خازن النار فيقول يا محمد ما تركت للنار لغضب ربك في أمتك من بقية» (١).
فأول من يمر على الصراط من الموحدين (وهم أمم الأنبياء) أمة نبينا محمد ﷺ وذلك لشفاعته ﵊ بتعجيل حسابها.
* * *
ولنَعُدْ لذلك العبد المسكين الذي أوتي نورَه على إبهام قدمه .. فيا ترى. هل اجتاز الطريق ونجا .. أم ماذا فعل الله به؟ ..
يا لها من ساعاتٍ رهيبةٍ لم يكنْ يَحسِبُ لها أيَّ حسابٍ، إنَّه يَحصدُ الآن ما زرعَه في الدنيا جَرّاء تفريطِه في أوامرِ الله يُقدِّمُ رجلاً ويُؤخِّرُ أخرَى ويَحبُو على وجهِه ويديْه ورجليْه، وتَسفَعُ جوانبَه النارُ وتُلهبُ أعضاءَه حرارتها، حتى يصل إلى نِهايةِ الصراطِ ويضعُ قدمَه على شَفيرِ جهنَّمَ، ويقفُ عليها غير مُصدِّقٍ أنه قد نجا ببدنِه من ذلك الهول، فيكون مُمْتَنّاً للهِ أنْ نَجَّاه منها فيقفُ عليها ويقولُ: الحمدُ للهِ الذي أعطانِي ما لَم يُعطِ أحداً إذْ نَجَّاني منها بعد إذْ رأيتُها ويبقى هنالك
стр. 107
ما شاء اللهُ أن يبقَى مقبِلاً بوجهِه قبلَ النارِ، وفي الحديث: «فيقولُ يا ربِّ اصرفْ وجهي عن النارِ قد قشَبَنِي ريحُها وأحرقَنِي ذكاؤُها فيقولُ اللهُ تعالى له هل عسيْتَ إن فُعِلَ ذلك بك أنْ تَسألَ غيرَ ذلك فيقولُ لا وعزَّتِك ويُعطي اللهَ ما يشاءُ من عهدٍ وميثاقٍ فيَصرفُ اللهُ وجهَه عن النارِ ثمَّ يُنطَلَقُ به إلى غديرٍ عند بابِ الجنةِ فيَغتسلُ فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجنةِ وألوانُهم فيَرى ما في الجنةِ من خللِ البابِ فيقولُ ربِّ أدخلْنِي الجنةَ فيقول اللهُ له أتسألُ الجنةَ وقد نَجَّيتُك من النارِ؟ فيقولُ ربِّ اجعلْ بيني وبينَها حجاباً لا أسْمَعُ حَسيسَها، قال فيدخلُ الجنةَ. فيرَى أو يُرفَعُ له منْزلٌ أمام ذلك كأنَّما الذي هو فيه إليه حلمٌ ليدخله فيقول ربِّ أعطني ذلك المنْزلَ. فيقولُ: فلعلك إنْ أعطيتُكَهُ تَسألُ غيرَه، فيقولُ لا وعزَّتِك لا أسألُ غيرَه، وأيُّ منْزلٍ يكون أحسنَ منه؟ قال فيعطاه فينزله، قال ويرى أو يُرفعُ له أمام ذلك منْزلٌ آخرُ فيقول ربِّ أعطِني ذلك المنْزلَ فيقول اللهُ فلعلك إنْ أعطيتُكَهُ تَسألُ غيرَه قال لا وعزتِك لا أسألُ غيرَه، وأيُّ منْزلٍ يكون أحسنَ منه؟ قال فيُعطاه فينْزلُه قال ويرى أو يُرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما الذي هو فيه إليه حلم، فيقول رب أعطني ذلك المنزل فيقول الله ﷻ : فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره قال لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل يكون أحسن منه؟! قال فيُعطاه فينزله ثم يسكتُ فيقولُ اللهُ ما لك لا تسألُ فيقولُ ربِّ لقد سألتُك حتى استحييْتُك وأقسمتُ لك
стр. 108
حتى استحييْتُك فيقولُ الله تعالى: ألا ترضَى أنْ أُعطيكَ مثلَ الدنيا منذُ خلقتُها إلى يومِ أفنيتُها وعشرةَ أضعافِه؟ فيقولُ أتستهزئ بي وأنت ربُّ العزَّةِ فيضحكُ الربُّ من قوله (١) ويقول له لا ولكني على ذلك قادرٌ سَلْ. فيقولُ ألْحِقْني بالناسِ فيقولُ: الْحَقْ بالناسِ. فينطلقُ يَرملُ في الجنةِ حتى إذا دنَا من الناسِ رُفِعَ له قصرٌ من درةٍ فيَخِرُّ ساجداً فيُقال له ارفعْ رأسَك مالك فيقول رأيتُ ربِّي أو تراءَى لي ربِّي [وهو معذورٌ في ذلك فقد رأَى نعيماً ومُلكاً كبيراً لم يَحلمْ به قطُّ ولم يَدُرْ يوماً في مُخَيّلتِه] (٢) فيُقال له إنَّما هو منْزلٌ من منازلِك قال ثم