← История

История · id 30069

عقود الجمان في وقائع الأزمان

ابن إياس

Полный текст (553 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فقلت كادت عين تصيبه (١) فكان … توعكه (٢) حرزوا لدفع العيون وربنا عافاه وجبه (٣) لنا … سالم وقرت به (٤) جميع العيون ومهد الدنيا وأن يعدلوه … أن ينثني عزمه (٥) الشديد ما ثناه وفاز بتاريخ ما فرح بوا ملك … قبله (٦) ونال قصده (٧) وبيض ثناه أهل الفضائل والعلوم ورخوا … وكل واحد في الكتابة ذهب يكتب تواريخ الملوك بالمداد … إلا لقايتباي كتب بالذهب هو فارس الإسلام وليث الوغا … وفهلوان العصر مبدى العجب وخالقه (٨) علا مقامه (٩) الشريف … على الملوك وانشاه ومن ما براه (١٠) وكل ذا في اللوح قديم في الأزل … خطو القلم جل الذي قد براه (١١) لأجله (١٢) الدوادار الكبير قد برز … أمروا (١٣) بتوسيع الطريق المضيق وكشف أبواب المساجد وما … بين المدارس كان على غير طريق وصلح الأبواب وشيء بيضه (١٤) … وأخلع على واحد مشد الطريق ووكله (١٥) بالقاهرة كل يوم … بقى يدور راكب وفي يده (١٦) عصاه ويأمر الناس بالبياض والدهان … طاع الجميع أمره (١٧) ولا حد عصاه صارت مدينتنا عروس للملك … وذا عجب كيف العريس هو الولي

стр. 492

ونقشوها بالدهان في البياض … وأضحت عروسه بالطراز تنجلي (١) ومدت المدات نهار الفرح … وزينوها بالحلا والحلي وبان لها سيقان عواميد رخام … جلاهم (٢) الصانع ونعم جلاه ودقت الكوسات نهار الدخول … وكان دخولوا (٣) في المواكب جلاه تاريخ سنة اثنين جماد الأخير … تلي ثمانين مع ثمان من مئين من هجرة الهادي ﵇ … خير النبيين سيد المرسلين تجهز السلطان يريد السفر … وأخفا عن العسكر خرج في أربعين وفر لبيت المال خزائن ذهب … ما يحصروها من قلم مع دواه ونيح (٤) العسكر وكم من ضعيف … كان التخلف في بلادوا (٥) دواه هذا المعاني والبديع والجناس … من نظم زيتوني لفقهو (٦) دخول أبو النجا العوفي نظم في الملك … من حين خروجوا (٧) في السفر للدخول فإن تجد لو (٨) عيب فسد الخلل … إذا سمعتوا (٩) في نظاموا (١٠) يقول سلطاننا الأشرف خرج في أربعين … نوابغ العسكر وسافر حماه (١١) ومن حلب عدى ليبحر (١٢) الفراة … فأسقى خيول جيشوا وربوا حماه (١٣) انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثمانمائة، فيها: أرسل السلطان قبض على الأمير جاني بك الفقيه أمير سلاح [٢٢٩/ ١] من العقبة، وكان حج في تلك

стр. 493

السنة (١) أمير المحمل، فتغير خاطر السلطان عليه، فأرسله من هناك إلى القدس الشريف، فأقام به مدة، ومات ودفن هناك. وفيها: أخلع السلطان على المقر السيفي يشبك الدوادار واستقر به أمير سلاح عوضا عن جاني بك الفقيه، فصار الأمير يشبك أمير سلاح، وأمير دوادار كبير، ووزير، وأستادار، وكاشف الكشاف ومدبر المملكة، فتزايدت عظمته، وتضاعفت حرمته، وتنافذت كلمته، وكان صاحب الحل والعقد بالديار المصرية واستمر على ذلك. ثم دخلت سنة أربع وثمانين، فيها: توفي الخليفة المستنجد بالله يوسف، في يوم السبت رابع عشرين المحرم، فكانت مدة خلافته نحو ستة وعشرين سنة إلا أشهر؛ وفي سادس عشرين تولى الخلافة الإمام عبد العزيز بن يعقوب بن محمد المتوكل العباسي. ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثمانمائة، فيها: توجه السلطان إلى ثغر الإسكندرية وهي السفرة الثانية، وسبب ذلك أنه لما كملت عمارة البرج الذي أنشأه بثغر الإسكندرية، توجه إليه لينظر ما عمل به (٢). وفي هذه السنة: حضر الملك المؤيد أحمد بن الأشرف أينال إلى الديار المصرية، بسبب والدته لما ضعفت (٣)، وقد تقدم ذلك، إن السلطان ترك الملك المؤيد بالقاهرة حتى توفيت والدته خوند و دفنها، فتوجه السلطان إلى الإسكندرية في تلك المدة التي حضر فيها الملك المؤيد. وكان الملك الأشرف قايتباي كثير الأسفار على حين غفلة، وسافر أيضا إلى ثغر دمياط على سبيل التنزه، ونزل في مركب صغير، ودخل إلى بحيرة تنيس، ونظر إلى صيد السمك البوري كيف يصيدونه، وأقام بدمياط، وعيد النحر بها وتوجه إليه قاضي القضاة الشافعي الأسيوطي حتى صلى به صلاة العيد هناك وخطب به، وسافر أيضا إلى وادي العباسة، وتنزه به أياما، وله سفراة كثيرة على هذا الوجه.

стр. 494

وفي هذه السنة: توجه السلطان إلى الحجاز الشريف، وأخفى ذلك عن العسكر، وخرج بعد شيل المحمل من بركة الحاج بيومين، وكان أمير المحمل في تلك السنة المقر الصاحبي خشقدم الزمام، فلما وصل السلطان إلى مكة نزل في مدرسته التي أنشأها عند باب السلام، وكان معه بعض أمراء عشراوات، وجماعة من الخاصكية، والشيخ برهان الدين ابن الكركي الإمام، فلما قضى توجه إلى المدينة الشريفة، وزار قبر رسول الله ﷺ ، وفرق على أهل المدينة جملة مال. ثم قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، فدخل إليها قبل مجيء الحاج بثمانية أيام، فنزل في قبة الأمير يشبك التي في المطرية، فمد له الأتابكي أزبك هناك مدة عظيمة، ثم دخل إلى القاهرة في موكب عظيم، وحملت القبة والطير على رأسه بيد الأتابكي أزبك، ولعبوا قدامه بالغواشي الذهب، وفرشت له الشقق الحرير من عند مدرسة أم السطان التي في التبانة إلى القلعة، وبيض له خوند الحوش السلطاني، ودهاليز القلعة. فلما طلع إلى القلعة مد له الأمير يشبك الدوادار هناك مدة عظيمة أعظم من مدة الأتابكي أزبك، ودخل إلى السلطان تقادم عظيمة من أعيان الناس، والمباشرين، ولما رجع من الحجاز الشريف فهنأه الشهاب المنصوري بهذه القصيدة، فمنها: قدم السرور بمقدم السلطان … من حجه المقبول بالرضوان فدعاؤنا ببقائه في نعمة … وسلامة فرض على الأعيان لما نوى حجا ولبي محرما … عم الأمان مراتع الغزلان حظيت به أم القري مذ زارها … واشتاقه مصر أبو البلدان والكعبة افتخرت وودت أنها … في خد دولته من الخيلان لو أنها علقت لخرت حرمة … الله ساجدة على الأدقان ولسلمت جهرا عليه وأبذلت (١) … سر السلام عليه بالإعلان فتطوف (٢) الملك الهمام بها إلى … سبع ولولا الحد زاد ثمان وصفا له قلب الصفا والمروة استر … قت به مرقي بنى مروان

стр. 495

وأفاض منذ أفاض من عرفاتها … دمع اشتياق سال كالغدران وعلي منى بلغ المني من ربه … ورمي الجمار بمهجة الشيطان [١/ ٢٣٠] وقضى مناسك حجه فأتمها … مختومة بالحمد والشكران فالحمد لله الذي جبر الورى … ورعى القرى بسلامة السلطان فاستبشرت مصر وهنا بعضها … بعضا بعودته إلى الأوطان (١) ولما رجع السلطان من حجه أقام مدة، ثم توجه إلى زيارة بيت المقدس فزاره، وزار قبر الخليل ﵇، وليس يحضرني الآن توجهه إلى القدس الشريف هل هو في هذه السنة أو ما قبلها (٢). ثم دخلت سنة ست وثمانين وثمانمائة، فيها جاءت الأخبار من المدينة الشريفة بأن المسجد النبوي قد احترق حتى الحجرة الشريفة، والقبة الخضراء، وجميع سقوف المسجد كلها، وكان ذلك في شهر رمضان من سنة ست وثمانين، وكتب بذلك محضرا، وثبت على قضاة المدينة بأن وقت التسبيح نزلت صاعقة عظيمة من السماء على المسجد الشريف، فاحرقته جميعه، وقد شاهدوا في الليل طيورا بيض قدر الرخم طائفين حول المسجد يمنعون النار أن لا تحرق البيوت الذي (٣) حول المسجد. فلما بلغ السلطان ذلك شق عليه وبكى لذلك، ثم عين الخواجا شمس الدين ابن الزمن لعمارة المسجد الشريف، وأرسل على يده مالا بسبب العمارة، فسافر في أثناء سنة سبع وثمانين وثمانمائة (٤)، وأخذ معه جماعة من البنايين والنجارين، وتوجه إلى هناك، فأقام بالمدينة الشريفة إلى أن كملت العمارة، فجاء أحسن ما كان أولا في البناء والزخرفة، وفي هذه الواقعة يقول الشيخ شمس الدين القادري: بطيبة سيئات الركب بدلها (٥) … رب العلا حسنات عند ما زاروا وعندما قبلت ضاهت لذى حرم الـ … مختار من أكلت قربانه النار (٦) ولبعضهم في المعنى:

стр. 496

لم يحترق حرم النبي لحادث … يخشى عليه ولا دهاه العار لكنما أيدى الروافض لامست … ذاك الجناب فطهرته النار (١) ومن الحوادث في هذه السنة: وقعت زلزلة عظيمة بالديار المصرية، فأقامت نحو ست درج (٢)، ووقع فيها أماكن كثيرة، وحيطان، ووقع بالمدرسة الصالحية حائط على قاضي القضاة الحنفي ابن عيد فمات من يومه، ومات عقيب ذلك الجناب الزيني أبو بكر ابن القاضي عبد الباسط من الرجفة بسبب الزلزلة التي وقعت بالديار المصرية. ومن الحوادث فيها: أن السلطان عزل قاضي القضاة الشافعي ولي الدين الأسيوطي وولي الشيخ زين الدين زكريا قاضي القضاة الشافعية عوضا عن ولي الدين الأسيوطي، وذلك في سادس رجب سنة ست وثمانين وثمانمائة. فكانت مدة ولي الدين الأسيوطي في قضاية القضاة بالديار المصرية نحو ست عشرة سنة، وقد حضر سلطنة يلباي وتمربعا وقايتباي، وقاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي أخذ وظيفة القضاء عن أبي السعادات البلقيني، وأبي السعادات أخذ عن صلاح الدين المكيني، وصلاح الدين المكيني، أخذ عن يحيى المناوي، ويحيى المناوي أخذ عن قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني، وكل ذلك وقع في دولة الملك الظاهر خشقدم. ومن الحوادث في هذه السنة، وهي سنة ست وثمانين، فيها: حضر إلى الأبواب الشريفة ابن عثمان المسمى جام، ويدعى أيضا الجمجمة، وكان سبب حضوره إلى الديار المصرية أنه وقع بينه وبين أخوه الكبير حظ نفس بسبب المملكة، فأراد قتله، فهرب منه، والتجأ إلى سلطان مصر. فلما بلغ السلطان مجيئه فخرج إليه الأمراء والعسكر إلى نحو بركة الحاج عند المرج والزيات، فدخل في موكب عظيم، والأمراء قدامه حتى طلع إلى القلعة، وقابل السلطان، فأخلع عليه، ونزل إلى مكان عد له، فحضر هو ووالدته، وأولاده، وعياله، فأقام بالديار المصرية مدة، وحج في تلك السنة، وصلى مع السلطان صلاة العيد، وهو بالشاش والقماش، وحضر الموكب وأخلع عليه السلطان مع الأمراء.

