بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين
والصلاة والسلام علي أفضل خلق الله سيدنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين ..
وبعد ..
فإن التراث كنز الشعوب والأمم الخالد والباقى على مر عصور الزمان، وتتمتع الأمة الإسلامية بثراء هذه الكنوز، فالتاريخ مرآة الأمم والشعوب، فكل شئ فى الدنيا له تاريخ، وكل علم من العلوم له تاريخ، والتاريخ من العلوم الإنسانية فى حياة كل فرد، وكل شعب وكل أمة. فلهذا حرصت كل الحرص على دراسة هذا العلم الواسع عن طريق الإمعان فى فحص مصادره ومراجعه.
فنقدم للمكتبة العربية كتابا من كتب التراث الهامة وهو كتاب:
«نزهة الأمم فى العجائب والحكم»
للمؤرخ ابن إياس
هو محمد بن أحمد بن إياس الحنفى أبو البركات مؤرخ بحاث مصرى من المماليك، كان أبوه أحمد متصلا بالأمراء ورجال الدولة، وتوفى فى شعبان سنة ٩٠٨ هـ، وجده الأمير إياس الفخرى الظاهرى، من مماليك الظاهر برقوق وقرر دوادرا ثانيا في دولة الناصر فرج بن برقوق. وكان صاحب الترجمة من تلاميذ جلال الدين السيوطى، ولد سنة ٨٥٢ هـ/ ١٤٤٨ م وحج سنة ٨٨٢ هـ، له تاريخ ابن إياس المسمى «بدائع الزهور فى وقائع الدهور» «ونشق الأزهار فى العجائب» «ومرج الزهور»، ثم المخطوطة التى بين أيدينا «نزهة الأمم فى العجائب والحكم» التى تقع فى ٢٦٧ قطعة وقمت بتصويرها من المكتبة المركزية بجامعة القاهرة عن مكتبة أيا صوفيا، وبها بعض الصفحات المطموسة وقد راجعت إلى المصادر القريبة من
стр. 2
المؤلف لتكملتها، وخاصة كتاب «الخطط» للمقريزى، «والنجوم الزاهرة» لابن تغرى بردى، «ونهاية الأرب» للنويرى.
تتناول هذه المخطوطة حياة مصر منذ الخلق حتى نهاية القرن العاشر الهجرى سواء من الناحية التاريخية، أو الأثرية أو الجغرافية، أو الفلكية، فيعتبر هذا الكتاب موسوعة تاريخية علمية، وفى نفس الوقت ملخصا لأمهات الكتب ..
وقد قمت بنسخ هذا المخطوطة وإضافة بعض التعليقات والهوامش وعمل فهارس عامة للتاريخ الإسلامى ..
وأسأل الله العون والمغفرة ..
القاهرة - السكاكينى ١٤١٣ هـ - ١٩٩٣ م
الدكتور محمد زينهم محمد عزب
стр. 3
إهداء
أهدى هذا الكتاب لأمى وابنى أحمد .. ولكل باحث ودارس فى التاريخ وعاشق للتراث ..
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي عرّف وفهم، وعلم الإنسان ما لم يكن يعلم واسبغ (١) علي عباده نعما باطنه وظاهره، ووالي عليهم من مزيد الائه مننا متظافرة متواترة، وبثهم في أرضه حينا يتقلبون، واستخلفهم في ماله فهم به يتنعمون، وهدي قوما إلي اقنتاص شوارد (٢) المعارف والعلوم، وشوقهم للتفنن في مسارح التدبر والركض (٣) بميادين الفهوم، وأرشد قوما إلى الانقطاع من دون الخلق إليه، ووفقهم للاعتماد في كل أمر عليه، وصرف أخرون عن كل مكروه وفضيلة، وقيض لهم قرنا قادوهم إلى ذميمة من الأخلاق ورذيلة، وطبع على قلوب أخرين، فلا يكادون يفقهون قولا، وثبطهم عن سبل الخيرات فما استطاعوا قوة ولا حولا، ثم حكم على الكل بالفناء، ونقلهم جميعا من دار التمحيص (٤) والإبتلاء إلى برزخ (٥) البيود والبلاء، وسيحشرهم أجمعين إلى دار الجزاء، ليوفى كل عامل منهم عمله، ويسأله عما أعطاه وخوله، وعن موقفه بين يديه سبحانه وما أعدله لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
أحمده سبحانه حمد من علم، أنه إله لا يعبد إلا إياه، ولا خالق للخلق سواه، حمدا يقتضى المزيد من النعماء ويوالى المنن بتجدد الآلاء. وصلى الله على سيدنا محمد عبده ونبيه ورسوله وخليله سيد البشر، وأفضل من مضي وغبر، الجامع لمحاسن الأخلاق والسير،
стр. 5
والمستحق لاسم الكمال على الأطلاق من البشر، الذي كان نبيا وآدم بين الماء والطين، ورقم اسمه من الأزل في عليين، ثم نقل من الأصلاب الفاضلة الزكية إلي الأرحام الطاهرة المرضية، حتى بعثه الله إلي الخلائق أجمعين، وختم به الأنبياء والمرسلين أعطاه ما لم يعط من الفضل أحدا من العالمين، وعلى آله وصحابته والتابعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
وبعد ..
فأني لما طالعت كتب تواريخ الأمم الخالية ورأيت ما فيها من العجائب المتوالية، استخرت الله (١) أن أجمع كتابا لطيفا أذكر فيه من أغرب ما سمعته، وأعجب ما رأيته قاصدا فيه الاختصار لكي لا يطول فى التأليف مجموعة، وفى المثل الساير أقصر الكلام منفوعه، وقد ذكرت فيه من عجائب مصر وأعمالها، وما صنعت الحكماء فيها من الطلسمات المحكمة والبرابى والأهرام وغير ذلك، وذكرت طرف يسيرة من سير ملوكها، وذكر شئ من عجائب نيلها، وذكر شيء من خططها وآثارها، وذكر سعت أقليمها وأقطارها، وقد ذكرت في كتابي من أجل ما سطره، وأفخر ما ذكره قاصدا فيه الاختصار كما تقدم، وسميته «نزهة الأمم فى العجائب والحكم» والمستعان بالله فى المبدأ والختام ..
ومن هنا نشرع في الكلام على مبتدأ خلقة الأرض في الأزل، وما فيها من عجائب صنع الله .
أقول الجهات من الأرض ستة، وهى الشرق حيث تطلع الشمس والقمر وسائر الكواكب فى كل قطر من الأفق، والغرب وهو حيث تغرب فيه، والشمال وهو حيث مدار الجدى والغرقدين، والجنوب وهو حيث مدار سهل وهو ما يلى السماء والتخت وهو ما يلى كرة الأرض.
والأرض جسم مستدير كالكرة وقيل ليست بكرية الشكل، وهي واقعة في الهواء بجميع جبالها وبحارها وعامرها وغامرها. والهواء محيط بها من جميع جهاتها كالمح في البيضة. وذهب الجمهور إلي أن الأرض كالكرة موضوعة في جوف الفلك كالمح في البيضة وأنها في
стр. 6
الوسط وبعدها في الفلك من جميع الجوانب علي التساوي، وزعم هشام بن الحكم (١) أن تحت الأرض جسما من شأنه الأرتفاع، وهو المانع للأرض من الأنحداد وهو ليس محتاجا إلى ما نعهده، لأنه ليس بطلب الانحدار، بل الأرتفاع.
وقال أخرى: وافقه علي مدار واحد من كل جانب والقلك يجد بها من وجه، فلذلك لا يميل إلي ناحية من الفلك دور أخرى، لأن قوة الأجزاء متكافية وذلك كحجر المغناطيس في جذبه للحديد، فإن الفلك بالطبع مغناطيس الأرض فهو يجذبها، فهي واقفة في الوسط، وسبب وقوفها في الوسط سرعة تدور الفلك ودفعه أياها من كل جهة إلى الوسط، كما إذا أوضعت ترابا في قارورة، وادرتها بقوة فإن التراب يقوم في الوسط. وقد اختلف الناس في مسافة الأرض، فقيل مسافتها خمسمائة عام ثلث عمران وثلث خراب وثلث بحار، وقيل المعمور من الأرض مائة وعشرون سنة تسعون لياجوج ومأجوج، وأثنا عشر للسودان وثمانية للروم وثلاثة للعرب، وسبعة لسائر الأمم. وقيل الدنيا سبعة أجزاء ستة ليأجوج ومأجوج وواحد لسائر الناس.
وقال ازدشير بن بابل (٢): الأرض أربعة أجزاء، جزء منها للترك وجزء للعرب وجزء للفرس وجزء للسودان، وقيل الأقاليم سبعة والأطراف أربعة، والنواحى خمسة وأربعون والمدائن عشرة آلاف مدينة، والرساتيق مائتا ألف وستة وخمسون ألفا، وقيل المدن والحصون أحد وعشرون ألفا وستمائة مدينة،
ففى الأقليم الأول: ثلاثة آلاف ومائة مدينة وقرية كبيرة. وفى الأقليم الثانى:
ألفان وسبعمائة وثلاثة عشر مدينة وقرية كبيرة. وفى الأقليم الثالث ثلاثة آلاف وتسع وسبعون مدينة وقرية كبيرة، وفى الأقليم الرابع: وهو (بابل) ألفان وتسعمائة وأربع وسبعون
стр. 7
مدينة وقرية كبيرة. وفي الأقليم الخامس: ثلاثة آلاف مدينة وست مدن. وفي الأقليم السادس ثلاثة آلاف وأربعمائة مدينة وثمان مدن. وفي الأقليم السابع ثلاثة آلاف مدينة وثلاثة مدينة فى الجزاير ..