يَلقَى رجلاً فيتهيأُ للسجودِ له فيقالُ له مَهْ مالَك فيقول رأيتُ أنَّك ملَكٌ من الملائكةِ فيقولُ إنَّما أنا خازنٌ من خُزَّانِك عبدٌ من عبيدِك تحت يديَّ ألفُ قهرمانٍ على مثلِ ما أنا عليه. قال فينطلقُ أمامَه حتى يفتحَ له القصرَ قال وهو في دُرَّةٍ مجوَّفةٍ سقائفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومفاتيحُها منها تستقبلُه جوهرةٌ خضراءُ مبطَّنةٌ بحمراءَ كلُّ جوهرةٍ تُفضي إلى جوهرةٍ على غيرِ لونِ الأخرى في كلِّ جوهرةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووصائفُ أدناهنَّ حوراءُ عيناءُ عليها سبعون
стр. 109
حُلَّةً يُرَى مُخُّ ساقِها من وراءِ حُلَلِها كَبِدُها مرآتُه وكبدُه مرآتُها إذا أَعرضَ عنها إعراضةً ازدادتْ في عينِه سبعين ضعفاً عمَّا كانت قبل ذلك وإذا أعرضتْ عنه إعراضةً ازدادَ في عينِها سبعين ضعفاً عما كان قبل ذلك فيقولُ لها والله لقد ازددتِ في عيْنَيَّ سبعين ضعفاً وتقول له وأنت والله لقد ازددتَ في عيْنَيَّ سبعين ضعفاً فيُقالُ له أَشرِفْ قال فيُشرِفُ فيُقال له مُلكُك مسيرةُ مائةِ عامٍ يَنفُذُه بصرُك» (١).
وبعدُ .. فهذا نصيبُ أدنَى أهلِ الجنةِ منْزلةً فكيف بأعلاهم؟
* * *
стр. 110
وماذا بعد الصراط؟
وبعد عبور الصراط وبعد نجاة من نجا، وسقوط من سقط في النار من الموحّدين (١)، يؤذن للشفعاء بالشفاعة بما فيهم الملائكة فقد كانوا يحضرون مجالس الذكر ويحفّون أهلها بالسكينة والرحمة أفلا يشفعون اليوم لمن رأوه هناك ولو لمرة. ويشفع الرُّسل والشهداء والعلماء والصالحون .. ومن الناس من يُحرم الشفاعة (٢).
ويشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته وعشيرته (٣) والعلماء لمن حضروا مجالسهم ومن يعرفونهم، ومن الصالحين من يشفع في
стр. 111
الفئام من الناس ومنهم خير التابعين أويس القرني ففي الحديث:
«ليدخلنّ الجنة بشفاعة رجلٍ ليس بنبيّ مثل الحيَّين: ربيعةَ ومُضَر» (١) ويرى المؤمنون أن لهم إخوانا ورفاقا كانوا معهم في الدنيا فسقطوا في النار فيجادلون الله تعالى فيهم. ومن الناس من يحظى بالشفاعة من الصالحين لحضوره مجالسهم وإن لم يكن منهم .. فإنهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.
قال ﷺ : «إذا خَلَّصَ الله الْمُؤْمِنِينَ من النَّارِ وَأَمِنُوا فما مُجَادَلَةُ أَحَدِكُمْ لِصَاحِبِهِ في الْحَقِّ يَكُونُ له في الدُّنْيَا أَشَدَّ مُجَادَلَةً من الْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهِمْ في إِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ أُدْخِلُوا النَّارَ قال يَقُولُونَ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا فَأَدْخَلْتَهُمْ النَّارَ فيقول اذْهَبُوا فَأَخْرِجُوا من عَرَفْتُمْ منهم فَيَأْتُونَهُمْ فَيَعْرِفُونَهُمْ بِصُوَرِهِمْ لَا تَأْكُلُ النَّارُ صُوَرَهُمْ فَمِنْهُمْ من أَخَذَتْهُ النَّارُ إلى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَمِنْهُمْ من أَخَذَتْهُ إلى كَعْبَيْهِ فَيُخْرِجُونَهُمْ فَيَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرَجْنَا من قد أَمَرْتَنَا ثُمَّ يقول أَخْرِجُوا من كان في قَلْبِهِ وَزْنُ دِينَارٍ من الْإِيمَانِ ثُمَّ من كان في قَلْبِهِ وَزْنُ نِصْفِ دِينَارٍ ثُمَّ من كان في قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ» (٢).
