← История

История · id 30074

نزهة الأمم في العجائب والحكم

ابن إياس

Полный текст (334 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لابن فضل الله (١) ﵀: لمصر فضل ظاهرة … بعيشها الرغد النضرة فى كل سفح … يلتقى ماء الحياة والحضر وقال البهاء زهير (٢): يا رعى الله أرض مصر وحيا … ما مضى لى بمصر من أوقات جند النيل والمراكب فيه … مصعدات بنا ومنحدرات هات زدنى من الحديث عن آل … نيل ودعنى من دجلة والفرات وقال ابن فضل الله رحمه الله تعالى عليه: ما مثل مصر فى زمان ربيعها … لصفاء ماء واعتدال نسيم أقسمت ما تحوى البلاد نظيرها … لما نظر إلى جمال وسيم وقال أيضا: بحق لمصر أن تيته إذا جرى بها … النيل وامتدت إليه وعيون فما مثله من زائر لقدومه … تقر عيون إذ تقره عيون وقال أيضا: تكرم مصر النيل أن زارها … وتفرش الخد له فى سراه لو لم يكن أكرم ضيف أتى … ما قدمت كل قرأها قرأة وقال الصلاح الصفدى: رأيت فى أرض مصر مذ حللت بها … عجائب ما رأها الناس فى جيل تسود فى عينى الدنيا فلم أرها … تيبض إلا إذا ما كنت فى النيل

стр. 37

وقال بعض شعراء الشام مطلع زجل فى مدح الشام: أن كان حوى النيل السعيد … رمضة وماه يجرى مضون محلق الفيحات حوت … روضات وكم فيها عيون فأجابه على ذلك بعض شعراء مصر: نيل مصر من باب الجنان … يجري وماه يحيي الغضون فيا لعيون أن قايسوه … قل ما ترى مثل العيون ومما تفتخر به مصر على سائر البلاد ما ذكره الشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة (١) فى «كتاب السكردان فى السبع زهرات» التى تجتمع بمصر فى صعيد واحد وهى: النرجس وهو أوله ما تقدم ثم البنفسج ثم البان ثم الورد النصيب ثم الزهر وهو زهر النارنج ثم الياسمين ثم الورد الجورى ويعرف أيضا القحابي وهو آخرها، فهذه السبع زهرات التى تلهج المصريون بذكرها ويجتمع في وقت واحد بمصر. وأما النسرين وإن كان في مصر من أعظم الزهور ورائحة فإنه غير معدود فى السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد لأنه يأتى في آخر أيام الورد الجوري فلا يلحق النرجس ولا البنفسج، فلم يكن معدودا في جملة السبع زهرات لأجل ذلك وقد قلت في جمع السبع زهرات التي تجتمع في وقت واحد بمصر، شعر: يا طيب وقت بمصر فيه قد جمعت … سبع من الزهر تحو بها البساتين بنفسج بنرجس زهر وبان لنا … وردا يضئ مرحو ثم اليسمين ومما تفتخر به مصر أيضا بالسلطان خادم الحرمين الشريفين، وهو أفضل من سائر ملوك الأرض بذلك، وفيها يقول الأديب شمس الدين ابن يوسف الدمشقى (٢).

стр. 38

إذا البلاد افتخرت لم تزل … مصر على الشام لها فخر وكيف لا تفخر مصر وفى … أرجائها السلطان والبحر *** ذكر عجائب مصر التى كانت بها من الطلسمات والبرابي وغير ذلك على سبيل الاختصار قال القضاعى (١) ذكر الجاحظ وغيره أن عجائب الدنيا ثلاثون أعجوبة، منها بسائر الدنيا عشر أعجوبات وهى: مسجد دمشق وكنيسة الرها وقنطرة سنجر وقصر غمدان وكنيسة رومية، وصنم الزيتون وإيوان كسرى بالمدائن وبيت الريح بتدمر، والحورنق، والسدير بالجزاير (٢)، والثلاث أحجار ببعلبك، وذكر أنها بيت المشترى والزهرة، وأنه كان لكل كوكب من السبعة بيت بها وبقي هذا. ومنها بمصر عشرون أعجوبة فمن ذلك الهرمان وهما أطول بناء وأعجبة، ليس على الأرض بناء باليد حجر على حجر أطول منهما، وإذا رأيتهما ظننت أنهما جبلان موضوعان، وكذلك قال بعض من رأهما: ليس من شيء إلا وأنا أرحمه من الدهر إلا الهرمين، فإنى لارحم الدهر منهما، ومن ذلك ضم الهرمين وهو «بلهويه» ويقال «بلهيب» إنه طلسم للرمل لئلا يغلب على ابليز الجيزة. ومن ذلك بربا سمنود وهو من أعاجيبها ذكر عن أبى عمرو الكندى أنه قال: رأيته وقد حزن فيه بعض عمالها قرظا، فرأيت الجمل إذا

стр. 39

دنا من بابه بحمله وأراء أن يدخله سقط كل دبيب فى القرظ لم يدخل منه شيء إلى البريا، ثم خرب عند الخمسين والثلاثمائة. ومن ذلك بريا أخميم عجب من العجيب بما فيه من الصور وأعاجيب وصور الملوك الذين يملكون مصر. وكان ذى النون الأخميمى (١) بقرأة البراني، فرأى فيها حكما عظيما فأفسد أكثرها. ومن ذلك بريا ودندرة وهو بريا عجيب فيه ثمانون ومائة كوة، قد خل الشمس يوم من كوة منها ثم الثانية حتى تنتهى إلي آخرها ثم تسير راجعة إلي موضع بدائها. ومن ذلك حائط العجوز من العريش إلى أسوان تحيط بأرض مصر شرقا وغربا. ومن ذلك الأسكندرية وما فيها من العجائب المنارة والسوارى والملعب الذى كانوا يجتمعون فيه يوم من السنة، ثم يرمون بكرة فلا تقع في حجر واحد إلا ملك مصر، وحضر عمرو بن العاص عيدا من أعيادهم فوقعت الكرة فى حجره، فملك البلد ذلك فى الإسلام، وكان يحضر هذا الملعب ألف ألف من الناس، فلا يكون فيهم أحد إلا ينظر فى وجه صاحبه لا يتطاولون فيه بأكثر من مراتب العلية والسفلية يتطاولون فيه بأكثر من مراتب العلية والسفلية. ومن عجائبها المسلتان وهما جبلان قائمان على سرطانات نحاس فى أركانها، كل ركن على سرطان. ومن عجائبها عمودا لأعياد، وهما عمودان ملقيان وراء كل عمود منهما جبل حصبا كحصي الجمار بمنى يقبل إليها الرجل ويرمى بسبع حصيات ويحمل أحدهما ثم يرمي وراءه السبع حصيات، آخر يقوم ولا يلتفت ويمضي فكأنما يحمل حملا لا يحسن من تعبه بشئ. ومن عجائبها القبة الخضراء وهى أعجب قبة، ملبسة نحاسا كأنه الذهب الأبريز لا يبليه القدم ولا يخلفه الدهر. ومن عجائبها منية عقبة وقصر فارس، وكنيسة أسفل الأرض وهى مدينة على مدينة، ليس على وجه الأرض مدينة فى هذه الصفة سواها، ويقال أنها أرم ذات العماد، سميت بذلك لأن عمدها ورخامها الأصفنيدس المخطط طولا وعرضا. ومن عجائب مصر أيضا الجبال التى بصعيدها على نيلها وهى ثلاثة جبال، منها جبل الكهف ويقال الكف. ومنها الطيلمون، ومنها جبل زماجيز الساحرة، يقال أن فيه حلقة من الجبل ظاهرة مشرفة علي النيل، لا يصل إليها أحد، يلوح فيها خط محلوق باسمك اللهم.

стр. 40

ومن عجائبها شعب البؤقيرات بناحية أشمون من أرض الصعيد، وهو شعب فى جبل فيه صدع تأتيه البؤقيرات فى يوم من السنة معروفا، فتعرض أنفسها علي ذلك الصدع، فكلما أدخل بوقير منها منقاره فى الصدع ولا تزال يفعل ذلك حتى يستلقي الصدع على بوقير منها فيحبسه وتمضى كلها، ولا يزال ذلك الذى يحبسه متعلقا حتى يتسلقط ويموت. ومن عجائبها عين الشمس وهي هيكل الشمس، وبها العمودان اللذان لم ير أعجب منهما ولا من شأنهما طولهما فى السماء نحو [من] (١) خمسين ذراعا، وهما محمولان على وجه الأرض، وفيهما صورة إنسان على دابة تراه منهما واضحا وتجرى من أسفلهما فينبت في أصلهما العوسج وغيره، وإذا دخلت الشمس دقيقة من الجدى، وهو أقصر يوم فى السنة، إنتهت منهما إلى الجنوب، فتطع على قمة رأسه، وإذا دخلت دقيقة من السرطان وهو أطول يوم فى السنة إنتهت إلى الشمال منهما، فتطلع على قمة رأسه الآخر، وهما منتهى الميلين، وخط الأستواء فى الواسطة فهما ثم تخطر بينهما ذاهبة وراجعة سائر السنة كذا يقول أهل العلم بذلك. ومن عجائبها منف وعجائبها وأصنامها ورخامها وأبنيتها ودفائنها وكنوزها وما يذكر فيها أكثر من أن يحصي من آثار الملوك والحكماء [والأنبياء] (٢). ومن عجائبها الفرما وهى أكثر عجائب وأكثر آثارا. من عجائبها الفيوم ومن عجائبها نيلها ومن عجائبها الحجر المعروف بحجر الخل يطفو على الخل ويسبح فيه كأنه سمكة. وكان يوجد بها حجر إذا أمسكه الإنسان بكلتا يديه تقايأ كل شئ أكله فى بطنه، وكان بها خرزة إذا جعلتها المرأة فى حقوقها فلا تحبل، وكان بها حجر يوضع على حرف التنور فيتساقط خبزة، وكان يوجد بصعيدها حجارة رخوة تتكسر بالليل فتتقد - كالمصابيح ومن عجائبها: حوض مدور فى بحر النيل من رخام ويركب فيه الواحد والأربعة ويحركوه فيعبرون من جانب إلى جانب، لا يعلم من عمله، فأخذه كافور الأخشيدى من الماء فالقى فى البر وكان في أسفله كتابه لا يدرى [ما هي] (٣) ثم بطل أمره. ومن عجائبها: أن بصعيدها ضيعة بعرف بدشني، فيها سنطة إذا تعددت بالقطع تدبل

стр. 41

وتجتمع وتضمر، فيقال لها عفونا عنك وتركناك فتتراجع، والمشهور - وهو الموجود الآن - سنطة فى الصعيد، إذا تركت اليد على ذبلت، وإذا رفعت عنها تراجعت، وقد حملت إلى مصر وشوهدت. وبها نوع من الخشب يرسب فى الماء كالأبنوس وبها الخشب السنط الذى يوقد منه القدر الكثير في الزمن الطويل فلا يوجد له رماد. وذكر ابن نصر المصرى أنه كان على باب القصر الكبير أنه كان على باب القصر الكبير الذى يقال له باب الريحان عند الكنيسة المعلقة، صنم من نحاس على خلقة الجمل، وعليه رجل راكب عليه عمامة [منتكب قوسا عربية] (١) وفى رجليه نعلان كانت الروم والقبط وغيرهم إذا تظالموا بينهم، واعتدي بعضهم علي بعض تحاكموا إليه حتي يقفوا بين يدى ذلك الجمل، فيقول المظلوم المظالم: أنصفنى قبل أن يخرج هذا الراكب الجمل فيأخذ الحق لى م نك شئت أم أبيت يعنون بالراكب النبي ﷺ . فلما قدم عمرو بن العاص، غيبت الروم ذلك الجمل لئلا يكون شاهدا عليهم. قال ابن لهيعة (٢): بلغني أن تلك الصورة في ذلك الموضع قد أتي عليها سنين لا يدرى عملها. قال القضاعى: فهذه عشرون أعجوبة من جملتها ما يتضمن عدة عجائب، فلو بسطت لجاء منها عدد كثيرة. ويقال ليس من بلد فيه شئ غريب إلا وفي مصر مثله أو شبيه به، ثم تفضل مصر على البدان بعجائبها التي في بلد سواها. وفي كتاب «تحفة الألباب» أنه كان بمصر بيت تحت الأرض، فيه رهبان من النصارى، وفي البيت سرير صغير من خشب تحته صبي ميت ملفوف في نطع أديم، مشدود بحبل، وعلى السرير مثل الباطية فيها أنبوب من نحاس فيه فتيل إذا اشتعل الفتيل بالنار وصار سراجا خرج من ذلك الأنبوب لزيت الصافي الحسن الفائق حتى تمتلئ تلك الباطية وينطفئ السراج