وقال في كتاب هروشيش (١): لما استقامت طاعة يوليش الملقب قيصر الملك في عامة الدنيا، تخير أربعة من الفلاسفة فأمرهم أن يأخذوا له وصف حدود الدنيا وعدة جبالها وبحارها وكورها أرباعا، فولى أحدهم أخذ وصف جزء المشرق، وولى آخر أخذ وصف جزء المغرب، وولى آخر أخذ وصف جزء الشمال، وولى آخر وصف جزء الجنوب، فتمت كتابة الجميع على أيديهم في نحو من ثلاثين سنة، فكانت جملة البحار المسماة في الدنيا تسعة وعشرون بحرا منها في جزء المشرق ثمانية وفى جزء الغرب ثمانية، وفى جزء الشمال أحد عشر وفي جزء الجنوب أثنان، وعدة الجزاير المعروفة إحدى وسبعون جزيرة، منها فى الشرق ثمانية، وفي الغرب ستة عشر، وفي جهة الشمال أحد وثلاثون، وفي جهة الجنوب ستة عشر.
وعدة الجبال الكبار المعروفة في جميع الدنيا ستة وثلاثون جبلا منها في الشرق سبعة، وفي الغرب خمسة وعشرون، وفى الشمال أثني عشر، وفي الجنوب أثنان.
والبلدان الكبار ثلاثة وستون بلدا منها في الشرق سبعة وفي الغرب خمسة وعشرون، وفي الشمال تسعة عشر، وفي الجنوب أثنى عشر ..
والكور الكبار المعروفة تسع ومائتان كورة، منها في الشرق خمس وسبعون، وفي الغرب ستة وستون، وفي الشمال ستة، وفي الجنوب أثنان وستون كورة.
والأنهار الكبار المعروفة في جميع الدنيا ستة وخمسون نهرا، منها لجزء الشرق سبعة عشر. ولجزء الغرب ثلاثة عشر ولجزء الشمال تسعة عشر ولجزء الجنوب سبعة.
والأقاليم السبعة كل أقليم منها كأنه بساط قد مد طوله من المشرق وإلى المغرب وعرضه من الشمال إلى الجنوب. وهذه الأقاليم مختلفة الطول والعرض.
وبالجملة هذه الأقاليم خطوط متوهمة لا وجود لها في الخارج، وقد وضعوها القدماء الذين جالوا في الأرض ليقفوا علي حقيقة حدودها، ويتيقنوا مواقع البلدان منها ويعرفوا طرق مسالكها، هذا حال الربع المسكنون، وأما الثلاثة أرباع الباقية قأنها خراب فجهة الشمال واقعة تحت مدار الجدي فكذا فرط هناك البرد وصار ستة أشهر ليلا مستمرا،
стр. 8
وهى مدة الشتاء وعندهم لا يعرف فكذا فرط هناك البرد وصار ستة أشهر ليلا مستمرا، وهي مدة الشتاء وعندهم لا يعرف فيها نهار ويظلم الهواء فيها ظلمة شديدة، وتجمد المياة لقوة البرد فلا يتكون هناك نبات ولا حيوان، ويقابل هذه الجهة الشمالية ناحية الجنوب حيث مدار سهل فيكون النهار ستة أشهر، نهار بغير ليل، وهى مدة الصيف عندهم فيحمي الهواء ويصير سموما محرقا يهلك بشدة حرة الحيوان والنبات، فلا يمكن سلوكه ولا السكن فيه.
وأما ناحية الغرب فيمنع البحر المحيط من السلوك فيه لتلاطم أمواجه وشدة ظلماته، وأما ناحية الشرق يمنع من سلوكه الجبال الشامخة وصار الناس بأجمعهم قد انحصروا فى الربع المسكون من الأرض ولا علم لأحد منهم بالثلثة أرباع الباقية والأرض كلها بجميع ما عليها من الجبال والبحار نسبتها إلي الفلك كنقطة في دائرة وقد أعتبرت حدود الأقاليم السبعة بساعات النهار، وذلك أن الشمس إذا دخلت بربع الحمل يساوي طول النهر والليل في سائر الأقاليم كلها، فإذا انتقلت في درجات برج الحمل والثور والجوزاء، وأختلفت ساعت نهار كل أقليم فإذا بلغت أخر الجوزاء.
وأول برج السرطان بلغ طول النهار في وسط الأقليم الأول ثلاث عشرة ساعة سواء، وصارت في وسط الأقليم الثانى ثلاث عشرة ساعة ونصف ساعة، وفي وسط الأقليم الثالث أربع عشرة ساعة، وفي وسط الأقليم الرابع أربع عشرة ساعة ونصف ساعة وفي وسط الأقليم الخامس عشرة ساعة ونصف ساعة، وفى وسط الأقليم السادس خمسة عشر ساعة ونصف ساعة، وفي وسط الأقليم السابع ستة عشرة ساعة سواء، وما زاد على ذلك إلي عرض تسعين درجة يصير نهارا كله، ومضى طول البلد من أقصى العمارة في الغرب وعرضها من خط الأستواء، وخط الأستواء هو الموضوع الذي يكون فيه الليل والنهار طول الزمان هو أفكل بلد علي هذا الخط لا عرض له، وكل بلد في أقصي الغرب لأطول. ومن أقصي الغرب إلي أقصي الشرق مائة وثمانون درجة، وكل بلد يكون طوله تسعين درجة فإنه في الوسط ما بين الشرق والغرب، وكل بلد كان طوله أقل من تسعين درجة فأنه أقرب إلى الغرب وبعد من الشرق، وما كان طوله من البلاد أكثر من تسعين درجة فإنه أبعد عن الغرب، وأقرب من الشرق وقد ذكر يعض القدماء أن العالم السفلي مقسوم علي سبعة أقسام، كل قسم يقال أيضا كما في أعلا الأرض.
***
стр. 9
ذكر حدود أرض مصر وجهاتها وأقطارها على سبيل الاختصار
أعلم أن التحديد هو صفة المحدود وهو نهاية الشيء. قال أبو الصلت (١) أمية الأندلسي:
أن حد مصر في الطول من مدينة برقة التي في جنوب البحر الرومي إلي إيلة (٢) من ساحل الخليج، الخارج من بحر الحبشة والزنج (٣) والهند والصين، ومسافة ذلك قريب من أربعين يوما، وحدها في العرض من مدينة أسوان وأعمالها من الصعيد الأعلى المزاحم لأرض النوبة إلي رشيد وما حاداها من مسافة النيل في البحر الرومي، ومسافة ذلك من ثلاثين يوما ويكنفها في العرض إلي منتهاها جبلان أحدهما في الضفة الشرقية من النيل وهو من المقطمة والآخر من الضفة الغربية وضيعهما من لدن أسوان إلى أن ينتهيا إلي الفسطاط، إلي حين ويمر بسبع مسافة ما بينهما، وينفرج قليلا تأخذ المقطمة منها شرقا والآخر مغربا، ثم يتسع في أرض مصر من الفسطاط إلي ساحل البحر الرومي الذي عليه الفرما وتنيس ودمياط ورشيد والأسكندرية، ومن هنا ينقطع في عرضها الذي هو مسافة ما بين أويلها في الجنوب [وأوغلها] (٤) في الشمال.
***
стр. 10
ذكر بحر القلزم وما فى من العجائب
أعلم أن هذا البحر فما عرف في ناحية ديار مصر بالقلزم، لأنه كان بساحله الغربي في شرقى أرض مصر مدينة تسمى القلزم، وقد خربت فسمى هذا البحر باسم تلك المدينة، وهذا البحر إنما هو خليج من البحر الكبير المحيط بالأرض الذي يقال بحر اقيانس، ويعرف أيضا بحر الظلمات لتكاثف المياه المتصاعدة منه وضعف الشمس عن حله، فيغلظ وتشتد الظلمة فيه وتعظم أمواجه وتكثر أهواله، ولم يقف أحد علي خبره سوى على ما عرف من بعض سواحله وما قرب من جزائره، وقد قيل فيه ست جزائر (١) يسكنها قوم متوحشون. وفي جانب هذا البحر الشرقي مما يلي الصين ست جزائر أيضا تعرف بجزائر السبلى وقد نزل بها بعض العلويين في [أول] الرسلام خوفا على أنفسهم من القتل.
ويخرج من هذا البحر المحيط ستة أبحر أعظمها أثنان وهما اللذان ذكرهما الله تعالى في القرآن بقوله: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ﴾ (٢) الآية. وقوله ﴿وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً﴾ (٣) فأحدهما من جهة الشرق والأخر من جهة الغرب. فالخارج من جهة الشرق يقال له البحر الصينى والهندى والفارسي واليمني والحبشي بحسب ما يمر عليه من البلدان. وأما الخارج من الغرب فيقال له البحر الرومى.
***
стр. 11
ذكر بركة غرندل
أعلم أن أيلة (١) مكانا كان يعرف قديما بمدينة أيلة، ومكانا أيضا بمدينة فاران (٢)، وعندها جبل لا يكاد ينجو منه مركب لشدة إختلاف الريح وقوة ممرها من بين شعبتي جبلين، وهي بركة سعتها ستة أميال تعرف ببركة الغرندل، ويقال أن فرعون غرق فيها، فإذا هبت ريح الجنوب لا يمكن سلوك هذه البركة. ويقال أن الغرندل اسم صنم كان في القديم هناك، قد وضع ليحبس من خرج من أرض مصر مغاضبا للملك، أو فارا منه وأن موسى ﵇ لما خرج ببنى إسرائيل من مصر، وسار بهم مشرقا أمره الله تعالى أن ينزل تجاه هذا الصنم، فلما بلغ ذلك فرعون ظن أن الصنم قد حبس موسى ومن معه من بنى إسرائيل، كما يعهدون من الصنم قديما فخرج بجنوده في طلب موسي وقومه ليأخذهم بزعمه، فكان من غرقه ما قصته مشهورة.