стр. 112
فيخرجونهم من النار بعد أن احترقوا وتفحّموا إلا أن النار لا تأكل وجوههم ومواضع السجود منهم فيعرفونهم وفي الحديث قال ﷺ : «أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فيها ولا يَحْيَوْنَ وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ أو قال بِخَطَايَاهُمْ فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً حتى إذا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ فَجِيءَ بِهِمْ ضَبَائِرَ ضَبَائِرَ فَبُثُّوا على أَنْهَارِ الْجَنَّةِ ثُمَّ قِيلَ يا أَهْلَ الْجَنَّةِ أَفِيضُوا عليهم فَيَنْبُتُونَ نَبَاتَ الْحبَّةِ تَكُونُ في حَمِيلِ السَّيْلِ» (١).
стр. 113
شفاعة رب العالمين
إذا شفع الملائكة والأنبياء والمؤمنون قالوا: ( … رَبَّنَا قد أَخْرَجْنَا من أَمَرْتَنَا فلم يَبْقَ في النَّارِ أَحَدٌ فيه خَيْرٌ، قال ثُمَّ يقول الله شَفَعَتِ الملَائِكَةُ وَشَفَعَ الأَنْبِيَاءُ وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ وبقي أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ قال فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ أو قال قَبْضَتَيْنِ نَاسٌ لم يَعْمَلُوا لِلَّهِ خَيْراً قَطُّ قَدِ احْتَرَقُوا حتى صَارُوا حُمَماً قال فَيُؤْتَى بِهِمْ إلى مَاءٍ يُقَالُ له مَاءُ الْحَيَاةِ فَيُصَبُّ عليهم فَيَنْبُتُونَ كما تَنْبُتُ الْحِبَّةُ في حَمِيلِ السَّيْلِ فَيَخْرُجُونَ من أَجْسَادِهِمْ مِثْلَ اللُّؤْلُؤِ في أَعْنَاقِهِمُ الْخَاتَمُ عُتَقَاءُ اللَّهِ قال فَيُقَالُ لهم ادْخُلُوا الْجَنَّةَ فما تَمَنَّيْتُمْ أو رَأَيْتُمْ من شيء فَهُوَ لَكُمْ، عندي أَفْضَلَ من هذا قال فَيَقُولُونَ رَبَّنَا وما أَفْضَلُ من ذلك قال فيقول رضائي عَلَيْكُمْ فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ أَبَداً» (١).
стр. 114
وعند معاينة الكفار من أهل النار خروج جميع الموحّدين ونجاتهم يعضّون أصابع الندم ويتقطعون حسرة وندامة ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَاوَيْلَتَا لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ٢٩﴾ [الفرقان: ٢٧ - ٢٩].
فهم اليوم يتلاعنون ذهبت عنهم مودة الدنيا وصداقتها، فكل خليل يلعن خليله وكل صديق يلعن صديقه، ويتبرأ بعضهم من بعض .. قد سقطت كل محبة زائفة، ودعوى باطلة، ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضا﴾ [العنكبوت: ٢٥] ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
* * *
стр. 115
أصحابُ الأعراف
بعد جوازِ أمَّةِ محمدٍ ﵊ على الصراطِ ينجُو كلُّ من زادتْ حسناتُه على سيئاتِه ولو بحسنةٍ واحدةٍ ولذلك فهم يتفاوتون في سرعتِهم على الصراطِ كما ذُكرَ سابقاً فمنهم مَنْ لا يشعرُ بِحَرِّها من سرعتِه ومنهم من تَلفَحُه ومنهم من يُشوَى ويتقلقلُ بِحَرِّها ولَهَبِها. أما مَنْ رجحتْ سيئاتُهم فمُكردَسون في بطنِها عياذاً باللهِ، إلاَّ أنْ يعفُوَ اللهُ عنهم أو يخرجون بعد ذلك بالشفاعة. ويبقَى قومٌ تساوتْ حسناتُهم مع سيئاتِهم حتى ينظرَ اللهُ فيهم وهم أصحابُ الأعرافِ فيقفون على سورٍ بين الجنةِ والنارِ قيل هو سورُ الأعرافِ فإذا رأَوْا أصحابَ الجنةِ ونجاتَهم غَبِطوهم وسألوا اللهَ أن يُدخلَهم معهم ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٧] فيَبقوْن على هذه الحالِ حتى يعفوَ اللهُ عنهم بشفاعةِ محمدٍ ﷺ .
فعن حذيفةَ ﵁ قال: (أصحابُ الأعرافِ قومٌ تجاوزتْ بهم حسناتُهم النارَ وقَصُرتْ بهم سيئاتُهم عن الجنةِ) (١).
стр. 116
وقال ابن عباس ﵁: (السابقُ بالخيراتِ يدخلُ الجنةَ بغيرِ حسابٍ والمقتصدُ يدخلُ الجنةَ برحمةِ اللهِ والظالِمُ لنفسِه وأصحابُ الأعرافِ يدخلون الجنةَ بشفاعةِ محمدٍ ﷺ (١).
