والمد الشهرى هو أن يقابل القمر الشمس أو يستتر تحتها، ليس إلا كون القمر قباله الشمس لكونه في تربيع الشمس أضعف، وفي المقابلة أقوي وكذلك إذا قابلها علي وسط كرة الأرض، بحيث الحركة أشد والأكتناف للماء والأرض أعم فذلك هو المد السنوى.
***
فصل «فى الرد على من أعتقد أن النيل من سيل يفيض»
أما العامة فليس عندهم ما يجئ علي وجه الأرض إلا سيل. ومن تفطن إلى عظمه واتساعه في أسفله وضيقه في أعلاه، ولم ينظر إلى ماء ولا أرض ولا هواء، ينسب ذلك إلى الخيال المحض، كما فعل صاحب (١) كتاب «المسالك والممالك» الذى زعم أن الماء يسافر من كل أرض وموطن إلى النيل تحت الأرض فيمده لأن النيل إنما يفيض فى الخريف، والعيون والأبار فى ذلك الوقت يقل ماؤها، والنيل يكثر فرأوا كثرة وقلة فأضافوا أحدهما إلى الآخر بالخيال.
وقال آخر: إنما ذلك ملك يضع رجليه في الماء فيكثر ويزيلها عن الماء فيقل ومما يدلك أنه ليس على سبيل أن السيل يكون فى غير وقت فيض البحر فلا يفيض النيل لكون البحر في الجزر فيصل السيل وتمر نحو البحر فلا يردعه رادع، ومنها أن فيض النيل على تدرج مدة ثلاثة أشهر من حلول الشمس برأس السرطان إلى حلولها آخر برج السنبلة والناس يحسنون به قبل فيضة بمدة شهرين، ولعامل مصر في وسط النيل مقياس موضوع، وهو سارية فيها خطوط يسمونها أذرعا يعلم بها مقدار صعوده في كل يوم.
стр. 72
ومنها أن فيضه أبدا في وقت واحد فلو كان بالسيل لاختلف بعض الإختلاف. ومنها أنه قد يجيء السيل فى غير هذه الوقت فلا يفيض. ومنها أن الحذاق بمصر إذا رأوا الحر يزيد علموا أن النيل سيزيد، لأن شدة الحر تذيب الهواء فيذوب الماء ولا يكون إلا عن زيادة كوكب ودنو نور.
ومنها أن موضع مصبه من أسوان إنما هو واد من الأودية وما استحل اتسع حتى يكون عرض اتساعه نحو من مائة ميل، وأسوان إنما هو منتهى بلوغ الردع فما ظنك بسيل يسيل عرض اتساعه مسيرة نصف شهر لا نسبة بين مصب أعلاه وأسفله كيف كان يكون أعلاه أو كان إمتلاء أسفله عن السيل.
ومنها أن أهل أسوان إنما يرقبون بلوغ الردع إليهم مراقبة ويحافظون عليه بالنهار محافظة فإذا جن الليل أخذوا حقه سحاقة خزف، فوضعوا فيها مصباحا ثم وضعوه على حجر معد عندهم لذلك، وجعلوا يرقبونه فإذا أطغى المصباح طفو الماء عليه، علموا أن الردع قد وصل غاية المعهود عندهم بأخذه فى الجزر، فكتبوا بذلك إلى أمير مصر يعملون أن الدرع قد وصلت غاية المعهود عندهم وأنهم قد أخذوا بقسطهم من الشرب فحينئذ يأمر بكسر الأسداد التى على أفواه قرص المشارب فيفيض الماء على أرض مصر دفعة واحدة.
ومنها أن جميع تلك المشارب تسد عند ابتداء صعود النيل بالخشب والتراب ليجتمع ما يسيل من المياه العذبة في النيل ويكثر فيهم بجميع أرضهم ويمنع بجملة دخول الماء الملح عليه فلو كان سيلا ما احتاج إلي ذلك ولفتحت له أفواه قرص المشارب عند ابتداء ظهوره.
ومنها أن الخلجان إذا سدت ولم يكن لها وادع من البحر، كان السيل يمد من جنبه إلي البحر إذا أسفل النيل وانتفع واخفض من أعلاه.
ومنها أن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا فى خلف رشيد وتنيس ودمياط كما يفعل في سائر الأودية التي يدخلها المد والجزر فلو كان النيل خاليا من الماء العذب وصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع، لأن الماء يطلب بطبعه ما إنخفض من الأرض وأن يكون صفحته كرة مستوية الخطوط الخارجة من النقطة إلى المحيط خطوطا متساوية. ومنها أنها إذا فتحت تلك الأسداد وكسرت الخلجان وفاض ماء النيل على أرض مصر شعر بذلك أهل أسوان،
стр. 73
وقالوا: في هذه الساعة كسر الخليج بمصر وفاض ماء النيل على أرض مصر لأن ذلك يتبين لهم بجزر الماء دفعة فلو كان سبيلا وهم على أعلا المصب، لقالوا: قد أرتفع المطر عن الأرض التي تسيل منها السيل ومنها أن القسمة الذى يمر ببلاد الحبشة المنبعث وأياه من جبل القمر لا يفيض كمدة فيض النيل ثلاثة أشهر ولا يقيم على وجه الأرض مدة مقامه لكنه إذا كثر فيه السيل غمر جوانبه على قدر انبساطها فإذا قضيت مادته أردع عليه فلو كان فيض النيل عن السيل وهما من شعب واحد لكان شأنهما واحدا.
ولا نقول أن سبب فيض النيل البحر فقط إذ لولا كونه سيل ماء لما دخل ردع البحر إليه ولكان شاطيء ديار مصر كسائر السواحل المجاورة ولولا السيل السائل فيه لردمه البحر إذ عادة البحر ردم السواحل، وإنما دخل الشك علي أهل مصر أمر النيل لأنهم لم يشاهدوا منشأه، ولا عاينوا مبدأ من جبل القمر في موضع لا ساكن ولم تحققوا المد السنوى الرادع فلم يتحققوا شيئا من أمره لأنه بعيد من أذهان العامة أن يعلموا أن ماء البحر يعظم فى أيام الصيف لأن المعهود عندهم في البحر أن يعظم فى أيام الشتاء وطموا البحر في الشتاء إنما يكون عن الرياح الهابة عليه من أحد جانبيه، فقبض ويخرج إلى الجانب الآخر إلا ما كان من البحر المحيط فإنه يتحرك أبدا من دواخل البحر إلى البر، وهو أن المحيط يطلب بطبعه أن تكون على وجه الأرض لست بسيطة فهى تمانعه بما فيها من التركيب فهو يطلب أبدا أن يعلوها ويركبها ببردها.
ومن ناظر النيل علم أن سيلا سأل فيه ولا بد، فإنه لا يزال أيام الشتاء وأوائل فصل الربيع ماؤه صافيا من الكدرة، فإذا قربت أيام زياته وكان فى غاية نقصه تغير طعمه ومال لونه إلى الخضرة، وصار بحيث إذا وضع فى أناء يرسب منه شبه أجزاء صغيرة من طحلب. وسبب ذلك أن البطيحة التى فى أعالى الجنوب تردها الفيلة ونحوها من الوحوش حتي يتغير ماؤها، فإذا كثرت أمطار (١) الجنوب في فصل الصيف وعظمت السيول الهابطة في هذه البطيحة، فاض منها ما تغير من الماء، وجرى إلى أرض مصر، فيقال عند ذلك وتوحم النيل.