***
ذكر البحر الرومى
ولما كانت عدة بلاد من أرض مصر ملطة على البحر الرومي كمدينة وإسكندرية ودمياط وتنيس والفرما والعريش وغير ذلك. وكان حد أرض مصر في الجهة الشمالية إلي هذا البحر، وكان النيل يصب فيه فحسن أن نذكر شيئا من أخباره، وقد تقدم في الأقاليم أن يخرج البحر الرومي من جهة الغرب، وهو يخرج في الأقليم الرابع بين الأندلس والغرب وسائرا إلي القسطنطينية، ويقال إن هركنش (٣) الجبار حفره وأجراه من البحر المحيط الغربي، وأن جزيرة الأندلس وبلاد البربر كانت أرضا واحدة يسكنها الأشبان والبربر، وكان بعضهم يغير على بعض إلي أن ملك هركنش الجبار بن ملك بن سلقوس بن اغريقش بن دوبان فرغب
стр. 12
إليه الأشبان في أن يجعل بينهم وبين البربر خليجا من البحر يمكن به احتراز كل طائفة عن الأخري، فحفر زقاقا طوله ثمانية عشر (١) ميلا في عرض أثني عشر ميلا، وبني بجانبيه السكرين وعقد بينهما قنطرة، يجاز عليها وجعل عندها حرسا يمنعون من البربر الجواز عليها إلا بإذن منه، وكان قاموس البحر أعلى من أرض هذا الزقاق فطما الماء حتى غيطي السكرين مع القنطرة، وساق بين يديه بلادا كثيرة، وطغي علي عدة بلاد، ويقال أن المسافرين في هذا الزمان بالبحر يخبرون أن المراكب في بعض الأوقات يتوقف سيرها مع وجود الريح، فيجد دون المانع لها لكونها قد سلكت بين شرافات السور وبين حايطين القنطرة، ثم عظم هذا الرفاق في الطول والعرض حتي صار بحرا عرضه ثمانية عشر ميلا.
ويذكرون أن البحر إذا جزر تري القنطرة فيه، وهذا الزقاق صعب السلوك شديد الهول متلاطم الأمواج، وهذا البحر من هذا الزقاق مشرقا في بلاد البربر وشمال الغرب الأقصي إلي أواسط بلاد المغرب علي أفريقية وبرفة وإسكندرية وشمال اليته وأرض فلسطين وسواحل بلاد الشام، ثم يعطف من هناك إلي العلايا وانطاكية (٢) إلي ظهر بلاد القسطنطينية حتي ينتهي إلي البحر المحيط الذى خرج منه، وطول هذا البحر خمسة آلاف ميل، وقيل ستة آلاف ميل وعرضه من سبعمائة ميل إلي ثلاثمائة ميل، وفيه مائة وسبعون جزيرة عامرة فيها أمم كثيرة منها صقالية وبيروقة واقربطش (٣) وقباله البحر الهندى من جهة المغرب بحر خارج من المحيط في مغرب بلاد الزنج ينتهى إلي قريب من جبل القمر، وفيه مصب النيل المار علي بلاد الحبشة، وفي أسفله جزائر الخالدات التي هي منتهي الطول فيالمغرب، وبقابل البحر الشامي من ناحية المشرق وبحر جرجان، وقيل أنه متصل بالبحر امحيط من بين جبال شاقة وبحر الصقالب، يخرج من جهة المغرب بين الأقليم السادس والأقليم السابع وهو متسع فيه جزائر كثيرة، منها جزيرة الأندلس إلا أنها متصلة بالبر الكبير، وهو جبل كالذراع يتصل بهذا البر عند برسلونة، ولهم بحر يعرف بيأجوج ومأجوج وهو غزير وفيه عجائب كثيرة.
стр. 13
وقال أبو الريحان محمد بن أحمد البيرونى (١) في كتاب «تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن» وقد كان حرص بعض ملوك الفرس على من كان بمصر على أن يحفروا ما بين البحرين القلرم والرومي ويرفعوا البرزخ من بينهما، وكان أولهم شاسيس بن طراطيس الملك، ثم من بعده دارنوش الملك، فلم يتمكن لهم ذلك لأرتفاع ماء القلزم على أرض مصر.
فلما كانت دولة اليونانيين جاء بطليموس الثالث ففعل ذلك على يد الملك ارسمدس بحيث يحصل الغرض بلا ضرر. فلما كانت دولة الروم القياصرة طموه منعا لمن يصل إليهم من أعدائهم.
وذكر بعض أصحاب السير من الفلاسفة أن ما بين الأسكندرية وبلادها وبين القسطنطينية كان في قديم الزمان أرضا تنبت الجميز، وكانت مسكونة وخمة الأرض، وكان أهلها قوما من اليونان، وأن الإسكندر خرق إليها البحر فغلب على تلك الأرض. كان بها فيما يزعمون أن الطائر الذى يقال له القفنس، وهو طائر حسن الصوت وإذا حان موته زاد حسن صوته قبل ذلك بسبعة أيام، حتى لا يمكن أحد أن يسمع صوته لأنه يغلب علي قلبه من صوته ما يميت السامع، وأنه يدركه قبل موته بأيام طرب عظيم وسرور فلا يهدأ من الصباح، وزعموا أن الموسيقى من الفلاسفة أراد أن يسمع صوت قفنس في تلك الحال، فخشي أن يقتله حسن صوته فسد أذنيه سدا محكما ثم قرب إليه فجعل بفتح من أذنية شيئا بعد شيء حتي استكمل فتح الأذن في ثلاثة أيام إلي أن وصل إلي سماعه رتبة بعد رتبة، وزعموا أن ذلك الطائر هلك ولم يبق منه ولا من فراخه شئ لهجومه ماء البحر عليه وعلى فراخه بالليل في الأوكار، فلم يبق له ولا لفراخه بقية. ويقال أن بعض الفلاسفة أراد ملك من الملوك قتله فأعطاه قدحا فيه سم ليشربه، وأعلمه بذلك فظهرت منه مسرة وفرح، فقال له: ما هذا أيها الحكيم؟ فقال هل أعجز أن أكون مثل قفنس.
стр. 14
ذكر اشتقاق مصر ومعناها وتعداد أسماءها
ويقال كان اسمها في الدهر الأول قبل الطوفان «جزله»، ثم سميت «مصر»، وقد اختلف أهل العلم عن المعني الذي من أجله سميت هذه الأرض بمصر. فقال قوم سميت بمصر ابن مركابيل بن دوابيل بن عريان بن آدم ﵇، وهو مصر الأول، وقيل، بل سميت بمصر الثانى وهو مصرام بن نقراوش الجبار بن مصريم بن تيصر بن حام بن نوح ﵇ وذلك بعد الطوفان وهو اسم أعجمي لا ينصرف.
وقال آخرون هو اسم عربي مشتق فأما من ذهب إلي أن مصر اسم أعجمى فأنه أستدل إلي ما رواه أهل العلم بالأخبار من نزول مصريم بن بنيصر بهذه الأرض، وقسمها بين أولاده فعرفت به.
وذكر أبو الحسن المسعودى (١) في كتاب أخبار الزمان: أن بني نوح ﵇ لما تحاسدوا وبغي بعضهم علي بعض، ركب نقراوش في نيف وسبعين من كبار قومه جبابرة، وكلهم يطلبون موضعا من الأرض يقطنون فيه، فلم يزالوا يمشون حتى وصلوا إلي النيل، فلما طالوا في المشي رأوا سعة البلد وحسنها أعجبهم، وقالوا: هذا بلد زرع وعمارة أقاموا فيه واستوطنوه وبنوا فيه الأبنية المحكمة والمصانع العجيبة، وبني نقراوش مصر، ونزل بها فلم يزل مطلعا.
стр. 15
وقد كان وقع إليه من العلوم التى كان رواميل قد علمها لآدم ﵇، فلم يزل يقهر الجبابرة الذين (١) كانوا قبله وملوكهم، ثم أمر أن تبنا له مدينة مكان خيمته، فقطعوا الصخور من الجبال وآثار ومعادن الرصاص، وبنوا وزرعوا وعمروا الأرض، ثم أمر ببناء المدائن والقرى واسكن كل ناحية من الأرض أقاربه وأصحابه، ثم أمر بحفر النيل حتى أخرجوا ماء إليهم ولم يكن قبل ذلك معتدل في مجريانه، وإنما كان ينبطح ويتفرق فى الأرض حتي وجه إلي النوبة، وهندسوه وساقوا منه أنهارا إلي مواضع كثيرة من المدن.
وقيل أن قليمون الكاهن خرج من مصر والحق بنوح ﵇، وأمن به هو وأهله وولده وتلاميذه، وركب معه في السفينة وزوج ابنته بنيصر بن حام بن نوح ﵇، فلما خرج نوح من السفينة وقسم الأرض بين أولاده وكانت أبنة قليمون قد ولدت لبنيصر ابنا سماه مصرايم، فقال قليمون لنوح: ابعث معى يا نبي الله ولد أبنتي حتي أمضي به بلدي «يعنى مصر»، وأظهره علي كنوزه وأوقفه علي علومه ورموزه. فأرسله نوح ﵇ مع جماعته من أهل بيته، فلما قرب من مصر بني له عريشا من أغصان الشجر وستره بحشيش الأرض، ثم بني له بعد ذلك في هذا الموضع مدينة سماها درسان أى الجنة، وزرع وغرس فيها الأشجار فصارت هناك زروع وعمارة، وكان الذي مع مصرايم جبابرة فقطعوا الصخور وينوا المعالم والمصانع وأقاموا أرغد عيش، ويقال أن لما غرست الأشجار بمصر فكانت ثمارها عظيمة بحيث تشق الأترجة نصفين فيحمل البعير نصفها، وكان القثاء فى طول أربعة عشر شبرا.
