وكما أن أصحابَ المعاصي يَحملون أوزارَهم على ظهورِهم، فإن أهلُ الطاعاتِ تحملُهم طاعاتُهم فلعلها تُشكَّلُ لهم في هذا اليوم على هيئةِ النُّوقِ فيركبونَها والله أعلم.
ففي تفسير الطبري: (إن المؤمنَ إذا خرجَ من قبرِه استقبلَه عملُه في أحسنِ صورةٍ وأطيبِها رِيحاً فيقول له هل تعرفُني فيقول لا، إلاَّ أنَّ الله قد طيَّبَ رِيحَك وحَسَّنَ صورتَك، فيقول كذلك كنتَ في الدنيا أنا عملُك الصالحُ طالما ركبتُك في الدنيا فاركبْنِي أنت اليومَ وتلا: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدا﴾ (١).
وهنا تكرمة خاصة أيضاً لأهل القرآن يستقبلهم ويُطمئنهم ففي الحديث: «يجيء القرآن يوم القيامة كالرجل الشاحب يقول لصاحبه هل تعرفني؟ أنا الذي كنت أسهر ليلك وأظمئ هواجرك، وإن كل تاجر من وراء تجارته، وأنا لك اليوم من وراء كل تاجر، فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ويكسى والداه حلتين لا تقوم لهما الدنيا وما فيها فيقولان يارب أنى لنا هذا؟ فيقال بتعليم ولدكما القرآن … » (٢).
* * *
стр. 37
مَنْ يستقبلهم؟
إذا وصلوا إلى أرضِ المحشرِ عِطاشاً يتلمَّظون يكون الأنبياءُ قد سبقوا أُمَمَهم إليها، فيستقبلُ كلُّ نبيٍّ أُمتَه، وكلُّ نبيٍّ له حوضٌ وأكبرُ الأحواضِ حوضُ نبيِّنا محمد ﷺ حيث قال: «إنَّ لكلِّ نبيٍّ حوضاً وإنهم ليتباهوْن أيُّهم أكثرُ واردة؟! وإنِّي أرجو أن أكونَ أكثرَهم واردة» (١).
وهناك يقفُ رسولُ الله ﷺ على مِنبرِه حيث يُرفَع منبرُه الشريفُ الذي كان يخطبُ عليه فيُنصبُ على حوضِه (٢) ينادي أمتَه وكأنَّه يلوِّح إليهم بيده ألا هَلُمُّوا .. ألا هَلُمُّوا. وها هي أمَّتُه الآن قادمةٌ إليه حثيثةٌ بعضُهم يركبُ وبعضُهم يمشي وبعضُهم يمشي على وجهه.
- وكلٌ يدَّعي وصْلاً بليلَى - كلٌّ يدَّعي أنه من هذه الأمةِ والحوضُ واسعٌ، والقومُ قد بلغ بهم العطشُ مبلغَه قال ﷺ : «لَتزدَحِمَنَّ هذه الأمةِ على الحوضِ ازدحامَ إبِلٍ وردتْ لخمسٍ» (٣).
стр. 38
وعلى الحوضِ حراسةٌ مشددَّةٌ فحُرّاسُه كرامٌ برَرةٌ لا يَعصُون الله ما أمرَهم قد وُكِّلوا بكلِّ من لا يستحقُّه أن يَنبذوه، ويدفعونه عن الحوضِ بعصيٍّ من نارٍ وبكلِّ من هو أهلٌ له أن يَحتفُوا به ويُكرموه فيراهم الرسولُ ﵊ وهم يَدفعون أقواماً فيقولُ أمتي .. أمتي، فيقولون إنَّهم ليسوا من أمَّتِك لا تدري ما أحدَثوا بعدك فيقول: سُحقًا سُحقًا.
ففي الحديث: «إني فَرَطُكُمْ على الْحَوْضِ من مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لم يَظْمَأْ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ ويعرفونني ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَالُ إِنَّكَ لَا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ فَأَقُولُ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي» (١).
حسناً .. هاهو الحوض يلوح من بعيد، وتتفاوت سرعة القادمين إليه فهذا الذي كان يمشي متباطئاً إلى الصلاةِ سيكون كذلك في الوصولِ إليه، وذاك الذي كان يُسارعُ لإدراكِ تكبيرةِ الإحرامِ، فمن شدةِ حرصِه على طاعةِ ربِّه تجدُه راكباً في المقدمةِ فمنهم من يصلُ سريعاً ومنهم من يستغرقه الوقت.
وها هو الوفدُ الكريمُ، وفد السابقين وهم السبعون ألفاً الذين يدخلون الجنةَ بغيرِ حسابٍ ومنهم فقراءُ المهاجرين لا ينْزِلون عن رواحلِهم منذ خرجوا من قبورِهم فيكونون أول الشاربين وفي مقدَّمتِهم
стр. 39
صحابةُ الرسولِ وزوجاتُه الكريمات .. وقد وردت بعض الآثار لا ترقى إلى الصحة منها قوله ﷺ لأبي بكر:
«أنت صاحبي على الحوضِ وصاحبي في الغارِ» (١)، وفي شأنِ السيدةِ خديجةِ ﵂ قال: «أوَّلُكم وارداً على الحوضِ أوَّلُكم لي إسلاماً» (٢).
وهاهم اللئامُ يُذادون عن الحوضِ ويُضرَبون بالسياطِ.
* * *
ولنتوقفْ عند حوض نبينا قليلاً ولنتفرسْ فيه
ونتمعنْ في شكله وحجمه وصفة مائه
قال ﷺ : «إني فَرَطٌ لكم (٣) و أنا شهيدٌ عليكم و إنِّي والله لأنظرُ إلى حوضي الآن .. » (٤).
فيصفه النبي ﵊ فيقول:
«حوضي مسيرةُ شهرٍ ماؤُه أبيضُ من اللبنِ ورِيحُه أطيبُ من المسكِ وكيزانُه كنجومِ السماءِ مَنْ شربَ منها فلا يظمأ أبدًا» (٥).
стр. 40
ويقول:
«حوضي مسيرةُ شهرٍ وزواياه سواءٌ وماؤُه أبيضُ من الوَرِقِ [أي من الفّضة] … » (١).
وفي رواية: «عرضُه مثلُ طولِه» (٢).
إذن حوضُ نبيِّنا مربَّعُ الشكلِ عظيمُ الاتساعِ كأحدِ المحيطاتِ الهائلةِ لا يُدرَكُ منتهاه فقد جاءت روايات عدّة منها: «إنَّ حوضي أبعدُ من أَيْلَة من عدَن» (٣) وجاء: «ما بين ناحيتَيْ حوضي كما بين صنعاءَ والمدينةِ» وفي رواية «ما بين الكعبةِ وبيتِ المقدس» (٤). وفي الحديث: «هو ما بين البيضاءِ إلى بُصْرَى ثم يَمُدُّني اللهُ فيه بكراعٍ فلا يَدري بشرٌ ممن خلقَ اللهُ أيَّ طرفيْه» (٥).
