← История

История · id 30070

صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور

ابن إياس

Полный текст (225 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

عالما فاضلا عارفا بالفقه كثير الزهد والورع، وكان يكتسب من أجرة غسيل أثواب الناس حتى يقتات به. وفيه توفى جماعة من الأتراك منهم بطا الناصري الخازندار. وتوفى ملكتمر البواب الأشرفي أحد العشرات. - وتوفى قجماس المؤيدى أحد العشرات وكان قد جاوز الثمانين سنة من العمر. وتوفى كمشبغا الجاموس أحد الخاصكية وكان قد جاوز التسعين سنة من العمر. وفيه توفى الشيخ عيسى المغربى الذى كان يدعى الصلاح وافتتن به تمراز الشمسى و برد بك صهر الأشرف أينال. وفيه جاءت الأخبار بوفاة عالم تونس الشيخ أبو العباس أحمد التونسى المالكي، وكان عالما فاضلا نحويا وله يد طائلة في العربية، أخذ العلم عن مشايخ تونس، ومات وله من العمر نحوا من مائة سنة. ومن الحوادث أن في يوم الأربعاء وهو آخر يوم من ذى الحجة سلخ سنة تسع وستين وثمانمائة خرج الصاحب شمس الدين محمد البباى إلى بعض أشغاله فنزل فى مركب وتوجه إلى نحو بيسوس ثم عاد بعد العصر قريب المغرب، فلما وصل إلى رأس خليج الزريبة تحت بيت سعد الدين بن الأراويلى انقلبت به المركب هناك وكان النيل في قوة الزيادة فغرق هو ومن معه، فطلع الجميع حتى الطست والأبريق وحق الدقاق الذي كان معه في المركب، لا خلا منه فإنه لم يظهر أبدا حتى ولا في شطنوف التي هي محط رحال الغرقاء، وكان عبرة من الله تعالى فى غرقه، وكان البباى قد سطا على الناس وحصل منه الضرر الشامل، وكان ظالما عسوفا جاء على الناس مجيء صعب فأخذه الله بغتة، فكان كما قيل في المعنى: لا تكرهوا الموت إن فيه … حصاد كل امرئ خبيث فمستريح ومستراح منه … كما جاء في الحديث وكان صفته أسمر اللون جدا طويل القامة غليظ الجسد أسود اللحية، وعنده عترسة وغرثلة في كلامه عامى الطباع خاليا من الفضيلة لا يقرأ ولا يكتب، وكانت وزارته من غلطات الزمان (١) انتهى ذلك.

стр. 177

ثم دخلت سنة سبعين وثمانمائة فيها في المحرم (١) أخلع السلطان على الشرفى يحيى بن الصنيعة وأعاده إلى الوزارة عوضا عن البباى. وفيه، تغير خاطر السلطان على محمد بن قانى باى اليوسفى المهمندار (٢) فضربه، ثم إنه أمر بنفيه إلى قوص فشفع فيه بعض الأمراء بأن يكون طرخانا بداره، وسبب ذلك قيل إنه فض بعض مراسيم السلطان وعرف ما فيه فبقى له بذلك ذنب، والثاني أنه كان من أصحاب جاني بك نائب جدة فاشتفى منه بهذه العلقة. ثم إنه أخلع على تمرباى التمرازي أمير مشوى وقرره فى المهندارية عوضا عن محمد بن قان باى. وفيه جاءت الأخبار بوفاة إسحق بن إبراهيم بن محمد بن قرمان (٣) وكان شابا حسنا لا بأس به. وفيه (٤) قرر فى قضاء الشافعية بدمشق العلاى على بن الصابونى عوضا عن جمال الدين الباعونى، وفى ذلك يقول الشهاب المنصوري: يقول منصب حكم الشرع: كيف جرى … حتى بغير جمال الدين باعونى أجابني الدين: لا أدرى وقد غسلوا … أيديهم منى بصابونى وأضيف إليه أيضا نظر جيش دمشق عوضا عن البدرى بن المزلق، فكان والد علاى الدين بن الصابونى وأخوه متكلمين فى تلك الوظيفتين بدمشق وهو مقيم بالقاهرة، فعد ذلك من النوادر. وفيه أخلع السلطان على كمال الدين ابن ناظر الخاص يوسف بن كاتب جكم وقرر في نظر الجوالي عوضا عن ابن الصابونى، وقرر فى نظر الأحباس ابن شرف الدين الأنصاري (٥) وقرر الزيني عبد القادر بن أبي الهول (٦) في نظر الإسطبل عوضا عن

стр. 178

تاج الدين الدمشقى - وفيه توفى قراجا العمري الظاهري (١)، الذي كان والى القاهرة ثم بقى مقدم ألف بدمشق وكان قد ناف عن الثمانين سنة من العمر، وكان لا بأس به. وفى صفر في ليلة ثالث عشره خسف جرم القمر ودام نحوا من أربعين درجة حتى انجلى (٢) - وفيه (٣) فقدت بغلة القاضي محيى الدين الطوخى أحد نواب الشافعية فتتبع أمرها فوجد طباخا قد أخذها وذبحها وطبخ لحمها وابتاعه للناس، فلما قامت عليه البينة بذلك ضرب أشد ضربا وطيف به في القاهرة وعلقت رأس البغلة في عنقه - وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن حسن الطويل قد زحف على ملك أصلان (٤) فغفر منه إلى الأبلستين فتبعه ودخل إلى الأبلستين فهبها وأخرب غالبها ثم رجع وملك خرت برت، فلما بلغ السلطان ذلك انزعج لهذا الخبر وقد قويت شوكة حسن الطويل. وفيه توفى القاضى نور الدين على الشيشينى الحنبلي (٥)، وهو على بن أحمد ابن محمد بن عمر بن وجيه بن مخلوف الحنبلى، وكان عالما فاضلا بارعا في مذهبه، وهو والد قاضي القضاة شهاب الدين الشيشينى المتولى الآن، وكان نائبا عن قاضي القضاة عز الدين الحنبلى، وكان مولده سنة سبع وثمانمائة - وفيه صرف جانى بك التنمى عن نيابة الكرك وقرر بها بلاط. وفي ربيع الأول عاد السيد الشريف على الكردى (٦) الذي كان توجه قاصدا إلى ابن عثمان ملك الروم فذكر للسلطان عدم الإنصاف له من ابن

стр. 179

عثمان. وفيه توفى البدرى حسن الرهونى (١) المالكي أحد نواب الحكم وكان من أهل العلم والفضل. - وفيه (٢) عمل السلطان المولد النبوى وكان مولدا حافلا. - وفيه أخلع السلطان على مملوكه خاير بك الخازندار وقرر أمير ركب المحمل، وقرر فى أمرة الركب الأول كسباى الشثمان (٣). - وقرر في الحسبة خشكلدى البيستى وصرف عنها سودون الفقيه المؤيدى. - وفيه قرر في نيابة صفد حكم (٤) خال العزيز، وقرر عوضه في نيابة غزة أينال الأشقر أتابك العساكر بحلب، وقرر فى أتابكية حلب الماس الأشرفي نائب البيرة، وقرر فى نيابة البيرة شاد بك الجلباني الصغير. وفيه (٥) نزل السلطان من القلعة وتوجه إلى المطعم وألبس الأمراء الصوف، فلما ركب دخل من باب النصر وشق من القاهرة في موكب عظيم، وكان له يوم مشهود. - وفيه توفى قاضى الإسكندرية بدر الدين بن المخلطة (٦) السكندرى المالكي، وكان عالما فاضلا ولى نيابة الحكم بمصر ثم ولى قضاء الإسكندرية وكان حسن السيرة. - وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان على السلطان بالقلعة، فلما وثبوا طلبوا من السلطان أثواب صوف بسبب الرمايات (٧) فأرضى جماعة منهم حتى خمدت هذه الفتنة. - وفيه جاءت الأخبار من حلب بقتل ملك أصلان بن سليمان بن محمد بن خليل بن قراجا بن ذلغادر التركماني صاحب الأبلستين قتله فداوى يوم الجمعة وهو فى الجامع (٨)، وكان قتله أول الفتن التي وقعت مع شاه سوار،

стр. 180

كما يأتى الكلام على ذلك. وفيه (١) توفى الشيخ برهان الدين الباعوني الدمشقى الشافعي، وكان عالما فاضلا خطيبا بارعا مصنفا، ولى قضاء الشافعية بدمشق وخطابة جامع بني أمية، ومولده سنة سبع وسبعين وسبعمائة. - وفيه (٢) قبض السلطان على منصور الأستادار وسجنه بالقلعة، ثم أخلع على زين الدين وأعاده إلى الأستادارية، واستمر منصور فى الترسيم. - وفيه توفى كوكاى من حمزة الظاهرى الخاصكى وقد ناف عن السبعين وكان تترى الجنس من مماليك الظاهر برقوق وكان لا بأس به. وفي ربيع الآخر (٣) قرر شرف الدين بن كاتب غريب في نظر الديوان المفرد. - وفيه أرسل السلطان خلعة إلى شاه بضاغ بن ذلغادر وقرر في أمرة الأبلستين عوضا عن ملك أصلان. - وفيه (٤) عزل السلطان جوهر النوروزى عن تقدمة المماليك، وقرر مثقال الحبشى في تقدمة المماليك عوضا عن جوهر النوروزى، وقرر خالص التكروري في نيابة تقدمة المماليك. وفي جمادى الأولى (٥) توفيت زوجة السلطان خوند شكر باي الأحمدية الجركسية، وكانت دينة خيرة تميل إلى طريقة الفقراء ولبست خرقة الأحمدية، وكان أصلها من جوار الملك الناصر فرج، وماتت ولها من العمر نحوا من سبعين سنة وزيادة، وكانت قليلة الأذى كثيرة الخير، وكانت متضعة تحب الفقراء وتقرب الناس، وكانت لا بأس بها. - فالما ماتت عقد السلطان على سريته سورباى (٦) ونقلها إلى قاعة العواميد وصارت خوند الكبرى عوضا عن الأحمدية.

