← История

История · id 30070

صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور

ابن إياس

Полный текст (225 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

فاتحة في السنوات من ١٩٢٨ إلى ١٩٣٥ كان لى عظيم الشرف أن أشتغل مع أستاذى الدكتور باول كاله فى نشر الأجزاء الثالث والرابع والخامس من كتاب بدائع الزهور فى وقائع الدهور لمحمد بن أحمد بن إياس الحنفي. وقد تناولت هذه الأجزاء تاريخ مصر من سنة ٨٧٢ (١٤٦٨) إلى سنة ٩٢٨ (١٥٢٢)، على اعتبار أن ابن إياس كان المؤرخ الوحيد تقريبا الذي كتب عن هذه الفترة الحاسمة من تاريخ مصر. وقد توخينا في نشر الجزء الثالث أن يبدأ بذكر تولى السلطان الأشرف قايتباي تقاليد الحكم فى شهر رجب سنة ٨٧٢، وهو التاريخ الذى ينتهى فيه كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة لأبى المحاسن يوسف بن تغرى بردى، وبذلك تتوالى حلقات تاريخ مصر فى عصر المماليك من كتاب السلوك للمقريزى، إلى التبر المسبوك في ذيل السلوك للسخاوى، فالنجوم الزاهرة لأبى المحاسن، وتنتهي ببدائع الزهور لابن إياس. وكان من أثر ذلك أننا بدأنا الجزء الثالث هذا من صفحة ٩٩ آ من مخطوط فاتح رقم ٤١٩٨ دون أن ننشر الثمان والتسعين ورقة الأولى منه، وهى تشمل تاريخ الفترة من شهر ربيع الأول سنة ٨٥٧ (١٤٥٣) إلى شهر رجب سنة ٨٧٢ (١٤٦٨)، أى عصور السلاطين أينال وأحمد بن أينال وخشقدم ويلباى وتمر بغا المنشورة هنا. ولكنى بعد أن قارنت متن هذا القسم من بدائع الزهور في وقائع الدهور بما أورده أبو المحاسن من أخبار عن نفس هذه الفترة في كتابيه النجوم الزاهرة وحوادث الدهور، لاحظت أن أنباء بعض الشهور ناقصة في هذين الكتابين الأخيرين، وأن أبا المحاسن لم يكتب عن كل الحوادث التي ذكرها ابن إياس في

стр. 2

هذا القسم، فتبينت لى أهمية نشر هذا الجزء من تاريخ ابن إياس، باعتبار أن هذه الكتب الثلاثة تتمم بعضها البعض وأنها في مجموعها تؤلف المراجع الأساسية لتاريخ هذه الفترة. ومما زاد من أهمية نشر هذا القسم - الذي اعتمدت في نشره على نسخة الأصل بخط المؤلف - أن مثله المنشور في طبعة بولاق (ج ٢ ص ٣٨ - ٨٩) قد اعتمد في طبعة على نسخة اختصر فيها المتن إلى حد أنه صار بعيدا كل البعد عن متن الأصل الذى كتبه ابن إياس بخطه. ويكفى لكى يظهر لنا مدى الفارق الكبير بين النسختين أن نلاحظ أن تاريخ النسخ التسع سنوات من ٨٦٣ إلى ٨٧١ - المطبوع هنا في الصفحات من ٦٠ إلى ١٧٧ - قد نشر في طبعة بولاق في الصفحات من ٦٣ إلى ٨٠ أى في ثمان عشرة صفحة فقط. وقد حاولت أن أجعل الرجوع إلى متن هذا الكتاب سهلا ميسورا للباحث الذى يهمه دراسة التاريخ أو الحياة العامة أو النظم الإدارية أو اللغة في هذا العصر، فكتبت أربعة فهارس، الأول لأسماء الأعلام مع تراجم قصيرة لهم، والثاني لأسماء الوظائف مع بيان من باشروها، والثالث لأسماء الأماكن، والرابع للمصطلحات اللغوية والفنية الواردة فيه، مع ملاحظة أننى تركت أسلوب ابن إياس كما هو في متن الأصل، ولم أحاول تغييرا أو تصحيح أى شيء فيه - سوى ما أشرت إليه في المقدمة - ليكون نموذجا للغة ذلك العصر يبحثه المختصون في دراسة هذه الناحية. كما أن فهرس المراجع المطبوع في آخر هذا الكتاب يقتصر على بيان أسماء المراجع الواردة في الحواشي التي توخيت في كتابتها الاختصار ليبقى لمتن الأصل المكان الأول بارزا في صفحات الكتاب. وإننى أقدم أخلص الشكر لحضرة الأستاذ الدكتور باول كاله الذى تفضل متطوعا وأرسل إلى نسخة من الصور الفوتوغرافية المأخوذة لنسخة الأصل، كما أشكر حضرات الذين تكرموا بمعاونتى في نشر هذا الكتاب، وأخص بالذكر منهم حضرة الأستاذ جاستون فييت الذي كان دائما إلى جانبى بمعلوماته الواسعة والقيمة.

стр. 3

ولا يسعنى سوى أن أشكر الجمعية الملكية للدراسات التاريخية ممثلة في حضرات أصحاب السعادة رئيسها ونائب رئيسها وأعضاء مجلس إدارتها الذين أتاحوا لهذا الكتاب أن ينشر بين مطبوعات الجمعية. محمد مصطفى

стр. 4

مقدمة كان محمد بن أحمد بن إياس الحنفي (١) - مؤلف بدائع الزهور في وقائع الدهور - شحيحا في ذكر الأخبار عن عائلته وعن نفسه، فلم يذكر منها سوى القليل من النتف المتواضعة، كتبها في بعض مناسبات مبعثرة في مواضع متفرقة من أجزاء كتابه الكبير هذا. فهو لم يترجم لأحد من أفراد عائلته ترجمة وافية، بل ولم يترجم لنفسه كما فعل غيره من المؤرخين في عصره. والغريب أن أحدا من هؤلاء المؤرخين، المعاصرين أو المتأخرين، لم يترجم لابن إياس بكثير أو قليل، ولم يذكر اسمه بخير أو شر. ويدل هذا القليل من النتف المتواضعة، التى كتبها ابن إياس عن عائلته، على أنه ينحدر من أصل مملوكي يرجع إلى النصف الأول من القرن الثامن الهجري، فقد كان «الأمير عز الدين أزدمر العمري (٢) الناصري المعروف بأبي _________ (١) هكذا كتب المؤلف اسمه بخطه في النسخ المعروفة من كتابه، ولكن بروكلمان أورد الاسم كما يلى: «أبو البركات محمد بن أحمد بن إياس زين (شهاب) الدين الناصري الجركسي الحنبلي» ولكننا لم نجد ما يبرر نسبته هذه إلى الحنابلة. انظر: Brockeimann، Gesch.d.arab.Litt.، II، ٢٧٥، Suppl.Bd.، II، ٤٠٥ وانظر ما كتب عن ابن إياس في المقدمة الألمانية للجزء الرابع من بدائع الزهور في وقائع الدهور والمقدمة العربية للجزء الخامس منه، والدكتور زيادة بك في كتاب المؤرخين في مصر في القرن الخامس عشر ص ٤٦ وما بعدها، وانظر: Hartmann، Das Tuebinger Fragment der Chronik des Ibn Tulun; Margoliouth، Lec- tures on Arabic Historians; Sobernheim، "Ibn Iyàs" in: E.I; Vollers، La chronique Egypt.d'Ibn Iyas. (٢) «العمري» نسبة إلى تاجر المماليك الخواجا عمر الذي جلبه هو وخشداشه أتابك العساكر الأمير شيخو العمري الناصري (وقد قتل الأخير سنة ٧٥٨ - ١٣٥٧ م) فاشتراهما منه السلطان الناصر محمد بن قلاون وإليه ترجع نسبة «الناصري»، ويتبين هذا من قول ابن إياس أن أزدمر العمري الناصري كان «خشداش شيخو من تاجر واحد، وكان أزدمر هذا يعرف بأبى ذقن، أقول وأزدمر هذا هو جد والد مؤلف هذا التاريخ وكان جد والده لأمه» - انظر مخطوط =

стр. 5

ذقن والشهير بالخازندار» - جد والدة (١) الشهابى أحمد والد المؤلف - من مماليك السلطان الناصر محمد بن قلاوون. ومن البديهي أن أزدمر العمري ترقى في عهد أستاذه الناصر محمد إلى الوظائف العالية وتدرج فيها حتى بلغ وظيفة أمير سلاح أيام السلطان الناصر حسن (٢). وفى عهد السلطان الأشرف شعبان ولى أزدمر نيابة طرابلس في سنة ٧٦٤ (١٣٦٣) بعد نيابة صفد (٣)، وولي أيضا نيابة حلب، حتى أعاده الأشرف إلى أمرة السلاح بالديار المصرية (٤) وأنعم عليه بتقدمة ألف فى سنة ٧٦٨ (١٣٦٦)، وبقى كذلك إلى أن قبض عليه فى صفر سنة ٧٦٩ (١٣٦٧) وأرسل إلى الشام ليسجن بالصبيبة (٥). وفى سنة ٧٧١ (١٣٦٩) أفرج عنه السلطان شعبان وأحضره إلى القاهرة ليوليه نيابة الشام، ولكنه مرض وتوفى في شهر ربيع الأول من هذه السنة، ويقول ابن إياس (٦) عنه أنه كان «أميرا جليلا معظما مبجلا وله أوقاف على الحرمين الشريفين وأنه لما كان نائب حلب أنشأ خانا بها يعرف بخان سراقب». _________ = فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٣٠ ب، وطبعة بولاق ج ١ ص ٢٠٢، ٢٢١. ولكن بعض مؤرخى ذلك العصر قد حرفوا فى نسبة «العمرى» فجعلها ابن حجر العسقلاني - فى الدرر الكامنة ص ٣٥٥ رقم ٨٨٢ - «المعزى» وهو خطأ واضح، كما جعلها أبو المحاسن - في النجوم الزاهرة ج ٥ ص ١٩٨، ٢٠٤، ٢٠٦، ٢٠٨، - «العزى» هذا مع أن أبا المحاسن يعرف أزدمر بنسبة «العمرى» التي أوردها فى إحدى النسخ الخطية - نفس المرجع ص ٢١١ في الحاشية. (١) نستخلص هذا من أن الشهابى أحمد والد ابن إياس توفى سنة ٩٠٨ وأنه عاش حوالى ٨٤ سنة أى أنه ولد حوالى سنة ٨٢٤ بعد وفاة أزدمر العمرى (في سنة ٧٧١) بنحو ٥٤ سنة.، ولما كان من غير المعقول أن تكون والدة الشهابى أحمد قد أنجبته وهى فى نحو الستين من عمرها، فإننا لذلك نستطيع أن نعتبرها حفيدة أزدمر العمرى لابنه أو لابنته. (٢) انظر مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٣٠ ب، وطبعة بولاق ج ١ ص ٢٠٢ و ٢٢١. (٣) مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٤٩ ب، وطبعة بولاق ج ١ ص ٢١٣، والنجوم الزاهرة ج ٥ ص ١٩١ و ١٩٣. (٤) مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٧٣ ب، وطبعة بولاق ج ١ ص ٢٢١، والنجوم الزاهرة ج ٥ ص ٣٠٦. (٥) طبعة بولاق ج ١ ص ٢٢٢، والنجوم الزاهرة ج ٥ ص ٢٠٨، ٢١١. (٦) مخطوط فاتح رقم ٤٢٠٠ ص ٧٩ آ، طبعة بولاق ج ١ ص ٢٢٥.