أما ماؤُه فورَدَ أنه أبيضُ من اللبنِ، وأبيضُ من الوَرِقِ (أي الفضة)، في الصفاءِ والنقاءِ، وريحُه أطيبُ من المسكِ وطعمُه أحلى من العسلِ، وأبردُ من الثلجِ.
стр. 41
إننا قد لا يسوغ لنا - لقصور فهمِنا- بعضَ الصفاتِ ولكننا نأخذ من مُجملِها أنه ماءٌ لذيذٌ طعمه، حلوٌ مذاقه، شهيّةٌ رائحته، جميلٌ لونه .. فماءُ الدنيا لا طعمَ له ولا لونَ ولا رائحةَ ..
تخيلْ حالك وأنت صائم في يومٍ شديدِ الحرّ إذا قُدّم لك كأسٌ من الشرابِ الباردِ وفيه قطعٌ من الثلجِ أو كوبٌ من المثلوج (الآيس كريم) لذيذٌ طعمُه، زكيةٌ رائحتُه، فإن تلك الرائحةَ تزيدُه في الطعمِ لذّةً وتُنعشُ شاربَه. فكيف بحوضٍ ماؤُه من الجنةِ وكيف بمن يَرِدونه عِطاشاً كإبِلٍ حُبستْ عن الماءِ خمسةَ أيامٍ.!
وهذا الماءُ المبارك لا يجري على الطينِ، ولا على الترابِ، بل يجري على المسكِ الخالصِ .. مسكِ الجنةِ وتُربتِها.
* * *
стр. 42
كيف نشرب؟
هل نخوضُ فيه بأقدامِنا وننحني لنشربَ كما يشربُ الفلاحُ من جدولِ بستانِه أم أنَّ هناك تكرمةً خاصةً، .. نعم .. ما ظنُّك بحفاوةِ أكرمِ الأكرمين بهذه الأمَّةٍ المُصطفاةِ .. فهناك كؤوسٌ وأكوابٌ وأباريقُ وأقداحٌ وكيزانُ .. فتعدُّدُ الرواياتِ يُفيد أن هناك أحجاماً وأشكالاً بحسب صلاحِ العبدِ المؤمنِ. أما ما انتشر بين الناس: عن الشرب من يده الشريفة شربة لا نظمأ بعدها أبدًا، فهذا قول لا أصل له.
وفي روايةٍ لمسلم: «تُرى فيه أباريقُ الذهبِ والفضةِ» (١).
إنَّ ملوكَ الدنيا يشربون في كؤوسِ الذهبِ والفضةِ والزجاجِ المعشَّقِ والمُموَّهِ بماء الذهبِ. فهؤلاء ملوكُ الآخرة، أفلا يليقُ بهم أن يشربوا في مثل هذه الكؤوسِ الناعمةِ؟ .. بلى إنه يومُهم .. يومُ ظهورِهم ورفاهيتِهم.
حسناً، هذه الكؤوسُ قد بانتْ على حوافِّ الحوضِ تتلألأُ كنجومِ السماءِ عدداً وإشراقاً. وقد قال النبي ﷺ : «لَتزدحِمَنَّ هذه الأمةُ على الحوضِ … » (٢).
стр. 43
فقد يتصوّر البعض أنهم يَنكبُّون على الكؤوسِ من شدةِ الازدحامِ والتنافسِ كما كانوا ينكبّون في الدنيا ويقفون صفوفاً في قيظ الصيف للحصول على صِهريجٍ للماء من مصلحة المياه.
أوكما كانوا يتزاحمون إذا ذهبوا إلى مأدُبةٍ أو وليمةِ عُرسٍ فقد تنتهي تلك الأطباقُ المتراصَّةُ وأدواتُ الطعامِ بل الطعامُ نفسه فيقعد أحدهم ملوماً محسوراً، هكذا هو الازدحام في الدنيا. فلا تحسبنّ أن هذا بفتوّتِه سيحوز على أكبرِ الكؤوسِ، وذاك لضعفه قد يحصل على أصغرِها أو من شدةِ الكظيظِ والتدافُعِ قد لا يجدُ أحدُهم موطئَ قدمٍ؟ كلا .. فهذه الخواطرُ قد ترِدُ على عقولِ أهلِ الدنيا لمحدوديتِها، أما هنا فالأمر أرقى من ذلك، أشدُّ تنظيماً وأعظمُ ترتيباً .. كيف لا وهم وُفودُ الرَّحمنِ إلى حوضِ خليلِه ورسولِه ﵊.
فلا تخفْ ولتطمئنَّ .. فأنت هنا في ضيافةٍ من نوعٍ آخرَ .. ضيافةٌ القائمُ عليها هو أشرفُ الخلقِ ﵊. فكيزانُ الحوض وأكوابُه بعددِ نجومِ السماءِ، وكلُّ عبدٍ كوبُه مقدَّرٌ له، فهو في انتظارِه لا يأخذُه أحدٌ سواه، ويحتمل أنهم إذا اقتربوا من الحوضِ وقعَت الأكوابُ في أيديهم كما هو الحال في الجنة إذا اشتهوا الشراب (١)، فهي مقدَّرةٌ تقديراً
стр. 44
دقيقاً، فهذا الكوبُ لفلان ويقع بين يديْه، والإبريقُ لفلانٍ، والكوزُ لفلانٍ، والقدحُ لهذا، والكأسُ لذاك بحسب صلاحهم؛ وهذا التفاوتُ في الحجمِ يبينُ أنه ليس لأحدٍ أن يَعُبَّ من الماء بلا حسابٍ. وقد يكونون مسيَّرين في نيل أكوابِهم غير مخيَّرين. بل إن التفاوت أيضاً في جمالِ الكأسِ وفخامتِه فالإبريقُ أكبرُ من الكوزِ، وإبريق الذهب أجمل من مثله من الفضة والكأسُ أكبر من الكوبِ (١).
والسَّبقُ في الشربِ والأولويةُ لأول السابقين وهم المهاجرون الذين كانوا من أوائلِ المؤمنين باللهِ ورسولِه. ووالله إنَّ مقدارَ شربةٍ واحدةٍ منه لَكافٍ لحصولِ ارتواءٍ لا ظمأَ بعدَه أبداً ففي الحديث:
« … من شَرِبَ منه شَرْبَةً لم يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَداً … » (٢).
إذن أكبرُ الأكوابِ و أجملُها لمن هم أكثرُ صلاحاً .. الذين بلغتْ محبتُهم للنبي ﷺ أن يُتابعوه في كل صغيرةٍ وكبيرةٍ ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.
فلننظر هل نحن ممن يتابعه ويتأسى بسنته؟
стр. 45
كان ﷺ إذا وقعَت اللقمةُ على الأرض ينفضُها ويأكلُها ولا يدَعُها للشيطانِ ما دامت نظيفةً وإن منا اليوم من يُلقي بالموائد العامرة في سلال المهملات.
