تطاير الصحف ..
ذهب المكذبون الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وفُرغ من الفصل بينهم وبقي أتباع الرسل ومنهم الذين أشركوا مع الله والمنافقون ومن ادعى أنه من هذه الأمة ولكنه حرّف وبدّل.
تتطايرُ الصحفُ فكلٌّ يأخذُ كتابَه .. فها قد انتهت الدنيا .. وانتهى وقتُ الامتحانِ وجاء يومُ الحصادِ فآخذٌ كتابَه بيمينِه، وآخذٌ كتابَه بشمالِه، وآخذٌ كتابَه من وراء ظهرِه، فأما مَنْ أخذَه بيمينِه فيصيحُ فرِحاً مسروراً ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ١٩ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ٢٠﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠]. لقد كان على يقينٍ بأنه سيُلاقي ذلك الجزاءَ فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملاً فهو اليومَ رافعٌ رأسَه بابتهاجٍ في أسعدِ موقفٍ مرَّ عليه منذ يوم خُلقَ … أين تلك اللحظاتُ المفعمةُ بالفرحةِ والسرورِ يوم أن تَخرّج من الجامعةِ بل يوم زواجِه، لا بل يوم أن تَحققَ حلمُه الجميلُ وبنى بيتاً جميلاً وعاش فيه أيامَه القلائلَ في تلك الدارِ الفانيةِ .. كل تلك الأفراحِ تضمحِلُّ وتتلاشَى يوم الفرحِ الأكبرِ والسعادةِ الأبديةِ. أما الظالِمُ لنفسِه الموحِّدُ من أصحابِ الكبائرِ والمقصِّرين في الفرائضِ فإنَّه يأخذُ كتابَه بشِمالِه ويشعر بالخزْيِ والعارِ وظلمِ النفسِ.
стр. 72
وأما المشركون الفجار فيأخذون كتبَهم من وراء ظهورِهم، قيل تُحوَّل أيديهم إلى الوراءِ فيأخذون كتبَهم بها جزاءً من جنسِ العملِ لأنَّهم نبذوا كلامَ رسلِهم وراءَ ظهورِهم ولم يستمعوا إليهم .. وعندئذٍ يُنادُون بالويْلِ والثبورِ ويوقنون بالخسارةِ والهلاكِ.
* * *
стр. 73
أعمالك حجة لك أو عليك
وهنا تنفع المرء أعماله التي احتسبها لله لا يريد بها إلا وجهه الكريم، فتأتي يوم القيامة تحاجّ عن صاحبها تشهد له:
فيأتي القرآن قال ﷺ : «اقرأوا الْقُرْآنَ فإنه يَأْتِي يوم الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقرأوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يوم الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أو كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أو كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ من طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عن أَصْحَابِهِمَا» (١)
ويأتيه صيامه وهو أحوج ما يكون إليه يومئذٍ ففي الحديث: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فيشفعان» (٢).
ويكون له حصنٌ وحماية من النار قال ﷺ : «الصيام جُنّة … » (٣).
стр. 74
وتأتي الصدقة فتظلله من حرّ ذلك اليوم: «كُلُّ امْرِئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ حتى يُفْصَلَ بين الناس … » (١).
وتأتيه صلاته منيرة مُشرقة: ففي الحديث: « … وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيْكَ … » (٢).
ويأتي ذكره لربه وتسبيحه لمولاه يحاجّ عنه ويحيط به من كل جنب قال ﷺ : «خذوا جنتكم من النار؛ قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مُقدِمات، ومُعقبات، ومُجنّبات، وهن الباقيات الصالحات» (٣).
أما إذا كان عمله رياء وسمعة فيا لبؤسه وشقائه فإنه يقف خصماً له وحجّة عليه ففي الحديث:
«إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعوا به رجل جمع القرآن، ورجل يُقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به أثناء الليل وآناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ويؤتى بصاحب المال
стр. 75
فيقول الله ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد قال بلى قال فماذا عملت فيما آتيتك قال كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت فيقول الله بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذاك ويؤتي بالذي قتل في سبيل الله فيقال له فيم قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله له بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» (١).
стр. 76
﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤]
ويبدأُ السؤالُ والحسابُ والنقاش وينادَى على كلِّ واحدٍ باسمِه فتوقفُه الملائكةُ بين يدي ربِّ العالمين لا تُخطئُه من بين كلِّ البشرِ. والناس يتفاوتون في الحسابِ أشدَّ التفاوتِ؛ فمن الناسِ من يكونُ حسابُه عسيراً مصحوباً بالعذابِ والضربِ والتنكيلِ والفضيحةِ على رؤوسِ الخلائقِ ويقابلُ ذلك بالإنكارِ والكذبِ فيشهدُ الشهودُ من أعضاءِ جسدِه (١) والأرضُ التي عملَ عليها الخطيئةَ تأتي يوم القيامةِ كشريطٍ مسجَّلٍ شاهدٍ على صاحبِه حتى تقومَ الحجةُ عليه .. ثم ينادى ألا إن فلاناً قد كذبَ على اللهِ ألا لعنةُ اللهِ على فلانٍ. نسألُ اللهَ السلامة. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ
стр. 77
الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]. ومن الناس من يكون حسابُه يسيراً فتُعرضُ عليه أعمالُه عرضاً خفيفاً فيُقرُّ بها ويعترف، ويُلقي الربُّ كنَفَه عليه ويسترُه ويغفرُها له.
ومنهم من لا يُحاسَبُ ولا يناقَشُ وهم المقرَّبون جعلَنا الله منهم.
* * *
стр. 78
عن ماذا يسألهم؟
١ - عن الشرك بالله .. ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
قد يتبادرُ إلى أذهانِنا أننا بعيدون كلَّ البعدِ عن الشركِ وأنواعه، ولكن مع عصرِ العولمةِ، وموجات التغريب، وانفتاحِ الدنيا على المسلمين وازديادِ الفتنِ والمغرياتِ ظهرَ الشركُ من جديدٍ في ثيابٍ جديدةٍ، وألوانٍ جذابةٍ فلبّسَتْ على كثيرٍ من الناسِ، ومع دخولِ بعض العلومِ الحديثةِ تحملُ مسمياتٍ براقةً، وفي طياتِها الكثيرَ من الشركياتِ والبدعِ ملفَّعةً بحججِ الاستشفاءِ والتداوي تارةً وباسم التطورِ وتحسينِ الأنماطِ المعيشيةِ تارةً أخرى. ومنها بعضٌ من أنواعِ العلاجِ بالطبِّ البديلِ وعلمِ البرمجةِ العصبيةِ، والرّيكي، والعلاجِ بالطاقةِ وغيرِ ذلك. أصبح الناسُ يستشفون بالحجارةِ ويعتقدون بنفعِها؛ فحجَرُ كذا يمنحُ الثقةَ وذاك يمنح السعادةَ وآخرُ للحمايةِ حتى بِتْنا نرى من يشتري خاتَماً بمئاتِ الألوفِ من الريالاتِ لذلك الغرضِ .. ولو كانت الحجارةُ تنفعُ وتضرُّ لكان أوْلَى بذلك كلِّه الحجرُ الأسودُ الذي قال فيه عمرُ بن الخطاب ﵁ عندما جاء إلى الحجرِ الأسودِ فقبَّلَه فقال
стр. 79
إنِّي أعلمُ أنَّك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ ولولا أنِّي رأيتُ النبيَّ ﷺ يقبِّلُك ما قبلتُك (١).