стр. 181

و [فى جمادى الآخرة] (١) فيه توفى كسباى الشثمانى المؤيدى (٢) أحد الأمراء الطبلخاناه، فلما مات قرر (٣) فى أمرته جانى بك الفقيه الأمير آخور الثانى. وفيه عزل السلطان الصاحب شرف الدين يحيى بن الصنيعة، وأخلع (٤) على شخص من صيارف اللحم يقال له قاسم شغيتة وقرره فى الوزارة عوضا عن ابن الصنيعة، فازدادت الوزارة بهدلة ثانية بولاية قاسم هذا. وفيه توفى القاضى فخر الدين محمد بن الأسيوطى (٥) الشافعى أحد نواب الحكم بالديار المصرية. وفيه (٦) عزل السلطان قاضي القضاة شرف الدين يحيى المناوى، وهذه آخر ولايات المناوى وعزله، ثم إن السلطان أخلع على القاضي صلاح الدين أحمد بن محمد بن الخواجا بركوت المكينى وقرره فى قضاء الشافعية عوضا عن المناوى بحكم صرفه عنها، وعزل فى ذلك اليوم قاضي القضاة محب الدين ابن الشحنة الحنفى عن قضاء الحنفية، وقرر بها البرهان بن الديرى عوضا عن ابن الشحنة، فأخلع على الإثنين فى يوم واحد ونزلا من القلعة في موكب حافل، وكان يوما مشهودا. وفيه أخلع السلطان على أرغون شاه الأشرفي أستادار الصحبة وقرر فى أمرة الحاج فى الركب الأول (٧) عوضا عن كسباى الشثمانى الذى قرر أمير أول وتوفى قبل خروج الحاج. وفي جمادى الآخرة [أيضا] أرسل السلطان محمد بن عثمان ملك الروم يسأل السلطان أن يولى شاه سوار بن ذلغادر على الأبلستين عوضا عن أخيه ملك أصلان الذي قتل، فوجد السلطان قد ولى شاه بضاغ بن ذلغادر أخا ملك أصلان على الأبلستين، فلما بلغ ابن عثمان شق عليه ذلك وأرسل جماعة

стр. 182

من عسكره عتونة إلى شاه سوار حتى يحارب بضاغ ويملك منه الأبلستين، فلما بلغ السلطان ذلك اضطربت أحواله وقلق من هذه الأخبار، فعين تجريدة إلى البلاد الحلبية، وعين الأتابكى قائم التاجر باش العسكر، وعين الأمير تمر بغا أمير مجلس ويلباى أمير آخور كبير وقانى بك المحمودي أحد المقدمين وبرد بك هجين وقايتباى المحمودى وجماعة من الأمراء الطبلخانات والعشرات وعدة وافرة من المماليك السلطانية، فيبنما هم في ذلك وقد جاءت الأخبار بأن شاه سوار قد استظهر على عسكر شاه بضاغ وملك منهم الأبلستين، وهذا أول ظهور شاه سوار واشتهر من يومئذ ذكره وجرى منه ما سنذكره في دولة الملك الأشرف قايتباى، وكان ابن عثمان قائما مع شاه سوار تعصبا على الظاهر خشقدم، ثم إن السلطان أهمل أمر التجريدة حتى يرى من أمر شاه سوار ما يكون (١). وفيه (٢) توفى الحافظ شهاب الدين أحمد القدسي الواعظ وهو أحمد بن عبد الله بن محمد العسقلانى ثم القدسي الشافعي، وكان عالما فاضلا واعظا يعمل المواعيد الحافلة فتجتمع الناس أفواجا لسماع وعظه، وكان مولده سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. وفى رجب جاءت الأخبار من حلب بأن أم حسن الطويل قد وصلت إلى حلب وعلى يدها مفاتيح قلعة خرت برت لتسلمها للسلطان وتسترضيه عن ولدها حسن الطويل فأذن لها السلطان بالدخول إلى القاهرة، فلما حضرت أكرمها السلطان غاية الإكرام وسلمته المفاتيح وأقامت بمصر مدة وسافرت فزودها السلطان بهدية حافلة ورجعت إلى بلادها (٣). وفيه ابتدأ السلطان بعرض الجند بسبب التجريدة المعينة إلى شاه سوار، فعين من المماليك السلطانية نحو ألف مملوك .. وفيه (٤) قبض السلطان على زين الدين الأستادار ورسم عليه، وأمر شرف الدين بن كاتب غريب بأن يتحدث في الأستادارية،

стр. 183

ثم سلم منصور الأستادار إلى ممر الوالى. وفيه أرسل برد بك البجمقدار نائب حلب تقدمة (١) حافلة للسلطان على يد دواداره أبي بكر، فأكرمه السلطان وأخلع عليه. وفى شعبان (٢) أخلع السلطان على شرف الدين بن كاتب غريب وقرره في الأستادارية بعد ما كان متحدثا عليها بالأمانة، وهذه أول ولايته للأستادارية. - وفيه (٣) توفى الطواشى جوهر الساقى الأرغون شاوى الظاهرى رأس نوبة الجمدارية، وكان من أجل الخدام قدرا، رئيسا حشما، وكان لا بأس به. - وفيه (٤) تغير خاطر السلطان على الناصرى محمد الكمالى، وكان من خواص السلطان، فسلمه إلى نقيب الجيش وطلب منه عشرة آلاف دينار، فترامى على الأمراء فشفعوا فيه، فحنق منه السلطان ورسم بنفيه إلى حماه، فلما خرج من القاهرة تحيل وهرب من أثناء الطريق، وعاد إلى القاهرة واختفى بها حتى مات الظاهر خشقدم فظهر بعد موته، وجرى عليه شدائد ومحن. و [فى رمضان] (٥) فيه (٦) توقى سودون الفقيه المؤيدى أحد الأمراء العشرات، فنزل السلطان وصلى عليه، وكان رئيسا حشما طالب علم فقيها، ومات وله من العمر نحوا من ثلاثة وسبعين سنة، وهو والد صاحبنا الشرفى يونس. وفيه توفى الشيخ شمس الدين محمد بن الباعونى المقدسي الشافعي، أخو الشيخ برهان الدين الباعونى الماضى ذكر وفاته، وكان عالما فاضلا أديبا بارعا وله نظم جيد. - وفيه (٧) وصلت تقدمة حافلة للسلطان من عند برسباى البجاسي نائب الشام، فشكر له السلطان ذلك وأخلع على جماعته. - وفيه توفى الأديب البارع الشاعر الفاضل أحد شعراء العصر الشيخ شهاب الدين بن

стр. 184

أبي السعود (١) وهو أحمد بن إسمعيل بن إبراهيم بن موسى بن سعيد بن على المنوفى الشافعي، وكان عالما فاضلا ماهرا في الفرائض والحساب، جيد النظم، ومن شعره قوله: لمحبوبى المنجم قلت يوما … فدتك النفس يا بدر الكمالي يرانى الوجد فأكشف عن ضميرى … فهل يوما أرى حبى وفالى وكان في آخر عمره نائب الحكم عن الشافعي وحمدت سيرته، وكان لا بأس به. وفى شوال (٢) توفى الشيخ زين الدين خالد بن أيوب (٣) شيخ خانقاه سعيد السعداء، وكان من أهل العلم فاضلا فى الفقه والحديث، فلما توفى قرر فى مشيخة الخانقاه الشيخ تقي الدين القلقشندي - وفيه (٤) توفى الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن الملقن وهو عبد الرحمن بن على بن عمر بن على بن أحمد بن محمد الأنصارى الأندلسي الشافعي، وكان عالما فاضلا رئيسا حشما، وناب فى القضاء مدة طويلة، وكان مولده سنة تسعين وسبعمائة. وفى شوال كان عيد الفطر يوم الجمعة (٥)، ولهج الناس بزوال السلطان لكون خطب فيه خطبتان. وفيه سعى شرف الدين بن كاتب غريب في قتل منصور الأستادار (٦) فأشيع عنه أنه وقع في كفر، فرسم السلطان بحمل منصور إلى بيت قاضي القضاة حسام الدين بن حريز المالكي فادعى عليه

стр. 185

بدعاوى كثيرة منها ما يوجب تكفيره وسفك دمه، واستمر منصور في الترسيم إلى أن ضرب عنقه كما سيأتى الكلام على ذلك. - وفيه (١) ركب السلطان ونزل من القلعة وتوجه إلى دار جانى بك من ططخ أمير آخور ثاني فعاده لمرض كان به. - ثم توجه (٢) إلى دار الأمير قايتباى المحمودي أحد المقدمين فلما شعر بمجيء السلطان فرش له الشقق الحرير من الزقاق إلى باب داره ونثر على رأسه شيئا من الذهب والفضة وقدم له تقدمة حافلة ما بين خيول وقماش وغير ذلك. وفيه (٣) أنعم السلطان على خشداشه جانى بك كوهيه بتقدمة ألف، وهى تقدمة جاني بك المرتد وكان السلطان أخرج عنه التقدمة لعجزه وكبر سنه فرتب له ما يكفيه ولزم داره، وقرر فى تقدمته جانى بك الإسماعيلي كوهيه. - ثم إن السلطان أخلع على مملوكه خاير بك الخازندار وقرره في الدوادارية الثانية عوضا عن جانى بك كوهيه. - وفيه تعصب على منصور الأستادار جماعة من المبغضين وشهدوا عليه بما يوجب تكفيره، فحكم بعض نواب المالكية بسفك دمه، فحمل إلى تحت شبابيك المدرسة الصالحية وضرب عنقه (٤) هناك، وكان له يوم مشهود بسبب الفرجة عليه، فلما ضرب عنقه حمل إلى تربته فغسل وكفن وصلى عليه هناك ودفن بها، وكان يدعى منصور بن الصفى الأسلمى، وكان مباشرا جليل القدر ولى الأستادارية غير ما مرة وولى الوزارة أيضا، وقد تقدم له ما وقع مع ابن كاتب غريب من ضربه له فتعصب عليه ابن كاتب غريب وخدم بمال له صورة حتى ضرب عنقه وقام معه قضاة الجاه حتى أثبتوا عليه ما يوجب تكفيره وضربوا عنقه، وكان مولد منصور بعد الثلاثين والثمانمائة - وفيه (٥) خرج

