← История

История · id 30070

صفحات لم تنشر من بدائع الزهور فى وقائع الدهور

ابن إياس

Полный текст (225 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عشر مسري. وفيه (١) أخلع السلطان على الزيني أبي بكر بن مزهر وقرر في كتابة السر، عوضا عن برهان الدين بن الديري، وقرر في نظر الجيش تاج الدين بن المقسى عوضا عن ابن مزهر. وفي ذي الحجة جاءت الأخبار من ثغر الإسكندرية بوفاة الناصري محمد بن الملك الأشرف أينال (٢) أخو الملك المؤيد أحمد، فلما مات نقلت جثته إلى القاهرة ودفن على أبيه، وكان له من العمر لما مات تسعة عشر سنة، وكان أيام أبيه بيده تقدمة ألف، وكان شابا عاقلا حشما رئيسا لا بأس به. - وفيه ورد من مدينة تونس بالغرب صفة استفتاء في امرأة ولدت مولودا نصفه آدمى ونصفه الآخر صفة حية فماتت أم هذا المولود عقيب وضعه وتركته حيا فهل يرث من أمه شيئا مع وجود أبيه وأخيه أم لا، فأفتى بعض علماء مصر إن كان صفة الحية من جهة رأسه فلا ميراث له وإن كان من جهة الأسفل فله الميراث. وفيه توعك السلطان في جسده وانقطع عن الخدمة أياما ثم شفى وجلس على الدكة على العادة وحكم بين الناس (٣)، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة سبع وستين وثمانمائة فيها في المحرم طلع قضاة القضاء ومشايخ العلم وهنوا السلطان بالعام الجديد وبعافيته وضربت البشائر في ذلك اليوم بالقلعة وتخلق الطواشية بالزعفران (٤). وفيه في تاسع عشره دخل الحاج في الركب الأول، ثم في عشرينه دخل المحمل فعد ذلك من النوادر كونه دخل في تاسع عشر المحرم، وسبق أوائل الحاج في ثامن عشره (٥). وفيه (٦) نزل السلطان وتوجه إلى المطعم

стр. 142

وألبس الأمراء الصوف ودخل من باب النصر وشق من القاهرة وكان له يوم مشهود - وفيه رسم السلطان بسجن سنقر قرق شبق الزرد كاش ٣ بقلعة صفد (١) بعد أن كان قد رسم له بأن يتوجه إلى مكة. وفى صفر (٢) قرر مجد الدين بن منقورة الأسلمى في نظر الدولة، فأقام بها ثلاثة أيام وقبض عليه السلطان وضربه بالحوش وقرر عليه ستة آلاف ٦ دينار وسلمه إلى والى الشرطة وهو في الحديد .. وفيه (٣) أخلع السلطان على الصاحب علاى الدين بن الأهناسى وأعاده إلى الوزارة، عوضا عن يحيى ابن الصنيعة، وقرره أيضا في نظر الخاص، عوضا عن شرف الدين الأنصارى، ٩ فاستقر في الوظيفتين في شهر واحد، وكانت هذه آخر ولاياته ومنتهى سعده، وقرر في وكالة بيت المال ونظر الجوالى علاى الدين بن الصابوني، عوضا عن شرف الدين الأنصارى وقد رسم السلطان عليه بالبحرة وقرر عليه وفيه قرر في نظر البيمارستان ابن الصابوني أيضا عوضا عن ابن مزاحم - وفيه قرر في أمرة هوارة يونس بن إسمعيل بن عمر، وصرف سليمان. وفى ربيع الأول (٤) أخلع السلطان على علم الدين أبي الفضل بن جلود القبطى وقرر في كتابة المماليك. وفيه كانت وفاة شيخ الإسلام علامة عصره قاضي القضاة سعد الدين سعد الديرى (٥) الحنفى رحمة الله عليه، وهو سعد بن محمد بن عبد الله بن مفلح بن أبى بكر بن سعد المقدسي الديرى الحنفى، وكان إماما عالما فاضلا وارعا زاهدا ماهرا في الفقه والحديث والتفسير وغير ذلك من العلوم، انتهت إليه رياسة الحنفية بمصر وكان

стр. 143

معظما عند الملوك والسلاطين، ولى قضاء الحنفية مدة طويلة نحوا من أربعين سنة، وكذلك مشيخة الجامع المؤيدى، وصنف الكتب الجليلة في العلوم النفيسة، ومولده فى رجب سنة ثمان وستين وسبعمائة، فمدة حياته مائة سنة إلا عاما وبعض شهور، ولما مات دفنه السلطان في تربته تبركا به، ومات وهو منفصل عن القضاء، وقد رثاه الشهاب المنصوري بهذه الأبيات فمنها قوله: دع الأيام تعجب والليالى … فظل نعيمهن إلى زوال وقصارى عيشهن إلى فناء … وغاية أهلهن إلى انتقال تنكرت المعارف في عياني … وتمييزى غدا في سوء حال وما عوضت من بدل وعطف … سوى توكيد سقمى واعتلال ودائى ليس يشفيه دواء … وجرحى لا يؤول إلى اندمال لفقد السعد قد سهرت عيونى … فوا أسفا على طيف الخيال به الأيام قد كانت قصارا … فويلي من لياليها الطوال وكان ذخيرتى فيها وكنزى … وكان هدايتي عند الضلال لقد درست دروس العلم حزنا … وقد ضل الجواب عن السؤال ودق الناس أبواب الفتاوى … وقد وصلوا إلى باب الصيال بكاك العلم حتى النحو أضحى … مع التصريف بعدك في جدال وقد أضحى البديع بلا بيان … وقد سفلت معايبه العوال بكت أوراقه بيض المواضي … دما ويراعه سمر العوالى وعين دواته عمشت وآلت … يمينا لا تداوى باكتحال فواعجبا لجوهرة عليها … بكيت من المدامع باللآلى وقد عظمت رزيتنا فنبه … لها عمرا ونم جنح الليالى فلا زالت ذوو الأقدار تلقى … من الأيام أنواع النكال وكم جنت المنون على كرام … وجندلت الكمي بلا قتال فيا قبرا ثوى فيه تهنى … فقد حزت الجميل مع الجمال

стр. 144

وقد غيبت وجها كان أشهى … إلى الظامي من الماء الزلال رعاه الله غصنا أذكرتنى … شمايله نسمات الشمال وحيا منزلا فيه اجتمعنا … وبالى من أمان من وبالى سقاه الله عينا سلسبيلا … وأسبغ ما عليه من الظلال وبوأه من الفردوس مثوى … ورقاه إلى الغرف العوال وفيه (١) عمل السلطان المولد النبوى وكان مولدا حافلا. وفيه (٢) توفى شاد بك الصارمى نائب غزة، وكان أصله من مماليك ابن المؤيد شيخ ورقى حتى بقى نائب غزة وكان لا بأس به. وفيه اختفى زين الدين الاستادار، فأراد السلطان أن يولى منصور بن الصفى فامتنع من ذلك، فأخلع السلطان (٣) على قاسم الكاشف وقرره فى الاستادارية عوضا عن زين الدين. وفيه جاءت الأخبار بأن جانم نائب الشام قد قتل بالرها (٤) على يد بعض مماليكه، وقد تحيل جاني بك التاجى نائب حلب فى قتله حتى قتل بغتة على يد بعض مماليكه. وكان أصل جانم هذا من مماليك الأشرف برسباى وكان يعرف بجانم المكحل، وكان رئيسا حشما دينا خيرا شجاعا بطلا، ولكن كان عنده خفة ورهج وحدة مزاج مع طيش، وولى عدة وظائف جليلة منها الأمير آخورية الكبرى بمصر ونيابة حلب ونيابة دمشق، وكان ترشح أمره إلى السلطنة ولم يتم ذلك وقد تقدمت أخباره بما جرى عليه من عصيانه وما كان سبب ذلك. وفيه جاءت الأخبار بأن عثمان صاحب تونس قد انتصر على محمد بن أبي ثابت صاحب تلمسان وضربت السكة باسمه وأقيمت الخطبة باسمه أيضا، وقد قبض على محمد بن أبي ثابت صاحب تلمسان بعد ذلك وسجنه. وفيه توفى الشيخ زين الدين ماهر بن عبد الله (٥) الأنصارى

стр. 145

الشافعى وكان من أهل العلم والفضل لا بأس به. وفى ربيع الآخر خرجت التجريدة المعينة إلى قبرس (١) وكان باش العسكر الأمير برد بك البجمقدار حاجب الحجاب والأمير جانى بك قلقسيز ومن الأمراء العشرات جماعة كثيرة، فبعث السلطان للأمير برد بك البجمقدار نفقة خمسة آلاف دينار، وللأمير جانى بك قلقسيز ثلاثة آلاف دينار، ولكل أمير عشرة مائتى دينار، ولكل مملوك من مماليك السلطان خمسة عشر دينارا، وخرجوا من البحر الملح. وفيه قرر في نيابة ملطية يشبك البجاسي أتابك حلب عوضا عن أينال الأشقر، وقرر فى الأتابكية بحلب أينال الأشقر (٢). وفيه توفى الشيخ علاى الدين الغزى إمام السلطان وكان لا بأس به. وفيه خرجت خوند الأحمدية زوجة السلطان إلى زيارة سيدى أحمد البدوى (٣) فخرجت في محفة كما تقدم قبل ذلك. وفيه ظهر زين الدين الأستادار (٤) فأخلع عليه السلطان وقرره في الأستادارية، وصرف عنها قاسم الكاشف. وفيه ولد للسلطان ولد ذكر من بعض سراريه. وفي جمادى الأولى قرر فى نيابة صفد بلاط اليشبكي بمال سعى به، وقرر خاير بك القصروى فى تقدمة ألف بدمشق، عوضا من يشبك المؤيدى، وقرر أوش قلق (٥) في نيابة غزة، عوضا عن شاد بك الصارمي بحكم وفاته. وفيه (٦) توفى الأمير جانى بك البواب المؤيدى أحد الأمراء العشرات وكان دينا خيرا لا بأس به. - وفيه مرض الأتابكي جرباش كرت