стр. 42

بكثرة الزيت، فإذا إنطفأ لم يخرج منه شئ، فإذا خرج الصبي الميت من تحت السرير لم يخرج من الزيت شئ، والباطية يريقها الإنسان فلا تحتها شيئا ولا موضعا فيه ثقب. وأولئك الرهبان يتعيشون من ذلك الزيت … يشتريه الناس منهم فينتفعون به .. قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف (١) شاه: عديم الملك ابن تقطريم كان جبارا لا يطاق، عظيم الخلق، فأمر بقطع الصخور ليعمل هرما كما عمل الأولون، وكان فى وقته الملكان اللذان أهبطا من السماء، وكانا فى بئر يقال له «افتارة» وكانا يعلمان أهل مصر السحر. وكان يقال أن الملك عديم بن البودشير استكثر من علمهما، ثم انتقلا إلى جبل بابل. وأهل مصر من القبط يقولون أنهما شيطانان يقال لهما «مهلة» و «بهالة» وليس هما الملكين، والملكان ببابل فى بئر هناك يغشاها السحرة إلى أن تقوم الساعة ومن ذلك الوقت عبدت الأصنام. وقال قوم: كانت الشيطان يظهر وينصبها لهم. وقال قوم: أول من نصبها بدوره وأول صنم أقامه صنم الشمس. وقال آخرون: بل النمرود الأول أمر الملوك بنصبها وعبادتها، وهو أول من صلب، وذلك أن امرأة زنت برجل [من أهل الصناعات] (٢) وكان لها زوج من أصحابه، فأمر بصلبهما على منارين، وجعل ظهر كل واحد منهما إلي ظهر الآخر فإنتهى الناس عن الزنا. وبني أربع مدائن وأودعها صنوفا كثيرة من عجائب الأعمال والطلسمات، وكنز فيها كنوزا كثيرة، وعمل فى الشرق منارا وأقام على رأسه صنما موجها إلي الشرق، مادا يديه يمنع دواب البحر والرمال أن تتجاوز حده، وكتب في صدره تاريخ الوقت الذي نصبه فيه، ويقال أن هذا المنار قائم إلي وقتنا هذا، ولولا هذا الغلب الماء الملح من البحر الشرقي على أرض مصر. وعمل على النيل قنطرة في أول بلد النوبة، ونصب عليها أربعة أصنام موجهة إلي أربع جهات الدنيا في يد كل صنم حربتان يضرب بهما إذا أتاهم آت من تلك الجهة فلم تزل بحالها إلي أن هدمها فرعون - موسي ﵇. وعمل البريا علي باب النوبة وهو هناك إلي وقتنا هذا. وعمل في إحدي المدائن الأربع

стр. 43

التي ذكرناها حوضا من صوان أسود مملوء ماء، لا ينقص علي طول الدهر ولا يتغير ماؤه لأنه اجتلب إليه من رطوبة الهواء. وكان أهل تلك الناحية وأهل تلك المدينة يشربون منه ولا ينقص ماؤه شيء وعمل ذلك لبعدهم عن النيل. وذكر بعض كهنة القبط أن ذلك الماء ثم لقربه من البحر الملح، فإن الشمس ترفع بحرها بخار البحر فينحصر من ذلك البخار جزء بالهندسة أو بالسحر (١) وينحط فى ذلك الحوض مثل الظل وتمده بالهواء فلا ينقص ماؤه علي الدهر، ولو شرب منه العالم كله. وعمل قدحا علي مثل هذا العمل وأهداه إلي الأسكندر بن فيليب المقدوني (٢)، ولما مات دفن في إحدي المدائن ذات العجائب، وقيل في صحراء قفط. وذكر بعض القبط أن ناووس [عديم] عمل كان في صحراء قفط علي وجه الأرض تحت قبة عظيمة من زجاج أخضر براق، معقود علي رأسها كرة من ذهب، عليها طائر من ذهب موشح بجواهر، منشور الجناحين يمنع من الدخول إلي القبة، وكلن قطرهما مائة ذراع في مثلها وجعل جسده في وسطها علي سرير من ذهب مشبك وهو مكشوف بالذهب المغروز بالجوهر المنظوم، وطول القبة أربعون ذراعا، وجعل في القبة مائة وسبعين مصحفا من مصاحف الحكمة [وسبع موائد بأوانيها] (٣) منها مائدة من حجر الشمس المضيء بأنيتها وهو الزبرجد الذى إذا نظرت إليه الأفاعى سالت أعينها، ومائدة من ملح أبيض مدبر براق بأنيتها ومائدة من زيبق معقود، وجعل فى القبة جواهر كثيرة وبرابي صنعة مدبرة، وحوله سبعة أسياف وأتراس من حديد أبيض مدبر وتماثيل أفراس من ذهب عليها سروج من ذهب، وسبعة توابيت من دنانير عليها صورته، وجعل معه من أصناف العقاقير والسمومات والأدوية في برابي [من] حجارة. وقد ذكر من رأي هذه القبة أنهم أقاموا أياها ما قدروا على الوصول إليها، وأنهم رذا قصدوها وكانوا منها على ثمانية أذرع صارت القبة عن إيمانهم أو عن شمائلهم. وذكروا أنهم رأوا وجه الملك قدر ذراع ونصف بالكبير، ولحيته كبيرة مكشوفة وقدروا طول بدنه عشرة أذرع وزيادة.

стр. 44

وذكر هؤلاء الذين رأوها أنهم خرجوا لحاجة فوجدوها اتفاقا، وأنهم سألوا أهل قفط عنها فلم يجدوا أحدا يعرفها سوي شيخ كبير السن، وقيل أن الذي صنع هذه القبة هو شداد ابن عديم وهو الذي بني مدينة ارمنت وأقام عليها أصناما بأسماء الكواكب من جميع المعادن وزينها بأحسن زينة ونقشها بالجواهر والزجاج الملون وكساه الوشي والديباج، وعمل في المدائن الداخلة من أنصنا هيكلا شرقي الأسكندرية. وأقام صنما من صوان أسود باسم زحل علي عبور النيل من الجانب الغربي وبني في الجانب الشرقي مدائن في أحداها صورة صنم قائم وله احليل، إذا أتاه المعقود والمسحور ومن لا ينتشر ذكره فسحه بكلتا يديه. انتشر ذكره وقوي علي الباة، وفي أحدهما بقرة لها ضرعان، إذا انعقد لبن امرأة أتتها ومسحتها بيديها، فإنه يدر لبنها لوقتها. وعمل للتماسيح طلسم بناحية أسيوط، فكانت التماسيح تنصب منها إلي أخميم، وإذا أمسكها فيقتلها ويستعملها جلودا في السفن. ويقال أن منقاوس الملك عمل بينا تدور تماثيل بجميع العلل وكتب علي رأس كل تمثال ما يصلح من العلاج فانتفع الناس بها زمانا إلي أن أفسدها بعض الملوك وعمل صورة امرأة مبتسمة لا يراها مهموم إلا زال همه ونسيه، فكان الناس يتناوبونها ويطوفون حولها ثم عبدوها من بعد ذلك. وعمل أيضا تمثالا من نحاس مذهب بجناحين لا يمر به زان ولا زانية إلا كشف عورته بيده، فكان الناس يمتحنون به الزناة، فامتنعوا الناس من الزنا في أيامه. فلما ملك كلكن عشقت حظية رجلا من خدمه، وخافت أن تمتحن بذلك الصنم فأخذت في ذكر الزواني مع الملك وأكثرت من سبهن وذمهن، فذكر كلكن ذلك الصنم وما فيه من المنافع. فقالت: صدق الملك غير أن منقاوس لم يصب في أمره، لأنه أتعب نفسه وحكماءه فيما حعله لإصلاح العامة دون نفسه، وكان حكم هذا الصنم أن ينصب في دار الملك حيث يكون نساؤه وجواريه، فإن اقترفت أحداهن ذنبا علم بها فيكون رادعا لهن متي عرض بقلوبهن شيء من الشهوة. فقال كلكن: صدقت، وظن أن هذا منها نصح، فأمر بنزع الصنم من موضعه ونقله إلى داره فبطل عمله، وعملت المرأة ما كانت همت به.

стр. 45

وبنى أيضا هيكلا على جبل القصير للسحرة فكانوا لا يطلقون الرياح للمراكب المقلعة إلا بضريبة [يأخذونها] (١) منهم للملك. وبني أيضا [مناوس] بن منقاوس في صحراء الغرب مدينة بالقرب من مدينة السحرة تعرف بقنطرة، ذات عجائب وجعل في وسطها قبة عظيمة عليها كالسحابة تمطر شتاء وصيفا مطرا خفيفا، وتحت القبة مطهرة فيها ماء أخضر يداوى به من كل داء فيبريه. وفى شرقيها بربا لطيفا لها أربعة أبواب، لكل باب منها عضادتان، في كل عضادة صورة وجه يخاطب كل واحد منهما صاحبه بما يحدث يومه، فمن دخل البربا علي غير طهارة [نفخا فى وجهه فزصابه رعدة فظيعة لا تفارقه حتي يموت] (٢). وكانوا يقولون أن في وسطه مهبط النور في صورة العمود من اعتنقه لم يحتجب عن نظرة شئ من الروحانية، وسمع كلامهم، ورأى ما يعملون. وعلى كل باب من أبواب هذه المدينة صورة راهب في يده مصحف فيه علم من العلوم فمن أحب معرفة ذلك العلم وضعه على صدره. وحكي عن رجل أنه أتي عبد العزيز بن مروان (٣) وهو أمير مصر فعرفه أنه تاه في صحراء الشرق، فوقع علي مدينة خراب فيها شجرة تحمل كل صنف من الفاكهة، وأنه أكل منها وتزود. فقال له رجل من القبط: هذه إحدي مدينتي هرمس وفيها كنوز كثيرة. فوجه عبد العزيز معه جماعة معهم ماء وزاد، فأقاموا يطوفون تلك الصحارى نحو شهرا فلم يقفوا لها على أثر. وعملت أم ميلاطس الملك بركة عظيمة في صحراء الغرب، وجعلت في وسطها عمودا طوله ثلاثون ذراعا، وفي أعلاه قصعة من حجارة يفوز منها الماء فلا ينقص أبدا.

стр. 46

وجعلت حول تلك البركة أصناما من حجارة ملونة، على صور الحيوانات من الوحش والطير والبهائم فكان كل جنس يأتي إلي صورته ويألفها فيؤخذ باليد وينتفع به. وعملت لولدها متنزها لأنه كان يحب الصيد، فجعلت فيه مجالس مركبة على أساطين من مرمر مصفحا بالذهب، مرصع بالجواهر والزجاج الملون، وزخرفته بالتصاوير العجيبة والنقوش، فكان الماء يطلع من فورات، وينصب إلي أنهار قد صفحت الفضة تجرى إلي حدائق فيها بديع الفروشات، وقد أقيم حولها تماثيل تصفر بأصناف اللغات، وأرخت علي المجالس ستورا من ديباج، واختارت لولدها من حسان بنات عمه وبنات الملوك وأزوجته، وحولته إلى هذه الجنة، وبنت حول تلك الجنة مجالس للوزراء والكهنة وأشراف أهل الصناعات، فكانوا يرفعون إليه جميع ما يعملونه، فإذا فرغوا من أعمالهم، حمل إليهم الطعام والشراب. وكان ميلاطس تقلد الملك بعد أبيه وهو صبي وكانت أمه مدبرة الملك - وهي حازمة مجربة - فأجرت الأمور على ما كانت عليه في حياة أبيه، وأحسنت وعدلت في الرعية، ووضعت عنهم بعض الخراج. وكانت أيامه سعيدة كلها في الخصب الكثير والسعة للناس والعدل. وكان له يوم يخرج فيه إلي الصيد، ويرجع إلي جنته فيأمر لكل من معه بالجوائز والأطعمة ويجلس للنظر يوما في مصالح الناس وقضاء حوائجهم، ويخلو يوما بنسائه. وكان ملكه ثلاث عشرة سنة فلما هلك من بعده فرسول بن قليمون بن أتريب فعمل منارا على بحر القلزم وعلي رأسه مرآة تجتذب [بها] المراكب إلي شاطئ البحر فلا يمكنها أن تبرح إلا أن تعشر، فإذا عشرت سارت. ولما مات دفن خلف الجبل الأسود الشرقى، وكان ملكا حكيما محبا للنجوم والعلوم والحكمة فعمل في أيامه درهم إذا ابتاع [به] صاحبه شيئا اشترط أن يزن له يبتاعه منه بوزن الدرهم، ولا يطلب عليه زيادة فيغتر البائع بذلك ويقبل منه الشرط فإذا تم ذلك بينهما، ووقع الوزن بالدرهم فيدخل قبالته جميع الأصناف ولا تعد له، وقد وجد هذا الدرهم في كنوزهم، ثم في خزائن بني أمية وكان الناس يتعجبون. ووجدوا دراهم أخر قيل أنها عملت في وقته أيضا، ومن شأن هذا الدرهم إذا أراد أن يبتاع حاجة أخذ ذلك الدرهم وقبله وقال له: أذكر العهد وابتاع به ما أراد. فأذا أخذ