و من سنَّته الأكلُ باليمين، وإن أقواماً من حبهم لما يسمونه بالإتيكيت الغربي أصبحوا يأكلون باليد اليسرى أو باليدين كليْهما وما ذاك من سنَّته.
- ومن سُنّته السلام بتحيةِ الإسلام. وإن منّا اليوم من يستبدلها بالدُّون فيقول: هاي وباي ومرحباً.
- ومن سنَّته الحياءُ وسترُ العورةِ بل من الواجباتِ. وما أكثرَ المدَّعين والمدَّعياتِ حبَّ رسولِ الله ﷺ ثم تراهم لا يستطيعون مفارقةَ ذلك البنطالِ الضيق المحدد لعوراتِهم والمتشبهين في لُبسِه بأهلِ الفسق والضلالِ.
- ومن سنته ﷺ تقليمُ الأظفارِ، ألا ما أكثرَ المدَّعيات حُبَّه وأظفارُهن كمخالب الطير يتّبعْنَ سنن الغربِ.
قال ﷺ : «مَنْ تشبَّه بقومٍ فهو منهم» (١) قال العلماء: حتى في أدقِّ الأمورِ كإطالةِ الأظفارِ وقَصةِ الشعرِ. ألا يخشى هؤلاء الذين يفضلون سنن الغربِ والتشبه بهم أن يُذادوا عن الحوضِ.
стр. 46
فعن عَدِيِّ بن حاتم ﵁ قال: أتيتُ رسولَ الله ﷺ وفي عنقي صليبٌ من ذهبٍ فقال: «يا عديُّ اطرحْ هذا الوثنَ من عُنُقِك. قال فطرحتُه وانتهيتُ إليه وهو يقرأ في سورة براءة فقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال قلت: يا رسولَ الله إنا لسنا نعبدُهم. فقال: أليس يُحرِّمون ما أحلَّ اللهُ فتُحرمونه ويُحِلُّون ما حَرَّمَ اللهُ فتُحِلُّونَه؟ قال قلت: بلى. قال: فتلك عبادتُهم» (١).
أليس هؤلاء المتشبهون والمتشبهاتِ يُتابعون الغرب والشرق ويتشبهون بهم في أمورٍ حرَّمها الإسلامُ فهؤلاء يُخشى عليهم أن يكون ذلك نوعٌ من العبادة لهم: يلبسون الملابسَ الكاسيةَ العاريةَ التي حرَّمها الإسلامُ ويُتابعون سُنَنَ الغربِ، يخالفون بذلك الأمر والنهي ومن ذلك ما يفعلُه معظم نسائِنا اليوم من نمصِ الحاجبِ وتغييرِ خلْقِ الله بما يفعلنَه من تصغيرٍ و تكبيرٍ للشفايفِ وما شابه ذلك وانتشارُ الوشمِ بينهنَّ بطريقةٍ حديثةٍ وهو ما يسمُّونه بالمكياج الدائم والتاتو. ومن احتفال بأعيادهم وغير ذلك والله المستعان.
وانظر إلى حجاب بعض النسوة من ارتداء ما يسمّى بالعباءةَ المخصّرة والمزركشة التي تُزينُ أكثرَ من كونِها تسترُ.
стр. 47
وتلك التي تختلط بالرجال في كلِّ مجالٍ. وتخضع بالقول، وتميل بها الحال، ثم تدَّعي بأنها محبةٌ لرسول الله! .. هذا مُحال .. إنه تباينٌ بين الأقوال والأفعال.
ينبذون سننَ الحبيبِ المصطفى ويخالفون أمره ونهيه وهم يعلمون! كيف إذن وبأيِّ وجهٍ يتزاحمون على الحوضِ بعد ذلك؟
للهِ دَرُّ عبد الله بن عمر ﵄ فقد بلغتْ محبتُه أن يتتبعَ أثرَ الدُّبَّاءِ لأنه رأى النبي يفعلُه مع أنها سنة جِبِلِّيّةٌ غير تعبديّة فلنتَّقِ الله أن نكون على هذه الحالِ من البُعد عن الدينِ ثم نناديه عند الحوضِ فيقول: سُحقاً سُحقاً.
* * *
стр. 48
ما هو مصدر الماء؟ ومن أين ينبع؟
ماءُ الحوضِ قادمٌ من الجنةِ .. من نهرِ الكوثر قال ﷺ ففي الصحيح: «يشخبُ فيه ميزابان من الجنةِ» (١).
وقال: «يغتُّ فيه ميزابان يَمُدانِه من الجنةِ أحدُهما من ذهبٍ والآخَرُ من وَرِقٍ [أي من فضّة]» (٢).
فله ميزابان يصبان فيه و يَمُدانِه من الكوثر .. فماء الحوض دائمٌ متدفقٌ لا تخشى له انقطاعاً أو نقصاناً.
ولنتركِ العنانَ لخيالِنا المحدودِ ففي أحكامِ الدنيا نجدُ أن الشرابَ الحلوَ يتهافتُ عليه النملُ والذبابُ والحشراتُ إذا كان مكشوفاً فيُفسدُ لذّتَه، أو تلتصقُ به الأيدي وتتسخُ عند مسِّه، وهنا فلنتخيلْ صفاءَ ذلك الماءِ المباركِ ونقاءَه، فهذا الماءُ من الجنةِ وتجري عليه أحكامُها، فليس فيه ذرةُ خبَثٍ ولا تُعكِّرُ صفاءَه شائبة.
* * *
стр. 49
مميزات الشرب
مَنْ شربَ من حوض النبي ﷺ فيالَسعادتِه ويالَهنائِه، ومن حُرِم منه فيالَتعاستِه ويالَشقائِه.
_ قال ﷺ : « … ومَن شربَ لم يظمأْ أبداً … » (١)، إنَّه يقفُ بعد ذلك في عَرَصاتِ القيامةِ وطولِ الموقفِ رَيَّانَ لا يشعرُ بعطشٍ أبداً حتى دخولِه الجنة بل وفي الجنةِ نفسِها فإن أهلَها لا يشربون من عطشٍ بل عن لذةٍ ومتعةٍ فأثرُ تلك الشربةِ إذن يبقى معهم أبدَ الآبدين.
_ وقال الرسول ﷺ : « … من شرب منه لم يظمأْ أبداً ولم يسودَّ وجهُه أبداً … » (٢) إذن ما إن تشربْ منه يا وَليّ الله حتى تسريَ في وجهِك نضرةُ الإيمانِ وإشراقُه.