стр. 146

فنزل السلطان وعاده، فقدم إليه الأتابكى جرباش تقدمة حافلة فقبل منها السلطان بعضها ورد الباقي … وفيه صحت الأخبار بموت جانم نائب الشام كما تقدم فدقت البشائر لذلك بالقلعة وفى بيوت الأمراء، فعد موت جانم من جملة سعد الظاهر خشقدم ولو عاش جانم كدر عيش الظاهر خشقدم وأفسد البلاد الحلبية وخبثها. وفي جمادى الآخرة توفيت خوند عائشة (١) ابنة الملك الظاهر جقمق، وهي زوجة الأمير أزبك من ططخ، من خوند مغل بنت البارزي، أخرجت في بشخانة زركش ونزل السلطان وصلى عليها بسبيل المؤمنى وكانت جنازتها حافلة، ودفنت عند أبيها بتربة قانى باى الجركسي. وفى رجب (٢) كان دوران المحمل على العادة، ومعلم الرماحة الأمير قايتباي المحمودي شاد الشراب خاناه.- وفيه (٣) قرر جكم الأشرفى خال العزيز فى نيابة غزة، وبطل أمر شاد بك الجلبانى.- وفيه عجل السلطان بلبس البياض بخلاف العادة لأجل ضرب الكرة، وكان رمضان قد هجم وقرب الصوم.- وفيه وصلت تقدمة من عند تنم نائب الشام وكانت تقدمة حافلة. - وفيه عين السلطان تجريدة إلى البحيرة وكان باش العسكر الأمير جانى بك المرتد أحد المقدمين والأمير قايتباى المحمودي (٤) شاد الشراب خاناه وجماعة من الأمراء العشرات والجند فتوجهوا إلى هناك وأقاموا به مدة ثم عادوا.- وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان ومنعوا الناس من الطلوع إلى القلعة وضربوا مقدم المماليك وهجموا على نائب القلعة (٥)، وكان هذا أول فساد الجلبان الخشقدمية.- وفيه جاءت الأخبار من مكة بوقوع سيل عظيم فهدم البيوت ودخل الحرم وأغرق مقام إبراهيم ﵇ ووصل

стр. 147

إلى قريب باب الكعبة وكان أمرا مهولا. وفيه توفى أزبك المحمودي أحد الأمراء العشرات وكان من مماليك الأشرف برسباى. وفيه (١) أخلع السلطان على البدرى حسن بن الصواف الحمرى وقرر فى قضاء الحنفية بمصر، عوضا عن محب الدين بن الشحنة، وقد سعى ابن الصواف بمال جزيل حتى قرر فى قضاء الحنفية. - وفيه توفى الشيخ شمس الدين بن الجلال الشافعي، وكان فاضلا ذكيا عارفا بزمانه، ومولده سنة ست وسبعين وسبعمائة. وفى شعبان توفى الشيخ برهان الدين بن الميلق الشاذلي الشافعي خطيب جامع ابن طولون، وكان عالما فاضلا واعظا محدثا دينا خيرا، ومولده سنة أربع وثمانين وسبعمائة. وفيه كسفت الشمس كسوفا تاما حتى أظلمت الدنيا واستمرت فى الكسوف نحوا من أربعين درجة. وفى رمضان توفى المسند عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمد الأسيوطى (٢) الشافعي، وكان عالما محدثا لا بأس به. وفيه قرر في تقدمة الماليك مثقال البرهانى الظاهرى، وصرف عنها صندل (٣). وفيه توفى الشيخ شمس الدين محمد بن الضياء العجمى الحلبي الشافعي، وكان ينسب إلى الكرابيسي، وكان الكرابيسي من أصحاب الإمام على ﵁، وكان تولى قضاء الشافعية بحلب، ومولده سنة خمس وسبعين وسبعمائة. وفى شوال اختفى الصاحب علاى الدين بن الأهناسي (٤)، وكان عظم أمره في هذه الولاية جدا ولا سيما جمع بين الوزارة والخاص في وقت واحد. وفيه أخلع السلطان على مجد الدين بن البقرى وقرر في الوزارة عوضا عن العلاى على بن الأهناس، وقرر تاج الدين بن المقسى في نظر الخاص عوضا عن ابن الأهناسي أيضا. - وفيه (٥) خرج الحاج من القاهرة، وكان أمير.

стр. 148

ركب المحمل برد بك البجمقدار، وأمير ركب الأول الشهابي أحمد بن الأتابكي تاني بك البردبكي. وفيه أخلع السلطان على قاضي القضاة علم الدين صالح البلقيني وأعيد إلى قضاء الشافعية وصرف عنها يحيى المناوى (١)، وهذه آخر ولايات علم الدين البلقيني ومات عقيب ذلك بمدة يسيرة. وفي ذي القعدة كان وفاء النيل في تاسع مسرى، فلما أوفى رسم السلطان للأمير جانى نائب جدة بأن يكسر السد ومعه الشهابي أحمد بن العيني، فتوجها إلى المقياس وخلقا العمود بحضرتهما ثم نزلا في الحراقة وفتحا السد على العادة وكان لهما يوم مشهود. وفيه قرر في نيابة الكرك حسن بن أيوب وصرف عنها مبارك شاه. وفيه كان نهاية عمارة القبة التي أنشأها الأمير جاني بك نائب جدة في منشية المهراني، فلما كملت عمارتها عمل لها وليمة حافلة فى ليلة الجمعة سادس عشرين هذا الشهر (٢) وأوقد لها وقدة حافلة على شاطئ النيل ونصب هناك صوارى وعلق بها قناديل، فلما أشيع ذلك بين الناس جاءت الخلائق إلى هناك زمرا في البر والبحر بسبب الفرجة وتزاحمت هناك المراكب، وكانت ليلة حافلة قل أن يقع مثلها في الفرجة والقصف، ١٥ وكان الأمير جانى بك عزم على السلطان خشقدم بأن ينزل إليه ويبات عنده في القبة، فأجابه السلطان خشقدم إلى ذلك، فلم يمكنه جماعته من ذلك وخيلوه من جاني بك، فأرسل إليه ربيبه الجناب الشهابي أحمد بن العينى ١٨ إلى القبة تلك الليلة، فحضر وحضر جماعة من أعيان الدولة ما عدا الأمراء المقدمين الألوف فإنه لم يعزم عليهم، وقرأ فى تلك الليلة هناك ختمة ومد أسمطة حافلة وحضر قراء البلد جميعا، وحضر الريس إبراهيم بن الجندى المغنى وعلى بن رحاب المغنى، فتعصب الأمير جانى بك في تلك الليلة لابن رحاب على إبراهيم بن الجندى، وكان هذا أول شهرة ابن رحاب بالغناء من يومئذ، فبات ابن العيني عند الأمير جانى بك تلك الليلة، فلما أراد الانصراف

стр. 149

من عنده قدم إليه تقدمة حافلة ما بين خيول وبين قماش وغير ذلك، وهذا أول ظهور ابن العيني في الرئاسة بمصر وأطلق عليه سيدى ابن بنت السلطان، فلما انقضت تلك الليلة لهجوا الناس بأن هذه تمام سعد الأمير جانى بك وكذا جرى، فكان بين تلك الوليمة وقتلته أربعة أيام كما سيأتى ذكر ذلك في موضعه. فاما كان يوم الثلاثاء أول (١) ذى الحجة قال السلطان لجاني بك نائب جدة بادر إلى بالطلوع يوم الثلاثاء فإن قصدى أقبض على جماعة من خشداشينى المؤيدية، وكان لأمر بخلاف ذلك، ومن ملخص هذه الواقعة أن الظاهر خشقدم لما ثقل عليه أمر جانى بك نائب جدة، ورأى الظاهرية قد التفوا عليه قاطبة وأشيع عنه الوثوب على السلطان، فاجتمع السلطان بخشداشينه المؤيدية مثل قائم التاجر وقنبك المحمودي وغير ذلك من المؤيدية وضربوا مشورة فى أمر جانى بك، فأشار قائم التاجر على السلطان بأن يجتمع بالأمير جانى بك ويشكو له من قانم التاجر وقنبك المحمودى ومهما قاله له فى حقهم يرد الجواب على الأمير قانم بذلك، فلما طلع الأمير جانى بك إلى القلعة فوجد السلطان كاظم فسأله عن سبب ذلك فأخذ السلطان يشكو له من قائم التاجر ومن بقية خشداشينه بأنهم قد طمعوا في حقه وصاروا يعاكسونه في الأمور، فقال جانى بك: نحن نقبض عليهم بالقصر كما فعلنا بالأشرفية، فقال له السلطان: ما يشكرنى على ذلك أحد كونهم خشداشينى، فقال له جانى بك: سلط عليهم الماليك الجلبان يقتلونهم واعتذر للأمراء عن ذلك أنه لم يكن باختيارك وإذا قتلوهم لم تنتطح في ذلك شاتان، فاتفقا على ذلك، فأرسل السلطان يعلم الأمير قانم بما قاله جانى بك فقال قائم للسلطان الذي أشار به جانى بك في قتلنا أفعله أنت به، فقرر مع جانى بك بأن يطلع يوم الثلاثاء

стр. 150

بدرى حتى يفعل ما وقع عليه الاتفاق، ثم إن السلطان قرر مع مماليكا أن إذا طلع جانى بك يكمنون له فى باب القلة ويخرجون عليه يقتلونه وعرفهم كيف يقتلونه، فلما كان يوم الثلاثاء بادر جانى بك بالطلوع إلى القلعة فطلع وصحبته تنم رصاص المحتسب وجانم دواداره وبعض مماليك، فلما طلع إلى القلعة ودخل من باب القلة فاغلقوا خلفه الباب، ورأى في القلعة بعض اضطراب فظن أن ذلك هو الاتفاق الذي اتفقه مع السلطان كما تقدم، فلما وصل إلى باب الجامع خرج عليه كمين هناك من المماليك فطعنه بعضهم بالرمح في بطنه فسقط إلى الأرض مغشيا عليه فأخذ بعض المماليك فص حجر كان هناك وألقاه على رأسه ففششها حتى خرج مخ رأسه، ثم قتلوا تنم رصاص بالسيوف، ثم أرادوا قتل جانم دوادار جانى بك فمنعهم بعض المماليك من ذلك فسجنوه في مكان بالقلعه، ثم جردوا جانى بك من أثوابه وتنم رصاص وألقوهما على حصير في مكان خلف الجامع، وكانت قتلة جانى بك نائب جدة عند الجامع الذى بالقلعة بالقرب من الزردخاناه وذلك في يوم الثلاثاء أول (١) ذى الحجة سنة سبع وستين وثمانمائة وقد لعبت به المؤيدية وتمت الحيلة عليه، وكان هو سعى في قتل جماعة من المؤيدية، فكان كما قيل في المعنى: وكم من طالب يسعى لشيء … وفيه هلاكه لو كان يدرى فلما طلع النهار غسلوا جانى بك وتنم رصاص وكفنوهما وصلوا عليهما بالقلعة ونزلوا بهما، فدفنوا جانى بك فى تربته (٢) التى بالقرب من باب القرافة، ودفنوا تنم رصاص في تربته التي عند الإمام الليث، وكان جانى بك أصله من مماليك الظاهر جقمق ورقى فى دولة الظاهر خشقدم حتى بقى مدبر المملكة، وكان هو القائم فى سلطنة الظاهر خشقدم وفى مسك الأمراء

