السن، وقد [١/ ٢٤٥] ضاعت الكلمة، ووقع بين الأمراء الخلف، ومن الرأى أن نخلع الملك الناصر من السلطنة وتولي الأتابكي قانصوه".
فقيل: أنهم خلعوا الملك الناصر من السلطنة، وولوا الأتابكي قانصوه خمسمائة، وتلقب بالملك الأشرف، وباسوا له سائر الأمراء الأرض، وكذلك سائر العسكر، ونودي اسمه في القاهرة، وضج له الناس بالدعاء، غير أنه ما لبس خلعة السلطنة، ولا جلس على سرير الملك، ولا حملت القبة والطير على رأسه، ولا كتب له تقليدا من أمير المؤمنين، فبموجب ذلك لم نعده من جملة السلاطين، ولا أنتظم في عقدهم، فهذا ما كان من أمره.
فلما كان يوم الخميس سلخ جمادى الأول أرسل الأشرف قانصوه خمسمائة إلى الملك الناصر محمد بأن يدخل إلى قاعة البحرة، ويرسل إليه الترس والنمجاه والدواه، فتعصبوا له المماليك الأجلاب الذي (١) كانوا عنده في القلعة، وصاروا يسمون المماليك الناصرية، فعند ذلك فتحوا باب الزردخاناة، ولبسوا آلة الحرب، وركبوا المكاحل بالقلعة، وحاصروا الأشرف قانصوه وهو في باب السلسلة، فقاتلوه أشد القتال، فملكوا في ذلك اليوم باب المدرج، والطبلخاناة السلطانية، ورأس الصوة.
فلما كان يوم الجمعة وقت صلاة الجمعة حاصروا الأشرف قانصوه، حتى أخرجوه من باب السلسلة، فخرج وركب، ووقف عند سبيل المؤمني، واستمر القتال عمال بين الفريقين، فلم يشعر الأشرف قانصوه خمسمائة إلا وقد جاءه سهم في وجهه، فسقط عن فرسه، وأغمى عليه، فحملوه الغلمان على أكتافهم، ونزلوا به من الصليبة.
وقيل: أنهم في أثناء الطريق اركبوه على حمار، وهو مغمى عليه لا يفيق، ولا يعي، فتوجه إلى نحو بيته الذي في قناطر السباع، فاختفى في مكان هناك، فلما عاينوا ذلك من كان معه من الأمراء والعسكر تشتتوا أجمعين وولوا مدبرين، وكانت هذه النصرة على غير القياس، كما قال القائل في المعنى:
ولا تحتقر كيد الصغير فربما … تموت الأفاعي من سموم العقارب
وبين اختلاف الليل والصبح معرك … يكر علينا جيشه بالعجائب (٢)
ولما جرى ذلك، وهرب من كان في باب السلسلة من الأمراء والعسكر، فنزل المماليك الأجلاب على من بقي في باب السلسلة، فنهبوا كل ما كان عند
стр. 527
الخليفة، والقضاة، والمباشرين من قماش، ومن فرش، وغير ذلك، وما سلموا القضاة والخليفة من القتل إلا سلامة، وما وقعت هذه النصرة لأحد قبله من أبناء الملوك، وكانت هذه الواقعة من الغرائب بعد ما ملك الأشرف قانصوه باب السلسلة، وجميع العسكر، والأمراء من الأكابر والأصاغر كانوا معه، وتسلطن، ونودي باسمه في القاهرة، وباسوا له الأمراء الأرض، وأقام في السلطنة يومين، فيخرج من باب السلسلة على أقبح وجه، وأنحس حال، وكان هذا خذلان من الله تعالى ليس في قدرة بشر.
فلما كان يوم السبت مستهل جمادى الآخر من سنة اثنتين وتسعمائة طلع الخليفة، والقضاة الأربعة إلى القلعة عند الملك الناصر، يهنونه بالشهر، وبهذه النصرة التي حصلت له، فعند ذلك جددوا له عهد ثان، وقيل: أنه رشد في ذلك اليوم، ودقت له البشائر ثلاثة أيام، بسبب هذه النصرة التي حصلت.
فلما انكسر الأشرف قانصوه واختفى فاختفى معه سائر الأمراء الذين (١) ركبوا معه، فأقامت القاهرة نحو أسبوعين لم يظهر فيها أمير، ولا دقت فيها طبلخاناة على باب أمير مقدم ألف، وكان عدة من ركب من الأمراء المقدمين في هذه الحركة أربعة عشر أميرا (٢) مقدم ألف غير الأربعينات والعشراوات وسائر العسكر.
ومن غريب الاتفاق أن الأمراء لما هربوا من باب [٢٤٦/ ١] السلسلة، توجه الأمير قانصوه الشامي رأس نوبة النوب، والأمير مصرباي والي القاهرة، توجهوا على جرايد الخيل إلى نحو ثغر الإسكندرية ليقتلوا الأتابكي تمراز، والأمير تاني بك قرا، وكانوا بالسجن بثغر الإسكندرية، فلاقوهما جماعة من العربان في أثناء الطريق، فاتقعوا معهما، فقتل مصر باي والي القاهرة، ومسك الأمير قانصوه الشامي، فقطعوا رأس مصرباي، وعلقوها على باب الإسكندرية.
وأما الأمير قانصوه الشامي فسجن في السجن الذي كان فيه الأتابكي تمراز، فأقام فيه مدة يسيرة، ثم إن السلطان أرسل بقتله فقتل وهو في السجن، كما قيل:
стр. 528
وكم من طالب يسعى لشئ … وفيه هلاكه لو كان يدري (١)
ثم إن السلطان أرسل بالإفراج عن الأتابكي تمراز، والأمير تاني بك قرا، فحضرا إلى القاهرة في أوائل جمادى الآخر، فكان يوم دخولهما يوما شهودا، فلما طلعوا إلى القلعة أخلع على الأتابكي تمراز خلعة، واستقر أتابك العساكر على عادته؛ وأخلع على الأمير تاني بك قرا واستقر أمير مجلس عوضا عن أزبك اليوسفي؛ واستقر الأمير قانصوه خال السلطان الملك الناصر شاد الشربخاناة الشريفة أمير أربعين، واستمرت الأحوال مضطربة، وكثر القال والقيل بين الناس، بسبب الأمراء المختفين.
ثم إن السلطان رسم للأتابكي تمراز والأمير تاني بك قرا بأن يطلعوا إلى القلعة، ويقيموا في الجامع الذي هو داخل الحوش السلطاني، فطلعوا وأقاموا في الجامع، وسبب ذلك قد أشيع إن المماليك عزموا على أن يكبسوا على الأمراء في بيوتهم ويقتلوهم، فرسم لهم السلطان بأن يقيموا في الجامع الذي في الحوش.
فلما كان يوم الثلاثاء ثامن عشر جمادى الآخر ظهر الأشرف قانصوه خمسمائة، وقد تعافى من ذلك الجرح الذي حصل له، فركب، وركب معه خشداشينه، وهم قانصوه الألفي أمير أخور، والأمير ماماي، والأمير كسباي، والأمير يشبك قمر، وغيرهم (٢) جماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، فلبسوا آلة الحرب، وتوجهوا إلى نحو الميدان الكبير الذي في الناصرية، فأقاموا هناك ساعة، ثم توجهوا إلى بيت الأتابكي أزبك الذي في الأزبكية، فدخل الأشرف قانصوه، وأقام هناك ذلك اليوم فاجتمع عنده بعض عسكر.
فلما كان يوم الأربعاء نزلوا إليه المماليك الأجلاب الناصرية وهم مشاه، فلما سمع الأشرف قانصوه بذلك هرب من الأزبكية، هو [و] (٣) من كان عنده من الأمراء والعسكر، وخرجوا على وجوههم، وقصدوا نحو خانقاة سرياقوس، وهذه ثالث كسرة وقعت للأشرف قانصوه خمسمائة بالديار المصرية، فكان كما قيل:
стр. 529
فموتي في الوغى عيشي لأني … رأيت العيش في أرب النفوس (١)
فلما هرب الأشرف قانصوه من الأزبكية نزل المماليك الأجلاب الناصرية، وهم مشاه إلى عند الأزبكية، فأحرقوا بيت أمير كبير أزبك الذي بها، وأحرقوا الربوع الذي حوله، ونهبوا بيوت الناس الذين (٢) كانوا هناك، حتى نهبوا بسط الجامع والحصر الذي (٣) كانت بالجامع، والقناديل، ولا أبقوا من الأذى ممكن، فكان كما قيل:
غيرى جنى وأنا المعاقب فيكم … فكاننى سبابة المتقدم (٤)
فلما خرج الأشرف قانصوه، ومن معه من الأمراء والعسكر، توجه على جرايد الخيل، وقصد نحو غزة، وكان الأمير أقبردي الدوادار لما مسك الأتابكي تمراز من باب السلسلة كما تقدم، فاختفى الأمير أقبردي في القاهرة مدة، فلما حضر الأمير أقباي نائب غزة إلى القاهرة، فأقام بها مدة، ثم رجع إلى غزة.