стр. 186

الحاج وكان أمير ركب المحمل خاير بك الدوادار الثانى مملوك السلطان، وأمير ركب الأول أرغون شاه الأشرفى، وكان لهما يوم مشهود. وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن شاه سوار خرج من الأبلستين هاربا (١) ولم تقبل عليه أهل الأبلستين، فعند ذلك أرسل السلطان خلعة إلى رستم (٢) عم شاه سوار وقرره على الأبلستين عوضا عن شاه بضاغ، ونسب شاه بضاغ إلى التقصير لكونه لم يحارب شاه سوار. وفى ذى القعدة (٣) توفى شمس الدين بن الفالاتى، وكان عالما فاضلا فاق والده في النظم والنثر، وكان له شهرة وفضيلة زائدة. وفيه (٤) قرر في نيابة طرابلس قانى باى الحسنى أحد الأمراء الطبلخانات، فعد ذلك من النوادر لكونه أمير طبلخاناه وولى طرابلس فأعيب ذلك على الظاهر خشقدم. وفى ذى الحجة ماتت للسلطان ابنة عمرها ست سنين من سريته خوند سورباى، فتأسف عليها السلطان حتى أنه أبطل خدمة القصر في يوم موتها. وفيه توقف النيل عن الزيادة (٥) في مسرى واستمر متوقفا ١٥ ستة أيام متوالية فقلق الناس لذلك، ورسم السلطان للقضاة والعلماء بأن يتوجهوا إلى المقياس ويدعوا إلى الله تعالى بالزيادة، فاستمر الحال على ذلك إلى حادي عشر مسرى. فاما كان يوم الجمعة توجه تمر الوالى إلى الروضة وشوش على المتفرجين وأحرق الخيام التى كانت هناك وضرب جماعة المتفرجين، وكان يوما مهولا. فلما كان يوم السبت سابع عشرين الحجة بعث الله تعالى بالزيادة فسر الناس بذلك، واستمرت الزيادة عمالة إلى أن حصل

стр. 187

الوفاء في المحرم. وفيه جاءت الأخبار بوفاة جاني بك الظريف الأشرفي (١)، وكان أحد مقدمين الألوف دوادار ثانى بمصر، وكان شجاعا بطلا مقداما عارفا بفنون الفروسية ولعب الرمح والبرجاس وضرب الكرة وغير ذلك من أنواع الفروسية، مات بالسجن بقلعة صفد، وكان من أعيان الأشرفية، فلما مات تزوج الأمير أزبك من ططخ (٢) بزوجته خوند بنت الملك الظاهر جقمق واستمرت فى عصمته إلى أن مات بعد مدة طويلة. وتوفى جانم حرامى شكل المؤيدى (٣) أحد العشرات وكان مسرفا على نفسه غير مشكور السيرة. وتوفى الزيني قاسم بن تمرباى أحد الحجاب بمصر وكان عشير الناس كيسا فطنا حذقا لا بأس به، وله اشتغال بالعلم، وكان يسمى بصارة (٤)، وكان مولده بعد العشرة وثمانمائة. ومن الحوادث وهو أن على بن رحاب المغنى عمل سماعا فى باب الوزير الذى فى التبانة، فقامت في تلك الليلة هرجة هناك فقتل فيها قتيل، فلما بلغ السلطان ذلك رسم بنى ابن رحاب إلى البلاد الشامية فخرج وهو في الحديد، فلما وصل إلى غزة شفع فيه عند السلطان القاضي أبو الفضل بن جلود كاتب المماليك فرسم بعوده إلى مصر فعاد وكان السلطان يميز إبراهيم بن الجندى المغنى على على بن رحاب في الغناء، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وثمانمائة فيها في المحرم أوفى النيل بعد ذلك التوقف وكان الوفاء في العشرين من مسرى (٥)، فتوجه الأتابكى قائم التاجر وفتح السد ولم ينزل السلطان على جارى

стр. 188

وفيه (١) خرج قاني باى الحسنى الذى تولى نيابة طرابلس، وكان … له يوم مشهود. وفيه (٢) عزل السلطان قاضي القضاة صلاح الدين المكيني عن القضاء فكانت مدة إقامته بها ثمانية أشهر إلا أياما، وقد تكلف إلى مال له صورة، فلما عزل أخلع السلطان على القاضى بدر الدين محمد أبى السعادات ابن تاج الدين بن قاضي القضاة جلال الدين البلقيني وقرر في قضاء الشافعية عوضا عن صلاح الدين المكيني بحكم صرفه عنها. وفيه (٣) أخلع السلطان على يشبك من مهدى الظاهرى أحد الدوادارية الصغار وقرر في كشف الوجه القبلى وأنعم عليه بأمرة عشرة، وهذا أول عظمة يشبك من مهدى وإظهاره في الرئاسة حتى بلغ فيها ما سيأتي ذكره في محله. وفيه (٤) أعيد محب الدين ابن الشحنة إلى قضاء الحنفية، وصرف عنها برهان الدين بن الديري. - وفيه (٥) وصل الحاج من مكة ودخل خاير بك الدوادار وهو في غاية العظمة. وفى صفر (٦) أخلع السلطان على القاضى كمال الدين بن الجمالى يوسف ابن كاتب جكم ناظر الخاص وقرر في نظر الجيش، عوضا عن القاضى تاج الدين بن المقسى وقد بقى في نظارة الخاص فقط، وكان قد جمع بين نظارة الجيش والخاص، وقد ولى كمال الدين نظر الجيش وله من العمر نحوا من سبعة عشر سنة. وفيه (٧) أعيد زين الدين الأستادار إلى الأستادارية على عادته وبقى ابن كاتب غريب ناظر الديوان المفرد. - وفيه (٨) ركب السلطان وتوجه إلى نحو خليج الزعفران بالمطرية، فلما عاد

стр. 189

دخل من باب الشعرية ثم توجه من بين الصورين ودخل إلى بيت الأمير أزبك من ططخ رأس نوبة النوب، ثم خرج من عنده ودخل إلى دار زين الدين الأستادار، ثم خرج من عنده ودخل إلى دار كمال الدين ناظر الجيش ابن ناظر الخاص يوسف، ثم خرج من عنده ودخل إلى دار الأتابكي قائم التاجر، ثم إنه عاد إلى القلعة. - وفي اليوم الثاني من دخول السلطان إلى بيت الأتابكي قائم كانت وفاته في الليلة الثانية (١) مات فجأة من غير علة حتى عد ذلك من النودار، وأشيع بين الناس أن السلطان قد أشغله والله أعلم، فلما مات كانت له جنازة حافلة ونزل السلطان إلى سبيل المؤمنى وصلى عليه، ثم دفن في تربته التي في الصحراء، وكان قائم هذا يدعى قانم من صفر خجا من مشتراوات الملك المؤيد شيخ، وكان أميرا جليل القدر رئيسا حشما عاقلا كثير التأدب، مات وهو فى عشر الثمانين، وكان عنده قوة وشجاعة وإقدام وثبات جنان، وسافر غير ما مرة قاصدا إلى ابن عثمان، وكان تاجر الماليك ثم بقى مقدم ألف ثم بقى رأس نوبة النوب ثم بقى أمير مجلس ثم بقى أتابك العساكر بعد نفي الأتابكى جرباش كرت إلى دمياط، وكانت له بمصر حرمة وافرة وكلمة نافذة، ومن آثاره الجامع الذي أنشأه بأعالى الكبش والقبة التي أنشأها بالخانكاه وتربة بالصحراء (٢)، وكان من خيار الأمراء .. فلما توفى أخلع السلطان على المقر السيفى يلباى الأينالى المؤيدى أمير آخور كبير وقرره في الأتابكية (٣) عوضا عن قائم التاجر بحكم وفاته، ثم قرر فى تقدمة يلباى برد بك هجين الظاهرى، وقرر في تقدمة برد بك هجين نانق الظاهري شاد الشراب خاناه وهذا أول تقدمة نانق، وقرر فى شادية الشراب خاناه خشكلدى البيستى أحد العشرات.

стр. 190

وفيه (١) أخلع السلطان على المقر الشهابي أحمد بن العيني وقرر في الأمير آخورية الكبرى عوضا عن يلباى الأينالى بحكم انتقاله إلى الأتابكية. وفيه جاءت الأخبار بوفاة برسباي البجاسي (٢) نائب الشام. فلما تحقق السلطان ذلك أرسل (٣) خلعة إلى برد بك البجمقدار وقرره فى نياية الشام عوضا عن برسباى البجاسي بحكم وفاته، وأرسل خلعة إلى يشبك البجاسي وقرره في نيابة حلب عوضا عن برد بك البجمقدار، وقرر تنم الحسني الأشرفي في نيابة حماه عوضا عن يشبك البجادي، وقرر تانى بك المعلم رأس نوبة ثانى عوضا عن تنم الحسنى (٤) بحكم انتقاله إلى نيابة حماه، وقرر مغلباى أزن سقل أحد مماليك السلطان في الحسبة. وفي ربيع الأول (٥) عمل السلطان المولد النبوى وكان له يوم مشهود بالقلعة. وفيه جاءت الأخبار بوفاة محدث مكة ومسندها الحافظ تقى الدين ابن فهد (٦) وهو محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن عبد الله وكان ينتسب إلى عبد الله بن جعفر بن الإمام على ﵁، وكان عالما فاضلا شافعى المذهب ومولده سنه سبع وثمانين وسبعمائة. - وفيه (٧) أخلع على نانق وقرر في أمرة الحاج بركب المحمل، وقرر سيباى أمير آخور ثالث في أمرة الركب الأول. وفيه قرر (٨) دمرداش السيفى تغرى بردى الموذى في نيابة قلعة حلب

стр. 191

عوضا عن العلاى على بن الشيباني. وفيه توفيت خوند فرج ابنة الأمير سودون الفقيه زوجة الظاهر ططر أم ولده الملك الصالح محمد (١). وماتت ولم تتزوج بعد الظاهر ططر، وكانت قد بلغت السبعين. - وفيه (٢) نزل السلطان إلى الإسطبل وحكم به، ولم يفعل ذلك في مبدأ سلطنته إلا في هذه السنة وصار ينزل فى كل يوم سبت وثلاثاء، ونادى للناس من له ظلامة يطلع إلى الإسطبل يوم السبت والثلاثاء، وكان هذا آخر إظهار عدله وتوفى في السنة الآتية. وفي ربيع الآخر جاءت الأخبار من حلب بأن رستم بن ذلغادر قد تحارب مع شاه سوار، فرسم السلطان لنائب حلب بأن يخرج بعساكر حلب لمساعدة رستم بن ذلغادر (٣)، وهذا أول فتح باب الشر مع شاه سوار. - وفيه (٤) نزل السلطان من القلعة وتوجه إلى الرماية ببركة الحب (٥)، ثم عاد في آخر النهار وشق من القاهرة فى موكب حافل، وهذا أول نزوله إلى الرماية ببركة

