← Сира

Сира · id 30073

اليوم الآخر أحداث وعبر

إيمان بنت عبد اللطيف كردي

Полный текст (132 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثا﴾ [النساء: ٨٧]

стр. 2

مقدمة الحمدُ لله الذي خلقَنا فسوَّانا، وبشرعه الحنيف امتحن طاعتنا وتقوانا، وجعلَ لنا أجَلاً لا ريبَ فيه لتُجزَى كلُّ نفسٍ بما عمِلتْ ويزيدَ المحسنين مِنْ فضلِه بِراً وإحساناً. وأصلِّي وأسلِّم على الرحمةِ الْمُهداة، وصاحبِ المقامِ المحمودِ والشفاعةِ العُظمى ومَن اهتدَى بِهُداه، وسار على نهجه واقتفاه، إلى يوم الدين .. آمين. وبعد .. فإنَّ إلهنا العظيم ربّ السمواتِ والأرضِ وما فيهنَّ هو الذي خلقَنا وإليه مَآلُنا ومرجِعُنا .. فيا ابنَ آدمَ اعملْ ما شئتَ فإنَّك موقوفٌ بين يديْه غداً، طوْعاً أو كَرهاً، وعملُك معروضٌ عليه لا محالة، فيا لسعادة الفائزين ويا لتعاسة الجاحدين. وقد قضى اللهُ أمراً كان مفعولاً .. أمراً لا مَردَّ له .. وهو أن يَخلقَ هذا الإنسانَ ويجعلَ حياتَه خالدةً دائمةً، وأنْ يجعلَ حياتَه مُقسَّمةً إلى مراحلَ أربعةٍ ينتقلُ فيها من حالٍ إلى حالٍ ومن مرحلةٍ إلى أخرى. فالمرحلةُ الأولى: هي الحياةُ الدنيا وهي دارُ الابتلاءِ والامتحانِ والعملِ.

стр. 3

المرحلةُ الثانية: دارُ البرزخِ والانتظارِ يمكثُ فيها العبدُ مُنعَّماً أو معذَّباً، متنقلاً بين قبرِه ومآلِه إلى أنْ تَنتهيَ الحياةُ من هذه الأرضِ. المرحلةُ الثالثة: هي إعادةُ الحياةِ لجميعِ الخلائقِ للوقوفِ للحسابِ واستيفاءِ الحقوقِ. المرحلةُ الرابعة: وهي دارُ الجزاءِ ومرحلةُ الاستقرارِ في الجنةِ أو النارِ عياذاً بالله. وإن القرآن الكريم والسنة المطهرة لم يغادرا شاردة ولا واردة عن هذا اليوم العظيم إلا بيناها وأجلياها، وكشفا عن كثير من ملامح ذلك اليوم العبوس وقسماته. وهذا البحث محاولة للجمع بين الأصلين العظيمين لرسم صورة شاملة مركبة الأجزاء عما سيكون فيه من أهوال عظام، وأحداث جِسام. قمت بترتيبها على هذا النحو وفق الرؤية العامة لجميع الأحداث، وهناك خلاف بين العلماء في تقديم وتأخير بعضها عن بعض والعلم أولاً وآخراً عند الله تعالى. وقد سبقني في الكتابة عن اليوم الآخر علماء أفاضل، فلا أدعي أنني جئت بجديد ولكنه جُهدٌ متواضع يربط الحدث مع العبرة في أسلوب مختصر مبسّط لنمثّل لأنفسنا، ونستبق الأحداث، ونضع الخطط، ونعقد العزم على توقّي شرور ذلك اليوم وكرباته، ونحوز من الله على رحمته ونفحاته.

стр. 4

ولا يخلو عمل العبد من خطأ أو نقصان فما أخطأت فيه فمن نفسي والشيطان، وما أصبْت فيه فمن فضل الله المنّان. إيمان كردي غرة صفر ١٤٢٨ هـ الموافق ١٨ فبراير ٢٠٠٧ م

стр. 5

أسماء يوم القيامة هذا اليومُ الرهيبُ الْمُفزِعُ الذي يَشِيبُ له الوليدُ وتَذهَلُ المُرضِعةُ عن مولودِها أخبرَ عنه اللهُ تعالى بأسماءٍ عدةٍ في القرآنِ الكريمِ، وكثرةُ الأسماءِ دلالةٌ على عِظَمِ المُسمَّى، وأشهرُ هذه الأسماءِ: ١ - يومُ القيامةِ: سُمِّيَ بذلك لطولِ قيامِ الخلْقِ فيه بين يدَيِ ربِّ العالمين. قال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: ٩٥]. ٢ - يومُ البعثِ: سُمِّيَ بذلك لبعثِ الموْتَى فيه من القبورِ، قال ﷻ : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٥٦]. ٣ - يومُ الدينِ: أي يومُ الجزاءِ واستيفاءِ الحقوقِ. قال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الذاريات: ١٢]. ٤ - يومُ الفصلِ: لأنَّ اللهَ تعالى يَفصلُ فيه بين أهل الجنة وأهل النار ويفصل في الحكم والقضاء بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، ويُظهر حال كل أحد كما هو فلا يبقى في حاله ريبة ولا شبهة فتنفصل الخيالات والشبهات وتبقى الحقائق والبينات (١).

стр. 6

قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]. ٥ - اليومُ الآخرُ: لأنه آخرُ الأيامِ فلا يومَ بعدَه، قال جَلَّ مِنْ قائلٍ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]. ٦ - الدار الآخرة: لأنها آخر المنازل فلا انتقال عنها ألبتّة إلى دار أخرى قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢]. ٧ - يومُ الخروجِ: لخروجِ الخلائقِ من القبورِ للحسابِ. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢]. ٨ - يومُ الخلودِ: لأنَّ الناسَ بعده مآلُهم إلى الخلودِ الدائم حيث يُقال: يا أهلَ الجنةِ خلودٌ فلا موتَ ويا أهلَ النارِ خلودٌ فلا موتَ. ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: ٣٤]. ٩ - يومُ الحسرةِ: قيل له يوم الحسرة لشدة ندم الكفار فيه على ما كان منهم من التفريط ولأنهم حين يرون بيوتهم في الجنة وما أبدلهم الله بها من بيوت في النار، تأخذهم الحسرة والندامة. وقد يندم فيه المؤمنون على ما كان منهم من التقصير ففي الحديث «ما من ساعة تمر بابن آدم، لم يذكر الله فيها إلا حَسِر عليها يوم القيامة» (١) وقال الحسن: (تعرض