стр. 497

وفي هذه السنة: في شهر شعبان ختن القاضي كاتب السر أولاده، وكان المهم في بيته الذي في بركة الرطلي، وكان الجمجمة ابن عثمان حاضرا ذلك، فأمر القاضي كاتب السر بوقده في بيوت البركة، فوقدوا وقدة عظيمة، وحرق حراقة نفط ثلاثة أيام، واجتمع في البركة في هذه الأيام من المراكب، والخلق ما لا يحصى، وكانت فيها ليالي مشهودة لم يسمع بمثلها (١) فيما تقدم من الوقائع، وفي ذلك يقول الشيخ شمس الدين القادري: يا حسنها بركة بالحسن ما برحت … تزهو على سائر الخلجان والبرك (٢) حفت بضوء مصابيح كشمس ضحى (٣) … تضيئ (٤) في حندس الديجور والحلك فكان لما تباها نور بهجتها (٥) … مثل الشموس ترى (٦) في دارة الفلك وعندما نصبت أشراك بهجتها … صادت طيور قلوب الناس بالشرك (٧) ثم إن الجمجمة ابن عثمان أقام بعد حجه مدة، وطلب من السلطان دستور ليمضي إلى بعض ملوك الفرنج، ويجمع جيشا من عساكره، ويحارب أخيه، فترك أولاده، وعياله، وأمه بالقاهرة، وسافر إلى بلاد الروم، ثم بعد مدة جاءت الأخبار بأن بعض ملوك الفرنج أسره، فأقام عنده إلى أن مات في بلاد الفرنج بعد مدة، وكان عنده رهج وخفة، وكان هذا من السلطان غاية الغلط الذي مكنه من الرواح. وفي هذه السنة: جرد الأمير يشبك الدوادار إلى نحو حماه، بسبب سيف أمير عربان نعير، لما خرج عن الطاعة، وأظهر العصيان، فخرج إليه الأمير يشبك من القاهرة، وصحبته عسكر عظيم، نحو خمسمائة مملوك من المماليك السلطانية، ومن الأمراء الأمير برسباي قرا حاجب الحجاب، والأمير تاني بك قرا أحد المقدمين الألوف، ومن الأمراء العشراوات جماعة كثيرة (٨).

стр. 498

فلما توجه إلى حماه هرب سيف من وجهه، وقصد نحو الفرات، فتبعه الأمير يشبك إلى الفرات، وأخذ صحبته نائب الشام قانصوه اليحياوي، ونائب حلب أزدمر، ونائب حماه، وجماعة من النواب. ثم إن الأمير يشبك عدى من بحر الفرات، ووصل إلى مدينة الرها، فلما رأى الأمير يشبك الدوادار كثرة من معه من العساكر والنواب، حدثته نفسه بأن يمشي على بلاد حسن بك الطويل ويملكها، فأن حسن الطويل كان قد مات، وتولى ابنه يعقوب عوضه، فحسن بعض الأعاجم إلى الأمير يشبك بأن يزحف على مملكة حسن الطويل، ويأخذها من ابنه يعقوب، فطمعت أمال الأمير يشبك بأخذ مملكة حسن الطويل ويصير ملك العراقين ويترك مصر فأنه كان وقع بينه وبين مماليك السلطان الأجلاب بسبب الأمير جانم قرابة السلطان لما مات على حين غفلة، فأشيع بين الناس أن الأمير يشبك أشغله على ما قيل، فوقع بينه وبين المماليك السلطانية، وأرادوا قتله. فلما خرج إلى حماه ووصل إلى الرها، فحاصر قلعة الرها أشد المحاصرة، وكان نائب الرها شخصا (١) يسمى بيان در (٢) من أمراء حسن الطويل، فلما حاصر قلعة الرها، فأرسل بيان در يسأل الأمير يشبك من الصلح، ولم يوافق على ذلك، وطمعت أماله بأخذ مملكة حسن الطويل، فكان كما قيل في المعنى: أتطمع من ليلي بوصل وإنما … تقطع أعناق الرجال المطامع (٣) فلما لم يوافق الأمير يشبك على الصلح، جمع بيان در العساكر، واتقع مع الأمير يشبك وقعة عظيمة بالرها، فلم تكن إلا ساعة يسيرة، وقد انكسر الأمير يشبك، ومن معه من الأمراء، وهما: الأمير برسباي قرا، والأمير تاني بك قرا، وأسر قانصوه اليحياوي نائب الشام، ونائب حلب أزدمر، ونائب حماه، وجميع العساكر السلطاني شيء قتل، وشيء أسر، كأنما وقعت عليهم شبكة، ولم ينج منهم أحد، ونهبوا جميع بركهم، وأموالهم. فلما أسر بيان در النواب، والأمير يشبك، فأقام عنده الأمير يشبك أياما، ثم إنه قطع رأسه، وأرسلها إلى يعقوب بن حسن بك، وأرسل إليه النواب الذي (٤) أسرهم وهم في قيود.

стр. 499

وقيل: أنهم طافوا برأس الأمير يشبك في بلاد حسن بك، وهي على رمح مشهورة، وكانت هذه الواقعة من أعظم المصائب في حق عسكر مصر. وقيل: أن الذي قطع رأس الأمير يشبك كان عبدا أسود من عبيد بيان در، فلما قطعت رأسه رموا جثته على الأرض، وهو عريان، وبقيت عورته مكشوفة، والناس ينظرون إليه، حتى ستروه ببعض حشيش الأرض. وكان الأمير يشبك أميرا مليا مهابا عسوفا، وكانت له في مصر حرمة وافرة، وكلمة نافذة، وهو صاحب القبة التي في المطرية، والقبة التي في رأس الحسينية، وله أثار كثيرة غير ذلك، وكان له محاسن ومساوئ وأخر الأمر قطع رأسه عبدا أسود، كما قيل: ما أعجب الدهر في تقلبه … والدهر لا تنقضي عجائبه وكم رأينا في الدهر من أسد … بالت على رأسه ثعالبه (١) فلما جاءت الأخبار إلى السلطان بما جرى للعسكر اضطربت أحوال الديار المصرية، وعزم السلطان على التوجه إلى بلاد حسن بك بنفسه. ثم دخلت سنة سبع وثمانين وثمانمائة، وفيها صح موت الأمير يشبك، وأحضروا جثته إلى القاهرة في سحلية، ودفن في تربته التي أنشأها في أواخر الصحراء (٢). فلما تحقق السلطان موت الأمير يشبك أخلع على المقر السيفي أقبردي من على باي واستقر به أمير دوادار كبير عوضا عن يشبك من مهدي (٣)؛ وأخلع على المقر السيفي تمراز الشمسي قريب المقام الشريف واستقر به أمير سلاح عوضا عن يشبك أيضا؛ واستقر الأمير تغري بردي القادري أستادارا عوضا عن يشبك أيضا (٤)، وأعيد الصاحب قاسم إلى الوزارة بعد موت يشبك ثم بعد مدة استقر الأمير أقبردي وزيرا ثم بعد مدة بقى أستادارا فاستقر في هذه الوظائف كما كان يشبك الدوادار. وفيها: أخلع على الأمير تغري بردي ططر واستقر به حاجب الحجاب.

стр. 500

ثم دخلت سنة ثمان وثمانين وثمانمائة، فيها: أطلق يعقوب بن حسن بك النواب الذي (١) أسروا صحبة الأمير يشبك في وقعة الرها كما تقدم، وكان سبب إطلاق النواب من عند يعقوب بن حسن بك، وذلك أن السلطان لما بلغه ما جرى للأمير يشبك اضطربت أحوال الديار المصرية، وقصد السلطان أن يخرج بنفسه، ثم إنه عين الأتابكي أزبك، ومعه جماعة من العسكر، فخرج من الديار المصرية، وتوجه إلى حلب، فأقام بها، ثم أرسل إلى يعقوب بن حسن بك بعض الأمراء، وقيل: هو [] (٢) العبارة، ثم إن والدة يعقوب زوجة حسن بك أشارت على ابنها يعقوب بأن يطلق من عنده من النواب، فأطلقهم وأحسن إليهم، وأرسلهم صحبة الأمير جاني بك حبيب، فتوجه بهم إلى حلب (٣)، وأرسل يعقوب كتاب صحبة الأمير جاني بك حبيب، وهو يعتذر فيه إلى السلطان أن الذي فعله بيان در لم يكن له به علم، ولا خبر، ولا أمره بذلك (٤). ثم بعد مدة جاءت الأخبار بأن بيان در قد قتل، وقيل: أن يعقوب ندب (٥) إليه من قتله وأرضى السلطان بذلك وخمدت الفتن الذي (٦) كانت سبب ذلك، وبطل أمر خروج السلطان إلى بلاد حسن بك. ولما أن حضر الأمير برسباي قرا، والأمير تاني بك قرا صحبة النواب، وكانوا أسروا في الوقعة، فاستقر برسباي قرا رأس نوبة النوب عوضا عن الأمير تمراز لما بقي أمير سلاح، واستمر الأمر على ذلك. ثم دخلت سنة تسع وثمانين وثمانمائة، وفيها: جاءت الأخبار بأن ابن عثمان الكبير جمع عساكر عظيمة في البر والبحر، وقصده أن يزحف على بلاد السلطان، فلما بلغ السلطان ذلك جمع الأمراء وضربوا مشورة (٧) في أمر ابن عثمان، فأشار الأمراء على السلطان بأن يرسل إليه هدية على يد قاصد من ذوي العقول من الأمراء، فوقع الاختيار على إرسال الأمير جاني بك حبيب أمير أخور ثاني، فأنه كان شكلا مليحا، ولفظ حسن، فعين السلطان معه تقدمه