ولا يزال الماء كذلك حتى يعقبه ماء متغير ويزداد عكره بزيادة الماء، فإذا وضع فيه أيام الزيادة متى في إناء رسب بأسفله طين لم يعهد فيه قبل أيام الزيادة، وهذا الطين هو الذى
стр. 74
تحمله السيول التي تنصب في النيل حتى تكون زيادته منها. وفيه يكون الزرع بعد هبوط والإ فأرض مصر سبخة لا تنبت ولا ينبت منها إلا ما مر عليه. قال: والسبب فى عظم المد والجزر كثرة الأشعة فإذا زاحمت الشمس والقمر والكواكب السيارة عظيم فيض البحر، وإذا عظم فيض البحر فاضت الأنهار، وكذلك إذا نهض القمر لمقابلة أحد السيارة ارتفع البخار وصعد إلى كورة (١) الزمهرير، ونزل المطر. فإذا فارق القمر الكواكب ارتفع المطر لكثرة التحليل، كما يكون فى نصف النهار عند توسط الشمس لرؤوس الخلق، وكما يكون عند حلول الكواكب الكثيرة على وسط خط أرين … والله أعلم ..
قال بعضهم: الذى تحصل من هذا القول أن النيل مخرجه من جبل القمر، وأن زيادته إنما هى من فيض البحر عند المد.
فأما كون مخرجه من جبل القمر فمسلم إذ لا نزاع في ذلك. وأما كون زيادته لا تكون إلا من درع البحر له، بما حصل فيه من المد، فليس كذلك. نعم توالى هبوب الرياح الشمالية مغنية على وفور الزيادة وردع البحر له إعانة علي الزيادة ماء النيل وركد منه هذا الطين.
وقوله «أن السيل يكون فى غير وقت فيض البحر، ولا يفيض النيل لكون البحر في الجزر، فيصل السيل ويمر نحو البحر فلا يردعه رادع» غير مسلم فإن العادة أن السيول التى عليها زيادة ماء النيل لا يكون إلا عن غزارة مآد الأمطار ببلاد الجنوب، لا يكون إلا في أيام الصيف، ولم يعهد قط زيادة النيل فى الشتاء.
وأول دليل على أن كون زيادته عن سيل يسيل فيه إنما يزيد بتدرج على قدر ما يهبط فيه من السيول. واما استدلاله يصب النيل في أسوان واتساعه أسفل الأرض، فإنما ذلك يصب من علوى فتخرج بين جبلين يقال لهما الجنادل وينبطح في أراضى (٢) حتي يصب في البحر
فاتساعه حيث لا يجد حاجزا يحجزه عن الأنبساط.
وأما قوله «أن الأسداد إذا كثرت (٣) فاض الماء على الأرض دفعة» فليس كذلك، بل
стр. 75
يصير الماء عند كسر كل سد من الأسداد في كل خليج، ثم يفتح ترع من الخليج إلى الخليج إلي ما علي جانيبه من الأراضى حتي تروى، فمن تلك الأرض ما يروي سريعا، ومنها ما يروى بعد أيام. ومنها ما يروى لعلوه.
وأما قوله «أن جميع تلك المشارب تسند عند إبتداء صعود النيل، ليجتمع ما يسيل من الماء في النيل ويكثر، فيعم جميع أرضهم وليمنع بجملته دخول الماء المالح عليه». فغير مسلم أن تكون السداد كما ذكرنا بل أراضى مصر أقسام كثيرة، منها عال لا يصل إليه الماء إلا من زيادة كثيرة، ومنها منخفض يروى من يسير الزيادة، والأراضى متفاوته في الأرتفاع والإنخفاض تفاوتا كثيرا، ولذلك احتيج في بلاد الصعيد إلى حفر التروع وفي أسفل الأرض إلي عمل الجسور حتى تحبس الماء ليتصرف فيه أهل النواحي على قدر حاجتهم إليه عند الاحتياج وإلا فهو يزيد أولا في غير وقت سقي الأراضى، حتي إذا اجتمع من زيادته المقدار الذى هو كفاية الأراضى فى وقت خلو الأرض من الغلال - وذلك غالبا في أثناء شهر مسرى فتح حينئذ الخليج حتى يجرى فيه الماء إلى حد معلوم، ووقف حتي يروي ما تحت ذلك الحد الذي وقف عنده الماء من الأراضى، ثم فتح ذلك الحد في يووم النيروز (١) حتي يجري الماء إلي آخر يقف عنده حتي يروي ما تحت هذا الحد الثانى من الأراضي، ثم يفتح هذا الحد في يوم عيد الصليب بعد النيروز بسبعة عشر يوما حتى يجرى الماء، ويقف علي حد ثالث حتي يروي ما تحت هذا الحد من الأراضى، ويصيب في بحر المالح … هذا هو الحال في سدود وأراضى مصر.
وقول «أن ماء البحر يصعد أكثر من عشرين ميلا في رشيد وتنيس ودمياط، فلو كان خاليا من الماء العذب لوصل البحر من أسوان إلى منتهى بلوغ الردع» فيقول: هذا قول من لم يعرف أرض مصر، فإن النيل عندهم مصبه بأعمال أسوان يكون أعلا منه عند كونه أسفل الأرض بقامات عديدة فإذا فاض ماء البحر حبسه أن يتدافع هو وماء النيل فيما بين دمياط وفارسكور. وأما في أيام زيادة. النيل فإنه شوهد مصب النيل في البحر من دمياط، وكل منهما يدافع الآخر فلا يطيقه، حتى صارا متمانعين وفي منظرهما حينئذ عبرة لمن اعتبر.
стр. 76
وقوله «أن الأسداد إذا فتحت علم أهل أسوان بذلك في الحال» غير مسلم، بل لم نزل نشاهد النيل في الأعوام الكثيرة إذا فتح منه خليج أو انقطع مقطع فأغرق ماؤه أراضى كثيرة، لا يظهر النقص منه إلا فيما قرب من ذلك الموضع، وأما ما برح المفرد يخرج من قوص ببشارة وفاء النيل، وقد أوفي عندهم ستة عشر ذراعا، فلا يوفى ذلك بمقياس بمصر إلا بعد ثلاثة أيام أو نحوها.
وأما قوله «أن ما كان من النيل يمر ببلاد الحبشة بخالفه» فليس كذلك، بل الزيادة في أيام زيادته تكون ببلاد النوبة وما وراءها في الجنوب كما تكون في أرض مصر، ولا فرق بينهما إلا في شيئين: أحدهما أنه في أرض مصر يجرى في حدود وهناك يتبدد على الأرض. والثانى أن زيادة تعتبر بالقياس في أرض مصر وهناك لا يمكن قياسه لتبدده ومن عرف أخبار مصر علم أن زيادة ماء النيل تكون عن أمطار الجنوب.