стр. 192

الحب. - وفيه (١) وقعت حادثة وهو أن شخصا من مماليك السلطان يقال له أصباى قتل إنسانا من الحاكة بالضرب بين يديه بغير حق بل بسبب الأطرون وقد أرمى عليه أطرون من غير عادة، فوقع بسبب ذلك فتنة كبيرة ووقف أولاد القتيل للسلطان فألزم السلطان أصباى بأن يرضى أولاد القتيل بألف دينار، وأرسل خلف صاحب الأطرون الذى أرماه على الحائك فلما مثل بين يديه أمر بتوسيطه حتى خمدت هذه الفتنة قليلا .. وفيه (٢) قرر في قضاء الشافعية بحلب البدرى محمود المعرى، وصرف عنها أبو البقا بن الشحنة. وفي جمادى الأولى في نصفه صرف البدرى أبو السعادات بن البلقيني عن القضاء (٣) وقد تغير خاطر السلطان على أبى السعادات وكان قليل الدربة سيئ التصرف فى أفعاله، فكانت مدة إقامته فى القضاء نحو خمسة أشهر، وقد تكلف على هذه الولاية مالا له صورة ولم يثبت في القضاء سوى هذه المدة اليسيرة وعزل عنها. ثم إن منصب القضاء أقام بعده شاغرا مدة أيام، فكان القاضى كاتب السر أبو بكر بن مزهر في هذه المدة متكلما في الأحكام الشرعية على المكاتيب وغير ذلك من الأمور الشرعية. انتهى ذلك وفيه (٤) خرج المقر الشهابي أحمد بن العيني إلى السرحة وكان لخروجه يوم مشهود. وفيه في ليلة الإثنين ثانى عشره (٥) توفى قاضي القضاة علامة عصره شرف الدين يحيى المناوى، وهو يحيى بن محمد بن محمد بن محمد ابن أحمد بن مخلوف بن عبد السلام القاهرى الشافعي، وكان إماما عالما فاضلا دينا خيرا ورعا زاهدا، أخذ العلم عن ابن الكويك والشيخ ولى الدين العراقى وغير ذلك من مشايخ العلم، وكان من أعيان علماء الشافعية ولى القضاء.

стр. 193

الأكبر غير ما مرة، وكان حسن السيرة فى القضاء، مولده سنة ثمان وسبعين وسبعمائة. - وفيه توفى قائم نعجة الأشرفي (١) أحد الأمراء العشرات ورءوس النوب، وكان شجاعا مقداما في الحرب، لكنه كان مسرفا على نفسه مستغرقا في اللذات ليلا ونهارا. - وفيه (٢) أخلع السلطان على القاضي ولى الدين الأسيوطى وقرر في قضاء الشافعية بمصر عوضا عن أبى السعادات بحكم انفصاله عنها، وكان المنصب شاغرا أياما، ورسم السلطان للقاضي كاتب السر ابن مزهر بأن ينظر في الأحكام الشرعية وأحوال النواب إلى أن يقرر السلطان قاضيا، فعد الزينى كاتب السر من قضاة القضاة بمصر بموجب تكلمه على منصب القضاء أياما، ولما قرر القاضي ولى الدين في القضاء جاء في المنصب غاية على الوضع، وطالت به أيامه مدة طويلة، وحمدت سيرته ومشى على أحسن طريقة فى ولايته، وفيه يقول الشهاب المنصورى: حبذا السيد الإمام ولى الدين … قاضي القضاة نذبا سريا رفع الله قدره فترقا … من ذرى شرعه مكانا عليا سأل الشرع ربه: رب هب لى … ولك الفضل من لدنك وليا أنجز الله وعده فأتاه … أنه كان وعده مأتيا وفيه جاءت الأخبار بموت تمراز الأينالي الأشرفي برسباي (٣) الذي كان دوادارا ثانيا بمصر ثم صار نائب صفد ثم تغير خاطر السلطان عليه، وكان عنده حدة مزاج زائدة وسوء أخلاق وشدة غضب، فلما ثقل أمره على السلطان ندب إليه من ادعى عليه بكفر وأرسل بعض نواب المالكيه وهو شخص يقال له الشارعى فضرب عنقه بصفد، وكان أميرا من أعيان الأشرفية البرسبيهية ولكن كان شديد الخلق سيء الطباع تولى عدة وظائف

стр. 194

سنية منها الزردكاشية ثم بقى أمير طبلخاناه دوادارا ثانيا ثم نفى إلى الصبيبة ثم أفرج عنه وبقى مقدم ألف بدمشق ثم قرر في نيابة صفد، فكان يبلغ السلطان عنه الكلام السيء بحيث أنه كان يسمى السلطان التركماني، فاستمر على ذلك حتى قتله ومات وهو في عشر السبعين، وكان غير مشكور في أفعاله. وفيه توفى العلاى على بن رمضان (١) ناظر بندر جدة وكان أصله من الأقباط، وكان لطيف الذات عشير الناس كثير الإسراف على نفسه في سعة من المال، أقام يتكلم على بندر جدة نحوا من عشرين سنة، وكان في خدمة جاني بك نائب جدة، ثم بقى في خدمة الشهابى أحمد بن العيني، وخرج معه إلى السرحة نحو الشرقية فمرض في أثناء الطريق واستمر في ذلك المرض حتى مات هناك وحمل من بعد موته ودخل القاهرة حتى دفن بها. وفيه تعبثت العربان من بر الجيزة إلى إنبابة ونهبوا الخيول وهى في مرابعها، فرسم السلطان للأمير قرقماس الجلب أمير سلاح والأمير قايتباى المحمودى (٢) أحد المقدمين بأن يخرجا إلى بر الجيزة ويقيما بها حتى يطردا العربان. وفي جمادى الآخرة استأذن القاضى كاتب السر السلطان بأن يحج في وسط السنة فأذن له في ذلك، فخرج وسافر (٣)، وخرج صحبته جماعة كثيرة من الناس، وكان أمير الركب علان من ططخ الأشرفي، فخرج كاتب السر ابن مزهر في تجمل زائد جدا. وفي رجب نودى بالزينة (٤)، فلما كان ليلة دوران المحمل أحرق السلطان نفطا حافلا بالرملة، وكانت ليلة مشهودة جدا، فطار بعض الصواريخ على القلعة فأحرق سقف الإسطبل، وعملت فيه النار ساعة حتى بادروا بطفيها،

стр. 195

فتفاعل الناس بزوال السلطان عن قريب وكذا جرى، وأدير المحمل على العادة، ولكن حصل من الماليك الجلبان في تلك الأيام غاية الضرر من الخطف والنهب وغير ذلك. وفيه (١) توفى إمام السلطان نور الدين السويفى، وكان عالما فاضلا مالكى المذهب، وكان ولى الحسبة، وأم بعدة سلاطين، وكان دينا خيرا لا بأس به. - وفيه (٢) كسفت الشمس واستمرت في الكسوف نحوا من ثلاثين درجة. وفى شعبان (٣) توفى الحافظ مجد الدين بن الحافظ تقى الدين عبد الرحمن القلقشندى، وكان عالما فاضلا محدثا، وولى عدة وظائف سنية منها مشيخة خانقاة سعيد السعداء، ومولده سنة سبعة عشر وثمانمائة. فلما توفى قرر (٤) فى مشيخة خانقاة سعيد السعداء الشيخ سراج الدين العبادي. وفيه جاءت الأخبار من الوجه القبلى بأن عربان هوارة قد ثارت على الأمير يشبك من مهدى وكسروه كسرة قوية، فلما بلغ السلطان ذلك عين إليه قايتباى المحمودى أحد المقدمين بأن يخرج إليه نجدة، وعين معه جماعة كثيرة من المماليك السلطانية فخرجوا (٥) على الفور. وفيه (٦) رسم السلطان بسلخ جلد عبد الرحمن بن التاجر شيخ سفط أبى تراب، وكان قد سلخ جلد والده (٧) إسمعيل قبله بسبب قتل عبد الله شيخ أبشيه الملق. وفيه توفى الشيخ بدر الدين بن الشراب دار الشافعي، وكان عالما فاضلا واعظا محدثا، ومولده سنة سبع وتسعين وسبعمائة.

стр. 196

وفى رمضان (١) نزل السلطان من القلعة وتوجه إلى دار الشرفي يحيى بن الأمير يشبك الفقيه الدوادار، فعاده وكان مريضا. - وفيه (٢) قرر السيد الشريف إبراهيم بن محمد التاجر في كتابة سر دمشق، عوضا عن قطب الدين الخيضرى. وفيه تغير خاطر السلطان على الغرسي خليل والد الشيخ عبد الباسط، وأمر بإخراجه إلى مكة ثم أخرج عنه أمرته التي ٦ كانت بدمشق وكاد يبطش به، وكان عنده من المقربين من جملة خواصه ثم انقلب عليه كأنه لم يعرفه، وهذه عادة الملوك. - وفيه (٣) صرف زين الدين عن الأستادارية، وقرر بها شرف الدين بن كاتب غريب. وفى شوال (٤) خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير ركب المحمل نانق الظاهرى، وأمير ركب الأول سيباى أمير آخور ثالث، وكان لهما يوم مشهود. وفيه ولد للسلطان ولده سيدى منصور، وهو الموجود الآن. وفيه وصل قاصد أحمد بن قرمان الذى ولى بعد أخيه إسحق، فصعد إلى القلعة وقرأ السلطان مكاتبته بين يديه. وفي ذي القعدة (٥) ركب السلطان ونزل من القلعة وشق من القرافة، ثم توجه نحو الآثار النبوى فزاره، ثم شق من مصر العتيقة إلى أن جاء إلى شاطئ البحر فنزل في الحراقة وانحدر إلى قصر ابن العيني الذي أنشأه في منشاة المهراني (٦) بالقرب من قبة جاني بك نائب جدة، فأقام به إلى آخر النهار ومد له ابن العيني هناك أسمطة حافلة، وقدم له بعد ذلك تقدمة حافلة ما بين خيول وقماش وغير ذلك، ثم ركب السلطان بعد العصر وطلع إلى القلعة وقد اجتمع الناس هناك بسبب الفرجة وكان يوما مشهودا. وفيه (٧) أعيد