стр. 501

عظيمة، وسافر إلى بلاد ابن عثمان من البحر المالح، وكان قبل ذلك أرسل السلطان الأمير يشبك الجمالي قاصدا إلى ابن عثمان. فلما وصل [١/ ٢٣٣] (١) الأمير جاني بك إلى ابن عثمان فلم يريه بان عثمان وجه، وأخذ الهدية على كره منه، فأقام عنده الأمير جاني بك أياما، ثم رجع إلى القاهرة بعد مدة، والأمر مانع بين ابن عثمان وبين السلطان، ولم ينعقد بينهما صلح، فلما رجع الأمير جاني بك إلى القاهرة، وأخبر السلطان بما جرى بينه وبين ابن عثمان فتطور السلطان من ذلك. ثم جاءت بعد ذلك الأخبار بأن عسكر ابن عثمان قد وصل إلى نحو أدنة (٢) فعند ذلك أمر السلطان بإجهار النداء للعسكر بالعرض فأعرض العسكر بالحوش السلطاني وعين الأتابكي أزبك باش العسكر وصحبته جماعة من الأمراء المقدمين منهم المقر السيفي تمراز الشمسي أمير سلاح، والمقر السيفي برسباي قرا أمير مجلس، والمقر السيفي قانصوه خمسمائة أمير أخور كبير، والمقر السيفي تغري بردي ططر رأس نوبة النوب، والمقر السيفي تاني بك قرا حاجب الحجاب، والمقر السيفي تاني بك الجمالي، والمقر السيفي أزبك اليوسفي، والمقر السيفي أزدمر العسرطن، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، ونحو ثلاثة آلاف مملوك سلطان، فخرجوا من القاهرة في أطلاب عظيمة، فكان طلب الأمير قانصوه خمسمائة أعظم من الكل، والأتابكي أزبك مثله، فشقوا من المدينة، وخرجوا من باب النصر إلى أن وصلوا إلى الريدانية، فاجتمعوا هناك إلى أن رحلوا، ووصلوا إلى عسكر ابن عثمان، وخرج صحبتهم نائب الشام قانصوه اليحياوي، وأزدمر نائب حلب، وغير ذلك من النواب، فاتقعوا مع عسكر ابن عثمان هناك وقعة عظيمة، فانكسر عسكر ابن عثمان كسرة قوية، فقيل: قتل من عسكر ابن عثمان في هذه الوقعة نحو من خمسين ألف إنسان، وقيل: أكثر من ذلك.

стр. 502

ثم إن الأتابكي أزبك أرسل إلى القاهرة رؤوس أعيان من قتل من عسكر ابن عثمان، (١) وكانت هذه النصرة (٢) لعسكر مصر على غير القياس، ثم إن الأتابكي أزبك رجع إلى القاهرة، وصحبته العسكر وهم في غاية النصر. فلما رجعوا إلى القاهرة أقاموا مدة وقد جاءت الأخبار بأن عسكر ابن عثمان رجع إلى محاربة عسكر مصر، فخرجت له تجردية ثانية على ما شرح في الأول، فلما وصلوا إلى عسكر ابن عثمان اتقعوا معهم، فانتصروا عليهم أيضا، وقتلوا منهم جماعة كثيرة، وأسروا منهم أكثر. ومن الحوادث بالديار المصرية: أن السلطان لعب بالأكرة في الحوش فكبابه الفرس فنزل على وركة، فانكسر فأغمي عليه فحمله الأمير جاني بك حبيب أمير أخور ثاني، ودخل به إلى قاعة الدهيشة، فأقام بها مدة، وهو منقطع نحو شهرين، وهو على سرير مقور، والمزينين ماشيه عليه، وكان الناس يدخلون ويسلمون عليه، وهو في قاعة الدهيشة إلى أن حصل له الشفاء، ودخل إلى الحمام، وركب وصلى الجمعة، فتخلق الناس بالزعفران، وكان له يوم مشهود بالقلعة لما ركب، وفي هذه الواقعة يقول الشهاب المنصوري: وقد زعموا أن الجواد كبا به … وحاشاه من عيب يضاف إليه ولكن رأى سلطان عز وهيبة … فقبل وجه الأرض بين يديه (٣) وكل ذلك والعسكر كان غائبا في التجريدة، واستمرت الحرب ثائرة بين السلطان وبين ابن عثمان من سنة تسع وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة. ومن الحوادث أن في سنة اثنتين وتسعين وثمانمائة توفي القاضي كاتب السر أبو بكر بن مزهر، وذلك في ثالث شهر رمضان من السنة المذكورة (٤)،

стр. 503

ولما توفي فاستقر السلطان بولده القاضي بدر الدين فتولى في سادس عشر شهر رمضان. فكانت مدة ولاية القاضي أبو بكر بن مزهر في كتابة السر نحو خمس وعشرين سنة وأشهر، وقد تولى في أثناء دولة الملك الظاهر خشقدم، فأقام هذه المدة في [٢٣٤/ ١] (١) هذه الوظيفة إلى أن مات، وفيه يقول زين الدين ابن النحاس الشاعر: مقام ابن مزهر فوق السها … وقد زاد ربي أجلاله وظيفته الدهر تسموا به … فلم تكن تصلح إلا له (٢) ولما مات رثيته بهذه الأبيات، وهو قولي مع التضمين: صارت مرامله كمثل أرامل … تبكي بأعينها دما وترب وكذا الدواة تسودت أقلامها … حزنا عليه وأقسمت لا تكتب (٣) ولما تولى ولده القاضي بدر الدين مدحته بهذه الأبيات: يا كاتب الأسرار يا من وجهه … قد جمل الدنيا وزان المنصبا أشرقت بالأفلاك في درج العلي … يا بدر يزهو حبابك مرحبا (٤) ومن هنا نرجع إلى أخبار ابن عثمان، فأن التجريدة الثانية لما رجعت إلى الديار المصرية في سنة أربع وتسعين وثمانمائة فوقف بعض المماليك الأجلاب إلى السلطان وطلبوا منه نفقة عند العود لترقع أحوالهم فأبي السلطان من ذلك، فقصدوا الوثوب عليه. فعند ذلك طلب السلطان الخليفة والقضاة الأربعة وسائر الأمراء من الأكابر والأصاغر وسائر العسكر، فلما تكامل المجلس قال السلطان للقضاة: "أشهدوا علي أني خلعة نفسي من الملك"، وقام وفكك أزراره.

стр. 504

فعند ذلك ضج العسكر ولم يمكنوه من ذلك، وتدخل عليه القضاة والأمراء، ثم إن المقر السيفي تمراز أمير سلاح مشى بين المماليك وبين السلطان في أمر الصلح، وعلى أن السلطان يعطي المماليك لكل واحد منهم خمسين دينارا فتراضوا على ذلك ووقع الصلح. ثم إن القضاة والخليفة المتوكل على الله عبد العزيز جددوا للسلطان مبايعة ثانية، وولوه الملك ثانيا، وكان ذلك في يوم السبت رابع ربيع الآخر سنة أربع وتسعين وثمانمائة بالحوش السلطاني، وأنفض المجلس على ذلك. ثم إن السلطان صبر المماليك حتى يجمع المال، فعند ذلك أمر السلطان بأن يأخذ من جميع أملاك القاهرة، والأوقاف الذي (١) على الجوامع والمدارس أجرة شهرين كاملة، فجبوا ذلك في مدة يسيرة ونفقة السلطان على المماليك، وانتهى الأمر على ذلك. ثم دخلت سنة خمس وتسعين وثمانمائة، فيها: جاءت الأخبار بأن ابن عثمان قد جمع عسكرا عظيما، وهو قاصد لمحاربة عسكر مصر، وكان في هذه المدة التي وقعت فيها الفتنة منع التجار بأن لا يجلبوا إلى الديار المصرية مماليك، ولا صوف، ولا صمور، ولا أشياء من الأصناف التي تجلب من نحو بلادهم. فلما تحقق السلطان بأن عسكر ابن عثمان قد تحرك فعين له تجريدة ثقيلة، وعين المقر الأتابكي أزبك باش العساكر على عادته، والمقر السيفي تمراز أمير سلاح، وتاني بك الجمالي أمير مجلس، وقانصوه خمسمائة أمير أخور كبير، وأزبك اليوسفي رأس نوبة النوب، وتاني بك قرا حاجب الحجاب، وقانصوه الألفي، وقانصوه الشامي، ويشبك الجمالي، وغير ذلك من الأمراء الطبلخانات، والعشراوات والمماليك السلطانية على شرح ما ذكر أولا، فخرجوا من القاهرة في تجمل زائد كالحكم الأول، وهذه التجريدة الثالثة. وفي مدة هذه التجاريد لم يفقد من الأمراء المقدمين سوى الأمير برسباي قرا أمير مجلس، والأمير تغري بردي ططر رأس نوبة النوب ماتوا هناك بتوعك في أجسادهم من غير قتل في المعركة، ولما توفي برسباي قرا استقر بعده الأمير تاني بك الجمالي أمير مجلس، واستقر الأمير أزبك اليوسفي رأس نوبة النوب عوضا عن تغري بردي ططر بحكم وفاته.

стр. 505

فلما خرجت هذه التجريدة من القاهرة كان لها يوم مشهود [١/ ٢٣٥] فلما توجه العسكر إلى الشام خرج صحبتهم نائب الشام، وكذلك نائب حلب وجماعة من النواب، وتوجهوا إلى قتال عسكر ابن عثمان، فأقام العسكر هناك إلى أن دخلت سنة ست وتسعين وثمانمائة، فيها أشيع بين الناس أن ابن عثمان قد جمع من العساكر ما لا يحصى، وهو متوجة بنفسه إلى قتال العسكر السلطاني. فلما بلغ السلطان ذلك شرع في جمع الأموال وقصد أن يخرج بنفسه، فرسم بأن يجبى من الأملاك والأوقاف أجرة سنة كاملة، فتدخل عليه القضاة والأمراء، فتضاعف الأمر بأن يوخذ منهم أجرة خمسة أشهر غير ما أخذه من قبل، وهي الشهرين المقدم ذكرهما. فعند ذلك حصل للناس الضرر الشامل بسبب ذلك، وصار الأمير تغري بردي الأستادار متحدث على جباية الأموال من باب زويلة إلى دير الطين، وصار القاضي علائي الدين ابن الصابوني ناظر الخاص متحدث على جباية الأموال من باب زويلة إلى أخر دور الحسينية؛ فأخذوا من الأملاك والأوقاف حتى أوقاف الجوامع والمدارس وأوقاف البيمارستان المنصوري من الربوع والحمامات والدكاكين، وقطعوا معلوم الفقهاء والطلبة والمستحقين والأيتام وقطعوا المرتبات، وحصل بذلك غاية الأذى، وأخذوا من جميع أملاك القاهرة من العال للدون، وصاروا يطلبون الناس أصحاب الأملاك بالرسل الغلاظ الشداد، فيبهدلوا الناس، ويأخذوا حق طريقهم من الناس بالبهدله، حتى قيل أنهم راحوا لامرأة فقيرة في دور الحسينية فطالبوها بأجرة بيتها فلم يجدوا معها شيء فأخذوا باب البيت ومضوا وفعلوا أشياء كثيرة من هذا النمط. ثم إن (١) السلطان صادر أعيان التجار حتى تجار الأرياف حتى طائفة اليهود والنصاري وغير ذلك من أعيان الناس، فاستمروا يجبون في هذه