стр. 6

وكان جد المؤلف الأمير إياس الفخرى الظاهرى من جنيد أحد مماليك السلطان الظاهر برقوق، وترقى في عهد أستاذه هذا إلى أن ولى الدوادارية الثانية أيام ابنه السلطان الناصر فرج (١). ومن المرجح أن إياس الظاهرى قد توفى بعد سنة ٨٣٠ (١٤٢٧) (٢) ويقول المؤلف (٣) عن والده شهاب الدين أحمد بن إياس أنه كان من مشاهير أبناء الناس، كثير العشرة للأمراء وأرباب الدولة، وأنه بلغ من العمر نحو أربع وثمانين سنة، أنجب فيها خمسة وعشرين ولدا ما بين ذكور وإناث عاش منهم ثلاثة، المؤلف وأخت له وأخوه الجمالى يوسف الزرد كاش. وتوفى شهاب الدين أحمد بن إياس فى ١٣ من شعبان سنة ٩٠٨ (١٠ من فبراير سنة ١٥٠٣). ويذكر ابن إياس (٤) أخاه «على عادته» فى تواضع تام ودون أية مباهاة بما أظهره من خبرة واسعة ومعرفة ودراية بفنه - بين أخبار شهر ذي القعدة سنة ٩١٦ (فبراير سنة ١٥١١) - في حضرة السلطان الأشرف قانصوه الغورى عند ما طلع إليه الأمير أركماس من ولى الدين، الذي كان نائب الشام، وقدم إليه قطعة صلبة أهداها إليه بعض العربان وقال عنها إنها من الفولاذ وأنها صاعقة نزلت ببعض الجبال، ففرح السلطان بذلك وجمع السباكين الذين أجمعوا على صحة ذلك، فنظر إليها «بعض الزرد كاشية» فأنكر ذلك وقال هذه من الحجر الصلب، فلما سمع السلطان ذلك شق عليه ونزل إلى الميدان وجمع السباكين وحضر الأمير أركماس ووضعوا الحجر في النار ولكنه تفتت «فخجل الأمير أركماس من ذلك وانتصف عليه ذلك الزرد كاش وهو الجمالى يوسف أخو مؤلفه وعد ذلك من النوادر». _________ (١) ابن إياس (طبعة كاله ومصطفى) ج ٤ ص ٤٧ س ١٢. (٢) Wiet، Manhal Sàfi، p. ٨١، no. ٥٦٣. (٣) ج ٤ ص ٤٧. (٤) ج ٤ ص ٢٠٤.

стр. 7

كما يذكر المؤلف (١) صهرا له - لعله كان زوج أخته - يقال له قرقماس العلاى المصارع، وكان أمير آخور رابع وأحد الأمراء العشرات، قتل في معركة البيرة على نهر الفرات فى سنة ٨٧٧ (١٤٧٣) التي انتصر فيها العسكر المصرى بقيادة الأمير يشبك من مهدى على عسكر حسن بك الطويل (أوزون حسن) ويقول عنه «وهذا كان صهرنا وكان إنسانا حسنا دينا خيرا موصوفا بالفروسية والشجاعة علامة في الصراع». أما ما نعرفه عن محمد بن أحمد بن إياس الحنفى فإنه يتركز فيما كتبه هو عن نفسه، فيقول (٢) أنه ولد في ٦ من ربيع الآخر سنة ٨٥٢ (٨ من يونيو سنة ١٤٤٨) (٣). وأنه حج في سنة ٨٨٢ ورجع من الحج في المحرم سنة ٨٨٣ (١٤٧٨) ليدون ما قاساه الحجاج من «شدائد عظيمة من الغلاء وموت الجمال» وما رآه بنفسه من حوادث في مكة، ويؤكد ذلك بقوله «وأنا حججت تلك السنة وشاهدت هذه الوقائع» (٤). وكان لابن إياس إقطاع وافر يدر عليه دخلا كافيا جعله يستطيع أن يتوفر على الكتابة والتأليف فى التاريخ ونظم الشعر في مناسبات مختلفة. نعلم هذا مما _________ (١) ج ٣ ص ٨٣. (٢) طبعة بولاق ج ٢ ص ٣٠ - حيث يقول ابن إياس عن نفسه بين أخبار سنة ٨٥٢ «وفى هذه السنة كان مولدى وذلك فى يوم السبت سادس ربيع الآخر من السنة المذكورة، هكذا نقلته من خط والدى رحمة الله عليه». (٣) لا نستطيع تحديد تاريخ وفاة ابن إياس، ولكنه من المؤكد أنه بلغ من العمر أكثر من ٧٦ سنة وأنه توفى بعد سنة ٩٢٨ (١٥٢٢) لأن آخر تاريخ كتبه بخط يده هو «يوم الأربعاء سلخ ذي الحجة الحرام سنة ٩٢٨» ليؤرخ به الفراغ من من كتابة الجزء الحادي عشر من بدائع الزهور في وقائع الدهور) مخطوط فاتح رقم ٤١٩٩) الذي ينتهى فيه المتن في هذا التاريح أيضا. هذا ولم نعثر بعد على الجزء الثانى عشر الذي أعلن عنه ابن إياس والذى يجب أن يبدأ المتن فيه بذكر أخبار سنة ٩٢٩ مما يرجح أنه توفى قبل الانتهاء من كتابته أو أن مسودات هذا الجزء فقدت لسبب ما. (٤) ج ٣ ص ١٤٠.

стр. 8

كتبه (١) بمناسبة أن السلطان الغورى فى جمادى الآخرة سنة ٩١٤ (١٥٠٨). «شرع يخرج إقطاعات أولاد الناس من أجناد الحلقة وغير ذلك وصار ينعم بها على المماليك بمكاتبات فحصل للناس الضرر الشامل ولا سيما أولاد الناس الذين كان المماليك يهجمون عليهم في بيوتهم ويأخذون منهم مناشيرهم غصبا ويبهدلونهم بالضرب» ثم يقول ابن إياس عن نفسه «وأنا من جملة من وقع له ذلك وخرج إقطاعى لأربعة من المماليك» ونظم في ذلك هذين البيتين: يا مالك الملك يا من بالعباد ألطف … دبر عبيدك وأصلح دولة الأشرف كم من أقاطيع أخرجها وما أنصف … وأطغى المماليك ذا يهجم وذا يخطف «ولكن أعان الله تعالى» وأعيد إليه إقطاعه فى السنة التالية بعد أن وقف للسلطان بقصة فى الميدان الجديد الذي أنشأه بالقلعة، ويقول ابن إياس «وحصل لى منه (السلطان) غاية الجبر ونصرنى على المماليك الذين كانوا أخذوا إقطاعي، فعند ذلك امتدحته بهذه القصيدة وذكرت فيها أشياء كثيرة مما وقع له من المحاسن وقدمتها إليه على يد شخص من خواصه» ثم أورد قصيدة من ٣٥ بيتا مطلعها: بالأشرف الغورى المفدا … أصبح ثغر الزمان باسم يا قانصوه العلى قدرا … فقت على من مضى وقادم ويتبين مما تقدم أن ابن إياس كان يعتمد في معيشته على دخله من إقطاعه الوافر، الذي أمكن أن يقتسمه أربعة من المماليك، وأنه حزن لفقد هذا المورد الرئيسي، وأنه كان ينظم الشعر تارة لنقد أعمال السلطان وأخرى ليمدحه به، أي أنه كان حرا فى كتابته أمينا فى رسالته، لا تؤثر فيه عوامل الظروف أو المناسبات، صوفى النزعة، يحفظ الجميل ولا يحمل الضغينة لأحد أساء إليه بل يعترف بالحق ويشيد به. وهذا ما نلاحظه في كتابته عن جميع السلاطين الذين عاصرهم والذين توالوا على الحكم فى مصر مدة حياته، فإنه يسجل لهم «محاسنهم» كما يعد عليهم «مساوئهم» فبينما نراه يرثى (٢) السلطان الناصر محمد بن قايتباى _________ (١) ج ٤ ص ١٣٦، ١٥٠، ١٧٣. (٢) ج ٣ ص ٣٩٣، ٣٩٤.

стр. 9

بهذين البيتين من شعره: يا قبر لا تظلم عليه فطالما … جلى بطلعته دجى الإظلام طوبى لقبر قد حواه كيف لا … يحكى السماء وفيه بدر تمام نجده يقول عن هذا السلطان «وسار في المملكة أقبح سيرة … وليس له من المحاسن إلا القليل» وينظم فيه هذين البيتين: سلطاننا الناصر المفدى … أخباره نقلها صحيح بالجهل أضحى قبيح فعل … فلم يفد شكله المليح ويدل هذا على أن ابن إياس لم تكن له أية صلة رسمية بالبلاط السلطاني في أى وقت من الأوقات (١)، وأنه لم يكن من المقربين لأحد من السلاطين يحظى بمقابلته والتحدث إليه (٢) فيؤثر هذا في شخصيته الحرة وما هو معروف به من الروية والتبصر والاتزان في أحكامه ونقده. وعلى ذكر نظم ابن إياس للشعر - وهي ظاهرة كانت شائعة بين مؤرخي ذلك العصر (٣) - نلاحظ أن أول أبيات من نظمه ذكرها في تاريخه «بدائع الزهور» كانت بمناسبة قدوم الأمير جم (الجمجمة) بن عثمان إلى مصر في شهر شعبان سنة ٨٨٦ (١٤٨١) فقال (٤) «فى المعنى» يمدح السلطان الأشرف قايتباي: _________ (١) وهذا ينفي أن ابن إياس تقلد وظيفة مؤرخ الدولة في الحكومة المملوكية (Historiographer) أو أنه كتب تاريخه على نمط مؤرخي الدولة أو بأسلوبهم - انظر: الدكتور زيادة بك، المؤرخون في مصر ص ٥٠؛ Margoliouth، Lectures، p. ١٥٩; Brockelmann، Suppl.Bd.II، ٤٠٥ . (٢) تقلد بعض المؤرخين المعاصرين لابن إياس وظائف في البلاط السلطاني أتاحت لهم مقابلة السلطان والتحدث إليه، وإننا نذكر هنا على سبيل المثال ما رواه أبو المحاسن يوسف بن تغري بردي في كتابه حوادث الدهور (ص ٤٧٤ - ٤٧٦) عن تجربة مدفع جديد أجريت أمام السلطان الظاهر خشقدم يوم الثلاثاء ١٤ من شوال سنة ٨٦٨ ويقول أبو المحاسن «وقد سألنى السلطان عن أمره ومسافة سقوط حجر المدفع فعرفته أني لم أحرره فسألنى أن أحرره في المرة الثالثة». وهذا يدل على صلة أبى المحاسن بالسلطان بحكم وظيفته. ولم يذكر ابن إياس أبدا أن أحدا من السلاطين تحدث إليه. (٣) الدكتور زيادة بك، المؤرخون في مصر ص ٨٤. (٤) ج ٣ ص ١٨٠.