стр. 197

أبو البقا بن الشحنة إلى قضاء الشافعية بحلب عوضا عن المعرى الذي كان ولى عنه، وبقى مع المعرى نظر الجيش وكتابة سر حلب. -وفيه توقف النيل في مبتدأ الزيادة (١) واستمر فى التوقف ثمانية أيام متوالية حتى قلق الناس لذلك وتشحطت الغلال وتكالب الناس على شراء القمح،، وتوجه القضاة والعلماء إلى المقياس للاستسقاء حتى بعث الله تعالى بالزيادة واستمرت حتى أوفى. -وفيه خرج وردبش (٢) الظاهري الخاصكي أحد الدوادارية إلى جهة البلاد الحلبية بإعادة شاه بضاغ بن ذلغادر إلى نيابة مدينة الأبلستين، وبصرف رستم عمه عنها. -فلما خرج وردبش جاءت الأخبار بعصيان شاه سوار وخروجه عن الطاعة، فلما بلغ السلطان ذلك رسم لنائب الشام ونائب حلب وسائر النواب بأن يخرجوا إلى سوار ويحاربوه. وفى ذى الحجة وصل تمر باى المهمندار (٣) من دمشق، وكان قد توجه إلى برد بك البجمقدار بخلعة باستمراره في نيابة دمشق. -وفيه (٤) قرر في حجوبية الحجاب بطرابلس على بن الأزبكى،، عداد الأغنام بالبلاد الشامية، وأضيف إليه كتابة السر مع الأستادارية، وأعيد محمد بن مبارك إلى عداد الأغنام على عادته. وفيه جاءت الأخبار برقوع فتنة عظيمة بين صاحب تونس وصاحب تلمسان، فقتل فى المعركة من الناس ما لا يحصى، فدخل بينهما الشيخ الصالح سيدى أحمد بن الأحس التلمساني حتى اصطلحا. -وفيه جاءت الأخبار بوقوع فتنة كبيرة بين جهان شاه صاحب العراقين وبين حسن بك الطويل صاحب ديار بكر، ودامت تلك الفتنة في اتساع إلى أن قتل جهان شاه على يد حسن الطويل وتملك بلاده كما سيأتى ذكر ذلك في محله. وفيه جاءت الأخبار بوقوع فتنة أيضا بين بنى قرمان وبين ابن عثمان، ولا زالت في اتساع حتى ملك ابن عثمان بلاد بني قرمان. وكان أيضا فتن

стр. 198

وشرور ببلاد المغرب وبلاد الفرنج أيضا. وقد خرجت هذه السنة عن فتن وشرور في سائر البلاد. - وتوفى في هذه السنة من الأعيان ومن الأتراك جماعة كثيرة منهم جاني بك الناصري المرتد (١) أحد الأمراء المقدمين الألوف بمصر، ولكن مات وهو طرخان، وكان قد كبر سنه وذهل فرتب له السلطان ما يكفيه وأخرج عنه التقدمة، وكان أميرا دينا خيرا ولكن كان من البخل والخسة عن جانب عظيم. - وتوفى أيضا برد بك المعروف بالقرناص النوروزي أحد الأمراء العشرات. - وتوفى أيضا دمرداش الطويل الناصري (٢) أحد العشرات أيضا. - وتوفى طومان الحكمي الخاصكي وكان رئيسا حشما أدوبا عاقلا، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة اثنين وسبعين وثمانمائة فيها في المحرم كان وفاء النيل المبارك وقد أوفى في سادس عشر مسرى (٣)، فنزل السلطان بنفسه وتوجه إلى المقياس ثم نزل في الحراقة وأتى إلى السد ففتحه على العادة، وركب من هناك في موكب حافل حتى طلع إلى القلعة، وكان ذلك آخر مواكبه بل وآخر ركوبه ولم يركب بعدها أبدا، فلما طلع إلى القلعة حم في جسده ولزم الفراش، وقيل إنه سم في السماط الذي صنع له بالمقياس، وقيل بل من الماء الذي قدم إليه في الطاسة من فسقية المقياس، وهذا كله تخيلات فاسدة وإنما انتهى أجله على هذا الوجه وقد كبر سنه، واستمر في ذلك المرض حتى مات في ربيع الأول كما سيأتي الكلام على

стр. 199

ذلك في موضعه. وفيه توفى برهان الدين إبراهيم قاضي عجلون (١)، وكان عالما فاضلا وناب في الفضاء، وكان شافعى المذهب دمشقى الأصل، وكان حسن السيرة. وفيه (٢) جاءت الأخبار من حلب بأن شاه سوار قويت شوكته، والتف عليه جماعة كثيرة من التركمان، وقد زحف على بلاد السلطان، فلما جاء هذا الخبر كان السلطان مريضا على غير استواء فلم يلتفت لهذا الخبر واشتغل بما هو فيه، فكتب خاير بك الدوادار مراسيم للنواب عن لسان السلطان بأن يخرجوا لمحاربة سوار، وهذا أول عسكر خرج لمحاربة سوار، فلما ترادفت الأخبار بأمر عصيان سوار جلس السلطان بالدهيشة، وأحضر أبو الفضل بن جلود كاتب الماليك، وعين تجريدة إلى سوار وكتب جماعة من الجند، وعين من الأمراء المقدمين الأتابكي يلباى وقرقماس الجلب أمير سلاح وتمر بغا الظاهري أمير مجلس و قاتباى المحمودي و مغلباي طاز المؤيدى، وين عدة من الأمراء الطبلخانات والعشرات، وكتب من الجند جماعة كثيرة، وهذا أول تجريدة عينت لسوار من مصر. وفيه (٣) جاءت الأخبار بأن العربان خرجوا على الإقامات التي أرسلت إلى العقبة بسبب الحجاج، فنهبوها عن آخرها، وقتلوا جماعة ممن كانوا معها، فخرج الإذن عن لسان السلطان للأمير أزبك من ططخ رأس نوبة النوب بأن يخرج إلى العقبة بسبب فساد العربان، وعين أيضا الأمير جانى بك قلقسيز حاجب الحجاب، وعدة أمراء عشرات، وجماعة كثيرة من الجند، فخرجوا على الفور مسرحين. وفيه (٤) دخل الحاج إلى القاهرة، ودخل القاضى كاتب السر أبو بكر بن مزهر وقد تقدم أنه خرج.

стр. 200

في جمادى الآخرة وأقام بمكة حتى رجع مع الحاج. وفيه خرجت التجريدة المعينة إلى العقبة ولاقاهم من هناك نائب الكرك بلاط ونائب غزة أينال الأشقر. وفى صفر ثقل السلطان فى المرض ولزم الفراش، فلما كان يوم الجمعة (١) خرج إلى صلاة الجمعة غصبا وقد ظهر عليه غبرة الموت، فخطب القاضي ولي الدين الأسيوطي خطبة مختصرة وخفف في الصلاة، فلما فرع من الصلاة وقام كاد أن يقع في أثناء صحن الجامع حتى أدركوه وحملوه من تحت إبطه حتى دخل إلى دور الحرم، فكانت الخطبة والصلاة في نحو من أربعة درج فكثر القال والقيل بموته، وكان ذلك آخر رؤية العسكر له ولم يخرج من دور الحرم بعد ذلك إلا ميتا، ثم إن الخدمة بعد ذلك صارت تقام بقاعة البيسرية إلى أن مات كما يأتى الكلام على ذلك في موضعه. - فلما تزايد الأمر بالسلطان ظن أن الحكماء قد قصروا في طبه فتنازق (٢) عليهم ووعدهم بالتوسيط كما فعل الأشرف برسباي بالريس خضر وابن العفيف، ففي تلك الليلة هرب أحد رؤساء الطب وهو شخص يقال له محب الدين (٣) فاختفى أياما ثم قبض عليه وسجن بالبرج الذى بالقلعة، فأقام أياما حتى شفع فيه ابن العيني فأطلق ولزم داره بطالا. وفي ربيع الأول لم يصعد أحد من القضاة إلى القلعة للتهنئة بالشهر على العادة لانقطاع السلطان عن الناس في أول هذا الشهر، فزاد القال والقيل وتعطلت أحوال الدواوين من قلة الواردين من البلاد الشرقية والغربية، وامتنعت العلامة من ديوان الإنشاء لقلة كتابة السلطان. ثم إن السلطان نزل بفرس من الإسطبل السلطاني وعرضه للبيع على جماعة من الأمراء، فاشتراه المقر الشهابي أحمد بن العيني بخمسمائة دينار وقيل بل اشتراه بألف دينار، فتصدق بها السلطان عنه في هذا المرض. وكانت هذه عادة قديمة عند السلاطين.

стр. 201

أنه إذا مرض السلطان ينزل بفرس من الإسطبل ويبتاعه على أحد من أعيان الأمراء ويتصدق بثمنه على الفقراء، وقد فعل ذلك الملك الظاهر برقوق والأشرف برسباى، وكان ينزل أمير آخور رابع من باب السلسلة وهو راكب الفرس فوق الغاشية الحرير الأصفر، ويدخل على الأمراء وهو راكب على الفرس، ويبدأ بأمير كبير أولا ثم ببقية الأمراء، فيشتريه من هو أقرب إلى السلطان من الأمراء. فبينما القاهرة فى اضطراب وإذا بالأخبار قد جاءت من أسيوط بأن يونس بن عمر أمير عربان هوارة قد خرج عن الطاعة وثأر على يشبك من مهدى (١) كاشف أسيوط ووقع بينهما حروب كثيرة، وقتل من مماليك السلطان الذى مع يشبك جماعة كثيرة، وجرح يشبك في وجهه جرحا فاحشا حتى كاد أن يقتل، وقتل من الناس في هذه المعركة نحوا من سبعين إنسانا، وكانت هذه المعركة على جرجا فطمت القتلاء في بئر هناك، وانهزم يشبك إلى نحو أسيوط، فأرسل يعرف السلطان بذلك، وأن الرأى يقتضى ولاية سليمان بن عمر، وأن السلطان يبعث تجريدة إلى يونس ابن عمر سريعا، فلما جاء هذا الخبر كان السلطان مشغولا بنفسه عن كل شيء، وكان المتكلم يومئذ في أمور المملكة الأمير خاير بك الدوادار الثانى وابن العيني، فعين الأمير خاير بك قجماس الإسحاقي أحد الخاصكية، وهو الذى ولى نيابة الشام فيما بعد، وأرسل معه خلعة إلى سليمان بن عمر أمير عربان هوارة بأن يستقر عوضا عن يونس بن عمر، فخرج على الفور، ثم رسم لنقيب الجيش بأن يتوجه إلى بيت الأمير قرقماس الجلب أمير سلاح والأمير يشبك الفقيه الدوادار الكبير بأن يخرجا نجدة ليشبك من مهدى، ثم عين معهما نحوا من أربعمائة مملوك كلهم أشرفية وظاهرية، وأمرهم بأن يخرجوا من يومهم فخرجوا على وجوههم مسرعين. هذا كله جرى والسلطان في التلف والإشاعة قائمة بموته والقاهرة فى اضطراب ليلا ونهارا، وكان ذلك في قوة زيادة النيل فأخلا سكان الجسر وبركة الرطلي في يوم واحد، وكذلك