وقيل أن مصرايم أول من صنع السفن بالنيل، وأن سفينة كانت طولها ثلاثمائة ذراع في عرض مائة ذراع، ويقال أن مصرايم نكح امرأة من بنات الكهنة فولدت له ولدا، يقال له قبطيم، ونكح قبطيم بعد سبعين سنة من عمره امرأة فولدت له أربعة نفر: أنه قبطيم وأشمون وأتريب وصا، فكثروا وعمروا الأرض وبورك فيها، وقيل إنه كان عدد من وصل معهم ثلاثين رجلا، فبنوا مدينة سموها ناقة، ومعنى ناقة يعني مدينة ثلاثون بلغتهم وهي منف، وكشف أصحاب قليمون الكاهن عن كنوز مصر وعلومها وآثار المعادن وعمل الطلسمات وعمل الكيمياء، ثم أن مصرايم أمرهم عند موته أن يحفروا له في الأرض سربا، وأن يفرشوه بالمرمر الأبيض، ويجعلو فيه جسده ويدفنوا معه جميع ما فى خزائنه من الذهب والجوهر، وكتبوا عليه أسماء الله
стр. 16
المانعة تمنع من أخذه فحفروا له سربا طوله مائة وخمسون ذراعا، وجعلوا في وسطه مجلسا مصفحا بصفائح الذهب، وجعلوا له أربعة أبواب على كل باب منها تمثال من ذهب، عليه تاج مرصع بالجواهر، وهو يجالس علي كرسي من ذهب قوائمه من زبرجد، وكتبوا في صدر كل تمثال آيات مانعة وجعلوا جسده في جرن (١) مرمر مصفحة بالذهب، وكتبوا على مجلسه مات مصرايم بن حام بن نوح ﵇ بعد سبعمائة عام مضت من أيام الطوفان، ومات ولم يعبد الأصنام ولم يصل إلى هذا المكان أحدا إلا من يكون ولدته سبعة ملوك تدين بدين الملك الديان وذلك أخر الزمان، وجعلوا معه في ذلك المجلس ألف قطعة من الزبرجد المخروط وألف تمثال من الجوهر النفيس وألف برينة مملوءة من الدر الفاخر والصنعة الإلهية، ومن العقاقير والطلمسات العجيبة وسبائك الذهب وسقفوا ذلك بالصخور وهالوا فوقها الرمال وذلك عند دير أبي هرمس غربي الأهرام، وهو أول قبر بأرض مصر، وولى أبنه قبطيم الملك.
وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم (٢) في كتاب فتوح مصر وأخبارها عن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال كان لنوح ﵇ ثلاثة (٣) من الولد وهم: سام وحام ويافث وأن نوحا رغب إلي الله تعالي وسأله أن يرزقه الإجابة في ولده وذريته حين تكاملوا بالنماء والبركة فوعده بذلك، فنادي نوح ولده فلم يجبه أحد منهم إلا ولده سام فانطلق به معه حتي أتا الجبل فوضع نوح ﵇ يمينه علي سام وشماله علي أرفخشد بن سام وسأل الله تعالي أن تبارك في سام أفضل البركة وأن يجعل الملك والبنوة في ولده أرفخشد، ثم نادي حاما وتلفت يمينا وشمالا فلم يجبه ولم يقيم إليه هو ولا أحد من ولده فدعا الله تعالي أن يجعل أولاده أذلا، وأن يجعلهم عبيد لولد سام، وكان مصر بن بنبصر بن حام نائما إلي جنب جده، فلما سمع دعاء نوح ﵇ قام يسعي إليه.
وقال: يا جدى قد اجبتك إذ لم يجبك جدي، ولا أحد من ولده فاجعل لي دعوة من دعائك ففرح نوح بذلك ووضع يده علي رأسه، وقال: اللهم أنه قد أجاب دعوتي فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة التي هي أم البلاد وغوت العباد التي نهرها أفضل الأنهار
стр. 17
فيها أفضل البركات وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم وقوهم عليها. ثم دعا ولده يافث فلم يجبه ولا أحد من ولده فدعا الله عليهم أن يجعلهم شرار الخلق. وعاش سام مباركا حتى مات، وكان الملك والنبوة والبركة في ولده أرفخشد بن سام، وكان أكبر ولده.
***
ذكر طرف يسيرة من فضائل مصر
أعلم أن لمصر فضائل كثيرة منها أن الله ذكرها في كتابه العزيز في نيف وعشرين موضعا، تارة بصريح اللفظ وتارة إيماء فقال تعالي ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ (١) وقال تعالى ﴿اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٢) وقال تعالى مخبرا عن فرعون إنه قال ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٣) وقيل لم يكن في الأرض ملك أعظم من ملك مصر، وكان جميع أهل الأرض يحتاجون إلي مصر. وأما الأنهار فكانت قناطر وجسور بتقدير وتدبير حتى أن الماء يجري من تحت منازلها وافندتها فيحبسونه حيث شاءوا. وأما ذكره الله تعالي فيها بالإشارة من الآيات فمن ذلك قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ (٤) تعني مصر .. وقال تعالي ﴿وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ﴾ (٥) قال ابن عباس وسعيد بن المسيب (٦) ووهب بن منبه (٧) هي مصر. وقال
стр. 18
تعالي: ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ (١) وقال أبو رهم (٢) كانت الجنات بحافتى النيل من أوله إلي أخره في الجانبين جميعا ما بين أسوان إلي رشيد وهي سبعة خليج، خليج الأسكندرية، وخليج سخا، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنته ..
متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء وزروع ما بين الخليجين كله من أول مصر إلى أخرها مما يبلغه الماء وكان جميع أرض مصر كلها تروى يؤمئذ من ستة عشر ذراعا عالما قد دبروا من قناطرها وجسورها، قيل والمقام الكريم هو الفيوم وقيل المنابر وقد كان بها ألف منبر، وقال سعيد بن كثير (٣) بن عفير: كنا بقية الهواء عند المأمون لما قدم مصر فقال لنا ما أدري ما أعجب فرعون مصر حيث يقول أليس لي ملك مصر. فقلت: يا أمير المؤمنين أن الذى يري بقية ما قد كان لأن الله تعالى يقول: ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (٤) .. فقال: صدقت يا سعيد، ثم أمسك عن الكلام. قال الله تعالى مخبرا عن قوم فرعون ﴿أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (٥) يعنى أرض مصر. وقال تعالي حكاية عن يوسف ﵇ أنه قال ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٦) وقال مخبرا عن موسي ﵇ إنه قال ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٧).
وقال تعالى ﴿عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (٨) وقال تعالي ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ (٩) يعني أرض مصر. وقال ابن عباس
стр. 19
﵁ سميت مصر بالأرض في عشرة مواضع من القرآن العظيم، فهذا ما يحضرني فيما ذكرته هنا من الآيات كفاية.
وأما ما جاء فيها من الأحاديث فقد روى عن عمرو بن العاص (١) أنه قال حدثنى عمر بن الخطاب (٢) ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول «إذا فتح الله عليكم بعدى مصر فأتخذوا منها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض» (٣).
وقال أبو بكر (٤) ﵁ ولم ذلك يا رسول الله. قال «لأنهم فى رباط إلى يوم القيامة» .. وعنه صلى الله عليه ولم أنه قال:
«ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما» (٥) وفى رواية ذمة وصهرا.
قال الليث بن سعد (٦) قلت لابن شهاب (٧) ما رحمهم قال أن أم اسماعيل بن إبراهيم صلوات الله عليهم كانت منهم.
стр. 20
وعن مسلم بن يسار (١) أن رسول الله ﷺ أنه قال استوصوا بالقبط خيرا فأنكم ستجدنونهم نعم الأعوان على قتال عدوكم» (٢).
قال مروان القصاص (٣): صاهر القبط من الأنبياء إبراهيم الخليل تسري هاجر أم إسماعيل، ويوسف تزوج بنت صاحب عين شمس من القبط، ومحمد ﷺ تسري بمارية أم ولده إبراهيم وهذا يحضرني فيما ذكرته من الأحاديث الشريفة كفاية.
وقال كعب الأحبار (٤): من أراد أن ينظر إلى شبه الجنة فلينظر إلي مصر إذا أزهرت يعني أيام ربيعها. ومن فضائل مصر أنه كان من أهلها السحرة وقد آمنوا جميعا في ساعة واحدة ولا يعلم جماعة أسلمت في ساعة واحدة أكثر من جماعة القبط، وكانوا في قول يزيد أبي حبيب (٥) وغيره أنهم كانوا أثني عشر ساحر، وتحت يد كل ساحر منهم عشرون عريفا، وتحت يد كل عريف منهم ألف من السحرة، فكان جميع من آمن من السحرة مائتا ألف، يعنى ألفا ومائتي وأثنان وخمسين إنسانا بالرؤساء والعرفاء، فلما عاينوا ما عاينوا إيقنوا أن ذلك من السماء، وأن السحر لا يقوم أمر الله فخروا الأثنا عشر رئيسا عند ذلك سجدا فاتبعهم العرفاء واتبع العرفاء من بقى، وقالوا آمنا برب العالمين رب موسي وهارون.
стр. 21
وقال عبد الله بن عمر (١): خلقت الدنيا [على خمس صور] (٢)، على صورة الطير برأسه وصدره، وجناحيه، وذنبه .. فالرأس مكة والمدينة واليمن، والصدر الشام ومصر، والجناح الأيمن العراق، وخلف العراق أمة يقال لها واق، وخلفهم أمة يقال لها واق وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله. والجناح الأيسر السند وخلف السند أمة يقال لها ناسك، وخلف ناسك أمة يقال لها منسك، وخلف ذلك من الأمم ما لا يعلمه إلا الله تعالي، والدنب من ذات الحمام إلى مغرب الشمس وشر ما فى الطير الذنب.
وقال الجاحظ (٣): الأمصار عشرة الصناعة بالبصرة والفصاحة بالكوفة والتخت ببغداد والغى بالري والجفا بنيسابور والحس بهراة والطرمدة بسمرقند والمروة ببلخ، والتجارة بمصر والبخل بمرو، وقيل إن كل قرية من قرى مصر تصلح أن تكون مدينة يؤيد ذلك قول الله تعالي:
﴿وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (٤)، ومن عجائب مصر معامل كالتنانير يعمل بها البيض بصنعة ويوقد عليه فيحاكى نار الطبيعة في حضانة الدجاجة، فيخرج منها الفراريخ، وهي من معظم دجاج (٥) مصر، ولا يتم عمل هذا بغير مصر ..