стр. 506

الأموال مدة أشهر، فلما حبيت وضعت تحت يد الأستادار وناظر الخاص، ولم يحتاج السلطان إلى صرف ذلك في التجريدة واستمر المال باقيا حتى أصرفه السلطان فيما سيأتي ذكر ذلك في موضعه، وكان السلطان يظن أن ابن عثمان يتحرك بنفسه فأحطاط لذلك. وفي هذه السنة، وهي سنة ست وتسعين، فيها ختن السلطان ولده المقر الناصري محمد، فزينت له القاهرة سبعة أيام، حتى زينوا داخل الأسواق، مثل: سوق الشرب والوراقين، وسوق الفاضل والباسطية، وسوق الجواهرة وغير ذلك من الأسواق، وكان العسكر غائبا في التجريدة، فركب السلطان ولده من قاعة البحرة إلى باب الستارة، ولم يكن في مصر الأمراء سوى الأمير أقبردي الدوادار، فمسك لجام الفرس، هو والمقر الشهابي أحمد بن العيني، ومشوا جماعة المباشرين قدامه من البحرة إلى باب الستارة (١). وتختن مع ابن السلطان جماعة كثيرة من أولاد أعيان الناس، منهم: ابن أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز، ومنهم ابن الجمجمة ابن عثمان، وغير ذلك من أولاد الأمراء والأعيان. وأقام المهم عمال بالقلعة سبعة أيام، ودخل للسلطان تقادم كثيرة من المباشرين وأعيان الناس، فمن جملة ذلك أن المقر الشهابي أحمد بن العيني قدم طشت، وإبريق ذهب برسم الختان، فقيل: زنته خمسمائة مثقال هذا غير الشقق، والسكر، والأغنام والأبقار، وغير ذلك من التقادم الفاخرة من أعيان الناس. وفي أثناء هذه السنة جاءت الأخبار بأن العسكر قد انتصر على عسكر ابن عثمان [٢٣٦/ ١] وأسروا جماعة من أمرائه، منهم: أمير يسمى ابن هرسك، وطواشي رومي، قيل: أنه لالات بن عثمان، وأسروا جماعة كثيرة من عسكره. فلما حصلت هذه النصرة العظيمة قصد الأتابكي أزبك والأمراء العود إلى الديار المصرية، فدخلوا إلى القاهرة في أثناء سنة ست وتسعين، فلما دخلوا إلى القاهرة زينت لهم، ودخل الأتابكي أزبك في موكب عظيم وقدامه ابن هرسك أمير ابن عثمان ولالات بن عثمان وجماعة من أمرائه، وهم في زناجير راكبين على أكاديش، وجماعة كثيرة من عسكره مشاه، وهم في زناجير مكشفين

стр. 507

الرؤوس، وصناجق أمرائه منكسة، فكان يوم دخولهم إلى القاهرة يوما مشهودا لم يسمع بمثله (١). فلما عرضوا الأسرى على السلطان فوزعهم على جماعة من المباشرين حتى على قضاة القضاة، وأما الأمراء فتسلمهم الأمير قانصوه خمسمائة أمير أخور، فأقاموا عنده في الترسيم، وقد انكسر عسكر ابن عثمان في هذه المرة كسرة قوية، وتضعضع حاله، فأقام الأمر على ذلك مدة. ثم إن السلطان عين الأمير ماماي الدوادار الثاني بأن يتوجه إلى ابن عثمان وهي المرة الثانية، ويمشي بينه وبين السلطان في أمر الصلح، وأرسل على يده هدية عظيمة إلى ابن عثمان، فلما توجه الأمير ماماي إلى ابن عثمان أقام عنده مدة، ورجع إلى القاهرة، وقد انعقد الصلح بين ابن عثمان وبين السلطان على أن كل أحد منهما يطلق الأسرى الذي عنده؛ فعند ذلك أطلق السلطان ابن هرسك، والطواشي لالات بن عثمان، وبقية الأسرى، وأكساهم، وأحسن إليهم، وتوجهوا إلى بلادهم. وكان عند السلطان شخص من نواب ابن عثمان على بعض بلاده، يسمى إسكندر بن ميخال قبل ابن هرسك، فلما أطلق السلطان الأسرى أطلق إسكندر بن ميخال معهم، وتوجهوا إلى بلادهم واستمر الأمر على ذلك. ومن الحوادث أن في سنة سبع وتسعين وثمانمائة، فيها: هجم الوباء بالديار المصرية، وهو ثالث فصل جاء في أيام الملك الأشرف قايتباي، فذهب فيه من المماليك نحو الثلث، ومن العبيد، والجواري، والأطفال ما لا يحصى عددهم، وفيه ماتت بنت السلطان، هي وأمها في يوم واحد، وكانت مستحقة للزواج. وجاء الغلاء في أيامه مرتين، حتى تناها سعر القمح إلى أربعة أشرفية كل أردب، وصار الناس يأكلون الذرة (٢)، وابتاع الدقيق كل بطة بأربعمائة درهم (٣) فلوس، وسبب ذلك أن الزرع هاف، وكان النيل في تلك السنة خسيسا

стр. 508

فشرق غالب البلاد، وكان ذلك في سنة خمس وتسعين وثمانمائة، ثم في أواخر سنة ثمان وتسعين انحط سعر القمح، حتى اتباع كل أردبين من القمح الطيب بأشرفي، وكل بطة دقيق بأربعة أنصاف، واستقام الحال (١). وفي سنة ثمان وتسعين سافر المقر السيفي قانصوه خمسمائة إلى الحجاز الشريف، وكانت تلك السنة مشقة على الحجاج من الغلاء، وموت الجمال وغير ذلك، فرجع الأمير قانصوه من الحجاز، والناس غير راضية منه، ولا أثنى عليه أحد من الحجاج خير في هذه السفرة وحظوظ الناس تختلف (٢). ثم دخلت سنة تسعمائة، فمن الحوادث فيها أن في يوم الخميس مستهل ذي الحجة فيه وقعت الفتنة بين الأمير قانصوه خمسمائة أمير أخور، وبين الأمير أقبردي الدوادار، فوثب الأمير قانصوه خمسمائة على الأمير أقبردي، فلما ركب الأمير قانصوه خمسمائة توجه إلى بيت الأتابكي أزبك أمير كبير في الأزبكية، وركب معه الأمير قانصوه الألفي، والأمير قانصوه الشامي، والأمير يشبك الجمالي، وجماعة كثيرة من الأمراء الأربعين [١/ ٢٣٧] (٣) والعشراوات، وجماعة كثيرة من الخاصكية، والمماليك السلطانية، فلبسوا آلة الحرب، واجتمعوا في الأزبكية عند أمير كبير. فلما بلغ السلطان ذلك فخشى أن يتسع الأمر وتكبر الفتنة، فنزل إلى باب السلسلة، وعلق الصنجق السلطاني، ودقت الكوسات حربي، وجلس بالمقعد المطل على سوق الخيل، ونادى كل من كان طائعا يطلع إلى الرملة، ويقف تحت الصنجق السلطاني، فاجتمع بالرملة من العسكر ما لا يحصى عددهم، وطلع عند السلطان من الأمراء، الأمير تمراز الشمسي أمير سلاح، والأمير تاني بك الجمالي أمير مجلس، والأمير أزبك اليوسفي رأس نوبة النوب، والأمير أقبردي الدوادار، والأمير تاني بك قرا حاجب الحجاب، وبقية الأمراء المقدمين والطبلخانات والعشراوات والخاصكية. فلما سمع من كان في الأزبكية من العسكر بهذا تسحبوا من الأزبكية، وطلعوا إلى الرملة، ووقفوا تحت الصنجق السلطاني.

стр. 509

ثم إن السلطان أرسل الأمير أزبك اليوسفي رأس نوبة النوب إلى بيت الأتابكي أزبك، فتحدث معه كلام كثير، ثم أخذه وطلع به إلى القلعة، فلما كادت المماليك الأجلاب أن يقطعوه بالسيوف لكون أن الأمير قانصوه خمسمائة كان صهر الأتابكي أزبك. فلما طلع الأتابكي أزبك ووقف بين يدي السلطان أغلظ عليه الأمير أقبردي في الكلام ووبخه، ثم إن السلطان قال للأتابكي أزبك: "أدخل إلى البحرة"، فلما دخل رسم له بأن يقيم بها. فلما بلغ الأمير قانصوه خمسمائة، وكان مقيما بالأزبكية هو ومن تقدم ذكره من الأمراء، فخرجوا من هناك وتشتتوا، ثم إن الجمع الذي هناك انفض من غير قتال ولا حرب، ثم إن السلطان نادى للعسكر بالأمان والاطمان، فقلعوا آلة الحرب وتوجه كل منهم إلى بيته. ثم في يوم الجمعة صبحة ذلك مسك الأمير قانصوه الألفي، وأحضروه إلى بيت الأمير أقبردي، فقيده، وأرسله إلى السجن بقلعة صفد. وأما الأمير قانصوه الشامي فأنه أرسل يطلب من السلطان الأمان، ثم إنه ظهر فأخلع عليه السلطان وولاه نائب حماه، وخرج إليها سريعا. وأما الأمير قانصوه خمسمائة فأنه استمر مختفى إلى أن ظهر، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه، واستمر جماعة كثيرة من الأمراء العشراوات والخاصكية مختفيين، كما سيأتي ذكره في إظهارهم. وأما الأتابكي أزبك فأنه أقام بقاعة البحرة ثمانية أيام، فلما كان يوم الجمعة رسم له السلطان بأن يخرج ويصلي الجمعة، فخرج وصلى الجمعة بالشاش والقماش هو والسلطان على عادته، فلما فرغ من الصلاة أراد أن ينزل إلى بيته، فقيل له: "أن المماليك الأجلاب في الرملة مجتمعون، ومتى نزلت يقبلوك"، فرجع إلى عند السلطان وقال له: "أنا ما بقى لي إقامة في مصر، وقصدي أروح مكة". فلما كان يوم السبت ثامن ذي الحجة من سنة تسعمائة نزلوا بالأتابكي أزبك من القلعة، وهو راكب على أكديش وعلى رأسه تخفيفة صغيرة، فتوجه إلى نحو مكة من الطور، وسافر من البحر المالح.

стр. 510

وفي ذلك اليوم توجهوا بالأمير يشبك الجمالي أحد الأمراء المقدمين إلى القدس الشريف، لكون أنه كان من جماعة أمير كبير، فلما توجه إلى القدس أقام به مدة، ومات هناك في أثناء سنة إحدى وتسعمائة. وأما الأتابكي أزبك فإنه توجه إلى مكة، وأقام بها إلى أن عاد إلى القاهرة، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه، وكان أمر هذه الواقعة أول الفتن بين الأمراء، واستمرت الفتن من يومئذ عماله بين العسكر، كما سيأتي ذكر ذلك في مواضعه. ثم إن السلطان لما توجه الأتابكي [٢٣٨/ ١] أزبك إلى مكة، أخلع على المقر السيفي تمراز الشمسي قريب المقام الشريف واستقر به أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن أزبك، وذلك في مستهل صفر سنة إحدى وتسعمائة؛ وأخلع على المقر السيفي تاني بك الجمالي واستقر به أمير سلاح عوضا عن تمراز؛ وأخلع على المقر السيفي أزبك اليوسفي واستقر به أمير مجلس عوضا عن تاني بك الجمالي؛ وأخلع على المقر السيفي تاني بك قرا واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن أزبك اليوسفي؛ وأخلع على الأمير شادى بك واستقر به أمير أخور عوضا عن قانصوه خمسمائة؛ وأخلع على الأمير أينال الخسيف واستقر به حاجب الحجاب عوضا عن ثاني بك قرا؛ وأنعم على الأمير قائم قريب المقام الشريف بتقدمه ألف؛ وأنعم على جماعة كثيرة من الأمراء بأمريات أربعين وأمريات عشرة عوضا عن من ركب مع الأمير قانصوه خمسمائة واختفى في هذه الحركة. ثم إن الأمير أقبردي الدوادار عظم أمره في هذه الحركة، وصار صاحب الحل والعقد بالديار المصرية، واجتمعت فيه الكلمة، وصار السلطان في يده مثل اللولب يدوره كيف شاء، كما قيل: إذا تم أمر دنا نقصه … توق زوالا إذا قيل تم (١) ثم دخلت سنة إحدى وتسعمائة، فيها بدأ للسلطان توعك في جسده (٢)، فنادى للعسكر بالعرض، فلما اجتمعوا رسم لهم بالنفقة، فنفق عليهم نفقة كاملة حتى على الخدام، وأولاد الناس، وكانت هذه النفقة على حين غفلة من غير سبب لذلك ولا موجب.