стр. 10

يا أيها الملك الهمام ومن له … أسد الفلا تأتى إليه ملجمة قد فاق قدرك في الملوك تعاظما … مذ صح بين يديك نطق الجمجمة ثم بمناسبة وفاة كاتب السر أبى بكر بن مزهر في رمضان سنة ٨٩٣ (١٤٩٩) فرثاه بقصيدة منها (١). صارت مرامله كمثل أرامل … تبكى بأعينها دما وتترب وكذا الدواة تسودت أقلامها … حزنا عليه وأقسمت لا تكتب وبعد سنة ٩٠٢ (١٤٩٧) تتابع ذكره لأشعاره «في المعنى» للمديح أو التهنئة أو النقد أو الرثاء أو غير ذلك من مناسبات عامة وخاصة. والواضح من أشعاره هذه «أنه عاش فردا متتبعا عن كتب حوادث المجتمع الذي تقلب فيه، وليس ذلك بصفته مؤرخا معنيا بتدوين الحوادث والأخبار، بل لأنه كان رجلا حيا حساسا بما يجرى فى دولة بدت عليها مخايل الاحتضار والزوال» (٢) وقد كان نظم الشعر في عصر ابن إياس من مستلزمات الأدباء والمتأدبين دليلا على مبلغ ثقافتهم وتأدبهم. ويذكر ابن إياس أسماء الكثيرين من هؤلاء الأدباء والشعراء، أمثال النواجى وابن مبارك شاه وابن النبيه وابن الشاب التايب والشهاب المنصورى وصفى الدين الحلى وبدر الدين الزيتونى والناصري محمد بن قانصوه وابن الحجار والأشمونى وابن الطحان وغيرهم كثيرين. وكان هؤلاء الشعراء يتبارون في نظم الشعر في المناسبات العامة - روى ابن إياس (٣) واقعة من هذا النوع بمناسبة أن الشاه إسمعيل الصوفى أرسل قاصدا إلى مصر فى سنة ٩١٧ (١٥١١) وعلى يده رسالة يتهكم فيها على السلطان الغورى لاشتغاله بغرس الأشجار والرياحين فى الميدان الجديد الذي أنشأه بالقلعة ويهدد فيها أهل مصر بهذين البيتين: _________ (١) ج ٣ ص ٢٤٩. (٢) الدكتور زيادة بك، ص ٥٠ - ٥١. (٣) ج ٤ ص ٢٢١ - ٢٢٧.

стр. 11

والسيف والخنجر ريحاننا … أف على النرجس والآس مدامنا من دم أعدائنا … وكأسنا جمجمة الراس فانبرى «جماعة كثيرة من فضلاء العصر فوق المائتى إنسان» يتبارون فى نظم الرد على هذين البيتين، «وقيل إن السلطان لم يعجبه شيء من هذه الأجوبة التى أجاب بها الشعراء وإنما أعجبه قول صفى الدين الحلى»: ولى فرس للخير بالخير ملجم … ولي فرس للشر بالشر مسرج فمن رام تقويمي فإنى مقوم … ومن رام تعويجى فإنى معوج والواقع أننا نجد فى كتب مؤرخى ذلك العصر نماذج كثيرة من أشعار هؤلاء الأدباء تحتاج إلى عناية خاصة بدراستها لنتعرف على هذه الحلقة الغامضة من تاريخ الأدب العربي فى مصر. ويذكر ابن إياس من معاصريه، غير هؤلاء الأدباء والشعراء، الكثيرين من الكتاب والمؤرخين الذين عرفهم وترجم لهم فى كتابه «بدائع الزهور» مثل: خليل بن شاهين الصفوى والعينى وأبى المحاسن وابن الصيرفي والسخاوى وابن الطولوني. كما يذكر من شيوخه جلال الدين السيوطى وعبد الباسط بن خليل يستشهد بأقوالهما وأشعارهما ويذكرهما فى كثير من الاحترام والتقدير وعرفان الجميل. أما فى الأجزاء الغير معاصرة من كتابه فإنه يقول (١) «وقد طالعت على هذا التاريخ كتبا شتى نحو سبعة وثلاثين تاريخا حتى استقام لى ما أريد». ثم ذكر الكثير من أسماء من نقل عنهم من الأولين أمثال: ابن عبد الحكم والكندى وابن وصيف شاه والقضاعي وأبي شامة والمسعودى والذهبي والواقدي والصولى وابن زولاق وابن الداية والحاحظ وابن خلكان وابن عساكر والمسبحي وابن الأثير وابن الجوزى والثعلبي، ثم المقريزى وابن حجر العسقلاني وابن فضل الله العمري وغيرهم من أبناء الجيل السابق لعصره. _________ (١) مخطوط فاتح رقم ٤١٩٧ ص ١ ب.

стр. 12

وكتب ابن إياس عدة مؤلفات (١) نعرف منها: كتاب نشق الأزهار في عجائب الأقطار؛ وهو كتاب فى الفلك والهيئة وتركيب الكون وآثار مصر الفرعونية وملوكها - وكتاب نزهة الأمم فى عجائب الحكم، ويبحث في تاريخ العالم - وكتاب منتظم بدع الدنيا وتاريخ الأمم، ويتناول تاريخ الدنيا إلى عصر الخليفة المكتفى - وكتاب عجائب السلوك، وهو ملخص لبدائع الزهور - وكتاب عقود الجمان في وقائع الأزمان، وهو ملخص مستقل في تاريخ مصر يوجد منه مخطوط الجزء الثانى فى مكتبة أيا صوفيا باستانبول رقم ٣٣١١ بخط المؤلف وأتم كتابته يوم الجمعة ١٧ من ربيع الأول سنة ٩٠٥، وهذه النسخة تشمل تاريخ مصر من سنة ٦٥٤ إلى سنة ٩٠٤، ولا علاقة لهذا الكتاب الأخير بكتاب بدائع الزهور أو بمؤلفات ابن إياس الأخرى. ويشير ابن إياس (٢) إلى كتاب من مؤلفاته ويرمز إليه بكلمة «التاريخ» وذلك بمناسبة ذكره لحوادث خلع السلطان الظاهر تمر بغا فيصف كيف أن المماليك نزلوا من الطباق ونهبوا الحواصل السلطانية وانتهكوا حرمة دور الحرم، ويقول «وهذا أمر مشهور ولو لم نذكره في التاريخ». وقد تعودنا أن نقرأ مثل هذه الإشارة إلى مؤلفات أخرى في كتب المؤرخين المعاصرين لأبن إياس، فنجد أبا المحاسن مثلا يقول في النجوم الزاهرة (٣) «وقد ذكرنا أمره فى تاريخنا الحوادث مفصلا» أو «وقد سقنا حكايته بتطويل في تاريخنا الحوادث» أى أنه يترك ذكر التفاصيل لكتابه حوادث الدهور. فهل نفهم من هذا أن ابن إياس كتب «تاريخا» آخر أوسع من «بدائع الزهور في وقائع الدهور»! وأنه اعتاد أن يترك التوسع في ذكر التفاصيل لهذا _________ (١) انظر الدكتور زيادة بك - المؤرخون في مصر - ص ٥٣، Brockelmann، Suppl.Bd.، II، ٤٠٥' (٢) هنا فيما بعد ص ٢٠٢ س ١٢. (٣) انظر النجوم الزاهرة ج ٧ ص ٤٣٨، ٤٤٥، ٥٠٦، ٦٨٩، ٦٩٤، ٧٠٢، ٧٢٠، ٧٣٠، ٧٤٥، ٨٠٠، ٨١٣ - أو إشارة أبي المحاسن لكتابه «المنهل الصافي» في النجوم الزاهرة ج ٧ ص ٧٩٩.

стр. 13

«التاريخ» كما كان يفعل أبو المحاسن! وأن عدم ذكره تفاصيل هذه الحادثة في «التاريخ» إنما كان لفداحة أمرها من الناحية الخلقية، ولأنه أسف لانتهاك المماليك حرمة دور الحرم السلطانى، فأثبت ذلك هنا وأشار إليه! ولعلنا نعثر على نسخة من مخطوط هذا «التاريخ» يوما ما، فنعرف كنه مادته ومحتوياته. على أننا نعرف ابن إياس بكتابه الأول «بدائع الزهور في وقائع الدهور» الذي كتبه على طريقة الحوليات الشائعة بين مؤرخى ذلك العصر، فكان يدون الحوادث شهرا بعد شهر فى الأجزاء الغير معاصرة من كتابه، ثم يوما بعد يوم في الأجزاء الأخيرة منه. ووصف فيه أحوال مصر الداخلية إبان الفترة الأخيرة من الدولة المملوكية، دون أى تمييز لناحية خاصة منها، سواء عنده أن يكتب عن ولاية الحكام والخلفاء ووفاتهم أو خلعهم وما يصحب ذلك من ثورات داخلية وطغيان المماليك، أو عن النظم الإدارية والحربية وما بقى منها من القديم وما تجدد وما ألغى منها أو عدل، أو أن يكتب عن الحياة العامة والحالة الاجتماعية والأعياد والمواسم والحفلات الشعبية ومواكب الخلفاء السلاطين واستقبال سفراء الدول الأخرى وما يرتبط بذلك من خلع وهدايا ورسائل، أو الحالة الاقتصادية وأسعار المحاصيل والمسكوكات من الذهب والفضة والنحاس، أو ما ابتليت به البلاد من أوبئة وأمراض وتعداد من توفى أثناء مثل هذه الفصول، أو الأرصاد الجوية من خسوف القمر وكسوف الشمس وثورة العواصف وسقوط الأمطار والبرد والثلج، أو مناسيب النيل فى زمن الفيضان والتحاريق، أو ما أنشئ من مبان وعمائر ومساجد وربوع وقباب ومدافن، أو أخبار العلماء والأدباء والشعراء والأعيان وتراجم من توفى منهم يوردها فى حينها وفى مكانها بين كل تلك الأخبار يكتب عن كل هذا باختصار وعزوف عن الإطالة والإطناب، ولكن بما يدل على دقة ملاحظته وشدة استقصائه للحقائق وصرامته في الحكم على الناس دون محاباة أو تملق. وقد كان ابن إياس على صلة طيبة بالكثيرين من أعيان الدولة وكتاب السر وخواص السلطان وكان أخوه الجمالى يوسف زرد كاشا بالقلعة،