يا له من موقف رهيب يوم تنظر عن يمينك فترى الجنة وأهلها ينعّمون فيها، وتنظر ذات الشمال فترى النار وأهلها يعذّبون فيها، ولا تعلم من أي الفريقين أنت .. بل وتخيَّل كيف يكون موقفك في أرض المحشر وقد تساوتْ حسناتُك مع سيئاتِك وبِتَّ تبحثُ عمَّن يتصدقُ عليك بحسنةٍ واحدةٍ .. هذه الحسناتُ التي كانت في الدنيا بضاعةً كاسدةً وكان الرجلُ منّا يزهدُ فيها وكأنَّه في غنىً عنها .. ها أنت اليوم تتوسلُ إلى أُمِّك (إنْ وجدْتَها في تلك الظلمةِ وذلك الزحام الشديد) فتقولُ لك نفسي نفسي، لا أوثِرُك اليومَ على نفسي.
فتبحثُ عن أبيك .. وتبحثُ .. وتسألُ، وكلٌّ في شغلٍ عنك، كلٌّ يريدُ أن ينجوَ بنفسِه وكلٌّ يبحثُ عمَّا أنت باحثٌ عنه، تخيلْ كم ستستغرقُ من الزمن كي تجدَه بين هؤلاء البشرِ في تلك الظلمةِ، وإن وجدته .. كم ستكونُ فرحتُك غامرةً وكأنَّك وجدْت كنْزاً، وتظنُّ أنَّ كُربتَك قد فُرجَتْ، فها قد وجدت والدَك العطوفَ الذي كان يُغدقُ عليك ويبذلُ من أجلِك كلَّ غالٍ ونفيسٍ، إنه لن يبخلَ عليك الآن بتلك الحسنةِ .. ولكن يالَخيبةِ أملِك؛ فما تلبثُ أنْ يَدبَّ اليأسُ إلى قلبِك من جديدٍ
стр. 117
بعد أن تسمعَ منه تلك العبارةَ (نفسي … نفسي) فتتذكرُ زوجتك الحبيبةَ، أمَّ أولادِك، التي طالما أغدقت عليها من الدلالِ والملبسِ والمأكلِ، فكم ستستغرقُ أيضاً في سبيلِ البحثِ عنها، كم من السنين الطوالِ التي تساوي أضعافَ عمرِك في الدنيا في سبيلِ البحثِ عن تلك الزوجةِ، ولكن ما إن تجدْها حتى تسمعَ منها الإجابةَ نفسَها، فتذهبُ إلى كلِّ مَنْ يَخطرُ ببالِك تستنجدُ به، إلى ولدِك، فلذةِ كبدك، إلى ابنتك، إلى أخيك، وأختِك، وخالِك، وعمِّك، ثم إلى سائرِ عشيرتِك فتسمعُ الإجابةَ اليائسةَ في كلِّ مرةٍ: (نفسي … نفسي).
لقد مضَى عليك أكثرُ من عمرِك في الدنيا، بل أضعافُه، خمسون ألفَ سنةٍ وأنت تبحثُ عن حسنةٍ، كان بإمكانِك الحصولُ عليها بل على العديدِ من الحسناتِ في الدنيا في أقلَّ من الجزءِ من الدقيقةِ.
إنَّ احتمالَ عثورِك على أبيك أو أمِّك أو أحدٍ من أقربائِك في ذلك الوقت بين ملياراتِ البشرِ احتمالٌ ضئيلٌ جداً، يستغرقُ آلافَ السنين من الخمسين ألف سنة، وذلك في علمِ الاحتمالاتِ كمن يبحثُ عن كرةٍ ذاتِ نقطةٍ سوداءَ بين ملايينِ الكراتِ المماثلةِ بدونِ النظرِ إليها، وذلك بالطبعِ سوف يستغرقُ من الوقتِ ما لا يُحصَى. هذا مع احتماليةِ فرارِهم منك ومحاولةِ التخفِّي عن أنظارِك خشيةَ أن تكونَ لك مظلمةٌ عليهم يومَ لا يتحملُ أحدٌ عن أحدٍ وزنَ جناحِ بعوضةٍ ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ
стр. 118
مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧].
أرأيتَ كيف أصبحتْ سوقُ الحسناتِ الآن غاليةً؛ تلك التي لم تكن تأبَهُ لقيمتِها في الدنيا، لم تكن تساوي عندَك سيجارةً واحدةً من التي ينفثُها صاحبُها لدقائقَ ثم ما يلبثُ أن يسحقَها تحت قدميْه، كم كان يستغرقُ من الوقتِ في شربِها، إن ما استغرقَه في شربِها ونفْثِ دخانِها كنتَ تستطيعُ أنت الحصولُ فيه على آلافٍ مؤلَّفةٍ من الحسناتِ، نعم واللهِ آلافٌ مؤلفةٌ من الحسناتِ.