стр. 7

على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره فأي ساعة لم يحدث فيها خيراً تتقطّع نفسه عليها حسرات) (١). قال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]. ١٠ - يومُ الحسابِ: سُمِّيَ بذلك لأنَّ الله يُحصِي فيه أعمالَ الخلائقِ ويُحاسِبُهم عليها، ويُعدِّدُ نِعَمَه عليهم، فيومئذٍ يظهرُ الكافرُ من الشاكرِ قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٥٣]. ١١ - يومُ الجمعِ: سُمِّيَ بذلك لأنَّ اللهَ تعالى يجمعُ فيه الخلائقَ أولهم وآخرهم على صعيد واحد في أرضِ المحشَرِ للحسابِ. قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ﴾ [التغابن: ٩]. ١٢ - يومُ الآزفةِ: سُمِّيَ بالآزفةِ أي القريبةُ وذلك لاقترابِها وقرب وقوعها قال تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧]. ١٣ - يومُ الوَعيدِ: سُمِّيَ بذلك لتحقُّقِ ما توعّدَ اللهُ به العصاة من عذاب. قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠]. ١٤ - يومُ التَّنادِ: سُمِّيَ بذلك لكثرةِ ما يكونُ فيه من نداءٍ فكلٌّ ينادَى باسمِه للحسابِ، وأصحابُ الجنةِ يُنادُون أصحابَ النارِ أنْ هل وجدتُّم ما وعدَ ربُّكم حقاً. وأصحابُ النارِ يُنادُون أصحابَ الجنةِ أنْ أفيضُوا علينا من الماءِ أو مِمَّا رزَقَكم اللهُ. وأصحابُ الأعرافِ يُنادون،

стр. 8

ويُنادى على كل أمة بإمامِهم. قال تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ﴾ [غافر: ٣٢]. ١٥ - يومُ التلاقِ: سُمِّيَ بذلك لأنه يومٌ يلتقي فيه المخلوق بالخالق، وأهلُ السماوات بأهلِ الأرضِ، والأوَّلون بالآخِرين، والظالِمُ بالمظلومِ، قال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: ١٥]. ١٦ - يومُ التغابُنِ: مِنْ الغَبْنِ وهو فَوْتُ الحظِّ والتقصيرُ في نيْلِه ففيه يَغبِنُ المؤمنُ نفسَه بتقصيرِه في الإحسانِ وفواتِ حظِّه من الرِّفعةِ، ويُغبَنُ كلُّ كافرٍ بتركِه الإيمانَ وفواتِ حظِّه من الجنة قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]. ١٧ - الساعة: سُميت بذلك لقربِ وقوعها ولأنَّها تأتي بغتةً فتفجأ الناس في ساعةٍ لا يعلمها إلا الله ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: ٧]. ١٨ - القارعة: سُميت بذلك لأنَّها تَقرَعُ القلوبَ بأهوالِها. قال : ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ﴾ [الحاقة: ٤]. ١٩ - الطامَّة الكبرى: الطامَّةُ عند العربِ هي الدَّاهيةُ ومُصيبةُ المصائبِ لأنَّها تطُمُّ كلَّ شيءٍ بهولِها قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾ [النازعات: ٣٤].

стр. 9

٢٠ - الغاشية: سُميتْ بذلك لأنَّها تغشَى الناسَ بهوْلِها وفزَعِها قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١]. ٢١ - الصاخَّة: سُميت بذلك لأنها تَصُخُّ الآذانَ وتصُمُّها بصوتِها المفزعِ وهو النفخُ في الصورِ قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس: ٣٣]. ٢٢ - الحاقة: سُميتْ بذلك لأنَّها أحَقَّتْ لكلِّ عاملٍ عملَه قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ ١ مَا الْحَاقَّةُ ٢ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ ٣﴾ [الحاقة: ١ - ٣]. ٢٣ - الواقعة: سُميت بذلك لتحقُّقِ وقوعِها قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٥]. * * * هذا اليومُ مليءٌ بالأحداثِ الْمُفزِعةِ، والأمورِ المرعبةِ، ففيه يكون النفخُ في الصورِ، والقيامُ للنشورِ، والحوضُ والميزانُ، وتطايرُ الصحفِ، والشفاعةُ والصراطُ، والقنطرة .. وطوله خمسون ألفَ سنةٍ. ويبدأُ هذا اليومُ مع نهايةِ آخرِ يومٍ من أيامِ الدنيا ويكونُ يومَ جمُعة (١) حيث تقوم القيامةُ على شرارِ الخلقِ الذين لا خيرَ فيهم حيث لا يبقَى

стр. 10

إلا لُكَعٌ ابنُ لُكَعٍ ليس فيهم مَنْ يقولُ (الله). هؤلاء (١) هم الذين تقومُ عليهم زلزلةُ الساعةِ فالمؤمنونَ يُميتُهم الله من قبلُ بريحٍ خفيفةٍ تأخذُهم كالزكامِ. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ١ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ٢﴾ [الحج: ١ - ٢] فعليهم يُنْفَخُ في الصورِ النفخةُ الأولى وهم لاهون يتكلمون ويختصمون في أمور دنياهم ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ٤٩ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ ٥٠﴾ [يس: ٤٩ - ٥٠] ففي الحديث: «لا تقومُ الساعةُ حتى تطلُعَ الشمسُ من مَغربِها، فإذا طلعتْ فرآها الناسُ آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفعُ نفساً إيمانُها لم تكنْ آمنتْ من قبلُ أو كسبتْ في إيمانِها خيراً، ولَتَقومَنَّ الساعةُ وقد نَشرَ الرَّجلان ثوبَهما بينهما فلا يتبايعانِه ولا يطويانِه ولَتقومنَّ الساعةُ وقد انصرفَ الرجلُ بلبن لقْحتِه فلا يَطعَمُه ولَتقومنَّ الساعة وهو يُليطُ حوضَه فلا يسقي فيه ولَتقومَنَّ الساعةُ وقد رَفع أكْلتَه إلى فيه فلا يَطعَمُها» (٢).