стр. 14

أى أنه كان يستقى أخبار الحوادث - التي لا يراها بنفسه - من مصادر يوثق بها. وإذا شك فى خبر أو تاريخ ذكر ذلك، مثل قوله (هنا ص ٨٢ س ٢) «وفيه توفى، أو فى الشهر الذي قبله» أو أن يستدرك نفسه، فى قوله (ص ١٤٧ س ١٤ و ١٥) «وقد تقدم القول على ذلك ولكن وقع السهو منى عن إيراده في محله بما تقدم». وكتب المؤلف في مقدمة الجزء الرابع من كتابه (مخطوط فاتح رقم ٤١٩٧) يفسر الغرض من تأليفه له ويقول (فى صفحتى ١ ب و ٢ أ): «الحمد لله الذى فاوت بين العباد، وفضل بعض خلق على بعض حتى في الأمكنة والبلاد، والصلاة والسلام على سيدنا أفصح من نطق بالضاد، وعلى آله وصحبه السادة الأمجاد، وفقنا الله لما يحبه ويرضاه، وجعلنا ممن يحمد قصده على دفع قضاه، وبعد فهذا جزء من كتابنا المؤلف فى التاريخ الموسوم ببدائع الزهور في وقائع الدهور، وقد أوردت فيه فوائد سنية، وغرائب مستعذبة مرضية تصلح لمسامرة الجليس، وتكون للمنفرد كالأنيس، وقد طالعت على هذا التاريخ كتبا شتى نحو سبعة وثلثين تاريخا حتى استقام لى ما أريد، وجاء بحمد الله كالدر النضيد، وفيه أقول: طالع كتابي إن أردت مخبرا … عن مبتدأ خبر الدهور بما جرى فتراه كالمرآة تنظر فعلما … أبدا الزمان عجائبا بين الورى «وقد توخيت فيه أخبار مصر وأوردت ذلك شيئا فشيئا على الترتيب قاصدا فيه الاختصار، فجاء بحمد الله ليس بالطويل الممل، ولا بالقصير المحل، وذكرت فيه ما وقع فى القرآن العظيم من الآيات المكرمة فى أخبار مصر كناية أو تصريحا (٢٢) وما ورد فيها من الأحاديث الشريفة النبوية في ذكرها، وما خصت به من الفضائل، وما فيها من المحاسن دون غيرها من البلاد، وما اشتملت عليه من عجائب وغرائب ووقائع وغير ذلك، ومن نزلها من أولاد آدم ونوح ﵉، ومن دخلها من الأنبياء ﵈، ومن ملكها من

стр. 15

مبتدأ الزمان من الجبابرة والعمالقة واليونان والفراعنة والقبط وغير ذلك، ومن وليها في صدر الإسلام من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين، ومن وليها من طائفة الأخشيدية والفاطميين العبيدية، ومن وليها من بنى أيوب وهم الأكراد، ومن وليها من ملوك الترك والجراكسة إلى وقتنا هذا وهو افتتاح عام إحدى وتسعمائة، ومن كان بها من الحكماء والعلماء والفقهاء والمحدثين والقراء، ومن كان بها من الصلحاء والزهاد، ومن كان بها من الشعراء وغير ذلك من أعيان الناس، وقد بينت ذلك في تراجمهم من مبتدأ خبرهم وذكر أنسابهم ومدة حياتهم إلى حين وفاتهم، حسبما يأتى ذكر ذلك في مواضعه على التوالى من الشهور والأعوام». هذا ولم نعثر على نسخ الأجزاء الثلاثة الأولى من بدائع الزهور في وقائع الدهور، ويظهر أن ابن إياس لم يكتبها إطلاقا، وحتى إذا كان قد كتبها فإننا لا نستطيع أن نتصور مادتها، هل هى تاريخ مصر قبل الإسلام! وهو ما تكلم عنه بإيجاز في بداية الجزء الرابع وقد رأينا أنه أشار إلى ذلك أيضا في مقدمته له، أم هى ذكر بدء الخليقة وعجائب المخلوقات وقصص الأنبياء وما يشبه ذلك! ولكن هذا كله لا يملأ ثلاثة أجزاء من حجم أجزاء الكتاب. أو أن ابن إياس ربما كان قد تخيل موضوع هذه الأجزاء الثلاثة الأولى، عند كتابة مقدمته للجزء الرابع، على أمل أن يكتبها بعد الفراغ من تحرير هذا الجزء. والواقع أنه كان واسع الخيال في مضمون هذه المقدمة ولم يقدر ما لديه من مسودات وما فيها من بيانات، بل ولم يفكر عند كتابتها فيما سوف يتضمن هذا الجزء الرابع من محتويات، أو فيما سيكون عليه حجمه، أو في عدد أجزاء الكتاب التالية لهذا الجزء، إذ نراه يقول فى مقدمته «وذكرت فيه (الجزء الرابع) أخبار مصر ومن وليها من ملوك الترك والجراكسة إلى وقتنا هذا وهو افتتاح عام إحدى وتسعمائة» أى أنه كان يتصور أن هذا الجزء سوف يشمل تاريخ كل هذه السنين حتى سنة ٩٠١، ثم تبين له أثناء الكتابة بعد ذلك ما بلغته ضخامة حجمه فتوقف فى الجزء الرابع عند أخبار سنة ٧٤١ (١٣٤١)، وتلاه بأجزاء أخرى أورد بين محتويات الجزء التاسع منها أخبار سنة ٩٠١ هذه.

стр. 16

وقد كان أمل المؤلف أن يخرج كتابه هذا فى اثني عشر جزءا، انتهى الجزء الحادى عشر منها بأخبار سنة ٩٢٨ إلى آخر يوم منها، وكان ابن إياس إذ ذاك في السابعة والسبعين من عمره. ولا ندرى هل عاجلته المنية قبل أن يبدأ في تحرير الجزء الثانى عشر، أو أنه بدأه وكتب قسما منه فقدت مسوداته ولم نعثر عليها. أما الأجزاء الأخرى لكتاب «بدائع الزهور فى وقائع الدهور» فإننا نعرف، منها الرابع والخامس والثامن والحادى عشر، وهي التي كتبها المؤلف بخطه، والجزءين التاسع والعاشر. المنقولين طبق الأصل تقريبا من نسخة المؤلف، وقسم من الجزء السادس في مخطوط فينا الآتى ذكره (رقم ٧). ويوجد غير ذلك ٢٧ نسخة خطية لأجزاء مختلفة من هذا الكتاب، اختصر في بعضها متن الأصل إلى النصف أو إلى أقل من ذلك. وفيما يلى بيان هذه النسخ (١): ١ - ٤ أربعة نسخ بخط المؤلف، محفوظة فى مكتبة جامع الفاتح باستانبول، وأرقامها ٤١٩٧، ٤٢٠٠، ٤١٩٨، ٤١٩٩. مقاس الصفحة ١٩×٢٥ سم. وبكل صفحة ٢٣ سطرا. ١ - فاتح ٤١٩٧، الجزء الرابع من الكتاب، يتناول التاريخ إلى سنة ٧٤١، فرغ المؤلف من كتابته يوم الأحد ١٢ من المحرم سنة ٩٠١، وبه ٢٥٥ ورقة. وكتب المؤلف فى صفحة العنوان «الجزء الرابع من بدائع الزهور في وقائع الدهور تأليف كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى عامله الله بلطفه الخفى والمسلمين أجمعين آمين» وجاء في الصفحة الأخيرة (الحرد) «وكان الفراغ من هذه النسخة المباركة على يد كاتبها ومؤلفها فقير رحمة ربه محمد بن أحمد بن إياس الحنفى عامله الله بلطفه الخفى وذلك يوم الأحد ثانى عشر شهر الله المحرم _________ (١) سبق أن نشر بيان مفصل لهذا النسخ الخطية في المقدمة الألمانية للجزء الرابع من بدائع الزهور في وقائع الدهور، ثم ترجم بعض تفاصيل هذا البيان إلى العربية في مقدمة الجزء الخامس، لذلك فإنني أكتفى هنا بأن ألخص وصف هذه النسخ الخطية.

стр. 17

الحرام افتتاح سنة إحدى وتسعمائة من الهجرة النبوية … ». ٢ - فاتح ٤٢٠٠، الجزء الخامس، من سنة ٧٤٢ إلى سنة ٧٨٨، تمت كتابته يوم الإثنين ٢ من شوال سنة ٩٠١، وبه ٢٢١ ورقة. وكتب المؤلف فى صفحة العنوان «الجزء الخامس من بدائع الزهور في وقائع الدهور تأليف كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى … ». وفى الصفحة الأخيرة «وكان الفراغ من هذا الجزؤ المبارك على يد كاتبه ومؤلفه فقير رحمة ربه تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفى وذلك في يوم الإثنين ثانى شهر شوال من شهور سنة إحدى وتسعمائة من الهجرة النبوية … » ٣ - فاتح ٤١٩٨، الجزء الثامن، من سنة ٨٥٧ إلى سنة ٨٩٠، انتهى من كتابته يوم الأحد ٤ من ربيع الأول سنة ٩١٣، وبه ٢٣١ ورقة. وكتب المؤلف فى صفحة العنوان «الجزء الثامن من بدائع الزهور في وقائع الدهور تأليف كاتبه العبد الفقير إلى رحمة الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفي … » وبدأ الصفحة الأولى بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستعين، أقول: إذا نظرت لما ألفت فيه فقل … كم أول تارك علما لذى خلف يستخرج الدر قاريه اللبيب … كما يستخرج الغايص الدر من صدف «ذكر سلطنة الملك الأشرف أبى النصر سيف الدين أينال العلاى الظاهرى … ». وفى الصفحة الأخيرة «وكان الفراغ من كتابة هذه النسخة وتحريرها على يد كاتبها ومؤلفها العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفي وذلك في يوم الأحد رابع ربيع الأول سنة ثلاثة عشر وتسعمائة وأقول فيه:

стр. 18

وتاريخ يفرق كل هم … ويبعث كل بشر بعد غم إذا سرحت طرفي فيه يوما … رمى شيطان أحزاني بسهم» ٤ - فاتح ٤١٩٩، الجزء الحادى عشر، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨، فرغ من كتابته يوم الأربعاء سلخ ذى الحجة سنة ٩٢٨، وبه ٢٦٢ ورقة. وكتب المؤلف في صفحة العنوان «الجزء الحادي عشر من بدائع الزهور في وقائع الدهور تأليف كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفي» وفي الصفحة الأخيرة «يتلوه الجزء الثاني عشر من بدائع الأمور (كذا) في وقائع الدهور وكان الفراغ من هذا الجزؤ في يوم الأربعاء سلخ ذي الحجة الحرام سنة ثمان وعشرين وتسعمائة وذلك على يد كاتبه ومؤلفه فقير رحمة ربه تعالى محمد بن أحمد بن إياس الحنفي». ٥ - ٦ - نسختان منقولتان من الأصل: ٥ - باريس ١٨٢٤ بالمكتبة الأهلية (Arabe ٦٨٦)، الجزء التاسع، من سنة ٨٩١ إلى سنة ٩١٢، مؤرخة في ٢٨ من ربيع الأول سنة ١١٢٧ ونقلت من نسخة المؤلف التى فرغ من كتابتها يوم الاثنين ١٥ من المحرم سنة ٩١٤، وبها ١٦٧ ورقة، وفي كل صفحة ٢٩ سطرا. ٦ - لنينجراد بالمتحف الأسيوى، مخطوط Rosen رقم ٤٦، الجزء العاشر، من سنة ٩١٣ إلى سنة ٩٢١، مؤرخة في شهر رجب سنة ١١٢٧، ونقلت من نسخة المؤلف التى انتهى من كتابتها يوم الاثنين مستهل المحرم سنة ٩٢٢، وبها ٣٠٧ ورقة، وفى كل صفحة ٢٩ سطرا. وهذه النسخة مكتوبة بخط يخالف خط النسخة السابقة. ٧ - ٣٤ - نسخ أخرى لأجزاء الكتاب اختصر فيها متن الأصل: ٧ - فينا بالمكتبة الأهلية (٤٥٤= A.F. ٢٧٤: Fluegel ٩٢٣) من سنة ٧٨٥ إلى سنة ٨١٠، وبها ٢٠٧ ورقة. والظاهر أن هذه النسخة تؤلف

стр. 19

قسما من الجزء السادس للكتاب، ولكن اختصر فيها المتن حتى أخبار سنة ٨٠٠، ثم نسخ بتوسع فيما بعد ذلك أكثر منه في نسخة ليدن (رقم ١٥) والراجح أن الناسخ نقل هذا الجزء الأخير منها طبق الأصل تقريبا. ٨ - باريس ١٨٢٢ بالمكتبة الأهلية، (Ancien Fonds ٥٩٥ A)، وبها ٣٨٣ ورقة وتتألف من جزأين: الأول (ورقة ١ - ٢١٦، ٢٢٥ - ٢٣٠) من سنة ١ إلى سنة ٧٨٤، والثانى (ورقة ٢١٧ - ٢٢٤، ٢٣١ - ٢٨٣) من سنة ٧٨٥ إلى سنة ٨٥٧. ٩ - باريس ١٨٢٣ بالمكتبة الأهلية (Ancien Fonds ٥٩٥ B)، وبها ٣١٧ ورقة، منها الأوراق من ١ إلى ٨٤ آ تتناول تاريخ السنوات من ٨٥٧ إلى ٩٠٦ والأوراق من ٨٤ آ إلى ٣١٧ السنوات من ٩٢٢ إلى ٩٢٨. ١٠ - باريس ١٨٢٥ بالمكتبة الأهلية (Ancien Fonds ٦٨٩)، الجزء الحادى عشر، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨، وبها ٣٤٠ ورقة والأوراق الأولى منها ناقصة. ١١ - لندن بالمتحف البريطانى (Add. ٧٣٢٣)، من سنة ٧٨٤ إلى سنة ٨٥٧ وبها ٢٥٢ ورقة. ١٢ - لندن بالمتحف البريطانى (Add. ١٨٥١٤)، وبها ٣٨٧ ورقة، وهي من جزءين الأول يتناول التاريخ إلى سنة ٦٤٨ وثانى إلى سنة ٧٨٤. ١٣ - لندن بالمتحف البريطانى (Add. ١٨٥١٥)، من سنة ٧٨٤ إلى سنة ٩٠٦ وبها ٢٢٧ ورقة. ١٤ - لندن بالمتحف البريطانى (Add. ١٨٥١٦)، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨ وبها ٣٧٧ ورقة. ١٥ - ليدن (Warn; Dozy، Catal. ٨٣٢ = II ١٨٣ - ٣٦٧)، من سنة ٧٨٤ إلى سنة ٨٥٧، وبها ٢٥١ ورقة. ١٦ - روما بمكتبة الفاتيكان (Arabe ٨٦٩) من سنة ٨٧٤ إلى سنة ٩٠٦،

стр. 20

وبها ١٥٢ ورقة. ١٧ - نسخة الأستاذ Nicholson فى كامبردج (J.R.A.S.، ١٨٩٩، P. ٩٠٩) … من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨، وبها ٢٥٦ ورقة. ١٨ - استانبول، عاشر أفندى رقم ٢٣٢، من سنة ١ إلى سنة ٧٨١، وبها ٣٣٢ ورقة. ١٩ - استانبول، عاشر أفندى رقم ٢٣٥، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨. ٢٠ - استانبول بمكتبة جور لولى على باشا رقم ٣٤٧، من سنة ٦٧٨ إلى سنة ٨٢٥. ٢١ - استانبول بمكتية جور لولى على باشا رقم ٣٤٨، من سنة ٨٢٥ إلى سنة ٩٠٦. ٢٢ - استانبول بمكتبة جود لولى على باشا رقم ٣٤٩، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨. ٢٣ - استانبول بمكتبة داماد إبراهيم باشا رقم ٨٨٧، من سنة ١ إلى سنة ٨٦٥. ٢٤ - استانبول بمكتبة داماد إبراهيم باشا رقم ٨٨٨، من سنة ٨٦٥ إلى سنة ٩٠٦ ومن سنة ٩٢٢ إلى ٩٢٨. ٢٥ - القاهرة بدار الكتب المصرية (تاريخ رقم ٥٤٥) من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨، وبها ٣٠٦ ورقة. ٢٦ - القاهرة بمكتبة المرحوم أحمد تيمور باشا (تاريخ رقم ٩٢) من سنة ٨٢٤ إلى سنة ٩٠٦، ومن ٩٢٢ إلى ٩٢٨. ٢٧ - القاهرة بمكتبة المرحوم أحمد تيمور باشا (تاريخ رقم ٢٣٣٧) من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨. ٢٨ - القاهرة، كانت فى مكتبة سليمان أباظة باشا، من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨. ٢٩ - القاهرة، بمكتبة الجامع الأزهر، (وكانت قبل ذلك في مكتبة محمد راتب باشا) من سنة ٩٢٢ إلى سنة ٩٢٨. ٣٠ - القاهرة، بمكتبة على رفاعة، من سنة ٧٨٧ إلى سنة ٩٠٦. ٣١ - القاهرة - نسخة في ثلاثة مجلدات كانت فى مكتبة المرحوم على باشا مبارك. ٣٢ - القاهرة، بمكتبة الجمعية الخيرية الإسلامية (كانت أصلا بمكتبة

стр. 21

المرحوم الشيخ محمد عبده)، وهي في مجلدين. ٣٣ - القاهرة - نسخة في مجلدين كانت بمكتبة المرحوم رأفت بك. ٣٤ - بانكيبور بالهند (١٠٧٢، Oriental Public Library، no) من سنة ٨٥٧ إلى سنة ٩٠٦، وبها ٢٩٣ ورقة. ونستخلص من البيان السابق الترتيب الآتى لمخطوطات كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور» حسب تاريخ الفترات التي تتناولها كل من هذه النسخ، وأرقام المخطوطات المذكورة فيما يلى هى أرقامها المسلسلة المذكورة في البيان السابق: من سنة إلى سنة في مخطوط بخط المؤلف أو طبق الأصل منه في مخطوط اختصر فيه المتن ١ ٦٤٨ ١ ١٢ ١ ٧٤١ ١ - ١ ٧٨١ - ١٨ ١ ٧٨٤ - ٨ ١ ٨٦٥ - ٢٣ ٦٤٩ ٧٨٤ - ١٢ ٦٧٨ ٨٢٥ - ٢٠ ٧٤٢ ٧٨٨ ٢ - ٧٨٤ ٨٥٧ - ١٥ ٧٨٤ ٩٠٦ - ١٣ و ١٦ ٧٨٥ ٨١٠ - ٧ ٧٨٥ ٨٥٧ - ٨ و ١١ ٧٨٧ ٩٠٦ - ٣٠ ٨٢٤ ٩٠٦ - ٢٦ ٨٢٥ ٩٠٦ - ٢١ ٨٥٧ ٨٩٠ ٣ -

стр. 22

من سنة إلى سنة في مخطوط بخط المؤلف أو طبق الأصل منه في مخطوط اختصر فيه المتن ٨٥٧ ٩٠٦ - ٩ و ٣٤ ٨٦٥ ٩٠٦ - ٢٤ ٨٩١ ٩١٢ ٥ - ٩١٣ ٩٢١ ٦ - ٩٢٢ ٩٢٨ ٤ ٩ و ١٠ و ١٤ و ١٧ و ١٩ و ٢٢ و ٢٤ و ٢٥ و ٢٦ و ٢٧ و ٢٨ و ٢٩. بقى أن أذكر شيئا عن أسلوب ابن إياس ولغة كتابه، فإنه - مثل غيره من مؤرخى ذلك العصر، وعلى الأخص أبى المحاسن - كان يكتب بلغة سهلة بسيطة أقرب إلى العامية منها إلى الفصحى، وتزخر بمصطلحات دخيلة من الإيرانية والتركية واليونانية وغير ذلك من اللغات المجاورة، ولا سيما في كل ما له علاقة بالبلاط السلطانى والجيش والإدارة، وقد أوردت هذه المصطلحات في فهرس خاص بها. ونلاحظ أن ابن إياس في كتابته لا يعبأ كثيرا بقواعد الإملاء، فهو ينقط التاء المربوطة في آخر الكلمات مثل الخليفة والقلعة أو يهمل نقطها، وأحيانا يضع الهمزة اللينة فى أماكنها مثل نائب والمؤمنون وأحيانا يترك وضعها، أو يكتب تاء التأنيث المفتوحة عوضا عن المربوطة فى مثل زوجة القاضي أو نفقة البيعة يكتبها زوجت ونفقت، أو يستبدل حرف الدال بالذال كأن يقول حذرة البقر بدلا من حدرة البقر، أو يخلط بين الجمع والمفرد في مثل الذي والذين، أو المذكر والمؤنث في مثل التي والذى، أو الرفع والجر والنصب في كلمات «أخوه وأخيه وأخاه». وقد صححت هذه الهنات دون أن أشير إليها في الحواشي على اعتبار أنها