ومنها الاستغراق في حبُّ شهوةٍ من شهواتِ الدنيا حتى يفضلَها على أوامرِ اللهِ فتكونُ شريكاً مع اللهِ من حيث لا يعلمُ فذاك يَهيمُ بالكرةِ حتى يذهبَ وقتُ الصلاةِ وتلك تَهيمُ بالأزياءِ والملابسِ حتى تعصيَ اللهَ في كشفِ عورتِها من أجلِ ما يسمُّونه بالموضةِ الحديثةِ وقد بشَّرَهم الرسولُ ﷺ بالتعاسةِ والشقاءِ ففي الحديثِ: «تَعِسَ عبدُ الدينارِ تَعِسَ عبدُ الدرهمِ وعبدُ القطيفةِ وعبدُ الخميصةِ إنْ أُعطِيَ رضِيَ وإنْ لم يُعطَ غَضبَ تَعِسَ وانتكسَ وإذا شِيك فلا انتقشَ» (٢).
٢ - ويُسألُ كلُّ إنسانٍ عن مواردِه التي أعطاه اللهُ وكيف أنفقها، قال ﷺ : «لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ عن أربعِ خصالٍ: عن عمرِه فيما أفناه، وعن شبابِه فيما أبلاه، وعن مالِه من أين اكتسبِه وفيمَ أنفقَه وعن عِلمِه ماذا عمل فيه» (٣).
باستطاعتنا أن نلخصَ هذه المواردَ في الآتي:
стр. 80
أ العمر متمثلاً في الوقتِ، وأخصُّه وقتُ الشبابِ والفراغِ.
ب المال.
ج العلم.
د الصحة.
٣ - عن الحواسِّ التي خلقَها اللهُ له لتكونَ عوناً على طاعته ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٦].
ليتَ شِعري مَنْ ينجو من هذا السؤالِ اليومَ بعد دخولِ الفضائياتِ والأقراصِ المضغوطةِ التي يتداولُها الشبابُ فيما بينهم والتي يتسع القرصُ منها جميعَ ما في العالم من مجلاتِ الدعارةِ والْخَنا، وتلك الذاكرةِ الدقيقةِ الحجمِ التي توضعُ في الهواتفِ الخلويةِ فتهتكُ الأعراضَ وتكشفُ الستورَ وقد خُصَّ السمعُ والبصرُ في الآية لأنَّهما مصدرُ التلقي لمعظمِ المعلوماتِ التي يستقبلُها الإنسان.
٤ - عن جميعِ النعمِ ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨] وهل أدّى حقّ الله في شكرها.
٥ - عن عبادتِهم وأعمالهِم وأولُها الصلاةُ، أمَّا ما يتعلق بالغير فإن أول ما يُسأل عنه الدماء، هذه الدماء التي نراها تُهراق هنا وهناك ظلماً وعدواناً.
стр. 81
٦ - عن الأمانة والوفاء بالعهد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولا﴾ [الإسراء: ٣٤] فيسألهم عن الأمانة العظمى التي حملها آدم وذريته، وكل مستأمن عن أمانته: الوالي عن رعيته والأبآء عن أبنائهم، وكل مستأمن على ملك غيره، وعن العهود والمواثيق هل خانوا وغدروا أم حفظوا ووفوا.
* * *
стр. 82
الميزان ..
بعد السؤالِ وإقرارِ كلٍّ بذنبِه واعترافِ كلٍّ بعملِه تُنصَب الموازينُ ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، ليرى كلٌ نتيجةَ عملِه ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ١٠٢ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ ١٠٣﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]. وقد اختلفَ العلماءُ في تعددِ الموازين فمنهم من قال ميزانٌ واحدٌ ومنهم من قال بل عدةُ موازينَ.
* * *
стр. 83
صفة الميزان
والميزانُ .. ميزانٌ حسيٌّ له كفَّتان ولسانٌ (١) لو وُزنتْ فيه السمواتُ والأرضُ لوزَنَهنَّ ولذلك فإنَّ الملائكةَ إذا رأتْ عِظَمَ الميزانِ أشفقت على من سيكون الوزنُ من نصيبَهم، قال النبي ﷺ : «يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وُزن فيه السموات والأرض لوسعت، فتقول الملائكة: يا رب! لمن يزن هذا؟ فيقول الله تعالى: لمن شئت من خلقي. فتقول الملائكة: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك» (٢).
هذا الميزان شديد الحساسية .. بالغ الدقة، كيف لا؟ وهو يزن الذرة، وهل تعلم ماهي الذرة؟ قال المفسرون هي الهباءة التي لا وزن لها، وهي في العلم الحديث ولا يتعارض أن يشمل معنى (ولا أصغر من ذلك) تلك الذرة متناهية في الصغر بحيث أن نقطة من النقاط التي تجدها على هذه الحروف تحتوي على بلايين منها. وهنا يظهر مدى عدل الله عزوجل قال تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ
стр. 84
يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ٨﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] فلا تحتقرن أن تبذل ما في وسعك من خير مهما قلّ وتضاءل، ولا تحتقرن ما تفعله من ذنب مهما قلّ وتضاءل.
* * *
стр. 85
ماذا يوضع في الميزان؟ ..
١ - الحسناتُ والسيئاتُ: يأتي الحفَظةُ الذين يكتبون أعمالَ العبادِ يومَ القيامةِ معهم سجلاتُهم تَنوءُ بما فيها فتتحولُ تلك الأمورُ العرَضيةُ إلى أشياء حسيةٍ ملموسةٍ فتظهرُ الحسناتُ في أبْهَى صورةٍ وأجملها، وتبدو السيئاتُ في أسوءِ صورةٍ وأقبحِها.