стр. 11

هذه النفخةُ تدمِّرُ كلَّ شيء على رؤوسِهم وتَهزُّ الأرضَ من تحتِ أقدامِهم؛ فالأرضُ تتزلزلُ والبحارُ تهيجُ وتشتعلُ وتتفجّرُ، والسماءُ تمور وتتشققُ ويذهبُ لونُ الزرقةِ الصافيةِ فتتلونُ إلى صفراءَ وحمراءَ وتتناثر النجومُ، والخلْقُ من هولِ الأحداثِ يفزعون ومِن عِظم صوتِ النفخةِ يُصعقون ويُصمُّون. فهذه النفخةُ نفخةُ فزَعٍ ثُم إماتةٍ للأحياءِ (إلاَّ مَنْ شاء الله) قال العلماءُ هم سكانُ الجنةِ من حُورٍ وغِلمانٍ وسكانُ النارِ من عقاربَ وحيّاتٍ لأنهم خُلقوا للبقاءِ لا للفناءِ واختلفوا في كبارِ الملائكةِ. وهي كذلك نفخةُ صعقٍ للأرواحِ فالأرواحُ لا تموتُ بل تُصعَق وذاك كالإغماءِ، والدليل كما ذكر ابن القيم ﵀ قول النبيّ ﷺ : «فأنا أولُ من يُفيقُ» فإنه لم يقلْ أول من يحيا فالإفاقةُ إنما تكون من إغماءٍ وغَشيةٍ وليست من موت. فالموتُ لا يكون إلا مرةً واحدةً وذلك عند انفصالِ الروحِ عن الجسدِ قال تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦].

стр. 12

ما هو الصور؟ ومن هو النافخ فيه؟ الصورُ فهو قرْنٌ عظيمٌ كهيئة البُوق ورَد في بعض الأحاديثِ الضعيفةِ أنَّ أعظم دارةٍ فيه كعرض السمواتِ والأرضِ أي أنّ مُحيطه كعرض السموات والأرض، وأنه مخلوقٌ من لؤلؤٍ في صفاءِ الزجاجة (١). والنافخُ فيه إسرافيلُ ﵇ أحدُ كبارِ الملائكةِ وحَمَلةِ العرشِ، قد مرقتْ قدماه الأرضَ السفلى وأحدُ زوايا العرش على كاهلِه، هذا الملَكُ العظيمُ هو الذي نزلَ على رسولِ الله ﷺ وخيّرَه في أن يكون نبياً عبداً أو نبياً ملِكاً فأشار إليه جبريلُ ﵇ أنْ تواضعْ فاختار أن يكون نبياً عبداً (٢). وقال ﷺ : «إن طَرْف صاحبِ الصورِ منذ وُكّلَ به مستعدٌ ينظرُ نحو العرشِ مخافةَ أنْ يُؤمر قبل أن يرتدَّ إليه طرْفُه كأن عينيه كوكبان دُرِّيان» (٣). بعد هذه النفخة يعمُّ السكونُ أرجاءَ الكونِ ويمكثُ العالَمُ على تلك الحال أربعين.

стр. 13

ففي الحديث الصحيح «ما بين النفختين أربعون» (١) لا ندري أربعون يوماً أم شهراً أم سنة. ثم ينادي الربُّ جلَّ وعلا: (لِمَنْ الملكُ اليومَ) فلا يُجيبُه أحدٌ فيجيبُ نفسَه فيقول سبحانه (للهِ الواحدِ القهارِ) (٢). وفي الحديث «يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟» (٣). بعد ذلك يأمرُ الله جميعَ الأشلاءِ والأعضاءِ بالعودةِ إلى أجسادِها، فينادي منادٍ: (أيتُها العظامُ النَّخِرةُ والجلودُ المتمزقةُ والأشعارُ المتقطِّعةُ إنَّ اللهَ يأمرُكنَّ أنْ تجتمعنَ لفصلِ القضاءِ). فتعودُ كلُّ شعرةٍ وكلُّ عضو وكلُّ مفصل وكلُّ عظمة إلى صاحبِها واقرأ إن شئت قوله تعالى: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ ٣ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ٤﴾ [ق: ٣ - ٤] فيجمع ما نقص من أبدانهم وعظامهم وأشعارهم ليعود كل جسد بعينه يوم القيامة (٤).

стр. 14

ثم يُنْزل اللهُ تعالى ماءً من السماءِ فتَنبت الأجسادُ داخلَ قبورِها (١) من جديد من عظمة صغيرة أسفل سلسلة الظهر تسمى عجب الذنب (٢) فتتماسكُ وتكتملُ ففي الحديث: «ثم ينزل الله مطراً كأنه الطلّ فتنبت منه أجساد الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون» (٣) فبعد اكتمال الأجساد ليومِ النشورِ تَعقُبها النفخةُ الثانيةُ نفخةُ البعثِ والقيامِ: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ٦ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ٧﴾ [النازعات: ٦ - ٧]. فالنفخةُ الثانيةُ نفخةُ إحياءٍ وبعثٍ، قال بعض العلماء منهم البيهقي وابن القيم بأنَّ الأرواحَ كلَّها تُجمعُ في الصورِ فإذا نُفِخَ النفخةُ الثانيةُ

стр. 15

خرجتْ الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض (١)، فتذهب كلُّ روحٍ إلى جسدِها فيقومون جميعاً لربِّ العالمين. فإذا قاموا تكون أجسادهم أشدَّ قوّةً وصلابة وذلك لتحمُّل ما سيواجهون من أهوال. ويبيّضُ للمؤمنِ في وجهِه ويزادُ في نَضرتِه بحسب صلاحِه ويسوّدُ وجهُ الكافر ويزْرقُّ ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]. وتعلوه الغبَرةُ والقتامةُ بحسب جُرمِه ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١].

стр. 16

كيف يقومون؟ وهنا يا ابنَ آدم قدِّمْ لنفسِك فإمَّا التكريمُ والحفاوةُ وإما الذِّلةُ والمهانةُ: وأولُ من ينشقُّ عنه القبر هو سيد الخلق محمد ﷺ وربما الأنبياءُ من بعده - ثم أبو بكرٍ وعمرُ ثم أهلُ البقيع فيُحشَرون مع الرسول ﷺ ثم أهل مكة (١) ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]. ويقوم الناسُ إلى أرض المحشرِ على ثلاثة أحوال: ١) الصنف الأول: وهم صنفان ظالِمٌ كافرٌ وظالِمٌ موحِّدٌ، فالكفرةُ يقومون من قبورِهم وجوهُهم زرقاءُ مغبرّةٌ يعلوها العارُ والمذلةُ فزِعون مرعوبون قد بلغ بهم القلق و العطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله، يتناجون