فلما خرج من القاهرة، خرج معه الأمير أقبردي في الخفية، وأقام بغزة، والتف عليه من العربان والعشير جماعة، وحضر إلى عنده الأمير أينال باي نائب [٢٤٧/ ١] طرابلس، فلما انكسر الأشرف قانصوه، وتوجه إلى نحو غزة، فتلاقى هو والأمير أقبردي هناك على خان يونس، وكان الأمير أقبردي قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، باتفاق من الأتابكي قانصوه خمسمائة قبل أن يوثب على السلطان، فما شعر إلا وقد تلاقي هو وقانصوه خمسمائة هناك، فحصل بينهما وقعة عظيمة هناك، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه؛ ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الناصر بعد هذه الحركة الثانية.
فأنه لما كان يوم السبت تاسع عشرين جمادى الآخر من سنة اثنتين وتسعمائة حصل بين المماليك وبين الأمراء تشاجر في الحوش السلطاني، وسبب ذلك أن المماليك قالوا للأتابكي تمراز والأمراء: "غيروا لقب السلطان الملك الناصر وسموه الملك الأشرف على اسم أبيه"، فقال لهم الأمراء: "وكيف يكون ذلك بعد ما خرجت عدة مناشير ومربعات باسم الملك الناصر، وأشيع ذلك في البلاد
стр. 530
الشامية وغيرها وضربت السكة باسم الناصر"، فقالوا: "لابد من ذلك"، وأغلظوا
على الأمراء في القول.
فعند ذلك نادوا في القاهرة أن السلطان صار لقبه الملك الأشرف، فتعجب الناس من ذلك بعد مدة سبعة أشهر يتغير لقب السلطان، وهذه الواقعة قط ما اتفقت لأحد من أبناء الملوك قبله، غير أن الملك الصالح أمير حاج بن الأشرف شعبان، لما سلطنوه أولا تلقب بالملك الصالح، فلما خلع من السلطنة وأعيد (١) ثاني مرة، لقبوه بالملك المنصور، وقد تقدم ذلك.
وكان سبب تغيير لقب الملك الناصر محمد بن قايتباي، أن مماليك أبيه صاروا يسمون المماليك الأشرفية، والخرج الذي أخرجه ابنة الملك الناصر صاروا يسمون المماليك الناصرية، فصاروا أعلى درجة منهم، فعز ذلك على المماليك الأشرفية، وقالوا: لقبوا السلطان بالملك الأشرف مثل والده، ويصير المماليك كلهم أشرفية"، فهذا كان سببا لتغيير لقب السلطان، وتسميته بالملك الأشرف.
فصاروا يكتبون في المراسيم والمربعات، والمناشير باسم الناصر، وصار الخطباء بعضهم يخطب باسم الملك الأشرف، وبعضهم يخطب باسم الملك الناصر.
وفي مدة هذه الفتنة اضطربت أحوال الديار المصرية، وسد السلطان باب السلسلة بالحجر الفص، وكذلك باب الميدان الذي تحت القلعة، وباب حوش العرب الذي من الأسطبل السلطاني، واستمر الأمر على ذلك.
فلما كان يوم الإثنين مستهل شهر رجب من السنة المذكورة جاءت فيه الأخبار بأن الأشرف قانصوه خمسمائة لما وصل إلى خان يونس الذي بالقرب من غزة، فتلاقى هو والأمير أقبردي هناك، فكان بينهم وقعة عظيمة، وقتل فيها جماعة كثيرة من الأمراء والعسكر، وزعموا أن الأشرف قانصوه خمسمائة قتل، وقتل الأمير ماماي، والأمير فيروز الزمام، فأنه كان صحبة قانصوه خمسمائة لما خرج من القاهرة، وقتل في هذه الوقعة جماعة من الأمراء الأربعينات، والعشراوات، وأسر الأمير قانصوه الألفي، والأمير كسباي، والأمير يشبك قمر، والأمير أسنباي المبشر أحد الأمراء الأربعين، وغير هولاء جماعة كثيرة من الأمراء الخاصكية.
стр. 531
وكان سبب هذه النصرة التي حصلت للأمير أقبردي، أنه لما تلاقى مع العسكر هناك اتقع معهم، فانكسر أقبردي، ودخل إلى خان يونس، فحاصروه وهو في الخان، وأحرقوا باب الخان، فطلب منهم الأمير أقبردي الأمان، فبينما هم على ذلك، فأدرك الأمير أقبردي الأمير أقباي نائب غزة، والأمير أينال باي نائب طرابلس، وشيخ العرب إبراهيم بن نبيعه، فاتقعوا مع الأشرف قانصوه خمسمائة هناك وقعة قوية، ودخل عليهم الليل فانكسر الأشرف قانصوه، وقتل فيها من قتل، وأسر من أسر، وكانت النصرة هناك للأمير أقبردي على قانصوه خمسمائة، وهذه رابع كسرة وقعت للأشرف قانصوه خمسمائة، كما تقدم من أخباره، فكان كما قال القائل في المعنى: [٢٤٨/ ١]
والنفس لا تنتهى عن نيل مرتبة … حتى تروم التي من دونها العطب (١)
فلما كان يوم الخميس رابع رجب أرسل الأمير أقبردي رؤوس من قتل في هذه المعركة، وهم رأس الأمير ماماي، ورأس الأمير فيروز الزمام، وجماعة كثيرة من الأمراء العشراوات، والعسكر، فكانوا نحو أربعة وثلاثين رأسا، وزعموا أن رأس الأشرف قانصوه خمسمائة معهم، فشك الناس في ذلك، وأنكروه واستمروا إلى الآن في إنكارهم لذلك، والله أعلم؛ ثم إنهم طافوا بتلك الرؤوس على أرماح، وكان يوم دخولهم إلى القاهرة يوما مشهودا ودقت البشائر ثلاثة أيام، ثم علقوهم على باب زويلة، وباب النصر.
فلما انقضى ذلك أرسل السلطان الملك الناصر خلف الأمير أقبردي بأن يحضر إلى القاهرة، فلما وصل إلى الخطارة (٢)، أرسل إليه الملك الناصر بقتل من كان معه من الأمراء الذي (٣) أسروا هناك، فقتل الأمير قانصوه الألفي، والأمير كسباي، والأمير يشبك قمر، والأمير أسنباي المبشر، وجماعة كثيرة من الأمراء الأربعين والعشراوات ما يحضرني أسمائهم الآن، فكانوا كما قيل في المعنى:
ومثلما تفعل شاة الحمي (٤) … في قرض يفعل (٥) في جلدها (٦)
فلما كان يوم الأحد رابع عشر رجب من السنة المذكورة فيه دخل الأمير أقبردي إلى القاهرة، وزينت له، وكان يوم دخوله يوما مشهودا، ودخل بطلب
стр. 532
عظيم، ودخل معه الأمير أينال باي نائب طرابلس والأمير أقباي نائب غزة، وشيخ العرب إبراهيم بن نبيعه، فلما طلعوا إلى القلعة فأخلع عليهم السلطان خلع ونزلوا إلى بيوتهم.
فلما كان يوم الخميس ثامن عشر رجب فيه أخلع السلطان على الأمير أقبردي واستقر به أمير سلاح عوضا عن تاني بك الجمالي، واستقر أيضا دوادار كبير عوضا عن جان بلاط، واستقر أيضا وزيرا وأستادارا، فصار كما كان الأمير يشبك من مهدي؛ وأخلع على الأمير أقباي نائب غزة واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن قانصوه الشامي بحكم قتله في السجن بثغر الإسكندرية؛ وأما الأمير أينال باي أقام في القاهرة مدة يسيرة، ورجع إلى طرابلس على عادته نائبا، واستمر الأمر على ذلك.
فلما رجع الأمير أقبردي إلى الديار المصرية في هذه المرة، لم تستقم أحواله، ولا صفا له الوقت، كما كان في أيام الملك الأشرف قايتباي، وصار على رأسه طيره، كلما طلع إلى القلعة، وبقي في تلك الأيام مهدد بالقتل، في كل يوم وليلة من المماليك الذي (١) هم من عصبة قانصوه خمسمائة، وبقي جماعة من الأمراء مختفين من حين ركبوا مع الأشرف قانصوه خمسمائة، منهم: الأمير كرتباي الأحمر، والأمير جان بلاط الدوادار، وغير ذلك من الأمراء المقدمين وغيرهم، وكثر القال والقيل في تلك الأيام.
