع الأتابكي قائم التاجر هو والأمراء فشفعوا فيهم، فرسم لهم السلطان بالعود فعادوا إلى القاهرة، وطلعوا إلى القلعة، فأخلع عليهم واستقروا على وظائفهم، وذلك في أواخر سنة ثمان وستين وثمانمائة بعد قتله جاني بك نائب جدة بمدة يسيرة. ومن الحوادث في أيامه أنه استقر بشمس الدين البباوي (١) وزيرا بالديار المصرية، وكان عاميا أميا لا يقرأ ولا يكتب، ولا يعرف اسمه من اسم الحمار، فلما تولى الوزارة صار له حرمة وافرة، وكلمة نافذة، وهابته جميع الناس، وصار يقول: "كل مباشر لا يسد فعلي سداد وظيفته"، ولما عزل الأمير زين الدين الأستادار تسلمه البباوي وأراد أن يعصره، ثم عفى عنه، وكانت ولايته في الوزارة في أواخر سنة تسع وستين وثمانمائة (٢)، وكان أسمر اللون، غليظ البدن، في كلامه عترسه، وكان لا يقبل رسالة من أحد من الأمراء، وكان شديد البأس، يابس الطبع، وفيه يقول بعض الشعراء: قالوا البياوي (٣) قد وزز … فقلت كلا لا وزر الدهر كالدولاب لا … يدور إلا بالبقر (٤) وقال بعضهم أيضا: مرض الزمان وقد تمسك طبعه … من شر قولنج به يتمغس حقنته أراء الملوك فجائه … أهل المناصب كل شخص مجلس (٥) واستمر البباوي في الوزارة مدة نحو سنتين، وسكن في بيت الوزارة الذي في بركة الرطلي، فنزل في مركب وتوجه إلى بعض أشغاله، فلما عاد في المركب انقلبت به عند رأس الجزيرة الوسطى، وهو داخل إلى خليج الزريبة،
следующие страницы →