ويقال: أن النيل ينصب من عشرة أنهار من جبل القمر المتقدم ذكره، كل خمسة أنهار من شعبة، ثم تتبحر تلك الأنهار العشرة في بحريين، كل خمسة أنهار تبحر بحيرة بذاتها، ثم يخرج من البحيرة الشرقية بحر لطيف يأخذ شرقا علي جبل فأقول، ويمتد إلي مدن هناك ثم يصب في البحر الهندى ويخرج من البحيرتين زيضا ستة أنهار [من كل بحيرة ثلاثة أنهار] (١).
وتجتمع الأنهار الستة في بحيرة متسعة تسمى البطيحة، وفيها جبل يفرق الماء نصفين يخرج أحدهما من غربي البطيحة وهو نيل السودان، ويصير نهرا يسمى بحر الدمادم، يأخذ مغربا ما بين سمغرة وغانة على جنوبي سمغرة وشمالي غانة، ثم ينعطف هنا منه فرقة ترجع جنوبا إلي غانة ثم تمر على مدينة برنسة، ويأخذ تحت جبل في جنوبها خارج خط الأستواء إلى زفيلة ثم تتبحر في بحيرة هناك، وتستمر الفرقة الثانية مغربة إلى بلد مالي والتكرور حتي تنصب في البحر المحيط شمالي مدينة قلبتبو ويخرج النصف متشاملا آخذا علي الشمال إلي شرقي مدينة جيمى ثم تتشعب منه هناك شعبة تأخذ شرقا إلى مدينة سحرته [بكسر السين والحاء] ثم ترجع جنوبا ثم تعطف شرقا بجنوب إلي مدينة سحرته ثم إلي مدينة مركة، وينتهي إلي خط الاستواء حيث الطول خمس وستون درجة وتتبخر هناك بحيرة ويستمر
стр. 77
عمود النيل من قبالة تلك الشعبة شرقى مدينة شيمى متشاملا أخذا على أطراف بلاد الحبشة، ثم يشامل علي بلاد السودان إلي [مدينة] (١) دنقلة حتى يرمى على الجنادل إلي أسوان، وبنحدر وهو يشق بلاد الصعيد إلي مدينة فسطاط مصر، ويمر حتي يصب في البحر الشامى.
وقد استفيض ببلاد السودان أن النيل في أصله ينحدر من جبال سوديين على بعد كأن عليها الغمام ثم يتفرق نهرين يصب أحدهما في البحر المحيط إلي جهة بحر الظلمة الجنوبي، الآخر يصل إلي مصر حتي يصب في البحر الشامى ويقال أنه في الخبوب يتفرق سبعة أنهار تدخل فى صحراء منقطعة ثم، تجتمع الأنهار السبعة ويخرج من تلك الصحراء نهرا واحدا في بلاد السودان.
***
ذكر مقاييس النيل وزيادته
قال ابن عبد الحكيم: أول من قاس بمصر يوسف ﵇. وضع مقياسا بمنف، ثم وضعت العجوز دلوكة أبنة زباء - وهى صاحبة حائط العجوز مقياسا بأنصنا وهو صغير الذرع [«ووضع عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وهو صغير»] (٢)، ووضع أسامة بن زيد التنوخي في خلافة الوليد مقياسا بالجزيرة وهو أكبرها.
قال يحيي بن بكير: أدركت القياس يقيس في مقياس منف ويدخل بزيادته إلي الفسطاط وقال القضاعي: كان أول من قاس النيل بمصر يوسف النبي ﵇ وهو مقياس بمنف، وهو أول مقياس وضعه ﵇. وقيل أن النيل يقاس بمصر بأرض علوة كداء إلى أن بني مقياس منف، وأن القبط كانت تقيس عليه إلي أن بطل.
ومن بعده دلوكة العجوز بنت مقياسا بأنصنا، وهو صغير الذراع ومقياسا آخر بأخميم وهى التي بنت الحائط المحيط بمصر.
стр. 78
وقيل إنهم كانوا يقيسون الماء قبل أن يوضع المقياس بالرصاصة، فلم يزل المقياس فيما مضي قبل الفتح بقيسارية الأكسية ومعالمه هناك إلى أن بني المسلمون بين الحصين والبحر أبنيتهم الباقية الآن.
وكان للروم أيضا مقياسا بالقصر خلف الباب يمنه من يدخل منه في داخل الزقاق أثره قائم إلي اليوم، وقد بني عليه وحوله، ثم بني عمرو بن العاص عند فتحه مصر قياسا بأسوان ثم بني بموضع يقال له دندرة.
ثم بني في أيام معاوية مقياس بأنصنا، فلم يزل يقاس عليه إلي أن بنى عبد العزيز بن مروان مقياسا بحلوان وكانت منزله، وكان هذا المقياس صغير الذراع.
فأما المقياس القديم الذى بني في الجزيرة فالذي وضعه أسامة بن زيد، وقيل أنه كسر فيه ألفى أوقية، وهو الذي بني بيت المال بمصر ثم كتب أسامة بن زيد التنوخي عامل مصر لسليمان بن عبد الملك ببطلانه وكتب إليه سليمان بأن يبنى مقياسا في الجزيرة فبناه في سنة سبع وتسعين.
ثم بني المتوكل فيها مقياسا أول سنة سبع وأربعين ومائتين فى ولاية يزيد بن عبد الله التركي علي مصر وهو المقياس الكبير المعروف بالجديد، وأمر بأن يعزل النصارى عن قياسه، فجعل زيد بن عبد الله على المقياس أبا الرداد المعلم واسمه عبد الله بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي الرداد المؤذن كان يقال أصله من البصرة وقدم مصر وأقام بها، وجعل علي قياس النيل وأجري عليه سليمان بن وهب صاحب خراج مصر يومئذ سبعة دنانير في كل شهر، فلم يزل القياس منذ ذلك الوقت في يد أبي الرداد وولده إلي اليوم وتوفي أبو الرداد في سنة ست وستين ومائتين.
ثم ركب أحمد بن طولون في سنة تسع وخمسين ومعه أبو أيوب صاحب خراجه وبكار بن قتيبة (١) القاضى فنظر إلي المقياس وأمر بإصلاحه وقدر له ألف ينار فعمر بها وبني الخازن في الصناعة مقياسا وأثره باق لا يعتمد عليه.
стр. 79
وقال ابن عبد الحكم: ولما فتح عمر بن العاص مصر أتى أهلها إلي عمرو، حين دخل بؤونة من أشهر القبط، فقالوا له: أيها الأمير أن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها. فقال لهم وما ذاك. قالوا: إنه إذا كان لثنتى عشرة ليلة تخلو من هذا الشهر، عمدنا إلى جارية بكر [من أبويها] (١) وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في النيل.
فقال لهم عمرو: أن هذا لا يكون في الإسلام، وأن الإسلام يهدم ما قبله، فأقاموا بؤونة وأبيب ومسري لا يجري قليلا ولا كثيرا حتي هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ بذلك فكتب إليه عمر ألم تعلم أن الإسلام يهدم ما كان قبله وقد بعثت إليك بطاقة فألقها في داخل النيل.