стр. 17

بينهم ويتخافتون في قصر مدة الدنيا وسرعة الآخرة فيقول بعضهم ما لبثتم إلا عشرة أيام ويقول بعضهم غير ذلك والله يعلم تخافتهم ويسمع ما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة أي أعدلهم وأقربهم إلى التقدير إن لبثتم إلا يوماً والمقصود منه الندم العظيم إذ كيف ضيّعوا الأوقات القصيرة وقطعوها ساهين لاهين معرضين عما ينفعهم مقبلين على ما يضرهم فها قد حضر الجزاء وحق الوعيد فلم يبق إلا الندم والدعاء بالويل والثبور (١)، وإنهم ليتساءلون من هول الفاجعة يقولون ﴿مَن بَعَثَنَا مِنْ مَّرْقَدِنَا … ﴾ ثم يردّون على أنفسِهم ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس: ٥٢] لأنهم ساعتئذٍ يكونون قد عرفوا وظهرَ لهم الحقُّ الذي كانوا يُنكرون فيؤمنون حيث لا ينفعُ الإيمانُ، أو أنَّهم يسمعون ذلك الردَّ من الملائكةِ الشهودِ عليهم. فإذا قاموا وجدوا أنفسَهم لا يستطيعون المشيَ على الأقدامِ .. ولا على الأيدي .. ولا على الأرجلِ ولا كما يفعل الحيوانُ، بل ولا يستطيعون البقاءَ في قبورِهم إن عجزوا عن المشيِ، بل يجدون أنفسَهم مدفوعين للقيامِ يمشون على وجوهِهم عُمياً لا يروْن طريقَهم، وصُمّاً لا يسمعون تحذيراً وتنبيهاً، وبُكماً ليس لهم القدرةُ على الكلامِ والعياذ بالله تعالى. ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقا﴾ [طه: ١٠٢].

стр. 18

﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ٤٠ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ ٤١﴾ [عبس: ٤٠: ٤١]. ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]. أما الظالم الموحِّدُ فقد قيل إنَّ مَنْ قال لا إله إلا الله لا ينتكسُ على وجهِه وقيل بل يُحشَر مثلَهم لأنَّه عرف الحقَّ ثم أعرض عنه ففي الحديث «مُدمنُ الخمرِ إنْ مات لقيَ الله كعابدِ وثنٍ» (١) ولكنْ من سجدَ لله سجدةً قد لا ينتكسُ، وكيف ينتكس وقد ورد تكريمُ الله له في النارِ فيأمرُها ألاَّ تَمَسَّ مواضعَ السجودِ كما ثبتَ في الحديث (٢) والله أعلم. ٢) الصنفُ الثاني: وهم أهلُ اليمينِ يَمشون على أرجلِهم. ٣) الصنفُ الثالث: وهم فئةُ الرُّكبان لا يمشون بل يُحمَلون على النجائبِ وهي نُوقُ الجنةِ البيضُ عليها رِحالُ الذهبِ. إننا لنلمسُ مثلَ هذه المفاضلةِ بين الناسِ في الدنيا ﴿انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ [الإسراء: ٢١]. ففي الدنيا نجد الفئةَ المميَّزةَ هي فئةُ الأغنياءِ وأصحابِ المنصبِ والجاهِ فلهم عالَمٌ خاصّ .. لا يتساوَوْن فيه مع بقيةِ البشرِ؛ ففي المطاراتِ نجدُ لهم حجوزاتٍ خاصةً وغرفَ استقبالٍ تليقُ

стр. 19

بأمثالِهم، وفي الفنادقِ لهم أجنحةٌ مميَّزةٌ، وفي البنوكِ ترى الناسَ يزدحمون ويقفون صفوفاً لقضاء مصالحِهم .. أما هؤلاء فلهم غُرفٌ مكيَّفةٌ تُدارُ عليهم أصنافُ الحلوى والقهوةِ ريثما تُقضى شئونُهم .. يشيرُ إليهم الناسُ بالبَنانِ فهم الفئة الذين حازوا قصَبَ السَّبْقِ وتبوؤوا المكانةَ الرفيعةَ .. إننا نسمعُ الناسَ يقولون عنهم (هؤلاء أناسٌ قد وصلوا .. ) ولا أدري لعمرُ اللهِ وصلوا إلى أين .. ؟ فقد يكون أحدُهم قد وصلَ إلى ما هو فيه من غنىً بالربا وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ، وقد يكون وصل إلى الجاهِ والمنصبِ بالحيلةِ والمكرِ، ولكن على أية حالٍ فهذا الواصلُ هو كذلك في نظر الناسِ القاصرِ. أما هؤلاء فإنَّهم قد وصلوا بتكريم ربِّهم وتسجيلِهم عنده في لوائحِ الشرف، قوم قد وصلوا ذُرَى المعالي، طابت سجاياهم، واستقامت خلائقهم، فتأتي إلى قبورِهم النوقُ البيضُ عليها رِحالُ الذهبِ فتستقبلُهم فيقومون من قبورِهم في سكينة وطمأنينة لا يفزعون إذا فزع الناس، ولا يحزنون إذا حزنوا ينفُضون الترابَ عن أنفسِهم يقولون (الحمدُ للهِ الذي أذهبَ عنَّا الحزَنَ) هؤلاء هم المقرَّبون .. السابقون بالخيراتِ .. لطالما سهِروا في طاعةِ ربِّهم والناسُ نائمون .. ولطالما وقفوا يتهجَّدون في جُنْحِ الليالي والناسُ في ملذَّاتِهم سادرون .. كان أحدُ السلفِ يُطيل قيامَ الليل وكانت ابنتُه الصغيرةُ تراه يفعلُ ذلك فتُشفق عليه فسألتْه ذاتَ مرةٍ: يا أبَتِ أراك

стр. 20

تُطيلُ قيامَ الليلِ، لقد أتعبتَ نفسَك، فقال لها: يا ابنتي راحتَها أريدُ .. فليهنأوا الآن ولينعموا بالراحةِ .. والتميُّزِ والمكانةِ الرفيعة. قال ﷺ في بيان الأصناف الثلاثة: «يُحشرُ الناسُ يوم القيامةِ ثلاثةَ أصنافٍ: صنفٌ مُشاةٌ، وصنفٌ رُكبانٌ، وصنفٌ على وجوهِهم. فقالوا: يا رسولَ الله وكيف يَمشون على وجوهِهم قال: إنَّ الذي أمشاهم على أرجلِهم قادرٌ على أن يُمشيَهم على وجوهِهم، أمَا إنَّهم يتَّقون بوجوهِهم كلَّ حدبٍ وشوكٍ» (١). * * *