ووزنُ الحسناتِ يتفاوتُ من عبدٍ لآخَرَ؛ فمن الناسِ من تُوزَنُ حسناتُه الحسنةُ بعشرِ أمثالِها ومنهم من توزن حسنتُه الواحدةُ بأكثرَ من ذلك، ومنهم من تُوزنُ الحسنةُ من حسناتِه بسبعمائةِ ضعفٍ ومنهم من تصلُ إلى ألفيْ ألفٍ وأكثرَ و أكثرَ والله يضاعفُ لمن يشاءُ. ونحن نجدُ ذلك التفاوتَ في الدنيا فقد يصدُرُ العملُ من رجلين ولكنَّ الأولَ يكون معروفاً بين الناسِ بصلاحِه أو شهرتِه بالخيرِ فيحمدُه الناسُ ويُثنون عليه أما الآخَرُ فيعملُ العملَ نفسَه لا يجدُ من الثناءِ والشكرِ ما وجدَه الأولُ لقِصَرِ باعِه وقلةِ إنتاجِه.
وقد يكونُ تضعيفُ الحسناتِ لسببٍ آخرَ فلا يكونُ التضعيفُ بحسبِ صلاحِ العاملِ بل بصلاحِ العملِ ذاتِه، فقد يصعدُ العملُ إلى اللهِ خالصاً لوجهِه من رجلٍ لم يبلغْ من الصلاحِ ما يجعل جميعَ أعمالِه
стр. 86
تُضاعفُ فيضاعَفُ له العملُ الذي وَجدَ من اللهِ الرضا والقبولَ فيُثيبُه عليه بما لم يكنْ في حسبانِه وفي ذلك قال حسانُ بن عطية:
(إن الرجلين ليكونان في الصلاةِ الواحدةِ وإن ما بينهما في الفضلِ كما بين السماءِ والأرضِ وذلك أن أحدَهما مُقبلٌ على اللهِ والآخَرُ ساهٍ غافلٌ) (١).
ومن الأعمالِ التي يُضاعفُ الله لصاحبِها الثوابَ إذا أدَّاها على وجهِها المطلوبِ أجرُ الصبرِ، فالصابرُ المحتسبُ موعودٌ من الله بالثوابِ الجزيلِ بغير حسابٍ، فلا يدخلُ ذلك في المضاعَفاتِ المعروفةِ بل تُكالُ له الحسناتُ من لدُنْ أكرمِ الأكرمين ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. ومثلُ ذلك أجرُ الصومِ فحسناتُه لا تُحسَبُ بعشرٍ ولا سبعمائةِ ضعفٍ بل يُضاعفُها بكرمِه وجودِه وبما هو أهلُه .
قال رسول الله ﷺ : «قال اللهُ كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامُ فإنَّه لي وأنا أجزي به» (٢).
٢ - الصحائفُ والسجلاتُ التي تُكتب بها الأعمالُ:
توزن الصحائف والسجلات ففي الحديث: «إنَّ اللهَ سيخلصُ رجلاً من أمتي على رؤوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ فينشرُ عليه تسعةً وتسعين
стр. 87
سجلاً كلُّ سجلٍ مثلُ مَدِّ البصرِ ثم يقولُ أتُنكرُ من هذا شيئاً؟ أظلَمَك كَتَبَتِي الحافظون؟ فيقولُ لا يا ربِّ. فيقولُ أفلَك عذرٌ؟ فيقول لا يا ربِّ. فيقولُ بلى إنَّ لك عندَنا حسنةً فإنَّه لا ظلمَ عليك اليومَ؛ فتخرجُ بطاقةٌ فيها أشهدُ أنْ لا إله إلا اللهُ وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه. فيقولُ أحضرْ وزنَك، فيقول يا ربِّ ما هذه البطاقةُ مع هذه السجلاتِ؟ فقال إنك لا تُظلم. قال فتوضَعُ السجلاتُ في كِفةٍ والبطاقةُ في كفةٍ فطاشت السجلاتُ وثقُلت البطاقةُ فلا يثقلُ مع اسم الله شيءٌ» (١).
٣ - الأعمالُ: تُوزَنُ الأعمالُ كذلك فتأتي الأعمالُ الحسَنةُ والخصالُ الحميدةُ مشرقةً وضيئةً وتأتي القبائحُ سوداءَ مظلمةً، قال ﷺ : «ما من شيءٍ يوضعُ في الميزانِ أثقلُ من حُسنِ الخُلُقِ، … » (٢) وقال:
«كلمتان خفيفتان على اللسانِ ثقيلتان في الميزانِ حبيبتان إلى الرحمنِ سبحانَ اللهِ وبحمدِه سبحان اللهِ العظيمِ» (٣).
٤ - وهناك وزنٌ آخَرُ فالإنسانُ بذاتِه يُوزنُ ولكنه وزنٌ مُخالفٌ لما عهِدناه في الدنيا فلا يوزنُ منه شَحمُه ولَحمُه بل لا يُنظرُ إلى ذلك، فقد يأتي السمينُ البادنُ العظيمُ فلا يَزِنُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ قال ﷺ :
«إنَّه لَيأتي الرجلُ العظيمُ السمينُ يومَ القيامةِ لا يزِنُ عند اللهِ جناحَ بعوضةٍ،
стр. 88
وقال اقرأوا إنْ شئتم ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا﴾ (١). إذنْ كيف يكون الوزنُ؟ .. يكون الوزنُ يومئذٍ بصلاحِ العبدِ فكلَّما امتلأَ العبدُ صلاحاً وإيماناً زادَ وزنُه وثَقُلَ في ميزانِ الله، فهذا عبد الله بنَ مسعودٍ رضي الله عنهرآهُ الصحابة وهو يصعدُ شجرةً ليجتني سواكاً من أراك فجعلت الرياحُ تَكفؤُه وتُميلُه ذات اليمينِ وذاتَ الشمالِ فضحكوا فقال رسول الله ﷺ ممَّ تضحكون؟ قالوا يا نبيَّ الله من دقةِ ساقيْه. فقال: «والذي نفسي بيدِه لَهُما أثقلُ في الميزانِ من أُحُدٍ» (٢).
* * *
стр. 89
ولنا عند الميزان وقفة ..