فلما قدم الكتاب علي عمر وفتح البطاقة فإذا فيها: [«من عبد الله أمير المؤمنين إلى نيل مصر أما بعد: فإن كنت تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك، فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك»].
فألقي عمرو البطاقة في النيل قبل يوم الصليب بيوم، وقد تهيأ أهل مصر للجلاء والخروج منها، لأنه لا يقوم بمصلحتهم فيها إلا النيل، وأصبحوا يوم الصليب وقد أجراه الله تعالى ست عشر ذراعا في ليلة، وقطع تلك السنة السوء من أهل مصر.
وذكر بعضهم أن جاحلا الصدفي هو الذي قرأ بطاقة عمر بن الخطاب ﵁ إلي النيل حين [توقف] فجرى بإذن الله تعالي.
وقال يزيد بن أبي حبيب: أن موسي ﵊ دعا علي آل فرهون فحبس الله عنهم النيل حتي أرادوا الجلاء، فطلبوا إلي موسي أن يدعو الله، فدعا الله رجاء أن يؤمنوا وذلك في ليلة الصليب، فأصبحوا وقد أجري الله النيل في تلك الساعة ستة عشر ذراعا فاستجاب الله لعمر بن الخطاب، كما استجاب لنبيه موسي ﵇.
قال القضاعى: ووجدت في رسالة منسوبة إلي الحسن بن محمد بن عبد المنعم قال: لما فتحت العرب مصر عرف عمر بن الخطاب ما يلقي أهلها من الغلاء عند وقوف النيل، فضلا عن تقاصره وأن أفرطت الاستشعار يدعوهم إلى الاحتكار، وأن الاحتكار يدعوا إلى تصاعد الأسعار للقحط.
стр. 80
فكتب عمر إلي عمرو يسأله عن شرح الحال، فأجابه إني وجدت ما تروي به مصر حتي لا يقحط أهلها أربع عشرة ذراعا، والحد الذي يروي منه سائرها حتي يفضل عن حاجتهم، ويبقي عندهم قوت سنة أخري ست عشر ذراعا، والنهايتان المخوفتان فى الزيادة والنقصان وهما الظمأ والأستبحار أثنا عشر ذراعا في النقصان، وثمان عشرة ذراعا في القبط، وكمال العمارة فيه. .
فاستشار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عليا ﵁ في ذلك، فأمره أن يكتب إلي عمرو أن يبنى مقياسا وأن ينقص ذراعين على أثني عشر ذراعا، وأن يقر ما بعدها علي الأصل، وأن تنقص من كل ذراع بعد الستة عشر ذراعا أصبعين، ففعل ذلك وبناه بحلوان فأجتمع له بذلك كل ما أراد من حل الارجاف، وزوال ما منه كان يخاف، بأن جعل الأثنى عشر ذراعا أربع عشرة لأن كل ذراع أربع وعشرون أصبعا، فجعلها ثمانيا وعشرين من أولها إلى الأثني عشر يكون مبلغ الزيادة علي الأثني عشر ثمانية وأربعين أصبعا، وهي الذراعان وجعل الأربع عشرة ست عشرة، والست عشر ثماني عشرة والثماني عشرة عشرين.
قال القضاعي: وفي هذا الباب (١) نظر في وقتنا لزيادة فساد الأنهار وانتقاض الأحوال وشاهد ذلك أن المقاييس (٢) القديمة الصعيدية من أولها إلي آخرها أربع وعشرون أصبعا كل ذراع، والمقاييس الإسلامية علي ما ذكر منها المقياس الذي بناه أسامة بن يزيد التنوخي بالجزيرة وهو هدمه الماء، وبني المأمون آخر بأسفل الأرض بالبروذات، وبن المتوكل آخر بالجزيرة وهو الذي يقاس عليه الماء الآن وقد تقدم ذكره.
قال ابن عفير عن القبط المتقدمين: إذا كان الماء في أثني عشر يوما من مسرى أثنتي عشرة ذراعا، فهي سنة ماؤها ناقص، وإذا تم ست عشرة ذراعا قبل النوروز، فالماء يتم
فأعلم ذلك.
وقال أبو الصلت: وأما النيل وينبوعه، فهو من وراء خط الاستواء من جبل هناك يعرف بجبل القمر، فإنه يبتدئ [فى] التزايد في شهر أبيب. والمصريون يقولون: إذا دخل أبيب كان للماء دبيب، وعند إبتدائه في التزايد يتغير جميع كيفياته ويفسد، والسبب في ذلك مروره بنقائع مياه يخالطها فيجتلبها معه إلي غير ذلك مما يحتمله.
стр. 81
فإذا بلغ الماء خمسة عشر ذراعا، وزاد في السادس عشر أصابع، وكسر الخليج والكسر يوم معدود، ومقام مشهوز، ويجتمع العام والخاص. فإذا كسر فتحت الترع، وهي فوهات الخلجان ففاض الماء وساح وغمر القيعان والبطاح، وانضم الناس إلي مساكنهم من الضياع والمنازل، وهي على آكام وربي لا ينتهي الماء إليها، ولا يتسلط السيل عليها فتعود أرض مصر بأسرها عند ذلك بحرا غامرا لما بين جبليها، ريثما يبلغ الحد المحدود في مشيئة الله وأكثر ذلك يحوم حول ثمانى عشرة ذراعا.
ثم يأخذ عائدا في صبه إلي مجرى النيل ومسربه، فينصب أولا عما كان من الأرض عاليا، ويصير فيما كان منها متطامنا، فيترك كل قرارة كالدرهم، ويغادر كل ملقة كالبرد المسهم.
وقال القاضي أبو الحسن علي بن محمد الماوردي في كتاب «الأحكام السلطانية» وأما الذراع السوداء فهي أطول من ذراع الدور بأصبع وثلثي أصبح، وأول من وضعها أمير المؤمنين هارون الرشيد، قدرها بذراع خادم أسود كان علي رأسه قائما، وهي التي تتعامل الناس بها في ذراع البز والتجارة والأبنية وقياس نيل مصر.
وأكثر ما وجد في القياس من النقصان في سنة سبع وتسعين ومائة، وجد في المقياس تسعة أذرع واحد وعشرون أصبعا، وأقل ما وجد فيه في سنة خمس وستين ومائة فإنه وجد فيه ذراع واحد وعشر أصابع. وأكثر ما بلغ في الزيادة في سنة تسع وتسعين ومائة فإنه بلغ ثمانية عشر ذزاعا وتسعة [عشر] أصبعا. وأقل ما كان في سنة ست وخمسين وثلاثمائة [الهلالية] (١) فإنه بلغ أثني عشر ذراعا وتسع عشر أصبعا، وهي أيام كافور الأخشيدى.
والمقياس عمود [رخام] أبيض مثمن، في موضع ينحصر فيه الماء عند إنسيابه إليه، وهذا العمود مفصل على أثنين وعشرين ذراعا، كل ذراع مفصل علي أربعة وعشرين قسما متساوية تعرف بالأصابع، ما عدا الأثني عشر ذراعا الأولي فإنها مفصلة علي ثمان وعشرين أصبعا كل ذراع.