стр. 21

إلى أين يذهبون؟ يقومون من قبورِهم متَّبعين صوتَ الداعي يدعوهم إلى حيث يجتمعون .. في أرضِ المحشرِ وهي أرضُ الشام (فلسطين) ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسا﴾ [طه: ١٠٨]. والشامُ لها فضلٌ عظيمٌ فقد اختارَها الله واختصَّها بأنَّها أرضُ المحشرِ والمنشرِ فيها يجتمعُ العالَمون. وبها ينْزلُ عيسى بنُ مريم. وبها يُهلِكُ اللهُ المسيحَ الدجالَ (١). وعند ذهابِهم يصحَبُ كلاًّ منهم ملَكان وهما الملَكان اللذان كانا يكتبان حسناتِ العبادِ وسيئاتِهم في الدنيا فسائقٌ يسوقُه وشاهدٌ يشهدُ عليه ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ [ق: ٢١] يقولان له هَذا يومُك الَّذِي كنتَ تُوعَدُ فيُطمْئنان المقرَّبين وأهلَ اليمين، ويُنذران الظالمين المجرمين بالويلِ والثُّبورِ وسوءِ العاقبةِ. * * *

стр. 22

والحشر يكون لجميع الخلائق يجمع الله تعالى الخلق في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق. وتنشق السماء الدنيا فتنزل ملائكتها، وتشقق السماء الثانية والتي تليها إلى السماء السابعة فينزل أهلهم من الملائكة وهم أكثر من الجن والإنس ومن جميع الخلق فيحيطون بالخلائق (١)، فلا مفر يومئذٍ ولا مهرب ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٥]. تخيّل ذلك الكظيظ وتلك الأمم القادمة إلى ربها الدواب والوحوش والطيور والجن والناس ويأجوج ومأجوج. ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]. وقال : ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥]. وقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٩].

стр. 23

إذن كلُّ مخلوقٍ سيأتي ذلك اليوم .. كلُّ مُتَخَفٍّ سيظهرُ .. كلُّ غائبٍ سيعودُ .. كلُّ ميتٍ سيقومُ .. مهما طالت بهم حياة، ومهما امتدّ بهم أجل. * * *

стр. 24

كيف يكون حالهم عند قيامهم؟ يقومون أول ما يقومون عُراةً .. حُفاةً .. غُرْلاً (أي بدون ختان). عِطاشٌ أعطشَ ما كانوا عليه قَطُّ. وجِياعٌ أجْوَعَ ما كانوا عليه قطُّ. فإذا قاموا على تلك الحال، يُبعَثُ كلٌّ منهم على ما ماتَ عليه. قال ﷺ : «يُبعَثُ كلُّ عبدٍ على ما ماتَ عليه» (١). و لذلك يُستحبُّ تلقينُ الميتِ الشهادة لعله يُبعثُ على التوحيدِ ناطقًا بها. فمن مات مُحرِماً قام و هو يُلبِّي، يَمشي إلى أرضِ المحشرِ وكأنه ذاهبٌ إلى مكة. ففي الحديث أَنَّ رَجُلًا وَقَصَهُ بَعِيرُهُ وهو مُحْرِمٌ فقال النبي ﷺ : «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ وَكَفِّنُوهُ في ثَوْبَيْهِ، ولا تَمَسُّوهُ بطِيب، ولا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فإن اللَّهَ يَبْعَثُهُ يوم الْقِيَامَةِ ملبياً» (٢).

стр. 25

والشهيدُ يُبعثُ والدمُ يَقطُرُ من جُرحِه، اللونُ لونُ الدمِ والرِّيحُ ريحُ المسكِ (١). ومن مات على الغناءِ يُبعَثُ وهو يُدندنُ، وهذا لا ينافي خوفَه وفزعَه ساعتئذٍ بل قد يجدُ لسانَه يردِّد تلك العباراتِ رغماً عنه وبغير إرادةٍ منه وهو في الحقيقةِ خائفٌ مذعورٌ يريدُ أن يتوقفَ ويذكرَ ربَّه فلا يقوَى على ذلك عياذاً بالله. ويبعث ذو الوجهين وله لسانان من نار. ففي الحديث: «مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا كَانَ لَهُ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (٢). ويأتي الذي يبصقُ تُجاه القبلة في صلاته ونخامتُه في وجهِه. «مَنَ تفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفْلَتُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» (٣). وذلك المتكبِّرُ المتعجرفُ الذي كان منتفشَ الريشِ كالطاووسِ يأتي وأشباهُه حقيراً صغيراً كأمثال الذَّرِّ يطؤُه الناسُ بأقدامهم؛ ففي الحديث:

стр. 26

«يجاء بالجبارين والمتكبرين رجال في صورة الذر يطؤهم الناس من هوانهم على الله حتى يُقضى بين الناس قال ثم يُذهب بهم إلى نار الأنيار قال: قيل يا رسول الله وما نار الأنيار قال عصارة أهل النار» (١). ويقوم مانعُ الزكاةِ كالهاربِ من الخطرِ يجري .. يحاولُ الفرارَ .. ويتمثّل له كنْزُه الذي منع زكاتَه على شكل شجاعٍ أقرعَ وهو ثعبانٌ عظيمٌ ينهشُه بفمه حتى يُقضَى بين الخلائقِ (٢). ويُبعثُ الْمُرابي كالمجنونِ من قُبحِ حاله وسوءِ قيامه ك ﴿الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ … ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وتأتي النائحةُ شعثاءَ كالحةَ الوجهِ من غضبِ الله وعليها سربالٌ من قطِرانٍ، وثوب من جَرَب (٣). ويأتي الذي كان يسأل الناس وعنده ما يغنيه وفي وجهه كدوح وخدوش أو يأتي وليس في وجهه مزعة لحم بحسب مسألته (٤).

стр. 27

وفوق تلك الحالِ المفزعةِ وذلك الكرب للعاصِين فإنَّهم يومئذٍ يَحملون أوزارَهم على ظهورِهم ذاهبين بها إلى أرضِ المحشرِ ويقفون بين يديْ ربِّهم في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ وظهورُهم تنوءُ بتلك الأحمالِ وتراهم الخلائقُ على تلك الحال المزرية، عياذاً بالله، فيالَفضيحتِهم و يالَخزْيِهم يومئذ. فتمثّل لهم أعمالهم في أقبحِ شيءٍ صورةً وأنْتنِها ريحاً فيقول هل تعرفُني فيقول لا، إلا أن الله قد قبَّح صورتَك وأنتَنَ ريحَك، فيقول كذلك كنتَ في الدنيا أنا عملُك السيئُ طالما ركبْتَني في الدنيا فأنا اليوم أركبُك ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [الأنعام: ٣١] (١) فتراه يحمل نمائمهُ التي مشى بها بين الناس، وكذبه الذي أوقد به النائرة في قلوبهم، وغِشه وحقده وسائر ما لم يكفّر من ذنبه .. ينْفِر الناس منه لنتن ريحه ودنَس حِمله. هذا ومن أخذَ شيئاً بغير حقٍّ يقومُ يوم القيامةِ وهو يحملُه على ظهرِه. قال ﷺ : «لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه بعيرٌ لها رُغاء يقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئاً، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه فرسٌ له حمحمةٌ يقول يا رسولَ