стр. 23

وقعت سهوا من المؤلف عند ما كان يتحمس لخبر يورده فيكتب كما ينطق لا كما يجب أن تكون عليه قواعد اللغة. والواقع أننى حاولت جهدى أن أحافظ على لغة الكتاب، فكان من أثر ذلك أننى تعودتها، وفاتنى أن أصحح بعض هذه الهنات في مثل قوله (هنا ص ١٥٠ س ٧) «في نظر حرمين القدس والخليل» أو (ص ١٥٣ س ١٤) «أحد مقدمين الألوف» كما فاتتنى بعض أغلاط مطبعية ما كان لمصحح المطبعة تداركها لأن الصواب فيها مرهونة معرفته بالبحث العلمي وقد أشرت إليها في الاستدراك. أما في غير ذلك فإننى تركت لغة الكتاب وما فيها من كلمات وقواعد عامية كما هي دون أي تغيير فيها أو تصحيح، لتكون نموذجا يبحثه المعنيون بهذه الناحية فلم أغير مثلا قوله (هنا ص ١٣٧ س ٧) «فمن وجده بيسكر» أو قوله (ص ١٨٢ س ٣ و ٤) «وكان الأمير تمر بغا بيمهد لنفسه فقصد سلطنة يلباي حتى يشيله من قدامه ويتسلطن من بعده». بل إنى تجاوزت أحيانا عن بعض غلطات الإملاء في سبيل المحافظة على لغة الكتاب فى مثل قوله (ص ٤٥ س ١٠ - ١٣) «وفى رجب طفش جماعة من فرسان العرب ركاب خيول وشرعوا يعرون الناس وكان ذلك وقت القايلة فخطفوا عمائم الفقهاء وسلبوا قماش الناس من عليهم وكانت هذه أباحة صعدت من ذلك العربان». وإننى أرجو القارئ أيضا أن يتجاوز عن أمثال هذه الهنات والعبارات، وسوف يرى أن الكثير من كلمات اللغة العامية وقواعدها في وقتنا الحاضر ترجع إلى عصر ابن إياس وربما إلى ما قبل ذلك، مثال ذلك استعمال الباء في أول الفعل المضارع كما في قوله «بيسكر» أو «بيمهد». محمد مصطفى حلوان في ١٤ من أغسطس سنة ١٩٥١

стр. 24

ذكر سلطنة الملك الأشرف أبي النصر سيف الدين أينال العلاى الظاهرى برقوق الناصري فرج وهو السادس والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الثانى عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم فى العدد، بويع بالسلطنة بعد خلع الملك المنصور عثمان بن الملك الظاهر جقمق، وذلك فى يوم الاثنين ثامن ربيع الأول سنة سبع وخمسين وثمانمائة، وتلقب بالملك الأشرف. وقد تقدم أن جماعة من الأشرفية (١) والمؤيدية (٢) والمماليك السيفية (٣) لما أن وثبوا على الملك المنصور توجهوا إلى بيت الأتابكى أينال (٤) وأركبوه غصبا وأتوا به إلى بيت قوصون الذى عند حدرة البقر (٥)، فجلس به وأرسل خلف أمير المؤمنين حمزة (٦)، فلما حضر قام فى سلطنة الأتابكي أينال غاية القيام، وخلع الملك المنصور من السلطنة قبل أن ينكسر، وبايع الأتابكي أينال ونودى باسمه فى القاهرة، واستمر الحرب ثائرا بينهما مدة (٧) سبعة أيام.

стр. 25

وقتل في هذه المدة من الناس ما لا يحصى وآخر الأمر انكسر الملك المنصور وملك أينال باب السلسلة، فلما استقر بباب السلسلة بعث جماعة من الأشرفية قبضوا على الملك المنصور وقيدوه وأدخلوه البحرة (١)، وقبضوا على جماعة من الأمراء الظاهرية، فبات ليلة الاثنين في باب السلسلة. فلما كان يوم الاثنين أحضر إليه شعار الملك وأفيض عليه، وقدمت إليه فرس النوبة فركب من سلم الحراقة، وحمل القبة والطير على رأسه ولده المقر الشهابي أحمد (٢)، ومشت قدامه الأمراء حتى طلع من باب سر القصر الكبير، وجلس على سرير الملك، وباس له الأمراء الأرض، ودقت له البشائر بالقلعة، ونودى باسمه فى القاهرة، وارتفعت له الأصوات بالدعاء من الخاص والعام. أقول: وكان أصل الملك الأشرف أينال (٣) جركسي الجنس، جلبه الخواجا علاى الدين على فاشتراه منه الملك الظاهر برقوق (٤)، وصار من جملة كتابيات (٥) السلطان، فلما توفى الملك الظاهر برقوق وتولى ابنه الملك الناصر فرج فأعتقه وأخرج له خيلا وقماشا وبقى جمدارا، ثم

стр. 26

بقى خاصكيا، ثم بقى أمير عشرة (١) في دولة الملك المظفر أحمد بن المؤيد شيخ، ثم بقى أمير طبلخاناه (٢) رأس نوبة ثاني في دولة الملك الأشرف برسباي، ثم بقى نائب غزة (٣)، وسافر مع الأشرف برسباى لما توجه إلى آمد فجعله نائب الرها وذلك في سنة ست وثلاثين وثمانمائة، ثم أحضره الأشرف برسباى إلى القاهرة وأنعم عليه بتقدمة ألف واستمرت نيابة الرها بيده زيادة على التقدمة، ثم نقله الأشرف إلى نيابة صفد وخرج إليها في سنة أربعين وثمانمائة، واستمر بصفد إلى دولة الملك الظاهر جقمق فبعث خلفه، فلما حضر قرره فى تقدمة تغرى بردى المؤذى لما توفى وصار دوا دارا كبيرا بمصر عوضا عن تغرى بردى الموذى، فلما توفى الأتابكى يشبك السودونى قرر فى الأتابكية عوضا عن يشبك السودونى وذلك في سنة تسع وأربعين وثمانمائة، واستمر على ذلك حتى توفى الظاهر جقمق وتولى ابنه الملك المنصور عثمان فوثبوا عليه العسكر وتوجهوا إلى بيت الأتابكى أينال فأركبوه غصبا، وأقام الحرب ثائرا بين الفريقين سبعة أيام، فلما انكسر المنصور وقع الاتفاق على سلطنته فسلطنوه وتلقب بالملك الأشرف (٤). فلما تم أمره في السلطنة وجلس على سرير الملك أخذ في تدبير أمره وإصلاح شأنه، ثم أنه عين الأتابكية لولده المقر الشهابي أحمد فعز ذلك على الأمراء فقرر فيها تانى بك البردبكي فأخلع عليه وأقره في الأتابكية عوضا عن نفسه، وأنعم على ولده الشهابي أحمد بتقدمة ألف. ثم عمل الموكب وأخلع على الأمير خشقدم وقرر فى أمرة السلاح عوضا عن تنم من عبد الرزاق، وأخلع على طوخ بونى بازق (٥) وقرر أمير مجلس،

стр. 27

وأخلع على قرقماس الجلب وقرر رأس نوبة النوب عوضا عن أسنبغا الطيارى، وأخلع على جر باش كرت وقرر أمير آخور كبير عوضا عن قاني باى الجركسي، وأخلع على يونس الأقباي المؤيدي وقرر في الدوادارية الكبرى عوضا عن تمر بغا الظاهري، وأخلع على جانى بك القرماني (١) وقرر حاجب الحجاب عوضا عن خشقدم الناصري، وأخلع على تمراز الأينالي الأشرفي وقرر في الدوادارية الثانية عوضا عن أسنباي، وأخلع على جاني بك القجماسي الأشرفي وقرر في شادية الشراب خاناه عوضا عن لاجين الظاهري، وأخلع على خاير بك الأشقر وقرر أمير آخور ثاني، وأخلع على جاني بك نائب جدة واستمر متحدثا في الاستادارية، وأخلع على قاني باى الأعمش وقرر في نيابة القلعة، وأخلع على يونس العلاى وقرر في نيابة الاسكندرية، وأخلع على يشبك الناصري وقرر رأس نوبة ثاني. وأنعم على جماعة من الأمراء بتقادم ألوف منهم أزنبغا اليونسى و برسباي البجاسي (٢) وغير ذلك من الأمراء. ثم أنعم بأمريات طبلخانات وعشرات على جماعة كثيرة من الأمراء منهم جاني بك الظريف وقرر في الخازندارية الكبرى عوضا عن أزبك من ططخ، وأنعم على برد بك زوج ابنته بأمرة عشرة، وقرر يشبك الأشقر فى استادارية الصحبة عوضا عن سنقر أحد الأمراء الظاهرية. ثم أنه شرع في إرسال الملك المنصور إلى ثغر الإسكندرية (٣) فنزل به من باب الدرفيل وهو مقيد فتوجهوا به إلى البحر وأنزلوه في الحراقة وتوجهوا به إلى الاسكندرية فسجن بها وكان المتسفر عليه خاير بك الأشقر أمير آخور ثانى فسجنه ورجع. ثم أنزل بمن قبض عليه من الأمراء وهم