إنها تهنئةٌ للسابقين وأصحابِ اليمينِ أما الظالِمُ لنفسِه الموحدُ من أصحابِ الكبائرِ التي لم تُكفَّرْ عنه كالْمُرابي والزَّاني وشاربِ الخمرِ ولاعبِ الميسرِ من الْمُصِرِّين على ذنوبِهم وخطاياهم فظاهرُ
стр. 50
الأحاديث (١) يدلُّ على أنَّهم سيُحرَمون من الشربِ البتة وذلك تكفيراً لذنوبِهم فقد يقفُ للحسابِ مع شدةِ العطشِ حتى يُمحَّصَ بذلك من ذنوبِه عسى أن يُعفَى من دخولِ جهنمَ إلا إذا كان جُرمُه يستحق أكبرَ من ذلك (٢) والله أعلم.
- وقال: ﷺ « … أنا فَرَطُكُمْ على الْحَوْضِ فَمَنْ وَرَدَ أَفْلَحَ … » (٣).
فلاح وأي فلاح، فهو يبشر بنجاته من النار، وفوزه برضا الجبّار.
* * *
стр. 51
موانع الشرب؟
ما دام الأمر بهذه الأهميةِ فلنُعِدَّ العُدةَ ولنأخذ الأُهبةَ من الآن، ولنبتعدْ عن كلِّ ما يكون سبباً في حرمانِنا ذلك الفضلَ، ولندرس الموانعَ التي تجعل حُرَّاسَ الحوضِ يَذودون أقواماً عنه ويَحرمونَهم من الشرب ومنها:
١ - إعانة الظالم على ظلمِه قال ﷺ : «إنَّه سيكونُ أمراءُ من بعدي فلا تُصدِّقوهم بكذبِهم ولا تُعينوهم على ظلمِهم فإنه من صدَّقهم بكذبِهم وأعانَهم على ظلمِهم فلن يرِدَ عليَّ الحوضَ» (١).
٢ - كبائرُ الذنوبِ كالزنا وعقوقِ الوالدين وقطعِ الأرحامِ وأواصرِ الأُخوةِ وعدم قبول الأعذار: قال رسول الله ﷺ : «عِفُّوا عن نساءِ الناسِ تَعِفَّ نساؤُكم وبَرُّوا آباءَكم تَبَرّكم أبناؤُكم ومن أتاه أخوه متنصِّلا [أي معتذراً] فليقبلْ ذلك منه مُحقاً كان أو مُبطلاً فإنْ لم يفعلْ لم يَرِدْ عليَّ الحوضَ» (٢).
стр. 52
- ومنها القتلُ العمدُ « … ألا إنه لا إيمانَ لمن لا أمانةَ له ولا دينَ لمن لا عهدَ له ومن نَكثَ ذمتي لم ينلْ شفاعتي ولم يَرِدْ عليَّ الحوضَ، ألا إن الله لم يُرخِّصْ في القتلِ إلا ثلاثاً: مرتدٌّ بعد إيمانٍ أو زانٍ بعد إحصانٍ أو قاتلِ نفسٍ فيُقتل بقتلِه ألا هل بلغتُ … » (١).
ويدخل في ذلك ما ورد في النصوص العامة الدالة على المحرمات المصحوبة بالوعيد والتهديد ومنها:
- الكهانةُ والسحرُ ومن يذهب للكهنةِ والسحَرةِ، قال ﷺ : «ليس منا مَنْ تَطيَّر أو تُطُيِّرَ له أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له أو سَحَرَ أو سُحِرَ له ومن أتَى كاهناً فصدَّقَه بما يقولُ فقد كفرَ بما أُنزل على محمدٍ ﷺ » (٢).
- ومنها النياحةُ وضربُ الخدودِ وشقُّ الجيوبِ، قال ﷺ : «ليس منا من ضربَ الخدودَ وشقَّ الجيوبَ ودعا بدعوَى الجاهليةِ» (٣).
- ومنها الربا والتصويرُ أي تشخيصُ ذواتِ الأرواحِ على هيئةِ تماثيلَ، وقيل رسمُهم أيضاً بلا حاجةٍ وكذلك الواشمةُ والمستوشمةُ:
ففي الحديث: « … ولعنَ آكل الرِّبا ومُوكلَه والواشمةَ والمستوشِمةَ والمصوِّر» (٤).
стр. 53
والحديثُ فيه لعنٌ وهو الطردُ من رحمةِ اللهِ فكيف يَرِدُ الحوضَ عبدٌ مطرودٌ.
وأحاديثُ اللعنِ كثيرةٌ منها لعنُ النامصةِ والمتنمصةِ والواصلةِ والمستوصلةِ والمتشبهين من الرجالِ بالنساءِ والمتشبهاتِ والمخنثين والمترجلاتِ ومن يُفسدُ المرأةَ على زوجِها وغيرِهم نسألُ اللهَ العافيةَ.
٣ - المتهاونون في أوامرِ اللهِ والمبتدعون في الدين والآخذون حقوقَ الغيرِ:
ففي الحديث: «إني مُمسكٌ بِحُجزِكم عن النارِ هَلُمَّ عن النارِ هلم عن النار وتغلبونني تَقاحمون فيها تقاحُمَ الفرَاشِ أو الجنادبِ فأوشكُ أن أرسلَ بحُجزِكم وأنا فَرَطُكم على الحوضِ فتَرِدُون عليَّ معاً وأشتاتاً فأعرفُكم بسيماكم وأسمائِكم كما يعرفُ الرجلُ الغريبةَ من الإبلِ في إبِلِه ويُذهَبُ بكم ذاتَ الشِّمالِ وأُناشدُ فيكم ربَّ العالمين فأقول أي ربِّ قومي أي ربِّ أمتي فيقول يا محمدُ إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنَّهم كانوا يَمشون بعدك القَهقرَى على أعقابِهم فلا أعرِفَنَّ أحدَكم يوم القيامة يحملُ شاة لها ثُغاءٌ فينادي يا محمدُ يا محمد فأقول لا أملكُ لك شيئاً قد بلَّغتُك، فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيراً له رُغاءٌ فينادي يا محمدُ يا محمدُ فأقول لا أملكُ لك شيئاً قد بلغتُك، فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي يوم القيامة يحملُ فَرَساً له حمحمةٌ فينادي يا محمدُ يا محمدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئاً قد بلَّغتُك، فلا أعرفنَّ أحدَكم يأتي
стр. 54
يوم القيامةِ يحملُ سِقاءً من أَدمٍ ينادي يا محمدُ يا محمدُ فأقولُ لا أملكُ لك شيئاً قد بلَّغتُك» (١).
قال القرطبي: (وكلُّ مَنْ أحدثَ في الدينِ ما لا يرضاه الله ولم يأذنْ به فهو من المطرودين عن الحوضِ والْمُبعَدين والله أعلم).
وأشدُّهم طرداً مَنْ خالَفَ جماعةَ المسلمين وفارقَ سبيلَهم مثل الخوارجِ على اختلاف فرقِها والروافضِ على تباينِ ضلالِها والمعتزلةِ على أصنافِ أهوائِها وجميعِ أهلِ الزيْغِ والبدعِ فهؤلاء كلهم مُبَدِّلون. وكذلك الظلمةُ المسرفون في الجوْرِ والظلمِ وتطميسِ الحقِّ وقتلِ أهلِه وإذلالِهم كلُّهم مبدِّلٌ يَظهرُ على يديْه من تغييرِ سُنَنِ الإسلامِ أمرٌ عظيمٌ … ) (٢).