стр. 151

الأشرفية وفي رجوع جانم نائب الشام بعد ما كان ترشح أمره إلى السلطنة، وكان ينزل من القلعة إلى بيته الذى في السبع سقايات في المواكب الحافلة والأمراء والعسكر قدامه مثل المواكب السلطانية، وهو أول من اتخذ السعاة قدامه من الدوادارية، وكان أميرا جليلا فى سعة من المال، حاكم الحجاز بسبب نيابة جدة، وكان كثير الحيل والخداع دهاء في نفسه سيوسا في أحكامه كريم النفس سخى اليد، وكان صفته أسمر اللون قصير القامة جدا شائب اللحية عليه الوقار والسكينة، ومات وله من العمر نحوا من سبع وخمسين سنة، وكان مولعا بغرس الأشجار وحب الرياض، وهو الذي أنشأ الزاوية التي في منشية المهراني وقرر بها شيخا وصوفة من أبناء العجم، وكان له محاسن ومساوئ وأذى وخير، وكانت قتلته من النوادر الغريبة. -- وأما تنم رصاص (١) أصله من مماليك الظاهر جقمق، وكان ولى حسبة القاهرة، وكان عنده الظلم والعسف الزائد، وهو الذي أنشأ الجامع الذى داخل الدرب بالقرب من بيت جاني بك نائب جدة. فلما قتل جانى بك وقع في ذلك اليوم بعض اضطراب وكثر القيل والقال في ذلك اليوم، ثم إن مماليك جاني بك لبسوا لامة الحرب وطلعوا إلى الرملة، فما طبوا طبة ونزل إليهم مماليك السلطان فشتتوهم عن آخرهم .. ثم في ذلك اليوم قبض السلطان على جماعة من الأينالية ممن كان قد التف على جاني بك نائب جدة وهم أزدمر الإبراهيمي الطويل وتانى بك قرا وشخص آخر، ثم قبض على جماعة من الظاهرية ممن كان من عصبة جاني بك وهم سودون البرقى وقانصوه اليحياوى وطومان باى و دمرداش (٢) الطويل و تغرى بردى ططر وكل منهم كان أمير عشرة رأس نوبة، فبعث سودون البرقى إلى السجن بثغر الإسكندرية، وبعث قانصوه اليحياوي وتغرى بردى ططر إلى طرابلس، وبعث تانى بك قرا إلى غزة، وأزدمر الطويل إلى الشام،

стр. 152

فلما فعل ذلك انخفض أمر الظاهرية وقويت شوكة المؤيدية. ثم عمل الموكب بالقصر (١) وأخلع على الأمير يشبك الفقيه المؤيدى وقرر في الدوادارية الكبرى عوضا عن جانى بك نائب جدة، وأخلع على سودون البردبكى المؤيدى وقرر فى الحسبة عوضا عن تنم رصاص، وقرر في الأمير آخورية الثانية نانق الظاهرى عوضا عن سودون البرقى. وأخلع على المعلم شمس الدين محمد البباى وقرر فى نظر الدولة (٢) وهذا أول عظمة البباى في الوظائف السنية وفيه (٣) توفى الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد بن عمر بن شرف القرافي المالكي سبط ابن أبي جمرة، وهو والد القاضي بدر الدين، وكان عالما فاضلا في مذهبه وناب في القضاء، وكان عين لقضاء المالكية في أيام الأشرف أينال قبل حسام الدين بن حريز فما تم ذلك، ومولده سنة إحدى و وثمانمائة، وكان من أعيان المالكية. ثم إن السلطان ما اكتفى بقتلة جاني بك نائب جدة حتى قبض على جماعة من الأمراء الظاهرية (٤) وهم تمر بغا رأس نوبة النوب وأزبك من ططخ أحد الأمراء المقدمين، ومن الأمراء العشرات برقوق وقان باى الساقي، فقيدوهم ونزلوا بهم على أكاديش تردفهم الأوجاقية بالخناجر، فشقوا بهم من الصليبة، وتوجهوا بهم إلى بولاق، ونزلوا بهم فى الحراقة، وتوجهوا بهم إلى السجن بثغر الإسكندرية، وكان لهم يوم مهول، وسبب ذلك أن السلطان كان له قصد بأن يقبض على جماعة من أعيان الظاهرية فندب إليهم جماعة من مماليكه فقبضوا على من تقدم ذكرهم، فلما جرى ذلك قامت عليه الأشلة، وقصدوا الظاهرية بأن يثبوا عليه، وكادت أن تكون فتنة كبيرة فيها زوال ملكه، فلما تحقق ذلك استدرك فارطه وقصد تخميد هذه الفتنة، فبعث.

стр. 153

خلف قايتباى المحمودى وأزبك اليوسفى وشرع يعتذر لهما بأن الذى جرى من مسك الأمراء لم يكن باختياره ولا بعلمه وإنما هذا فعل المماليك الجلبان، وشرع يحلف عن ذلك الإيمان عظيمة، وكان كاذبا في إيمانه والذي فعل بالأمراء بعلمه وهو القائم في ذلك، وقرر مع قايتباى وأزبك اليوسفى بأنه في باكر النهار يكتب مراسيم بعود الأمراء الذين سجنوا كما تقدم، ثم إن السلطان ألزم قايتباى وأزبك بأن يطوفوا على جماعة الظاهرية ويخمدوا هذه الفتنة، فدار وا تحت الليل على الظاهرية وخمدوا هذه الفتنة، فلما طلع النهار كتب السلطان مرسوما إلى نائب ثغر الإسكندرية بإحضار الأمراء الذين توجهوا إلى السجن بها -. وفى هذا الشهر توفى طوخ كسا الأبوبكرى الناصرى أحد العشرات -. وتوفى كمشبغا شبشق المؤيدى أحد العشرات وكان علامة في في رمى النشاب دينا خيرا كثير البر والصدقات وله اشتغال بالعلم متفقها وكان لا بأس به، انتهى ذلك. ثم دخلت سنة ثمان وستين وثمانمائة فيها فى المحرم قبض مجد الدين بن البقرى على الصاحب علاى الدين ابن الأهناسي من مكان في حارة عبد الباسط وطلع به إلى السلطان فسجنه بالبرج فى القلعة، ثم احتاط على موجوده من صامت وناطق فظهر له أموال جزيلة فحمل ذلك إلى الخزائن الشريفة، واستمر السلطان يستصفى أمواله حتى أخذ رخام بيته الذى فى بركة الرطلى وجعله في تربته التي أنشأها في الصحراء، واستمر في الترسيم فى بيت القاضي شرف الدين الأنصارى أياما ثم رسم السلطان بنفيه إلى مكة فتوجه إليها (١) من البحر الملح وكان ذلك آخر العهد به من مصر، وكان الصاحب علاى الدين رئيسا حشما فى سعة من المال تولى الوزارة غير ما مرة، وجمع فى آخر ولايته بين نظر الخاص والوزارة، وكان ماشيا في الوزارة على النظام القديم ولم يجئ أحد من بعده من الوزراء ماشيا

стр. 154

على نظامه وهذا الأمر مشهور بين الناس، ولم يكن من بنى الأقباط بل أصله من أهناس من خيار أهلها .. وفيه (١) توفى قاضي القضاة الحنفي بدر الدين حسن بن عل بن محمد بن على بن الصواف الحنفى، وكان فاضلا دينا خيرا متواضعا، ولى قضاء حماه مدة طويلة، ثم تولى قضاية القضاة بمصر فلم تطل أيامه بها، وقيل مات مسموما، وكان من أعيان علماء الحنفية ومولده سنة ثلاث وثمانمائة - وفيه (٢) وصل الأمراء الذين بعثوا إلى السجن بثغر الإسكندرية وهم تمر بغا وأزبك من ططخ وقانى باى الساقي و برقوق، فلما حضروا باتوا بدار يشبك الفقيه ثم صعدوا إلى القلعة فأكرمهم السلطان وأخلع عليهم كوامل بصمور ونزلوا إلى بيوتهم على عادتهم، وقد أدركهم النمرج بعد الشدة فاقاموا بالسجن بثغر الإسكندرية ثلاثة أيام وفكت قيودهم وحضروا على أحسن وجه. وفيه قبض السلطان على مجد الدين ابن البقرى وصرفه عن الوزارة، وأخلع على الشرفى يونس بن عمر بن جنكلي بغا (٣) دوادار فيروز الزمام عوضا عن مجد الدين بن البقرى، فلما أخلع عليه بالوزارة ألبسوه أطلسين ومثمر لا خلعة الوزارة كونه متزييا بزى الأتراك. وفيه (٤) أعيد القاضي محب الدين بن الشحنة إلى قضاء الحنفية عوضا عن ابن الصواف، وهذه ثانى ولاية وقعت لابن الشحنة بمصر. وفيه عقد مجلس بالصالحية وحضر القضاة الأربع بسبب أهل الذمة، وكان السلطان منع أهل الذمة من التكلم فى مباشرات الأمراء ونودى بذلك في القاهرة، فلما عقد المجلس بالصالحية أحضروا العهود التي كتبت عليهم قديما بأنهم لا يباشروا في ديوان أحد من الأمراء ولا يتعمموا بأكثر من عشرة أذرع، فوقع في ذلك المجلس كلام كثير وضيقوا عليهم فأسلم منهم في ذلك اليوم