стр. 47

السلعة (١) ومضي بها إلي بيته، وجد الدرهم قد سبقه إلي منزله ويجد البائع ذلك الدرهم ورقة آس أو قرطاس أو مثل ذلك الدرهم. وفي وقته أيضا عملت الآنية الزجاج التي توزن، فإذا ملئت ماء أو غيره ثم وزنت لم تزد عن وزنها الأول شيئا. وعمل فى وقته الآنية التي إذا جعل فيها الماء صار خمرا في لونه ورائحته وفعله. وقد وجد من هذه الأنية باطفيح في إمارة هارون بن خماروية بن أحمذ بن طولون، شربة جزع بعروة زرقاء [ببياض] (٢) وكان الذي وجدها أبو الحسن الصايغ الخراسانى هو ونفر معه، فأكلوا على شاطئ وشربوا بها الماء فوجدوه خمرا سكروا منه وقاموا ليرقصوا. فوقعت الشربة فانكسرت عدة قطع، فأغتم الرجل وجاء بها إلي هارون فأسف عليها. وقال: لو كانت صحيحة لأشتريتها ببعض ملكى. وأما الآنية النحاسية التي تجعل الماء خمرا، فإنها منسوبة إلي قلوبطرة بنت بطليموس ملكة الأسكندرية. وفي الوقت أيضا عملت الصور الحيثمية من الضفادع والخنافس والذباب والعقارب وسائر الحشرات وكانت إذا جعلت في موضع اجتمع إليها ذلك الجنس ولا يقدر علي مفارقة تلك الصورة حتي يقتل، وكأنه يعمل أعماله كلها بصور درج الفلك وأسمائها وطوالعها، فيتم له من ذلك ما يريده. وعمل في صحراء الغرب ملعبا من زجاج ملون في وسطه قبة من زجاج أخضر صافي اللون، فإذا طلعت عليها الشمس ألقت شعاعها علي مواضع بعيدة، وعمل في جوانبه الأربعة مجالس عالية من زجاج، لكل مجلس لون ونقش عليها بغير لونها الأول وعمل طلسمات عجيبة ونقوشات غريبة وصورا بديعة، كل ذلك من زجاج مطبق يشف. وكان يقيم في هذا الملعب الأيام، وعمل له ثلاثة أعياد في كل سنة، فكان الناس يحجون إليه في كل عيد، ويذبحون له ويقمون فيه سبعة أيام.

стр. 48

ولم يزل هذا الملعب تقصده الأمم، فإنه لم يكن له نظير ولا عمل في العالم مثله إلى أن هدمه بعض الملوك لعجزه عن عمل مثله. ويقال أن العقيان قد كثرت في أيامه بمصر وأضرب بالناس، فأحضر الملك الكاهن وسأله عن سبب كثرتها، فقال: إن إلهك أرسلها لتعمل لها نظيرا وتسجد له. فقال: إن كان يرضيه ذلك، فأنا أفعله. فقال إن ذلك رضاه فأمر بعمل عقاب طوله ذراعان في عرض ذراع من ذهب مسبوك، وعمل له وشاحين من لؤلؤ منظوم على أنابيب من جوهر أخضر، وفى منقاره درة معلقة وسروله بأدرك أحمر، وإقامة على قاعدة من فضة منقوشة، قد ركبت علي قائمة من زجاج أزرق، وجعله في أزج - يمين الهيكل وألقي عليه ستور الحرير وجعل يقرب له عجلا أسود وبكارة الفراريح وباكورة الفواكه والرياحين. فلما تمت له سبعة أيام دعاهم إلى السجود فأجابه الناس، ولم يزل الكاهن يجهد نفسه في عبادة العقاب وعمل له عيدا. فلما تم له أربعون يوما نطق الشيطان من جوفه، وكان أول من دعاهم إليه أن يبحر له في أنصاف الشهور بالمندل ويرش العتيق التي يؤخذ من روءس الخوابي وعرفهم أنه قد أزال عنهم العقيان وضررها، وكذلك يفعل في غيرها مما يخافون. فسر الكاهن لذلك وتوجه إلى أم الملك يعرفها ذلك، فسارت إلي الهيكل وسمعت كلام العقاب، فسرها ذلك وأعظمته، وبلغ ذلك الملك فركب إلى الهيكل حتى خاطبه وأمره ونهاه. فسجد له وأقام له سدنة، وأمر أن يزين بأصناف الزينة، فكان يقوم بهذا الهيكل ويسجد لتلك الصورة ويسألها عما يريد فتخبره. وعمل من الكيمياء ما لم يعمله أحد من الملوك، فيقال أنه دفن في صحراء الغرب [خمسمائة دفين] (١) ويقال أنه عمل على باب مدينة صا عمودا عليه صنم في صورة امرأة جالسة وفي يدها مرآة تنظر إليها، وكان العليل يأتى إلى هذه المرآة وينظر فيها - أو ينظر له أحد فيها، فإن كان يموت من علته تلك رأوه ميتا، وإن كان يعيش رأه حيا وينظر فيها أيضا للمسافرين فإن رأوه مقبلا بوجهه علموا أنه راجع، وإن رأوه موليا علموا أنه يتمادى في سفره، إن كان مريضا أو ميتا رأوه كذلك في المرآة.

стр. 49

وعمل بالأسكندرية [أيضا] صورة راهب جالس علي قاعدة وعلي رأسه صفة برنس، وفي يده عكاز فإذا مر به تاجر جعل بين يديه شيئا من المال على قدر بضاعته، فإن تجاوزه ولو يمن بعد من غير أن يضع بين يديه المال، لم يقدر علي الجواز وثبت قائما مكانه، فكان يجتمع من ذلك مال عظيم يفرق للفقراء والمساكين وعمل في زمنه كل أعجوبة ظريفة، وعمل لنفسه ناووسا في داخل أرض الغرب عند جبل يقال له سدام وعمل تحته أزجا طوله مائة ذراع، وأرتفاعه ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا بالمرمر والزجاج الملون وسقفه بالحجارة وعمل دار به مساطب من زجاج علي كل مسطبة أعجوبة، وفي وسط الأرج دكة من زجاج علي كل ركن من أركانها صورة تمنع من الدنو إليها وبين كل صورتين منارة عليها حجر يضئ، وفى وسط الدكة حوض من ذهب فيه جسده بعد ما ضمد بالأدوية الماسكة، ونقل إليه ذخائره من الذهب والجواهر وغيره، وسد باب الأزج بالصخور والرصاص، وهيل عليها الرمال. وكان ملكه ثلاثا وسبعين سنة، وعاش مائتين وأربعون سنة وملك ولده من بعده ايساد فعمل مرآة في مدينة منف تري الأوقاف التي تخصب فيها مصر وتجدب، وبنى بداخل الواحات مدينة، ونصب قرب البحر أعلاها كثيرة. وعمل خلف المقطم صنما يقال له صنم الحيلة، فكان كل من تعذر عليه أمر يأتيه ويبخر فيتسر ذلك الأمر له. وجعل بحافة البحر المالح منارا يعلم منه أمر البحر وما يحدث فيه، من أقصي ما يصل إليه البصر علي مسيرة أيام، وهو أول من أتخذها ويقال أنه بني أكثر مدينة منف. ولما تدارس (١) بن صا الأحياز كلها بعد أبيه، وصفا له ملك مصر، بني في غربي مدينة منف بيتا عظيما من كوكب الزهرة، وأقام فيه أصناما عظيمة من لاروزد مذهب وسورها بسوارين من زبرجد أخضر. فمنها صنم في صورة امرأة لها ضفيرتان من ذهب أسود مدبر، وفى رجليها خلخالات من حجر أحمر شفاق ونعلان من ذهب وبيدها قضيب مرجان وهي تشير بسباتها كأنها تسلم على من في الهيكل. وجعل حداها تمثال بقرة ذات قرنين وضرعين من نحاس أحمر مملوء بذهب، وفرش الهيكل بحشيشة الزهرة يبدلونها فى كل سبعة أيام.

стр. 50

وجعل في الهيكل كراسى للكهنة قد صفحت بالذهب والفضة، وكان يقرب لهذا الأصناف ألف رأس من الضأن والماعز والوحش والطير، وكان يحضر يوم الزهرة ويطوف بتلك الصنم التي علي صورة المرأة، ولم يزل هذا الهيكل إلي أن هدمه بخت نصر، ويقال كان في غربي مصر مدينة يقال لها هرميدة بها قوم من البربر قد ملكوا عليهم امرأة ساحرة فغزاهم ماليق، فلم ينل منهم قصدا ورجع فارادت ملكتهم إفساد أرض مصر، فعملت من سحرها شيئا وارمته في البحر ففاض الماء علي المزارع حتي أفسدها وكثرت التماسيح والضفادع وفشت الأمراض في الناس فأثارت فيهم الثعابين والعقارب فأحضر ماليق الكهنة والحكماء في دار حكمتهم، وألزمتهم بالنظر لذلك فنظروا في نجومهم فرأوا أن الآفة أتتهم من ناحية الغرب فعلموا حينئذ أنه من فعل تلك الساحرة فأجتهدوا في دفع ذلك بما عندهم من العلم حتي انكشف عنهم الغمة العظيمة. وفي أيام دارم بن الريان وهو فرعون الرابع الذى يقال عبد القبط درعوش ظهر معدن الفضة على ثلاثة أيام من النيل فأثاروا منه شيئا عظيما. وعمل صنما علي اسم القمر لأن طالعه كان برج السرطان ونصبه علي الرخام الذي بناه أبوه في شرقي النيل ونصب حوله أصناما كلها من الفضة وألبسها الحرير الأحمر، وعمل للصنم عيدا، كلما دخل القمر برج السرطان. ولما ولي اكسايس وهو فرعون السادس أقام أعلاما كثيرة حول منف وجعل عليها أساطين يمشى من بعضها إلى بعض وعمل كوة من فضة ونقش عليها صورة الكواكب ودهنها بالدهن الصيني، وأقامها علي منار في وسط منف. وعمل أيضا ميزان بكفتين من ذهب فكان معلقا في هيكل الشمس وكتب على إحدي كفتيه حق، والأخري باطل، وتحته فصوص قد نقش عليها اسم الكوكب، فيدخل الظالم والمظلوم ويأخذ كل واحد منهما فصا من تلك الفصوص، ويسمى عليه ما يريده، ويجعل أحد الفصين في كفة، فتثقل كفة الظالم وترفع كفة المظلوم. ولما أراد السفر أخذ فصين وذكر علي أحدهما اسم السفر، وعلي الآخر الإقامة، وجعل كل واحد في كفة فإن ثقلا جميعا ولم يرتفع أحدهما علي الآخر أقام وأن ارتفعا سافر وإن ارتفع أحدهما عن الآخر تأخر السفر ثم سافر وكذا من عليه دين أو من له غايب أو ينظر في إصلاح أمره وفساده، ويقال أن بختنصر لما دخل إلي مصر حمل هذا الميزان قيما حمله إلي بابل، وجعله في بيت من بيوت النار. وعمل في أيامه أيضا تنورا ويشوى فيه من غير نار