من الناسِ من يأتون بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تهامةَ بيضاءَ مشرقة فيجعلُها الله هباءً منثوراً .. ! ماذا فعلوا يا ترى؟ وما الْجُرمُ الذي اقترفوه فذهبَ بحسناتِهم وخسِروا من جرّائِه كلَّ ما جمعوا؟
تخيلْ كم من الناسِ أصابتْهم انهياراتٌ عصبيةٌ، وأزماتٌ قلبيةٌ، وذبحاتٌ صدريةٌ، إذا داهمتْهم جائحةٌ في أموالِهم وممتلكاتِهم ومنهم مَنْ حاول الانتحارَ عياذاً باللهِ كما حدث عند انْهيارِ بورصةِ الأسهمِ (١) المفاجئِ بعد أن جمعوا من الأموالِ ما جمعوا مع أنَّ ذلك بالإمكانِ تعويضُه مع الأيامِ المقبلةِ .. أما انهيارُ سوقِ الحسناتِ فلا يمكنُ أن يُعوَّضَ ولا يمكنُ أن تجدَ له بديلاً، فلنحذرْ من أسبابِه كلَّ الحذرِ قال ﷺ : «لأَعلَمَنَّ أقواماً من أمتي يأتون يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ جبالِ تهامةَ بِيضاً فيجعلُها اللهُ هباءً منثوراً. قال ثوبانُ يا رسولَ اللهِ صِفْهم لنا جَلِّهِمْ لنا أن لا نكونَ منهم ونحن لا نعلمُ. قال أمَا إنَّهم
стр. 90
إخوانُكم ومن جلدتِكم ويأخذون من الليلِ كما تأخذون ولكنهم أقوامٌ إذا خَلَوْا بمحارمِ اللهِ انتهَكوها» (١).
يخلو بتلك الصورِ المرسلةِ إليه سراً عبر هاتفِه أو حاسبِه الشخصيِّ .. أو بمحطاتِ الدعارةِ الفضائيةِ في جُنْحِ الليلِ فلا يأتي الصباحُ إلاَّ وقد خسِرَ دينَه وما جمع. وقد قِيلَ إنَّ اللهَ خبَّأَ سَخَطَه في معاصيه فلا تدري أيَّ معصيةٍ خبأَ اللهُ سخطَه فيها، وخبَّأَ رضاه في طاعتِه فلا تدري أيَّ طاعةٍ خبأَ الله رضاه فيها .. فاتَّقِ الله يا رعاك الله وإياك ومُحَقَّراتِ الذنوبِ.
ومن آكلاتِ الحسناتِ الاعتداء على الغير فقد قال الرسولُ ﷺ : «هل تدرون ما المفلسُ؟ قالوا يا رسولَ الله المفلسُ فينا من لا درهمَ له ولا متاعَ. قال إنَّ المفلسُ من أمتي من يأتي يوم القيامةِ بصيامٍ وصلاةٍ وصدقةٍ ويأتي وقد ظلمَ هذا وأكلَ مالَ هذا وضربَ هذا وشتمَ هذا فيقعد فيُقتَصُّ لهذا من حسناتِه ولهذا من حسناتِه فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبل أن يَقضيَ الذي عليه من الخطايا أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه ثم طُرِحَ به في النارِ» (٢) فإياك والاعتداءَ على حقوقِ الغيرِ وإياك والغِيبةَ
стр. 91
والنميمةَ والحسدَ؛ ففي الحديث: «إيَّاكم والحسدَ فإنَّ الحسدَ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النارُ الحطبَ» (١).
وفي الحديث: قيل لرسولِ الله ﷺ إنَّ فلانةَ تُصلِّي الليلَ وتصومُ النهارَ وفي لسانِها شيءٌ يؤذي جيرانَها [أي سليطةُ اللسانِ] قال: «لا خيرَ فيها هي في النارِ». وقيل له إن فلانةَ تُصلي المكتوبةَ وتصومُ رمضانَ وتتصدقُ بالأثوارِ وليس لها شيءٌ غيرَه ولا تُؤذي أحداً قال «هي في الجنةِ» (٢).
فلنبتعدْ عن آكلاتِ الحسناتِ ولنحاولْ أن نثقِّلَ موازينَنا بالطاعاتِ والذكرِ والخلُقِ الحسَنِ، ولنحرصْ على الاستثمارِ في الأعمالِ الجاريةِ المستمرةِ الأجورِ.
قال رسول الله ﷺ : «إنَّ مما يلحقُ المؤمنَ من عملِه وحسناتِه بعد موتِه علماً علَّمَه ونشرَه، وولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورّثَه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيلِ بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجَها من مالِه في صحتِه وحياتِه تلحقُه من بعد موتِه» (٣) ومن مضاعفاتِ
стр. 92
الأجورِ قوله ﷺ : «مَنْ احتبسَ فرساً في سبيلِ اللهِ إيماناً بالله وتصديقاً بوعدِه فإنَّ شِبَعَه ورِيَّه ورَوْثَه وبولَه في ميزانِه يومَ القيامةِ» (١) وفي يومِنا هذا يُمكن استبدالُ الفرسِ بالسيارةِ فإنَّ وقودَها وزيْتَها وماءَها وكلَّ لفَّةِ من عجلاتِها حسناتٌ في ميزانِه يومَ القيامةِ، ومن ذلك من يُوقفُ عربةً للمُقعَدين لوجهِ اللهِ في المسجدِ الحرامِ ليطوفَ عليها ذوو الحاجةِ ويسعَوْن، فإنَّ كلَّ خطواتِها في ميزانِه يومَ القيامةِ.
* * *
стр. 93
لا توزن أعمالهم ..
قال ابن القيم: والمقبولُ من العملِ قسمان:
أحدُهما أن يصلِّيَ العبدُ ويعملَ سائرَ الطاعاتِ وقلبُه متعلقٌ باللهِ ذاكرٌ للهِ على الدوامِ فأعمالُ هذا العبدِ تُعرَضُ على اللهِ حتى تقفَ قُبالتَه فينظرُ الله إليها فإذا نظر إليها رآها خالصةً لوجهه مَرضيةً قد صدرتْ عن قلبٍ سليمٍ مخلصٍ مُحِبٍّ للهِ ومتقرِّبٍ إليه أحبَّها ورضِيَها وقبلَها.
والقسمُ الثاني أن يعملَ العبدُ الأعمالَ على العادةِ والغفلةِ وينويَ بها الطاعةَ والتقربَ إلى اللهِ فأركانُه مشغولةٌ بالطاعةِ وقلبُه لاهٍ عن ذكرِ اللهِ وكذلك سائرُ أعمالِه فإذا رُفعتْ أعمالُ هذا إلى الله لم تقفْ تُجاهَه ولا يقعُ نظرُه عليها ولكنْ توضعُ حيث توضعُ دواوينُ الأعمالِ حتى تُعرَضَ عليه يومَ القيامةِ فتُميَّزُ فيُثيبُه على ما كان له منها ويَرُدُّ عليه ما لَم يُرِدْ وجهَه به منها فهذا قبولُه لهذا العملِ إثابتُه عليه بمخلوقٍ من مخلوقاتِه من القصورِ والأكلِ والشربِ والحورِ العينِ وإثابةُ الأولِ
стр. 94
رضا العملِ لنفسِه ورضاه عن عاملِه وتقريبُه منه وإعلاءُ درجتِه ومنْزلتِه فهذا يُعطيه بغيرِ حسابٍ فهذا لونٌ والأولُ لونٌ) (١).