ووصف بعضهم فقال ثلاثة أشهر لؤلؤة بيضاء وثلاثة أشهر مسكة سوداء، وثلاثة أشهر زمردة خضراء، وثلاثة أشهر سبيكة ذهب حمراء.
فأما اللؤلؤة البيضاء فإن في مصر شهر أبيب ومسرى وتوت يركبها الماء فترى الدنيا
стр. 22
بيضاء، وضياعها علي روابي وتلال مثل الكواكب قد أحيطت بها المياه من كل وجه، فلا سبيل إلي قرية من قراها إلا في الزوارق. وأما المسكة السوداء فإن في أشهر بابة وهاتور وكيهك ينكشف الماء عن الأرض فتصير أرضا سوداء، وفي هذه الأشهر تقع الزارعات، وأما الزمردة الخضراء فإن في أشهر طوبة وأمشير وبرمهات يكثر نبات الأرض وربيعها فتصير خضراء كأنها زمردة. وأما السبيكة الحمراء فإن في أشهر برمودة وبشنس يتورد العشب ويبلغ الزرع الحصاد، فيكون كالسبيكة (١) التى من الذهب منظرا ومنفعة.
وقال بعضهم في معني ذلك أن فصل الربيع مليح، تضحك الأرض من بكاء السماء ذهب حيث ما ذهبنا، ودر حيث درنا وفصة الفضاء.
ويقال لما خلق الله تعالي آدم ﵇ ومثل له الدنيا شرقها وغربها وسهلها وجبلها وأنهارها وبحارها، وبناءها وخرابها ومن يسكنها من الأمم ومن يملكها من الملوك.
فلما رأى مصر أرضا سهلة ذات نهر جار مادته من الجنة، تنحدر فيه البركة، ورأي جمالا من جبالها مكسوا نورا لا يخلو من نظر الرب إليه بالرحمة في سفحه أشجار مثمرة، وفروعها في الجنة تسقي بماء الرحمة، فدعا آدم ﵇ في النيل بالبركة ودعا في أرض مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك في نيلها وجبالها (٢) سبع مرات فكان آدم ﵇ أول من دعا لها بالبركة والرحمة والخصب والرأفة، وكذلك نوح ﵇ دعا لها بالبركة.
وقال كعب الأحبار: لولا رغبتي في بيت المقدس لما سكنت إلا مصر. فقيل له: لم؟ فقال: لأنها بلد معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء قصمه الله تعالى واكبه الله على وجهه، وهو بلد مبارك لأهله فيه.
وقال: بعضهم لو زرعت مصر كلها لوفيت بخراج الدنيا بأسرها، ومن فضائل مصر:
أنه ولد بها من الأنبياء موسي وهارون ويوشع وعيسي بقرية يقال لها اهناس (٣) من نواحي صعيد مصر، وبها النخلة المذكورة في القرآن في قوله تعالي ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ (٤).
стр. 23
ودخل مصر من الأنبياء إبراهيم الخليل ويعقوب ويوسف والأسباط وأرميا، وكان من أهلها مؤمن آل فرعون الذى أثني عليه الله ﷻ في القرآن، ويقال أنه ابن فرعون لصلبه واظنه غير صحيح. وكان منها جلساء فرعون الذي أبان الله تعالي فضيلة عقلهم بحسن مشورتهم في أمر موسي وهارون ﵉ لما استشارهم فرعون في أمرهما فقال تعالي مخبرا عن فرعون. ﴿قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١) ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَاِبْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحّارٍ عَلِيمٍ﴾ (٢) وأين هذا من قول أصحاب النمرود في أمر إبراهيم الخليل حيث أشاروا بقتله قال تعالي حكاية عنهم: ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (٣) ومن أهل مصر امرأة فرعون التي مدحها الله تعالى في كتابه العزيز بقوله ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ، وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤) ومن أهلها ماشطة بنت فرعون حين آمنت بموسي ﵇ فتمشطها فرعون بأمشاط الحديد كما يمشط الكتاب، وهي ثابتة علي إيمانها بالله تعالي.
وقال صاعد اللغوي (٥) في في كتاب طبقات الأمم: أن جميع العلوم التي ظهرت قبل الطوفان إنما صدرت عن هرمس الأول الساكن بصعيد مصر الأعلى، وهو أول من تكلم في الجوواهر العلوية والحركات النجومية وأول من ابتني الهياكل ومجد الله فيها، وأول من نظر في علم الطب وألف لأهل زمانه قصائد موزونة في الأشياء والأرضية والسماوية. وقالوا:
أنه أول من أنذر بالطوفان. فقال: أنها آفة سماوية تصيب الأرض من الماء والنار، وأخاف أن يذهب العلم ويندرس فبني الأهرام والبرابي في صعيد مصر الأعلي، وصور فيها جميع الصنائع والآلآت، ورسم فيها صفات العلوم، حرصا على تخليدها لمن بعده ووخيفة أن يذهب رسمها من العالم. وهرمس هذا هو إدريس ﵇.
ومن فضائل مصر: أنها تميز أهل الحرمين وتوسع عليهم، ومصر فرصة الدنيا، يحمل
стр. 24
خيرها إلي ما سواها من المدن والبلدان، وقيل إنه لو ضرب بينها وبين بلاد الدنيا بسور لاستغني أهلها بما فيها عن سائر البلاد. وبمصر دهن البلسان الذي عظمت منفعته، وصارت ملوك الأرض تطلبه من مصر وتعتني به ملوك النصرانية تترامي علي طلبه، والنصاري كافة تعتقد تعظمه، وتري أنه لا يتم تنصير نصراني حتي توضع شيئا من دهن البلسان في ماء المعمودية عند تغطيسه فيها.
ومن فضائل مصر: السفنقور ومنافعه لا تنكر، وبها النمس والعرس ولهما في آكل الثعابين فضيلة لا تنكر، فقد قيل لولا العرس والنمس لما سكنت مصر من كثرة الثعابين وبها السمك الرعادة ونفعها من الحمي إذا أغلقت علي المحموم بريء، وبها حطب السنط، ولا نظير له في معناه فلو وقد منه تحت قدر يوما كاملا لما بقى منه رماد.
وهو مع ذلك صلب في الكسر، سريع الأشتغال بطئ الخمود، ويقال أنه أبنوس غيرته بقعة مصر فصار أحمر. وبها الأفيون وذلك عصارة الخشخاش ولا يجهل منافعه إلا جاهل وبها البنج وهو ثمر قدر اللوز الأخضر، وكان محاسن مصر إلا أنه انقطع قبل سنة سبعمائة. وبها الأترج.
وكان بمصر القثاءة في طوله ثلاثة عشر شبرا والأترتجة تشق نصفين وتحمل علي بعير مثل العدلين لعظم خلقتها.
قال المسعودى [في] التاريخ: والأترج المدور حمل من أرض الهند إلي البصرة والعراق والشام، حتي في دور الناس ثم نقل إلي مصر، ولما كان يعهد قبل ذلك في مصر ولا أعمالها.
ومن فضائلها: أن بها معدن الزمرد وليس في الدنيا معدن زمرد إلا بمصر، وقيل أنه في البهنسا وبها معدن الشب والملح ومقاطع الرخام، ويقال كان بمصر من المعادن ثلاثون معدن، وأهل مصر يأكلون صيد بحر الروم وصيد بحر اليمن طريا، لآن بين البحرين مسافة ما بين مدينة القلزم والفرما.
ومن محاسن مصر: أنه يوجد بها فى كل شهر من شهور السنة القبطية صنف من المأكول والمشموم دون ما عداه من بقية الشهور، فيقال رطب يوت ورمان بابة وموز هاتور وسمك كيهك وماء طوبة وخروف أمشير ولبن برمهات وورد برمودة ونبق بشنس وتين بؤونة وعسل أبيب وعنب مسرى ..
стр. 25
ومنها أن صيفها خريف لكثرة فواكهه وشتاءها ربيع لما يكون بمصر [حينئذ] (١) من القرظ والكتان.
ومن محاسنها: أن الذي ينقطع من الفواكه في سائر البلدان أيام الشتاء يوجد بمصر، ومنها أن أهل مصر لا يحتاجون في حر الصيف إلي استعمال الخيش والدخول في جوف الأرض كما يعانيه أهل بغداد ولا يحتاجون في برد الشتاء إلي لبس الفرو والاصطلاء بالنار الذي لا يستغني عنه أهل الشام كما أنهم أيضا في الصيف غير محتاجين إلي استعمال الثلج. ويقال زبرجد مصر وقباطي مصر وحمير مصر وثعابين مصر ومنافعها إلى الدرياق جليلة.
ومن فضائل مصر: أن الرخامة الخضراء التي في الحجر من الكعبة من مصر بعث بها محمد بن طريف مولي العباس بن محمد في سنة إحدي وأربعين ومائتين من الهجرة، ومعها رخامة أخرى خضراء وضعت علي سطح جدار الحجر عند الميزاب، وهما من أحسن الرخام وذرعها ذراع وثلاث أصابع (٢). قال الفاكهي: في أخبار مكة:
ومن محاسنها أيضا: أن رسول الله ﷺ تسرى من أهلها مارية القبطية أم ولده إبراهيم. قال بن عبد الحكم: لما كانت سنة ست من الهجرة بعث رسوا الله ﷺ ابن أبي بلتعة (٣) إلي المقوقس بكتاب من عند رسول الله ﷺ فوجد المقوقس في الأسكندرية في مجلس مشرف علي البحر فركب البحر، فلما حاذي مجلسه أشار بكتاب رسول الله ﷺ بين أصبعيه، فلما رأه أمر به فاوصل إليه، فلما قرأ الكتاب قال: ما منعه إن كان نبيا أن يدعوا علي. فقال له الرسول وقيل إن كان اسمه حاطب. وفي رواية أخري ما منع عيسي بن مريم أن يدعو علي من أبي عليه.