ولنفترضْ جدلاً أنك قد تَحصَّلت على تلك الحسنةِ عند أحدِهم كم كنت على استعدادٍ لأن تدفعَ في سبيلِ امتلاكِها؟ أليس كنت ستدفعُ كلَّ ما تملك من غالٍ ونفيسٍ، نعم، كيف لا؟ فبها بعد رحمةِ اللهِ يترجح ميزانك فتدخل الجنةَ وتُعتَقُ من النارِ؛ يقولُ الله تعالى في شأنِ الكفارِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٣٦]، وينطبقُ عليك هذا القولُ: إنْ لم يرحَمْك ربُّك فلن يُقبلَ منك لو كنت تملكُ ما في الأرضِ جميعاً ومثلَه معه، لأنَّ سوقَ المالِ والمادةِ الآن لا قيمةَ له ولا وزنَ .. وبضاعتُه اليومَ أصبحتْ كاسدةً وحتماً سوف تبحثُ عن شيءٍ آخرَ، تفتدي به في سبيلِ الحسنةِ الغاليةِ؛ يقول تعالى: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ
стр. 119
لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ ١١ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ ١٢ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ ١٣ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ ١٤﴾ [المعارج: ١١ - ١٤].
إذن تلك الحسنةُ تساوي مَنْ في الأرضِ وما في الأرضِ جميعاً؛ لو أنَّهم ملكٌ لك لبذلتهم جميعاً فداءً في سبيلِ الحصولِ عليها.
لعلك لا تكادُ تصدِّقُ أن تلك الحسنةَ التي كانت حقيرةً في عينيْك سوف يأتي عليها يومٌ من الأيامِ وإذا بقيمتِها ترتفعُ في (بورصةِ) الأسعارِ يومَ العرضِ الأكبرِ حتى تساوي الدنيا وما فيها.
أرأيتَ، يا من كنت تَعُدُّ نفسَك من الأذكياءِ، أمَا اتَّضحتْ لك (الجدوى الاقتصاديةُ) للحسنةِ بعد هذه الدراسةِ المسهَبةِ والأكيدةِ التي لا احتمالَ فيها ولا مُخاطَرةَ؟ لقد كنتَ تُخاطِرُ بأموالِك في تجارةٍ غيرِ مؤكدةِ الربحِ، فهذه مضمونةُ الأرباحِ سليمةٌ من الخسارةِ.
سارعْ يا رعاك الله قبلَ أن يُغلقَ بابُ العرضِ والطلبِ فلا يعودُ لما تملكُ قيمةٌ إلا الحسناتُ، سارعْ باقتنائِها فإن التجارةَ رابِحةٌ والسوقَ يومئذٍ رائجةٌ وأبوابَها اليومَ لا حصرَ لها.
* * *
стр. 120
القنطرة ..
قالصلى الله عليه وسلم: «إذا خلصَ المؤمنون من النارِ حُبسوا بقنطرةٍ بين الجنةِ والنارِ فيَتقاصُّون مظالِمَ كانت بينهم في الدنيا حتى إذا نُقُّوا وهُذِّبوا أُذِنَ لهم بدخولِ الجنةِ فو الذي نفسُ محمدٍ ﷺ بيده لأَحدُهم بمسكنِه في الجنةِ أدَلُّ بمنْزلِه كان في الدنيا» (١).
وهنا يظهرُ مدى العدلِ المطلقِ للحَكَمِ العدلِ سبحانه الذي حرَّمَ الظلمَ على نفسِه وجعلَه بين عبادِه مُحَرماً فالظلمُ عند اللهِ يومَ القيامةِ له دواوينُ ثلاثةٌ:
١ - ديوانٌ لا يغفرُ اللهُ منه شيئاً وهو الشِّركُ به فإن اللهَ لا يغفرُ أن يُشرَكَ به، ولا يُمحَى هذا الديوانُ إلاَّ بالتوحيدِ.
٢ - وديوانٌ لا يَتركُ الله تعالى منه شيئاً وهو ظلمُ العبادِ بعضِهم بعضاً فإنَّ الله تعالى يستوفيه كلَّه؛ فديوانُ المظالِمِ لا يُمحَى إلاَّ بالخروجِ منها إلى أربابِها واستحلالِهم منها.
٣ - وديوانٌ لا يَعبأ اللهُ به وهو ظلمُ العبدِ نفسَه بينه وبين ربِّه فإنَّ هذا الديوانَ أخفُّ الدواوينِ وأسرعُها مَحْواً فإنَّه يُمحَى
стр. 121
بالتوبةِ والاستغفارِ والحسناتِ الماحيةِ والمصائبِ (١) الْمُكفِّرةِ ونحو ذلك.