стр. 51

ويطبخ فيه بغير نار وسكين تنصب فإذا رآها شيء من البهائم أقبل حتي يذبح نفسه بها، وعمل ما يستحيل نارا والنار تستحيل هواء وشيئا من النيرجيات كثيرة. وقال ابن وصيف شاه: من أن سوريد الذي بني الأهرام هو الذى بني البرابي كلها، وعمل فيها الكنوز وزبر عليها علوما، ووكل بها روحانية تحفظها ممن يقصدها. قال في كتاب الفهرست: (١) وبمصر أبنية يقال ها البرابي والحجارة العظيمة الكبيرة وهى علي أشكال مختلفة وفيها مواضع الصحن والسحق والحل والعقد، وهذا يدل علي أنها عملت لصناعة الكيمياء. وفي هذه الأبنية نقوش وكتابات لا يدرى ما هى: قال ابن عبد الحكيم: لما أغرق الله آل فرعون بقيت مصر بعد غرقهم ليس فيها من أشراف أهلها أحد، ولم يبق بها إلا العبيد والاجراء والنساء، فأجمع رأيهن أن يولين امرأة منهن يقال لها دلوكة، وكان لها عقل ومعرفة وتجارب، وكانت يومئذ بنت مائة وستين سنة، فملكوها عليهم، فخشيت أن تتهاوت بها ملوك الأرض فجمعت نساء الأشراف وقالت لهن: أن بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد ولا يمد عيناه إليها، وقد هلك أكابرنا وأشرفنا وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم، وقد رأيت أن ابنى سورا أصون به جميع بلادنا، وأضع عليه الحرس من كل ناحية، فأنا لأنا من أن يطمع فينا الناس، فبنت جدارا أحاطت به علي جميع أرض مصر كلها [المزارع] والمدائن والقرى، وجعلت فيه محارس على كل ثلاثة أميال حرس وفيما بين ذلك مخارس صغار علي كل ميل، وجعلت في كل محرس رجالا، وأجرت عليهم الأرزاق وأمرتهم أن يحرسوا بالأجراس فإذا أتاهم من يخافونه ضرب بعضهم إلى بعض الأجراس فيأتيهم الخبر من أي وجه كان في ساعة واحدة فينظروا في ذلك … فمنعت بذلك مصر ممن أرادها. وفرغت من بنائه فى ستة أشهر وهو الجدار الذى يقال جدار العجوز بمصر، وقد بقيت بالصعيد منه بقايا كثيرة. قال المسعودى: وقيل إنما بنته خوفا على ولدها، وكان كثير القنص فخافت عليه من سباع البر والبحر من التماسيح وغيرها ..

стр. 52

قال المقريزى ﵀ أخبرنى الشيخ المعمر محمد بن المسعودى: أنه سار فى بلاد الصعيد على حائط العجوز ومعه رفقه، فاقتلع أحدهم منها لبنة، فإذا هى كبيرة جدا بخلاف المعهود الآن من اللبن في المقدار، فصار القوم يتأملونها، وبينما هم في رؤيتها إذ سقطت منهم إلى الأرض فأنقلقت فخرج منها قوله في غاية الكبر الذى يتعجب منه لعدم مثله في زماننا فقشروا ما عليها فوجدوها سالمة من السوس والعيب، كأنها قريب عهد بحصادها لم يتغير فيها شيء فأكلها الجماعة قطعة قطعة وكأنها خبئت لهم من الزمن القديم والأعصر الخالية. قال ابن عبد الحكيم: ثم أن ساحرة يقال لها تدوره (١)، وكانت السحرة تعظمها وتقدمها في علمهم وسحرهم. فبعث إليها دلوكة ابنة زبا [يقال] (٢): أنا قد احتجنا إلى سحرك، ولا نأمن أن نطمع فينا الملوك، فأعمل لنا شيئا يغلب به من حولنا، فقد كان فرعون يحتاج إليك، فكيف وقد ذهب أكابرنا في الغرق مع فرعون موسي فعملت بربا من حجارة في وسط مدينة منف، وجعلت له أربعة أبواب، كل باب منها إلى جهة وصورت فيها صور الخيل والبغال والحمير والإبل والسفن والرجال. وقالت لهم: قد عملت لكم عملا يهلك به كل من أتاكم من كل جهة فأنهم إن كانوا فى البر على خيل أو بغال أو إبل أو في سفن أو رجاله تحركت هذه الصور من جهتهم التى يأتون منها فما فعلتم بالصور من شيء أصابهم مثل ذلك في أنفسهم علي ما تفعلون بهم. فلما بلغ من حولهم من الملوك ذلك وأن ولاة مصر قد صارت مع النساء طعموا فيها وتوجهوا إليهم، فلما دنوا من عمل مصر دخلوا إلى تلك الصور الذى البريا وقطعوا رءوسها وفققوا أعينها ونقروا بطونها فأثر مثل ذلك بالخيل التي أرادتهم فتبادرهم الناس. وكان نساء أهل مصر حين غرق فرعون وقومه، ولم يبق إلا العبيد والإجراء، لم يصبرن عن الرجال فبادرت المرأة بعتق عبدها وتتزوجه، ونتزوج الأخرى أجبرها وشرطن على الرجال أن لا يفعلوا شيئا إلا باذنهن فأجابوا هن إلى ذلك، فكان أمر النساء علي الرجال من ذلك الوقت.

стр. 53

قال يزيد بن أبي حبيب: أن نساء القبط على ذلك إلى اليوم أتباعا لمن مضى منهم، لا يبيع أحدهم ولا يشترى إلا قال استأمر امرأتى حتي بلغ صبي من أكابرهم وأشرافهم، يقال له دركون بن بلوطس فملكوه عليهم. فلم تزل مصر ممتنعة بتدبير تلك العجوز نحوا من أربعمائة سنة. وكلما انهدم من ذلك البربا شيء من الذى فيه الصور، لم يقدر أحد على إصلاحه إلا تلك العجوز وولدها وولد ولدها، وكانوا أهل بيت لا يعرفون ذلك غيرهم، فانقطع أهل ذلك البيت، وانهدم من البربا موضع في زمان لقاس بن مرنيوس فلم يقدر أحد علي إصلاحه ومعرفة علمه وبقى على حاله وانقطع ما كتانوا يقهرون به الناس. فلما قدم بختنصر بيت المقدس وظهر علي بنى إسرائيل وسباهم، وخرج [بهم] من أرض بابل، قصد مصر وخرب مدائنها وقراها، وسبى جميع أهلها ولم يترك بها شيئا حتى بقيت مصر أربعين سنة خرابا ليس فيها مساكن ويجري نيلها ويذهب لا ينتفع، ثم رد أهل مصر إليها بعد أربعين نسة فعمروها. وقال بعض الحكماء: رأيت البرابي وأخذت أتأملها فوجدتها مشتملة على جميع أشكال الفلك والذى ظهر أنه لم يعملها حكيم واحد ولا ملك واحد، بل تولى عملها قوم بعد قوم حتى تكاملت في دور كامل وكانوا يجعلون الكتاب حفرا نقرا في الصخور ونقشا في الحجارة وحلقته مركبة في البنيان يريدون بذلك تخليد ذكرهم. وقد كتب غير المصريين كذلك كما كتبوا على قبة غمدان وعلى باب القيروان وعلي باب سمرقند وعلى عمود مأرب وعلى ركن المقشر وعلى الأبلق المفرد وعلى باب الرها فكانوا يعمدون إلى الأماكن المشهورة والمواضع المذكورة فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور وأمنعها من الدروس. قال المسعودى: وأتخذت دلوكة بمصر البرابى والصور، وأحكمت آلات السحر، وجعلت في البرابي صور من يرد من كل ناحية ودوابهم أبلا كانت أو خيلا، وصورت فيها من يرد من البحر من المراكب من بحر الغرب والشرق وجمعت فى هذا البرابي العظيمة المشيدة البنيان أسرار الطبيعة وخواص الأحجار وجعلت ذلك فى أوقات فلكية، وأيضا لأنها بالمؤثرات العلوية فكانوا إذا أورد إليهم جيش من نحو الحجاز واليمن عورت تلك الصور التى في البريا من الإبل

стр. 54

وغيرها، فيتعور عيون الإبل من الجيش وإذا كان الجيش من نحو الشام ما فعل بما وصفنا فى تلك الصور التى من تلك الجهة وكذلك من ورد من جيوش الغرب، ومن ورد فى البحر غير ذلك فمابتهم الملوك والأمم ومنعوا ناحيتهم من عدوهم، واتصل ملكهم بتدبير هذه العجوز وأثقالها وأتقانها لزم أقطار المملكة وأحكامها. وقد تكلم من سلف وخلف فى [هذه] الخواص، وأسرار الطبيعة التى كانت ببلاد مصر، وهذا الخبر من فعل العجوز مستفيض لا يشكون فيه. والبرابى بمصر من صعيدها وغيره باقية إلى هذا الوقت، وفيها أنواع الصور مما إذا صورت فى بعض الأشياء أحدثت أفعالا على حسب ما رسمت له وصنعت من أجله على حسب قولهم فى الطبائع التام والله أعلم. وقيل عن أبى الفيض ذي النون بن إبراهيم المصرى الأخميمى الزاهد - وكان حكيما، وكانت له طريقة يأتيها، وكان ممن يقر عن أخبار البرابي. قال: رأيت فى بعض البرابى كتابا تدبرته، فإذا فيه: يقدر المقدر والقضاء يضحك. ومن آخره كتابه فى ذلك العلم فوجدتها بيت شعر [يقول]. تدبر بالنجوم ولست تدرى … ورب النجم يفعل ما يريد قال: وكانت هذه الأمة التى اتخذت هذه البرابى، لهجة بالنظر في أحكام النجوم المواظبين على معرفة أسرار الطبيعة وكان عندها مما دلت عليه أحكام النجوم أن طوفانا سيكون بالأرض أنه أنار تأتي على الأرض فيحرق ما عليها أو ماء يغرقها أو سيف يبيد أهلها. فخافوا دثور العلوم وفناؤها بفناء أهلها فأتخذوا هذه البرابي ورسموا فيها علومهم في الصور والتماثيل والكتابة وجعلوا بنيانها نوعين: طينا وحجارة وفرزت ما بني بالطين مما بني بالحجارة. وقالوا: إن كان هذا الطوفان نارا استحجر ما بنينا بالطين وبقيت هذه العلوم، وإن كان الطوفان الوارد ماء أذهب ما بينها بالطين ويبقي ما بنينا بالحجارة، وإن كان الطوفان سيفا بقي كل من النوعين مما هو من الطين، وما هو في الحجر وهذا ما قيل والله أعلم .. وأن الطوفان الذى كانوا يرتقبونه ويقولون نار هو أم ماء أم سيف فكان سيفا فى جميع أهل مصر من بختنصر لما ملك مصر وسبي من بها وأباد أهلها. ومنهم من رأى أن

стр. 55

ذلك الطوفان كان وباعم أهلها ومصداق ذلك ما يوجد بلاد تنيس في التلال المنضدة من صغير وكبير وذكر وأنثى كالجبال العظام وهى المعروفة ببلاد تنيس من أرض مصر بذات الكوم وما يوجد ببلاد مصر وصعيدها من الناس المعلسين بعضهم على بعض في الكهوف والغيران والنواويس ومواضع كثيرة من الأرض لا يدرى من أى الأهم هم فلا النصارى تخبرهم أنهم من أسلافهم ولا اليهود يقولون أنهم من أسلافهم ولا المسلمون يدرون من هؤلاء ولا تاريخ ينبئ عن حالهم وعليهم أثوابهم وكثيرا ما يوجد في تلك البرابى والجبال ببلاد مصر بنيان قائم عجيب ببلاد أخميم والبريا الذى ببلاد سمنود وغير ذلك. *** ذكر الدفائن والكنوز التى يسمونها أهل مصر المطالب قال الأصل فى جواز تتبع الدفائن ما ورده أبو عمرو بن عبد البر من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ : لما انصرف من الطائف، مر بقبر أبي رغال (١) فقال هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف، كان إذا أهلك الله قوم صالح في الحرم فمنعه الله. فلما خرج من الحرم رماه الله بقارعة وآية وذلك أنه دفن معه عمرو بن ذهب فابتدر المسلمون قبره واستخرجوا العمود منه. ومن حديث عبد الله بن عمر سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر. فقال هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك أنه دفن معه، فابتدره الناس فأخرجوا العصا الذى كان معه.