стр. 155

جماعة، وانفض المجلس بالمنع لهم عن المباشرة في الدواوين مطلقا ما عدا الطب والصرف فقط، ثم بعد ذلك سعوا بمال له صورة أوردوه للخزائن الشريفة حتى أبقاهم السلطان على حالهم الأول في المباشرة بالدواوين (١). وفي هذا الشهر جاءت الأخبار من الإسكندرية بوفاة الملك العزيز يوسف بن الملك الأشرف برسباي الدقاقي (٢)، توفى بثغر الإسكندرية، وكان قد أفرج عنه في دولة الأشرف أينال وخرج من السجن وسكن ببعض دور الإسكندرية، وكان يخرج إلى صلاة الجمعة وهو راكب واستمر على ذلك مدة طويلة حتى مات، وكان رئيسا حشما عاقلا كريما سخيا قليل الأذى كثير البر والصدقات، واشتغل بالعلم في مدة إقامته بالإسكندرية حتى صار ماهرا فيه، وكان مولده سنة سبع وعشرين وثمانمائة وولي الملك وله من العمر خمس عشرة سنة، ولما مات حمل إلى القاهرة ودفن على أبيه بالصحراء … وفيه (٣) توفى الشيخ العارف بالله الولى سيدى عمر الكردى الببانى ﵀ عليه، وكان فى مبادئ أمره له اشتغال بالعلم ثم حصل له جذب ووقع له مكاشفات وكرامات خارقة، وكان مقيما بجامع قيدان الذي بقناطر الأوز، واستمر به حتى مات فحمله السلطان إلى تربته ودفن بها للتبرك به. وفى صفر (٤) قرر أبو بكر باكير بن صالح الكردي في حجوبية الحجاب بحلب وكان نائب البيرة، فقرر فى نيابة البيرة عوضه كمشبغا السيفي يخشباى نائب قلعة حلب، وقرر فى نيابة قلعة حلب تغرى بردى بن يونس. وفيه قرر السلطان سودون البرقى فى تقدمة ألف بدمشق (٥). وفيه تغير خاطر السلطان على شخص من مماليكه يقال له برسباى الدوادار وكان دوادار

стр. 156

سكين من المقربين عنده، فضربه بالحوش بين يديه وصار يقول له: من أمرك بقتل جانى بك نائب جدة، فيقول له: أنت أمرتني بذلك، فحنق منه وأمر بتوسيطه بين يديه بالحوش (١)، ووسط في ذلك اليوم شخصا آخر من مماليكه يقال له قانم وكان خشداش برسباى المذكور، وكان السلطان في ذلك اليوم أشد ما يكون من الخلق والتغيظ - وفيه أعيد مجد الدين بن البقرى إلى الوزارة (٢) وصرف عنها يونس المقدم ذكر ولايته (٣) - وفيه أشيع بين الناس بأن جانى بك حبيب قد توجه إلى بلاد الغرب (٤) وكان مختفيا بمصر مدة طويلة. وفي ربيع الأول (٥) توفى المقر الشهابى أحمد بن الأشرف برسباى أخو الملك العزيز يوسف، وكان ربيب الأمير قرقماس الجلب، وكان الملك الأشرف برسباى والده تركه حملا، وتزوج قرقماس الجلب بأمه ملك باى سرية الأشرف المذكور ورباه قرقماس فى داره، وكان لا يخرج ولا يركب ولا يصلى الجمعة ولا العيدين حتى مات، وكان بينه وبين أخيه الملك العزيز نحوا من شهر، وكان مولده سنة اثنين وأربعين وثمانمائة - وفيه (٦) عمل السلطان المولد النبوى على العادة وكان حافلا - وفيه (٧) أنعم السلطان على سبطه الشهابي أحمد بن العينى بتقدمة ألف وقرر فى أمرة الحاج، وقرر في أمرة الركب الأول الشرفى يحيى بن الأمير يشبك الفقيه .. وفيه (٨) اختفى زين الدين الاستادار، فصرف السلطان مجد الدين بن البقرى من الوزارة وقرره في الاستادارية.

стр. 157

واستمرت الوزارة شاغرة أياما -. فلما كان يوم الإثنين في أثناء هذا الشهر أخلع السلطان على الشمسى محمد البسباى ناظر الدولة وقرره في الوزارة عوضا عن ابن البقرى (١)، فلما قرر البباي في الوزارة قامت على السلطان الأشلة بسبب ذلك وعد هذا من مساوئ الظاهر خشقدم، وهو أول زفورى تولى الوزارة بمصر ومن يومئذ انحط قدر الوزارة جدا وتبهدل هذا المنصب إلى الغاية، قال الإمام أبو شامة المؤرخ: كانت الوزارة على عهد الخلفاء وظيفة عظيمة جليلة وكان الوزير يجلس بحضرة الخلفاء على مقدار خمسة أذرع وكان هو المتصرف فى أمر المملكة بما يختار، فلما جاءت دولة الأتراك قدموا نيابة السلطنة على الوزارة فتلاشى أمر الوزارة من يومئذ وصارت الوزارة تنقسم على أربعة جهات منها كتابة السر والأستادارية ونظر الخاص وشاد الدواوين وغير ذلك من الوظائف المحدثة، فمن يومئذ تعطل جيد الدولة من عمودها وانحل برم عهودها، وقال الإمام أبو شامة: كانت خلعة الوزارة في قديم الزمان وهى عمامة بيضاء شرب برقمات ذهب شغل تنيس وطيلسان أبيض برقمات ذهب وجبة صوف أبيض بطرز ذهب وفى عنقه عقد جوهر بعشرة آلاف دينار وسيف مقلد به وهو مسقط بالذهب ويركب حجرة بخمسمائة دينار وفي قوائمها أربعة جوهرات وفى عنقها جوهرة كبيرة بألف دينار وترفع على رأسه أعلام حرير أبيض ويحمل على رأسه منشور الولاية وهو مكتوب في حرير أبيض، فبطل ذلك جميعه مع جملة ما بطل من من شعار الوزارة، فلما تولى البباي شق ذلك على الناس لكونه لم يكن من أهل ذلك، فكان كما قيل في المعنى: مرض الزمان وقد تمسك طبعه … من شر قولنخ به يتمغس حقنته آراء الملوك فجاءه … أهل المناصب كل شخص مجلس وكان البباي أصله طباخا من معاملين اللحم وكان أميا لا يقرأ ولا يكتب وفي كلامه غرثلة وعنده عترسة، فلما رآه السلطان سدادا قرره في نظر الدولة

стр. 158

ثم قرره في الوزارة، فلما تولى الوزارة جاء فيها على الوضع ولبس الخف والمهاميز والطوق وسكن فى بيت الوزراء الذي ببركة الرطلي ودقت على بابه الكوسات وهابته جميع الناس من المباشرين وغيرهم، وكان له بمصر حرمة وافرة وكلمة نافذة لا يقبل رسالة من أمير ولا قاض، وسلمه السلطان زين الدين الأستادار ليعاقبه ويستخلص منه الأموال، وفي مدة ولايته صادر جماعة من المباشرين والتجار، وكان يكبس البيوت على الناس في أيام النيل في بركة الرطلى فمن وجده بيسكر إن كان رئيسا صادره وسلب نعمته وإن كان غير ذلك أدبه، وكان يكره من يسكر مطلقا، وجاء على الناس مجيئا فاحشا وهجوه الناس هجوا كثيرا، فمن ذلك قول بعض الشعراء: قالوا البباى قد وزر … فقلت كلا لا وزر الدهر كالدولاب لا … يدور إلا بالبقر وفيه قيل أيضا: تجنب العلم والفضائل … ومل إلى الجهل ميل هايم وكن حمارا مثل البباى … فالسعد في طالع البهايم واستمر على هذا الظلم والعسف حتى أغرقه الله تعالى في ساعة واحدة كما سيأتى الكلام على ذلك. - وفى هذا الشهر حضر الأمراء، الذين توجهوا إلى قبرس (١)، من غير إذن من السلطان فشق ذلك عليه وأخذ في أسباب عمارة مراكب (٢) وخروج تجريدة ثانية. وفي ربيع الآخر قرر دمرداش في نيابة طرسوس (٣)، عوضا عن جانى بك الحكمي. - وفيه أخلع على برد بك البجمقدار وقرر في نيابة حلب عوضا عن جاني بك التاجي (٤).

стр. 159

وفي جمادى الأولى (١) قرر أزبك من ططخ في حجوبية الحجاب عوضا … عن برد بك البجمقدار بحكم صرفه عنها إلى نيابة حلب -. وفيه توفى جانى بك الأبلق الظاهرى (٢) الذى كان باش العسكر على تجريدة قبرس -. وفيه جاءت الأخبار من الشام بوفاة تنم من عبد الرزاق (٣) نائب الشام، وكان أصله من مماليك المؤيد شيخ، وكان أميرا جليلا حشما رئيسا، ولى عدة وظائف سنية منها حسبة القاهرة ونيابة الإسكندرية ونيابة حماه ونيابة حلب، ثم أعيد إلى القاهرة وقرر فى تقدمة ألف بمصر، ثم بقى أمير مجلس ثم بقى أمير سلاح، ثم سجن بثغر الإسكندرية في دولة الأشرف أينال ثم أطلق إلى دمياط، ثم حضر إلى القاهرة في دولة الظاهر خشقدم وبقى نائب الشام واستمر على ذلك حتى مات وجرى عليه شدائد ومحن، ومات وله من العمر نحوا من ستين سنة، وكان مسرفا على نفسه وعنده الطمع الزائد -. وفيه أخلع السلطان على جانى بك التاجي (٤)، الذي كان نائب حلب وحضر إلى القاهرة، فقرره في نيابة الشام عوضا عن تنم من عبد الرزاق بحكم وفاته. وفيه قرر قايتباى المحمودى فى تقدمة ألف، فكان بين تقدمته وسلطنته أربع سنين، وقرر فى شادية الشراب خاناه نانق الظاهري عوضا عن قايتباى المحمودي، وقرر جانى بك الفقيه فى الأمير آخورية الثانية عوضا عن نانق. و [في جمادى الآخرة] (٥) فيه جاءت الأخبار بوفاة جاني بك التاجي (٦)