تلك هي الفئةُ المتميزة .. الفئةُ التي تستحق أن تُدعى بفئة المهمِّين للغايةِ .. أصحابِ الهممِ العاليةِ، والعزائمِ الصادقةِ، هؤلاء كان الرحمن يتقبَّلُ أعمالهم بيمينِه ويُربِيها ويُنَمِّيها فاليومَ يُنادَى عليهم ليَطرقوا بابَ الجنةِ قبلَ بدءِ الحسابِ، وأولُ هؤلاء الأوَّلون الْمُقِلُّون من مَلَذَّاتِ الدنيا وأولُهم فقراءُ المهاجرين يدخلون الجنةَ قبل الناس بأربعين سنةً، قال ﷺ لعبد الله بن عمروٍ ﵄: «أتعلمُ أولَ زُمرةٍ تَدخلُ الجنةَ من أمتي؟ فقراءُ المهاجرين يأتون يومَ القيامةِ إلى بابِ الجنةِ ويستفتحون فتقولُ لهم الخزَنةُ أَوَقَدْ حُوسبْتُم قالوا بأيِّ شيءٍ نُحاسَبُ وإنَّما كانت أسيافُنا على عواتقِنا في سبيلِ اللهِ حتى مِتْنا على ذلك قال فيُفتَحُ لهم فيَقِيلون فيه أربعين عاماً قبل أن يدخلَ الناسُ» (٢).
ومن تلك الفئةِ المتميزةِ، فئةُ الأغنياءِ الصالحين الذين كانوا يقولون بالمالِ هكذا وهكذا في وجوهِ الخيرِ، ومنهم ذوو السلطانِ وغيرُهم حيث ينادَى عليهم ليُظلَّهم الرَّبُّ بظلِّ عرشِه حتى يفرغوا من الحسابِ .. إننا في الدنيا نرى فئةً خاصة يقالُ لها فئةُ المهمِّين للغاية (vip) .. هؤلاء .. إذا مشَوْا فُرشتْ تحت أرجلِهم البُسُطُ، وإذا جلسوا
стр. 95
أُحضرتْ لهم المياثرُ، وإن أشرقتْ على رؤوسِهم الشمسُ نُصبتْ لهم المظلاتُ ووُضعتْ بين أيديهم أدواتُ الترفيهِ والراحةِ. ذلك فضلُهم في الدنيا أما الآن فقد ذهبَ كلُّ ما ليس للهِ وفي الله أدراجَ الرياحِ، وليس على الغبراءِ اليومَ عَلَمٌ لأحدٍ؛ فهذا يومُ الفائزين بحقٍّ، وظلُّ عرشِ الرحمنِ اليومَ من نصيبِهم.
منهم شابٌّ نشأَ في طاعةِ اللهِ، ورجُلٌ قلبُه معلَّقٌ بالمساجدِ، والمتحابُّون فيه، والذي يُخفي صدقتَه والمتعفِّفُ الذي حَمَى نفسَه من فتنةِ النساءِ والذي يذكرُ اللهَ حتى تفيضَ عيناه بالدموعِ .. وغيرُهم كمَن أَنظَرَ مُعسِراً ومن نفَّسَ عن أخيه كُربةً .. فيناديهم في ظلِّ العرشِ حيث لا يشعرون بِحَرِّ جهنمَ ولا سمومِ الشمسِ ولا كُرُباتِ القيامةِ فيكونُ عليهم ذلك اليومُ الثقيلُ كصلاةِ ظهرٍ أو كصلاةِ عصرٍ ففي الحديثِ: قيل لرسولِ اللهِ ﷺ : يوماً كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ ما أطولَ هذا اليومَ؟ فقال رسول الله ﷺ : «والذي نفسي بيدِه إنَّه ليُخفَّفُ على المؤمنِ حتى يكونَ أخفَّ عليه من صلاةٍ مكتوبةٍ يصلِّيها في الدنيا» (١).
وفي الحديث: «تجتمعون يوم القيامة فيقال أين فقراء هذه الأمة ومساكينها؟ فيقومون فيقال لهم: ماذا عملتم؟ فيقولون: ربنا ابتلينا
стр. 96
فصبرنا، ووليت الأموال والسلطان غيرنا، فيقول الله جلّ وعلا: صدقتم، قال: فيدخلون الجنة قبل الناس، وتبقى شدة الحساب، على ذوي الأموال والسلطان، قالوا: فأين المؤمنون يومئذٍ؟ قال توضع لهم كراسيُّ من نور، ويظلّلُ عليهم الغمامُ، يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار» (١).
وفي مقابلِ هذه الفئةِ الراضيةِ المرضيّةِ هناك فئةٌ ملعونةٌ - عياذاً بالله - عليها سَخَطٌ من الله وغضبٌ.
قال رسول الله ﷺ : «يَخرجُ عُنُقٌ من النارِ يومَ القيامةِ له عينان يبصران، وأذنان يسمعان ولسانٌ ينطقُ، يقول إنِّي وُكِّلتُ بثلاثةٍ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ وبكلِّ مَنْ ادَّعَى مع اللهِ إلهاً آخَرَ وبالمصوِّرين» (٢) فيلتقطُهم فيكونون في طليعة المقذوفين في جهنمَ قبل الناسِ بخمسمائة عام.
وفي رواية قال ﷺ : «يخرُجُ عُنقٌ مِنَ النار يتكَلَّمُ يقولُ: وُكِّلتُ اليوم بثَلاثَةٍ: بكلِّ جَبَّارٍ عنيدٍ، وَمَنْ جعلَ مع الله إلهاً آخَر، ومَنْ قَتَل نَفْساً بغيرِ حقٍّ، فَينْطَوي عليهِم، فيقْذِفُهُم في غمرات جَهَّنمَ» (٣).
* * *
стр. 97
ويبدأ الجزاء ..
وبعد الفراغِ من الكفَرةِ الفجَرةِ يبقَى محمدٌ ﷺ وأمَّتُه وباقي أمم الرسل بمن فيهم منافقوها والذين بدلوا وابتدعوا. فأمة محمد الأولون على سائر أمم الرسل قال ﷺ «نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ. بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ» (١).