وقال المسعودى: قالت الهند: زيادة النيل ونقصانه بالسيول، ونحن نعرف ذلك بتوالي الأنواء وكثرة الأمطار.
стр. 82
وقالت الروم: لم يزد قط ولم ينقص وإنما زيادته ونقصانه من عيوب كثرت فى شاطئه يرأها من سافر ولحق بأعاليه.
وقيل لم يزد قط ولم ينقص وإنما زيادته بريح الشمال، إذا كثرت واتصلت تحبسه فيقبض علي وجه الأرض.
وقال قوم: سبب زيادته هبوب ريح تسمي ريح الملتن، وذلك أنها تحمل السحاب الماطر من خلف خط الأستواء، فيمطر ببلاد السودان والحبشة والنوبة، فيأتي مدده إلي أرض مصر، ومع ذلك فإن البحر المالح يقف ماؤه في وجه النيل، فيتوقف ماؤه حتي تروي البلاد وفي ذلك يقول:
فالنيل ذو فضل ولكنه … الشكر فى ذلك للملتن
فاسمع (١) فللسامع أعلى يدا … عندى وأسمى من يد المحسن
ويبتدئ النيل بالتنفس والزيادة بقية بؤونة (٢) وأبيب (٣) ومسرى (٤). فإذا كان الماء زائدا زاد شهر توت (٥) كله إلي انقضائه. فإذا انتهت الزيادة إلي الذراع الثامن عشر ففيه تمام الخراج، وخصب الأرض وهو ضار بالبهائم لعدم الرعي [والكلأ] (٦).
وأتم الزيادات كلها، العامة النفع للبلد كله، سبعة عشر ذراعا وفي ذلك كفايتها وري جميع أرضيها، وإذا زاد علي ذلك وبلغ ثمانية عشر ذراعا وغلقها، استبحر من أرض مصر الربع، وفي ذلك ضرر لبعض الضياع لما ذكرنا من الاستبحار، وإذا كانت الزيادة علي ثمانية عشر ذراعا، كانت العاقبة في إنصرافه حدوث وباء [وأكثر الزيادات ثمان عشرة ذراعا] (٧).
стр. 83
وقد بلغ في خلافة عمر بن عبد العزيز تسع عشرة ذراعا، ومساحة الذراع إلي أن يبلغ أثني عشرة أصبعا، ومن أثنتي عشرة ذراعا إلي ما فوق ذلك يكون الذراع أربعا وعشرين أذرع، وأقل ما يبقى في قاع المقياس من الماء ثلاثة أذرع، وفي تلك السنة يكون الماء قليلا.
والأذرع التي يستسقي عليها بمصر هي ذراعان تسمي منكر ونكيرا، وهي الذراع الثالث عشر والذراع الرابع عشر، فإذا انصرف الماء عن هذين الذراعين وزاد نصف ذراع من الخمس عشرة استسقي الناس بمصر، وكان الضرر الشامل لكل البلدان وإذا تم خمس عشرة ذراع ودخل في الست عشرة ذراعا كان فيه صلاح لبعض الناس، ولا يستسقى فيه، وكان في ذلك تقص خراج السلطان واصفي ما يكون ماء النيل في شهر طوبة بعد الغطاس لعشرة تمضي من طوبة، وأهل مصر يفتخرون بصفاء ماء النيل في ذلك الوقت، وفيه يخزن الماء أهل تنيس وسائر قري البحيرة.
وقد كانت مصر تروي كلها من ست عشرة ذراعا، لما أحكموا من جسورها وبناء قناطرها وحفر خلجانها، وكانت الماء إذا بلغ في زيادته تسع أذرع دخل خليجه المنهى وخليج الفيوم وخليج سردوس وخليج سخا.
وقد تغير في زماننا هذا عامة ما تقدم ذكره لفساد حال الجسور والترع والخلجان وقنواته إنه يزيد في القبط إذا دخلت الشمس برج السرطان وبرج الأسد وبرج السنبلة حين تنقص جميع الأنهار، وكذلك أن الأنهار تمده بمائها عند غيضها فيكون زيادته، في خامس بؤونة وتظهر الزيادة في ثاني عشرة وأول دفعة في الزيادة تكون في ثاني أبيب، ومنتهي الزيادة في الثامن من بابة، ومن هنا يأخذ في النقصان وذلك في العشرين من بابة فتكون مدة الزيادة من ابتدائها إلي أن ينقص ثلاثة أشهر وخمسة وعشرون يوما وهي شهر: أبيب ومسري وتوت وعشرون يوما من بابة، ومدة مكثفة بعد زياته أثنا عشر يوما، ثم يأخذ في النقصان.
ومن العادة أن ينادي عليه دائما في السابع والعشرين من بؤونة بعد ما يؤخذ قاعته وهو ما بقي من الماء القديم في ثالث عشر بؤونة وبفتح الخليج الكبير إذا أكمل الماء ستة عشر ذراعا.
стр. 84
وكانوا يقولون: نعوذ بالله من أصبع من عشرين، وكان إذا بلغ النيل أصابع من عشرين ذراعا، فاض ماء النيل، وغرق الصياغ والبساتين، وفارت البلاليع، والآن إذا بلغ الماء في سنة أصبعا من عشرين لا يهم الأرض لما قد فسد من الجسور، وكان إلي بعد الخمسمائة من الهجرة قانون النيل ستة عشر ذراعا في مقياس الجزيرة، وهى في الحقيقة ثمانية عشر ذراعا.
وكانوا يقولون: إذا زاد علي ذلك ذراعا واحدا زاد خراج مصر مائة ألف دينار ولما يروى من الأراضى العالية، فإن بلغ ثمانية عشر ذراعا كانت الغاية [القصوي] فإن الثمانية عشر ذراعا في مقياس الجزيرة أثنا وعشرون ذراعا في الصعيد الأعلى، فإن زاد علي الثمانية عشر ذزاعا واحدا، نقص من الخراج مائة ألف دينار لما يستبحر من الأراضي المنخفضة.
قال ابن ميسر: في حوادث سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وفيها بلغت زيادة ماء النيل تسعة عشر ذراعا وأربعين وخمسمائة. وفيها بلغت زيادة ماء النيل تسعة عشر ذراعا وأربعة أصابع، فبلغ الماء الباب الجديد أول الشارع خارج القاهرة، وكان الناس يتوجهون إلي القاهرة من مصر من ناحية المقابر، فلما بلغ الخليفة الحافظ لدين الله أبو الميمون عبد المجيد أن الماء وصل إلي الباب الجديد، أظهر الحزن والانقطاع. فدخل إليه بعض خواصه وسأله عن السبب، فأخرج لهم كتابا فإذا فيه «إذا وصل الماء الباب الجديد انتقل الإمام عبد المجيد» ثم قال: فكان الأمر كما ذكر ومرض في آخر السنة، ومات أول سنة أربع وأربعين وخمسمائة.