فلما كان يوم السبت رابع شهر رمضان فيه ثارت الفتنة بين المماليك وبين الأمير أقبردي، ولبسوا آلة الحرب، واتقعوا في ذلك اليوم فانكسر الأمير أقبردي، واختفى هو ومن ركب معه من الأمراء.
فلما كان تلك الليلة هرب الأمير أقبردي تحت الليل، هو والأمير أقباي نائب غزة، فتوجها نحو بلاد الصعيد فأقاما بها، وكان لما انكسر قانصوه خمسمائة واختفى الأمراء، فانتشى في تلك الأيام المقر السيفي قانصوه خال الملك الناصر محمد بن قايتباي، فبقى أمير أربعين، شاد الشربخاناة الشريفة، فبقى له كلمة نافذة في مصر، لكونه خال السلطان، وبقى صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، وأقبلت عليه الناس، وصار يقضي أشغال الناس، وفاق على أقبردي الدوادار وغيره في تلك الأيام، واجتمعت الكلمة فيه، والتف عليه غالب العسكر، ومشى مع الناس على أحسن طريقة.
стр. 533
وفي هذه الأيام كثر في مصر المناسر (١) [١/ ٢٤٩] حتى صاروا يهجمون الأسواق تحت الليل ومعهم مشعل، وشاميات، وقسي، ونشاب، فهجموا سوق مرجوش، ونهبوا منه عدة دكاكين، وكذلك بعد مدة فعلوا بسوق الربع، ولم تنتطح في ذلك شاتان، وقيل أن المنسر شحت الوالي، وجماعته، وفعلوا مثل ذلك بسوق جامع ابن طولون، وصار المنسر كل ليلة يعطعط في حارة، وصارت الفتن عمالة بين الغربان في الشرقية والغربية.
ثم إن السلطان أرسل إلى الأمير أقبردي الأمير أبا يزيد الصغير، ومعه خلعة وفرس بسرج ذهب وكنبوش، فتوجه إلى نحو الصعيد، ومعه مراسيم شريفة للأمير أقبردي بأن يكون على عادته، وعلى وظائفه، ورسم له بأن ينجز أشغاله بسرعة، ويحضر إلى الديار المصرية، فجاءت الأخبار بأنه قد وصل إلى بر الجيزة.
فلما كان خامس (٢) عشرين ذي القعدة خرج العسكر قاطبة إلى ملتقاه، فلما توجه إليه الأمراء، لم يخرج إليه الأمير قانصوه خال السلطان، ثم إن الأتابكي تمراز قوي عليه، وأخذه معه، وقصد أن يتوجه به إلى عند أقبردي، فلما وصل إلى عند السواقي السلطانية، وأراد أن يعدى فمنعوه بعض عصبته من ذلك، ولم يمكنوه أن يعدى، فرجع من هناك، وطلع إلى القلعة.
فعند ذلك اضطربت أحوال العسكر، ثم إن المماليك أحرقوا بيت الأمير أقبردي الذي عند حدرة البقر، وأخربوه قبل أن يدخل الأمير أقبردي إلى القاهرة بيومين، فلما عدى الأمير أقبردي إلى بر مصر فتوجه إليه الأتابكي تمراز، والأمير تاني بك قرا، وجماعة كثيرة من العسكر ممن كان من عصبته، فأقام في الخيام يوما، وكان الأمير أقبردي لما حضر من الصعيد أحضر معه جماعة كثيرة من العربان، وأرسل خلف جماعة من عربان الشرقية والغربية من بني وائل، ومن عرب عزالة.
ثم إن الأمير أقبردي زحف إلى عند النقعة، فخرج إليه بعض جماعة من المماليك، فاتقع معهم عند باب الزغلة، فقتل في ذلك اليوم من المماليك اثنان، وصار كل من يخرج من المتفرجين يعروه العربان.
стр. 534
فلما كان يوم السبت سادس عشرين ذي القعدة من سنة اثنتين وتسعمائة دخل الأمير أقبردي إلى المدينة، ومعه الأتابكي تمراز، والأمير تاني بك قرا، وكان يوم دخوله يوما عبوسا قمطريرا، فدخل من على المشهد النفيسي، وشق من الصليبة (١)، وتوجه إلى بيته الذي في حدرة البقر، فأقام هناك، ودخل معه في ذلك اليوم جماعة كثيرة من العربان، وفي أيديهم رماح طوال، وانعقد لهم غبار في الأسواق.
فلما بلغ الأمير قانصوه خال السلطان أن الأمير أقبردي دخل، ومعه عربان، فأرسل أحضر عربان من عربان الشرقية من بنى حرام، فصار الأتراك يتقعوا مع بعضهم، والغربان يتقعوا مع بعضهم، واستمر القتال في كل يوم عمال بين العسكرين.
ثم إن الأمير أقبردي أرسل أحضر أخشابا كثيرة، برسم عمل الطوارق، وأحضر نحاسا، بسبب سبك مكاحل، وكان له همة عالية، وصرف من ماله في هذه الحركة نحو خمسين ألف دينار (٢)، وصار يمد في كل ليلة للعسكر الذين باتوا عنده سماط، ونفق على العسكر جامكية شهرا من ماله، وفرق على العسكر الذي كان معه بالمدينة الأضحية في عيد النحر.
وكان أكثر من نصف العسكر معه، وكان معه من الأمراء الأتابكي تمراز الشمسي، والمقر السيفي تاني بك قرا أمير مجلس، وأقباي نائب غزة رأس نوبة النوب، والأمير كرتباي أمير أخور كبير، والأمير جانم مصبغة حاجب الحجاب، والأمير [٢٥٠/ ١] جانم الأجرود، والأمير برد بك الخازندار، والأمير برد بك نائب جدة، والأمير قنبك نائب الإسكندرية، والأمير كرتباي أخو الأمير أقبردي الدوادار، فهذه عدة من كان مع الأمير أقبردي من الأمراء المقدمين غير الأمراء الأربعينات، والعشراوات، وجماعة كثيرة من المماليك السلطانية من كل طائفة هذا ما كان من أمر العسكر الذي كان بالمدينة مع الأمير أقبردي.
وأما من كان فوق القلعة عند السلطان من الأمراء المقدمين: فالأمير سودون العجمي، والأمير جان بلاط الغوري، والأمير قاني باي قرا الرماح، ومن الأمراء الأربعينات، والعشراوات جماعة كثيرة.
стр. 535
ثم إن الأمير أزبك اليوسفي أمير مجلس ظهر، وطلع إلى القلعة، وظهر الأمير كرتباي الأحمر، والأمير جان بلاط الدوادار، والأمير قيت الرحبي، والأمير قرقماس، والأمير قانصوه البرجي المحمدي، وغير ذلك من الأمراء، وكان هؤلاء (١) الأمراء قد اختفوا من حين ركبوا مع قانصوه خمسمائة.
فلما رأوا أمر أقبردي قد طال، فظهروا، وطلعوا إلى القلعة، وكان الأمر في تلك الأيام مغدوق بالأمير قانصوه خال السلطان، فركب مكاحل كثيرة بالقلعة، وصاروا يرمون بالبندق الرصاص، والمدافع على من يطلع من العسكر الذي مع أقبردي إلى الرملة، واستمر القتال عمال بين الفريقين في كل يوم، ويقتل منهما في كل يوم جماعة.
وكان مع الأمير أقبردي من مدرسة السلطان حسن إلى باب القرافة، ومن الصليبة إلى مصر العتيقة.
وكان مع العسكر الذي فوق القلعة من باب السلسلة إلى عند الصوة، ومن الصوة إلى باب زويلة ومن باب زويلة إلى خارج باب النصر.
وصار مع الأمير أقبردي صنجق سلطاني، ومع العسكر الذي فوق القلعة صنجق سلطاني، والعسكر يقولون: "الله ينصر السلطان"، وصار الناس بينهما متحيرين، ولا يعرف منهما العاصي من الطائع.
فدخل عليهما يوم عيد النحر فكان لهما في ذلك اليوم أشد ما يكون من القتال، وتعطلت الناس عن الأضحية، ولم يضحي في ذلك اليوم من الناس إلا القليل، وكان في مدة هذه الفتنة جميع أسواق المدينة مغلقة، وبطل البيع والشراء (٢) من جميع الأسواق، وتشحطت الغلال في تلك الأيام، وتناها السعر إلى سبعمائة درهم كل أردب قمح، وكذلك تشحط الشعير والفول بسبب ما حصل في الشرقية والغربية من فساد الغربان وحرق الجرون.