وقال: «نحن آخر الأمم وأول من يحاسب يقال: أين الأمة الأمية ونبيها؟ فنحن الآخرون الأولون» (٢).
وقال: «نَحْنُ الْآخِرُونَ وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يوم
الْقِيَامَةِ … » (٣).
قال العلماء: معناه الآخرون في الزمان والوجود، السابقون بالفضل ودخول الجنة فتدخل هذه الأمة الجنة قبل سائر الأمم (٤).
* * *
стр. 98
ونكمل الأحداث .. فها قد جاء دور هذه الأمة وهي أول أمة تحاسب بعد كبكبة الكفار في النار.
وفي الحديث: «وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ فيتمثَّلُ الرَّبُّ ﵎ فيأتيهم فيقولُ ما لكم لا تنطلِقون كما انطلقَ الناسُ فيقولون إنَّ لنا إلَهاً ما رأيناه بعد، فيقول هل تعرفونه إنْ رأيتُموه فيقولون إنَّ بيننا وبينه علامةً إذا رأيناها عرفناه. فيقولُ ما هي فيقولون يكشفُ عن ساقِه فعند ذلك يكشفُ عن ساقِه فيخرون له سجدا، ويَخِرُّ كلُّ مَنْ كان مُشركاً يُرَائِي لظهرِه ويبقَى قومٌ ظهورُهم كصياصي (١) البقَرِ يريدون السجودَ فلا يستطيعون وقد كانوا يُدعَوْن إلى السجودِ وهم سالمون (٢). فيكشف الرب ﵎ عن ساقه وهي علامة معرفة أهل الإيمان لربهم.
فالناسُ في ذلك على ثلاثِ فئاتٍ:
- كلُّ مَنْ كان يسجدُ للهِ خالصاً من قلبِه فإنَّه يسجدُ يومَئذٍ في طمأنينة وسعادة.
- وكلُّ مَنْ كان يسجدُ رياءً ونفاقاً يَخِرُّ على ظهرِه.
- وكلُّ مَنْ كان يَدَّعي الإسلامَ فإذا جاء وقتُ الصلاةِ اختبأَ في مكانٍ حتى يخرجَ المصلُّون من المساجدِ، سيأتي ذلك اليوم الذي
стр. 99
يَعَضُّ فيه أصابعَ الندمِ يريدُ السجودَ فيجدُ فَقَارَ ظهرِه عظماً واحداً لا يستطيعُ الانحناءَ. وواللهِ لقد رأيناهم تقومُ الصلاةُ صلاةُ المغربِ لا تحتملُ التأخيرَ لنُحسنَ الظنَّ بهم ونقول لرُبما يُصلونَها بعد ذلك في منازلِهم .. منهم التاجرُ يعملُ في محلِّه فيغلقُه خشيةَ رجالِ الحسبةِ ومنهم المشتري يتجوَّلُ في السوقِ فإذا قامت الصلاةُ ذهب إلى مكانٍ فانْزوى فيه وأشعل سيجارتَه وراح ينفث دخانَها حتى يَفرغَ الناسُ من الصلاةِ .. ما أشدَّ حماقتَهم يبيعون آخرتَهم .. بلحظاتٍ نحِسة .. ونفثاتٍ مسمومةٍ.
فهنا يتميزُ الصالِحُ من الطالِحِ وينادى عليهم أن تميزوا عن المؤمنين وكونوا على حدة ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: ٥٩]
ثم يُقال للساجدين ارفعوا رؤوسَكم فيرفعون رؤوسَهم فيُعطيهم نورَهم على قدرِ أعمالِهم.
* * *
стр. 100
الصراط ..
وفي الحديثِ الحسَنِ « .. والربُّ ﵎ أمامَهم حتى يَمرَّ بهم إلى النارِ فيبقى أثرُه كحدِّ السيفِ … » (١) وهذا هو الصراطُ وسُمكُه أدقُّ من الشعرةِ دَحضٌ مَزَلَّةٌ وعليه كلاليبُ وأشواكٌ، وترسل على جنبيه الأمانة والرّحم (٢) تتخطفان كل خائنٍ وقاطع.
فإذا مرَّ الرَّبُّ عادتْ أرضُ المَحشَرِ فأظلمتْ (والله تعالى أعلمُ) فيبقوْن في ظلامٍ دامسٍ وليلٍ داكنٍ، ليس هناك من نورٍ إلا بقدرِ ما عندَ كلِّ واحدٍ منهم من إيمانٍ وصلاحٍ .. ولنا هنا أن نتخيَّلَ صعوبةَ الموقفِ.
رأيتُ في صحيفة صورةً لهاوٍ مُدرَّب وفي قدميه حذاء خاص يَمشي على حبلٍ قد نُصبَ بين جبلين شاهقين، وبين يديه عصاً طويلة تساعده على الاتزان. ورغم ذلك فقد كان منظره يدعو إلى الرهبة لبعد الهوّة من تحت أقدامه، ولما تخيلت موقفه، حبستُ أنفاسي خوفاً من سقوطِه وطارت نفسي من بين جوانِحي من رهبةِ الموقفِ وتساءلتُ في نفسي
стр. 101
ماذا لو اختلَّ توازنُه؟ ماذا لو سقطَ هذا الأحمقُ؟ ماذا لو كنتُ مكانَه والله لو أُعطيتُ مثلَ أُحُدٍ ذهباً ما فعلتُ فعلتَه. وما لبثتُ أن تذكرتُ الصراطَ وكلُّنا سيَعبُرُه مُكرَهاً لا طائعاً.
ولن يكون حبلاً غليظاً بل أدقَّ من الشعرةِ.
لا ولن يكون سميكاً أو مفتولاً بل أحدُّ من السيفِ.
ولن يكون خشِناً تثبتُ عليه الأقدامُ بل دحضٌ مزَلَّةٌ.
ولن يكون في قدميْك ساعتئذٍ حذاءٌ خاصٌ يساعدُك على العبورِ كما فعل ذلك الرجلُ بل ستكون حافِيَ القدمين.
ولن تستطيعَ يومئذ أن تُمسِكَ بعصاً كما فعل ذلك الشابُّ لتحفظَ توازنَك بل ستجدُ عليه من العقباتِ ما يُعيقُ العبورَ من شوكٍ وحَسَكٍ وكلاليبَ لا يعلمُ قدرَ عظمِها إلا اللهُ، تَخطفُ الناسَ بأعمالِهم، وستجد الرحِم واقفة متربّصة بالقاطع، والأمانةُ تترقب كل خائن مضيّع فإن كان لأحدها منك مُطالِبٌ تشبَّثتْ بك فأسقطتْك وقد يتشبثون جميعهم نسأل الله السلامة ..