قال القاضى الفاصل في متجددات سنة سبع وسبعين وخمسمائة. وفي يوم الأثنين السادس والعشرين من شهر ربيع الأول وهو السادس عشر من مسرى، وفى النيل على ستة عشر ذراعا، وهو الوفاء، ولا يعرف وفاؤه بهذا التاريخ في زمن متقدم. وهذا أيضا مما تغير فيه قانون النيل في زماننا، فإنه صار فى أوائل مسرى، ولقد كان الوفاء في سنة أثنتي عشرة وثمانمائة في اليوم التاسع ولعشرين من أبيب قبل مسرى بيوم.
وهذا من أعجب ما يؤرخ في زيادات النيل. واتفق أن في الحادي عشر من جمادي الأولي سنة تسع وسبعمائة، وفي النيل وكان ذلك في اليوم التاسع عشر من بابة بعد النوروز بتسعة وأربعين.
стр. 85
وقال بعض المفسرين أن يوم الوفاء النيل هو اليوم الذي وعد فرعون - موسى ﵇ بالاجتماع وذلك قول الله تعالي حاكيا عن فرعون ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ، وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ (١)، وقد جرت العادة أن اجتماع الناس يكون في هذا الوقت.
ومن أحسن السياسات في أمر النداء على النيل ما حكاه الفقيه ابن زولاق (٢) في سيرة المعز لدين الله.
قال وفي هذا الشهر يعنى شوال سنة سنة أثنتين وستين وثلاثمائة منع المعز لدين الله من النداء بزيادة النيل، وألا يكتب بذلك إلا إليه وإلي القائد جوهر، فلما [أباح النداء] يعنى لما تم ست عشرة ذراعا وكسر الخليج، فانظر وتأمل إلي حسن هذه السياسة، فإن الناس دائما إذا توقف النيل في أيام زيادته يقلقون من ذلك ويحدثهم أنفسهم بعدم طلوع النيل في تلك السنة، فيقبضون أيديهم علي الغلال ويمتنعون من بيعها، ويجتهد كل من كان معه مال في اختزان الغلال.
أما لطلب لربح أولاد خار قوت عياله فيحدث بذلك الغلاء في البلد، فإن زاد المال انحل السعر، وأن توقف ونزل والعياذ بالله وقع الغلاء والقحط في البلد، فمن أجل ذلك كتم أمر زيادة النيل عن العامة خوفا مما ذكرنا في إضطراب البلد وتشحط الغلات فكان في أيامه لا يطلع على زيادة النيل غيره، وهذا من أعظم فائدة وأجل عائد.
وقال المسبحى (٣) في تاريخ مصر: وخرج الأمر من عند بعض ملوك مصر إلي ابن حيران بتحرير ما يستفتحون به القياسون في كلامهم إذا نادوا علي النيل. فقال ابن
стр. 86
حيران: أحسن ما يقولون: نعم لا تحصى من خزائن [الله] لا تغنى زاد الله في النيل المبارك كذا وكذا.
وقال القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في منادى البحر.
قد قلت لما أتي القياس في يده … عود بماء النيل قد عودى وقد نودى
أيام سلطاننا سعد السعود وقد … صح القاس بجرى الماء فى العود
وقال المسعودى: ومن عادة نيل مصر إذا كان عند إبتداء زيادة النيل يخضر ماء النيل، فتقول عامة أهل مصر قد توحم النيل، ويرون أن الشراب منه حينئذ مضر.
وفى ذلك يقول ابن خطيب داريا:
عجب لنيل ديار مصر لأنه … عجب إذا فكرت فيه يعظم
يطاء الأرضى فهى تلقح دائما … من مائه وهو الذى تتوحم
والسبب في أخضراره أن الوحوش ترد البطيحات التي في أعالي النيل وتستنقع فيها من كثرة عددها لشدة الحر هناك فيتغير ماء تلك البطيحات من ذلك الوحوش، ولا سيما الفيلة فإذا وقع في الجبهة الجنوبية في أوقات معلومة تكاثرت السيول هناك فيخرج من تلك البطيحات، ما كان فيها من الماء الذى منقطع بها وقد تغير بسبب ما ذكرناه من الوحوش فيمر إلى أرض مصر وهو مغير اللون والطعم ويجئ عقيبه الماء الجديد من كثرت السيول وهو الزيادة بمصر فحينئذ يكون محمر اللون لما يخالطه من الطين الحر الذى تأتي به السيول. فإذا تناهت زيادته غشى أرض مصر فتصير القرى التي في الأقاليم فوق التلال والروابي قد أحاط بها الماء فلا يوصل إليها إلا في المراكب أو علي الجسور الممتدة المقدم ذكرها.
وكان للمقياس في الدولة الفاطمية معلوم منها لكنس مجارى ماء النيل للمقياس في كل سنة مائة دينار تصرف من الذخيرة لأبي الرداد، وكان يأتي من مدينة قوص مركب صغير تسمى المفرد تبشر بوفاء النيل قبل أن يبشر ابن أبي الرداد بثلاثة أيام، وكان لها علي الذخيرة معلوم يسمي المفرد، وكان لها أيضا علي أرباب الدولة معلوم في كل سنة فبطل ذلك من مصر ما بطل، وللشعراء في ذلك تغزلات كثيرة. فمن ذلك قول الأديب الفقيسي (١).