стр. 511

ثم أشيع بين الناس أن هذه النفقة على وجهين، الوجه الأول: أن السلطان قال: "أنا ما نفقت للعسكر لما تسلطنت شيئا، وهذه عوضا عنها"؛ والوجه الثاني: أن السلطان قصد إظهار الأمير قانصوه خمسمائة، وكان له به عناية في الباطن، فنفق هذه النفقة حتى أرضى العسكر لأجل ذلك. وكان مال هذه النفقة قاعدة مهيئة، وهي الخمسة أشهر التي أخذها من الأوقاف بسبب ابن عثمان، فما تحرك بعد ذلك، فنفقها على مماليكه، وضاعت في البطال، ولم تنفق في مصالح المسلمين، ولم ترد إلى أربابها، وقد تحمل إثم ذلك عليه إلى يوم القيامة. وقد تقدم أن الملك الأشرف برسباي صادر أولاد الناس من أجناد الحلقة، بسبب إقطاعاتهم لأجل بعض الخوارج، فما تحرك عليه ذلك الخارجي في تلك السنة. ثم في عقيب ذلك مرض الأشرف برسباي فرسم بإعادة ما أخذ من أولاد الناس، فأعيد (١) لهم ذلك، وبقى أجر ذلك في صحيفته إلى يوم القيامة، والإلهام من الله تعالى للعبد. فلما كان أواخر شهر شوال من السنة المذكورة ظهر الأمير قانصوه خمسمائة، وطلع إلى القلعة، فرسم له السلطان بأن يأخذ معه تحت إبطه ثوب بعلبكي حتى يرق قلب العسكر عليه، يعني قد جاء وكفنه تحت إبطه، فلما وقف بين يدي السلطان فأخلع عليه، ونزل إلى بيته في موكب عظيم، وكان معه الأتابكي تمراز، والأمير أقبردي الدوادار، فتوجهوا معه إلى بيته الذي في قناطر السباع، ورجعوا؛ فكانت مدة اختفاء الأمير قانصوه خمسمائة نحو سنة إلا شهرين (٢). فأقام الأمير قانصوه في بيته مدة أيام يسيرة، ثم وثب المماليك الأجلاب على الأمير أقبردي، ولبسوا آلة الحرب، وطلعوا إلى الرملة وآثار الحرب بينهم وبين الأمير أقبردي، فلما بلغ السلطان ذلك نزل إلى باب السلسلة، وجلس بالمقعد المطل على سوق الخيل، وكان السلطان متوعكا في جسده، فحاصر المماليك الأمير أقبردي، وهو في بيته الذي في حدرة البقر، وأحرقوا البيوت الذي (٣).

стр. 512

حوله، فلما رأى السلطان ذلك فشق عليه هذا الأمر، وطلع من باب السلسلة بعد العصر، فلزم الفراش [أ/ ٢٣٩] (١) ومرض مرضا شديدا واشتد به الألم. ثم إن النيل أوفى في أثناء ذلك فتوجه الأتابكي تمراز إلى المقياس، ثم رجع في الحراقة وكسر السد على جاري العادة، وطلع إلى القلعة ولبس خلعته على العادة، وكل ذلك والسلطان على غير استواء. فلما كان يوم الجمعة خامس عشرين ذي القعدة دخل الأتابكي تمراز إلى السلطان، وقال له: "يا مولانا السلطان إن الأحوال قد فسدت، وكثر القال والقيل، ومن الرأي أن نسلطن سيدي"؛ فلم يرد عليه السلطان جواب، فأقام عنده ساعة، ثم نزل، وأخذ سيدي ابن السلطان معه، وتوجه إلى باب السلسلة، وجلس بالحراقة التي في الإسطبل السلطاني، وأرسل خلف الأمير أقبردي الدوادار، فأبطا عليه، فلم يشعر الأتابكي تمراز إلا وقد أتته الطامة الكبرى، وهو أن الأمير قانصوه خمسمائة وخشداشينه، والأمير كرتباي الأحمر، وجماعة كثيرة من العسكر، طلعوا إلى باب السلسلة، وملكوه، وقبضوا على الأتابكي تمراز وقيدوه، وسجنوه في البرج الذي في باب السلسلة. فلما بلغ الأمير أقبردي ذلك هرب من بيته، ومن كان عنده من خشداشينه فتشتتوا أجمعين، ثم إن العوام نهبوا بيت الأمير أقبردي، وبيوت الأمراء الذي (٢) اختفوا معه. فلما كان يوم السبت سادس عشرين ذي القعدة اجتمع الأمراء والعسكر في باب السلسلة، وأحضروا الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز، والقضاة الأربعة، وخلعوا الملك الأشرف قايتباي من السلطنة، وولوا ابنه المقر الناصري محمد سلطانا عوضا عن أبيه، وكل ذلك والسلطان في النزع. فلما أصبحوا يوم الأحد سابع عشرين ذي القعدة من سنة إحدى وتسعمائة توفي السلطان الملك الأشرف قايتباي إلى رحمة الله تعالى، فبات تلك الليلة بالقلعة، فإنه مات بعد [ب/ ٢٣٩] العصر، فأطلقوا له مدراء في القاهرة.

стр. 513

فلما كان يوم الإثنين ثامن عشرين ذي القعدة شرعوا في تجهيزه وإخراجه، وكان في مدة مرضه منقطعا في المبيت الذي بالقرب من قاعة البحرة، فمات هناك وغسل به، وقيل أنه مات بعلة البطن، ثم أخرجوه من المبيت، وأتوا به إلى قدام التكة التي كان يجلس عليها بالحوش السلطاني، فصلوا عليه هناك، ثم نزلوا به من باب المدرج، والعسكر مشاه قدامه، وكانت جنازته مشهودة، فتوجهوا به إلى تربته التي أنشأها بالقرب من الشيخ عبد الله المنوفي. ومات الملك الأشرف قايتباي وقد ناف في عمره عن ثمانين سنة، فتصرم عمره، وزالت أيامه، وذهب كأنه لم يكن، وقد ساوى الله تعالى بين الغني والفقير بالموت، ولم يغني عنه ماله وهلك عنه سلطانه، وقد قيل في المعنى: إن الذي أعتز بالدنيا وزينتها … وظل فيها بحب المال مفتونا أتت إليه المنايا وهي مسرعة … فأصبح الجسم تحت الترب مدفونا قد فارق الأهل والأوطان وانقطعت … آماله وغدا في القبر مرهونا خلا بأعماله ما كان من حسن … أو من قبيح به قد صار مقرونا (١) فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية تسعة وعشرين سنة وأربعة أشهر وأحد وعشرين يوما، وهذه المدة لم تتفق لأحد قبله من ملوك الترك في ولاية واحدة، وقد ساعده الزمان، ومنذ نشأ من مبتدأه إلى منتهاه وهو في عز وعظمة لم ير ضيقا قط، ولم يسجن، ولم يقيد، ولم ينف كعادة الأمراء، بل عاش في أرغد عيش قبل السلطنة وبعد السلطنة إلى أن مات على فراشة بعد هذه المدة الطويلة التي لم تتفق لأحد قبله ولا بعده، وقد وعده الله تعالى [٢٤٠/ ١] بذلك أن الله لا يخلف الميعاد. وكان صفته رجلا طويل القامة، عربي الوجه، مصفر اللون، أبيض اللحية، نحيف الجسد، مهاب الشكل، مبجلا في مواكبه، شجاعا بطلا، مقداما، موصوفا بالفروسية، وافر العقل، ثابت الجنان، غير عجول في الأمور، يتروى في عمل الشيء قبل وقوعه، بطيء العزل لأرباب الوظائف، عارفا بأحوال المملكة، يضع الأشياء في محلها، غير مسرف في الأموال، وكان محبا لجمع الأموال بسبب التجاريد، وقد تحرك عليه في أيامه شاه شوار، وحسن بك الطويل ملك العراقين، وابن عثمان ملك الروم، فجرد إليهم عدة تجاريد، وأصرف في هذه

стр. 514

الحركات أموالا لا تحصى، وهو ثابت على سرير ملكه، لم يتزحزح، ولم يخرج إليهم، وقد جرد في أيام نحو تسعة تجاريد (١)، وهو ينتصر عليهم، وكان في هذه المدة لم يختلف عليه من العسكر اثنان، وحوى من المماليك ما لا حواه غيره من الملوك، واجتهد فيهم وعلمهم أنواع الفروسية من كل فن. ومن الحوادث في أيامه: أنه نادى في القاهرة بأن امرأة لا تلبس عصابة مقنزعة ولا عصابة قصيرة، وأمر المحتسب بأن يكتب قسائم على الذي يبيعوا الأوراق للنساء بأن تكون كل ورقة طولها نصف ذراع، فصاروا يختمونها بختمين حتى لا يقضوا منها شيئا، وصار المحتسب يطوف في الشوارع، فإن وجد امرأة بعصابه مقنزعه ضربها وجرسها في القاهرة وعصابتها في عنقها، فعسر ذلك على النسوان، وصاروا لما يخرجن إلى الطرقات يكشفن رؤوسهن ويمشون بلا عصائب، واستمر الأمر على ذلك، ثم صاروا لما يخرجن إلى الأسواق يلبسن العصائب الطوال التي رسم بها السلطان، وفي ذلك يقول زين الدين ابن النحاس الشاعر: أمر الامام مليكنا بعصائب … في لبسها عسر على النسوان فقلقن ثم أطعنه ولبسنها … ودخلن تحت عصائب السلطان (٢) فائدة لطيفة: قيل: أن العيد إذا جاء يوم الجمعة يكون ذلك فيه على السلطان قطع وما ذاك إلا أنه يدعا له في ذلك اليوم على المنابر مرتين، فيقال أن فيه انتهاء سعد السلطان، وقد جاء في أيام الملك الأشرف قايتباي خمسة أعياد كل منهم في يوم الجمعة، فعيد فطر يوم الجمعة في سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، وعيد فطر أيضا في سنة ست وثمانين، وعيد نحر في سنة ثمان وثمانين، وعيد نحر أيضا في سنة ست وتسعين، وعيد فطر أيضا في سنة تسع وتسعين وثمانمائة، فهذه خمسة أعياد جاءت في أيام دولته في يوم الجمعة، وقد مكث هذه المدة الطويلة ولم يأثر فيه القطع كما يقال، وقد قال بعضهم في المعنى:

стр. 515

لا ترقب النجم في أمر تحاوله … فالله يفعل لا جدى ولا حمل مع السعادة ما للنجم من أثر … فلا يضرك مريخ ولا زحل (١) ومما أنشأه الملك الأشرف قايتباي من العمائر في أيامه: وهو المسجد الشريف النبوي لما احترق فجدد عمارته، وأنشأ مدرسة في المدينة الشريفة؛ وأنشأ مدرسة في مكة المشرفة عند باب السلام؛ وأنشأ مدرسة بالقدس الشريف. وأنشأ البرج الذي بثغر الإسكندرية مكان المنار القديم، وجعل فيه جامع بخطبة، وفرن وطاحون، وجعل به جماعة مرابطين برسم الجهاد في سبيل الله، وأجرى عليهم الحوامك، وأشحن البرج بالسلاح، وآلة الحرب. وأنشأ بالديار المصرية عدة جوامع ومدارس، منهم: جامع بالروضة، وجامع بالكبش، وجامع بباب الخرق، وجامع بتربته التي في الصحراء، وغير ذلك من الجوامع والمساجد والزوايا، وجدد عمارة الإيوان الكبير الذي بالقلعة، وجدد عمارة قبة الجامع الذي بالقلعة لما سقطت، وجدد عمارة قبة الإمام الشافعي ﵁، وأنشأ [٢٤١/ ١] (٢) المقعد الكبير الذي بالقلعة في الحوش السلطاني، وأنشأ المبيتين الذي به، وعمر بالقلعة أماكن كثيرة، وجدد حائط الميدان الكبير الذي بالناصرية. وعمر عدة قناطر وجسور بالشرقية والغربية، وأنشأ عدة ربوع، وأماكن كثيرة بالقاهرة، وأوقفهم على جهات بر وصدقة وأشرط في وقفه بأن تطبخ في كل يوم دشيشة في المدينة الشريفة، وتفرق على الفقراء الذي (٣) بها، فبطل ذلك بعد موته، وله آثار كثيرة بالديار المصرية وغيرها، وكان له أوراد جليلة وأحزاب عظيمة يتلوها في كل ليلة، وكان له أشياء كثيرة من المحاسن. وأما ما كان من أرباب الوظائف في دولته: فأتابكيته المقر السيفي جاني بك فلقسز، والمقر السيفي أزبك، والمقر السيفي تمراز الشمسي.

стр. 516

وأما دواداريته: فالمقر السيفي يشبك بن مهدي، والمقر السيفي أقبردي من علي باي. وأما نوابه بالشام الأتابكي أزبك أولا، وبرد بك البشمقدار، وبرقوق، والأتابكي جاني بك قلقسز، وقانصوه اليحياوي، وقجماس، ثم أعيد قانصوه إلى نيابة الشام ثانيا. وأما أرباب الوظائف من المتعممين: فقاضي قضاته الشافعية: القاضي ولي الدين الأسيوطي، والقاضي زين الدين زكريا. وأما قضاته الحنفية: فالقاضي محب الدين ابن الشحنة أولا، والقاضي الأمشيطي، وابن عيد الدمشقي، والغزي، والقاضي ناصر الدين ابن الأخميمي. وأما قضاته المالكية: فالسيد سراج الدين اللقاني، والقاضي محيى الدين ابن تقي، وأخيه. وأما قضاته الحنابلة: فالقاضي عز الدين أولا، والقاضي بدر الدين السعدي. وأما كتاب سره: القاضي أبو بكر بن مزهر، وولده القاضي بدر الدين. وأما نظار جيشه فالقاضي كمال الدين ابن الجمالي يوسف ناظر الخاص، وأخيه القاضي شهاب الدين. وأما نظار خواصه فالقاضي تاج الدين ابن المقسي أولا، وتولى الأستادارية أيضا في أيامه والقاضي بدر الدين ابن القاضي كاتب السر بن مزهر؛ وبدر الدين ابن الكويز، والقاضي علائي الدين الصابوني. وأما وزراؤه فالزيني قاسم أولا، ثم الصاحب شمس الدين والد الصاحب علاء الدين ابن الأهناسي، ثم الجمالي يوسف بن الزازيري كاشف الوجه القبلي أقام في الوزارة مدة يسيرة وعزل عنها، والأمير يشبك من مهدى الدوادار تولى وزيرا وأستادار (١) أيضا، ومن وزرائه أيضا: الأمير خشقدم الزمام، والمقر السيفي أقبردي الدوادار تولى وزيرا وأستادارا أيضا في أيامه.

стр. 517

ومن أستادارياته الأمير تغري بردي القادري، ومن أستادارياته أيضا مجد الدين ابن البقري باشر الأستادارية في أيامه مدة يسيرة، وكذلك ابن كاتب غريب نيابة عن الأمير يشبك الدوادار. وأما نساؤه: فخوند بنت المقر العلائي علي الشهير بابن خاص بك تزوجها في أثناء دولة الملك الأشرف أينال وأقام معها إلى أن مات ولم يتزوج غيرها من النساء؛ وخلف من الأولاد ولده المقر الناصر محمد الذي تسلطن بعده؛ وكان من سرية جركسية. فهذا جملة ما عد له من أنواع المحاسن؛ وأما ما ذكر له من المساوئ فكثيرة، ولا بد للمؤرخ أن يذكر ما كان للملوك من المحاسن والمساوئ، كما قيل في المعنى: يرجو ويخشى حالتيك الورى كأنك الجنة والنار (١) … فمن مساوئه: أنه لما تولى السلطنة ندب (٢) الأمير يشبك الدوادار لما تولى الوزارة، فقطع لحوم الناس التي كانت لهم مرتبة من قديم الزمان تصرف للنساء والأيتام والأرامل، وكذلك فعل بالجوامك. ومنها: أنه أخذ من الأملاك والأوقاف أجرة سبعة أشهر، وكان غنيا عن ذلك. ومنها: أنه صادر بعض التجار، وصادر طائفة اليهود والنصاري. ومنها: أنه أقام شخصا من الأراذل (٣) يسمى ناصر الدين ابن العظمة، واستقر به ناظر الأوقاف، فصار يشوش على جماعة من أعيان الناس ويبهدلهم، فحصل منه الضرر الشامل (٤). وفتح في مصر أبوابا من أنواع الظلم، ومنها: أنه ضرب القاضي تاج الدين ابن المقسي ناظر الخاص بالمقارع في يوم شديد البرد في الأسطبل، ثم بعد مدة شنقه بعدما سمره على جمل وطاف به؛ ثم بعد مدة وسط مجد الدين ابن

стр. 518

البقري، وكان من أعيان جماعة المباشرين، وسجنه في المقشرة نحو ست سنين؛ وضرب الأمير زين الدين الأستادار وسجنه بالبرج حتى مات به. ومنها: أنه رسم بسلخ شخص يسمى ابن الديوان، وكان أصله من حلب، فسلخه هو وولده في يوم واحد، وطافوا بهما في القاهرة. ومنها: نفى جماعة كثيرة من الأينالية، وكانوا سببا لسلطنته، منهم أزدمر الطويل حاجب الحجاب نفاه إلى بلاد الصعيد، ثم أرسل قطع رأسه؛ ومنهم: قانصوه الخسيف نفاه إلى مكة فمات بها؛ ونفى الأمير خير بك من حديد إلى مكة فأقام بها إلى أن مات وكان من أعز أصحابه؛ ونفى الصاحب خشقدم الزمام إلى بلاد الصعيد فأقام بها إلى أن مات؛ ونفى جماعة كثيرة من الأمراء والأينالية في حظ نفس، ووسط في أيامه جماعة كثيرة من المباشرين، ومشايخ العربان، منهم: الأمير قاسم بن بيبرس بن بقر شنقه هو وابن المقسى في يوم واحد. ومنها: أنه في أثناء دولته أراد أن يبطل جميع الأوقاف التي على الحوامع والمدارس، ولم يترك لهم إلا ما يقوم بالشعائر فقط، فأمر بعقد مجلس فحضروا فيه [] (١) وشيخ الإسلام الشيخ أمين الدين ابن الأقصر أي الحنفي [] (٢) ذكروا ذلك للشيخ أمين الدين الاقصراي، فأظهر الحنق، ولم يوافق على ذلك، وأغلظ على السلطان في القول وانفصل المجلس مانع، وذلك ببركة الشيخ أمين الاقصراي رحمة الله عليه، فقام في ذلك قياما الله تعالى، كما قال الله (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) [الكهف: ٢٩] انتهى ذلك. ومما عد له من النواقص: أنه أبطل في أيامه خدمة القصر بالشاش والقماش، ولم يمش على طريقة الملوك السالفة حتى أن العسكر نسى طريقة الخدمة في القصر، وكان له طريقة في خدمته على القاعدة القديمة فنسي ذلك. وأبطل في أيامه: تدوير المحمل الذي كان يعمل في رجب؛ وأبطل الرماحة الذي (٣) كانوا يسوقون في أيام دوران المحمل، وكان ذلك من شعائر المملكة.

стр. 519

وأبطل المراكب الذهبية، التي كانوا ينزلون بها الملوك في يوم وفاء النيل، ويتوجهون إلى المقياس؛ وكذلك أبطل المركب المسمى بالدرمونة، التي كانت تحمل مغل الحرمين الشريفين، وكان ذلك كله من شعائر المملكة. وأبطل ما كان تفعله الملوك من الرمايات في بركة الحاج، ويدخلون إلى القاهرة في المواكب العظيمة؛ وكذلك يوم لبس الصوف الذي كان الملوك يلبسونه من المطعم الذي بالريدانية، ويدخلون في المواكب العظيمة. وأبطل في أيامه أشياء كثيرة من هذا النمط، ولم يمش فيها على طريقة الملوك السالفة، وهو أول من نفق الجامكية على العسكر بحضرته، وكان قبل ذلك تنفق الجامكية بحضرة مقدم المماليك في الأيوان، ولم يفعل ذلك غيره من الملوك، وفي الجملة كانت محاسنه أكثر من مساوئه، وكان خيار ملوك الترك من الجراكسة وغيرها، ولا بقى يسمح الزمان بمثله. انتهت أخبار دولة الملك الأشرف قايتباي، وذلك على سبيل الاختصار. وأما من توفي في أيام دولته من أعيان العلماء وغيرهم وهم قاضي القضاة ولي الدين الأسيوطي الشافعي (١)، وقاضي القضاة صلاح الدين المكيني الشافعي، وقاضي القضاة أبو السعادات البلقيني (٢)، وقاضي القضاة الأمشيطي الحنفي (٣)، وقاضي القضاة محب الدين ابن الشحنة (٤)، وقاضي القضاة برهان الدين ابن الديري الحنفي، وقاضي القضاة ابن عيد الدمشقي (٥)، وقاضي القضاة سراج الدين ابن حريز المالكي (٦)، وأخيه حسام الدين (٧)، وقاضي القضاة برهان الدين اللقاني المالكي (٨)، وقاضي القضاة ابن تقي المالكي (٩)، وقاضي القضاة عز الدين الحنبلي (١٠).