فسكت المقوقس ساعة ثم استعادها منه فأعادها عليه حاطب، فسكت ساعة، فقال له حاطب:
أنه قد كان قبلك رجل زعم أنه الرب الأعلي فانتقم الله منه. فاعتبر بغيرك ولا تعتبر بك وإن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه وهو دين الإسلام وما بشارة موسي بعيسي إلا كبشارة عيسي
стр. 26
بمحمد ﷺ ، وما دعاؤنا أياك إلي القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلي الأنجيل ولسنا ننهاك عن المسيح، ثم قرأ الكتاب فإذا فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد ﷺ إلي المقوقس عظيم القبط والسلام علي من أتبع الهدي.
أما بعد فأني أدعوك بدعائه الإسلام، فأسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، يا أهل الكتاب تعالوا إلي كلمة سواء بيننا وبينكم إلا تعبدوا إلا الله ولا تشركوا به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنا مسلمون» .. فلما قرأه أخذه جعله في حق من عاج وختم عليه.
وعن أبان بن صالح (١) أنه قال أرسل المقوقس إلي حاطب ليلة وليس عنده أحد، إلا الترجمان، فقال ألا تخبرني عن أمور أسألك عنها فأني أعلم أن صاحبك قد يخبرك.
قلت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك. قال: إلي ما يدعوا محمد؟ قال له: إلي أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا وتخلع ما سواه ويأمرك بالصلاة. قال: فكم تصلون. قال له: خمس صلوات فى اليوم والليلة، وصيام شهر رمضان وحج البيت وأداء الزكاة وينهى عن أكل الميتة والدم.
قال: ومن أتباعه؟ قال له: الفتيان من قومه وغيرهم. قال: صفه لى: قال فوصفته له بصفته. قال قد بقيت أشياء لم أراك ذكرتها. قلت وما هي؟ قال في عينيه حمرة قل ما تفارقه وبين كتفيه خاتم النبوة، يركب الحمار ويجتزى بالتمرات والكسر. قلت هذه صفته قال: كنت أعلم زن نبيا قد بقي، وقد كنت أظن أن مخرجه من الشام، وهناك كانت تخرج الأنبياء من قبله فأراه قد خرج من العرب في أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني في أتباعه وأنا أعلم أن صاحبك سيظهر علي البلاد وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتي يظهروا على ما ها هنا من البلاد وإنا لا أذكر للقبط من هذا حرفا واحدا.
قال ثم دعا المقوقس كاتبا يكتب بالعربية فكتب كتابا وهو يقول فيه: من المقوقس عظيم القبط. أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت وما دعوتنا إليه وقد علمت أنك نبي مرسل وقد أكرمت رسولك وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان عظيم من القبط وكسوة وبغلة وعسل والسلام.
стр. 27
قال ابن سعد (١): أخبرنا محمد بن عمر الواقدى (٢) عن أشياخه قال: أهدى المقوقس صاحب الإسكندرية إلى النبي ﷺ في سنة سبع من الهجرة مارية وأختها سيرين وألف مثقال من الذهب وعسلا وعشرين ثوبا وبغلته الدلدل وحماره عفيرا وخصيا يقال له مابور فعرض خاطب علي مارية الإسلام فأسلمت هى وأختها، ثم أسلم الخصي، وكان بعثه المقوقس مع مارية فقبل النبى ﷺ هديته ونظر إلي مارية وأختها فاعجبتاه وكره أن يجمع بينهما، وكانت أحداهما تشبه الأخرى فقال: «اللهم اختر لنبيك» فاختار الله له مارية، وذلك أنها أسلمت قبل أختها، ومكثت أختها ساعة، ثم أسلمت فوهبها (٣) النبي ﷺ لحسان (٤) بن ثابت وقيل كان الخصي قرابة لمارية وكان كثيرا ما يدخل عليها فوقع في نفس النبي ﷺ شيء فرجع فلقيه عمر بن الخطاب فسأله فأخبره بذلك فأخذ عمر السيف، ثم دخل على مارية وقربتها عندها فأهوى ليضربه عمر بالسيف، فلما رأي ذلك كشف عن عورته وكان مجبوبا ليس بين رجليه شئ فلما رآه عمر ذلك رجع إلي النبي ﷺ فأخبره بذلك فقال رسول الله ﷺ : «أن جبريل أتاني الساعة فأخبرني وقد برأها الله وقريبها وبشرني أن في بطنها غلاما مني وأنه أشبه الخلق بي وأمرني أن اسميه إبراهيم وكناني بأبي إبراهيم. وكانت مارية من أحب الناس إلي رسول الله ﷺ حتي مات، وكانت البغلة والحمار أحب دوابه إليه وسمي البغلة الدلدل وسما الحمار يعفورا وأعجبه العسل، فسأل من أين هذا العسل، فقيل له من بنها.
فقال اللهم بارك في بنها وفي عسلها وبقيت عنده من الثياب حتي كفن في بعضها صلي الله علي وسلم أنه قال: «لو بقى إبراهيم ما تركت قبطيا إلا وضعت عنه الجزية» وماتت مارية في المحرم سنة خمس عشر بالمدينة.
***
стр. 28
ذكر أخلاق أهل مصر وطبايعهم وأمزجتهم على سبيل الاختصار
أعلم أن طبائع أهل مصر وأخلاقهم فبعضها شيهها ببعض، لأن قوي النفس تابعة لمزاج البدن، فإن أبدانهم سخيفة سريعة التغيير قليلة الصبر والجلد، وكذلك أخلاقهم تقلب عليهم الاستحالة والتنقل من شيء إلى شيء والدعة والجبن، القنوط والشح وقلة الصبر، والرغبة في العلم وسرعة الحوف وقلة الغيرة والحسد والكذب والسعى إلي السلطان وذم الناس.
وبالجملة فيغلب عليهم الشرور الدنية التي تكون من دناءة النفس وليس هذه الشرور عامة فيهم ولكنها موجودة في أكثرهم ومنهم من خصه الله تعالى بالفضل وحسن الخلق وبرأة من الشرور.
ومن أجل توليد أرض مصر الجن والشرور الدنيئة في النفس بأرض مصر لم تسكنها الأسد، وإذا دخلت ذلت ولم تتناسل ولذلك كلابها أقل جراءة من كلاب غيرها من سائر البلدان، وكذلك سائر ما فيها أضعف من نظيره في البلدان الأخر ما خلا ما كان منها في طبعه ملائمة لهذا الحال كالحمار والأرنب.
وقال بعض الحكماء فمزاج أرض مصر حار رطب بالرطوبة الفضلية، وما قرب من الجنوب بأرض مصر كان أسخن وأقل عفنا، وأما ما كان منها في جهة الشمال ولا سيما من كان في شمال الفسطاط فإن طباعهم أغلظ واليه عليهم أغلب، وذلك أنهم يستعملون أغذية غليظة جدا ويشربون من الماء الردي، وأما ما كان بالأسكندرية وتنيس وأمثالها هذه فما قرب من البحر وسكون الحرارة والبرد عندهم وظهور الصبا فيهم، مما يصلح أمرهم ويرق طباعهم ويرفع هممهم، ولا يعرض لهم ما يعرض لغيرهم من غلظ الطبع والجمادية، واحاطة البحر بمدينة تنيس توجب غلبة الرطوبة عليها وما يسر أخلاق أهلها.
وقال بعضهم: لما كانت أرض مصر وبجميع ما فيها سخيفة الأجسام سريعا إليها النفير والعفن وجب على الطبيب أن نختار من الأغذية والأدوية ما كان قريب العهد حديثا، لأن قوته بعد باقية عليه لم تتغير كل التغير، وأن يجعل علاجه ملائما لما عليه الأبدان بأرض مصر ويجتهد في أن يجعل ذلك إلى الجهة المضاد أميل وتجنب الأدوية القوية الأسهال وكل ما له قوة مفرطة فإن نكاية هذه الأبدان سريعة لا سيما وأبدان المصريين سريعة الوقوع في النكايات.
стр. 29
ويختار ما يكون من الأدوية المسهلة وغيرها ألين قوة حتي لا يكون علي طبيعة المصريين منها كلفة ولا يلحق أبدانهم مضرة، ولا يقدم علي الأدوية الموجودة في كتب أطباء اليونانينن والفرس. قال: أكثرها عملت لأبدان قوية البنية عظيمة الأخلاط وهذه الأشياء قلما توجد بمصر، فلذلك يجب علي الطبيب أن يتوقف في اعطاء هذه الأدوية للمرضي، ويتار ألينها، وينقص من مقدار شرباتها ويبدل كثيرا منها بما يقوم مقامها ويكون ألين منه، فيتخذ السكنجبين السكري مكان العسل والجلاب بدلا من السكنجبين، وإذا لم يكتف في تنقية البدن بالدواء المسهل دفعة واحدة فلا بأس بما عاودته بعد أيام، فإن ذلك أجمل من إيراد الدواء الشديد في دفعة واحدة.
وقال أبو الصلت: وأما سكان أرض مصر فالغالب عليها اتباع الشهوات والإنهماك في اللذات والأشتغال بالترهات، والتصديق بالمجالات، ولهم خبرة بالكيد والمكر وفيهم بالفطنة (١) وتلطف وهداية إلي لما (٢) فى أخلاقهم من الملق والبشاسة التي أربوا فيها علي من تقدم وتأخر، وخصوا بالأفراط (٣) فيها دون جميع الأمم حتي صار أمرهم في ذلك مشهور والمثل بهم مضروبا.
وفي خبثهم ومكرهم يقول أبو نواس (٤) شعر:
محضتكم (٥) يا أهل مصر نصيحتي … ألا فخذوا من ناصح بنصيب
رماكم (٦) أمير المؤمنين بحية (٧) … أكول لحياتي البلاد شروب
فإن يك باق افك فرعون (٨) فيكم … فإن عصا موسي بكف خصيب
стр. 30
وقال بعض الحكماء: أن منطقة الجوزاء تسامت رؤوس أهل مصر، فلذلك يتحدثون بالأشياء قبل كونها، ويخبرون بما يكون، وينذرون بالأمور المستقبلة، ولهم في هذا الباب أخبار مشهورة.