стр. 28

تنم من عبد الرزاق أمير سلاح وقانى باى الجركسي أمير آخور كبير وتمر بغا دوادار كبير ولاجين شاد الشراب خاناه وأزبك من ططخ خازندار كبير وسنقر العايق وجانم الساقى وجانى بك البواب وسودون الأفرم فتوجهوا بالجميع إلى ثغر الاسكندرية فسجنوا بها وهم في قيود حديد. وفى هذا الشهر أعنى ربيع الأول فيه (١) ابتدأ السلطان بتفرقة نفقة البيعة على الجند وكانت قد ضربت قبل ذلك وهي الدنانير المناصرة (٢) تنقص عن وزن الأشرفي قيراطين ذهب وكان القائم في ذلك ناظر الخاص وسف (٣) فلما تسلطن أينال ضربت باسمه ونفقها على الجند، وجلس السلطان للتفرقة على الجند فنفق على جماعة من الجند مائة دينار (٤) وعلى جماعة منهم نصف ذلك وعلى جماعة آخرين ربع ذلك وعلى آخرين عشرة دنانير، وهو أول من شح فى نفقة البيعة وميز الجند بعضا على بعض فكلمه بعض الأمراء في ذلك فأجاب بأن الأمير تمر بغا الدوادار رتب ذلك في قوائم في دولة المنصور وقد صرفوا ذلك على هذا الحكم فما بقى يمكن الزيادة على ذلك والخزائن مشحوتة من المال، وهذا القدر ما تحصل إلا من المصادرات من ناظر الخاص يوسف وزين الدين الاستادار وغير ذلك من المباشرين، وهذا أول تصرفات الأشرف أينال فى أحوال أمور المملكة بالولاية والعزل. وفى هذا الشهر توفى ممجق اليشبكي الخاصكى أحد معلمي الرمح وكان ترشح أمره إلى نيابة القلعة بمصر وكان شجاعا مقداما في الحرب جرح في هذه الوقعة واستمر ملازما الفراش حتى مات. وتوفى الشيخ على الرفاعى شيخ مدرسة الأشرف برسباي التي بالصحراء. وتوفى القاضي

стр. 29

شمس الدين الأبح كاتب الماليك. وتوفى (١) الأمير أزنبغا اليونسي الناصري الذي قرر في تقدمة ألف. وتوفى (٢) جاني بك الوالى الزردكاش الكبير (٣) وكان من مماليك يشبك الحكمى، فلما مات أخلع السلطان (٤) على نوكار من بابا الحاجب الثانى وقرر في الزرد كاشية الكبرى عوضا عن جاني بك الوالى، وقرر فى الحجوبية الثانية سمام الحسبى. وقد قرر السلطان جماعة كثيرة من الأشرفية البرسبيهية في عدة وظائف سنية، وقرر منهم جماعة كثيرة رؤوس نوب حتى بلغ عدتهم في هذه الأيام فوق الخمسة وعشرين أميرا رأس نوبة، وقرر عدة دوادارية فوق العشرة، وعدة سقاة وبوابين (٥)، وفرق عليهم الإقطاعات على غالب الماليك الأشرفية، وقبض على جماعة كثيرة من المماليك الظاهرية وفي منهم أعيانهم إلى البلاد الشامية ونفى منهم جماعة إلى الوجه القبلى نحو قوص، فاستقامت أموره في السلطنة وثبتت قواعد دولته واستمر في السلطنة إلى أن مات على فراشه كما سياتى ذكر ذلك في موضعه. وفي ربيع الآخر (٦) قدم الأمير جانم الأشرفي الذي كان أمير آخور كبير ونفى إلى صفد، وحضر جانى بك قلق سير الأشرفي الذي كان نفي إلى طرابلس فحضر من غير إذن فأنعم عليه السلطان بأمرة عشرة. وفيه

стр. 30

حملت نفقات الأمراء إليهم على جارى العادة (١). وفيه (٢) رسم السلطان بتوسيط شخص من مماليك القاضي عبد الباسط يقال له بلبان فوسطه ومعه اثنان من أصحابه، وسبب ذلك أنهم كانوا يحضرون عندهم ببنات الخطأ فإذا باتوا عندهم يقتلونهم ويأخذون ما عليهم من القماش، ففعلوا ذلك غير ما مرة حتى غمز عليهم، فأشهر وهم فى القاهرة وقدامهم أقفاص فيها عظام الأموات التي كانوا يقتلونها من النساء وكان لهم يوم مشهود. وفيه (٣) قرر فى قضاء الشافعية بحلب القاضى تاج الدين عبد الوهاب، وصرف عنها الزهرى. وفيه (٤) عقد السلطان لولده المقر الشهابي أحمد على بنت الأمير دولات باى الدوادار. وفي جمادى الأولى توفى الشيخ سراج الدين عمر التبانى الحنفى وكان عارفا بفن علم الرمل له في ذلك يد طائلة وكان من خواص المؤيد شيخ وكان رئيسا حشما وله شهرة زائدة. وفيه (٥) قبض السلطان على قراجا الخازندار وكان من مقدمى الألوف فرسم بإخراجه إلى القدس بطالا (٦) ولم يكن له ذنب غير أنه أخذوا منه التقدمة وقرروا بها جانم الأشرفي. وفيه (٧) قرئ تقليد السلطان بالقصر على العادة وحضر الخليفة والقضاة الأربع، فلما انتهى المجلس أخلع على الخليفة والقضاة ونزلوا إلى بيوتهم.

стр. 31

وفى هذا الشهر (١) توفى قاضي القضاة الحنبلى بدر الدين عبد المنعم محمد ابن محمد بن عبد المنعم البغدادي، وكان عالما فاضلا معظما عند الناس وأرباب الدولة، وله حرمة وافرة، ومولده سنة إحدى وثمانمائة، وكان أعورا بإحدى عينيه، ولكنه كان من أعيان علماء الحنابلة من أهل الفضل، وقد قال فيه بعض الشعراء مداعبة: ورب أعمى قال فى مجلس … يا قوم ما أصعب فقد البصر أجابه الأعور من خلفه … عندي من دعواك نصف الخبر فلما مات أخلع السلطان (٢) على الشيخ عز الدين أحمد الكناني بن قاضي القضاة برهان الدين بن قاضي القضاة مجد الدين بن نصر الله وقرر في قضاء الحنابلة بمصر عوضا عن قاضي القضاة بدر الدين البغدادي بحكم وفاته. وفيه (٣) جاءت الأخبار بقتل سونجبغا اليونسي وتغرى بردى القلاوي، وسبب ذلك أن تغرى بردى القلاوى كان كاشف الوجه القبلى، وكان قرر فى الوزارة فى أواخر دولة الظاهر جقمق أخذ الوزارة عن أمين الدين بن الهيصم وكان فرج بن النحال ناظر الدولة يومئذ، وكان أصله من مماليك الظاهر جقمق، فتوجه سونجبغا بالقبض عليه فتخانقا وهما على الخيل فقتل كل منهما صاحبه بالخناجر فماتا معا في يوم واحد، وكان سونجبغا من مماليك الناصر فرج بن برقوق وكان من جملة الأمراء الطبلخانات وسافر أمير الحاج غير ما مرة وكان لا بأس به. - وفيه أنعم السلطان على يرشباى المؤيدى بإقطاع تغرى بردى القلاوى وقرر يلباى الأينالى في أمرة

стр. 32

سونجيغا - وفيه توفى الشيخ محب الدين أبو القاسم محمد النويري المالكي (١)، وكان من أعيان علماء المالكية، وكان ذكر للقضاء غير ما مرة ولم يتم ذلك، ومولده سنة إحدى وثمانمائة. - وفيه (٢) قرر في تقدمة المماليك الطواشي لولوا الرومى الأشرفى وصرف عنها مرجان العادلى - وفيه (٣) قرر في كشف الوجه القبلى قراجا العمرى عوضا عن القلاوى - وفيه (٤) توفى الشيخ عز الدين محمد التكرورى المالكي، وكان عالما فاضلا أديبا بارعا، وكان له خط جيد وشعر رقيق فمن ذلك قوله وأجاد: لما شغفت بناسخ ناديته … في ميم ثغرك تنشد الأشعار ناد فلام الحد، قلت محققا … ريحان خدك ما عليه غبار وكان مولده سنة أحد وتسعين وسبعمائة - وفيه (٥) قدم القاضي محب الدين بن الشحنة إلى القاهرة من غير طلب، فأراد السلطان أن يرده إلى ١٢ حلب فوعد بمال فأذن له بالدخول إلى مصر فدخل على كره من الجمالي ناظر الخاص يوسف - وفيه توفى الأمير قانصوه النوروز (٦)، وكان من أعيان الرماة بالنشاب مشهورا بالفروسية بين الأتراك. وفي جمادى الآخرة (٧) توفى الأمير دولات باي المحمودي المؤيدي أمير دوادار كبير كان، وكان أصله من مماليك المؤيد شيخ، وكان حج في

стр. 33

تلك السنة فلما عاد قبض عليه الملك المنصور وبعث به إلى السجن بثغر الإسكندرية، فلما تسلطن الأشرف أينال رسم بالإفراج عنه فحضر إلى القاهرة وقرر في تقدمة ألف فأقام مدة يسيرة وتوفى، وكان أميرا جليلا عارفا بأحوال المملكة سيوسا في أفعاله، ومات وله من العمر نحوا من ستين سنة، وكان منهمكا في ملاذ نفسه يميل إلى شرب الراح وحب الملاح، وهو والد سيدى عمر، وكان لا بأس به. - ولما مات قرر (١) في تقدمته خاير بك المؤيدى المعروف بالأجرود، وقرر قانى بك المحمودي في تقدمة ألف بدمشق وهي تقدمة قانصوه النوروزى. - وفيه (٢) خرجت تجريدة إلى البحيرة بسبب فساد العربان، وكان باش العسكر طوخ بونى بازق أمير مجلس. وفى رجب (٣) رسم السلطان بدوران المحمل ونودى في القاهرة بالزينة وكان له مدة وهو بطال فساقوا الرماحة تلك السنة، وكان جاني بك الظريف هو معلم الرماحة. - وفيه (٤) قرر القاضى زين الدين أبو بكر بن مزهر في نظر الاسطبل، وقرر القاضي محب الدين بن الشحنة باستمراره في قضاء حلب ورسم له بالتوجه إليها. - وفيه (٥) تزوج جانى بك الظريف ببنت الملك الظاهر جقمق وهي أخت زوجة الأمير أزبك من ططخ. - وفيه (٦) جاءت الأخبار بقتل قشم المحمودي الناصري كاشف

стр. 34

البحيرة قتلوه عربان البحيرة غدرا، فلما قتل قشم قرر عوضه في كشف البحيرة حسن الدكرى (١) - وفيه (٢) كان وفاء النيل المبارك وقد أوفى ثالث عشر مسرى فنزل لكسره المقر الشهابى أحمد بن السلطان، وكان له يوم مشهود، وهو أول فتحه للسد. وفى شعبان كانت وليمة عرس خوند فاطمة بنت السلطان على الأمير يونس البواب أمير دوادار كبير وكان مهما حافلا بالقلعة وأقام ثلاثة أيام متوالية (٣) ثم نزلت في محفة إلى دار زوجها وكانت ليلة حافلة عند نزولها من القلعة. وفيه (٤) جاءت الأخبار بوفاة نائب صفد بيغوث (٥) من صفر خجا المؤيدى المعروف بالأعرج، وكان أميرا جليلا ولى نيابة حماة ونيابة صفد ثم سجن ثم عاد إلى صفد ومات بها. وفيه (٦) ثارت فتنة كبيرة وركب الماليك وطلعوا إلى الرملة واضطربت الأحوال، وسبب ذلك أن الماليك طلبوا من السلطان نفقة البيعة وقالوا ان الذي قد نفقها السلطان إنما هي نفقة الملك المنصور ونحن نطلب منه نفقة ثانية، فبعث يعتذر إليهم بأن الخزائن خالية من الأموال، وهذه النفقة من المصادرات الجماعة من المباشرين، فسكنت الفتنة قليلا وكانت هذه تعلمة (٧) من المماليك السيفية. وفي رمضان (٨) جاءت الأخبار بوفاة جغنوس الناصري نائب بيروت.