وفي تلك الأيام توقف النيل عند ليالي الوفاء حتى مضى من مسرى سبعة وعشرين يوما، ثم أوفى في سابع عشرين مسرى، وكسر في ثامن عشرين مسرى، وذلك في يوم الإثنين الموافق لثاني عشرين ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعمائة، فلما أوفى النيل وزاد عن الوفاء أربعة أصابع، فتوجه الوالي وقت
стр. 536
الصبح وكسر السد، وقيل: أن الشيخ عبد القادر الدشطوفي (١) هو الذي كسر السد قبل أن يجيء الوالي، وكان في هذه الأيام الحرب قائمة، فلم يلتفت أحد إلى كسر السد في ذلك اليوم، ولو لم يوف النيل في تلك السنة لخربة مصر عن آخرها من الفتن، وفساد الأحوال، كما قال القائل:
أتطلب من زمانك ذا وفاء … وتنكر ذاك جهلا من بنيه
لقد عدم الوفاء به وإني … لأعجب من وفاء النيل فيه (٢)
ثم إن النيل نزل في تلك السنة بسرعة، ولم يغلق تسعة عشر ذراعا، وشرقت غالب البلاد لعدم عمل الجسور في تلك السنة. ثم إن الأمير أقبردي شرع في عمل مكحلة كبيرة، فأحضر المعلم دمينكوا (٣)، وسبك مكحلة عظيمة فأبطأ في [٢٥١/ ١] عملها مدة أيام، فتقلق العسكر الذي كان مع الأمير أقبردي، وصار يتسحب منهم جماعة، ويطلعون إلى القلعة، فتلاشى أمر الأمير أقبردي، وفل غالب من كان معه من العسكر.
فلما كان يوم الجمعة سادس عشرين ذي الحجة من سنة اثنتين وتسعمائة فيه نزل الأمير كرتباي الأحمر من القلعة، هو وجماعة من الأمراء الذي (٤) كانوا في القلعة، ونزل بالمماليك الذي في الطباق جميعها، وهم مشاه بعد المغرب، فزحفوا على مدرسة السلطان حسن، وكبسوا على من فيها من الأمراء وأحرقوا الربوع التي حولها، وأحرقوا غالب البيوت التي بالرملة، وكان الأمير أقبردي في مدة هذه الوقعة أحرق باب القرافة، والبيوت التي تحت السور جميعها، وأحرق سبيل المؤمني.
ثم بات الأمير أقبردي يتقع معهم في تلك الليلة بطولها، ولما هجموا على من في مدرسة السلطان حسن، فهرب من كان بها من الأمراء، وقتلوا الأمير كرتباي أمير أخور كبير على باب المدرسة، ونهبوا كل ما فيها من قماش وسلاح.
فلما كان صبيحة يوم السبت انكسر الأمير أقبردي، وولى الدبر فرجع إلى بيته، وأخذ مماليكه، وزردخانته، وخرج من بيته ودخل من الدرب الذي عند
стр. 537
حمام الفارقاني، وطلع من درب ابن البابا، وخرج من على المدرسة الجاولية، ومعه طبلان وزمران وعلى رأسه صنجق.
وكان معه من الأمراء الذين توجهوا معه الأمير تاني بك قرا أمير مجلس، والأمير أقباي نائب غزة رأس نوبة النوب، والأمير جانم مصبغة حاجب الحجاب، والأمير كرتباي أخو الأمير أقبردي، والأمير قنبك نائب الإسكندرية، وجماعة كثيرة من الأمراء الأربعينات والعشراوات ونحو ألف إنسان من المماليك السلطانية، ولما أراد أن يخرج من بيته عندما انكسر، أرسل خلف الأتابكي تمراز، وكان مقيما عنده في البيت.
فلما أرسل خلفه فأبطأ عليه، وكان متوعدا في جسده، فلما أبطأ عليه تركه، ومضى، فلما توجه الأمير أقبردي طلع من على قناطر السباع، وتوجه من على بولاق، وخرج من على جزيرة (١) الفيل، وتوجه إلى الفضاء وجد في السير.
فقيل: أنه لما مر من على بلاد الشرقية، فلاقوه بني حرام فرجموه، وحصل له غاية البهدلة من السب والرجم، فكان كما قال القائل:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها … فحيث ما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظمون أخا الدنيا فإن وثبت … يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا (٢)
فكان مدة هذه الفتنة من حين عدى الأمير أقبردي بر الجيزة، ودخل إلى المدينة في يوم السبت سادس عشرين ذي القعدة إلى يوم انكسر فيه، وهو يوم السبت سابع عشرين ذي الحجة أحد وثلاثين يوما، والحرب ثائر بين العسكر بالديار المصرية، والفتن، والقتل عمال بنواحي الشرقية والغربية، وهذه ثالث كسرة وقعت للأمير أقبردي من حين توفي الملك الأشرف قايتباي، ولم يسمع بمثل هذه الوقعة فيما تقدم من الوقعات بين الأتراك بالديار المصرية، هذا ما كان من أمر الأمير أقبردي الدوادار.
وأما ما كان من أمر الأتابكي تمراز بعد مضي الأمير أقبردي فأنه كان متوعدا في جسده، فصار عنده شك في أمر الكسرة، فلبس قماشه، وركب فرسه، وخرج من بيت الأمير يشبك الدوادار، ومشى إلى بيت الأمير تاني بك
стр. 538
قرا، فجاء إليه جماعة من المماليك الأجلاب، فمسكوا لجام فرسه، ودخلوا به إلى بيت تاني بك قرا، ثم أخرجوه [٢٥٢/ ١] منه، ومشوا به إلى رأس الصليبة عند السكاكيني فجاء إليه جماعة من المماليك، فقنطروه من على فرسه، فوقع إلى الأرض، فقبضوا عليه، وطلعوا به إلى دكان هناك، فقطعوا رأسه على الدكان.
فقيل: أن الذي قطع رأسه حزها بالسيف، فتصعبت عليه، فكسرها حتى تخلصت، ثم أخذها في فوطة، وطلع بها إلى القلعة، وصارت جثته مرمية على الدكان، فأحضروا له تابوتا، ومضوا به إلى مكان عند بيت الأمير تغري بردي الأستادار، فغسلوه هناك.
ثم إن السلطان أرسل رأس الأتابكي تمراز، ورسم بأن تخيط على جثته، وأرسل معها ثلاثين دينارا، وثوبين بعلبكين؛ ثم أحضروا الأمير كرتباي أمير أخور كبير الذي قتل في مدرسة السلطان حسن، فغسلوه هو والأتابكي تمراز، وكفنوهما، وأخرجوهما من هناك، وصلوا عليهما في باب الوزير، وتوجهوا بهما إلى تربة الملك الأشرف قايتباي، ورسم السلطان بأن يدفن الأتابكي تمراز على الملك الأشرف قايتباي لكون أنه كان يقرب إليه، فدفن عليه، ودفن الأمير كرتباي أمير أخور على الأمير جانم قرابة السلطان قايتباي.
ولما قتل الأتابكي تمراز فشق ذلك على الملك الناصر محمد، ولم يطلع من يده شيء، لكون أنه كان صغير السن، ولم تسمع له المماليك شئ، وكان ذلك في الكتاب مسطورا، ومما رثيت به الأتابكي تمراز، وهو قولي مع التضمين:
أرغمت يا دهر أنوف الوري … بقتل تمراز ويتم العباد
أتابك العسكر ذا رأفة … من جوده (١) شاع لأقصى البلاد
أخطأت يا قاتله كيف قد … قتلت من يقمع أهل العناد
مصيبة جلت فمن أجلها … قد صيرت في كل قلب زناد
لكن له في قاله أسوة … إلى الحسين بن علي الجواد
стр. 539
مذ أودعوه الرمس لو انصفوا … ما كان إلا (١) في صميم الفؤاد
فالله يأجره على ساجرى … من قتله بالعفو يوم المعاد (٢)
وكان الأتابكي تمراز أميرا دينا خيرا، قليل الأذى، وكثير البر والمعروف، وكان أصله من مماليك الملك الأشرف برسباي ورقا في أيام الأشرف قاتباي حتى بقى أتابك العساكر بالديار المصرية هذا ما كان من أمر الأتابكي تمراز بعد مضي أقبردي.
وأما ما كان من أمر المماليك الأجلاب الناصرية بعد هذه الحركة فأن في يوم السبت بعد كسرة الأمير أقبردي وقتلة الأتابكي تمراز، فحصل للناس منهم في ذلك اليوم غاية الأذى، فنهبوا بيوت الأمراء، الذين كانوا مع الأمير أقبردي، ونهبوا مدرسة السلطان حسن، وأخذوا رخام المدفن، والشبابيك النحاس وبسط الجامع، وحرقوا الأبواب التي بها، ثم صاروا يدخلون إلى الحارات، وينهبون بيوت الناس من غير موجب، ونهبوا حارة زويلة، بسبب أن كان للأمير أقبردي هناك حاصل، وكان له فيه جملة من الأموال، والقماش، فنهبوا كل ما فيه، وصار كل من ظفروا به من جماعة أقبردي يقتلوه، وقطعوا رأس المعلم دمينكوا الذي سبك المكحلة للأمير أقبردي، وعلقوها على باب السلسلة، وأقام المماليك على القتل والنهب يومين، ولم يبقوا من الأذى ممكن.