إلهي .. نعوذُ بك أن نرى الحوضَ فنُذاد عنه ونُذَبَّ عن حياضِه. نعوذُ بك أن نُحرَمَ الارتواءَ يومَ العطشِ الأكبرِ .. ما أكثرَ الظَلمَةَ .. لو يرتدعون .. وما أكثر العقوقَ وقطعَ الأرحامِ .. وما أكثر القتَلةَ والمجرمين، فقد رأينا من يَقتلُ ذوي قرابتِه وأهلَ بيته نسأل اللهَ السلامة .. وما أكثر الفسَقةَ والمخنثين الذين يرضوْن المنكرَ في بناتِهم
стр. 55
وزوجاتِهم نراها تمشي معه متطيبةً متبرجةً وهو يُضاحكها والناس ينظرون.
وما أكثر آكلي الرِّبا ولاعبيّ الميسرِ في يومنا هذا وهم يعلمون، ولكن التطلُّعَ إلى الغِنَى طبعَ على قلوبِهم وشهوةَ المالِ أعمتْ بصائرَهم فلم يعودوا يروْن إلا الدراهم والدنانير، ولم يعودوا يسمعون إلاَّ رنينَها ..
وما أكثر ما نسمع أن فلانةَ خشيتْ من زوجِها أو صديقتِها فاستعانت عليهم بأعمالِ السحَرةِ.
وما أكثر المتنمِّصاتِ .. إنني لم أتفرَّسْ في وجهِ متبرجةٍ قَطُّ في الطريقِ أو في أيِّ مكانٍ إلاَّ ووجدتُها قد نَمصَتْ ما شاءتْ، وأكثرهنَّ يعلمن الحقَّ ولكن تطاول عليهم العمر، وحجبتْهنَّ شهواتٌ تافهةٌ ومطالبُ دنيئةٌ، عن تذكُّرِ الحوضِ والفزعِ الأكبرِ.
والآن .. هاهم الناس يتدافعون عند الحوضِ والرسولُ ﷺ يرحبُ بأمَّتِه ويستقبلُ أفرادها كلُّ واحدٍ باسمه، ويعرفُهُ بسيماه فكيف له أن يميزَهم في هذا الحشد الهائل؟
* * *
стр. 56
كيف يعرف الرسول ﷺ أُمَّتَه؟
قال ﷺ : « … وإنِّي لأصُدُّ الناسَ عنه كما يَصُدُّ الرجلُ إبِلَ الناسِ عن حوضِه. قالوا يا رسول الله أتعرفُنا يومئذٍ؟ قال نعم لكم سِيما ليست لأحدٍ من الأممِ تَرِدُون عليَّ غُرّاً مُحَجَّلين من أثرِ الوضوءِ» (١).
في وسطِ الظلمةِ ظلمةِ المكانِ وظلمةِ الأجسادِ التي عليها غَبَرةٌ وترهَقُها قَتَرةٌ يرى هذه الوجوهَ المشرقةَ، والنفوس النيّرة، فيعرفُهم، إنَّهم أفرادُ أمتِه الغرَّاءِ، لطالَما سَمعوا (حيَّ على الصلاةِ) فقاموا يتطهَّرون ووقفوا بين يدي ربِّهم صفوفاً يصلّون، كأنَّهم بنيانٌ مرصوصٌ .. هذه العباداتُ أكسبَهم بِها اللهُ نوراً أبدياً يبقى معهم، تُشرق به وجوههم، ويُضيء لهم الظلماتِ ويُنير لهم الدروبَ .. اللهمَّ اجعلنا منهم .. آمين
стр. 57
ماذا بعد الحوض؟
ها هم الذين شرِبوا من الحوضِ يقفون في طمأنينةٍ وارتواءٍ .. ومن لم يشربْ فهو لا يزال في خوف ووجل، وفي عطشٍ ولَهَثٍ فقد كان يلهَثُ في طلبِ دنياه وهو يلهثُ في آخرتِه ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: ١٧٦]. والشمسُ تدنو من الرؤوسِ قدرَ مِيلٍ يُطفَأُ نورُها ويُضاعَف حرُّها عشرَ سنين (١). فتَلفحُه حرارتها، ويصيبه لهيبُها.
إنه لايزال على تلك الحال يحملُ أوزارَه وأوزارَ مَنْ أضلَّهم على ظهرِه فيتصبَّب عرَقاً، ويزفرُ فَرَقاً. ويبلغ العرقُ يومئذٍ على قدرِ الذنوب، كما ثبت في الصحيح؛ فمنهم مَنْ يبلغُ العرَقُ منه إلى كعبيْه ومنهم من يبلغُ عرَقُه إلى ركبتيْه ومنهم إلى حِقويه ومنهم مَنْ يُلجِمِه العرقُ إلجاماً حتى يقولَ غِقْ غِقْ .. ويؤتَى بجهنمَ لها سبعون ألف زمام، يجرُّها من كل زمامٍ سبعون ألفَ ملَكٍ (٢) .. سوداءُ مظلمةٌ فقد أُوقِدَ عليها ألفَ سنةٍ حتى احمرَّتْ ثم أُوقد عليها ألفَ سنةٍ حتى ابيضَّتْ ثم أُوقد عليها ألفَ سنةٍ حتى اسودَّتْ فهي سوداءُ مُظلمةٌ.
стр. 58
يَخرجُ منها عُنُقٌ طويلٌ له عينان تُبصران وأُذنان تسمعان ولسانٌ ينطقُ يتطايرُ منها الشرَرُ أسودَ كسوادِ القارِ في عظمِ القلاعِ والقصورِ. ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ [المرسلات: ٣٢]. وفي الحديث: «يخرجُ عنُقٌ من النارِ يومَ القيامةِ له عينان يُبصرُ بهما وأذنان يسمعُ بهما ولسانٌ ينطقُ به فيقول إنِّى وُكِّلتُ بثلاثةٍ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ وبكلِّ من ادَّعى مع اللهِ إلهاً آخرَ والمصوِّرين» (١).
وأعظمُ من ذلك فإنَّ لها زفيراً وشهيقاً، وإن أقصى ما نعانيه من شدة الحرِّ في أشهُرِ الصيفِ وما يُسببه من وفاة كثير من الناس في هذه الدنيا، لهو زَفْرةٌ من زفراتِ جهنمَ (٢) كما ثبت عن النبي ﷺ وهو كذلك من بعد ملايين السنين الضوئيةِ فكيف إذا زفرَتْ أمام هذه الحشودِ الهائلةِ لا يحجُبُهم عنها حاجب، .. إنه لولا أن الله قدَّرَ للخلائقِ ألاَّ يموتوا ذلك اليوم لاحترقوا عن بَكرةِ أبيهم.