قال ﷺ : «الظلمُ ثلاثةٌ فظلمٌ لا يَغفرُه اللهُ وظلمٌ يغفرُه اللهُ وظلمٌ لا يتركُ اللهُ منه شيئاً؛ فأمَّا الظلمُ الذي لا يغفرُه اللهُ فالشركُ «وقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأما الظلمُ الذي يغفرُه اللهُ فظلمُ العبادِ لأنفسِهم فيما بينهم وبين ربِّهم وأما الظلمُ الذي لا يتركُه فظلمُ العبادِ بعضِهم بعضاً حتى يدينَ لبعضِهم من بعضٍ» (٢).
فعلى هذه القنطرةِ يقفُ عبادُ الله الناجون من النارِ فيُقتادُ منهم .. مَنْ ضَربَ يُضرَبُ، ومن جَرحَ يُجرَحُ، ويؤخَذُ لبعضِهم من بعضٍ ظلاماتُهم في الدنيا، وقد يُثيبُ اللهُ المظلومَ خيراً من مظلمتِه ويعفو عن الظالِمِ برحمتِه.
* * *
стр. 122
وبعد التطهير الروحي يأتي التطهير الجسدي ..
هاهي الوفود الكريمة قد وصلت بعد لأيٍ ومشقّة، وحطت رحالها على أعتاب الجنة تنتظر أن يستفتحها سيد الخلق ﵊ ففي الحديث: «آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يوم الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ فيقول الْخَازِنُ من أنت فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فيقول بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ» (١).
فيدخلونها بعده جماعاتٍ جماعاتٍ لا يتقدمُ أحدُهم على الآخَرِ لقوةِ شدِّه، أو لسرعةِ ركضِه، بل لصلاحِه وتقواه.
﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
قال ابن كثير: (زُمرا، أي جماعة بعد جماعة، المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والشهداء مع أضرابهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، كل زمرة تناسب بعضها بعضا) (٢).
стр. 123
ويدخلُ كلُّ أهلِ درجةٍ متحاذيةً أكتافُهم، متصافيةً قلوبُهم، صفاً واحداً لا يتأخرُ أحدُهم عن الآخَرِ، لا يتدافعون ولا يتجاذبون فهم وفودٌ مُكرَمون، ففي الحديث: «لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا أو سبعمائة أَلْفٍ - شَكَّ في أَحَدِهِمَا- مُتَمَاسِكِينَ آخذ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ حتى يَدْخُلَ أَوَّلُهُمْ وآخرهم الْجَنَّةَ … » (١) قال النووي: (ومعنى متماسكين ممسك بعضهم بيد بعض ويدخلون معترضين صفاً واحداً بعضهم بجنب بعض وهذا تصريحٌ بعِظَم سعة باب الجنة نسأل الله الكريم رضاه) (٢).
حتى إذا انتهَوْا إلى بابٍ من أبوابِها وجدوا عنده شجرةً يَخرجُ من تحتِ ساقِها عينان تَجريان فعَمَدوا إلى إحداهما كأنَّما أُمروا بها فشربوا منها فأذهبتْ ما في بطونِهم من أذىً أو قذىً أو بأساً ثم عمدوا إلى الأخرى فتطهَّروا منها فجرتْ عليهم بنضرة النعيمِ فلن تتغيرَ أبشارُهم بعدَها أبداً ولن تشعثَ أشعارُهم كأنَّما دهنوا بالدهانِ، على طول آدم ستين ذراعا و على حسن يوسف و على ميلاد عيسى ثلاث و ثلاثون سنة و على لسان محمد ﷺ جردٌ مردٌ مكحلون (٣).
стр. 124
فإذا انتهوْا إلى خَزَنَةِ الجنةِ رحّبوا بهم وقالوا ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣].
نعم .. لقد طابوا الآن وتطهروا من كل خَبَث، وأصبحوا لائقين بدخول دار السلام والنقاء والطهر فإنه لا يدخلها إلا كل طاهر نقيّ.
وفي ساحات الجنة يتلقَّاهم الوِلْدانُ المخلَّدون يُطيفون بهم كما يُطيف وِلدانُ أهلِ الدنيا بالقريبِ الحميمِ يَقدُمُ من غَيْبتِه ويُبشِّرونَه فيقولون أبشِرْ بِما أَعَدَّ اللهُ لك من الكرامةِ. ثم ينطلقُ غلامٌ منهم إلى بعضِ أزواجِه من الحورِ العينِ فيقولُ لها قد جاء فلانٌ باسمِه الذي يُدعَى به في الدنيا فتقولُ أنتَ رأيتَه؟ فيقول أنا رأيتُه وهو ذا بأثَري فيستخِفُّها الفرحُ حتى تقومَ على عتبةِ بابِها تنتظرُه. فإذا انتهى إلى منْزلِه نظرَ إلى أساسِ بُنيانِه فإذا جندلُ اللؤلؤِ فوقَه صرحٌ أخضرُ وأصفرُ وأحمرُ ومن كلِّ لونٍ ثم رفعَ رأسَه فنظرَ إلى سقفِه فإذا مِثلُ البرقِ لولا أن الله قدَّرَ له أن يتحمّلَ ذلك الضوءَ لذهبَ ببصرِه ثم طأطأَ رأسَه فنظرَ إلى أزواجِه وأكوابٍ موضوعةٍ، ونَمارقَ مصفوفةٍ، وزرابِيَّ مبثوثةٍ فنظرَ إلى تلك النعمةِ ثم اتَّكأَ وقالَ ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣] ثم ينادي مُنادٍ تَحيَوْن فلا تَموتون أبداً وتُقيمون فلا تَظعَنون أبداً وتَصِحُّون فلا تَمرَضون أبدا (١).