стр. 28

الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه شاةٌ لها ثُغاء، يقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه نفسٌ لها صياح، فيقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه رقاعٌ تخفق (١)، فيقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئاً قد أبلغتك، لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِه، صامتٌ (٢) فيقول يا رسولَ الله أغثْني فأقول لا أملكُ لك من الله شيئاً قد أبلغتك» (٣). من اغتصبَ أرضاً جاء يوم القيامة يحملُها في عنقه طوقا من عمقِ سبعِ أرضينَ (٤).

стр. 29

ويأتي الوالي الظالم مغلولة يده إلى عنقه ففي الحديث «مامن أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولا، حتى يفكه العدل أو يُوبقه الجور» (١). ويجيءُ المقتولُ متعلقاً بقاتلِه (٢). ثم أدهَى من ذلك وأعظم ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]. إلهنا ومُغيثنا .. أما يكفى حمل كل تلك الأوزار .. أفنحمل فوق ذلك أوزار غيرنا .. ؟ نعم .. إنه ميزان العدل الإلهيّ الذي لا يُغادر مثقال ذرة. قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: ٢٥]. تخيَّل الآن .. يقومُ الناسُ إلى أرضِ المحشرِ، هذا يمشي على وجهِه أعمَى وأصمَّ وأبكمَ كالكفرةِ الفجرةِ وبعضُهم يمشي على قدميه ولكنهم خائفون مضطربون من الخطايا والكبائرِ التي كانوا يبارزون بها العظيم الجبار ولم يتوبوا منها .. فيقوم أحدُهم مُثقَلاً مجهداً يحملُ

стр. 30

أوزارَه وسيئاتِه على ظهرِه وأوزارَ كلِّ مَنْ دلَّهم على ضلالةٍ في يومٍ من الأيامِ. قد يدلُّ شخصٌ صاحبَه على تجارةٍ محرمة. وقد يُهدي شخص لصاحبِه مجلةً ماجنةً أو شريطاً إباحياً. وقد يُزَيِّنُ شخصٌ لغيرِه العملَ ببدعةٍ أو شُبهةٍ أو شركٍ. ومنهم الذي يُعلن في الصحف عن قناة ماجنة، أو أفلام فاسقة، مزيّنا تجارته البائرة بكل حيلة وحيلة، وصورٍ مائلة مميلة. ومنهم من صمم زياً خاصا لموظفات مؤسسة أو شركة يتنافى مع الحجاب الساتر للمرأة المسلمة فيجمعُ على ظهرِه ما يكسبنه من أوزارٍ جرَّاءَ ارتدائه. وذلك الموظف في أحدِ البنوكِ الرِّبويةِ يتّصل بمئاتِ العملاءِ لإقناعِهم بالاستفادةِ من أحدِ العروضِ الربويةِ. فيالَقبحِ مقامِهم بين يدي ربِّهم. وفوق ذُعرِ هؤلاء وفزعِهم يَفِرُّ كلُّ واحدٍ من الآخَرِ يخافُ أن يطالبَه بحسنةِ أو بحقٍّ كان له في الدنيا ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ٣٤ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ٣٥ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ٣٦ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ٣٧﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٧]. إنه يومُ الفضيحةِ الكبرى للعاصي ويومُ التكريمِ والتشريفِ للطائعِ.

стр. 31

تطالعنا الصحف المحلية كل يوم عن تحقيق في اختلاس لمبالغ طائلة من إحدى الوزارات أو الدوائر الحكومية أو إحدى المؤسسات، أو عن ما يسمونه بهامور الأسهم الذي اختلس مبلغ كذا وكذا ثم هرب من البلاد .. وكم من رجلٍ اغتصب أرضاً بغير حقٍّ وبنى داراً مُنيفةٍ يسكنُها والله مُسبِلٌ عليه سِترَه. وكم من ظالمٍ أخذَ حقّاً أو هتكَ عِرضاً، أو استباحَ دماً، أو غدَرَ بشخصٍ واحتالَ عليه .. لا يعلمهم إلا الله. سيأتي اليومُ الذي تنكشفُ فيه عيوب هؤلاء، ويُظهِر قبح عوراتهم، ويُفتضَحُ فيه كلُّ من كان يُمثِّلُ نفسَه كإنسانٍ محترمٍ، وشخصٍ شريفٍ، وهو يُخفي ما يُخفي .. ستظهرُ فيه الحقائقُ جليةً، ويكشف الله كلّ ما يُخفون من سوء طويّة. قال الرسول ﷺ : «ألا إنَّه يُنصبُ لكلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامةِ بقدرِ غَدْرتِه ولا غَدرةَ أعظمَ من غدرةِ إمامِ عامةٍ يركزُ لواءه عند استِه» (١) (أي على مؤخّرته) مكتوبٌ عليه هذه غَدْرةُ فلانٍ .. فيالَلخزيِ والعارِ. ومن رحمةِ اللهِ بعبادِه المؤمنين يومَ القيامةِ تكفيرُ ذنوبِهم وخطاياهم بهذا العذابِ قبل ولوجِ جهنَّمَ فمن هؤلاء من تتساقطُ عنه ذنوبُه لمسافةٍ