وقال جامع السيرة الناصرية: كنت مع الأمير علم الدين الخازن في العربية، وقد خرج إليها كاشفا - فلما صليت أنا وهو صلاة الجمعة وعدنا إلي البيت، قدم بعض غلمانه من القاهرة فأخبرنا أنه أشيع بأن فتنة كانت بمكة قتل فيها جماعة من الأجناد، وقتل بها أمير الدمر أمير جندار.
فقال له الأمير علم الدين: هل حضر أحد من الحجاز بهذا الخبر؟.
قال: لا. فقال: ويحك، الناس ما تحضر من منى إلي مكة إلا بعد ثلاثة أيام من عيد النحر، فكيف صنفتهم هذا الخبر الذي لا يسمعه عاقل؟.
فقال: قد استفيض ذلك بين الناس، وكان الأمر كما أشيع.
وذكر الشيخ شهاب الدين المقريزى رحمه نظير ذلك قال: كنت في شهر رمضان سنة إحدي وتسعين وسبعمائة مارا بين القصرين بالقاهرة بعد العتمة (١) فإذا العامة تتحدث بأن الملك الظاهر برقوق خرج من سجنه بالكرك (٢) واجتمع عليه الناس فضبطت ذلك، فكان اليوم الذي خرج فيه من السجن، ومن هذا الباب في الأتفاقيات شيء كثير وغير ذلك.
ومن أخلاق أهل مصر قلة الغيرة، وكفاك ما قصه الله تعالي من خبر يوسف ﵇ ومراودة امرأة العزيز له عن نفسه، وشهد شاهد من أهلها عليها بما بين لزوجها منها السوء، فلم يعاقبها علي ذلك سوي بقوله ﴿اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾.
وحكى الأمير ناصر الدين محمد بن محمد الغرابيلي الكركي عن نفسه أنه منذ سكن مصر يجد من نفسه رياضة في أخلاقه، وترخصا لأهله ولينا ورقة طبع من قلة الغيرة، ومما لم نزل نسمعه دائما بين الناس أن شرب ماء النيل ينسي الغريب وطنه.
ومن أخلاق أهل مصر الأعراض عن النظر في العواقب قلا تجزهم يدخرون عندهم رادا
стр. 31
كما هي عادة غيرهم من سكان البلدان، بل يتناولون عذية كل يوم من الأسواق بكرة وعشيا.
ومن أخلاقهم: الانهماك في الشهوات والامعان في الملاذ، وكثرة الاستهتار، وعدم المبالاة.
قال ابن خلدون (١): أهل مصر كأنما فرغوا من الحساب.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه سأل كعب الأحبار عن طبائع البلدان وأخلاق سكانها، فقال: أن الله تعالي لما خلق الأشياء جعل كل شيء لشيء.
فقال العقل: أنا لا حق بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الخصب: أنا لا حق بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال الشقاء: أنا لا حق بالبادية، فقالت الصحة وأنا معك.
ويقال: لما خلق الله الخلق خلق معهم عشرة أخلاق: الإيمان والحياء والنجدة والفتنة والكبر والنفاق والغني والفقر والذل والشقاء. فقال الإيمان: أنا لا حق باليمن، فقال وأنا معك. وقالت النجدة: أنا لاحقة بالشام، فقالت الفتنة: وأنا معك. وقال الكبر: أنا لا حق بالعراق، فقال النفاق: وأنا معك. وقال الغنى: أنا لا حق بمصر، فقال الذل: وأنا معك. وقال الفقر: أنا لا حق بالبادية، فقال الشقاء: وأنا معك.
وعن ابن عباس ﵄: المكر عشرة أجزاء: تسعة منها فى القبط، وواحد فى سائر الناس.
ويقال: أربعة لا تعرف في أربعة: السخاء في الروم، والوفاء في الترك، والشجاعة في القبط. والعمر في الزنج.
ووصف ابن العربية (٢) أهل مصر فقال: عبيد لمن غلب، أكيس الناس صغارا، وأجهلهم كبارا.
стр. 32
وقال المسعودى: لما فتح عمر بن الخطاب ﵁ البلاد علي المسلمين من العراق والشام ومصر وغير ذلك، كتب إلي حكيم من حكماء العصر: أنا الناس عرب قد فتح الله علينا البلاد، ونريد أن تنبوا الأرض ونسكن البلاد والأمصار، فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها، وما تؤثره الترب والأهوية في سكانها.
وقال عمر بن شبه (١) ذكر ابن عبيدة في كتاب أخبار البصرة عن كعب الأحبار، خير نساء على وجه الأرض نساء أهل البصرة، إلا ما ذكره النبي ﷺ من نساء قريش، وشر نساء على وجه الأرض نساء أهل مصر.
وقال كعب الأحبار أيضا: مصر أرض نجسة كالمرأة العاذل أي الحايض، يطهرها النيل كل عام.
وقال معاوية بن أبي سفيان: وجدت أهل مصر ثلاثة أصناف: فثلث ناس، وثلث يشبه الناس وثلث لا ناس.
وأقول وقد أفرط في حق مصر وأهلها مما لا يليق، ولكن جميع ما خلقه الله تعالي من البلدان وغيرها لا بد أن يكون فيه من المدح والذم والمحاسن والمساويء، كما قال بعضهم:
ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلها … كفي المرء فخرا أن تعد معايبه
ومن هنا نذكر طرفا يسيرا من مدح الشعراء فيها ما هو أرق من هواها وأعذب من حلاوة نيلها بحسب ما تيسر لي من ذلك فأحسن ما قال الشيخ زين ابن الوردى (٢) في مصر ونيلها شعر:
وكان بمصر السحر قدما فأصبحت … وأسحارها أشعارها تترقرق
ويعجبني منها تملق أهلها … وقد زاد حتى ماؤها يتملق
стр. 33
وقوله فيها أيضا:
ديار مصر هى الدنيا وساكنها … وهم الأنام فقابلها بتفضيل
يا من يباهى ببغداد ودجلتها … مصر مقدمة والشرح للنيل
وقال بعضهم:
أرى أهل الشام يفاخرونا … وتلك وقاحة فيهم وخصله
وكيف يفاخروا بالشام مصر … وشهوة كل من فى الشام تخلة
وقال المعمار:
ما مصر إلا منزل مستحسن … فأستوطنوه مشرقا ومغربا
هذا وإن كنتم على سفر به … فيتمموا منه صعيدا طيبا
وقال الشيخ شمس الدين النواجى (١) رحمه الله تعالى:
مصر قالت دمشق لا … تفتخر قط باسمها
لو رأت قوس روضتى … منه راحت بسهمها
وقال الشيخ صلاح الدين الصفدى شعر:
من شاهد الأرض وأقطارها … والناس أنواعا وأجناسا
ولا رأى مصر أولا أهلها … فما رأى الدنيا ولا الناسا
وله أيضا:
لم لا أهيم بمصر … وأرتضيها وأعشق
وما ترى العين أحلى … من مائها إن تملق
وقال بعضهم وأجاد شعر:
إن مصر الأطيب الأرض عندى … ليس فى حسنها البديع التباس
стр. 34
ولئن قستها بأرض سواها … كان بينى وبينك المقياس
وقال بعضهم:
تقول مصر حين قاسوا القرى … بها أيا من ضيعوا حرمتى
بأى شئ قستمونى به … وبسطة المقياس فى قبصتي
وقال بدر الدين بن الصاحب (١):
كانت لمصر ميزة … بالنيل مدلولى خلف
كأنه زوج لها … من بعده ترملت
وقال الشهاب المنصورى (٢):
تقول لنا مصر أنا خير موطن … ولأناس فى الأمصار أظرف من ناس
فإن تك أوقات السرور قصيرة … فلا تقطعوها فى إلا بمقياس
وله أيضا:
أعملوا أهل مصر لله شكرا … وقليل من العباد الشكور
إن مصرا سقى الإله ثراها … بلد طيب ورب غفور
وقال الصفي الحلى (٣):
لله قاهرة المعز فإنها … بلد تخصيص بالمسرة والهنا
أو ما ترى فى كل قطر منية … من جانبيها فهي مجتمع المنى
وقال بعضهم:
مصر لها الأفضال إذ لم تزل … على العدا منصورة ظاهرة
стр. 35
ما غوليت كلا ولا قوهرت … إلا وكانت مصر والقاهرة
وقال ابن الصايغ الحنفى (١):
أرض بمصر فتلك أرض … من كل فن لها فنون
أرض العذب ذاك بحر … ما نظرت مثله العيون
وقال الشيخ ناصر الدين العيزراوى (٢):
لعمرك مصر بمصر وإنما … هى الجنة الدنيا لمن يتبصر
فأولادها الولدان والحور عينها … وروضتها المقياس والنيل كوثر
قال الشيخ صدر الدين بن عبد الحق (٣) ﵀ عليه:
لا تعجبوا من أهل مصر إذ وفوا … بعهودهم ما فى الوفا منهم خفا
وفى لهم فى كل عام نيلهم … فتعلموا من نيلهم ذاك الوفا
وقد قلب بعضهم هذا المعنى وقال:
اتطلب من زمانك ذا وفاء … وتأمن ذاك جهلاة من ينيه
لقد عدم الوفاء وأنى … لا عجب من وفاء النيل فيه
وقال الشيخ علاء الدين الوداعي (٤):
رو بمصر وسكانها شوقى … وجدد عهدى الخالى
وصف لنا القرط وشنف به … سمعى وما العاطل كالحالى
وأرو لنا يا سعد عن نيلها … حديث صفوان ابن عسال
стр. 36
لابن فضل الله (١) ﵀:
لمصر فضل ظاهرة … بعيشها الرغد النضرة
فى كل سفح … يلتقى ماء الحياة والحضر
وقال البهاء زهير (٢):
يا رعى الله أرض مصر وحيا … ما مضى لى بمصر من أوقات
جند النيل والمراكب فيه … مصعدات بنا ومنحدرات
هات زدنى من الحديث عن آل … نيل ودعنى من دجلة والفرات
وقال ابن فضل الله رحمه الله تعالى عليه:
ما مثل مصر فى زمان ربيعها … لصفاء ماء واعتدال نسيم
أقسمت ما تحوى البلاد نظيرها … لما نظر إلى جمال وسيم
وقال أيضا:
بحق لمصر أن تيته إذا جرى بها … النيل وامتدت إليه وعيون
فما مثله من زائر لقدومه … تقر عيون إذ تقره عيون
وقال أيضا:
تكرم مصر النيل أن زارها … وتفرش الخد له فى سراه
لو لم يكن أكرم ضيف أتى … ما قدمت كل قرأها قرأة
وقال الصلاح الصفدى:
رأيت فى أرض مصر مذ حللت بها … عجائب ما رأها الناس فى جيل
تسود فى عينى الدنيا فلم أرها … تيبض إلا إذا ما كنت فى النيل
стр. 37
وقال بعض شعراء الشام مطلع زجل فى مدح الشام:
أن كان حوى النيل السعيد … رمضة وماه يجرى مضون
محلق الفيحات حوت … روضات وكم فيها عيون
فأجابه على ذلك بعض شعراء مصر:
نيل مصر من باب الجنان … يجري وماه يحيي الغضون
فيا لعيون أن قايسوه … قل ما ترى مثل العيون
ومما تفتخر به مصر على سائر البلاد ما ذكره الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة (١) فى «كتاب السكردان فى السبع زهرات» التى تجتمع بمصر فى صعيد واحد وهى:
النرجس وهو أوله ما تقدم ثم البنفسج ثم البان ثم الورد النصيب ثم الزهر وهو زهر النارنج ثم الياسمين ثم الورد الجورى ويعرف أيضا القحابي وهو آخرها، فهذه السبع زهرات التى تلهج المصريون بذكرها ويجتمع في وقت واحد بمصر. وأما النسرين وإن كان في مصر من أعظم الزهور ورائحة فإنه غير معدود فى السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد لأنه يأتى في آخر أيام الورد الجوري فلا يلحق النرجس ولا البنفسج، فلم يكن معدودا في جملة السبع زهرات لأجل ذلك وقد قلت في جمع السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد بمصر، شعر:
يا طيب وقت بمصر فيه قد جمعت … سبع من الزهر تحو بها البساتين
بنفسج بنرجس زهر وبان لنا … وردا يضئ مرحو ثم اليسمين
ومما تفتخر به مصر أيضا بالسلطان خادم الحرمين الشريفين، وهو أفضل من سائر ملوك الأرض بذلك، وفيها يقول الأديب شمس الدين ابن يوسف الدمشقى (٢).