والأدهَى من ذلك أنه لن يكونَ منصوباً على ارتفاعِ مئات الأقدامِ بل على هوةٍ سحيقةٍ لا يُعلَمُ مُنتهاها ولا يُدرَكُ آخرُها.
لا ولن يكونَ منصوباً على نَهرٍ جارٍ أو ماءٍ رَقراقٍ بل على نارٍ تلَظَّى، وجحيمٍ تَسَعَّرُ ..
стр. 102
والساقطُ فيها هو مَنْ رجَحتْ سيئاتُه على حسناتِه إلاَّ مَنْ تَجاوزَ اللهُ عنه والساقطُ من الموحِّدين يُعذَّبُ ما شاء اللهُ ثم يَخرجُ بالشفاعةِ (١).
رُحماك يا ربِّ والمخرَجَ .. والنجاةَ؟
* * *
стр. 103
إيمانك هو كشَّافُك ..
بقدرِ ما في قلبِك من إيمانٍ يكونُ حجمُ النورِ بين يديْك ولا يُضيءُ هذا النورُ إلاَّ لك وحدَك .. فمن الناسِ من يُعطَى نورَه مثلَ الجبلِ العظيمِ يسعَى بين يديْه .. ومنهم من يُعطَى نورَه أصغرَ من ذلك ومنهم من يُعطَى نورَه كالنخلةِ بيدِه ومنهم من يُعطَى أصغرَ من ذلك حتى يكونَ آخرُهم رجلاً يُعطَى نورَه على إبْهامِ قدمِه يضيءُ مرةً ويُطفَأُ مرةً.
وشعارُ الملائكةِ والأنبياءِ يومَئذٍ مِنْ شدةِ الهوْلِ اللَّهمَّ سَلِّمْ .. اللَّهمَّ سَلِّمْ ..
ثم يُؤمرُ الناسُ بالجوازِ على الصراطِ المنصوبِ فوقَ جهنمَ السوداءِ فيمرُّون على قدرِ نورِهم وبقدر ما في قلوبهم من إيمان تكون مهارتهم في سرعة العبور، فمنهم مَنْ يَمرُّ كطرفِ العينِ ومنهم من يَمرُّ كالبرقِ ومنهم مَنْ يَمرُّ كالسحابِ ومنهم مَنْ يَمرُّ كانقضاضِ الكوكبِ ومنهم مَنْ يَمرُّ كالريحِ ومنهم من يَمرُّ كشدِّ الفرسِ ومنهم من يَمرُّ كشدِّ الرجُل حتى يَمرُّ الذي يُعطَى نورَه على إبْهامِ قدمِه فإذا أضاءَ قدّمَ قدمَه ومشى وإذا أُطفئَ توقف، يَحبُو على وجهِه ويديْه ورجليْه يَجُرُّ يداً وتَعلقُ يدٌ .. ويَجُرُّ رجلاً .. وتعلقُ رجلٌ وتصيبُ جوانبَه النارَ ..
стр. 104
ولندعْه الآن وشأنَه حتى يفرغ من العبور فقد يطول به المقام ولا حول ولا قوة إلا بالله .. وسنعودُ له فيما بعدُ لنرى ماذا فعل الله به.
فإذا رأى المنافقون والعصاةُ ذلك الهوْلَ توسَّلُوا إلى المؤمنين يركُضون خلفَهم يستجدُونَهم أن انتظرونا نَمشي خلفَكم لتُنيروا لنا الطريقَ وهيهاتَ .. آلآن .. ؟؟: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣].
فإذا مرُّوا تساقَطوا فيها كالذبابِ وهي تبتلعهم بنهمٍ شديد، وتقول هل من مزيد .. هل من مزيد، ويسقط فيها من الموحِّدين كلُّ من لم يزل في قلبه خَبَث حتى يُنقَّى .. فقد يُغمَسُ غمسةً .. وقد يَمكثُ حِقَباً من الزمانِ ..
* * *
стр. 105
شفاعة النبي ﷺ لأمته عند الصراط
في الحديث قال ﷺ : « … ونبيكم قائم على الصراط يقول يا رب سلّم سلّم، حتى تعجز أعمال العباد، وحتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة، مأمورة، تأخذ من أُمرت بأخذه فمخدوشٌ ناجٍ، ومَكدوسٌ في النار» (١).
وهنا يبقى نبينا الرؤوف الرحيم مشفقٌ على أمته يتابع جواز أفرادها على الصراط في لهفةٍ ووجل، وفي الحديث: «لِلأنبياء منابر من ذهَب قال فيجلسون عليها ويبقى منبري لا أجلس عليه أو لا أقعد عليه قائما بين يدي ربي مخافة أن يُبعث بي إلى الجنة ويبقي أمتي من بعدي فأقول يا رب أمتي أمتي، فيقول الله يا محمد ما تريد أن أصنع بأمتك فأقول يا رب عجّل حسابهم فيدعى بهم فيحاسبون فمنهم من يدخل الجنة برحمة الله ومنهم من يدخل الجنة بشفاعتي فما أزال أشفع حتى أُعطى صِكاكا (٢) برجال قد بُعث بهم إلى النار، وآتي مالكا
стр. 106
خازن النار فيقول يا محمد ما تركت للنار لغضب ربك في أمتك من بقية» (١).
فأول من يمر على الصراط من الموحدين (وهم أمم الأنبياء) أمة نبينا محمد ﷺ وذلك لشفاعته ﵊ بتعجيل حسابها.
* * *
ولنَعُدْ لذلك العبد المسكين الذي أوتي نورَه على إبهام قدمه .. فيا ترى. هل اجتاز الطريق ونجا .. أم ماذا فعل الله به؟ ..