стр. 32

معينةٍ بحسب جرمِهم وخطاياهم ومنهم من قد يصلُ إلى الحوضِ وقد تساقطَ ما عليه من ذنوبٍ، ومنهم من يُمنع من الحوض لعِظَم جُرمه فلا يكفّر عنه إلا في الموقف، ومنهم من لا تُكفِّر جرائمه إلا نار السموم وهذا ما أشار إليه ابنُ القيمِ ﵀ في طرقِ التمحيصِ والتخليصِ من الذنوبِ. ولعلنا نوردُها هنا كاملةً للمنفعة: قال ابن القيم ﵀: (فإذا طالع [العبدُ] جنايتَه شَمَّرَ لاستدراكِ الفارطِ بالعلمِ والعملِ وتخلَّصَ من رقِّ الجنايةِ بالاستغفارِ والندمِ وطلب التمحيصِ وهو تخليصُ إيمانِه ومعرفتِه من خَبَثِ الجنايةِ كتمحيصِ الذهبِ والفضةِ وهو تخليصُهما من خبَثِهما ولا يمكن دخولُه الجنةِ إلا بعد هذا التمحيصِ فإنها طيِّبةٌ لا يدخلُها إلا طيبٌ ولهذا تقولُ لهم الملائكةُ سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [النحل: ٣٢] فليس في الجنةِ ذرةُ خَبَثٍ. وهذا التمحيصُ يكونُ في دار الدنيا بأربعةِ أشياءٍ: بالتوبةِ والاستغفارِ وعملِ الحسناتِ الماحيةِ والمصائبِ المكفِّرةِ، فإنْ مَحَّصتْه هذه الأربعةُ وخلَّصتْه كان من الذين تتوفاهم الملائكةُ طيبين يُبشِّرونَهم بالجنةِ وكان من الذين تتنَزَّلُ عليهم الملائكةُ عند الموتِ ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ٣٠ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ

стр. 33

الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ٣١ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ٣٢﴾ [الصف: ٣١ - ٣٢]. وإنْ لم تفِ هذه الأربعةُ بتمحيصِه وتخليصِه فلم تكن التوبةُ نَصوحاً وهي العامةُ الشاملةُ الصادقةُ ولم يكن الاستغفارُ كاملاً تاماً وهو المصحوبُ بمفارقةِ الذنبِ والندمِ عليه وهذا هو الاستغفارُ النافعُ لا استغفار مَنْ في يده قَدحُ السُّكْرِ وهو يقولُ أستغفرُ اللهَ ثم يرفعُه إلى فيه ولم تكن الحسناتُ في كميتِها وكيفيتِها وافيةً بالتكفيرِ ولا المصائبِ وهذا إمَّا لعِظَمِ الجنايةِ وإما لضعفِ الْمُمَحِّصِ وإما لهما مُحِّصَ في البرزخِ بثلاثةِ أشياءٍ: أحدها صلاةُ أهلِ الإيمانِ الجنازةَ عليه واستغفارُهم له وشفاعتُهم فيه. الثاني تمحيصُه بفتنةِ القبرِ وروْعةِ الفتَّانِ والعصرةِ والانتهارِ وتوابعِ ذلك. الثالث ما يُهدِي إخوانُه المسلمون إليه من هدايا الأعمالِ من الصدقةِ عنه، والحجِّ، والصيامِ عنه وقراءةِ القرآنِ عنه والصلاةِ وجعلِ ثواب ذلك له، وقد أجمعَ الناس على وصولِ الصدقةِ والدعاءِ، قال الإمام أحمد لا يختلفون في ذلك وما عداهما فيه اختلاف والأكثرون يقولون بوصولِ الحجَّ، وأبو حنيفة يقولُ إنَّما يصلُ إليه ثوابُ الإنفاقِ، وأحمدُ ومَن وافقه مذهبُهم في ذلك أوسعُ المذاهب يقولون يصلُ إليه

стр. 34

ثوابُ جميعِ القُرَبِ بدَنيِّها وماليِّها والجامع للأمرين واحتجُّوا بأن النبي ﷺ قال لمن سأله يا رسولَ الله هل بقيَ من بِرِّ أبويَّ شيءٌ أبَرُّهما به بعد مماتِهما؟ قال نعم فذكر الحديث وقد قال ﷺ : «من ماتَ وعليه صيامٌ صام عنه وليُّه» (١). فإن لم تفِ هذه بالتمحيصِ مُحِّصَ بين يدي ربِّه في الموقفِ بأربعةِ أشياءٍ أهوالِ القيامةِ وشدةِ الموقفِ وشفاعةِ الشفعاءِ وعفوِ اللهِ . فإن لم تفِ هذه الأربعة بتمحيصِه فلا بدَّ له من دخولِ الكِيرِ رحمةً في حقِّه ليتخلَّصَ ويتمحَّصَ ويتطهَّرَ في النارِ فتكون النار طُهْرةً له وتمحيصاً لخَبَثِه ويكون مُكثُه فيها على حسبِ كثرةِ الخبَثِ وقلَّتِه وشدَّتِه وضعفِه وتراكمِه، فإذا خرجَ خبَثُه وصُفِّيَ ذهبُه وصارَ خالصاً طيباً أُخرجَ من النارِ وأُدخلَ الجنة) انتهى (٢). وانظر إلى حال تلك الفئة الخاصة فئة المقربين فإنهم إذا قاموا من قبورهم كما أسلفنا يركبون نُوقاً بيضاءَ من نُوقِ الجنةِ عليها رِحالُ الذهبِ خَطْوُها مدُّ بصرِها، لا يركبونَها وهم عُراةٌ، فانظر إلى الكرامةِ والمنزلةِ العاليةِ، يُكسَوْن وغيرُهم عُراةٌ، يُحملون وغيرُهم حُفاة، يتلقوْن البُشرياتِ من الملائكةِ. وأولُ من يُكسَى منهم خليل

стр. 35

الله إبراهيمُ ﵇ (١)، يُكسَى حُلةً بيضاءَ تَكرِمةً من الله لأنه جُرّد في ذات الله حينما قذفه قومه في النارِ بالمنجنيقِ وقيل لأنه أول من لبس السراويل. ثم خليله محمدٌ ﵊ يُكسَى حُلةً خضراءَ (٢) ثم النبيون، وأهلُ القرآن يكسون حلّة الكرامة (٣) اللهم اجعلنا منهم ويكسى المؤذنون وأهل الحسبة والصلاح. هذه الزمرة المباركة (٤) قال الله تعالى في حقِّهم: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ [مريم: ٨٥]. عن النعمانِ بن سعدٍ قال كنا جلوساً عند عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ فقرأ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ قال: لا واللهِ ما على أرجلِهم يُحشَرون ولا يُساقون سَوْقاً ولكنهم يُؤتَوْن بنُوقٍ من نوقِ الجنةِ لم تنظر الخلائقُ إلى مثلِها، رِحالُها الذهبُ وأزِمَّتُها الزَّبَرجدُ فيقعدون عليها حتى يَقرعوا بابَ الجنةِ (٥).