стр. 125
وقد رأينا حال أدنَى أهلِ الجنةِ منْزلةً من غير الجهنميين، وهو الذي كان يحبو على الصراط وما ناله من ملك عظيم .. فكيف بأعلاهم منزلة؟
قال كعبٌ ﵁ (إنَّ الله جعلَ داراً فجعلَ فيها ما شاء من الأزواجِ والثمراتِ والأشربةِ ثم أطبقَها ثم لم يَرَها أحدٌ من خلْقِه لا جبريلُ ولا غيرُه من الملائكةِ ثم قرأ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] قال وخلَقَ دون ذلك جنَّتيْن وزيَّنَهما بما شاء وأراهُما مَنْ شاء من خلقِه ثم قال مَنْ كان كتابُه في عِليِّينَ نزلَ تلك الدارَ التي لم يَرَها أحدٌ حتى إنَّ الرجُلَ من أهلِ عِلَّيِّينَ لَيخرجُ فيسيرُ في مُلكِه فما تبقَى خيمةٌ من خِيَمِ الجنةِ إلا دخلَها من ضوءِ وجهِه فيستبشرون بريحِه فيقولون واهاً لهذا الريحِ هذا رجلٌ من أهل عِلِّيِّينَ قد خرجَ يسيرُ في مُلكِه) (١).
فياللهِ أيُّ نعيمٍ هذا وأيُّ مُلكٍ .. اللَّهُمَّ إنَّا نسألُك الفردوسَ الأعلَى من غيرِ سابقةِ عذابٍ ولا سابقةِ حسابٍ .. اللَّهُمَّ آمين .. آمين.
* * *
стр. 126
الموت للموت
وبعد استتباب الأمر وثباته ودخول الفريقين إلى مثواهم الأخير، ينادَى على أهل الجنة وأهل النار ففي الحديث: «يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط، فيقال: يا أهل الجنة! فيطّلعون خائفين وجلين مخافة أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، ثم يقال يا أهل النار فيطلعون مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه، فيقال أتعرفون هذا؟ فيقولون نعم، هذا الموت، فيأمر به فيذبح على الصراط فيقال للفريقين كلاهما: خلود فيما تجدون لا موت فيها أبدا» (١).
وقال: «يؤتى بالموت كأنه كبش أملح، حتى يوقف على السور بين الجنة والنار، فَيُقَالُ يا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيُقَالُ يا أَهْلَ النَّارِ فَيَشْرَئِبُّونَ فَيُقَالُ هل تَعْرِفُونَ هذا؟ فَيَقُولُونَ: نعم هذا الموْتُ، فَيُضْجَعُ فَيُذْبَحُ فَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ الْحَيَاةَ وَالْبَقَاءَ لَمَاتُوا فَرَحًا، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَضَى لِأَهْلِ النَّارِ الْحَيَاةَ وَالْبَقَاءَ لَمَاتُوا تَرَحًا» (٢).
стр. 127
وبعد ..
فهذا يوم القيامة فماذا أعددنا؟
هذا يوم الحصاد فليت شعري ماذا زرعنا؟
وهنا مناخ الراحلة فماذا هيئنا؟
وهنا محطة الوصول فهل أعددنا العدّة وتأهبنا للسفر؟
وفي الختام لا أقول لنفسي ولكم إلا كما قال ﷺ لأصحابه حينما كان معهم في جنازة فَجَلَسَ على شَفِيرِ الْقَبْرِ فَبَكَى حتى بَلَّ الثَّرَى ثُمَّ قال: «يا إِخْوَانِي لِمِثْلِ هذا اليوم فَأَعِدُّوا» (١).
стр. 128
ثبت المراجع
١ - الأحاديث الصحيحة، محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت. ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.
٢ - الاستذكار، أبو عمر يوسف ابن عبد الله القرطبي، تحقيق سالم محمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت.
٣ - التبصرة في أصول الفقه، إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي أبو إسحاق، تحقيق د. محمد حسن هيتو دار النشر: دار الفكر، ط: ١، دمشق، ١٤٠٣.