стр. 56

وبمصر كنوز يوسف ﵇ وكنوز الملوك من قبله، والملوك من بعده، لأنهم كانوا يكنزون ما يفضل من النفقات لنوائب الدهور وهو يقول الله ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَكُنُوزٍ﴾ (١). ويقال أن علم الكنوز في كنيسة القسطنطينية (٢) نقلت إاليها من طليطلة (٣) ويقال أن الروم لما خرجت من الشام ومصر اكنزت كثيرا من أموالها في مواضع أعدتها لذلك وكتب كتبا بأعلام مواضعها وطرق الوصول إليها، وأودعت هذه الكتب في مكان في كنيسة القسطنطينية ومنها يستفاد معرفة ذلك، وقيل أن الروم لم تكنز، وإنما ظفرت بكتب معالم من اليونانيين والكلدانيين والقبط لما خرجوا من مصر والشام وحملوا تلك الكتب معهم وجعلوها في الكنيسة وقيل أنه لا يعطوا من ذلك أحدآ شيئا حتى يخدم الكنيسة مدة طويلة فيدفع إليه ورقة تكون حظه. قال المسعودى: ولمصر أخبار عجيبة من الدفائن والبنيان، وما يوجد في الدفائن من ذخائر الملوك التى استودعوها تحت الأرض وغيرها وقد أثبتنا جميع ذلك فى كتبنا فمن أخبارها ما ذكره يحيي بن بكير (٤) قال: كان عبد العزيز بن مروان فأتاه رجل متنصح فسأله عن نصحه فقال: بالقبة الفلانية كثير عظيم. قال عبد العزيز: وما مصداق ذلك؟ قال: هو أن يظهر لنا بلاط من المرمر عند يسير من الحفر ثم ينتهي بنا الحفر إلى باب من النحاس تحته عمود من الذهب على أعلاه ديك عيناه

стр. 57

ياقوتنا تساويان ملك الدنيا وجناحاه مضرحان بالياقوت والزمرد، ورأسه على صفائح من الذهب على ذلك العمود فأمر له عبد العزيز بنفقة لأجل من تحفر معه من الرجال، وكان هناك تل عظيم فاحتقروت حفيرة عظيمة فى الأرض والدلايل المقدم ذكرها من الرخام والمرمر تظهر وعبد العزيز حرصا على ذلك وأوسع فى النفقة وأكثر من الرجال ثم إنتهوا في حفرهم إلى ظهور رأس الديك، فبرق عند ظهوره لمعان عظيم لما فيه عينيه من الياقوت ثم بان جناحاه ثم بانت قوائمه وظهر حول العمود عمود من البنيان بأنواع الحجارة والرخام وقناطر مقنطرة وطاقات علي أبوابه معقودة ولاحت منها تماثيل وصور وأشخاص من أنواع صور الذهب واجران من الأحجار قد أطبق عليها أغطيتها وسبكت. فركب عبد العزيز بن مروان حتي أشرف علي المواضع فنظر إلي ما ظهر من ذلك فتسرع بعضهم ووضع قدمه علي درجة من نحاس فينتهي إلي ما هنالك. فلما استقرت قدمه علي المرقاة ظهر سيفان عاديات عن يمين الدرجة وشمالها، فالتقيا علي الرجل فلم يدر حتي جرته قطعا قطعا وهوي جسمه سفلا. فلما استقر جسمه علي بعض الدرج اهتز العمود وصفر الديك صفيرا عجيبا أسمع من كان بالبعد من هناك وحرك جناحيه وظهرت من تحته أصوات عجيبة قد عملت بالكواكب والحركات وكان إذا ما وقع علي تلك الدرج شيء أو مسها شئ انقلبت، فتهاوي كل من هناك إلى أسفل في تلك الحفر وكان فيهما من يحفر ويعمل وينقل التراب وينظر ويحول ويأمر وينهى نحو ألف رجل فهلكوا جميعا، فخرج عبد العزيز وقال: هذا ردم عجيب الأمر ممنوع النيل، نعوذ [بالله] منه، وأمر جماعة من الناس فطرحوا ما خرجوا منها من التراب على من هلك من الناس فكان المواضع قبرا لهم. قال المسعودى: وقد كان جماعة من أهل الدفائن والمطالب ومن قد اعتني وأغري بحفر الحفائر وطلب الكنوز وذخائر الملوك والأمم السالفة المستودعة بطن الأرض ببلاد مصر قد وقع إليهم كتابا ببعض الأقلام السالفة فيه ووصف موضع ببلاد مصر على أذرع يسيرة من بعض الأهرام بأن فيه مطليا عجيبا فأخبروا الأخشيد محمد بن طغج بذلك فأمرهم بحفره واستعمل الحيلة في إخراجه فحفروا حفرا عظيما إلى أن انتهوا إلى أزج وأقباء وحجارة مجوفة في صخر منقور فيه تماثيل قائمة على أرجلها من الخشب وهى صور مختلفة منها صور شيوخ وشبان ونساء وأطفال أعينهم من أنواع الجوهر كالياقوت والزمرد والفيروز، ومنها ماء وجوهها ذهب وفضة فكسر بعض تلك التماثيل فوجدوا في أجوافها دمما بالية وأجساما

стр. 58

فانية، وإلي جانب كل التماثيل منها نوع من الأبنية كالبرابي وغيرها من المرمر والرخام وفيه من الطلاء الذى قد طلي منه ذلك الميت الموضوع في التماثيل الخشب، والطلاء دواء مسحوق وأخلاط معمولة لا رائحة لها. فجعل منها شيئا علي النار ففاح منه ريح طيبة مختلفة لا يعرف في نوع من الأنواع الطب، وقد جعل كل تمثال من الخشب علي صورة ما فيه من الناس علي أختلاف أشياء لهم ومقادير أعمالهم وتباين صورهم وبازاء كل تمثال تمثال من الحجر المرمر أو من الرخام الأخضر علي هيئة الصنم علي خشب عبادتهم للتماثيل والصور وعليها أنواع من الكتابات لم يقف أحد علي استخراجها من أهل المملكة، ورغم قوم من نوي الدراية أن لذلك القلم منذ فقد من أهل مصر نحو أربعة آلاف سنة. وفيما ذكرناه دلالة أن هؤلاء ليسوا يهود ولا نصاري وكان في ذلك في سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة. وقد كان من سلف وخلف ممن ولاة مصر أحمد بن طولون وغيره، إلي هذا الوقت وهو سنة اثنين وثلاثين وثلاثمائة، لهم أخبار عجيبة فيما استخرج فى أيامهم من الدفائن والأموال والجواهر، وما أطيب في هذه المطالب من القبور وقد أثبتنا علي ذكرها فيما تقدم من هذا الكتاب. وركب أحمد بن طولون يوما إلى أهرام، فأتاه الحجاب يقوم عليها ثياب صوف ومعهم المساحي والمعاول فسألهم عما يعملون. فقالوا: نحن قوم نطلب المطالب. فقال لهم: لا تخرجوا إلا بمرسوم ورجل من قبلي فأخبروه أن في سميت الأهرام مطلبا قد عجزوا عنه فضم إليهم الراقفي، وتقدم إلى عامل الجيزة فى أعانتهم بالرجال والنفقات وانصرف، فأقاموا مدة يعملون فيه حتى ظهر لهم فركب أحمد ين طولون إليهم وهم يحفرون فكشفوا عن حوض مملوء دنانير، وعليه غطاء مكتوب عليه [بالبيزنطية] بقلمهم فأحضر فرأه فإذا فيه أيا فلان بن فلان الملك الذى ميز الذهب من غشه ودنسه، فمن أراد أن يعلم فضل ملكي علي ملكه، فلينظر إلي فضل عيار ديناري علي عيار ديناره، فإن تخلص الذهب من الغش كمخلصه في حياته وبعد وفاته. فقال أحمد بن طولون: الحمد لله إن ما ينتهى عليه هذه الكتابة أحب إلي من المال، ثم أمر لكل من القوم المطالبية بمائتين دينار منه، ولكل من الصناع بخمسة دنانير بعد توفية أجرته وللرافض بثلاثمائة دينار منه ولنسيم الخادم بألف دينار، وحمل باقى الدنانير فوجدها أجود من كل عيار وتشدد من حينئذ في العيار بمصر حتي صار ديناره الذي عرف بالأحمدي أجود عيار وكان لا يطلي إلا به .. ***

стр. 59

ذكر هلاك أموال مصر قال الله ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ﴿رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ ﴿رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾ ﴿وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١) هذا دعاء من موسي ﵇ على فرعون وقومه من أهل مصر لكفرهم أن يهلك الله أموالهم. قال الزجاج (٢): طمس الشئ اذهابه عن صورته. وعن عبد الله بن عباس ﵁ عن محمد بن كعب القرظى (٣) أنهما قالا: صارت أموال أهل مصر ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها، صحاحا وأثلاثا وانصافا فلم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه، فلم ينتفع به أحد بعدهم. وقال قتادة: بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة. وقال مجاهد (٤) وعطية (٥): أهلكها الله تعالى حتى لا يرى عين مطوسة أى ذاهبة وطمس الموضوع إذا عفى ودرس. وقال ابن زيد: صارت دنانير ودراهمهم وفرشهم وكل شئ لهم حجارة.

стр. 60

وقال محمد بن كعب: وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين. قال وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرت ذلك فدعا بخريطة أصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وأنها حجارة. وقال محمد بن شهاب الزهرى (١): دخلت على بن عبد العزيز (٢) فقال: يا غلام أئتني بالخريطة، فجاء بخريطة نثر ما فيها فإذا فيها دراهم ودنانير وتمر وجوز وعدس وفول. فقال كل يا ابن شهاب، فأهويت إليه فإذا هو حجارة. فقلت ما هذا يا أمير المؤمنين، قال هذا ما أصاب عبد العزيز بن مروان من مصر، إذ كان عليها واليا وهو مما طمس الله عليه من أموالهم. وقال المضارب بن عبد الله الشامى (٣) أخبرنى من رأى النخلة بمصر مصروعة وأنها لحجر، ولقد رأيت ناسا كثيرا قياما وقعودا فى أعمالهم، ولو رأيتهم ما شككت فيهم قبل أن تدنوا منهم أنهم اناس وأنهم الحجارة، ولقد رأيت الرجل ورفيقه وأنه ليحرث على ثورين، وأنه وثوريه لحجارة. ونقل وسمه بن موسي في قصص الأنبياء أن فرعون لما هلك وقومه وآمنت بنو إسرائيل فاعليته، ندب موسى ﵇ من نقبائه الأثني عشر نقيب أحداهما كالب بن موما والآخر يوشع بن نون مع كل واحد من سبطه أثنا عشر ألفا، وأرسلها إلي مصر وقد خلت من حامية لغرق أهلها مع فرعون - فأخذوا ذخائر فرعون وكنوزه وعادوا إلى موسي. فذلك توريثهم أرض مصر يعنى قول الله تعالى عن قوم فرعون ﴿فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ، * وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ﴾ (٤) وكذلك ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ (٥) يعني أرض مصر أورثها لبنى إسرائيل أنهم هم المستضعفون فى الأرض وجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم فى الأرض.

стр. 61

قال داود بن رزق الله بن عبد الله الأسلمى (١): وكانت له سياحات كثيرة بأرض مصر أنه عبر إلى واد بالقرب من القلمون بالوجه القبلى، فرأي فيه مقانات كثيرة ما بين بطيخ وقثاء وتفاح وكلها حجارة. وكان قد أخبرنى قديما بعض أعيان الناس أنه شاهد فى سفره إلى بعض البلاد من أرض مصر بطيخا كثيرا كله حجارة وذلك البطيخ من الصنف الذى يقال له العبدلى. *** ذكر ما ورد فى فضائل النيل قال خرج مسلم من حديث أنس ﵁ في حديث المعراج أن رسول الله ﷺ قال: «ثم رفعت إلي سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة» (٢). قال هذه سدرة المنتهى؟ وإذا أربعة أنها نهر باطنان ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات. وفى التوراة وأخرج منها نهرا ينقسم أربعة أقسام: جيحون المحيط بأرض حويلا، وسيحون المحيط بأرض كوش وهو نيل مصر، ودجلة الأخذ إلى العراق والفرات. وروى ابن عبد الحكم عن عبد الله بن عمرو ﵄ إنه قال نيل مصر سيد الأنهار سخر الله له كل نهر من المشرق والمغرب فإذا أراد الله أن يجرى نيل مصر، وأوحي لكل نهر أن يمده فامدت الأنهار بمائها وفجر الله له الأرض عيونا» فإذا إنتهت فأجرته إلى ما أراد الله أوحى إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.