стр. 59
عندئذٍ ولدَى معاينةِ هذه الأهوالِ تَجثُو الأممُ على الرُّكَبِ هلَعاً وفَرَقاً ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَة﴾ [الجاثية: ٢٨].
قال كعب ﵁: والذي نفسي بيده إنَّ لِجهنمَ يومَ القيامةِ لَزَفرةً ما مِنْ ملَكٍ مُقرَّبٍ ولا نبيٍّ مُرسَلٍ إلاَّ يَخِرُّ لركبتيْه حتى إنَّ إبراهيمَ خليلَ الله ليقولُ ربِّ نفسي نفسي، حتى لو كان لك عملُ سبعين نبياً إلى عملِك لظننتَ أنَّك لا تنجو (١).
ونكملُ الأحداث ..
هاهم يقفون في ظلامٍ دامسٍ، وحَرٍّ لاهبٍ، وخوفٍ هالعٍ .. قد نُفكرُ بعقولِنا القاصرةِ فنقولُ أين الأحواضُ؟ لربما يتغافلُ أحدُهم الجموعَ فيغمسُ نفسَه في تلك المياهِ الباردةِ ويروي عطشَه. والذي يظهر من تسلسلِ الأحداثِ أنه أثناءَ تجمُّعِ الخلائقِ وحضورِ جهنمَ وهم في هذه الظلمةِ تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ فيحتمل أن تُرفَعَ مع ذلك الأحواضُ. ويدلُّ على ذلك حديثُ الرسول ﷺ حينما سأله يهوديُّ: أين يكونُ الناسُ يوم تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ؟ فقال رسول الله ﷺ : «هم في الظُّلمةِ دون الجسرِ» (٢) فالأرضُ الجديدةُ بيضاءُ مستويةٌ ليس فيها عَلَمٌ لأحدٍ ولا حوضٌ لنبيٍّ (والله أعلم).
стр. 60
يمكثُ الناسُ وقوفاً على تلك الحال شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ أربعين سنةً .. رُحْماك ربَّاه .. لقد كانوا يتذمَّرون للحصولِ على مصالِحِهم في الدنيا عند وقوفِهم لساعةٍ أو ساعتين فكيف بيومٍ شديدٍ حَرُّه، كثيرٍ هلَعُه، ينتظرون فيه أربعين سنةً.
قال ﷺ : «يَجْمَعُ اللهُ الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ لِميقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ قِيَامَاً أَرْبَعِينَ سَنَةً شَاخِصَةً أَبْصَارُهُمْ يَنْتَظِرُونَ فَصْلَ الْقَضَاءِ.» (١).
إنَّ طولَ يومِ الحشرِ والحسابِ خمسون ألفَ سنةٍ أربعون منها تقف الخلائقُ شاخصةً أبصارُهم إلى السماءِ ينتظرون نزولَ ربِّهم لفصلِ الخطابِ وفي الحديث قال ﷺ : «كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النّبل في الكِنانة خمسين ألف سنة ثم لا ينظر إليكم؟!» (٢).
* * *
стр. 61
وفي الموقف ..
هاهي الخلائق كلها قد اجتمعت في الموقف. يطول الانتظار بهم ويطول ويطول .. والشمس الدانية تكاد تغلي منها رؤوسهم، وجهنم التي تتربص بهم تكاد تلتهمهم لولا أزمّتها التي بيد الملائكة الشداد .. يمنعونها من الانقضاض عليهم.
وهاهم عبدة الأوثان واقفون وجاءت أوثانهم معهم، وعبدة النجوم وعبدة عيسى وعبدة عزير وعبدة فرعون مع فرعونهم وكل معبود وعبدته والأمم بأنبيائها وهذه الأمة الكريمة بمحمدها صلوات ربي وسلامه عليه.
في هذه الأثناءِ وفي هذا الموقفِ الرهيب يتفاوتُ الموحّدون في أحوالِهم وانتظارِهم .. وقد ذكرنا أن كل صاحب خطيئة لم تكفر عنه أو لم يتب منها فإنه يأتي وهو يحملها على ظهره.
ويأتي مانعُ الزكاةِ يَجري رُعباً يَفِرُّ من كنْزِه الذي كان يجمعُ بعد أن رآه وبالاً عليه فقد ربَّاه وسَمَّنه حتى أضحَى وحشاً كاسراً يَسومُه سوءَ العذابِ.
стр. 62
قال ﷺ : «ما من رجلٍ تكونُ له إبِلٌ أو بقرٌ أو غنمٌ لا يؤدِّي حقَّها إلا أُتيَ بها يوم القيامةِ أعظمَ ما تكونُ وأسْمَنَه تَطَؤُه بأخفافِها وتنطحُه بقرونِها كلما جازتْ أُخراها رُدَّتْ عليه أُولاها حتى يُقضَى بين الناسِ» (١).
وقال: «ما من صاحبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّي حقَّها إلا جُعلتْ له يومَ القيامةِ صفائحَ ثم أُحْمِيَ عليها في نارِ جهنَّمَ ثم يُكوَى بها جبينُه وجبهتُه وظهرُه في يومٍ كان مقدارُه خمسين ألفَ سنةٍ حتى يُقضَى بين الناسِ فيرى سبيلَه إمَّا إلى الجنةِ أو إلى النارِ».
وفي روايةٍ: « … ولا صاحبُ كنْزٍ لا يفعلُ فيها حقَّها إلا جاءتْ يوم القيامةِ شجاعاً أقرعَ [أي ثعبانٌ هائلٌ] يتبعُه فاغراً فاه فإذا أتاه فَرَّ منه فيناديه خُذْ كنْزَك الذي خبَّأتَه فأنا عنه غنيٌّ [وقال الراوي] فأنا عنه أغنَى فإذا رأى أنَّه لا بُدَّ منه سلَكَ يدَه في فيه فيقضِمُها قَضْمَ الفحْلِ» (٢).
* * *
стр. 63
الحرارة شديدة!! فهل من مظلاّت؟
في ذلك الحرِّ اللاهبِ يتمنَّى المرءُ ولو شجرةً من شوكٍ تقيه لفحَ الشمسِ وحرَّ جهنمَ ليستظلَّ بظلِّها، والظلُّ هناك ليس من نور الشمسِ وأشعتها فالأجواءُ يومئذٍ مظلمةٌ بل إنَّ الظلَّ يكون عازلاً عن الحرارةِ والله أعلم، فهل هناك ظلٌّ؟
قال ﷺ : «ظِلُّ المؤمنِ يوم القيامةِ صدقتُه» (١) فقد يكون هناك مظلاتٌ تتفاوتُ في أحجامِها وسماكتِها بحسب طيب الصدقة وقبولها (٢) يتفيَّأُ تحتَها المؤمنُ ويستظلُّ أو أنه يكون في كنفها وحمايتها.