стр. 160

الذي قرر في نيابة الشام، فكانت مدته قصيرة في نيابة الشام، وكان أصله من مماليك المؤيد شيخ، وكان أميرا جليلا، وولى عدة وظائف سنية منها نيابة غزة وبيروت وحلب والشام، وكان لا بأس به. وفيه (١) وقعت نادرة غريبة وهو أن إنسانا كان له على شخص دين نحو ستمائة نقرة (٢) فمات المديون، فلما بلغ صاحب الدين موته أخذ معه أربع نقباء وتبع الجنازة فأدرك الميت قبل أن يوضع في قبره، فاحتمله هو والنقباء وعاد به إلى القاهرة ودخل به من باب النصر وصمم على عدم دفنه حتى يأخذ الأشرفيين من زوجته، فلما علم العوام قصته حملوا النعش بالميت وصاحب الدين والنقباء وأتوا بهم إلى المدرسة الصالحية، فرفعت هذه الواقعة بين يدى القاضي جلال الدين بن الأمانة أحد نواب الشافعية، فلما رأى هذه الواقعة وكادت أن تكون فتنة كبيرة وأن العوام يقصدون قتل صاحب الدين لا محالة، أخذ في أسباب تخميد هذه الفتنة، فساس الأمر أحسن سياسة وأحضر صاحب الدين وعزره أشد تعزير هو والنقباء على عدم دفن الميت ورجوعه، ثم صلى على الميت ثانيا وأمر بدفنه، فسكنت هذه الفتنة وعدت هذه الفعلة من دربته وسياسته، انتهى ذلك. وفيه (٣) عين السلطان تجريدة إلى البحيرة وكان باش العسكر الأمير أزبك من ططخ حاجب الحجاب وعدة من الأمراء ومماليك سلطانية. وفيه (٤) نزل السلطان من القلعة وتوجه إلى بيت برد بك البجمقدار نائب حلب فسلم عليه، ثم ذخل إلى بيت برقوق الذي تولى نيابة الشام فيما بعد، ثم عاد إلى القلعة. وفيه (٥) نقل السلطان برسباى.

стр. 161

البجاسي من نيابة طرابلس إلى نيابة الشام عوضا عن جانى بك التاجى. وقرر في نيابة طرابلس جانى بك نائب حماه، وقرر في نيابة حماه بلاط نائب صفد، وقرر فى نيابة صفد يشبك قلق المؤيدى أحد الأمراء المقدمين بدمشق - وفيه (١) وصل قاصد جاكم صاحب قبرص وأخبر بقتل جانى بك الأبلق المقدم ذكر وفاته، فالما تحقق السلطان ذلك عين سودون المنصورى (٢) ليخرج مع قاصد جاكم لكشف الأخبار عن حقيقة قتله. وفي رجب في يوم الأربعاء خامسه كانت وفاة الإمام العلامة قاضى القضاة علم الدين صالح البلقيني (٣) الشافعي رحمة الله عليه، وهو صالح بن سراج الدين عمر شيخ الإسلام، وكان مولده سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، وكان عالما فاضلا ولى قضاء الشافعى غير ما مرة وكان أول ولايته سنة ست وعشرين وثمانمائة في دولة المؤيد شيخ، أخذ عن الشيخ ولى الدين العراقى وانتهت إليه رئاسة مذهبه بمصر وخضعت له الناس، ومات وهو متولى القضاء وقد سعى فيها بثمانية آلاف دينار، فأقام في هذه الولاية الأخيرة ثمانية أشهر ومات، فوقف عليه كل شهر بألف دينار، وكان هذا منه غاية الخفة فإنه كان كبر سنه وضعف عن الحركة وظهر عليه العجز. فلما توفى أعاد السلطان القاضي شرف الدين يحيى المناوى إلى قضاء الشافعية (٤) عوضا عن علم الدين صالح البلقيني، وهذه آخر ولايات يحيى المناوى ولم

стр. 162

يلى القضاء بعد ذلك مرة أخرى.- وفيه اختفى قايتباى المحمودى (١) أحد مقدمين الألوف وسبب ذلك أن وقع بين مماليكه ومماليك السلطان فتنة، فاختفى أياما ثم ظهر وقد أعطاه السلطان على يد قائم التاجر أمانا حتى ظهر … وفيه عين السلطان تجريدة ثالثة (٢) إلى البحيرة وقد بلغه أن العربان قد استطالوا على الترك وقتل منهم جماعة، وقد اجتمع فى البحيرة من الأمراء المقدمين تسعة فأقاموا هناك مدة ورجعوا من غير طائل من العرب. وفى شعبان (٣) فرقت الكسوة على الجند بحضرة السلطان، فقطع كسوة جماعة كثيرة من ضعفاء الجند وأولاد الناس وحصل في ذلك اليوم غاية الضرر … وفيه (٤) في ثانى بشنس القبطى أمطرت السماء مطرا غزيرا حتى غرقت الأسواق والأزقة واشتد الرعد والبرق وأقام ذلك يوما كاملا، وأفرط البرد في تلك الأيام حتى لبس الناس الصوف بعد أن قلع السلطان الصوف ولبس البياض. وفي رمضان أخلع على لسان الدين بن الشحنة وقرر في قضاء الحنفية (٥) بحلب.- وفيه نودى فى القاهرة بالزينة لأجل مسايرة المقر الشهابي أحمد بن العينى فشق القاهرة (٦) في موكب حافل، وركب معه كاتب السر أبو بكر ابن مزهر، وناظر الجيش القاضى تاج الدين بن المقسى وكان ناظر الخاص أيضا، وأعيان المباشرين قاطبة، وركب معه جماعة من الخدام، وصنع على الهجن كنابيش مثلث ذهب ولؤلؤ وريش، وصنع أكوار من ذهب مرصعة بفصوص بلخش وفيروز وياقوت، ولم يسبقه أحد لمثل ذلك، فارتجت

стр. 163

في ذلك اليوم القاهرة بسبب هذه المسايرة. - وفيه (١) وصل قاصد ابن عثمان ملك الروم، فلما صعد إلى القلعة ووقف بين يدى السلطان لم يقبل الأرض على جارى العادة من القصاد فحنق منه السلطان ولم يخلع عليه، ولما قرأ مكاتبة ابن عثمان فلم يجد بها ألقابا بما جرت به العادة فازداد حنقه وكاد أن يفتك بالقاصد ويشوش عليه فمنعوه الأمراء من ذلك، وكان هذا سببا لوقوع العداوة بين سلطان مصر وبين ابن عثمان واستمرت الوحشة عمالة بينهما إلى دولة الأشرف قايتباى وجرى بينهما كما سيأتى الكلام على ذلك في موضعه. وفى شوال وافق عيد الفطر للمسلمين وعيد ميكائيل للقبط فاتفقا ذلك في يوم واحد وهذا نادرة (٢). - وفيه في يوم عيد الفطر طلع القاصد وصلى مع السلطان صلاة العيد، فلما دخل السلطان إلى القصر بعد صلاة العيد باس له القاصد الأرض بالقصر واعتذر بعدم معرفته بمصطلح أهل مصر فأخلع السلطان عليه في ذلك اليوم وأكرمه (٣). - وفيه أخلع على برد بك هجين (٤) أحد مقدمين الألوف وقرر أمير جاندار (٥)، وكانت

стр. 164

هذه الوظيفة قديما من أجل الوظائف ثم نسى أمرها فأراد الظاهر خشقدم أن يمشى على النظام القديم فى إظهار هذه الوظيفة فلم يتم له ذلك. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة كمشبغا السيفى يخشباى (١) نائب البيرة وكان لا بأس به. - وفيه أخلع على قاصد ابن عثمان (٢) وأذن له بالسفر، وأرسل السلطان على يده هدية لابن عثمان، وعين سودون القصروى للتوجه مع القاصد ثم بطل سفر سودون القصر وى وسافر القاصد وحده. -وفيه (٣) خرج الحاج من القاهرة في تجمل زائد، وكان أمير ركب المحمل المقر الشهابي أحمد بن العينى، وأمير ركب الأول الشرفى يحيى بن يشبك الفقيه الدوادار وحجت في تلك السنة خوند شكر باى الأحمدية زوجة السلطان وهى جدة الشهابي أحمد بن العيني أم والدته فخرجت فى محفة زركش وكان لها يوم مشهود، وحج في تلك السنة يشبك الفقيه الدوادار صحبة ولده الشرفى يحيى، وحج قاضي القضاة محب الدين بن الشحنة وحج جماعة كثيرة من الأعيان. وفيه قبض السلطان على زين الدين الأستادار وعلى مجد الدين بن البقرى (٤) ورسم عليهما بالبحرة، ثم آل الأمر بعد ذلك أن ولى مجد الدين ابن البقرى الأستادارية وولى زين الدين كشف البحيرة. وفي ذي القعدة قرر قاني باى البكتمرى فى نيابة البيرة عوضا عن كمشبغا بحكم وفاته، وقرر جانى بك السيفى تغرى برمش في نيابة قلعة صفد، وقد وفيه عينه السلطان للتوجه إلى الشام لضبط موجود تنم نائب الشام (٥). -وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب قونية وهو السلطان صارم الدين إبراهيم

стр. 165

ابن محمد بن على بن قرمان (١) التركمانى اللارندى، وكان من خيار ملوك الشرق، وكان ملكا جليلا متواضعا سيوسا محبا لأهل العلم، ملك غالب بلاد الشرق بعد أبيه نحوا من أربعين سنة، وجرت عليه شدائد ومحن من ابن عثمان وسلطان مصر وقاسى ما لا خير فيه حتى مات، وكان مولده سنة خمس وثمانمائة، ولما مات وقع الخلف بين أولاده حتى آل الأمر إلى خروج الملك عن بني قرمان وملك بلادهم ابن عثمان. - وفيه (٢) توفى القاضي نجم الدين بن عبد الوارث، وهو عبد الرحمن بن عبد الوارث البكرى المالكى وكان ينتسب إلى الإمام أبى بكر بن أبي قحافة، ولى قضاء الوجه القبلى وباشر عدة مباشرات عند الأمراء وكان شديد البأس في مباشراته غير مشكور السيرة. - وفيه كان وفاء النيل وقد أوفى في عاشر مسرى (٣)، فلما أوفى نزل السلطان بنفسه وفتح السد وتوجه إلى المقياس في الذهبية وخلق العمود، ثم نزل في الحراقة وحوله الأمراء وتوجه إلى السد ففتحه وكان له يوم مشهود، وهو أول نزوله إلى فتح السد، وأراد أن يمشى على طريقة أستاذه الملك المؤيد شيخ، وهو آخر من فتح السد بنفسه من السلاطين ولم يفعل هذا بعد المؤيد شيخ سوى الملك الأشرف برسباى مرة واحدة، ثم من بعده فعل ذلك الظاهر خشقدم، وكان بطل هذا من بعد الأشرف برسباى من سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة. - وفيه توفى الشيخ تاج الدين محمد البطونسي (٤) السكندرى المالكي وكان مقرئا فاضلا يقرأ بالسبع روايات وكان إمام القصر السلطاني وكان لا بأس به.