стр. 62

وعن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ سأل عنه كعب الأحبار هل تجد لهذا النيل فى كتاب الله خبرا. قال: أى والذى فلق البحر لموسي إني لأجده في كتاب الله، أن الله يوحي إليه في كل عام مرتين، يوحي إليه عند جرينه أن الله يأمرك أن تجرى فيجرى ما كتب الله له ثم يوحى إليه بعد ذلك يانيل عن حميدا. وعن كعب الأحبار أنه قال: أربعة أنهار من الجنة وضعها الله تعالي في الدنيا، فالنيل نهر العسل في الجنة، والفرات نهر الخمر في الجنة وسيحان نهر الماء في الجنة وحيحان نهر اللبن في الجنة. وقال المسعودى: نهر النيل من سادات الأنهار وأشراف البحار لأنه يخرج من الجنة على ما ورد به خبر الشريعة، وقد قالت الحكماء: أن النيل إذا زاد غاصت له الأنهار الدنيا والأعين والأبار وإذا زاد فزيادته من غيضها وغيضة من زيادتها، وليس في أنهار نهرا يسمي بحرا غير نيل مصر لكبر واستبحاره. وقال ابن قتيبة (١) في كتاب غريب الحديث وفي حديثه ﵇ نهران مؤمنان ونهران كافران. أما المؤمنات فالنيل والفرات. وأما الكافران فدجلة ونهر بلخ. إنما جعل النيل والفرات مؤمنين أنهما يفيضان علي الأرض ويسقيان الحرث والشجر بلا تعب في ذلك ولا مؤنة. وجعل دجلة ونهر بلخ كافرين لأنهما لا يفيضان علي الأرض ولا يسقيان شيئا إلا قليلا. وذلك القليل لا يأتى إلا بموته وكلفه، فلما اتصفا هذان بالخير والنفع كانا كالمؤمنين في الانقياد لأوامر اللع تعالى والتصديق بها، ولما اتصفا هذان بقلة الخير والنفع كانا كالكافرين في العناد وعدم الانقياد تشبيها مجازيا. ***

стр. 63

ذكر النيل وانبعاثه أعلم أن البحر المحيط بالمعمور إذا خرج منه بحر الهند، افترق قطعا كما تقدم، وكان منه قطعة تسمى بحر الزنج وهي مما يلي بلاد اليمن وبحر بربر. وفى هذه القطعة عدة جزائر منها جزيرة القمر بضم القاف وإسكان الميم ثم راء مهملة ويقال لهذه الجزيرة أيضا جزيرة ملاى وطولها أربعة أشهر في عرض عشرين يوما إلي أقل من ذلك. وهذه الجزيرة تحاذى جزيرة سرنديب وفيها عدة بلاد كثيرة منها قمرية، وإليها نسب الطائر القمرى، ويقال أن بهذه الجزيرة خشب منحت من الخشب ساق طوله ستون ذراعا بحذف علي ظهر مائة وستون رجلا، وأن هذه الجزيرة ضاقت بأهلها فبنوا علي الساحل محلات يسكنونها في سطح جبل يعرف بهم ويقال جبل القمر. وأعلم أن ذلك الجبال كلها متسعة من الجبل المستدير بغالب معمور الأرض وهو المسمي بجبل قاف وهو أم الجبال كلها متشعبة منه فتتصل فى موضع وتنقطع فى آخر، وهو كالدائرة لا يعرف لها أول إذا كانت الحلقة مستديرة لا يعرف طرفاها، وإن لم تكن استدارته كرية، ولكنها استدارة أحاطة. وزعم قوم أن أمهات الجبال جبلان: خرج أحدهما من البحر المحيط بالغرب وأخذ جنوبا، وخرج الآخر من البحر الرومى وأخذ شمالا حتى تلاقيا عند السد، وسموا الجنوبي قاف، فيعرف بذلك في الجنوب ويعرف في الشمال بجبل قاقونا. ومبدأ هذا الجبل المحيط من كتف السد أخذ من وراء صنم الخط المسجوج إليه إلي شعبته الخارجة منه المعمول بها باب الصين أخذ على غزبي صين الصين ثم ينعطف علي جنوبه مستقيما في نهاية المشرق على جانب البحر المحيط مع الفرجة المنفرجة بينه وبين البحر الهندي الداخلة، ثم ينقطع عند مخرج البحر الهندي المحيط مع خط الاستواء حيث الطول مائة وسبعون درجة ثم يتصل من شعبة البحر الهندى الماقى لشعبة المحيط الخارجة على بحر الظلمات من المشرق بجنوب كثيرة من وراء مخرج البحر الهندى في الجنوب، ويبقى الظلمات بين هاتين الشعبتين شعبة المحيط الجائية على جنوب الظلمات شرقا ويخرج البحر الهندى الجائية علي الظلمات حتي تتلاقا الشعبتان عند مخرج هذا الجبل كتفصيل السراويل ثم ينفرج برأس البحرين المتلاقيان شعبتان علي مبدأ هذا الجبل، ويبقى هذا الجبل بينهما كأنه خارج من نفس الماء.

стр. 64

ومبدأ هذا الجبل هنا وراء قبة عن شرقها وبعده منها خمس عشر درجة يقال لهذا الجبل فى أوله المجرد ثم يمتد حتى ينتهى في القسم الغربي إلي طول خمس وستون درجة من أول المغرب، وهناك يتشعب من الجبل المذكور جبل القمر، وينصب منه النيل وبه أحجار براقة كالفضة تتلألأ تسمى ضحكة الباهت، كل من نظرها ضحك والتصق بها حتى يموت، ويسمى حجر مغناطيس الناس، ويتشعب منه شعب يسمى أسيفى، أهله كالوحوش ثم ينفرج منه فرجة ويمر منه شعب إلي نهاية المغرب في البحر المحيط يسمى جبل وحشية به سباع لها قرون طوال الأنفاق وينعطف دون ذلك تلك الفرجة من جبل قاف شعب منها شعبتان إلى خط الاستواء يلتقيان مجرى النيل من المشرق والمغرب، فالشرقى يعرف بجبل فاقول، وينقطع عند خط الاستواء والغربي يعرف بادمرية يجرى عليه نيل السودان المسمى ببحر الدمادم وينقطع بتلقاء مجالات الحبشة ما بين مدينتى سمغرة وحيمى وراء هذه الشعبة، ويمتد شعبة منه هي الأم من الموضع المعروف فيه الجبل بأسيفى المذكور إلى خط الاستواء حيث الطول هناك عشرون درجة ويعرف هناك كرسقانة وبه وحوش ضاربة. ثم ينتهى إلى البحر المحيط وينقطع دونه بفرجه وذلك وراء التكرور عند مدينة قلمتبورا ووراء هذا [الجبل] سودان ناس يقال لهم تمتم يأكلون الناس يتصل الأم من ساحل البحر الشامى في شماله شرقي رومية كبرى مسامتا للشعبة المسماة أدمدمة المنقطعة بين سمغرة وجيمي لا يكاد يخطها حيث الطول خمس وثلاثون درجة عند أخذها ما بين سردانية وبلنسية وتتناهي وصلة هذه الأم إلي البحر المحيط علي نهاية الشمال قبالة جزيرة بركانية، وتبقي منه بقية داخل الجبل ثم تمتد هذه الأم بعد انقطاع لطيف وينعطف مع انعطاف خرجه البحر المحيط في الغرب بشماله على الصقلب المسماة ببحر الأنفلشين ممتدا إلى غاية المشرق ويسمى هناك جبل فاقونا ويبقي وراءه البحور ويبقي وراه البحور الجامدة لشدة البرد، ثم ينعطف من الشمال المشرق جنوبا بتغريب إلى كتف السد الشمالي، فيتلاقي هناك الطوفان وبينهما في الفرجة المنفرجة سوى ذوي القرنين بين الصدفين. وفي جزيرة القمر ثلاثة أنهار أحدهما في شرقيها أخذ من قنطورا ومعلا، ويأتيها من غربيها، وينصب من جبل فيه قدم آدم ﵇. وفي مدينة سبأ ويأخذ مارا علي مدينة فردا تجري هناك بحيرة وفى جنوبها مدينة كيما ما حيث محل السودان الذين يأكلون الناس ويأتيها في غربيها أيضا، ويخرج من الجيل المسم محذوفة الذيل يطوف بمدينة

стр. 65

دهما بينه وبين البحر الهندى في جزيرة بينهما يكون هو محيطا بها شرقا وغربا وجنوبا ويصير لذلك الجزيرة ويتصل شمالها بالبحر الهندى، وينتفع مدينة قواره فى غربية حيث يصب فى [البحر] الهندى. ومن جبل القمر يخرج نهر النيل وقد كان تتبدد على وجه الأرض، فلما قدم نقراوش الجبار بن مصريم الأول بن مركابيل بن دوابيل بن عرباب بن آدم ﵇ إلى أرض مصر ومعه عدة بنى غرباب واستوطنوا بها، وبنوا بها مدينة أمسوس وغيرها من المدائن، حفروا النيل حتى أجروا ماءه إليهم. ولم يكن قبل ذلك معتدل الجري بل ينبطح ويتفرق في الأرض حتي وجه إلي النوبة الملك نقراوش فهندسوه وساقوا منه أنهار إلي مواضع كثيرة من مدنهم التي بنوها وساقوا منه نهرا إلي مدينة امسوس ثم لما خربت، ثم خربت أرض مصر بالطوفان وكانت أيام البودشير بن قفط بن مصر بن ببصر بن حام بن نوح ﵇، [عدل جانبي النيل تعديلا ثانيا بعد ما أتلفه الطوفان] (١). قال الأستاذ إبراهيم بن وصيف شاه فملك البودشير وتجبر وهو أول من تكهن وعمل بالسحر واحتجب عن العيون وقد كان أعمامه أشمن وأتريب وصا ملوك علي أحيازهم، إلا أنه قهرهم بجبروته وقوته فكان الذكر له كما تجبر عليهم أبوه من قبله لأنه كان أكبرهم ولذلك أغضوا عنه. فيقال أنه أرسل هرمس الكاهن المصرى إلى جبل القمرى الذى يخرج النيل من تحته حتى عمل هناك هيكل التماثيل النحاس وعدل البطيحة التي ينصب فيها ماء النيل. ويقال أنه الذى عدل جانبي النيل وقد كان يفيض وربما انقطع فى مواضع. وهذا القصر الذى فيه التماثيل النحاس يشتمل علي خمس وثمانين صورة، جعلها هرمس جامعه لما يخرج من ماء النيل بمعاقد مدبرة وقنوات تجرى الماء فيها، وينصب إليها إذا خرج من تحت جبل القمر حتي يدخل من تحت الصورة ويخرج من حلوقها، وجعل لها قياسا معلوما بمقاطع وأذرع مقدرة وجعل ما يخرج من هذه الصور من الماء ينصب إلى الأنهار ثم يصير منها إلي بطيحتين ويخرج منها حتى ينتهى إلى البطيحة الجامعة للماء الذى يخرج من

стр. 66

تحت الجبل وعمل لتلك الصورة مقادير بين الماء يكون معه الصلاح بأرض مصر، وينتفع به أهلها دون الفساد وذلك الإنتهاء المصلح ثمانية عشر ذراعا بالذراع الذى مقداره أثنان وثلاثون أصبعا، وما فضل عن ذلك عدل بمني تلك الصورة وشمالها إلى مسارب تخرج وتصب فى رمال وغياض لا ينتفع بها من خلف خط الأستواء، ولولا ذلك لغرق ماء النيل البلدان التي يمر عليها. قال: وكان الوليد بن دومع العمليقي قد خرج في جيش كثيف يتنقل فى البلدان ويقهر ملوكها ليسكن ما يوافقه منها، فلما صار إلي الشام إنتهى إليه خبر مصر وعظم قدرها، وأن أمرها قد صار إلى النساء وباد ملوكها، فوجه غلاما له يقال له عون إلى مصر وسار إليها بعده واستباح أهلها وأخذ الأموال وقتل جماعة من كهنتها. ثم بدا له أن يخرج ليقف علي مصب النيل ويعرف ما بناحيته من الأمم فأقام ثلاث سنين يستعد لخروجه وخرج في جيش كثيف، فلم يمر بأمة إلا أبادها ومر على أمم السودان وجاورهم ومر علي أرض الذهب فرأي قصبانا نابتة من الذهب ولم يزل يسير حتي بلغ البطيحة التي ينصب النيل فيها من الأنهار التي يخرج من تحت جبل القمر، وسار حتي بلغ هيكل الشمس وتجاوزه حتي بلغ جبل القمر وهو جبل عال إنما سمى بجبل القمر، لأن القمر لا يطلع إلا عليه لأنه خارج من تحت خط الأستواء ونظر إلي النيل يخرجه من تحته حتى ينتهى إلى خطرتين ثم يخرج منهما إلى نهرين حتى ينتهى إلى خطيرة أخرى، فإذا خط الاستواء مدته يمكن تجرى بناحية نهر مكران بالهند وتلك العين أيضا تخرج من تحت جبل القمر إلى ذلك الوجه، ويقال أن نهر مكران قبل النيل يزيد وينقص وفيه التماسيح والأسماك التى مثل أسماك النيل ووجد الوليد بن ذومع العمليقي القصر الذي فيه التماثيل النحاس التي عملها هرمس الأول في وقت البودشير بن قفطريم بن مصرايم، وقد ذكر قوم من أهل الأثر أن الأنهار الأربعة تخرج من أصل واحد من قبله فى أرض الذهب التي من وراء البحر المظلم وهي سيحون وجيحون والفرات والنيل، وأن تلك الأرض من أرض الجنة، وأن تلك القبة من أبرجد، وأن الماء قبل أن يسلك البحر المظلم أحلى من العسل وأطيب رائحة من الكافور وممن وصل إلى هذا المكان رجل من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم ﵉ ووصل إلي تلك القبة وقطع البحر المظلم وكان يقال له حايد. وقال آخرون: هذه الأنهار تنقسم هذه الأنهار على أثنين وسبعين قسما خذاء أثنين وسبعين لسانا للأمم.