стр. 520

ومن مشايخ العلماء: الشيخ أمين الدين الأقصراي (١) الحنفي (٢)، والشيخ محيي الدين الكافيجي الحنفي (٣)، والشيخ سيف الدين الحنفي (٤)، والشيخ قاسم الحنفي (٥)، والشيخ صلاح الدين الطرابلسي الحنفي (٦)، والشيخ عضد الدين الصيرامي (٧) الحنفي شيخ المدرسة البرقوقية، والشيخ سراج الدين العبادي الشافعي (٨)، والشيخ جلال الدين البكري الشافعي (٩)، والشيخ عبد الرحيم الأنباسي (١٠)، والشيخ تقي الدين الحصني الشافعي (١١)، والشيخ برهان الدين ابن الحموي (١٢) المحدث توفي بطريق الحجاز قرب العقبة، والعميري المقدسي المحدث (١٣). وأما من توفي في أيامه من أعيان جماعة [٣٤٢/ ١] (١٤) المباشرين: القاضي كمال الدين (١٥) ناظر الجيش توفي بمكة، والقاضي شرف الدين الأنصاري (١٦) توفي بمكة، والقاضي كاتب السر أبو بكر بن مزهر (١٧)، والقاضي قطب الدين الأخيضري كاتب سر الشام والقاضي علم الدين شاكر

стр. 521

ابن الجيعان (١)، وأولاده سيدي يحيى (٢)، وسيدي عبد الغني (٣)، وجماعة كثيرة من أولاد الجيعان توفوا في أيامه؛ والصاحب قاسم (٤)، وغير ذلك من أعيان المباشرين. وأما من توفي في أيامه من مشايخ الحقيقة: الشيخ أبي المواهب بن زغدان الشاذلي (٥)، والشيخ إبراهيم المثبولي (٦) توفي بمدينة أزدود (٧) ودفن بها، والشيخ أحمد بن عقبة اليماني (٨)، والشيخ أبي الفضل من أولاد بن أبي الوفا (٩)، والشيخ محمد السدار المجذوب (١٠)، والشيخ علي القليوبي (١١)، والشيخ ناصر الدين الكلوتاتي من أعيان المشايخ، والشيخ أبو الفضل بن ظهيرة خطيب مكة (١٢)، والشيخ ناصر الدين ابن قرقماس الحنفي (١٣)، والشيخ شمس الدين ابن الحمصاني (١٤) الكاتب، وهو شيخ القراءات أيضا، وغير ذلك من مشايخ الصلحاء. ومن الشعراء: الشيخ شهاب الدين المنصوري الهائم (١٥)، والشيخ شمس الدين القادري (١٦)، وكانا من فحول الشعراء؛ والأديب (١٧) زين الدين ابن النحاس وغير ذلك من أعيان الشعراء.

стр. 522

وأعيان الناس ومنهم الجمالي يوسف بن تغري بردي (١) صاحب التاريخ، ومنهم جماعة كثيرة لم نذكرهم هنا خوف الإطالة، وقد طال الشرح في ذكرهم. انتهى ذلك.

стр. 523

ذكر سلطنة الملك الناصر أبي السعادات ناصر الدين محمد بن الملك الأشرف قايتباي (١) وهو الثاني والأربعون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو السادس عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم بالديار المصرية؛ تسلطن من غير عهد من أبيه الملك الأشرف قايتباي، وذلك في يوم السبت سادس عشرين ذي القعدة من سنة إحدى وتسعمائة، وذلك في الساعة الرابعة من اليوم المذكور. فحضر الخليفة المتوكل على الله عبد العزيز، والقضاة الأربعة في المقعد الذي في باب السلسلة، فخلعوا الملك [٣/ ٢٤٢/ ب] الأشرف قايتباي من السلطنة، وكان في النزع، وولوا ولده محمد عوضا عنه؛ ولقبوه بالملك الناصر، فلبس خلعة السلطنة، وركب من المقعد، وحملة القبة والطير على رأسه، فطلع إلى القصر الكبير، وجلس على كرسي المملكة، وباسوا له الأمراء الأرض، ودقت له البشائر، ونودي باسمه في القاهرة، وضج الناس له بالدعاء. وكان له لما تسلطن من العمر نحو أربع عشرة سنة (٢)، وقد قارب البلوغ (٣)، وأمه أم ولد جركسية تسمى ورد قان، وكان مولده في سنة تسع (٤) وثمانين وثمانمائة، وفيه يقول بعض الشعراء:

стр. 524

إن العناصر في سلطاننا اجتمعت … شمائلا بهرت من حين مولده قد ناسب النار عزما والهوى خلقا … والبحر جودا وملك الأرض في يده (١) فلما كان يوم الأحد سابع عشرين ذي القعدة توفي الملك الأشرف قايتباي بعد العصر، ودفن في يوم الإثنين ثامن عشرينه، كما تقدم. فلما كان مستهل ذي الحجة من سنة إحدى وتسعمائة نزلوا بالأتابكي تمراز من باب القرافة، وهو مقيد، وخلفه أوجاقي بخنجر، فتوجهوا به إلى البحر، ونزلوا به في مركب، ومضوا به إلى ثغر الإسكندرية فسجن بها، وما كان أحد من الناس يشك بأن الأتابكي تمراز يتسلطن بعد الأشرف قايتباي، فما قسم له ذلك، وخانه الاعتقاد، ولم يبلغ فيما أمله المراد، فكان كما قيل في المعنى: وقائل لي لما أن رأى قلقي … من انتظاري لآمال تعنينا عواقب الصبر فيما قال أكثرهم … محمودة قلت أخشى أن تخزينا (٢) فلما توجه الأتابكي تمراز إلى ثغر الإسكندرية، أخلع السلطان الملك [٢٤٤/ ١] الناصر على المقر السيفي قانصوه من طرا باي الشهير بخمسمائة، واستقر به أتابك العساكر بالديار المصرية عوضا عن تمراز الشمسي؛ واستقر تاني بك الجمالي أمير سلاح على عادته؛ واستقر أزبك اليوسفي أمير مجلس على عادته؛ وأخلع على المقر السيفي جان بلاط واستقر به دوادار كبير عوضا عن أقبردي الدوادار؛ ولما حضر الأمير قانصوه الألفي وكان في السجن بقلعة صفد فأخلع عليه واستقر به أمير أخور كبير عوضا عن شاد بك. ورسم بإحضار الأمير قانصوه الشامي، وقد تقدم أنه استقر نائب حماه، فلما حضر أخلع عليه واستقر به رأس نوبة النوب عوضا عن ثاني بك قرا، وكان تاني بك قرا، توجه في تلك السنة أمير حاج المحمل، فلما حضر قيدوه وأرسلوه إلى السجن بثغر الإسكندرية؛ وأخلع على الأمير كرتباي الأحمر كاشف البحيرة واستقر وزيرا وأستادارا عوضا عن أقبردي. وأنعم على الأمير ماماي بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير كسباي بتقدمة ألف؛ وأنعم على الأمير يشبك قمر بتقدمة ألف؛ وأنعم على جماعة غيرهم بتقادم

стр. 525

ألوف؛ وأخلع على الأمير مصرباي واستقر والي القاهرة؛ وأنعم على جماعة كثيرة بأمريات أربعين، وبأمريات عشرة، فهذا ما كان من ترتيب الأمراء أرباب الوظائف في مبتدأ دولة الملك الناصر محمد. ثم إن السلطان جمع سائر الأمراء، وحلفهم بأنهم لا يخونوا، ولا يغدروا، ويكونوا كلمة واحدة على فعل الخير، ومصالح المسلمين. ثم إن السلطان أمر بالمناداة في القاهرة بأن الأمراء الذين (١) اختفوا مع الأمير أقبردي يظهرون وعليهم أمان الله، فظهر الأمير شادى بك أمير أخور، والأمير أينال الخسيف حاجب الحجاب، والأمير قائم قريب المقام الشريف، والأمير جانم مصبغه، فطلعوا إلى القلعة فأخلع عليهم الملك الناصر ونزلوا إلى بيوتهم. ثم في أواخر النهار أرسل خلفهم الأتابكي قانصوه خمسمائة وأظهر أنه يمد لهم مدة، فتوجه إليه الأمير شادى بك، والأمير أينال، والأمير قائم، ولم يحضر الأمير جانم، فلما دخلوا إلى بيت الأتابكي قانصوه الذي في قناطر السباع أقاموا عنده إلى بعد العشاء وهو يشغلهم بالكلام، ثم حضر إليه الأمير مصرباي والي القاهرة فقبض عليهم، وتوجه بهم إلى نحو الحزيرة الوسطى، فكان أخر العهد بهم. فلما كان يوم الثلاثاء ليلة الأربعاء ثامن عشرين جمادى الأول سنة اثنتين وتسعمائة ففي تلك الليلة عقيب مسك هؤلاء الأمراء، ركب الأتابكي قانصوه خمسمائة على الملك الناصر، وركب معه خشداشينه من الأمراء والعسكر، وركب معه سائر الأمراء المقدمين من القرانصة، والأجلاب، وسائر العسكر قاطبة، ولم يكن عند السلطان في القلعة من الأمراء أحد سوى الأمير قانصوه خال السلطان الملك الناصر محمد بن قايتباي، ومن المماليك الأجلاب نحو ألف مملوك، فلما ركب الأتابكي قانصوه طلع إلى الرملة، وملك باب السلسلة في تلك الليلة، وأقام به، وكان الأمير قانصوه الألفي أمير أخور كبير، وهو من خشداشين الأتابكي قانصوه حمسمائة. فلما طلع النهار، وهو يوم الأربعاء تاسع عشرين جمادى الأول اجتمع سائر الأمراء في باب السلسلة، وأرسلوا خلف أمير المؤمنين المتوكل على الله عبد العزيز، والقضاة الأربعة، فلما حضروا قام الأمير كرتباي الأحمر وقال للخليفة: "يا أمير المؤمنين أن الأحوال قد فسدت بموجب أن السلطان صغير

стр. 526

السن، وقد [١/ ٢٤٥] ضاعت الكلمة، ووقع بين الأمراء الخلف، ومن الرأى أن نخلع الملك الناصر من السلطنة وتولي الأتابكي قانصوه". فقيل: أنهم خلعوا الملك الناصر من السلطنة، وولوا الأتابكي قانصوه خمسمائة، وتلقب بالملك الأشرف، وباسوا له سائر الأمراء الأرض، وكذلك سائر العسكر، ونودي اسمه في القاهرة، وضج له الناس بالدعاء، غير أنه ما لبس خلعة السلطنة، ولا جلس على سرير الملك، ولا حملت القبة والطير على رأسه، ولا كتب له تقليدا من أمير المؤمنين، فبموجب ذلك لم نعده من جملة السلاطين، ولا أنتظم في عقدهم، فهذا ما كان من أمره. فلما كان يوم الخميس سلخ جمادى الأول أرسل الأشرف قانصوه خمسمائة إلى الملك الناصر محمد بأن يدخل إلى قاعة البحرة، ويرسل إليه الترس والنمجاه والدواه، فتعصبوا له المماليك الأجلاب الذي (١) كانوا عنده في القلعة، وصاروا يسمون المماليك الناصرية، فعند ذلك فتحوا باب الزردخاناة، ولبسوا آلة الحرب، وركبوا المكاحل بالقلعة، وحاصروا الأشرف قانصوه وهو في باب السلسلة، فقاتلوه أشد القتال، فملكوا في ذلك اليوم باب المدرج، والطبلخاناة السلطانية، ورأس الصوة. فلما كان يوم الجمعة وقت صلاة الجمعة حاصروا الأشرف قانصوه، حتى أخرجوه من باب السلسلة، فخرج وركب، ووقف عند سبيل المؤمني، واستمر القتال عمال بين الفريقين، فلم يشعر الأشرف قانصوه خمسمائة إلا وقد جاءه سهم في وجهه، فسقط عن فرسه، وأغمى عليه، فحملوه الغلمان على أكتافهم، ونزلوا به من الصليبة. وقيل: أنهم في أثناء الطريق اركبوه على حمار، وهو مغمى عليه لا يفيق، ولا يعي، فتوجه إلى نحو بيته الذي في قناطر السباع، فاختفى في مكان هناك، فلما عاينوا ذلك من كان معه من الأمراء والعسكر تشتتوا أجمعين وولوا مدبرين، وكانت هذه النصرة على غير القياس، كما قال القائل في المعنى: ولا تحتقر كيد الصغير فربما … تموت الأفاعي من سموم العقارب وبين اختلاف الليل والصبح معرك … يكر علينا جيشه بالعجائب (٢) ولما جرى ذلك، وهرب من كان في باب السلسلة من الأمراء والعسكر، فنزل المماليك الأجلاب على من بقي في باب السلسلة، فنهبوا كل ما كان عند