وقال: « … وَالْمُتَحَابُّونَ في اللَّهِ على مَنَابِرَ من نُورٍ في ظِلِّ الْعَرْشِ يوم لاظل إلا ظِلُّهُ» (٣).
стр. 64
وهذا أشرف ظل وأعلاه، ظل عرش الرحمن ، وفي قوله لا ظل إلا ظله قال القرطبي: فإن قيل حديث المرء في ظل صدقته حتى يقضي الله بين الخلائق وحديث سبعة يظلهم الله يدل على أن في القيامة ظلالا غير ظل العرش بحسب الأعمال تقي أصحابها حر الشمس والنار وأنفاس الخلائق ولكن ظل العرش أعظمها وأشرفها يخص الله به من شاء من عباده الصالحين …
ويحتمل أنه ليس هناك إلا ظل العرش .. ولكن لما كانت تلك الظلال لا تنال إلا بالأعمال وكانت الأعمال تختلف حصل لكل عامل ظل يخصه من ظل العرش بحسب عمله (١).
وأقول لربما تكون هذه الظلال وقت الانتظار قبل نزول الرب جل وعلا واستظلال البعض بظل عرشه، فإذا استظلوا بظله، استغنوا به عن كل ظل، قال ﷺ فيما يرويه عن رَبِّهِ ﵎:
«حَقَّتْ محبتي على الْمُتَزَاوِرِينَ في وَحَقَّتْ محبتي على المتبَاذِلِينَ فيّ على مَنَابِرَ من نُورٍ يَغْبِطُهُمْ بِمَكَانِهِمُ النَّبِيُّونَ وَالصِّدِّيقُونَ» (٢).
* * *
стр. 65
الشفاعة العظمى
إذنْ يبقَى الخلقُ في ذلك الانتظارِ أربعين سنةً حتى يبلغَ منهم الكربُ مبلغَه فيتشاورون فيمَن يشفعُ لهم عند الله فيقولون نذهب لآدمَ فيذهبون إليه فيقولون يا آدمُ أنت أبو البشر خلقَكَ الله بيدِه ونفخَ فيك من روحِه وأمرَ الملائكةَ فسجدوا لك وأسكنك الجنةَ، ألا تشفعُ لنا إلى ربِّك ألا ترى ما نحن فيه وما بلغَنا فيقول ربِّي غضبَ غضباً لم يغضبْ قبله مثلَه ولا يغضبُ بعدَه مثلَه ونهانِي عن الشجرةِ فعصيتُه، نفسي نفسي اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوحٍ. فيأتون نوحاً فيقولون يا نوحُ أنت أولُ الرسلِ … والحديث معروف في صحيح البخاري وكلُّ نبيٍّ يقول نفسي نفسي ويُحيلُهم إلى من بعده حتى يأتوا نبيَّنا محمداً ﵊ فيقول أنا لها فيسجدُ تحت العرشِ ويفتحُ الله عليه بمحامدَ وحسنِ ثناءٍ فيُقالُ يا محمدُ ارفعْ رأسَك واشفعْ تُشَفَّعْ وسلْ تُعْطَه: فيسألُه فصلَ القضاءِ وهي الشفاعةُ العظمى لأهلِ المحشرِ كافة مؤمنِهم وكافرِهم، إنسِهم وجنِّهم.
وفي هذا المقام المحمود الذي لا يكون إلا له صلوات الله وسلامه عليه حيث ينسى كل حميم حميمه وكل نبي أمته فالكل يقول نفسي نفسي،
стр. 66
يسألُ نبينا الكريم محمدٌ ﷺ ربه كذلك شفاعةً خاصةً لأمتِه قائلاً: «أمتي يا ربّ أمتي يا ربّ. فيُقال يا محمدُ أَدخِلْ من أمتِك مَنْ لا حسابَ عليهم من البابِ الأيمنِ من أبوابِ الجنةِ وهم شركاءُ الناس فيما سوى ذلك من الأبوابِ» (١) فيدخل بشفاعته السبعون ألفاً أو السبعمائة ألف وفي رواية «مع كل ألف سبعون ألفا» وبحساب ذلك يكون عددهم أربعة ملايين وتسعمائة (٢) بل وأكثر من ذلك بكثير فإن من فضل الله تعالى وكرمه الذي لا يحدّ أن يحثو بكفيه سبحانه حثيات ثلاث من أمة الحبيب المصطفى ﷺ فيدخلهم معهم بغير حساب قبل أن يبدأ الفصل بين الناس (٣)، اللهم اجعلنا منهم ففي الحديث: «وَعَدَنِي رَبِّي سُبْحَانَهُ أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ من أُمَّتِي سَبْعِينَ أَلْفًا لَا حِسَابَ عليهم ولا عذاب مع كل أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ من حَثَيَاتِ رَبِّي » (٤).
وبعد الشفاعة العظمى ينْزل اللهُ لفصل القضاء في ظُلَلٍ من الغَمامِ من العرشِ إلى الكرسيِّ ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ
قصاص الخلائق ..
ويبدأ القِصاصُ بين الدوابِّ والبهائمِ والطيورِ والوحوشِ فإذا فُرغَ منها قيل لها كوني تراباً فعندئذٍ يَغبِطُها الكافرُ فيقولُ يا ليتَنِي كنتُ تراباً.
فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: (إذا كان يومُ القيامةِ مُدَّت الأرضُ مَدَّ الأديمِ وحشرَ اللهُ الخلائقَ الإنسَ والجنَّ والدوابَّ والوحوشَ فإذا كان ذلك اليوم جعل الله القصاصَ بين الدوابِّ حتى تقصَّ الشاةُ الجمَّاءُ من القرناءِ بنطحتِها فإذا فَرغَ اللهُ من القصاصِ بين الدوابِّ قال لها كوني تراباً فتكون تراباً فيراها الكافر فيقول يا ليتَنِي كنتُ تراباً) (١).
فيومئذٍ يقف الكافر بائراً حاسراً، ولات ساعة مندم.
هاهم وقد جا دورهم ينادَى عليهم أفواجا وأمما مع معبوداتهم ففي الحديث:
: «ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ أَيُّهَا النَّاسُ: أَلَمْ تَرْضَوْا مِنْ رَبِّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً أَنْ
стр. 69
يُوَلِّي كُلَّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ في الدُّنْيَا، أَلَيْسَ ذَلِكَ عَدْلاً مِنْ رَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلَى، فَيَنْطَلِقُ كُلُّ قَوْمٍ إِلى مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَيَتَوَلَّوْنَ فِي الدُّنْيَا، قالَ: فَيَنْطَلِقُونَ وَيُمَثَّلُ لَهُمْ أَشْبَاهُ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ يُنْطَلِقُ إِلى الشَّمْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْطَلِقُ إِلى الْقَمَرِ وَالأَوْثَانِ مِنَ الْحِجَارَةِ، وَأَشْبَاهِ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. قالَ: وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عِيسَى شَيْطَانُ عِيسَى وَيُمَثَّلُ لِمَنْ كَانَ يَعْبُدُ عُزَيْراً شَيْطَانُ عُزَيْرٍ، وَيَبْقَى مُحَمَّدٌ ﷺ وأُمَّتُهُ .... » (١).