стр. 67

وقال آخرون هذه الأنهار من ثلوج تتكاثف ويذيبها الحر فتسيل إلى هذه الأنهار ويشقى من عليها لما يريد الله من تدبير خلقه قالوا: ولما بلغ الوليد جبل القمر راق جبلا عظيما عاليا إلى الحيلة إلي أن صعد إليه ليرى ما خلفه فاشرف على البحر الأسود الزفتي المنتن، ونظر إلي النيل يجري عليه كالخيوط الرقاق فأتته من ذلك البحر روائح منتنه، هلك كثيرا من أصحابه من أجلها فأسرع النزول بعد أن كاد يهلك. وذكر قوم أنهم لم يروا هناك شمسا ولا قمرا إلا نورا أحمر كنور الشمس عند غيابها. وأما ما ذكروه عن حايد وقطعة البحر المظلم ماشيا عليه لا يلصق بقدميه منه شئ، وأنه سأل الله تعالى أن يريه منتهي النيل فأعطاه قوة علي ذلك فيقال أنه أقام يمشى عليه ثلاثين سنة فى عمران، وعشرين سنة في خراب، قالوا: وأقام الوليد في غيبته أربعين سنة وعاد ودخل منف وأقام بمصر وأستعبد أهلها واستباح حرمهم وأموالهم وملكهم مائة وعشرة سنين فابغضوه وسيموه إلي أن ركب في أيامه متصيدا فألقاه فرسه في وهذه فقتله واستراح الناس منه. وقال قدامة بن جعفر (١) في كتاب الخراج: انبعاث النيل من جبل القمر وراء خط الأستواء من عين تجري منها عشرة أنهار، كل خمسة منها تصب إلي بطيحة ثم يخرج من كل نهران، وتجرى الأنهار الأربعة إلي بطيحة كبيرة في الأقليم الأول، ومن هذه البطيحة يخرج نهر النيل. وقال في كتاب «نزهة المشتاق في اختراق الأوفاق» أن هذه البحيرة تسمي بحيرة كوري منسوبة لطائفة من السودان يسكنون حولهما متوحشين يأكلون من وقع إليهم من الناس، ومن هذه البحيرة يخرج نهر غانة وبحر الحبشة، فإذا خرج النيل منها يشق بلاد كورى ولهم طائفة من السودان بين كاتم والنوبة، فإذا بلغ دنقلة بمدينة النوبة - عطف من غريبها وأنحدر إلي الأقليم الثانى، فيكون على شيطه عمارة النوبة، وفيه هناك جزائر متسعة عامرة بالمدن والقرى، ثم تشرق إلى الجنادل. وقال المسعودى: رأيت في كتاب جغرافيا: أن النيل مصورا ظاهرا من تحت القمر

стр. 68

ومنبعه ومبدأ ظهوره أثنى عشر عينا، فتصب تلك المياه إلي بحيرتين هنالك كالبطائح، ثم يجتمع الماء منهما جاريا فيمر برمال هنا لك وجبال، ويخرق أرض السودان فيما يلي بلاد الزنج فيتشعب منه خليج يصب في بحر الزنج، ويجري علي وجه الأرض تسعمائة فرسخ في عامر وغامر من عمران وخراب، حتي يأتى أسوان من صعيد مصر. وقال في كتاب هروشيش: أن نهر النيل مخرجه من ريف بحر القلزم ثم يميل إلي ناحية الغرب، فيصير في وسطه جزيرة، وآخر ذلك يميل إلي ناحية الشمال فيسقى أرض مصر. وقيل أن مخرجه من عين فيما يجاور الجبل ثم يغيب في الرمال، ثم يخرج غير بعيد فيصير له محبس عظيم، ثم يساير على قفار الحبشة، ثم يميل علي اليسار إلي أرض. قال: ونهر النيل وهو الذي يسمي بأون مخرجه خفي ولكن ظاهر إقباله من أرض الحبشة ويصير له هناك محبس عظيم مجراه إليه مائتا ميل. وذكر مخرجه حتى ينتهي إلي البحر. وقال: وكثيرا ما يوجد في نهر النيل التماسيح. وأقبال النيل من أرض الحبشة ليس يختلف فيه أحد، وعدة أميال من مخرجه المعروف إلي موقعه مائة ألف وتسعون ألفا وتسعمائة وثلاثون ميلا وماء النيل يجري علي مر كل وهو عذب دفئ، والنيل إذا وصل إلي الجنادل كان عند إنتهاء مراكب النوبة إنحدارا، ومركب الصعيد أقلاعا وهناك حجارة مضرسة لمرور المراكب عليها إلا فى آوان زيادة النيل ثم يأخذ على الشمال فيكون على شرقية أسوان من الصعيد الأعلى، ويمر بين الجبلين يكتفيان أعمال مصر. أحدهما شرقى، والآخر غربي، حتي يأتي مدينة فسطاط مصر فيكون في بره الشرقي، فإذا تجاوز فسطاط مصر بمسافة يوم، صار فرقتين تمر حتى تصب في بحر الروم عند دمياط وتسمى هذه الفرقة بحر الشرق، والفرقة الأخرى هي عمود النيل ومعظمة يقال لها بحر العرب تمر حتي تصب في بحر الروم أيضا عند رشيد، وكانت مدينة كبيرة قديم الزمان. ويقال أن مسافة النيل من منبعه إلى أن يصب في البحر عند رشيد سبعمائة وثمانية وأربعون فرسخا، وأنه يجرى في الخراب أربعة أشهر، وفي بلاد السودان شهرين وفي بلاد الإسلام مسافة شهر. وذهب بعضهم إلي أن زيادة ماء النيل إنما تكون بسبب المد الذي يكون في البحر، فإذا فاض ماؤه تراجع النيل وفاض علي الأراضى، ووضع في ذلك كتابا حاصله أن حركة البحر التى يقال لها المد والجزر - توجد في كل يوم وليلة مرتين، وفي كل شهر مرتين،

стр. 69

وفي كل سنة مرتين كالمد والجزر اليومي تابع لقرص القمر، ويخرج الشعاع عنه من جنبتى جرم الماء … [فإذا كان القمر وسط السماء كان البحر في غاية المد] (١) فإذا كان القمر في وتد الأرض، فإذا بزغ القمر طالعا من الشرق أو غرب كان الجزر والمد الشهرى يكون عند استقبال القمر للشمس في نصف الشهر، ويقال له الامتلاء أيضا عند الاجتماع، ويقال له السرار. والجزر يكون أيضا في وقتين: عند تربيع القمر للشمس فى سابع الشهر، وفى ثانى عشرية. والمد السنوي يكون أيضا في وقتين أحدهما عند حلول الشمس بآخر برج السنبلة والأخرى عند حلول الشمس بآخر برج الحوت. فإن اتفق أن يكون ذلك في وقت الامتلاء أو الاجتماع فإنه حينئذ يجتمع الامتلاء الشهرى والسنوى، ويكون عند ذلك البحر في غاية الفيض، لا سيما أن وقع الاجتماع والامتلاء فى وسط السماء، ووقع مع النيرين أو مع أحدهما أحد الكواكب السيارة فإنه يعظم الفيض. فإن وقع كوكبان فصاعدا مع أحد النيرين تزايد عظم الفيض، وكانت زيادة النيل تلك السنة عظيمة جدا، وزاد أيضا نهر مهران لا يبلغان غاية زيادتهما لعدم الأنوار التى تثير المياه، ويكون بمصر تلك السنة الغلاء والجزر السنوى يكون عند حلول الشمس برأسي الجدى والسرطان. فأما المد اليومى الدافع من البحر المحيط فإنه لا ينتهى في البحر الخارج من المحيط أكثر من درجة واحدة فلكية، ومساحتها من الأرض نحو من ستين ميلا، ثم ينصرف وانصرافه هو الجزر. وكذلك في الأودية إذا كانت الأرض. وهذه المد الشهرى ينتهى إلى أقاصى البحار وهو يمسكها حتى لا تنصب في البحر المحيط، وحيث المد الشهرى فهناك منتهى ذلك البحر وطرفه. وأما المد السنوي فإنه يزيد في البحار الخارجة عن البحر المحيط زيادة بينة، وعن هذه لزيادة تكون زيادة النيل وامتلاؤه وامتلاء نهر مهران والديتلو الذي ببلاد السند.

стр. 70

قال: ولما جاء أرسطو (١) إلى مصر مع الأسكندر ورأى مصب النيل، وعلم أنه من المحال أن يكون النيل في أسوان واديا من الأودية، وما انتحل اتسع حتي أن عرضه في أسفل ديار مصر لينتهى إلي مائة ميل عند غاية الفيض، وله أفواه كثيرة شارعة في البحر تسع كل ما يهبط من الميزان في ذلك الصقع .. فرأى محالا أن يكون الوادى بحيث يضيق أسفله عن حمل ما يأتى به أعلاه مع ضيق أعلاه وسعة أسفله. فلما رأي ذلك قال: أن ريا ما تستقبل جرية الماء وتردعه فيفيض لذلك قال الأسكندر الأفردوسي: أن من المحال أن يكون الريح يردع الماء السائل في الوادي حتي يفيض أكثر من مائة ميل، ولو كانت الريح تفعل ذلك لكان الماء ينفلت من أسفل الوادى، ويسيل إلي البحر لأن الريح لا تمسك إلا أعلاه ولكن الرياح تقذف الرمل في أفواه تلك الشوارع التي تفضي إلي البحر، فيعتريها شبه الردم، فيفيض. قال: وأغفل أن الرمل متخلخل، فالماء يتخلله وينفده سائلا إلى البحر مع أن الرمل لم يعتل اعتلاء يظهر للحسن، والماء في كل حين سائل على حلق تنيس ودمياط، وحلق رشيد وخلق أسكندرية، ففطنوا لاستحالة كونه سائلا عن سيل حامل ونسبوا توقفه إلى الريح والرمل وهما استقص الهواء واستقص الأرض وأغفلوا الاستقصاء الثالث الذى هو الماء لأنهم لم يعرفوا حركة البحر السنوية لأنها لا تبلغ الغاية إلا في ثلاثة أشهر، فلا يظهر مقدار صعودها في يوم للحس وكذلك وضع المقياس بديار مصر. قال: والمد كله واحد، وهو أن القمر يقابل الماء، كما يقابل الشمس الأرض فنور القمر إذا قابل كرة الأرض سخنتها كما تسخن الشمس الهواء المحيط بالأرض فيعترى الهواد المحيط بالماء بعض تسخين يذيب الماء، ويتنفس وينمى بخاصته كالمرأة المحرقة الملهبة للجو حتي تحرق القطنة الموضوعة بين المرأة والشمس الملهوبة، ما تلقى الشعاع إلى حلقها فتخترق القطنة أيضا، فالقمر جسم نورى باكتسابه ذلك من الشمس فإذا حال بين الشمس والأرض فيسخن ما قابله فينمى والماء جسم شفاف تخرج عن جانبيه الشعاع كما يخرج عن جانبي الزجاجة فيحدث لها نور يسخن الهواء الذى يحيط بالزجاجة أو الأرض فيعتري الماء شبه تسخين ينمي به ويزيد وذلك قباله القرص وقبالة مخرج الشعالة من قبالة وتد القمر فهذا هو المد دائما ويستدير باستدارة الفلك، وتدويره لفلك القمر وتدوير فلك القمر للقمر.