وكانت هذه السنة سنة صعبة شديدة على الناس كثيرة الفتن، وقتل بها من الأمراء جماعة كثيرة من الأمراء المقدمين، والأربعينات، والعشراوات والخاصكية، فمن الأمراء المقدمين: الأمير شادى بك أمير أخور كبير، والأمير أينال الخسيف حاجب الحجاب، والأمير قائم قرابة السلطان [٢٥٣/ ١] قايتباي، فهؤلاء قتلوا لما توجهوا إلى بيت الأتابكي قانصوه خمسمائة وقد تقدم ذلك.
ثم قتل الأمير قانصوه الشامي، وهو في السجن بثغر الإسكندرية وقد تقدم ذلك.
ثم قتل الأمير قانصوه الألفي، والأمير كسباي، والأمير يشبك قمر، وكان قتلهم بالقرب من الخطارة لما أسروا في الوقعة التي كانت بين الأمير أقبردي وبين الأشرف قانصوه خمسمائة عند خان يونس الذي بالقرب من غزة، وقد
стр. 540
تقدم ذلك، وكان المتولي قتل الأمراء شيخ العرب أحمد بن قاسم، وقتل هؤلاء الأمراء الأمير أسنباي المبشر أحد الأمراء الأربعين؛ وقتل في هذه الوقعة التي كانت عند خان يونس الأمير ماماي، والأمير فيروز الزمام.
وقيل: أن الأشرف قانصوه خمسمائة قتل في هذه الوقعة، وقيل: أنه نجى وهرب تحت الليل على فرس، ولم يعلم له خبر، والله أعلم بما كان من أمره؛ وقتل في هذه الوقعة جماعة كثيرة من الأمراء الأربعينات، ومن العشراوات نحو خمسة وعشرين أميرا.
وقتل في هذه الوقعة التي كانت بالقاهرة بين الأمير أقبردي وبين الملك الناصر الأتابكي تمراز الشمسي، والأمير كرتباي أمير أخور، والأمير جانم الأجرود جرح في الوقعة فأقام أياما مختفى ومات.
فكان عدة من قتل في هذه السنة من الأمراء المقدمين اثني عشر أميرا، ومن الأمراء الأربعينات والعشراوات جماعة كثيرة ما يحضرني أسمائهم الآن.
وتوفي في أواخر هذه السنة من الأعيان القاضي أبي البقاء بن الجيعان مات قتيلا، قيل: أن بعض الأتراك قتله بخنجر وهو خارج من بيته وقت الصبح طالع إلى القلعة فمات من يومه.
وتوفي قاضي القضاة الحنبلي بدر الدين السعدي؛ وقاضي القضاة الحنفي ناصر الدين ابن الإخميمي (١)، وغير ذلك من الأعيان. [ب/ ٢٥٣]
فكان ما جرى في هذه السنة عبرة لمن يسمعها، فكان كما قيل:
يسعى ابن أدم في قضى أوطاره … والموت يتبعه على آثاره
يلهو وكف الموت في أطواقه … كالكبش يلعب في يدى جزاره
يمسى وقد أمن الحوادث ليله … فلربما تطرقه في أسحاره
من زاد يعلم كيف تصبح داره … من بعده فليعتبر بجواره (٢)
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعمائة فكان مستهلها في يوم الثلاثاء، ووافق ذلك يوم النوروز، وهو أول يوم من السنة القبطية، بموجب تحويلها إلى السنة العربية.
стр. 541
ففي ذلك اليوم تولى الشيخ برهان الدين ابن الكركي قاضي القضاة الحنفية عوضا عن القاضي ناصر الدين ابن الإخميمي الحنفي؛ وأخلع على القاضي شهاب الدين الشيشيني الحنبلي واستقر قاضي قضاة الحنابلة عوضا عن القاضي بدر الدين السعدي؛ وأخلع على الشيخ عبد البر بن الشحنة واستقر شيخ المدرسة الأشرفية مع ما بيده من مشيخة الخانقاة الشيخونية فأقام بها ثلاثة أيام، ثم أعيدت (١) مشيخة الأشرفية إلى قاضي القضاة الحنفي ابن الكركي مع ما بيده من قضاية الحنفية.
وفيها: أخلع السلطان على المقر السيفي قانصوه خال الملك الناصر واستقر به دوادار كبير عوضا عن الأمير أقبردي، ثم في أثناء ذلك استقر وزيرا وأستادارا كما كان أقبردي.
وفيها أخلع على المقر السيفي كرتباي الأحمر واستقر أمير سلاح عوضا عن أقبردي، فأقام بها مدة يسيرة، واستقر نائب الشام عوضا عن قانصوه اليحياوي بحكم وفاته؛ ثم استقر المقر السيفي جان بلاط الدوادار نائب حلب عوضا عن أينال الذي كان بها وقتل كما سيأتي ذكر ذلك؛ وأخلع على المقر السيفي أزبك اليوسفى واستقر مشير المملكة؛ وأخلع على المقر السيفي قانصوه المحمدي [٢٥٤/ ١] الشهير بالبرجي واستقر أمير مجلس عوضا عن تاني بك قرا؛ وأخلع على المقر السيفي قيت الرحبي واستقر حاجب الحجاب عوضا عن جانم مصبغة؛ وأخلع على المقر السيفي قاني باي قرا الرماح واستقر أمير أخور كبير عوضا عن كرتباي الذي قتل في مدرسة السلطان حسن في وقعة أقبردي؛ وأخلع على المقر السيفي جان بلاط الغوري واستقر رأس نوبة النوب عوضا عن أقباي نائب غزة.
وأنعم بتقادم ألوف على جماعة كثيرة (٢) من الأمراء عوضا عن من تسحب مع الأمير أقبردي، وعن من قتل في الوقعة المقدم ذكرها.
وأخلع على المقر السيفي طومان باي واستقر أمير دوادار ثاني أمير أربعين، وأنعم على جماعة كثيرة من الأمراء بأمريات أربعين وأمريات عشرة عوضا عن من تسحب مع الأمير أقبردي الدوادار.
стр. 542
ثم إن السلطان الملك الناصر رسم بإحضار الأتابكي أزبك أمير كبير من مكة، وكان مقيما بها من حين وقعت الفتنة بين قانصوه خمسمائة وبين أقبردي من أيام الملك الأشرف قايتباي، فلما حضر إلى الديار المصرية أخلع عليه واستقر أتابك العساكر كما كان أولا عوضا عن تمراز الشمسي لما قتل.
فكانت مدة غيبة الأتابكي أزبك في مكة سنتين وثلاثة أشهر واثنى عشر يوما، وكان حضوره إلى الديار المصرية، واستقراره في الأتابكية ثانيا في يوم الخميس ثامن عشرين ربيع الأول سنة ثلاث وتسعمائة.
وفيها في يوم الخميس في مستهل شهر صفر كانت وفاة أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز.
فكانت مدة خلافته إلى أن مات تسع عشرة سنة وأيام، ومات وله من العمر أربع وثمانين سنة، وقيل: ناف عن ذلك، ولما مات عهد إلى ولده يعقوب، فتولى الخلافة في يوم السبت ثالث صفر من سنة ثلاث وتسعمائة، وتلقب بالمستمسك بالله أبي الصبر، وهو رابع خليفة هاشمي الأبوين.
ومن هنا نرجع إلى أخبار الأمير أقبردي، فأنه لما خرج من القاهرة بعد الكسرة، فتوجه إلى نحو البلاد الشامية، فوصل إلى دمشق، فحاصر مدينة دمشق مدة أيام فلم يقدر عليها، فتوجه إلى حلب فحاصر مدينتها أشد المحاصرة فلم يقدر عليها، فقيل: أنه توجه إلى عند على دولات أخو أسوار.
فلما بلغ ذلك إلى السلطان والأمراء، فعينوا إليه تجريدة، فخرج الأمير كرتباي الأحمر نائب الشام، والأمير جان بلاط نائب حلب، وصحبتهم جماعة من الأمراء المقدمين، ومن الأمراء العشراوات، ومن المماليك السلطانية نحو ألفين مملوك، وخرجوا من القاهرة في يوم الثلاثاء رابع ربيع الآخر سنة ثلاث وتسعمائة، وكان الأمير كرتباي الأحمر باش العسكر فخرج من القاهرة في موكب عظيم وطلب طلبا عظيما.