стр. 202

سكان الجزيرة الوسطى، وصارت الأسواق والحوانيت تقفل من بعد المغرب، وتمر الوالى طائفا بطول الليل ومعه جماعة من المماليك السلطانية وهم لابسون لامة الحرب، والمشاعلية تنادى بطول الليل بالأمان والاطمئنان، وأن أحدا لا يخرج من داره من بعد العشاء، وكان كل من رآه يمشى من بعد العشاء يقطع أذنيه ومنخاره أو يضربه بالمقارع. فاستمر الحال على ذلك نحوا من عشرين يوما والناس فى اضطراب، وخرج الأمير قرقماس الجلب والأمير يشبك الفقيه على كره منهما، وقد نزل إليهما تانى بك المعلم (١) رأس نوبة ثانى عن لسان السلطان يحثهما فى سرعة السفر إلى جهة الصعيد فخرجا بسرعة. ثم إن السلطان وجد فى نفسه بعض نشاط فجلس متسندا بين المخدات وقدمت إليه العلامة فعلم بيده نحو سبعة مراسيم حتى يشاع ذلك بين الناس، فضربت البشائر في ذلك اليوم بالقلعة، وتخلق جماعة السلطان بالزعفران، وكل ذلك إشاعات فاسدة، والموت حايط بالسلطان من كل جانب. فلما بات تلك الليلة تجدد عليه منع الأكل وعجز عن الحركة وصار كالخشبة الملقاة. فلما أصبح نادي بخروج العسكر المعين إلى الصعيد وتهديد من لم يخرج من العسكر بالشنق، وكل ذلك بترتيب الأمير خاير بك الدوادار. ثم قويت الإشاعة بأن السلطان في النزع وقد جد في السياق، وكانت علته حمى كبدية، فلما تحقق الأمراء ذلك اجتمعوا (٢) في المقعد الذي بباب السلسلة عند المقر الشهابي أحمد بن العينى أمير آخور كبير، فاجتمع الأتابكي يلباى رأس المؤيدية، والمقر السيفى تمر بغا أمير مجلس رأس الظاهرية، وحضر الأمير خاير بك الدوادار الثانى وهو رأس الخشقدمية وقد صار المشار إليه فى المجلس، وحضر جماعة من الأمراء المقدمين، فاشتوروا فيمن يلى السلطنة إذا مات السلطان، فصار جماعة من الخشقدمية مع ابن العيني، وجماعة مع خاير بك، فطال الكلام فى ذلك، فقال الأمير تمر بغا إن

стр. 203

أمير كبير ياباى أحق بالسلطنة من كل أحد، فوافقه سائر الأمراء على ذلك، وقد ترشح أمر الأتابكي يلباى إلى السلطتة، فانفض المجلس على ذلك، وقامت الأمراء وتوجهوا إلى بيوتهم، وكان الأمير تمر بغا بيمهد لنفسه فقصد سلطنة يلباى حتى يشيله من قدامه ويتسلطن من بعده وكذا جرى. فلما كان يوم السبت بعد الظهر وهو اليوم العاشر من ربيع الأول سنة اثنين وسبعين وثمانمائة، فيه كانت وفاة السلطان الملك الظاهر أبى سعيد خشقدم (١)، توفى إلى رحمة الله تعالى وزال ملكه كأنه لم يكن، فسبحان من لا يزول ملكه ولا يتغير. - فكانت مدة سلطنته بالديار المصرية والبلاد الشامية ست سنين وخمسة أشهر وأحد وعشرون يوما بما فيه من مدة توعكه وانقطاعه … . فلما أشيع موته ماجت القاهرة وبادر الأمراء بالصعود إلى القلعة، وصعد الأتابكى يلباى وهو بتخفيفة صغيرة غير مزرر الطوق وهو يبكى، فلما تكامل صعود الأمراء أخذوا فى أسباب تجهيز السلطان فغسلوه وكفنوه وأخرجوا نعشه، وصلى عليه بباب القلة، ونزلوا به من سلم المدرج في نفر قليل من المماليك والخدام، ولم يكن معه أحد من الأمراء، فتوجهوا به إلى تربته التي أنشأها بالصحراء فدفن بها، وكان دفنه بعد العصر من يوم السبت المذكور، وانقضت أيامه كأنها لم تكن، ومات وله من العمر نحوا من سبعين سنة، وكان ملكا جليلا كفوا للسلطنة، أدوبا حشما، عاقلا وقورا شجاعا مقداما، عارفا بأنواع الفروسية، وكان إذا ساق الفرس لا ينفرد ذيله من تحت فخذه وهو في قوة سوقه، وكان عنده تواضع، سيوسا عند المحاكمات من غير حدة ولا بادرة، عارفا بتدبير أحوال المملكة، ماشيا على طريقة الملوك السالفة، تابعا لطريقة أستاذه الملك المؤيد شيخ فى عمل المواكب بالقصر والمبيت به في ليلة الإثنين والخميس، ويصعد العسكر إلى القلعة وهم بالشاش والقماش،

стр. 204

وينزل لفتح السد في يوم وفاء النيل بنفسه كعادة المؤيد شيخ، ويلبس الأمراء الصوف بمطعم الطير الذى بالمطرية، ويشق القاهرة في المواكب الحافلة والأمراء قدامه ويكون له يوم مشهود، ويدير في كل سنة المحمل في رجب وتسوق الرماحة على العادة القديمة، ويصرف على ذلك جملة أموال، ويحرق بالرملة النفوط الهائلة الحافلة، وتصرف الناس في تلك الأيام أموالا لها صورة، وتعمل الأسمطة والمدات الحافلة بسبب سوق الرماحة، وكان ينزل إلى الرمايات ببركة الحب ويبات بها ويشق من القاهرة وتزين له، ويرى له المواكب حافلة والأيام المشهودة، وكانت أيامه كلها لهو وانشراح، ولم يقع في أيامه بمصر الطاعون ولا الغلاء، ولا أخرج من مصر تجريدة إلى البلاد الشامية، وكان شهما مهابا، حسن الهيئة، جميل الصورة، أحمر اللون (١)، مدور الوجه، شائب اللحية، طويل القامة، ضخم الجسد، فصيح اللسان بالعربى، يقرأ القرآن وله بعض اشتغال بالعلم، وكان رومى الجنس من الأرنووط، وكان ترفا في ملبسه (٢) صنع له مهاميز وركبا من الذهب، وكان يلبس الصمور الفاخر والأقبية الصوف الأخضر ويبطنها بالمخمل الأحمر، ويلبس القمصان الحرير فى الشتاء، وكان عنده رقة حاشية ويسمع المغنا، وكان كثير النكاح غير عفيف الذيل، وكان يحب العلماء والفقراء، ويمازح ندماءه غير عبوس، وكان لا يوصف بالكرم الزائد ولا بالبخل المفرط، وهو آخر من مشى من ملوك مصر على النظام القديم وطريقة الملوك السالفة. وأما ما عد من مساوئه فكان سريعا لعزل أرباب الدولة ولا سيما لقضاة القضاة والمباشرين يأخذ أموالهم ويعزلهم سريعا، ومنها قتله الجانى بك نائب جدة وتنم رصاص من غير ذنب ولم يكن جانى بك وثب عليه وكان سببا

стр. 205

لسلطنته، ومنها أنه كان يقرب الأرذال والأوباش ويوليهم الوظائف السنية ويسلطهم على الناس، ومنها أنه قبض على الصاحب علاى الدين بن الأهناسي وصادره وأخذ منه نحوا من مائة ألف دينار، وما كفاه ذلك حتى فك رخام بيته الذي في بركة الرطلى ونقله إلى تربته التى أنشأها في الصحراء، وغرق يرش مملوك جاني بك نائب جدة من غير ذنب وكان شابا صغير السن جميل الصورة، ومنها أنه ضيق على الخليفة المستنجد بالله يوسف وأمره بأن يسكن بالقلعة داخل الحوش السلطانى، ومنعه من أن ينزل إلى المدينة بحيث أن أخته الست مريم توفيت فلم ينزل يصلى عليها واستمر بالقلعة إلى أن مات بها. وفي الجملة أنه كان عنده لين جانب ورفق بالناس عند المصادرات بالنسبة لمن جاء بعده من الملوك، وكان له محاسن ومساوئ من خير وشر. - وهو الذي أثار فتنة شاه سوار وجرى من بعده أمور شتى، ووقع بينه وبين ابن عثمان ملك الروم واستمرت العداوة عمالة بينه وبين سلطان مصر وجرى منه ما يأتى الكلام عليه في موضعه. - وقيل إنه خلف في بيت المال من الذهب النقد سبعمائة ألف دينار، حصلها لغيره، وقد جمعها من حلال وحرام ومصادرات والرشا (١) على الوظائف وغيرها. - وكانت عدة مماليكه إلى أن مات زيادة على ثلاثة آلاف مملوك من مشتراواته، ولم يجئ على أيامه فصل ولكن قتل منهم فى وقعات سوار ما لا يحصى. - وخلف من الخيول والجمال والبغال أشياء كثيرة. - وحصل للناس من مماليكه الضرر الشامل، وتزايد أذاهم وجورهم فى حق الناس جدا، وكان الظاهر خشقدم لا بأس به في مواضع. انتهى ما أوردناه من أخبار دولة الملك الظاهر خشقدم وذلك على سبيل الاختصار، ولما مات تسلطن بعده الأتابكي يلباى.