стр. 527

الخليفة، والقضاة، والمباشرين من قماش، ومن فرش، وغير ذلك، وما سلموا القضاة والخليفة من القتل إلا سلامة، وما وقعت هذه النصرة لأحد قبله من أبناء الملوك، وكانت هذه الواقعة من الغرائب بعد ما ملك الأشرف قانصوه باب السلسلة، وجميع العسكر، والأمراء من الأكابر والأصاغر كانوا معه، وتسلطن، ونودي باسمه في القاهرة، وباسوا له الأمراء الأرض، وأقام في السلطنة يومين، فيخرج من باب السلسلة على أقبح وجه، وأنحس حال، وكان هذا خذلان من الله تعالى ليس في قدرة بشر. فلما كان يوم السبت مستهل جمادى الآخر من سنة اثنتين وتسعمائة طلع الخليفة، والقضاة الأربعة إلى القلعة عند الملك الناصر، يهنونه بالشهر، وبهذه النصرة التي حصلت له، فعند ذلك جددوا له عهد ثان، وقيل: أنه رشد في ذلك اليوم، ودقت له البشائر ثلاثة أيام، بسبب هذه النصرة التي حصلت. فلما انكسر الأشرف قانصوه واختفى فاختفى معه سائر الأمراء الذين (١) ركبوا معه، فأقامت القاهرة نحو أسبوعين لم يظهر فيها أمير، ولا دقت فيها طبلخاناة على باب أمير مقدم ألف، وكان عدة من ركب من الأمراء المقدمين في هذه الحركة أربعة عشر أميرا (٢) مقدم ألف غير الأربعينات والعشراوات وسائر العسكر. ومن غريب الاتفاق أن الأمراء لما هربوا من باب [٢٤٦/ ١] السلسلة، توجه الأمير قانصوه الشامي رأس نوبة النوب، والأمير مصرباي والي القاهرة، توجهوا على جرايد الخيل إلى نحو ثغر الإسكندرية ليقتلوا الأتابكي تمراز، والأمير تاني بك قرا، وكانوا بالسجن بثغر الإسكندرية، فلاقوهما جماعة من العربان في أثناء الطريق، فاتقعوا معهما، فقتل مصر باي والي القاهرة، ومسك الأمير قانصوه الشامي، فقطعوا رأس مصرباي، وعلقوها على باب الإسكندرية. وأما الأمير قانصوه الشامي فسجن في السجن الذي كان فيه الأتابكي تمراز، فأقام فيه مدة يسيرة، ثم إن السلطان أرسل بقتله فقتل وهو في السجن، كما قيل:

стр. 528

وكم من طالب يسعى لشئ … وفيه هلاكه لو كان يدري (١) ثم إن السلطان أرسل بالإفراج عن الأتابكي تمراز، والأمير تاني بك قرا، فحضرا إلى القاهرة في أوائل جمادى الآخر، فكان يوم دخولهما يوما شهودا، فلما طلعوا إلى القلعة أخلع على الأتابكي تمراز خلعة، واستقر أتابك العساكر على عادته؛ وأخلع على الأمير تاني بك قرا واستقر أمير مجلس عوضا عن أزبك اليوسفي؛ واستقر الأمير قانصوه خال السلطان الملك الناصر شاد الشربخاناة الشريفة أمير أربعين، واستمرت الأحوال مضطربة، وكثر القال والقيل بين الناس، بسبب الأمراء المختفين. ثم إن السلطان رسم للأتابكي تمراز والأمير تاني بك قرا بأن يطلعوا إلى القلعة، ويقيموا في الجامع الذي هو داخل الحوش السلطاني، فطلعوا وأقاموا في الجامع، وسبب ذلك قد أشيع إن المماليك عزموا على أن يكبسوا على الأمراء في بيوتهم ويقتلوهم، فرسم لهم السلطان بأن يقيموا في الجامع الذي في الحوش. فلما كان يوم الثلاثاء ثامن عشر جمادى الآخر ظهر الأشرف قانصوه خمسمائة، وقد تعافى من ذلك الجرح الذي حصل له، فركب، وركب معه خشداشينه، وهم قانصوه الألفي أمير أخور، والأمير ماماي، والأمير كسباي، والأمير يشبك قمر، وغيرهم (٢) جماعة كثيرة من الأمراء الطبلخانات والعشراوات، فلبسوا آلة الحرب، وتوجهوا إلى نحو الميدان الكبير الذي في الناصرية، فأقاموا هناك ساعة، ثم توجهوا إلى بيت الأتابكي أزبك الذي في الأزبكية، فدخل الأشرف قانصوه، وأقام هناك ذلك اليوم فاجتمع عنده بعض عسكر. فلما كان يوم الأربعاء نزلوا إليه المماليك الأجلاب الناصرية وهم مشاه، فلما سمع الأشرف قانصوه بذلك هرب من الأزبكية، هو [و] (٣) من كان عنده من الأمراء والعسكر، وخرجوا على وجوههم، وقصدوا نحو خانقاة سرياقوس، وهذه ثالث كسرة وقعت للأشرف قانصوه خمسمائة بالديار المصرية، فكان كما قيل:

стр. 529

فموتي في الوغى عيشي لأني … رأيت العيش في أرب النفوس (١) فلما هرب الأشرف قانصوه من الأزبكية نزل المماليك الأجلاب الناصرية، وهم مشاه إلى عند الأزبكية، فأحرقوا بيت أمير كبير أزبك الذي بها، وأحرقوا الربوع الذي حوله، ونهبوا بيوت الناس الذين (٢) كانوا هناك، حتى نهبوا بسط الجامع والحصر الذي (٣) كانت بالجامع، والقناديل، ولا أبقوا من الأذى ممكن، فكان كما قيل: غيرى جنى وأنا المعاقب فيكم … فكاننى سبابة المتقدم (٤) فلما خرج الأشرف قانصوه، ومن معه من الأمراء والعسكر، توجه على جرايد الخيل، وقصد نحو غزة، وكان الأمير أقبردي الدوادار لما مسك الأتابكي تمراز من باب السلسلة كما تقدم، فاختفى الأمير أقبردي في القاهرة مدة، فلما حضر الأمير أقباي نائب غزة إلى القاهرة، فأقام بها مدة، ثم رجع إلى غزة. فلما خرج من القاهرة، خرج معه الأمير أقبردي في الخفية، وأقام بغزة، والتف عليه من العربان والعشير جماعة، وحضر إلى عنده الأمير أينال باي نائب [٢٤٧/ ١] طرابلس، فلما انكسر الأشرف قانصوه، وتوجه إلى نحو غزة، فتلاقى هو والأمير أقبردي هناك على خان يونس، وكان الأمير أقبردي قصد التوجه إلى نحو الديار المصرية، باتفاق من الأتابكي قانصوه خمسمائة قبل أن يوثب على السلطان، فما شعر إلا وقد تلاقي هو وقانصوه خمسمائة هناك، فحصل بينهما وقعة عظيمة هناك، كما سيأتي ذكر ذلك في موضعه؛ ومن هنا نرجع إلى أخبار الملك الناصر بعد هذه الحركة الثانية. فأنه لما كان يوم السبت تاسع عشرين جمادى الآخر من سنة اثنتين وتسعمائة حصل بين المماليك وبين الأمراء تشاجر في الحوش السلطاني، وسبب ذلك أن المماليك قالوا للأتابكي تمراز والأمراء: "غيروا لقب السلطان الملك الناصر وسموه الملك الأشرف على اسم أبيه"، فقال لهم الأمراء: "وكيف يكون ذلك بعد ما خرجت عدة مناشير ومربعات باسم الملك الناصر، وأشيع ذلك في البلاد

стр. 530

الشامية وغيرها وضربت السكة باسم الناصر"، فقالوا: "لابد من ذلك"، وأغلظوا على الأمراء في القول. فعند ذلك نادوا في القاهرة أن السلطان صار لقبه الملك الأشرف، فتعجب الناس من ذلك بعد مدة سبعة أشهر يتغير لقب السلطان، وهذه الواقعة قط ما اتفقت لأحد من أبناء الملوك قبله، غير أن الملك الصالح أمير حاج بن الأشرف شعبان، لما سلطنوه أولا تلقب بالملك الصالح، فلما خلع من السلطنة وأعيد (١) ثاني مرة، لقبوه بالملك المنصور، وقد تقدم ذلك. وكان سبب تغيير لقب الملك الناصر محمد بن قايتباي، أن مماليك أبيه صاروا يسمون المماليك الأشرفية، والخرج الذي أخرجه ابنة الملك الناصر صاروا يسمون المماليك الناصرية، فصاروا أعلى درجة منهم، فعز ذلك على المماليك الأشرفية، وقالوا: لقبوا السلطان بالملك الأشرف مثل والده، ويصير المماليك كلهم أشرفية"، فهذا كان سببا لتغيير لقب السلطان، وتسميته بالملك الأشرف. فصاروا يكتبون في المراسيم والمربعات، والمناشير باسم الناصر، وصار الخطباء بعضهم يخطب باسم الملك الأشرف، وبعضهم يخطب باسم الملك الناصر. وفي مدة هذه الفتنة اضطربت أحوال الديار المصرية، وسد السلطان باب السلسلة بالحجر الفص، وكذلك باب الميدان الذي تحت القلعة، وباب حوش العرب الذي من الأسطبل السلطاني، واستمر الأمر على ذلك. فلما كان يوم الإثنين مستهل شهر رجب من السنة المذكورة جاءت فيه الأخبار بأن الأشرف قانصوه خمسمائة لما وصل إلى خان يونس الذي بالقرب من غزة، فتلاقى هو والأمير أقبردي هناك، فكان بينهم وقعة عظيمة، وقتل فيها جماعة كثيرة من الأمراء والعسكر، وزعموا أن الأشرف قانصوه خمسمائة قتل، وقتل الأمير ماماي، والأمير فيروز الزمام، فأنه كان صحبة قانصوه خمسمائة لما خرج من القاهرة، وقتل في هذه الوقعة جماعة من الأمراء الأربعينات، والعشراوات، وأسر الأمير قانصوه الألفي، والأمير كسباي، والأمير يشبك قمر، والأمير أسنباي المبشر أحد الأمراء الأربعين، وغير هولاء جماعة كثيرة من الأمراء الخاصكية.
следующие страницы →