فلما خرج الأمير كرتباي الأحمر من القاهرة، وقتل الأتابكي تمراز، وانكسر الأمير أقبردي، وحصلت هذه النصرة للملك الناصر محمد بن قايتباي، فطاش لما رأى الوقت قد صفا له، ولا بقى على يده يد، فخرج عن الجد في أفعاله، وصار ينزل في كل ليلة إلى المدينة، وقدامه فانوسين أكرة، وأربعة مشاعل، ويطوف المدينة في بعض مماليك معه من أخصائه، ومعه جماعة كثيرة من العبيد،
стр. 543
ومعهم مكاحل نفط، فصار يطوف المدينة فإن رأى أحدا من الناس ماشي من بعد العشاء فيضربه بالمقارع، أو يوسطه، أو يقطع أذنيه وأنفه.
ثم إنه نادى في القاهرة بأن يعلقوا على كل دكان قنديل وعلى كل طاقة قنديل، وصار ينزل كل ليلة بنفسه ويكشف عن ذلك، فإن وجد دكانا بلا قنديل يسمرها وهو واقف بنفسه.
ثم إنه نادى في القاهرة [١/ ٢٥٥] بأن يبيضوا الدكاكين الذي (١) في المدينة ويزخرفوهم بالدهان فحصل لأصحاب الدكاكين بسبب ذلك كلفة زائدة.
ثم إنه صار ينزل إلى بولاق في ليالي سيدي إسماعيل الإنبابي، ويشق البحر في مركب ومعه جماعة من العوام والمغاني على الندى والاجهار، ويحرق في تلك الليلة حراقة نفط في بولاق، وقد جاوز الحد في اللهو، والمخلعة، وبهدل حرمة السلطنة، وصار الناس معه في غاية الضرر، ولا بقى يفكر بأحد من الأمراء من كبير ولا صغير، والكل معه في قمع سمسمه، كما قال القائل:
اخضع لقرد السوء في زمانه … وداره ما دام في سلطانه (٢)
ثم إنه صار ينزل إلى قبة الأمير يشبك التي في المطرية ويبات بها، ثم يطلع إلى القلعة، ويشق من المدينة وقدامه طبلين وزمرين، وجماعة كثيرة من العبيد السود يرمون قدامه بالنفط بمكاحل هندية، وكان في الغالب لا يركب معه أحد من الأمراء سوى خاله المقر السيفي قانصوه الدوادار الكبير.
ثم إنه رسم للأمراء المقدمين بأن يضاف لكل أمير منهم ثلاثون مملوكا من المماليك الأجلاب الناصرية، يأخذون من إقطاعات الأمراء لكل مملوك عشرة آلاف درهم، وأضاف إلى أمير كبير أزبك أربعين مملوكا، وأضاف إلى كل أمير أربعين عشرة من المماليك، وإلى كل أمير عشرة خمسة مماليك، فحصل للأمراء بذلك غاية الأذى وصار المماليك يدخلون إلى بيوت الأمراء وهم راكبون ويبهدلون مباشرينهم حتى يأخذوا الذي تقرر عليهم من المال.
ثم إن السلطان نادى في القاهرة بأن الأمراء الذين كانوا قد اختفوا من حين ركبوا مع الأمير أقبردي، يظهرون ولهم الأمان، فعند ذلك ظهر الأمير تاني بك الجمالي، وكان مختف من حين ركب مع قانصوه خمسمائة.
стр. 544
فلما ظهر أخلع عليه واستقر به أمير سلاح على عادته عوضا عن كرتباي الأحمر لما بقى نائب الشام.
ثم إن السلطان أفرج عن الأمير مصرباي وكان بالسجن بثغر الإسكندرية لأنه كان من عصبة الأمير أقبردي.
ثم ظهر الأمير أبا يزيد الصغير، والأمير قنبك أبو شامة، وجماعة كثيرة ممن ركبوا مع الأمير أقبردي، فلما ظهروا وطلعوا إلى القلعة، أراد السلطان أنه ينشئ له عصبة، فعين الأمير مصرباي أمير أخور كبير، وعين الأمير أبا يزيد الصغير دوادار ثاني، وعين الأمير قنبك أبو شامة نائب القلعة.
فلما بلغ الأمراء والمماليك بأن السلطان قد عين هذه الوظائف إلى هؤلاء الأمراء، فركبوا، وأثاروا فتنة كبيرة بالقلعة، وقتلوا الأمير أبا يزيد الصغير فوق القلعة، فنزلوا بجثته على حمار؛ وأما الأمير مصرباي هرب هو والأمير قنبك أبو شامة، ونزلوا إلى المدينة واختفوا، وكانت فتنة أشد من الأولى واستأنفت فتنة أخرى.
ثم إن المماليك نزلوا إلى المدينة ونهبوا بيوت جماعة كثيرة ممن كانوا من عصبة الأمير أقبردي، وكانت هذه الفتنة في يوم الخميس حادي عشر جمادى الأول من سنة ثلاث وتسعمائة.
فعند ذلك طلع الأتابكي أزبك إلى القلعة، والأمير تاني بك الجمالي أمير سلاح، ولاموا السلطان على هذه الأفعال التي يفعلها، والرهج الذي يرهجه، ثم خمدوا هذه الفتنة بعد ما كانت قد اتسعت وصارت فتنة عظيمة.
ثم إن المماليك لما تزايد جورهم في حق الناس، وحصل منهم في هذه السنة غاية الضرر من كل وجه من القتل والنهب، وأخذ أموال [٢٥٦/ ١] الناس بالظلم، فأرسل الله عليهم الطاعون في تلك السنة، وكان مبتدأه من جمادى الآخر واستمر يسلسل إلى شهر شوال فمات فيه جماعة كثيرة من المماليك والعبيد، والجوار، والأطفال، والغرباء، ومات به من الأمراء الأمير جان بلاط الغوري رأس نوبة النوب، والأمير صنطباي المبشر، وجماعة كثيرة من الأمراء والمماليك، وصار الفصل عمال والمماليك لا يرجعون عن أذاهم وجورهم في حق الناس، وقد قلت في ذلك:
стр. 545
قل للوباء أنت والمماليك (١) … جاوزتما الحد في النكاية
ترفقا بالوري قليلا … في واحد منكما كفاية (٢)
ولما كان رابع عشر شوال من هذه السنة حضر إلى القاهرة خاصكي من حلب، وأخبر بأن الأمير كرتباي الأحمر، والعسكر لما وصلوا إلى حلب في طلب الأمير أقبردي الدوادار، فوقع بينهم وبين العسكر الذي مع أقبردي وقعة عظيمة، فانكسر أقبردي في مكان بالقرب من حلب، فلما انكسر عدى من الفرات إلى البيرة، فأقام بها، وقد قتل في هذه المعركة جماعة ممن كان مع الأمير أقبردي، منهم: أينال نائب حلب، وكان من عصبة الأمير أقبردي، وقتل ابن علي دولات، وجماعة كثيرة من المماليك السلطانية ممن كان الأمير أقبردي فأحضروا رؤوس من قتل في هذه الوقعة إلى القاهرة، وطافوا بهم في المدينة، وهم على أرماح ثم علقوا الرؤوس على أبواب المدينة، وكان عدة الرؤوس التي حضرت إلى القاهرة واحدا وثلاثين رأسا، وكان لهم يوم مشهود.
وفي أواخر هذه السنة: خرج المقر السيفي قانصوه الدوادار خال السلطان إلى نحو الشرقية والغربية، وسرح في البلاد لتمهيدها، ثم رجع إلى القاهرة، فكانت مدة غيبته في هذه السرحة أحد وعشرين يوما.
فلما عاد إلى القاهرة دخل في موكب عظيم وزينت له المدينة، فطلع إلى القلعة، ولبس خلعة عظيمة، فلما نزل إلى بيته أحاط به المماليك في الرملة، وعينوا له القتل، وقالوا له: "أطلب لنا من السلطان نفقة بسبب هذه النصرة التي حصلت للسلطان على أقبردي"، فقال لهم: "نعم، حتى أشاور السلطان على ذلك".
فلما كان يوم الإثنين خامس عشرين ذي الحجة من سنة ثلاثة وتسعمائة، فيه: وثب المماليك على السلطان الملك الناصر، بسبب النفقة، فطلع الأتابكي أزبك إلى القلعة، هو وبقية الأمراء وضربوا مشورة، بسبب هذه النفقة، ثم تقرر الحال على أن ينفق على المماليك لكل مملوك خمسين دينارا، فتراضوا على ذلك وخمدت هذه الفتنة.