стр. 166

وفى ذى الحجة توفى الأمير طوخ الحكمى (١) أحد الأمراء الطبلخانات وكان رأس نوبة ثانى ومات وقد جاوز الثمانين سنة من العمر، وكان كثير الإسراف على نفسه. -وفيه (٢) رسم السلطان بتغريق يرش خازندار الأمير جانى بك نائب جدة، وكان شابا جميل الصورة مليح الشكل، فبلغ السلطان عنه ما غير خاطره عليه فضربه ضربا مبرحا وقيل عصره، فأقر على أنه اتفق مع جماعة من مماليك السلطان على قتل السلطان وهو في الدهيشة وقت الظهر، فلما فشى الكلام قبض السلطان على يرش وقرره ثم أمر بتغريقه فتسلمه تمر الوالى وغرقة، وكان يرش أقر على الناصري محمد بن الأتابكي جرباش كرت بأن له دسيسة مع جماعة ممن اتفق على قتل السلطان، وكان يرش عشير الناصري محمد بن الأتابكى جرباش، فتأكد ما قيل عنه عند السلطان، وكان هذا سببا لخروج الأتابكى جرباش إلى دمياط هو وولده محمد كما سيأتى الكلام على ذلك. -وفيه دخل مبشر الحاج وأخبر بسلامة المقر الشهابي أحمد بن العينى والشرفى يحيى بن الأمير يشبك الفقيه الدوادار، وعادت خوند الأحمدية زوجة السلطان، ثم عادوا إلى القاهرة فيما بعد، وكان لهم يوم مشهود، فلما دخل أخبر بوفاة الصاحب علاى الدين بن الأهناسي (٣) مات بمكة ودفن بها، وكان العلاى على بن الأهناسي رئيسا حشما فى سعة من المال وولى عدة وظائف سنية، وكان في مبتدأ أمره برددارا عند زين الدين يحيى الأستادار، وكان متحصله في البرددارية فوق العشرين ألف دينار في كل سنة، فلما راج أمره سعى فى الأستادارية الكبرى واستقر بها، ثم ولى الوزارة عدة مرار وجمع بين نظارة الخاص والوزارة في آخر ولاياته، ثم قبض عليه الظاهر خشقدم وصادره واستصفى أمواله نحوا من

стр. 167

مائة ألف دينار ما بين صامت وناطق، ثم نفاه إلى مكة فمات بها مقهورا، ومن آثاره المدرسة التي أنشأها خارج باب النصر عند سوق الدريس. - وفيه توفى أيضا بمكة الأمير برد بك صهر الأشرف أينال (١)، وكان أميرا دينا خيرا عاقلا سيوسا متواضعا يحب أهل العلم وله بر ومعروف، أنشأ عدة مدارس وكان ناظرا إلى فعل الخير، وكان أصله من سبايا قبرس واشتراه الأشرف أينال وأعتقه وأزوجه بابنته خوند بدرية ورقى في دولة أستاذه الأشرف أينال حتى صار أمير طبلخاناه دوادار ثانى وصار أمور المملكة مغدوتة به والسعى من بابه، فلما مات الأشرف أينال وتولى الظاهر خشقدم نفاه إلى مكة فأقام بها مدة ثم رسم السلطان بعوده إلى مصر، فلما وصل إلى خليص خرج عليه بعض العربان هناك فقتله فأعيد به إلى مكة حتى دفن بها، وربما ختم له بخير، ومات وله من العمر نحوا من ستين سنة. وفيه (٢) قبض السلطان على مجد الدين بن البقرى وضربه بين يديه وحبسه بالقلعة بسبب تغليق جوامك الجند. وفيه (٣) نودى على النيل بزيادة ثلاثة أصابع في أول بابه وقد قطع الطرقات على المسافرين. وفيه جاءت الأخبار بقتل ابن جهان شاه وكان من المفسدين في الارض، فلما مات تولى من بعده أحد أخوته. - وفيه (٤) توفى ظهيرة بن أبي حامد بن ظهيرة المالكي قاضى مكة وكان لا بأس به. وفيه توفى الشيخ الصالح المعتقد أبو محمد عبد الله بن أبى إبراهيم المغربى الأرعانى المالكي، وكان من أهل الدين والصلاح معتقدا للناس وله شهرة ببلاد المغرب، وكان من بيت علم وفضل وكان مقيما بالصحراء، انتهى ذلك.

стр. 168

ثم دخلت سنة تسع وستين وثمانمائة فيها في المحرم (١) حضر القاضي قطب الدين الخيضرى كاتب سر دمشق وصحبته هدية حافلة للسلطان، وأشيع بأنه طلب ليلى كتابة سر مصر فلم يتم ذلك. وفيه حضر زين الدين الأستادار من البحيرة وكان قد قرر في كشفها، فلما حضر أخلع عليه السلطان وأعاده إلى الأستادارية (٢) عوضا عن مجد الدين بن البقرى وفيه (٣) صرف شرف الدين بن البقرى عن نظر الاسطبل السلطاني وقرر به تاج الدين الدمشقى. وفيه جاءت الأخبار من الأندلس بأن قد وقع بين ملك الأندلس وبين صاحب غرناطة وآل الأمر بأن المستعين بالله قدملك غرناطة من ولده أبى الحسن وأخرجه منها (٤) وفيه (٥) قرر قانصوه اليحياوى فى أمرة عشرة وهى أمرة قانصوه الساقي الأشرفي بحكم انتقاله إلى تقدمة ألف بدمشق. وفيه دخل الحاج إلى القاهرة (٦) وحضر المقر الشهابي أحمد بن العينى أمير ركب المحمل، والشرفى يحيى بن يشبك الفقية أمير ركب الأول، وحضرت خوند شكر باى الأحمدية زوجة السلطان فكان يوم دخولهم يوما مشهودا، وقد تقدم القول على ذلك ولكن وقع السهو منى عن إيراده في محله بما تقدم. - وفيه (٧) قبض السلطان على زين الدين الأستادار وسلمه إلى الصاحب شمس الدين البباى على عشرين ألف دينار، واستمر البباى متكلما فى الأستادارية مع الوزارة مدة أيام، ثم أخلع السلطان على منصور بن الصفى وقرر فى عوده إلى الأستادارية عوضا عن زين الدين، فأخلع عليه ونزل إلى داره فى موكب حافل ومعه الأمير جانى

стр. 169

بك كوهيه الدوادار الثاني وأعيان الدولة. - وفيه (١) حضر إلى القاهرة سودون المنصورى وكان فى أسر الفرنج فخلص على يد الملكة أخت جاكم صاحب قبرس. - وفيه (٢) قرر بلاط فى نيابة الكرك وكان حاجب الحجاب بدمشق، وقرر فى حجوبية الحجاب بدمشق شرامرد المؤيدى عوضا عن بلاط، وقرر فى دوادارية السلطان بدمشق تانى بك الشرفى عوضا عن شرامرد المؤيدى وقد سعى بمال له صورة. وفى صفر جاءت الأخبار بأن المستعين بالله سعد بن الأحمر صاحب غرناطة قد حاصره ولده أبو الحسن الذى خرج من غرناطة فارا فعاد إليها وأسر والده، ثم قويت شوكة والده عليه وجرى بينهما أمور يطول شرحها، واستمرت الحرب بينهما ثائرة مدة طويلة حتى توفى المستعين بالله سعد بن الأحمر (٣). وفي ربيع الأول (٤) نزل السلطان إلى مطعم الطير الذي بالريدانية ولبس الصوف هناك وألبسه للأمراء على العادة، وركب ودخل من باب النصر وشق من القاهرة فى موكب حافل، وكان له يوم مشهود. وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب اليمن السلطان موسى (٥) وكان محمود السيرة عادلا في الرعية. - وفيه (٦) أخلع السلطان على جاني بك التنمى وقرر في نيابة الكرك عوضا عن بلاط. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة قانى باى طاز نائب البيرة (٧) وكان أصله من مماليك بكتمر جلق الذي كان

стр. 170

نائب الشام. - وفيه قبض منصور الأستادار على شرف الدين بن كاتب غريب ناظر الديوان المفرد (١) وضربه بين يديه ضربا مبرحا وقرر عليه نحوا من خمسين ألف دينار، وصار فى كل يوم يضربه مائة عصاة حتى ضربه بالمقارع وهو يقول: ما أقدر على هذا القدر الذى قررته على، وكان هذا أكبر أسباب الفساد في حق منصور حتى كان سببا لضرب عنقه كما سيأتى ذكر ذلك في موضعه .. وفيه جاءت مكاتبة (٢) حسن بك الطويل بأنه سار نجدة إلى ابن قرمان لما تحارب مع أخوته، فكسرهم وفروا منه إلى بلاد ابن عثمان فأخذ منهم عدة قلاع، فسر السلطان بهذا الخبر. وفي ربيع الآخر (٣) أخلع السلطان على البدرى حسن بن أيوب واستقر به نائب القدس عوضا عن تغرى بردى الأشرفي. - وفيه (٤) قرر في نيابة البيرة ألماس الأشرفى دوادار السلطان بحلب، فلما تولى نيابة البيرة قرر في دوادارية السلطان بحلب على بن الشيباني. وفي جمادى الأولى (٥) عزم الأمير قائم التاجر أمير مجلس على السلطان في ربيع خيوله، فنزل إليه السلطان ومعه سائر الأمراء والعسكر، فصنع الأمير قائم للسلطان ضيافة حافلة ومد له أسمطة عظيمة، فقيل أصرف على هذه الأسمطة التي صنعها للسلطان والأمراء ألف دينار، فأقام السلطان عنده إلى بعد العصر، فلما أراد أن يركب قدم إليه الأمير قانم تقدمة حافلة ما بين خيول ومماليك وغير ذلك، فركب السلطان من عنده بعد العصر، فلما عاد من عنده دخل إلى بيت الصاحب شمس الدين البباى، وخرج من عنده توجه إلى بيت منصور الأستادار فلما شعر بمجيء السلطان بسط له الشقق الحرير من رأس الزقاق ونثر على رأسه خفائف الذهب والفضة، وكان عنده علم بمجيء