يا لها من ساعاتٍ رهيبةٍ لم يكنْ يَحسِبُ لها أيَّ حسابٍ، إنَّه يَحصدُ الآن ما زرعَه في الدنيا جَرّاء تفريطِه في أوامرِ الله يُقدِّمُ رجلاً ويُؤخِّرُ أخرَى ويَحبُو على وجهِه ويديْه ورجليْه، وتَسفَعُ جوانبَه النارُ وتُلهبُ أعضاءَه حرارتها، حتى يصل إلى نِهايةِ الصراطِ ويضعُ قدمَه على شَفيرِ جهنَّمَ، ويقفُ عليها غير مُصدِّقٍ أنه قد نجا ببدنِه من ذلك الهول، فيكون مُمْتَنّاً للهِ أنْ نَجَّاه منها فيقفُ عليها ويقولُ: الحمدُ للهِ الذي أعطانِي ما لَم يُعطِ أحداً إذْ نَجَّاني منها بعد إذْ رأيتُها ويبقى هنالك
стр. 107
ما شاء اللهُ أن يبقَى مقبِلاً بوجهِه قبلَ النارِ، وفي الحديث: «فيقولُ يا ربِّ اصرفْ وجهي عن النارِ قد قشَبَنِي ريحُها وأحرقَنِي ذكاؤُها فيقولُ اللهُ تعالى له هل عسيْتَ إن فُعِلَ ذلك بك أنْ تَسألَ غيرَ ذلك فيقولُ لا وعزَّتِك ويُعطي اللهَ ما يشاءُ من عهدٍ وميثاقٍ فيَصرفُ اللهُ وجهَه عن النارِ ثمَّ يُنطَلَقُ به إلى غديرٍ عند بابِ الجنةِ فيَغتسلُ فيعودُ إليه ريحُ أهلِ الجنةِ وألوانُهم فيَرى ما في الجنةِ من خللِ البابِ فيقولُ ربِّ أدخلْنِي الجنةَ فيقول اللهُ له أتسألُ الجنةَ وقد نَجَّيتُك من النارِ؟ فيقولُ ربِّ اجعلْ بيني وبينَها حجاباً لا أسْمَعُ حَسيسَها، قال فيدخلُ الجنةَ. فيرَى أو يُرفَعُ له منْزلٌ أمام ذلك كأنَّما الذي هو فيه إليه حلمٌ ليدخله فيقول ربِّ أعطني ذلك المنْزلَ. فيقولُ: فلعلك إنْ أعطيتُكَهُ تَسألُ غيرَه، فيقولُ لا وعزَّتِك لا أسألُ غيرَه، وأيُّ منْزلٍ يكون أحسنَ منه؟ قال فيعطاه فينزله، قال ويرى أو يُرفعُ له أمام ذلك منْزلٌ آخرُ فيقول ربِّ أعطِني ذلك المنْزلَ فيقول اللهُ فلعلك إنْ أعطيتُكَهُ تَسألُ غيرَه قال لا وعزتِك لا أسألُ غيرَه، وأيُّ منْزلٍ يكون أحسنَ منه؟ قال فيُعطاه فينْزلُه قال ويرى أو يُرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما الذي هو فيه إليه حلم، فيقول رب أعطني ذلك المنزل فيقول الله ﷻ : فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره قال لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل يكون أحسن منه؟! قال فيُعطاه فينزله ثم يسكتُ فيقولُ اللهُ ما لك لا تسألُ فيقولُ ربِّ لقد سألتُك حتى استحييْتُك وأقسمتُ لك
стр. 108
حتى استحييْتُك فيقولُ الله تعالى: ألا ترضَى أنْ أُعطيكَ مثلَ الدنيا منذُ خلقتُها إلى يومِ أفنيتُها وعشرةَ أضعافِه؟ فيقولُ أتستهزئ بي وأنت ربُّ العزَّةِ فيضحكُ الربُّ من قوله (١) ويقول له لا ولكني على ذلك قادرٌ سَلْ. فيقولُ ألْحِقْني بالناسِ فيقولُ: الْحَقْ بالناسِ. فينطلقُ يَرملُ في الجنةِ حتى إذا دنَا من الناسِ رُفِعَ له قصرٌ من درةٍ فيَخِرُّ ساجداً فيُقال له ارفعْ رأسَك مالك فيقول رأيتُ ربِّي أو تراءَى لي ربِّي [وهو معذورٌ في ذلك فقد رأَى نعيماً ومُلكاً كبيراً لم يَحلمْ به قطُّ ولم يَدُرْ يوماً في مُخَيّلتِه] (٢) فيُقال له إنَّما هو منْزلٌ من منازلِك قال ثم يَلقَى رجلاً فيتهيأُ للسجودِ له فيقالُ له مَهْ مالَك فيقول رأيتُ أنَّك ملَكٌ من الملائكةِ فيقولُ إنَّما أنا خازنٌ من خُزَّانِك عبدٌ من عبيدِك تحت يديَّ ألفُ قهرمانٍ على مثلِ ما أنا عليه. قال فينطلقُ أمامَه حتى يفتحَ له القصرَ قال وهو في دُرَّةٍ مجوَّفةٍ سقائفُها وأبوابُها وأغلاقُها ومفاتيحُها منها تستقبلُه جوهرةٌ خضراءُ مبطَّنةٌ بحمراءَ كلُّ جوهرةٍ تُفضي إلى جوهرةٍ على غيرِ لونِ الأخرى في كلِّ جوهرةٍ سُرُرٌ وأزواجٌ ووصائفُ أدناهنَّ حوراءُ عيناءُ عليها سبعون
стр. 109
حُلَّةً يُرَى مُخُّ ساقِها من وراءِ حُلَلِها كَبِدُها مرآتُه وكبدُه مرآتُها إذا أَعرضَ عنها إعراضةً ازدادتْ في عينِه سبعين ضعفاً عمَّا كانت قبل ذلك وإذا أعرضتْ عنه إعراضةً ازدادَ في عينِها سبعين ضعفاً عما كان قبل ذلك فيقولُ لها والله لقد ازددتِ في عيْنَيَّ سبعين ضعفاً وتقول له وأنت والله لقد ازددتَ في عيْنَيَّ سبعين ضعفاً فيُقالُ له أَشرِفْ قال فيُشرِفُ فيُقال له مُلكُك مسيرةُ مائةِ عامٍ يَنفُذُه بصرُك» (١).
وبعدُ .. فهذا نصيبُ أدنَى أهلِ الجنةِ منْزلةً فكيف بأعلاهم؟
* * *
стр. 110
وماذا بعد الصراط؟
وبعد عبور الصراط وبعد نجاة من نجا، وسقوط من سقط في النار من الموحّدين (١)، يؤذن للشفعاء بالشفاعة بما فيهم الملائكة فقد كانوا يحضرون مجالس الذكر ويحفّون أهلها بالسكينة والرحمة أفلا يشفعون اليوم لمن رأوه هناك ولو لمرة. ويشفع الرُّسل والشهداء والعلماء والصالحون .. ومن الناس من يُحرم الشفاعة (٢).
ويشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته وعشيرته (٣) والعلماء لمن حضروا مجالسهم ومن يعرفونهم، ومن الصالحين من يشفع في