стр. 35

وفيه (١) اختفى الصاحب أمين الدين بن الهيصم، فلما اختفى أخلع السلطان (٢) على سعد الدين فرج بن النحال كاتب الماليك، وقرر في الوزارة عوضا عن ابن الهيصم، وكان عين للوزارة ناظر الخاص يوسف فاستعفى من ذلك فقرر بها سعد الدين فرج، وقرر عوضه في كتابة المماليك ابن عمه عبد الرحمن. وفيه (٣) أخلع السلطان على إياس الطويل وقرر في نيابة صفد عوضا عن بيغوث الناصرى، وكان إياس الطويل أتابك العساكر بطرابلس وكان خشداش (٤) السلطان، وقرر في أتابكية طرابلس حطط الناصري وكان من العشرات بطرابلس، وقرر في أمرة حطط جاني بك المحمودي المؤيدى وكان منفيا بطرابلس. وفيه (٥) توفى القاضي عبد الكافي ابن الذهبي كاتب السر بدمشق، وكان من أعيان الدماشقة حسن الخط والعبارة. وفي شوال كان العيد يوم الجمعة وخطب فيه مرتين فلهج الكثير من الناس بزوال السلطان ولم يصح ذلك. وفيه (٦) قرر جاني بك في نيابة جدة على عادته. وفيه (٧) خرج الحاج من القاهرة وكان أمير ركب المحمل جاني بك الظريف، وأمير ركب الأول عبد العزيز بن محمد الصغير.

стр. 36

وكان لهما يوم مشهود. وفيه (١) اختفى زين الدين الأستادار، وكان الأشرف أينال لما استعفى منها جاني بك نائب جدة أخلع السلطان على زين الدين وولاه الاستادارية على كره منه، فلما اختفى أخلع السلطان على العلاى على بن محمد الأهناسي وكان برددارا بالمفرد (٢) عند زين الدين الأستادار ثم بقى أستادارا عند المقر الشهابي أحمد بن الملك الأشرف أينال، فلما غيب زين الدين سعى في الاستادارية الكبرى فأخلع عليه السلطان وولاه الاستادارية عوضا عن زين الدين وهذه أول عظمة العلاى على بن الأهناسي. وفيه (٣) وصل قاصد ملك الروم محمد ابن عثمان يخبر السلطان بفتح القسطنطينية العظمى وقد صنع المكائد في فتحها، وكان الفتح منها فى يوم الثلاثاء في العشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، فلما بلغ السلطان ذلك دقت البشائر بالقلعة ونودى فى القاهرة بالزينة، ثم إن السلطان عين يرشباى أمير آخور ثانى رسولا إلى ابن عثمان يهنئه بهذا الفتح العظيم فخرج يرشباى وتوجه إلى بلاد ابن عثمان (٤). وفي ذي القعدة (٥) لبس السلطان الصوف فى سادس هاتور القبطى وقد عجل السلطان بلبسه. وفيه (٦) أخلع السلطان على محب الدين بن

стр. 37

الشحنة وقرر فى كتابة السر بمصر وصرف عنها محب الدين بن الأشقر وهذه أول عظمة ابن الشحنة بمصر، وكان قرر فى قضاء الحنفية بحلب فتكاسل عن التوجه إلى حلب وسعى فى كتابة السر حتى قرر بها. - وفيه (١) خرج المقر الشهابي أحمد بن السلطان إلى الرماية وصحبته خشقدم أمير سلاح وبرسباي البجاسي، فلما عاد زينت له القاهرة وكان له يوم مشهود. - وفيه (٢) توفى الشيخ الصالح المعتقد سيدى درويش الرومى الأقصراى نزيل الخانكة، وكان من الصالحين وظهر له كرامات خارقة. - وفيه توفى القاضي ضياء الدين بن النفيسي الشافعى الحلبي كاتب السر بحلب وكان من أعيان الرؤساء بحلب. - وفيه (٣) قرر شمس الدين محمد بن أصيل في نظر الجوالى عوضا عن شرف الدين الأنصاري. - وفيه (٤) طلع شخص إلى السلطان وأخبره بأن فى زيادة جامع الحاكم صندوقا من البلور فيه أوراق تدل على خبية في الجامع من أعظم الخبايا، فأمر السلطان القاضي ناظر الخاص يوسف بأن يتوجه إلى هناك، فتوجه وحضر قاضي القضاة علم الدين البلقيني واجتمع الجم الغفير من الناس وحفروا ذلك المكان إلى أن كاد ينبع الماء من أرضه فلم يجدوا فيها شيئا وانفض ذلك الجمع من غير طائل ولم يظفروا بشيء مما قالوه. - وفيه (٥) قبض السلطان على المحتسب الشيخ على العجمي وصادره وقرر عليه مال، وأقام في الترسيم عند الزمام حتى

стр. 38

يورد المال، وقرر عوضه في الحسبة على بن أحمد الكاشف المعروف بابن أرم (١). وفى ذى الحجة (٢) قرر فى نيابة الإسكندرية جانى بك النوروزى نائب بعلبك عوضا عن يونس العلاى، وقدم يونس العلاى إلى القاهرة وقرر فى أمرة طبلخاناه. وفيه (٣) توفى خطط الناصرى وكان ولى نيابة غزة وأتابكية طرابلس وكان لا بأس به … . وفيه جاءت الأخبار بأن قد ظهر شخص يقال له محمد بن فلاح المشعشع (٤) وقد حصل منه غاية الفساد وقتل من الناس ما لا يحصى ونهب الركب العراقى، وقد أعيا أمره نائب الشام، فانزعج السلطان لهذا الخبر. - وفيه (٥) ظهر زين الدين الأستادار وطلع إلى القلعة وقابل السلطان فأمره بملازمة داره وأن لا يجتمع بأحد من الناس، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وثمانمائة فيها في المحرم (٦) قرر فى كتابة السر بدمشق الحافظ قطب الدين الخيضرى عوضا عن صلاح الدين بن السابق، وهذه أول ولاية الخيضرى ١٥ لهذه الوظيفة ثم بعد مدة جمع بين قضاء الشافعية بدمشق وكتابة سرها. - وفيه قرر آقبردى الظاهري الساقى فى أتابكية حلب عوضا عن على باى العجمي (٧)، وقرر في نيابة قلعة حلب عوضا عن آقبردي، قاسم بن

стр. 39

القشاشي (١). - وفيه (٢) وصل قاصد قان با الحمزاوى نائب حلب وعلى يده تقدمة حافلة إلى السلطان وكان قد أشيع عنه العصيان والمخامرة فبطل ذلك - وفيه (٣) أخلع السلطان على الشيخ محيى الدين الكافيجي وقرر في مشيخة الخانقاه الشيخونية عوضا عن العلامة كمال الدين بن الهمام الحنفى بحكم رغبته عنها ومجاورته بمكة المشرفة. وفى صفر (٤) رسم السلطان بنفى زين الدين الأستادار إلى القدس ويقيم به، فلما خرج إلى سبيل ابن قايماز بعث السلطان إليه من فتشه فلم يوجد معه غير ثلثمائة دينار وبعض فضة، وكان قد وشى به عند السلطان بأن معه مال، ثم رسم بإعادته إلى القاهرة وطلع إلى القلعة فأدخلوه البحرة، وأحضر إليه السلطان في يومه بالمعاصير وعصره فلم يقر بشيء من المال، فأجاب بأن يبيع أوقافه ويرضى السلطان، فتكلم ناظر الخاص يوسف في أمره، وأحضر بين يدى السلطان وهو محمول بين أربعة، وقيل أن السلطان لم يعصره في هذه المرة بل ضربه فى الدهيشة نحوا من خمسمائة عصاة، فلما حضر بين يديه تكلم له تمراز الدوادار الثاني فأخلع عليه السلطان وأعاده إلى الأستادارية (٥) وصرف عنها العلاى على بن الأهناسي، ثم إن السلطان أخلع على زين الدين (٦) وقرر كاشف الكشاف بالوجهين القبلي والبحرى مضافا إلى الاستادارية فراج أمره قليلا - وفيه (٧) رسم السلطان بالإفراج عن أبى الخير النحاس من السجن وأن يقيم بطرابلس بطالا. وفي ربيع الأول (٨) قرر حمزة بن البشيري في نظر الدولة عوضا عن

стр. 40

التاج الخطيري وفيه (١) نزل السلطان من القلعة وتوجه نحو الصحراء بسبب تربته التي أنشأها هناك، فلما عاد شق من القاهرة وصعد إلى القلعة، وهذا أول ركوبه في سلطنته فكان له يوم مشهود. وفيه عمل السلطان المولد على العادة وكان حافلا. وفيه انتهت عمارة جامع برد بك صهر السلطان الذي أنشأه بخط قناطر السباع المطل على الخليج الحاكمي (٢). وفي ربيع الآخر (٣) توفى الناصري محمد بن المخلطة، وكان فاضلا مالكي المذهب وولى نظر البيمارستان وكان محمود السيرة. وفيه قدم جلبان نائب الشام على السلطان وكان أشيع عنه العصيان. وفيه توفى تقي الدين الأذرعي الشافعي وكان عالما فاضلا ناب في الحكم بدمشق وكان لا بأس به. وفي جمادى الأولى (٤) عزل تمراز عن الدوادارية الثانية وكان ذلك من تلقاء نفسه. وفيه جاءت الأخبار من ثغر دمياط بوفاة سيدي خليل بن الملك الناصر فرج بن برقوق (٥)، وكان دينا خيرا رئيسا حشما، ومولده سنة أربعة عشرة وثمانمائة، فلما مات رسم السلطان بنقل جثته إلى القاهرة فنقل ودفن في تربة جده الظاهر برقوق، وأظهرت عليه أخته خوند شقرا غاية الحزن وعملت له نعيا بالمغانى تزف بالطارات سبعة أيام حتى عد ذلك من النوادر. وفيه (٦) قرر في الوزارة الصاحب أمين الدين بن الهيصم على عادته وصرف عنها سعد الدين فرج بن النحال - وفيه طلعت تقدمة.
следующие страницы →