стр. 171

السلطان إليه وقدم إليه ألفى دينار، ثم خرج من عنده وشق القاهرة وطلع إلى القلعة وكان له يوم مشهود. - وفيه (١) خرجت تجريدة إلى بر الجيزة بسبب عرب محارب وكان باش العسكر يلباى أمير آخور كبير وبرد بك هجين أحد المقدمين وجماعة من الجند، فوقع بينهم وبين عرب محارب معركة صعبة فقتل من الماليك السلطانية أربعة، فأقاموا الأمراء هناك مدة ورجعوا إلى القاهرة. - وفيه أخلع السلطان على يوسف شاه وقرر معلم المعلمين عوضا عن البدرى حسن بن الطولونى (٢). - وفيه قرر حسن التنمي في نظر حرمين القدس والخليل. - وفيه أرسل السلطان إلى ابن عثمان قاصدا وهو السيد الشريف نور الدين على الكردى، وأرسل يسأل ابن عثمان بأن يصطلح معه على حسن الطويل، وقد بلغ السلطان أن حسن الطويل استولى على قلعة كركر وأظهر المخالفة لسلطان مصر (٣). - وفيه جاءت الأخبار بوفاة وزير مكة وهو بديد بن شكر الحسنى (٤) وكان محمود السيرة في وزارته. وفي جمادى الآخرة (٥) حضر قاصد حسن الطويل وعلى يده مفاتيح قلعة كركر ترضيا لخاطر السلطان وأرسل يطلب في نظير ذلك منه عشرة آلاف دينار. - وفيه (٦) توفى الشيخ بدر الدين محمد بن قاضي القضاة شهاب الدين بن حجر وكان لا بأس به، ومولده سنة خمس عشرة وثمانمائة. - وفيه رسم السلطان بعزل القاضى بدر الدين حسن بن الرهوني أحد نواب المالكية لأمر أوجب ذلك ورسم أن لا يتولى في أيامه قط. وفي رجب (٧) أدير المحمل ونودى بالزينة وكانت تلك الأيام مشهودة،

стр. 172

ولكن حصل من المماليك الجلبان في حق الناس غاية الفساد من خطف النساء والمرد وخطف العمائم وحصل منهم ما لا خير فيه. -وفيه (١) أخلع السلطان على قاصد حسن الطويل ورسم له بالسفر وأرسل صحبته هدية حافلة إلى حسن الطويل طمعا في أن يسلم قلعة كركر ويرجع عنها، وكان السلطان قصد أن يرسل إليه تجريدة وعين جماعة من الأمراء بأن يتوجهوا إلى حلب ويقيه وا بها. - وفيه جاءت الأخبار بوفاة جاني بك الناصري (٢) نائب طرابلس، وكان رئيسا حشما عاقلا سيوسا ولى عدة نيابات منها نيابة صفد وحماه وطرابلس، وكان لا بأس به. - وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان على أصحاب الدكاكين بمصر العتيقة (٣) فنهبوا الدكاكين التي بها عن آخرهم وما أبقوا في ذلك ممكن، وكان سبب ذلك أن مملوكا من الجلبان قتل بجزيرة الصابوني التي تجاه الآثار النبوى قتله حارس مقات بسبب نهب شيء من البطيخ، فلما بلغ السلطان ذلك عين تمر الوالى وأمره بتحصيل القاتل الذى قتل المملوك، فلما توجه الوالى إلى هناك قبض على ثلاثة أنفار من جزيرة الصابونى، فلما أحضرهم بين يدى السلطان أمر بتوسيطهم ولم ١٥ يكن لهم ذنب ولا حضروا قتلة المملوك فقتلوا ظلما، فلم يكتفوا الماليك بذلك ونزلوا من الطباق مشاة وركاب ونهبوا مصر العتيقة عن آخرها، وراحت على من راح. وفى شعبان (٤) ركب السلطان ونزل من القلعة وتوجه إلى جهة مصر العتيقة وقصد بذلك أن يطيب خواطر أهل مصر مما جرى عليهم، فلما شق من مصر العتيقة زينت له زينة حافلة، ولما شق من هناك أخذوا في الدعاء له، فلما خرج إلى ساحل البحر توجه إلى قصر المقر الشهابي أحمد بن العينى الذى

стр. 173

أنشأه في منشية المهراني فأقام هناك إلى بعد العصر فهد له ابن العينى مدة حافلة وقدم إليه عدة خيول وقماش وغير ذلك، فلما ركب من هناك توجه إلى بيت الأمير برد بك هجين فدخل إليه فقدم له ثمانية أرؤس خيل فلم يقبلها، وخرج من عنده فتوجه إلى بيت الناصرى محمد بن أبى الفرج نقيب الجيش، ثم خرج من عنده فتوجه إلى بيت نانق شاد الشراب خاناه، ثم خرج من عنده وصعد إلى القلعة قبل غروب الشمس. وفيه أخلع السلطان على الناصرى محمد بن مبارك شاه وقرر في نيابة طرابلس عوضا عن جانى بك الناصرى، وقرر فى نيابة حماه يشبك البجاسي أحد أمراء حلب (١). وفيه (٢) كان ختان البدرى بدر الدين بن القاضي زين الدين أبي بكر بن مزهر كاتب السر الشريف فتختن هو وأخوه إبراهيم وكان يوما مشهودا. وفيه رسم السلطان بعزل القاضي قطب الدين الخيضرى عن كتابة سر دمشق ولزم داره. وفيه جاءت الأخبار بأن ابن عثمان ملك الروم قد جهز عساكره إلى إسحق بن قرمان وقد تعصب لأحمد بن قردان دون أخيه إسحق، فلما بلغ السلطان ذلك تأثر له وخشى لما يأتى بعد ذلك (٣). وفي رمضان (٤) اختفى زين الدين الأستادار وقد بلغه أن السلطان يريد القبض عليه. وفيه (٥) رسم السلطان بإخراج الأتابكي جرباش كرت هو وولده الناصري محمد إلى ثغر دمياط فخرج وصحبته حاجب الحجاب والوالى ونقيب الجيش، فتوجهوا معهما إلى ساحل بولاق فنزلوا بهما في مركب وانحدروا بهما إلى دمياط، وكان لهما يوم مهول. فلما نفى الأتابكي جرباش أخلع السلطان (٦) على المقر السيفى قائم التاجر وقرر أتابك العساكر بمصر عوضا.

стр. 174

عن جرباش كرت، وأخلع (١) على المقر السيفى تمر بغا الظاهرى وقرر أمير مجلس عوضا عن قائم التاجر، وأخلع على المقر السيفى أزبك من ططخ وقرر في رأس نوبة النوب عوضا عن تمر بغا، وأخلع على المقر السيفى جانى بك قلتمسيز الأشرفي وقرر فى حجوبية الحجاب عوضا عن أزبك من ططخ وقرر الشهابي أحمد بن العينى في تقدمة ألف وهي تقدمة الأتابكي قائم التاجر وهذا أول عظمة الشهابي أحمد بن العينى. - وفيه جاءت الأخبار بقتل عبد الحق بن عثمان صاحب فاس ببلاد المغرب وكان من خيار ملوك الغرب، وكان قد كثر بفاس اليهود فقتلوه خارج فاس، و به انقرضت دولة عبد الحق هذا كأنها لم تكن بعد أن أقامت بيدى بني مرين مدة سنين فالت مدينة فاس بعده إلى الخراب. - وفيه خرجت تجريدة إلى الغربية وكان باش العسكر أزبك من ططخ ويشبك الفقيه الدوادار (٢). وفى شوال (٣) خرج الحاج وكان أمير ركب المحمل جانى بك قلقسيز الأشرفى، وأمير ركب الأول خشكلدى القوامى الناصري، وحج في تلك السنة الأمير قايتباى المحمودى (٤) أحد مقدمين الألوف. - وفيه توفى الشهابي أحمد بن الخطاى، وهو أحمد بن محمد بن على بن طرنطاى المنكلى التركي، وكان رئيسا حشما ولى المهمندارية، وكان متزوجا بالست مريم بنت أمير المؤمنين المتوكل على الله محمد وكان سخيا كريما لا بأس به. - وفيه (٥) خرجت تجريدة إلى نحو البحيرة وكان باش العسكر تمر بغا أمير مجلس وجانى بك المرتد ومغلباى طاز وجماعة من الأمراء العشرات. وفى ذي القعدة جاءت الأخبار بأن أينال الأشقر أتابك حلب خرج متوجها إلى آمد واجتمع بحسن الطويل بسبب تسليم قلعة كركر، فلما اجتمع به سلمه مفاتيح قلعة كركر، فتسلمها منه عثمان بن أغلبك ليكون نائبا

стр. 175

بها عن السلطان (١). - وفيه جاءت الأخبار بأن أحمد بن قرمان الذي قتل أخاه إسحق قد ملك بلاد ابن قرمان وأقام الخطبة بها إلى ابن عثمان وكان قد أمده بعساكر عظيمة حتى ملك تلك البلاد، فعز ذلك على السلطان (٢). - وفيه جاءت الأخبار بأن حسن الطويل نزل على جهات خرت برت (٣) وحاصر. أهلها وأخذها من ملك أصلان، وحصل ببلاد الشرق في أواخر هذه السنة غاية الاضطراب (٤). - ووقع أيضا الاضطراب بالوجه القبلى بين عربان. هوارة وعترك وحصل بينهما مقتلة عظيمة وحروب كثيرة وكانت العربان ثائرة على بعضها تلك الأيام. وفي ذى الحجة (٥) كان وفاء النيل المبارك ونزل السلطان بنفسه وتوجه إلى. المقياس وخلق العمود، وعاد وتوجه إلى السد وفتحه بحضوره، وصعد إلى القلعة في موكب حافل، وكان له يوم مشهود. وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب شماخ (٦) وهو السلطان خليل بن إبراهيم بن محمد الدربندي،. وكان من أجل ملوك الشرق وأدينهم، وكان عاقلا سيوسا عادلا في رعيته، وكان آخر ملوك الإسلام بتلك النواحى ومات وقد جاوز المائة سنة من العمر وهو في صحة وقوة. وفيه جاءت الأخبار بوفاة صاحب تلمسان الملك سليمان. ابن موسى العامرى، وكان من خيار ملوك تلمسان وأعدلها، ومات وله من العمر نحوا من سبعين سنة وزيادة، وكان له شهرة طائلة. وفيه توفى أيضا العجل بن نعير أمير آل فضل وكان من خيار أمراء آل فضل. وفيه توفى الشيخ شمس الدين محمد البابا الحنفى الأوزاعي الدمشقى، وكان