стр. 38
إذا البلاد افتخرت لم تزل … مصر على الشام لها فخر
وكيف لا تفخر مصر وفى … أرجائها السلطان والبحر
***
ذكر عجائب مصر التى كانت بها من الطلسمات والبرابي وغير ذلك على سبيل الاختصار
قال القضاعى (١) ذكر الجاحظ وغيره أن عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة، منها بسائر الدنيا عشر أعجوبات وهى: مسجد دمشق وكنيسة الرها وقنطرة سنجر وقصر غمدان وكنيسة رومية، وصنم الزيتون وإيوان كسرى بالمدائن وبيت الريح بتدمر، والحورنق، والسدير بالجزاير (٢)، والثلاث أحجار ببعلبك، وذكر أنها بيت المشترى والزهرة، وأنه كان لكل كوكب من السبعة بيت بها وبقي هذا. ومنها بمصر عشرون أعجوبة فمن ذلك الهرمان وهما أطول بناء وأعجبة، ليس على الأرض بناء باليد حجر على حجر أطول منهما، وإذا رأيتهما ظننت أنهما جبلان موضوعان، وكذلك قال بعض من رأهما: ليس من شيء إلا وأنا أرحمه من الدهر إلا الهرمين، فإنى لارحم الدهر منهما، ومن ذلك ضم الهرمين وهو «بلهويه» ويقال «بلهيب» إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على ابليز الجيزة. ومن ذلك بربا سمنود وهو من أعاجيبها ذكر عن أبى عمرو الكندى أنه قال: رأيته وقد حزن فيه بعض عمالها قرظا، فرأيت الجمل إذا
стр. 39
دنا من بابه بحمله وأراء أن يدخله سقط كل دبيب فى القرظ لم يدخل منه شيء إلى البريا، ثم خرب عند الخمسين والثلاثمائة. ومن ذلك بريا أخميم عجب من العجيب بما فيه من الصور وأعاجيب وصور الملوك الذين يملكون مصر.
وكان ذى النون الأخميمى (١) بقرأة البراني، فرأى فيها حكما عظيما فأفسد أكثرها.
ومن ذلك بريا ودندرة وهو بريا عجيب فيه ثمانون ومائة كوة، قد خل الشمس يوم من كوة منها ثم الثانية حتى تنتهى إلي آخرها ثم تسير راجعة إلي موضع بدائها. ومن ذلك حائط العجوز من العريش إلى أسوان تحيط بأرض مصر شرقا وغربا. ومن ذلك الأسكندرية وما فيها من العجائب المنارة والسوارى والملعب الذى كانوا يجتمعون فيه يوم من السنة، ثم يرمون بكرة فلا تقع في حجر واحد إلا ملك مصر، وحضر عمرو بن العاص عيدا من أعيادهم فوقعت الكرة فى حجره، فملك البلد ذلك فى الإسلام، وكان يحضر هذا الملعب ألف ألف من الناس، فلا يكون فيهم أحد إلا ينظر فى وجه صاحبه لا يتطاولون فيه بأكثر من مراتب العلية والسفلية يتطاولون فيه بأكثر من مراتب العلية والسفلية.
ومن عجائبها المسلتان وهما جبلان قائمان على سرطانات نحاس فى أركانها، كل ركن على سرطان. ومن عجائبها عمودا لأعياد، وهما عمودان ملقيان وراء كل عمود منهما جبل حصبا كحصي الجمار بمنى يقبل إليها الرجل ويرمى بسبع حصيات ويحمل أحدهما ثم يرمي وراءه السبع حصيات، آخر يقوم ولا يلتفت ويمضي فكأنما يحمل حملا لا يحسن من تعبه بشئ.
ومن عجائبها القبة الخضراء وهى أعجب قبة، ملبسة نحاسا كأنه الذهب الأبريز لا يبليه القدم ولا يخلفه الدهر.
ومن عجائبها منية عقبة وقصر فارس، وكنيسة أسفل الأرض وهى مدينة على مدينة، ليس على وجه الأرض مدينة فى هذه الصفة سواها، ويقال أنها أرم ذات العماد، سميت بذلك لأن عمدها ورخامها الأصفنيدس المخطط طولا وعرضا.
ومن عجائب مصر أيضا الجبال التى بصعيدها على نيلها وهى ثلاثة جبال، منها جبل الكهف ويقال الكف. ومنها الطيلمون، ومنها جبل زماجيز الساحرة، يقال أن فيه حلقة من الجبل ظاهرة مشرفة علي النيل، لا يصل إليها أحد، يلوح فيها خط محلوق باسمك اللهم.
стр. 40
ومن عجائبها شعب البؤقيرات بناحية أشمون من أرض الصعيد، وهو شعب فى جبل فيه صدع تأتيه البؤقيرات فى يوم من السنة معروفا، فتعرض أنفسها علي ذلك الصدع، فكلما أدخل بوقير منها منقاره فى الصدع ولا تزال يفعل ذلك حتى يستلقي الصدع على بوقير منها فيحبسه وتمضى كلها، ولا يزال ذلك الذى يحبسه متعلقا حتى يتسلقط ويموت. ومن عجائبها عين الشمس وهي هيكل الشمس، وبها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما ولا من شأنهما طولهما فى السماء نحو [من] (١) خمسين ذراعا، وهما محمولان على وجه الأرض، وفيهما صورة إنسان على دابة تراه منهما واضحا وتجرى من أسفلهما فينبت في أصلهما العوسج وغيره، وإذا دخلت الشمس دقيقة من الجدى، وهو أقصر يوم فى السنة، إنتهت منهما إلى الجنوب، فتطع على قمة رأسه، وإذا دخلت دقيقة من السرطان وهو أطول يوم فى السنة إنتهت إلى الشمال منهما، فتطلع على قمة رأسه الآخر، وهما منتهى الميلين، وخط الأستواء فى الواسطة فهما ثم تخطر بينهما ذاهبة وراجعة سائر السنة كذا يقول أهل العلم بذلك.
ومن عجائبها منف وعجائبها وأصنامها ورخامها وأبنيتها ودفائنها وكنوزها وما يذكر فيها أكثر من أن يحصي من آثار الملوك والحكماء [والأنبياء] (٢).
ومن عجائبها الفرما وهى أكثر عجائب وأكثر آثارا. من عجائبها الفيوم ومن عجائبها نيلها ومن عجائبها الحجر المعروف بحجر الخل يطفو على الخل ويسبح فيه كأنه سمكة.
وكان يوجد بها حجر إذا أمسكه الإنسان بكلتا يديه تقايأ كل شئ أكله فى بطنه، وكان بها خرزة إذا جعلتها المرأة فى حقوقها فلا تحبل، وكان بها حجر يوضع على حرف التنور فيتساقط خبزة، وكان يوجد بصعيدها حجارة رخوة تتكسر بالليل فتتقد - كالمصابيح ومن عجائبها: حوض مدور فى بحر النيل من رخام ويركب فيه الواحد والأربعة ويحركوه فيعبرون من جانب إلى جانب، لا يعلم من عمله، فأخذه كافور الأخشيدى من الماء فالقى فى البر وكان في أسفله كتابه لا يدرى [ما هي] (٣) ثم بطل أمره.
ومن عجائبها: أن بصعيدها ضيعة بعرف بدشني، فيها سنطة إذا تعددت بالقطع تدبل