стр. 87
ليهن أحبابى وفي … ومفرد وافى به مؤذنا
ما النيل إلا ادمعى بعدكم … كلا ولا المفرد إلا أنا
وقال الشيخ زين الدين بن الخراط (١) في النيل:
يا نيل مصر لك بالوفا … أوليتنا بالكسر جبرا دائما
أوفت قبل الكسر خمس أصابع … كرما فكانت للوفاء خواتما
***
ذكر ما قيل في يوم وفاء النيل بمصر
فمن ذلك قول الشيخ جمال الدين ابن بناته (٢):
زادت أصابع نيلنا … وطمت فاكمدت الأعادى
وأتت بكل مسرة … ما ذى أصابع ذي أيادى
وقال ابن أبى حجلة:
لما تزايد نبل مصر وانزعت … منه الحياض وللروابى طفقا
نشروا القلوع وبشروا بوفاته … فالرأية البيضاء عليه بالوفاء
وقال ابن الصاحب مضمنا (٣):
стр. 88
لله يوم الوفا والناس قد جمعوا … كالروض تطفوا على نهرا زاهره
وللوفا عمود من أصابعه … مخلق تملأ الدنيا بشاريره
وقوله أيضا:
نادى منادى الوفا بمصر … إذ علقوا سترة علامة
من الغلا قد سلمت حقا … وبث في الستر والسلامة
وقال النصير الحمامى (١):
سمعت فتى يقول ونيل مصر … على درج بدا والبعض غارق
متى غطى لنا الدرج استقمنا … فقلت نعم وتنصلح الدقايق
وقال المعمار:
سمعت يوما سد مصر يقل … النيل وافى زايدا عندى
وكان هذا خبرا صادقا … فرحت أرويه عن السرى
وقال القيراطى (٢):
لنيل مصر كمال فى زيادته … وفضله غير مخفى ومكيتم
إذا بدت لك من تياره شيم … رأيته ظاهر الأوصاف والشيم
وقال تميم بن المعز (٣):
يوم لنا بالنيل مختصر … ولكل يوم مسرة قصر
فكأنما أمواجه عكن … وكأنما داراته سرر
وقلت فى معنى ذلك:
стр. 89
شيم البحور تعكرت … دوراتها وتروقت
فكأنها سرر الملاج … تدورت وتحققت
وقال ابن عبد الظاهر:
يا نيل أجر علي حسن العوايد فى … أرجاء مصرك وأجبر كل مرزق
وأعلم بأنك مصرى فلست ترى … حلوا الفكاهة ما لم
وقال الصفى الحلى:
وفى النيل إذ وفى البسيطة حقها … وزاد على ما جاءه من صابع
فماذا تقول الناس فى جود منعم … يشار إلى أنعامه
وقال النصير الحمامى:
النيل قال وقوله … إذ قال ملى مسامعى
فى غيض من طلب العلا … عم البلاد منافعى
وعيوبها بعد الوفا … قلعتها بأصبعى
وقال شهاب الدين ابن الشاب التائب (١):
أرى نيل مصر قد غدا يوم كسره … إذا رام جريا فى الخليج تقنطرا
ولكن بعد الكسر زاد تجبرا … وافرط هجما فى القرى وتجسرا
وقوله أيضا:
كان فى يوم الوفا نيلنا … أثقن علم الجرف بالبط
إذ بالصبا صفحات خلجانه … تجدولت بالكسر والبسط
стр. 90
وقال سيدى على بن بردبك (١):
أن بحر النيل قد وفى لنا … ما عليه من قديم قررا
وقضانا الدين إلا أنه … حين وفاها عليه انكسرا
وقال أيضا:
أرى النيل قد وفا وزاد ولم يزل … يجود على أهل القرى بالمكارم
أفاض عليها الماء من بسط راحة … أصابعها فاقت أيادي حاتم
وقال بعضهم:
سد الخليج بكسره جبر الورى … طرا فكل قد غدا مسرورا
الماء سلطان فكيف تواثرت … عنه البشاير إذ غدا مكسورا
وقال ابن النقيب (٢):
لله در الخليج إذله … تفضلا لا نيطق نشكره
حسبك منه بأن عادته … يجبر من لا يزال يكسره
وقال أيضا:
كأن النيل ذو فهم ولب … لما يبدو لعين الناس منه
فيأتى عند حاجهم إليه … ويمضى حين تستغنون عنه
وقال خليل الكفتى الهمدانى:
стр. 91
مولاى أن البحر لما زرته … حياك وهو أخو الوفا بالأصبع
فانظر لبسطته برؤيتك التى … هى مشتهاه وروضة المتمتع
أرخى عليه الستر لما جئته … خجلا ومد تضرعا بالإصبع
وقال المعمار:
قد زاد بحر النيل من بعد الوفا … منه إصبعين لا أصابت
وأمرض الخزان فأنظر وجهه … ليمدا من سقمه على أصبعين
وقوله أيضا:
جاء الرخاء ووافى النيل وانفرجت … عنا الهموم وهاز القمح ثم رمى
وراح خزانه للنيل ينظره … فاستكثر الماء فى عينيه ثم عمى
وقوله أيضا:
حزن الخزان لما أن رأى … نيلنا قد عم سهلا وجبل
ورأى الزرع عروقا أخرجت … سنبلات ذات حب وسنبل
وبكى إذا رمدت مقلته … زاده الله عروقا وسبل
وقوله أيضا:
ذا النيل ما يبرح فى سعده … وحاله الماشى فما حالا
لا أوقف الله حالا
وقال بدر الدين ابن الصاحب:
انظر إلى النيل الجديد وقد أتى … فى عسكر الموج المديد معبسا
حصر البلاد فسلمته أرضها … فكسى تراها حين ولى سندسا
стр. 92
وقال الشيخ جلال الدين عبد الرحمن بن الشيخ كمال الدين السيوطى (١) هذا البيتين، وقد اخترع فيهما تشبيها غريبا لم يسبق إليه:
النيل لما أن غدا موجه … وخف بالنخل لذى المنظر
كفروه الصمور قد ركبت … فى دفعه أو كان يدفع بالتي
وقال ابن الصايغ الحنفى:
سمى النيل إذ يحكى السماء فى انبساطه … فالله ما أحلى وأصدقه حاكى
تسير به الأفلال شرقا ومغربا … وحافاته أيضا تحف باملاك
***
وما قيل في إفراط زيادة النيل
قال ابن أبى حجلة:
يا رب أن النيل زاد زيادة … أدت إلى هدم وفرط تشت
ما ضره لوجا على عاداته … فى مقعد من سندس أخضر
وقال بعضهم:
يا نيل يا ملك الأنهار قد شربت … منك البرابا شرابا طيبا وغذا
وقد دخلت القرى تبغى منافعها … فعمها بعد فرط النفع منك إذا
فقال تذكر عنى أننى ملك … وتنثنى ناسيا أن الملوك إذا
стр. 93
وقال بدر الدين ابن الصاحب:
النيل أفرط فيضا … يفيضه المتتابع
فصار مما دهانا … حديثنا بالأصابع
وله أيضا:
النيل زاد جورا … بحكمة المطاع
يعمل فى الرعايا … بالباع والذراع
وقال محيى الدين بن عبد الظاهر:
كم قطع الطرق نيل مصر … حتى لقد خافه السبيل
بالسيف والرمح من غديره … ومن قناة لها نصول
وقال صلاح الدين الصفدى:
قد زاد هذا النيل فى عامنا … فأغرق الأرض بأنعامه
وكاد أن يعطف من مائه … عرى على ازداد أهرامه
وقال كشاجم (١):
كان النيل حين جزى فغصت … به مصر وكسرت التراع
وأحدق بالورى من كل وجه … سموات كواكبها الضياع
стр. 94
ومما قيل فى توقف زيادة النيل قال الأسعد بن مماتى (١):
ولقد عهدت النيل شيئا يرى … عمرا ويتبع أمره تسيدا
والآن أضحى فى الورى متشبعا … متوقفا ما أن يحب يزيدا
وقال النصير الحمامى (٢):
ان عجل النور وأقبل الوفا … عجل للعالم صفع القفا
فقد كفى من دمعهم ما جرى … وما جرى من نيلهم ما كفا
وقال بدر الدين بن الصاحب مضمنا:
قد قلت لما أن تزايد نيلنا … أو كاد ينزل عن وفا المقياس
يا نيل يا ملك المياه بأسرها … ما فى وقوفك ساعة من باسى
ومما قيل فى وصف مراكب النيل قال الشيخ صدر الدين ابن الوكيل كشاجم (٣):
كان البحر ميدان وفيه … من السفن التى تجرى خيول
يطارد بعضها بعضا وليست … تكل ولا لها عرق يسيل
وما تعزى لأعوج فى انتساب … وللنجار نسبتها توول
стр. 95
وقال سيدى عبد العزيز الديرينى (١) رضى لله عنه فى مركب مقلع:
انظر ألى مركب يزهيك منظره … تسابق الريح فى جرى واسراد
وكأنه طائر قد مضه عطش … وافا من الجو منقوضا على الماء
وقال الشهاب بن المنصورى من أبيات فى مركب مقلع وقد أجاد فى التشيه:
كأنما السفن عادات جرين به … لها المراسى شنوف اؤه مرسيل
من كل جارية كالخود زايره … إذ ارها قبل أن نلقاك محلول
وقال ابن تميم:
عجبت للنيل لما أن رأيت به … تلك الصوارى وقد اربت على الحبك
أظنها لم تطل إلا وقد وليت … حمل الرسائل بين الفلك والفلك
وقال الشيخ شمس الدين النواجى:
اركب النيل ما استطعت ففيه … راحة للفتى وغاية بغيه
كم تقرجت حين سافرت فيه … فى بلاد وكم ظفرت يمنيه
وقال ابن رشيق ضد ذلك:
خلقت طينا وماء البحر يتلفه … والقلب فيه نفور من مراكبه
فالبحر غير رفيق بالرفيق له … والبر مثل اسمه بر براكبه
стр. 96
وله أيضا فى المعنى:
أمرتنى بركوب البحر مجتهدا … وقد عصيتك فاختر غير ذا الرأي
ولا أنت نوح فتحيينى سفينته … ولا المسيح أنا أمشى على الماء
***
ذكر ما قيل في ماء النيل من مدح وذم على سبيل الاختصار
قال الرئيس أبو على بن سينا (١) ﵀ أن قوما يفرطون فى مدح النيل أفراطا شديدا ويمعون محامده فى أربعة بعد منبعه وطيب مسلكه وعمورته وأخذه إلى الشمال على الجنوب.