стр. 176

عالما فاضلا عارفا بالفقه كثير الزهد والورع، وكان يكتسب من أجرة غسيل أثواب الناس حتى يقتات به. وفيه توفى جماعة من الأتراك منهم بطا الناصري الخازندار. وتوفى ملكتمر البواب الأشرفي أحد العشرات. - وتوفى قجماس المؤيدى أحد العشرات وكان قد جاوز الثمانين سنة من العمر. وتوفى كمشبغا الجاموس أحد الخاصكية وكان قد جاوز التسعين سنة من العمر. وفيه توفى الشيخ عيسى المغربى الذى كان يدعى الصلاح وافتتن به تمراز الشمسى و برد بك صهر الأشرف أينال. وفيه جاءت الأخبار بوفاة عالم تونس الشيخ أبو العباس أحمد التونسى المالكي، وكان عالما فاضلا نحويا وله يد طائلة في العربية، أخذ العلم عن مشايخ تونس، ومات وله من العمر نحوا من مائة سنة. ومن الحوادث أن في يوم الأربعاء وهو آخر يوم من ذى الحجة سلخ سنة تسع وستين وثمانمائة خرج الصاحب شمس الدين محمد البباى إلى بعض أشغاله فنزل فى مركب وتوجه إلى نحو بيسوس ثم عاد بعد العصر قريب المغرب، فلما وصل إلى رأس خليج الزريبة تحت بيت سعد الدين بن الأراويلى انقلبت به المركب هناك وكان النيل في قوة الزيادة فغرق هو ومن معه، فطلع الجميع حتى الطست والأبريق وحق الدقاق الذي كان معه في المركب، لا خلا منه فإنه لم يظهر أبدا حتى ولا في شطنوف التي هي محط رحال الغرقاء، وكان عبرة من الله تعالى فى غرقه، وكان البباى قد سطا على الناس وحصل منه الضرر الشامل، وكان ظالما عسوفا جاء على الناس مجيء صعب فأخذه الله بغتة، فكان كما قيل في المعنى: لا تكرهوا الموت إن فيه … حصاد كل امرئ خبيث فمستريح ومستراح منه … كما جاء في الحديث وكان صفته أسمر اللون جدا طويل القامة غليظ الجسد أسود اللحية، وعنده عترسة وغرثلة في كلامه عامى الطباع خاليا من الفضيلة لا يقرأ ولا يكتب، وكانت وزارته من غلطات الزمان (١) انتهى ذلك.

стр. 177

ثم دخلت سنة سبعين وثمانمائة فيها في المحرم (١) أخلع السلطان على الشرفى يحيى بن الصنيعة وأعاده إلى الوزارة عوضا عن البباى. وفيه، تغير خاطر السلطان على محمد بن قانى باى اليوسفى المهمندار (٢) فضربه، ثم إنه أمر بنفيه إلى قوص فشفع فيه بعض الأمراء بأن يكون طرخانا بداره، وسبب ذلك قيل إنه فض بعض مراسيم السلطان وعرف ما فيه فبقى له بذلك ذنب، والثاني أنه كان من أصحاب جاني بك نائب جدة فاشتفى منه بهذه العلقة. ثم إنه أخلع على تمرباى التمرازي أمير مشوى وقرره فى المهندارية عوضا عن محمد بن قان باى. وفيه جاءت الأخبار بوفاة إسحق بن إبراهيم بن محمد بن قرمان (٣) وكان شابا حسنا لا بأس به. وفيه (٤) قرر فى قضاء الشافعية بدمشق العلاى على بن الصابونى عوضا عن جمال الدين الباعونى، وفى ذلك يقول الشهاب المنصوري: يقول منصب حكم الشرع: كيف جرى … حتى بغير جمال الدين باعونى أجابني الدين: لا أدرى وقد غسلوا … أيديهم منى بصابونى وأضيف إليه أيضا نظر جيش دمشق عوضا عن البدرى بن المزلق، فكان والد علاى الدين بن الصابونى وأخوه متكلمين فى تلك الوظيفتين بدمشق وهو مقيم بالقاهرة، فعد ذلك من النوادر. وفيه أخلع السلطان على كمال الدين ابن ناظر الخاص يوسف بن كاتب جكم وقرر في نظر الجوالي عوضا عن ابن الصابونى، وقرر فى نظر الأحباس ابن شرف الدين الأنصاري (٥) وقرر الزيني عبد القادر بن أبي الهول (٦) في نظر الإسطبل عوضا عن

стр. 178

تاج الدين الدمشقى - وفيه توفى قراجا العمري الظاهري (١)، الذي كان والى القاهرة ثم بقى مقدم ألف بدمشق وكان قد ناف عن الثمانين سنة من العمر، وكان لا بأس به. وفى صفر في ليلة ثالث عشره خسف جرم القمر ودام نحوا من أربعين درجة حتى انجلى (٢) - وفيه (٣) فقدت بغلة القاضي محيى الدين الطوخى أحد نواب الشافعية فتتبع أمرها فوجد طباخا قد أخذها وذبحها وطبخ لحمها وابتاعه للناس، فلما قامت عليه البينة بذلك ضرب أشد ضربا وطيف به في القاهرة وعلقت رأس البغلة في عنقه - وفيه جاءت الأخبار من حلب بأن حسن الطويل قد زحف على ملك أصلان (٤) فغفر منه إلى الأبلستين فتبعه ودخل إلى الأبلستين فهبها وأخرب غالبها ثم رجع وملك خرت برت، فلما بلغ السلطان ذلك انزعج لهذا الخبر وقد قويت شوكة حسن الطويل. وفيه توفى القاضى نور الدين على الشيشينى الحنبلي (٥)، وهو على بن أحمد ابن محمد بن عمر بن وجيه بن مخلوف الحنبلى، وكان عالما فاضلا بارعا في مذهبه، وهو والد قاضي القضاة شهاب الدين الشيشينى المتولى الآن، وكان نائبا عن قاضي القضاة عز الدين الحنبلى، وكان مولده سنة سبع وثمانمائة - وفيه صرف جانى بك التنمى عن نيابة الكرك وقرر بها بلاط. وفي ربيع الأول عاد السيد الشريف على الكردى (٦) الذي كان توجه قاصدا إلى ابن عثمان ملك الروم فذكر للسلطان عدم الإنصاف له من ابن

стр. 179

عثمان. وفيه توفى البدرى حسن الرهونى (١) المالكي أحد نواب الحكم وكان من أهل العلم والفضل. - وفيه (٢) عمل السلطان المولد النبوى وكان مولدا حافلا. - وفيه أخلع السلطان على مملوكه خاير بك الخازندار وقرر أمير ركب المحمل، وقرر فى أمرة الركب الأول كسباى الشثمان (٣). - وقرر في الحسبة خشكلدى البيستى وصرف عنها سودون الفقيه المؤيدى. - وفيه قرر في نيابة صفد حكم (٤) خال العزيز، وقرر عوضه في نيابة غزة أينال الأشقر أتابك العساكر بحلب، وقرر فى أتابكية حلب الماس الأشرفي نائب البيرة، وقرر فى نيابة البيرة شاد بك الجلباني الصغير. وفيه (٥) نزل السلطان من القلعة وتوجه إلى المطعم وألبس الأمراء الصوف، فلما ركب دخل من باب النصر وشق من القاهرة في موكب عظيم، وكان له يوم مشهود. - وفيه توفى قاضى الإسكندرية بدر الدين بن المخلطة (٦) السكندرى المالكي، وكان عالما فاضلا ولى نيابة الحكم بمصر ثم ولى قضاء الإسكندرية وكان حسن السيرة. - وفيه ثار جماعة من المماليك الجلبان على السلطان بالقلعة، فلما وثبوا طلبوا من السلطان أثواب صوف بسبب الرمايات (٧) فأرضى جماعة منهم حتى خمدت هذه الفتنة. - وفيه جاءت الأخبار من حلب بقتل ملك أصلان بن سليمان بن محمد بن خليل بن قراجا بن ذلغادر التركماني صاحب الأبلستين قتله فداوى يوم الجمعة وهو فى الجامع (٨)، وكان قتله أول الفتن التي وقعت مع شاه سوار،

стр. 180

كما يأتى الكلام على ذلك. وفيه (١) توفى الشيخ برهان الدين الباعوني الدمشقى الشافعي، وكان عالما فاضلا خطيبا بارعا مصنفا، ولى قضاء الشافعية بدمشق وخطابة جامع بني أمية، ومولده سنة سبع وسبعين وسبعمائة. - وفيه (٢) قبض السلطان على منصور الأستادار وسجنه بالقلعة، ثم أخلع على زين الدين وأعاده إلى الأستادارية، واستمر منصور فى الترسيم. - وفيه توفى كوكاى من حمزة الظاهرى الخاصكى وقد ناف عن السبعين وكان تترى الجنس من مماليك الظاهر برقوق وكان لا بأس به. وفي ربيع الآخر (٣) قرر شرف الدين بن كاتب غريب في نظر الديوان المفرد. - وفيه أرسل السلطان خلعة إلى شاه بضاغ بن ذلغادر وقرر في أمرة الأبلستين عوضا عن ملك أصلان. - وفيه (٤) عزل السلطان جوهر النوروزى عن تقدمة المماليك، وقرر مثقال الحبشى في تقدمة المماليك عوضا عن جوهر النوروزى، وقرر خالص التكروري في نيابة تقدمة المماليك. وفي جمادى الأولى (٥) توفيت زوجة السلطان خوند شكر باي الأحمدية الجركسية، وكانت دينة خيرة تميل إلى طريقة الفقراء ولبست خرقة الأحمدية، وكان أصلها من جوار الملك الناصر فرج، وماتت ولها من العمر نحوا من سبعين سنة وزيادة، وكانت قليلة الأذى كثيرة الخير، وكانت متضعة تحب الفقراء وتقرب الناس، وكانت لا بأس بها. - فالما ماتت عقد السلطان على سريته سورباى (٦) ونقلها إلى قاعة العواميد وصارت خوند الكبرى عوضا عن الأحمدية.
следующие страницы →