стр. 206

ذكر: سلطنة الملك الظاهر أبى سعيد سيف الدين يلباى المؤيدى وهو التاسع والثلاثون من ملوك الترك وأولادهم بالديار المصرية، وهو الرابع عشر من ملوك الجراكسة وأولادهم في العدد ممن تسلطن بمصر. أقول وكان أصل الظاهر يلباي جركسي الجنس، جلبه الأمير أينال ضضع من بلاد الجراكسة، فاشتراه منه الملك المؤيد شيخ في سنة عشرين وثمانمائة، فأقام فى الطبقة مدة، ثم أعتقه وأخرج له خيلا وقماشا وصار من جملة الجمدارية، ثم بقى خاصكيا، ثم بقى ساقيا في دولة الملك الظاهر جقمق، ثم أنعم عليه بأمرة عشرة، ثم بقى أمير طبلخاناه، ثم بقى مقدم ألف في دولة الأشرف أينال، ثم بقى حاجب الحجاب في دولة الظاهر خشقدم، ثم بقى أمير آخور كبير، ثم بقى أتابك العساكر بمصر بعد موت الأتابكي قائم التاجر في سنة سبعين وثمانمائة، واستمر على ذلك حتى توفى الملك الظاهر خشقدم فتسلطن بعده. وكان من ملخص أخبار سلطنته (١) أن لما توفى الظاهر خشقدم اجتمع الأمراء بباب السلسلة عند المقر الشهابي أحمد بن العيني أمير آخور كبير، فتكلم الأمراء فيمن يلى السلطنة بعد الظاهر خشقدم فوقع الاختيار من الأمراء على سلطنة الأتابكي يلباى فترشح أمره إلى السلطنة، وكان القائم في ذلك المقر السيفى تمر بغا أمير مجلس وكان يمهد لنفسه فى الباطن، وكان الماليك الجلبان الخشقدمية فئتين، فئة مع الأمير خاير بك الدوادار، وفئة مع

стр. 207

ابن العيني، فلما تعصب الأمراء للأتابكي يلباى فما وسع خاير بك إلا الموافقة على ذلك .. فأحضر الخليفة والقضاة الأربع، وأحضروا إليه شعار السلطنة وهي الجبة والعمامة السوداء والسيف البداوى، فبايعه الخليفة وتلقب بأبي سعيد الظاهر كخشقدم، فلما تمت بيعته أفيض عليه شعار الملك، وكانت مبايعته بالقصر الكبير فما ركب فرس النوبة ولا حمل القبة والطير على رأسه ولا مشت قدامه الأمراء، فجلس على سرير الملك والباقي للغروب نحوا من خمس درج - وفى ذلك اليوم سقط باب القصر الكبير فما أمكن الدخول إلى القصر إلا من الإيوان، فتفاعل الناس بسرعة زوال ملكه عن قريب وكذا كان - فلما جلس على سرير الملك باس له الأمراء الأرض، وضربت له البشائر بالقلعة، ونودى بسلطنته في القاهرة فلم يدعو له أحد من الناس. - ثم أخلع على المقر السيفي تمر بغا أمير مجلس وأقره في الأتابكية عوضا عن نفسه (١)، وأخلع على الخليفة ونزل إلى داره. ثم إن الظاهر يلباى بات تلك الليلة بالقصر، فلما أصبح يوم الأحد حادي عشره أشار عليه خاير بك الدوادار بأن يرسل بالقبض على الأمير قرقماس الجلب وأرغون شاه أستادار الصحبة (٢)، فإن خاير بك خشى من قرقماس الجلب أن تقوم معه الأشرفية فإنه كان رأس الأشرفية وترشح أمره إلى السلطنة غير ما مرة، فأرسل الظاهر يلباى مراسيم بالقبض عليه، وكان قد توجه إلى جهة الصعيد هو والأمير يشبك الفقيه الدوادار بسبب ما وقع بين يشبك من مهدى كاشف الوجهه القبلى وبين يونس بن عمر أمير عربان هوارة وقد تقدم ذكر ذلك، فكان هذا أول مساوئ الظاهر يلباى. ثم في يوم الإثنين (٣) عمل الموكب وهو أول مواكبه، فأخلع على الأمير قانى باى المحمودي (٤) وقرر في أمرة مجلس عوضا عن تمر بغا بحكم تقرره في الأتابكية -

стр. 208

وفى هذا الشهر جاءت الأخبار من حلب بأن شاه سوار قد قويت شوكته والتف عليه جماعة كثيرة من التركمان، فكسر العسكر الشامى والحلبي (١) وقتل جماعة كثيرة من الأعيان واستولى على عدة مدن وقلاع، وأسر برد بك البجمقدار نائب الشام، وقتل قاني باى الحسنى المؤيدي (٢) نائب طرابلس وكان إنسانا حسنا لا بأس به مات وله من العمر زيادة على سبعين سنة، وقتل قراجا الظاهري (٣) الخازندار أتابك دمشق وكان أميرا دينا خيرا رومى، الجنس حشما رئيسا كان حاجب الحجاب بمصر ثم نفى إلى القدس بطالا ثم أفرج عنه وقرر في الأتابكية بدمشق وخرج مع نائب الشام فقتل فى المعركة، وقتل أيضا نوروز المحمدى أحد مقدمى الألوف بحلب، وقتل كرتباى الأشرفي (٤) أحد أمراء طرابلس، وقتل مامش من قصروه الأشرفي أحد أمراء طرابلس أيضا، وقتل أيضا شاد بك فرفور الأشرفى (٥) أتابك حماه، وقتل أيضا بكبلاط الأينالى (٦) أحد أمراء طرابلس وكان شابا جميل الصورة، وقتل أيضا ألماس الأشرفي (٧) أتابك حلب، وقتل محمد غريب الأستادار بحلب، ومحمد بن جلبان (٨) أحد أمراء دمشق، وقتل من العسكر ما لا يحصى وإنما ذكرنا هنا أعيان من قتل في المعركة، وهذا أول استظهار شاه سوار على العسكر السلطاني وأول فتكه بهم، واستمرت هذه الفتنة تتزايد حتى صار من أمرها ما سيأتى الكلام على ذلك.

стр. 209

وفيه عمل السلطان المولد النبوى (١) وكان غير حافل. وفيه نودى للعسكر بأن نفقة البيعة يكون فى أول الشهر الجديد (٢). وفيه عين السلطان جماعة من أعيان الخشقدمية منهم برسباى قرا وحكم قرا وطومان باى بأن يتوجهوا إلى الوجه القبلى بالقبض على قرقماس الجلب أمير سلاح وقلمطاى الاسحاقى وأرغون شاه أستادار الصحبة وكلهم أشرفية برسبيهية، فتوجهوا هؤلاء وقبضوا على الأمراء المذكورين وتوجهوا بهم إلى السجن بثغر الإسكندرية (٣) وفيه (٤) رجع إلى القاهرة الأمير أزبك من ططخ رأس نوبة النوب والأمير جاني بك قلقسيز حاجب الحجاب، وقد تقدم أنهما توجها إلى العقبة بسبب فساد عربان بني عقبة، فوصل العسكر إلى الأزنم ولاقاهم أينال الأشقر نائب غزة، فقبضوا على شيخ بني عقبة وجماعة من العربان نحوا من ستين إنسانا، فلما طلع أزبك وجانى بك قلقسيز، فباسا الأرض للظاهر يلباى، فأخلع عليهما ونزلا إلى دورهما، ثم إن الظاهر يلباى رسم بتوسيط العربان الذي أحضروا هم وشيخهم مبارك، وكان في العربان من هو صغير السن دون البلوغ، فوسطهم أجمعين ولم يعرف الظالم من المظلوم فعد ذلك من مساوئه أيضا. فلما حضر أزبك من ططخ أشار خاير بك الدوادار على الظاهر يلباي بأن يولى أزبك نيابة الشام عوضا عن برد بك البجمقدار بحكم أسره عند سوار، وكان الظاهر يلباى مع خاير بك الدوادار مسلوب الاختيار لا يقضى أمرا دونه، فكان إذا سئل في شيء يقول: إيش كنت أنا قل له (٥)، يعنى قل لخاير بك، حتى سموه العوام: قل له. فلما كان يوم الجمعة أواخر هذا الشهر طلع الأمير أزبك إلى القلعة وصلى الجمعة مع السلطان، فلما انقضت الصلاة جلس السلطان على باب

стр. 210

الستارة وأحضر خلعة وألبسها للأمير أزبك من ططخ وقرره في نيابة الشام (١) عوضا عن برد بك البجمقدار، ثم قرر مع الأمير أزبك أن يخرج بعد ثلاثة أيام .. ثم عمل الموكب وأخلع على خشداشه قنبك المحمودى وقرر في أمرة السلاح عوضا عن قرقماس الجلب بحكم سجنه بثغر الإسكندرية، ثم إن الظاهر يلباى أرسل خلعة إلى أينال الأشقر نائب غزة ونقله إلى نيابة حماه عوضا عن تنم خونى الحسنى بحكم وفاته، وعين نيابة غزة إلى محمد بن مبارك فامتنع من ذلك .. وفي أواخر هذا الشهر توفى قتيلا ببلاد الشرق يشبك أوش قلق المؤيدى (٢)، قتل بيد حسن الطويل صاحب ديار بكر، وكان موصوفا بالشجاعة جدا .. وفيه جاءت الأخبار بوفاة سنقر العايق، وكان من أعيان الظاهرية، وكان موصوفا بالشجاعة وأنواع الفروسية، وكان كثير الانهماك في اللذات وشرب الراح وحب الملاح، وكان تنقل في وظائف كثيرة آخرها أتابكية طرابلس، وكان لا بأس به. وفي ربيع الآخر (٣) ابتدأ السلطان بتفرقة النفقة على الجند، ولكن قطع نفقة أولاد الناس قاطبة وكذلك الخدام ومن كان غائبا من المماليك، ولم ينفق على الأمراء أيضا، وكان هذا من مساوئه أيضا. - وفيه (٤) عمل السلطان الموكب وأخلع على جماعة من الأمراء منهم جاني بك قلقسيز وقرر في أمرة مجلس عوضا عن قانى باى المحمودى (٥)، وقرر فى حجوبية الحجاب برد بك هجين عوضا عن جانى بك قلقسيز، وقرر في رأس نوبة النوب قايتباى المحمودي عوضا عن أزبك من ططخ بحكم انتقاله إلى نيابة الشام، وقرر فى تقدمة قايتباى سودون القصر وى نائب القلعة، وقرر خشكلدى البيستى في تقدمة ألف، وأرسل خلعة إلى أينال الأشقر وقرر في نيابة طرابلس بعد