٤ - الحوض، شريط مسموع للداعية علي أبو الحسن.
٥ - الدر المنثور، عبد الرحمن بن الكمال جلال الدين السيوطي، بيروت: دار الفكر، ١٩٩٣ هـ.
٦ - الزهد، أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني أبو بكر، تحقيق عبد العلي عبد الحميد حامد، دار الريان للتراث، القاهرة، ط: ٢، ١٤٠٨ هـ.
٧ - الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي تحقيق:
стр. 129
د. علي بن محمد الدخيل الله، دار العاصمة، الرياض، ط ٣، ١٤١٨ - ١٩٩٨.
٨ - الفردوس بمأثور الخطاب، الديلمي، تحقيق السعيد بسيوني زغلول، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.
٩ - المستدرك على الصحيحين، محمد بن عبد الله النيسابوري، تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط ١، بيروت: دار الكتب العلمية، ١٤١١ هـ ١٩٩٠ م.
١٠ - المسند المستخرج على صحيح الإمام مسلم، أبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الهراني الأصبهاني، تحقيق محمد حسن محمد حسن إسماعيل الشافعي دار الكتب العلمية، ط: ١، بيروت، لبنان، ١٤١٧ هـ ١٩٩٦ م.
١١ - الوابل الصيب، شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق محمد عبد الله عوض، دار الكتاب العربي، بيروت.
١٢ - اليوم الآخر. القيامة الكبرى، الدكتور عمر سليمان الأشقر، دار النفائس، بيروت ط ٣، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.
١٣ - المعجم الأوسط، أبو قاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق طارق الحسيني، دار الحرمين، القاهرة، ١٤١٥ هـ.
стр. 130
١٤ - المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط ٢، الموصل: مكتبة العلوم والحكم، ١٤٠٤ هـ.
١٥ - تفسير الطبري، محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥ هـ.
١٦ - تفسير القرآن العظيم، إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي أبو الفداء، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١ هـ.
١٧ - تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تحقيق ابن عثيمين مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م.
١٨ - حادي الأرواح، شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، دار القلم، بيروت.
١٩ - سنن ابن ماجة، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، حققه محمد عبد الباقي، دار الفكر.
٢٠ - سنن أبي داود، أبو داوود سليمان بن الأشعث السجستاني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.
٢١ - شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، هبة الله بن الحسن بن منصور اللالكائي
أبو القاسم،
стр. 131
تحقيق د. أحمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض، ١٤٠٢. شرح الزرقاني
٢٢ - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني، دار الكتب العلمية، ط ١، بيروت، ١٤١١ هـ.
٢٣ - صحيح البخاري، الإمام الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، المطبعة العصرية، ط ١، بيروت: ١٤١٧ هـ ١٩٩٧ م.
٢٤ - صحيح ابن حبان، أبو حاتم ابن حبان البستي، تحقيق شعيب الأرناؤوط، الرسالة، ط ٢ بيروت: ١٤١٤ هـ.
٢٥ - صحيح ابن خزيمة، محمد ابن إسحاق النيسابوري، تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي بيروت: المكتب الإسلامي، ١٣٩٠ هـ.
٢٦ - صحيح الجامع وزيادته، محمد ناصر الدين الألباني، بيروت: المكتب الإسلامي.
٢٧ - صحيح الترغيب والترهيب، محمد ناصر الدين الألباني، الرياض: مكتبة المعارف، ١٤٢١ هـ.
٢٨ - صحيح سنن الترمذي، محمد ناصر الدين الألباني، الرياض: مكتبة المعارف.
٢٩ - صحيح مسلم بشرح النووي، الإمام الحافظ أبو الحسين مسلم بن الحجاج، بشرح الإمام يحيى بن شرف.
стр. 132
٣٠ - صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري النيسابوري، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي. بيروت.
٣١ - فتح الباري، أحمد بن علي ابن حجر العسقلاني، حققه محبّ الدين الخطيب، دار المعرفة، بيروت.
٣٢ - كتاب السنة، للحافظ أبي بكر عمر بن أبي عاصم الشيباني، بقلم محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.
٣٣ - كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين الهندي، تحقيق محمود عمر الدمياطي، دار الكتب العلمية ط: ١، بيروت، ١٤١٩ هـ ١٩٩٨ م.
٣٤ - لمعة الاعتقاد الهادي إلى سبيل الرشاد، أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، تحقيق بدر بن عبد الله البدر، ط: ١، الدار السلفية، الكويت، ١٤٠٦ هـ.
٣٥ - مسند الإمام أحمد، أحمد بن حنبل، تحقيق الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت: ١٤٢١ هـ ٢٠٠١ م.
٣٦ - مدارج السالكين، شمس الدين محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، تحقيق محمد حامد الفقي، دار الكتاب العربي، بيروت.