ويحهم ينطلقون إلى أين … إلى أمهم الهاوية يتقدم كل أمة معبودها يقودها إلى غياهب جهنم والعياذ بالله
ويُرى فرعون يتقدّم شرذمته من وفد الفراعنة عليهم الصّغار والمهانة فيكون فَرَطٌ لهم إلى أمِّه الهاويةِ. بعد أن كان يقول لهم - أنا ربكم الأعلى -،، قال تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]
فها هي اليوم تلعنه وتشكوه إلى الله ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]
стр. 70
فيكبكَبون في جهنمَ زُرافاتٍ ووحداناً لا ينفعُهم يومئذٍ أنهم في العذابِ مشتركون فلا يجدون في ذلك عزاءً ولا سلواناً فمقولة (الموتُ مع الجماعةِ رحمةٌ) مقولةٌ خاطئةٌ يرُدُّ عليها الله ﵎ في كتابه الكريم ﴿وَلَن يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف: ٣٩]،
فيُكَبُّون فيها على وجوهِهم ومناخرهم وتدفعهم زبانية العذاب دفعا إليها قال تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ ٩٤ وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ٩٥﴾ [الشعراء: ٩٤ - ٩٥] وقال: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور: ١٣]
فيدفعون إليها بقوة وعنف وهم عطاش ظماء. فهذه الوفود التي غلبت عليها شقوتها ليس لها صراطٌ، إنما الصراطُ للموحِّدين وقد نُصبَ لتمحيصِهم من الْخَبَثِ وتنقيَتِهم منه كما يُصَفِّي الكيرُ خبثَ الحديدِ والذهبِ.
فبكفرهم حبطت أعمالهم فليس لهم يومئذ حسنة توزن. قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنا﴾ (١) [الكهف: ١٠٥]
* * *
стр. 71
تطاير الصحف ..
ذهب المكذبون الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وفُرغ من الفصل بينهم وبقي أتباع الرسل ومنهم الذين أشركوا مع الله والمنافقون ومن ادعى أنه من هذه الأمة ولكنه حرّف وبدّل.
تتطايرُ الصحفُ فكلٌّ يأخذُ كتابَه .. فها قد انتهت الدنيا .. وانتهى وقتُ الامتحانِ وجاء يومُ الحصادِ فآخذٌ كتابَه بيمينِه، وآخذٌ كتابَه بشمالِه، وآخذٌ كتابَه من وراء ظهرِه، فأما مَنْ أخذَه بيمينِه فيصيحُ فرِحاً مسروراً ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ١٩ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ ٢٠﴾ [الحاقة: ١٩ - ٢٠]. لقد كان على يقينٍ بأنه سيُلاقي ذلك الجزاءَ فإنَّ الله لا يُضيعُ أجرَ من أحسنَ عملاً فهو اليومَ رافعٌ رأسَه بابتهاجٍ في أسعدِ موقفٍ مرَّ عليه منذ يوم خُلقَ … أين تلك اللحظاتُ المفعمةُ بالفرحةِ والسرورِ يوم أن تَخرّج من الجامعةِ بل يوم زواجِه، لا بل يوم أن تَحققَ حلمُه الجميلُ وبنى بيتاً جميلاً وعاش فيه أيامَه القلائلَ في تلك الدارِ الفانيةِ .. كل تلك الأفراحِ تضمحِلُّ وتتلاشَى يوم الفرحِ الأكبرِ والسعادةِ الأبديةِ. أما الظالِمُ لنفسِه الموحِّدُ من أصحابِ الكبائرِ والمقصِّرين في الفرائضِ فإنَّه يأخذُ كتابَه بشِمالِه ويشعر بالخزْيِ والعارِ وظلمِ النفسِ.
стр. 72
وأما المشركون الفجار فيأخذون كتبَهم من وراء ظهورِهم، قيل تُحوَّل أيديهم إلى الوراءِ فيأخذون كتبَهم بها جزاءً من جنسِ العملِ لأنَّهم نبذوا كلامَ رسلِهم وراءَ ظهورِهم ولم يستمعوا إليهم .. وعندئذٍ يُنادُون بالويْلِ والثبورِ ويوقنون بالخسارةِ والهلاكِ.
* * *
стр. 73
أعمالك حجة لك أو عليك
وهنا تنفع المرء أعماله التي احتسبها لله لا يريد بها إلا وجهه الكريم، فتأتي يوم القيامة تحاجّ عن صاحبها تشهد له:
فيأتي القرآن قال ﷺ : «اقرأوا الْقُرْآنَ فإنه يَأْتِي يوم الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ اقرأوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يوم الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أو كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ أو كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ من طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عن أَصْحَابِهِمَا» (١)
ويأتيه صيامه وهو أحوج ما يكون إليه يومئذٍ ففي الحديث: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام رب إني منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن منعته النوم بالليل فيشفعان» (٢).
ويكون له حصنٌ وحماية من النار قال ﷺ : «الصيام جُنّة … » (٣).
стр. 74
وتأتي الصدقة فتظلله من حرّ ذلك اليوم: «كُلُّ امْرِئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِهِ حتى يُفْصَلَ بين الناس … » (١).
وتأتيه صلاته منيرة مُشرقة: ففي الحديث: « … وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لك أو عَلَيْكَ … » (٢).
ويأتي ذكره لربه وتسبيحه لمولاه يحاجّ عنه ويحيط به من كل جنب قال ﷺ : «خذوا جنتكم من النار؛ قولوا سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مُقدِمات، ومُعقبات، ومُجنّبات، وهن الباقيات الصالحات» (٣).
أما إذا كان عمله رياء وسمعة فيا لبؤسه وشقائه فإنه يقف خصماً له وحجّة عليه ففي الحديث:
«إن الله ﵎ إذا كان يوم القيامة نزل إلى العباد ليقضي بينهم وكل أمة جاثية فأول من يدعوا به رجل جمع القرآن، ورجل يُقتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول للقارئ ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت أقوم به أثناء الليل وآناء النهار فيقول الله له كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان قارئ فقد قيل ويؤتى بصاحب المال
стр. 75
فيقول الله ألم أوسع عليك حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد قال بلى قال فماذا عملت فيما آتيتك قال كنت أصل الرحم وأتصدق فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت فيقول الله بل أردت أن يقال فلان جواد فقد قيل ذاك ويؤتي بالذي قتل في سبيل الله فيقال له فيم قتلت فيقول أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله له بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذلك ثم ضرب رسول الله ﷺ على ركبتي فقال يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة» (١).