стр. 211

أن عين إلى نيابة حماه، وتقرر محمد بن مبارك فى نيابة حماه (١)، وكانت نيابة طرابلس شاغرة من حين قتل قانى باى الحسنى في وقعة سوار. ثم إن السلطان أخلع (٢) على طرا باى الظاهرى خشقدم وقرر في الحسبة، وقرر مغلباى أزن سقل في شادية الشراب خاناه عوضا عن خشكلدى البيستى، وقرر في أستادارية الصحبة سودون البهاى عوضا عن أرغون شاه الأشرفى. ثم إن السلطان شرع ينعم (٣) على أعيان الخشقدمية بأمريات عشرات منهم أركماس وقايت البواب وطرا باي وأصباى واصطمر وجانم ومغلباى، ثم أنعم على جماعة من الظاهرية الحقيقية بأمريات عشرات منهم أزبك اليوسفي وقانم قشير وقائم أمير شكار وحكم قرا وقرقماس أمير آخور، وأنعم على جماعة من المماليك السيفية بأمريات عشرات منهم تمر باى التمرازى المهمندار و برسباي الشرفي وغير ذلك من الخشقدمية والحقمقية والسيفية. وفيه جاءت الأخبار بأن برد بك البجمقدار نائب الشام قد خلص من أسر سوار وقد وصل إلى غزة طالبا للقاهرة، فلما بلغ السلطان ذلك استشار الأمير خاير بك الدوادار في ذلك، فأشار عليه بأن يرسل بالقبض عليه وأن يحمل إلى القدس بطالا (٤)، فتوجه إليه أزدمر تمساح وقبض عليه وتوجه به إلى القدس، وقيل إنه دخل إلى القاهرة واختفى بها في مكان حتى قبض عليه وخرج إلى القدس، وكان برد بك البجمقدار سببا لكسر العسكر الذي توجه إلى سوار، فإنه كان متواطئا مع سوار فى الباطن، فأخنى (٥) بالعسكر حتى انكسر وقتل من قتل منهم، وكان برد بك مخامرا على الظاهر خشقدم في الباطن، فلما خرج إلى التجريدة وانكسر العسكر التف برد بك على سوار وأقام عنده،

стр. 212

فلما بلغه موت الظاهر خشقدم أطلقه سوار فقصد المجيء إلى مصر عند خشداشينه جماعة الظاهرية الحقيقية، فوجد الأمر والنهى للأمير خاير بك الدوادار، فقبض عليه وأرسله إلى القدس بطالا وقال: عدو أستاذى عدوى -. وفيه سافر (١) الأمير أزبك من ططخ إلى الشام، وقد تقدم أنه قرر في نيابة الشام. فخرج إليها في تجمل زائد وكان له يوم مشهود. وفيه جاءت الأخبار بوفاة جهان كير (٢) أخى حسن الطويل، وكان من محاسن بني قرا يلك، وكان متوليا على ماردين، وأنعم عليه الظاهر جقمق بتقدمة ألف بحلب، وملك ديار بكر بعد عمه حمزة، فلما مات استقل حسن الطويل بعده بملك ماردين وديار بكر جميعه واشتهر صايح (٣) حسن الطويل وذكره من يومئذ وعظم قدره جدا. وفي جمادى الأولى ظهر العجز على السلطان يلباي وقصرت كلمته، وحار في رضى المماليك الخشقدمية، وصار فى يدهم مثل اللولب يديرونه حيث شاؤوا، فكثرت الإشاعة بأن الجلبان الخشقدمية قصدهم إثارة فتنة وأن يقبضوا على جماعة من الأمراء المؤيدية، فامتنعت الأمراء من الصعود إلى القلعة (٤) مثل قنبك المحمودى أمير سلاح وجانى بك كوهيه ومغلباى طاز، فبينما هم على ذلك إذ حضر الأمير يشبك الفقيه أمير دوادار كبير، وكان خرج صحبة الأمير قرقماس الجلب إلى جهة الصعيد كما تقدم، فلما حضر إلى القاهرة قصد بأن يثير فتنة ويقبض على جماعة من الخشقدمية لكى يصفو لهم الوقت فجاء الأمر بخلاف ذلك. فلما كان يوم الخميس خامس هذا الشهر وثب الأمير يشبك الفقيه (٥) ولبس لامة الحرب واجتمع عنده

стр. 213

سائر خشداشينه المؤيدية، فلما سمع بذلك الأشرفية والأينالية جاءوا إلى يشبك الفقيه أفواجا أفواجا، والتف عليهم جماعة كثيرة من المماليك السيفية فتكامل عنده عدة وافرة من هذه الطوائف، وأتى إليه الجم الخفير من الزعر والعوام، ثم إن خشداشه طوخ الزردكاش نقل إليه من الزردخاناه أشياء كثيرة من قسى ونشاب وسبقيات وغير ذلك من آلات الحرب، فلما تكامل هذا الجمع خرج الأمير يشبك الفقيه من داره وطلع في المدرسة الجاولية التي بجوار بيته فجلس بها ونصب هناك مكحلة، وحفر أربعة خنادق: واحد عند مدرسة لاجين التي في الجسر الأعظم، وواحد عند المدرسة الصرغتمشية، وواحد عند رأس حدرة الكبش، وواحد عند باب جامع ابن طولون، فعند ذلك كثر الهرج والاضطراب وكان يشبك الفقيه قرر مع الظاهر يلباى بأن ينزل إليه ويعلق الصنجق السلطانى فى المدرسة الجاولية وتجتمع عنده العساكر، فلم ينزل السلطان إليه، فلما بلغ الخشقدمية أن الأينالية والأشرفية قد التفوا على الأمير يشبك الفقيه فقلقوا من ذلك واستمالوا معهم الظاهرية الجقمقية، فلما تزايدت الفتنة وقع القتال بين الفريقين واستمر في ذلك اليوم عمالا، ونزل جماعة من المماليك الخشقدمية وتحاربوا مع الأينالية والأشرفية. فلما كان يوم الجمعة سادسه نزل من القلعة بعد صلاة الجمعة السواد الأعظم من العسكر، ونزل معهم الأمير قايتباى المحمودى رأس نوبة النوب، فتوجهوا إلى عند الأمير يشبك الفقيه وتحاربوا معه، ووقع في ذلك اليوم أمور يطول شرحها، وقتل في ذلك اليوم ثلاثة أنفار من المماليك السلطانية، فلما حال بينهما الليل ففى تلك الليلة دار جماعة من الظاهرية الجقمقية على الأشرفية والأينالية واستمالوا أعيانهم، واتفقوا معهم تحت الليل بأن يكونوا هم وإياهم شيئا واحدا، ويشيلوا المؤيدية قاطبة، ويعزلوا الظاهر يلباى ويسلطنوا الأتابكي تمر بغا، فاتفقوا على ذلك. فلما أصبح اليوم يوم السبت سابعه تسحب سائر العسكر الذي كان عند يشبك الفقيه، فلما تلاشى أمره هرب واختفى هو وخشداشينه المؤيدية قاطبة وانكسروا كسرة قوية، فعند

стр. 214

ذلك نهب العوام بيوتهم، ولا سيما بيت قنبك المحمودي أمير سلاح فلم يتركوا في بيته شيئا قل وجل، وكان تدبيرهم في تدميرهم كما قيل في المعنى: إذا لم يكن عون من الله للفتى … فأول من يجنى عليه اجتهاده فلما كان يوم السبت دخل جماعة من فجار الخشقدمية على الظاهر يلباى وأقاموه من على مرتبته وأدخلوه في سجن المخبأة التي تحت الحراقة، وقد وقع الاتفاق على سلطنة الأتابكى تمر بغا الظاهري وقد ترشح أمره إلى السلطنة، وأشرف الظاهر يلباى على خلعه من السلطنة، فكان مدة سلطنته بالديار المصرية شهرين إلا أربعة أيام، فكأنها سنة من النوم أو يوم أو بعض يوم كما قيل في المعنى: ركب الأهوال في زورقه … ثم ما سلم حتى ودعا ثم في أثناء ذلك اليوم قبض على قنبك المحمودي أمير سلاح، فلما طلعوا به إلى القلعة نقلوا الظاهر يلباى إلى قاعة البحرة وأدخلوا عنده قاني بك المذكور وقيدوهما، واستمرا مقيمين في البحرة هو وقاني بك ثلاثة أيام ثم توجهوا بهما إلى السجن بثغر الإسكندرية. وكان الظاهر يلباى آخر سعد المؤيدية و به زالت دولتهم كأنها لم تكن، فما كان أغنى الظاهر لبا عن هذه السلطنة، وكان يلباى عمره أرشل قليل المعرفة وعجز عن تدبير الملك، وكان يعرف بيلباي المجنون، وكان من مبتدأ أمره إلى أن بقى سلطانا وهو في غلاسة هو ومماليكه، وكان ملبسه غلس، وسماطه غلس، وشكله سمج، سييء الأخلاق، سوء الطباع، مقت اللسان، وكان عنده شح زائد وبخل كثير، وكانت سلطنته غلظ، وزال سعده جملة واحدة، وخرج ماله على أنحس وحه وقد نفقه على العسكر، فلما تشحطت النفقة فحسن له خاير بك الدوادار أن يكمل النفقة من ماله، وإذا جاء من المال يستعيد الذي أنفقه، فانصاغ له وأخرج ما عنده من المال الذي حصله من حين كان جنديا فنفقه جملة واحدة وضاع عليه ذلك، وكان سيء التدبير في سائر أفعاله كما قيل في المعنى:

стр. 215

وفظ غليظ الطبع لا ود عنده … وليس لديه للأخلاء تأنيس تواضعه كبر وتقريبه جفا … وترحيبه مقت وبشراه تعبيس وكانت أيام سلطنته شر أيام مع قصرها، وكان مع خاير بك الدوادار في غاية الضنك، ليس له فى السلطنة إلا مجرد الاسم فقط، ولا يتصرف في شيء من أمور المملكة إلا يشور خاير بك حتى سمته العوام: أيش كنت أنا قل له، وآخر الأمر خلع من السلطنة وقيد وسجن بثغر الإسكندرية حتى مات بالسجن (١) وقد كبر سنه وقاسى شدائدا ومحنا، وكان عمره كله أرشل. ولما خلع من السلطنة تولى بعده تمر بغا الظاهرى كما سيأنى الكلام على ذلك. انتهى ما قد أوردناه من أخبار دولة الظاهر يلباى وذلك على سبيل الاختصار، تمت. .
следующие страницы →