ثم إن السلطان شكى إلى الأمراء بأن لم يكن في الخزائن من الأموال شيء، فاشتوروا في ذلك، وقالوا: "وزعوا هذه النفقة على المباشرين، وأعيان الناس"،
стр. 546
فندبوا (١) لذلك المقر السيفي قانصوه خال السلطان، والقاضي ناصر الدين الصفدي وكيل بيت المال، فكتبوا قوائم بأسماء جماعة من الأعيان، منهم: القاضي كاتب السر بدر الدين ابن مزهر، والقاضي شهاب الدين ناظر الجيش، والقاضي علائي الدين ابن الصابوني ناظر الخاص، والقاضي صلاح الدين ابن الجيعان نائب كاتب السر، ومباشرين الأسطبل السلطاني، ومباشرين الزردخاناة، وكتاب المماليك، وجماعة من أعيان المباشرين، حتى قضاة القضاة الأربعة، وأعيان الناس، وأعيان التجار، ومعلم المعلمين الجناب الزيني حسن ابن الطولوني، ومحتسب القاهرة، والوالي، حتى طائفة اليهود والنصارى، وكانت هذه المصادرة عامة على أعيان الناس.
والذي حصل في هذه السنة من الحوادث لم يحصل في غيرها من السنين الماضية، [٢٥٧/ ١] وذلك أن الغرامة التي جاءت على ابن الطولوني وزعها على جماعة من البنائين، والنجارين، والمرخمين، وأرباب الصنائع، والغرامة التي جاءت على المحتسب وزعها على جماعة من الزياتين، والطحانين، والسوقة، وكذلك فعل الوالي وزع ما جاء عليه على الخفرة، وأرباب الأدراك، ومعلمين الحبوس، فكانت هذه المصادرة عامة على الناس وحصل بذلك الضرر الشامل.
وصار الأمير قانصوه يطلب الناس بالرسل الغلاظ الشداد وكل من امتنع يكبسون بيته حتى يظهر وصار يحمي خود حديد على النار، ويحضر المعاصير والكسارات حتى يخيف الناس، فاستخرج من الناس هذه التوزيعة في أسرع مدة، فلما كملت هذه المصادرة حمل ذلك المال إلى السلطان فنفقه على المماليك فكثر الدعاء على الملك الناصر بسبب ذلك وغيره من أفعاله الشنيعة، كما تقدم.
وقد اجتمع في هذه السنة من الحوادث ما لا اجتمع في غيرها من السنين، وذلك أن الملك الناصر كان طائش العقل، صغير السن، يحب سفك الدماء، وقد جاروا المماليك في أيامه على الرعية، كما تقدم من النهب والقتل، وقد زاد شر العربان في البلاد الشرقية والغربية، ووقعت هذه المصادرة بالديار المصرية، واجتمع فيها الوباء، والغلاء، واضطربت أحوال البلاد الشامية والحلبية، بسبب توجه الأمير أقبردي إليها، كما قد تقدم ذكر ذلك، فكان كما قيده:
стр. 547
كم زمان بكيت منه فلما … صرت في غيره بكيت عليه (١)
ثم دخلت سنة أربع وتسعمائة، فيها: أوفى النيل المبارك في تاسع عشرين (٢)
مسرى الموافق لرابع المحرم، وكان السلطان الملك الناصر محمد عول على أنه ينزل بنفسه، ويكسر السد، وأنه [١/ ٢٥٧] يفتك ويخرج في الفتك عن الحد، ورسم للأمراء بأن كل واحد منهم يزين له حراقة يوم الوفاء، فمنع الأمراء السلطان من النزول إلى كسر البحر، وحرجوا عليه في ذلك، فحنق منهم.
فلما أوفى النيل تلك الليلة نزل السلطان بعد العشاء بعشرين درجة، وتوجه إلى السد ومعه بعض مماليك، وخاصكية فكسر السد نصف الليل، وهو واقف على فرسه، وحوله جماعة من العبيد النفطية والغلمان، ثم توجه إلى قنطرة قديدار، فكسر السد الذي هناك أيضا، ثم طلع إلى القلعة وكل ذلك تحت الليل.
فلما أصبح الناس رأوا الماء قد عم الخلجان، والبرك، وبطل فرجة الناس بيوم الوفاء، ثم بعد ذلك بأيام توجه السلطان إلى جسر بني منجا وكسره أيضا بنفسه، ثم صار ينزل في كل جمعة مرتين إلى بركة الرطلي، ويشق البركة في مركب، ومعه جماعة من العوام العياق، وأمر سكان البركة بأن يوقدوا في كل بيت وقده من القناديل، والأحمال، والتريات، وغير ذلك فأقاموا يوقدون في كل ليلة وقده عظيمة نحو من عشرين ليلة، وهو يشق البركة في مركب، كما تقدم.
وقد خرج في هذه الأيام عن الحد في اللهو والمخلعة، ومع هذا أنه كان لا يشرب الخمر، ويكره من يشربه، ثم إنه خطر بباله أن يتوجه إلى حلب على حين غفلة، ولم يعلم أحدا من العسكر كما فعل والده الملك الأشرف قايتباي، وكان الملك الناصر هواه مع الأمير أقبردي الدوادار في الباطن، فقصد بأن يتوجه إلى حلب، ويكون عونا للأمير أقبردي حتى يدخله إلى مصر، فعبي له سنيح في تربة والده، وعين جماعة من الخاصكية بأن يتوجهوا معه وقصد أن يخرج في ليلة الجمعة في العشرين [١/ ٢٥٨] من المحرم.
فلما بلغ الأمراء ذلك منعوه من السفر، وتوجهوا جماعة من المماليك إلى نحو التربة، ونهبوا جميع ما كان قد عباه من السنيح ورجعوا.
فلما كان مستهل صفر كثر القيل والقال بين الأمراء والعسكر واضطربت الأحوال.
стр. 548
ثم إن السلطان عين جماعة من الأمراء والعسكر بأن يخرجوا إلى البحيرة بسبب فساد العربان فلم يخرج أحد من الأمراء ولا العسكر، ثم أشيع بين الناس أن السلطان يقصد أن يمسك جماعة من الأمراء، فامتنع الأمراء عن الطلوع إلى القلعة، وصاروا يجتمعون في بيت المقر السيفي قانصوه خال السلطان.
فلما كان يوم الإثنين تاسع عشرين صفر نادى السلطان بالعرض للعسكر في الميدان الذي تحت القلعة، فلما طلع العسكر إلى الرملة، وقفوا ساعة فلم ينزل إليهم السلطان، فانفض المجلس مانع.
فلما كان مستهل شهر ربيع الأول طلع القضاة الأربعة يهنون بالشهر، فرسم السلطان لهم بأن يحلف الأمراء والعسكر بحضرتهم فاحضروا لهم المصحف العثماني عند باب المدرج بحضرة نائب القلعة، فصاروا يحلفوا المماليك طبقة بعد طبقة بحضرة القضاة، ثم إن الأمراء والعسكر قالوا: "مثلما حلفنا للسلطان، يحلف لنا هو أيضا بأنه لا يمسك منا أحدا"، فلم يوافق السلطان على ذلك، وكان المتكلم بين السلطان وبين الأمراء الأمير تاني بك الجمالي أمير سلاح.
فلما جرى ذلك أنفض المجلس، مانع ولم يحلف السلطان، واستمر الحال على ذلك، والأمراء لم يطلعوا إلى القلعة، ولم يصلوا الجمعة مع السلطان، ولم يمكنوا الأمير قانصوه الدوادار خال السلطان من الطلوع إلى القلعة.
ثم إن السلطان رسم لنقيب الجيش بأن يتوجه إلى جماعة من الأمراء ويقول لهم: "السلطان رسم بأن تكتبوا وصية وتخرجوا إلى مكة أو القدس"، فلم يلتفتوا إلى كلامه، وكان عول على مسك ستة من [ب/ ٢٥٨] الأمراء، وهم: الأمير طومان باي الدوادار الثاني، والأمير طراباي، والأمير أزدمر، والأمير أنس باي، والأمير قانصوه الدوادار خال السلطان، والأمير تاني بك الجمالي، على ما قيل، وأشيع بين الناس.
فعند ذلك نفرت منه قلوب العسكر، وتغير خاطرهم عليه قاطبة، بسبب هذه الأفعال القبيحة التي تقع منه في حق الناس وبهدلته لحرمة المملكة، ومعاشرته للأطراف من العوام، ونزوله بالليل مع جماعة من العبيد، وقد خرج عن طور الملوك، وزاد بالجهل عن الحد في أفعاله الشنيعة، وخرج في قبح أموره عن الشريعة، قد قلت:
стр. 549
سلطاننا الناصر المفدى … أخباره نقلها صحيح
بالجهل أضحى قبيح فعل … فلم يقد شكله المليح (١)
فلما كان يوم السبت حادي عشر ربيع الأول فيه عمل السلطان المولد الشريف، فلم يطلع إليه أحد من الأمراء سوى الأتابكي أزبك، والأمير تاني بك الجمالي أمير سلاح، وبعض أمراء من العشراوات والقضاة، ولم يطلع الأمير قانصوه خال السلطان، ولا أحد من الأمراء.