стр. 36

وكما أن أصحابَ المعاصي يَحملون أوزارَهم على ظهورِهم، فإن أهلُ الطاعاتِ تحملُهم طاعاتُهم فلعلها تُشكَّلُ لهم في هذا اليوم على هيئةِ النُّوقِ فيركبونَها والله أعلم. ففي تفسير الطبري: (إن المؤمنَ إذا خرجَ من قبرِه استقبلَه عملُه في أحسنِ صورةٍ وأطيبِها رِيحاً فيقول له هل تعرفُني فيقول لا، إلاَّ أنَّ الله قد طيَّبَ رِيحَك وحَسَّنَ صورتَك، فيقول كذلك كنتَ في الدنيا أنا عملُك الصالحُ طالما ركبتُك في الدنيا فاركبْنِي أنت اليومَ وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ (١). وهنا تكرمة خاصة أيضاً لأهل القرآن يستقبلهم ويُطمئنهم ففي الحديث: «يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول لصاحبه هل تعرفني؟ أنا الذي كنت أسهر ليلك وأظمئ هواجرك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم من وراء كل تاجر، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا وما فيها فيقولان يارب أنى لنا هذا؟ فيقال بتعليم ولدكما القرآن … » (٢). * * *

стр. 37

مَنْ يستقبلهم؟ إذا وصلوا إلى أرضِ المحشرِ عِطاشاً يتلمَّظون يكون الأنبياءُ قد سبقوا أُمَمَهم إليها، فيستقبلُ كلُّ نبيٍّ أُمتَه، وكلُّ نبيٍّ له حوضٌ وأكبرُ الأحواضِ حوضُ نبيِّنا محمد ﷺ حيث قال: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضاً وإنهم ليتباهوْن أيُّهم أكثرُ واردة؟! وإنِّي أرجو أن أكونَ أكثرَهم واردة» (١). وهناك يقفُ رسولُ الله ﷺ على مِنبرِه حيث يُرفَع منبرُه الشريفُ الذي كان يخطبُ عليه فيُنصبُ على حوضِه (٢) ينادي أمتَه وكأنَّه يلوِّح إليهم بيده ألا هَلُمُّوا .. ألا هَلُمُّوا. وها هي أمَّتُه الآن قادمةٌ إليه حثيثةٌ بعضُهم يركبُ وبعضُهم يمشي وبعضُهم يمشي على وجهه. - وكلٌ يدَّعي وصْلاً بليلَى - كلٌّ يدَّعي أنه من هذه الأمةِ والحوضُ واسعٌ، والقومُ قد بلغ بهم العطشُ مبلغَه قال ﷺ : «لَتزدَحِمَنَّ هذه الأمةِ على الحوضِ ازدحامَ إبِلٍ وردتْ لخمسٍ» (٣).

стр. 38

وعلى الحوضِ حراسةٌ مشددَّةٌ فحُرّاسُه كرامٌ برَرةٌ لا يَعصُون الله ما أمرَهم قد وُكِّلوا بكلِّ من لا يستحقُّه أن يَنبذوه، ويدفعونه عن الحوضِ بعصيٍّ من نارٍ وبكلِّ من هو أهلٌ له أن يَحتفُوا به ويُكرموه فيراهم الرسولُ ﵊ وهم يَدفعون أقواماً فيقولُ أمتي .. أمتي، فيقولون إنَّهم ليسوا من أمَّتِك لا تدري ما أحدَثوا بعدك فيقول: سُحقًا سُحقًا. ففي الحديث: «إني فَرَطُكُمْ على الْحَوْضِ من مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لم يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ ويعرفونني ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي» (١). حسناً .. هاهو الحوض يلوح من بعيد، وتتفاوت سرعة القادمين إليه فهذا الذي كان يمشي متباطئاً إلى الصلاةِ سيكون كذلك في الوصولِ إليه، وذاك الذي كان يُسارعُ لإدراكِ تكبيرةِ الإحرامِ، فمن شدةِ حرصِه على طاعةِ ربِّه تجدُه راكباً في المقدمةِ فمنهم من يصلُ سريعاً ومنهم من يستغرقه الوقت. وها هو الوفدُ الكريمُ، وفد السابقين وهم السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنةَ بغيرِ حسابٍ ومنهم فقراءُ المهاجرين لا ينْزِلون عن رواحلِهم منذ خرجوا من قبورِهم فيكونون أول الشاربين وفي مقدَّمتِهم

стр. 39

صحابةُ الرسولِ وزوجاتُه الكريمات .. وقد وردت بعض الآثار لا ترقى إلى الصحة منها قوله ﷺ لأبي بكر: «أنت صاحبي على الحوضِ وصاحبي في الغارِ» (١)، وفي شأنِ السيدةِ خديجةِ ﵂ قال: «أوَّلُكم وارداً على الحوضِ أوَّلُكم لي إسلاماً» (٢). وهاهم اللئامُ يُذادون عن الحوضِ ويُضرَبون بالسياطِ. * * * ولنتوقفْ عند حوض نبينا قليلاً ولنتفرسْ فيه ونتمعنْ في شكله وحجمه وصفة مائه قال ﷺ : «إني فَرَطٌ لكم (٣) و أنا شهيدٌ عليكم و إنِّي والله لأنظرُ إلى حوضي الآن .. » (٤). فيصفه النبي ﵊ فيقول: «حوضي مسيرةُ شهرٍ ماؤُه أبيضُ من اللبنِ ورِيحُه أطيبُ من المسكِ وكيزانُه كنجومِ السماءِ مَنْ شربَ منها فلا يظمأ أبدًا» (٥).

стр. 40

ويقول: «حوضي مسيرةُ شهرٍ وزواياه سواءٌ وماؤُه أبيضُ من الوَرِقِ [أي من الفّضة] … » (١). وفي رواية: «عرضُه مثلُ طولِه» (٢). إذن حوضُ نبيِّنا مربَّعُ الشكلِ عظيمُ الاتساعِ كأحدِ المحيطاتِ الهائلةِ لا يُدرَكُ منتهاه فقد جاءت روايات عدّة منها: «إنَّ حوضي أبعدُ من أَيْلَة من عدَن» (٣) وجاء: «ما بين ناحيتَيْ حوضي كما بين صنعاءَ والمدينةِ» وفي رواية «ما بين الكعبةِ وبيتِ المقدس» (٤). وفي الحديث: «هو ما بين البيضاءِ إلى بُصْرَى ثم يَمُدُّني اللهُ فيه بكراعٍ فلا يَدري بشرٌ ممن خلقَ اللهُ أيَّ طرفيْه» (٥). أما ماؤُه فورَدَ أنه أبيضُ من اللبنِ، وأبيضُ من الوَرِقِ (أي الفضة)، في الصفاءِ والنقاءِ، وريحُه أطيبُ من المسكِ وطعمُه أحلى من العسلِ، وأبردُ من الثلجِ.
следующие страницы →