стр. 71

والمد الشهرى هو أن يقابل القمر الشمس أو يستتر تحتها، ليس إلا كون القمر قباله الشمس لكونه في تربيع الشمس أضعف، وفي المقابلة أقوي وكذلك إذا قابلها علي وسط كرة الأرض، بحيث الحركة أشد والأكتناف للماء والأرض أعم فذلك هو المد السنوى. *** فصل «فى الرد على من أعتقد أن النيل من سيل يفيض» أما العامة فليس عندهم ما يجئ علي وجه الأرض إلا سيل. ومن تفطن إلى عظمه واتساعه في أسفله وضيقه في أعلاه، ولم ينظر إلى ماء ولا أرض ولا هواء، ينسب ذلك إلى الخيال المحض، كما فعل صاحب (١) كتاب «المسالك والممالك» الذى زعم أن الماء يسافر من كل أرض وموطن إلى النيل تحت الأرض فيمده لأن النيل إنما يفيض فى الخريف، والعيون والأبار فى ذلك الوقت يقل ماؤها، والنيل يكثر فرأوا كثرة وقلة فأضافوا أحدهما إلى الآخر بالخيال. وقال آخر: إنما ذلك ملك يضع رجليه في الماء فيكثر ويزيلها عن الماء فيقل ومما يدلك أنه ليس على سبيل أن السيل يكون فى غير وقت فيض البحر فلا يفيض النيل لكون البحر في الجزر فيصل السيل وتمر نحو البحر فلا يردعه رادع، ومنها أن فيض النيل على تدرج مدة ثلاثة أشهر من حلول الشمس برأس السرطان إلى حلولها آخر برج السنبلة والناس يحسنون به قبل فيضة بمدة شهرين، ولعامل مصر في وسط النيل مقياس موضوع، وهو سارية فيها خطوط يسمونها أذرعا يعلم بها مقدار صعوده في كل يوم.

стр. 72

ومنها أن فيضه أبدا في وقت واحد فلو كان بالسيل لاختلف بعض الإختلاف. ومنها أنه قد يجيء السيل فى غير هذه الوقت فلا يفيض. ومنها أن الحذاق بمصر إذا رأوا الحر يزيد علموا أن النيل سيزيد، لأن شدة الحر تذيب الهواء فيذوب الماء ولا يكون إلا عن زيادة كوكب ودنو نور. ومنها أن موضع مصبه من أسوان إنما هو واد من الأودية وما استحل اتسع حتى يكون عرض اتساعه نحو من مائة ميل، وأسوان إنما هو منتهى بلوغ الردع فما ظنك بسيل يسيل عرض اتساعه مسيرة نصف شهر لا نسبة بين مصب أعلاه وأسفله كيف كان يكون أعلاه أو كان إمتلاء أسفله عن السيل. ومنها أن أهل أسوان إنما يرقبون بلوغ الردع إليهم مراقبة ويحافظون عليه بالنهار محافظة فإذا جن الليل أخذوا حقه سحاقة خزف، فوضعوا فيها مصباحا ثم وضعوه على حجر معد عندهم لذلك، وجعلوا يرقبونه فإذا أطغى المصباح طفو الماء عليه، علموا أن الردع قد وصل غاية المعهود عندهم بأخذه فى الجزر، فكتبوا بذلك إلى أمير مصر يعملون أن الدرع قد وصلت غاية المعهود عندهم وأنهم قد أخذوا بقسطهم من الشرب فحينئذ يأمر بكسر الأسداد التى على أفواه قرص المشارب فيفيض الماء على أرض مصر دفعة واحدة. ومنها أن جميع تلك المشارب تسد عند ابتداء صعود النيل بالخشب والتراب ليجتمع ما يسيل من المياه العذبة في النيل ويكثر فيهم بجميع أرضهم ويمنع بجملة دخول الماء الملح عليه فلو كان سيلا ما احتاج إلي ذلك ولفتحت له أفواه قرص المشارب عند ابتداء ظهوره. ومنها أن الخلجان إذا سدت ولم يكن لها وادع من البحر، كان السيل يمد من جنبه إلي البحر إذا أسفل النيل وانتفع واخفض من أعلاه. ومنها أن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا فى خلف رشيد وتنيس ودمياط كما يفعل في سائر الأودية التي يدخلها المد والجزر فلو كان النيل خاليا من الماء العذب وصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع، لأن الماء يطلب بطبعه ما إنخفض من الأرض وأن يكون صفحته كرة مستوية الخطوط الخارجة من النقطة إلى المحيط خطوطا متساوية. ومنها أنها إذا فتحت تلك الأسداد وكسرت الخلجان وفاض ماء النيل على أرض مصر شعر بذلك أهل أسوان،

стр. 73

وقالوا: في هذه الساعة كسر الخليج بمصر وفاض ماء النيل على أرض مصر لأن ذلك يتبين لهم بجزر الماء دفعة فلو كان سبيلا وهم على أعلا المصب، لقالوا: قد أرتفع المطر عن الأرض التي تسيل منها السيل ومنها أن القسمة الذى يمر ببلاد الحبشة المنبعث وأياه من جبل القمر لا يفيض كمدة فيض النيل ثلاثة أشهر ولا يقيم على وجه الأرض مدة مقامه لكنه إذا كثر فيه السيل غمر جوانبه على قدر انبساطها فإذا قضيت مادته أردع عليه فلو كان فيض النيل عن السيل وهما من شعب واحد لكان شأنهما واحدا. ولا نقول أن سبب فيض النيل البحر فقط إذ لولا كونه سيل ماء لما دخل ردع البحر إليه ولكان شاطيء ديار مصر كسائر السواحل المجاورة ولولا السيل السائل فيه لردمه البحر إذ عادة البحر ردم السواحل، وإنما دخل الشك علي أهل مصر أمر النيل لأنهم لم يشاهدوا منشأه، ولا عاينوا مبدأ من جبل القمر في موضع لا ساكن ولم تحققوا المد السنوى الرادع فلم يتحققوا شيئا من أمره لأنه بعيد من أذهان العامة أن يعلموا أن ماء البحر يعظم فى أيام الصيف لأن المعهود عندهم في البحر أن يعظم فى أيام الشتاء وطموا البحر في الشتاء إنما يكون عن الرياح الهابة عليه من أحد جانبيه، فقبض ويخرج إلى الجانب الآخر إلا ما كان من البحر المحيط فإنه يتحرك أبدا من دواخل البحر إلى البر، وهو أن المحيط يطلب بطبعه أن تكون على وجه الأرض لست بسيطة فهى تمانعه بما فيها من التركيب فهو يطلب أبدا أن يعلوها ويركبها ببردها. ومن ناظر النيل علم أن سيلا سأل فيه ولا بد، فإنه لا يزال أيام الشتاء وأوائل فصل الربيع ماؤه صافيا من الكدرة، فإذا قربت أيام زياته وكان فى غاية نقصه تغير طعمه ومال لونه إلى الخضرة، وصار بحيث إذا وضع فى أناء يرسب منه شبه أجزاء صغيرة من طحلب. وسبب ذلك أن البطيحة التى فى أعالى الجنوب تردها الفيلة ونحوها من الوحوش حتي يتغير ماؤها، فإذا كثرت أمطار (١) الجنوب في فصل الصيف وعظمت السيول الهابطة في هذه البطيحة، فاض منها ما تغير من الماء، وجرى إلى أرض مصر، فيقال عند ذلك وتوحم النيل. ولا يزال الماء كذلك حتى يعقبه ماء متغير ويزداد عكره بزيادة الماء، فإذا وضع فيه أيام الزيادة متى في إناء رسب بأسفله طين لم يعهد فيه قبل أيام الزيادة، وهذا الطين هو الذى

стр. 74

تحمله السيول التي تنصب في النيل حتى تكون زيادته منها. وفيه يكون الزرع بعد هبوط والإ فأرض مصر سبخة لا تنبت ولا ينبت منها إلا ما مر عليه. قال: والسبب فى عظم المد والجزر كثرة الأشعة فإذا زاحمت الشمس والقمر والكواكب السيارة عظيم فيض البحر، وإذا عظم فيض البحر فاضت الأنهار، وكذلك إذا نهض القمر لمقابلة أحد السيارة ارتفع البخار وصعد إلى كورة (١) الزمهرير، ونزل المطر. فإذا فارق القمر الكواكب ارتفع المطر لكثرة التحليل، كما يكون فى نصف النهار عند توسط الشمس لرؤوس الخلق، وكما يكون عند حلول الكواكب الكثيرة على وسط خط أرين … والله أعلم .. قال بعضهم: الذى تحصل من هذا القول أن النيل مخرجه من جبل القمر، وأن زيادته إنما هى من فيض البحر عند المد. فأما كون مخرجه من جبل القمر فمسلم إذ لا نزاع في ذلك. وأما كون زيادته لا تكون إلا من درع البحر له، بما حصل فيه من المد، فليس كذلك. نعم توالى هبوب الرياح الشمالية مغنية على وفور الزيادة وردع البحر له إعانة علي الزيادة ماء النيل وركد منه هذا الطين. وقوله «أن السيل يكون فى غير وقت فيض البحر، ولا يفيض النيل لكون البحر في الجزر، فيصل السيل ويمر نحو البحر فلا يردعه رادع» غير مسلم فإن العادة أن السيول التى عليها زيادة ماء النيل لا يكون إلا عن غزارة مآد الأمطار ببلاد الجنوب، لا يكون إلا في أيام الصيف، ولم يعهد قط زيادة النيل فى الشتاء. وأول دليل على أن كون زيادته عن سيل يسيل فيه إنما يزيد بتدرج على قدر ما يهبط فيه من السيول. واما استدلاله يصب النيل في أسوان واتساعه أسفل الأرض، فإنما ذلك يصب من علوى فتخرج بين جبلين يقال لهما الجنادل وينبطح في أراضى (٢) حتي يصب في البحر فاتساعه حيث لا يجد حاجزا يحجزه عن الأنبساط. وأما قوله «أن الأسداد إذا كثرت (٣) فاض الماء على الأرض دفعة» فليس كذلك، بل

стр. 75

يصير الماء عند كسر كل سد من الأسداد في كل خليج، ثم يفتح ترع من الخليج إلى الخليج إلي ما علي جانيبه من الأراضى حتي تروى، فمن تلك الأرض ما يروي سريعا، ومنها ما يروى بعد أيام. ومنها ما يروى لعلوه. وأما قوله «أن جميع تلك المشارب تسند عند إبتداء صعود النيل، ليجتمع ما يسيل من الماء في النيل ويكثر، فيعم جميع أرضهم وليمنع بجملته دخول الماء المالح عليه». فغير مسلم أن تكون السداد كما ذكرنا بل أراضى مصر أقسام كثيرة، منها عال لا يصل إليه الماء إلا من زيادة كثيرة، ومنها منخفض يروى من يسير الزيادة، والأراضى متفاوته في الأرتفاع والإنخفاض تفاوتا كثيرا، ولذلك احتيج في بلاد الصعيد إلى حفر التروع وفي أسفل الأرض إلي عمل الجسور حتى تحبس الماء ليتصرف فيه أهل النواحي على قدر حاجتهم إليه عند الاحتياج وإلا فهو يزيد أولا في غير وقت سقي الأراضى، حتي إذا اجتمع من زيادته المقدار الذى هو كفاية الأراضى فى وقت خلو الأرض من الغلال - وذلك غالبا في أثناء شهر مسرى فتح حينئذ الخليج حتى يجرى فيه الماء إلى حد معلوم، ووقف حتي يروي ما تحت ذلك الحد الذي وقف عنده الماء من الأراضى، ثم فتح ذلك الحد في يووم النيروز (١) حتي يجري الماء إلي آخر يقف عنده حتي يروي ما تحت هذا الحد الثانى من الأراضي، ثم يفتح هذا الحد في يوم عيد الصليب بعد النيروز بسبعة عشر يوما حتى يجرى الماء، ويقف علي حد ثالث حتي يروي ما تحت هذا الحد من الأراضى، ويصيب في بحر المالح … هذا هو الحال في سدود وأراضى مصر. وقول «أن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في رشيد وتنيس ودمياط، فلو كان خاليا من الماء العذب لوصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع» فيقول: هذا قول من لم يعرف أرض مصر، فإن النيل عندهم مصبه بأعمال أسوان يكون أعلا منه عند كونه أسفل الأرض بقامات عديدة فإذا فاض ماء البحر حبسه أن يتدافع هو وماء النيل فيما بين دمياط وفارسكور. وأما في أيام زيادة. النيل فإنه شوهد مصب النيل في البحر من دمياط، وكل منهما يدافع الآخر فلا يطيقه، حتى صارا متمانعين وفي منظرهما حينئذ عبرة لمن اعتبر.
следующие страницы →