فلما أنفض أمر المولد أراد الأتابكي أزبك، والأمراء أن ينزلوا إلى بيوتهم، فقاسوا من المماليك الذي في الطباق ما لا خير فيه من الرجم وغيره، فما نزلوا إلا بعد جهد كبير.
ثم إن السلطان لما أنفض أمر المولد نزل في يوم الإثنين ثالث ربيع الأول إلى نحو قناطر العشرة، التي ببر الجيزة، وذلك على سبيل التنزه، وكان ذلك في أواخر النيل فأخذ معه ما فضل من احتياج المولد، ونصب له هناك وطاق عظيم، وعدى إلى بر الجيزة في يوم الإثنين المذكور، وكان معه أولاد عمه قيت، وهما: جانم وأخيه، وبعض جماعة من الخاصكية والمماليك ولم يكن معه من الأمراء المقدمين أحد، فأقام هناك من يوم الإثنين إلى يوم الأربعاء وهو في أرغد عيش من اللهو [٢٥٩/ ١] والانشراح، وأحضر هناك مغاني عرب، وخيال ظل، وخرج في الفتك عن الحد في تلك الأيام، فكان كما قال القائل:
تزود من الدنيا فإنك لا تدرى … إذا جن ليلك هل تعيش إلى الفجر؟
فكم من صحيح مات من غير علة … وكم من عليل عاش حين من الدهر
وكم من فتى يمسي ويصبح ضاحكا (٢) … وقد نسجت أكفانه وهو لا يدرى (٣)
ثم إن السلطان في يوم الأربعاء صلى العصر وقصد بأن يتوجه إلى القلعة، وكانت ليلة الجامكية، فلما خرج من الوطاق، وقصد أن يعدى، فمر من على الأمير طومان باي الدوادار الثاني، وكان برز خيامه في الطالبية، وقصد أن
стр. 550
يتوجه إلى البحيرة هو وجماعة من الأمراء، بسبب فساد عربان البحيرة، وقد تقدم ذكر ذلك.
فلما مر السلطان من على الأمير طومان باي فخرج إليه مسرعا، وعزم على السلطان، فلم ينزل عنده، فأخرج إليه بجفنة فيها لبن فأكل السلطان منها وهو راكب على فرسه، فلم يشعر إلا وقد خرج عليه كمين من الخيام، وهم جماعة من مماليك أبيه نحو أربعين إنسانا (١)، وهم لابسون آلة الحرب، فعاجلوه بالحسام قبل الكلام، وأذاقوه كأس الحمام، فقتل السلطان الملك الناصر محمد بن الملك الأشرف قايتباي في ذلك اليوم، وهو يوم الأربعاء بعد العصر خامس عشر ربيع الأول سنة أربع وتسعمائة، وذلك في أرض الطالبية، وقتل معه أولاد عمه قيت، وهما: جانم وأخيه، وجرح من السلحدارية الذي (٢) كانوا مع السلطان واحد، وصار السلطان مرمي هو ومن قتل معه في أرض الطالبية حتى أن شيخ الناحية أخذ جثة السلطان، ومن قتل معه، وأدخلهم في مسجد هناك، فباتوا فيه تلك الليلة.
فلما قتل السلطان وجاءت الأخبار إلى القاهرة بعد المغرب فماجت الناس قاطبة، ولبس العسكر آلة الحرب.
فلما أصبحوا يوم الخميس سادس عشر ربيع الأول اشتوروا العسكر فيمن يولوه السلطنة فاجتمع الأمراء والعسكر، وتوجهوا إلى بيت المقر السيفي قانصوه خال السلطان، ثم إن خال السلطان أرسل إلى بر الجيزة توابيت وأحضروا جثة السلطان، ومن قتل معه في الطالبية، فلما حضروا بهم أدخلوا جثة السلطان إلى بيت أبيه الملك الأشرف قايتباي الذي أنشأه بالقرب من حمام الفارقاتي، فغسلوه هناك هو وأولاد عمه، وكفنوهم، وصلوا عليهم في باب الوزير، وتوجهوا بهم إلى تربة السلطان قايتباي، فدفنوا الملك الناصر على أبيه داخل القبة، ودفنوا أولاد عمه إلى جانبه داخل القبة.
стр. 551
وكان الملك الناصر بهي الوجه، مليح الشكل، أبيض اللون، عربي الوجه، رقيق البشرة، قصير القامة، لم يخط عذاره، ومات وله من العمر نحو سبع عشرة سنة، ولولا أفعاله القبيحة لكان خيار أبناء الملوك، وكان عنده الكرم الزائد مع الجهل العظيم، وكان مقبول الشكل بهي المنظر غير محبب إلى الناس من أفعاله القبيحة، كما تقدم، ولما مات رثيته بهذه الأبيات، وهو قولي مع التضمين في ذلك:
يا قبر لا تظلم عليه فطالما … جلي بطلعته دجى الإظلام
عجبا (١) لقبر قد حواه كيف لا … يحكى السماء وفيه بدر تمام (٢)
فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية سنتين وثلاثة أشهر وتسعة عشر يوما.
وكانت أيامه أشر أيام بما وقع فيها من المماليك في حق الرعية من القتل والنهب، كما تقدم ذلك في أخباره، ولم يكن قصد والده الملك الأشرف قايتباي أن يتسلطن ابنه من بعده، فأنه لم يعهد إليه بالسلطنة عند الموت، وكان قصده أن يجعلوه مثل أولاد الملوك الذين بالقاهرة فما وافق مماليك أبيه على ذلك، ولا زالوا حتى سلطنوه، ثم قتلوه أشر قتلة، وكان الملك الناصر ظالما بهذه الأفعال التي تقدم ذكرها، وكانت الرعية يكثرون من الدعاء عليه فبموجب ذلك جرى له ما جرى.
ولما قتل الملك الناصر تولى من بعده المقر السيفي قانصوه الدوادار خال السلطان، كما سيأتي أخبار دولته في الجزء الثالث من التاريخ المسمى بعقود الجمان في وقائع الأزمان، انتهى الجزء الثاني من ابتدأ دولة الأتراك إلى قتلة الملك الناصر محمد بن الملك الأشرف قايتباي، وذلك على سبيل الاختصار، يتلوه الجزء الثالث في أخبار دولة الظاهر قانصوه، ومن جاء من بعده إلى ما سيأتي من الحوادث من بعد ذلك.
стр. 552
وقد قلت في هذا الجزء هذه الأبيات:
أعفر لمنشيه واعفوا … عما جنا بالتهامي
أحسنت لي في ابتدأي … يا رب فأحسن ختامي (١)
وكان الفراغ من كتابة هذا الجزء على يد مؤلفه فقير رحمة ربه محمد بن أحمد ابن إياس الحنفي، عامله الله تعالى بلطفه الخفي، في يوم الجمعة سابع عشر ربيع الأول سنة خمس وتسعمائة.
وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين والحمد لله رب العالمين.
стр. 553
المحقق في سطور
الاسم: أحمد سعيد بدير متولى
- تاريخ الميلاد: ١/ ١١/ ١٩٩٢ م
- البريد الالكتروني: Ahmedsied ٢٠٩٩@gmail.com
- ليسانس لغة عربية وعلوم إسلامية، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، عام ٢٠١٣ م، بتقدير جيد.
- دبلومة تربوي عام - كلية التربية - جامعة شبين الكوم، عام ٢٠١٦ م، بتقدير ممتاز.
- تمهيدى ماجستير تاريخ إسلامى بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، عام ٢٠١٨ م، بتقدير جيد جدا.
- دورة (تشريح الكتاب من المخطوط إلى المطبوع) مقدمة من مدرسة السلطان أحمد، استانبول بتاريخ ٣١/ ١٠/ ٢٠٢١. (عن بعد).
- دورة (النشر النقدي للنصوص التراثية) بالمعهد العلمي الفرنسي للآثار الشرقية من فترة ٣/ ١/ ٢٠٢٢ إلى ٢/ ١٢/ ٢٠٢١، المحاضر: د. أيمن فؤاد السيد.
- دورة (تحقيق النصوص) دورة تأسيسية بتاريخ ٢٧/ ٢/ ٢٠٢٢ حتى ٣/ ٣/ ٢٠٢٢، مقدمة من معهد المخطوطات العربية.