أعلم أن أفضل المياه مياه العيون ولا كل العيون، ولكن ماء عيون الحرة الأرض، التى لا يغلب على تربتها شئ من الأحوال والكيفيات الردية، أو تكون حجرية فيكون أولى بأن لا تعفن عفونة الأرضية، لكن التى هى من طينة حرة خير من الحجرية، ولا كل عين حرة، بل التى هى مع ذلك جارية ولا كل جارية، بل الجارية المكشوفة للشمس والرياح، وأن هذا مما تكسب به الجارية فضيلة، وأما الراكدة فربما اكتسبت بالكشف رداءه ولا تكسبها بالتستر.
وأعلم أن المياه التى تكون طينية السيل خير من التى تجرى على الحجارة، فإن الطين ينقى الماء ويأخذ منه الممزوجات الردية والحجارة لا يفعل ذلك.
стр. 97
قال الرئيس علاء الدين بن أبى الحزم بن نفيس (١) فى شرح القانون: هذه المحامد التي ذكرها ليست علامات للحمد، بل ماء النيل أفضل وأرق وألطف من ماء العيون.
فهذه الأربعة بعد منبعه توجب لطاقة الماء بسبب كثرة حركته.
أعلم أن منبع النيل من جبل [يقال له] القمر، وهذا الجبل وراء خط الأستواء باحدى عشرة درجة وثلاثين دقيقة مما به أعظم دائرة فى الأرض، فإذا دخل النيل مدينة مصر ثم إنتهى إلى بلد يقال لها شطنوف يفترق هناك إلى نهرين يرميان إلى البحر المالح: أحدهما يعرف ببحر رشيد ومنه يكون خليج الإسكندرية. وثانيهما يعرف ببحر دمياط وهذا البحر إذا وصل إلى المنصورة تفرع منه نهر يعرف ببحر أشمون ثم إلي البحيرة هناك وباقية إلى بحر الملح عند دمياط. وزيادة ماد النيل هى من أمطار مثيرة ببلاد الحبشة.
ثم أنه يتوجه إلى الشمال والمتوجه إلى المغرب والجنوب ردي خصوصا عند هبوب ريح الجنوب والذى ينحدر من مواضع عالية فهو أفضل، أما ما قاله الرئيس ابن سينا من صفات ماء العيون فإذا اعتبرت ما قاله تجد ذلك قد اجتمع فى ماء النيل.
فأوله أن ماء النيل عين تمر على أراضى حرة، ولا يغلب على تربة شئ من الأحوال والكيفيات الردية [كمعادن] النفط والشب والأملاح والكباريت ونحوها، بل يمر على الأراضى التى تنبت الذهب بدليل ما يظهر فى الشواط من قراضات الذهب وقد عانى جماعة تصويل الذهب من الرمل المأخوذ من شطوط النيل فربحوا منه مالا وفضيلة كون أن الذهب فى الماء لا ينكر.
الثانى: أن النيل فى جريانه أبدا مكشوف للشمس والرياح.
الثالث: أن طينة من طين مسيل مياه مجتمعة من أمطار تمر على أراضى حرة، ويظهر ذلك (٢) من عطرية روائح الطين إذا نديته بماء.
الرابع: غمورة ماء النيل وشدة جريه التى تكاد تقصف العمد إذا اعترضها.
стр. 98
الخامس: بعد مبدأ خروجه من مصبه إلى البحر الملح وقد تقدم من طول مسافته ما لا نجده فى نهر غيره.
السادس: انحداره من علو، فإن الجنوب مرتفع على الشمال لا سيما وإذا صار إلى الجنادل انحط من أعلى جبل مرتفع إلى وادى مصر.
وذكر ابن قتيبة فى كتاب غريب الحديث جرير بن عبد الله البجلى (١) حين سأله رسول الله ﷺ عن منزله ببلنسة فذكره إلى أن قال: وماؤنا يمتنع أن يجرى من علو، فقال النبى ﷺ «خير الماء السنم» (٢) أى ما كان ظاهرا على الأرض.
وقال بعض المفسرين فى قوله تعالى ﴿(وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ]﴾ (٣) أى يمزج بما ينزل من علو لمصر.
السابع: أنه يمر من الجنوب إلى الشمال فتستقبله ريح الشمال الطيبة دائما.
الثامن: خفته فى الوزن، وقد اعتبر ذلك غير مرة مع غيره من المياه فخف عنها فى الوزن.
التاسع: عذوبة طعمه وحسن أثره فى هضم الغذاء، واحداره عن المعدة بحيث أنه يحدث بعد شربه جشاء.
وهذه صفات ممن قد مارس العلم الطبيعى وعرف الطب، فإنه يعظم عنده قدر ماء النيل وتبين لك غزارة نفعه وكثرة محاسنه.
ويقال أن ذا القرنين كتب كتابا فيه ذكر ما شاهده من عجائب الدنيا، فضمنه كل عجيبة، ثم قال فى آخره: وليس ذلك يعجب ولكن العجب نيل مصر.
وقال بعض الحكماء: لولا ما جعل الله فى نيل مصر من حكمه الزيادة فى زمن الصيف
стр. 99
على التدريج، حتى يتكامل رى البلاد وهبوط الماء عنها عند بدء الزراعة، لفسد أقليم مصر وتعذر سكناه، لأنه ليس فيه أمطار كافية ولا عيون جارية نعم أرضه إلا فى بعض أقليم الفيوم.
ولله در القائل:
(١) واها لهذا النيل أى عجيبة … بكر بمثل حديثها لا يسمع
يلقى الثرى فى العام وهو مسلم … حتى إذا ما مل عاد مودع
مستقبل مثل الهلال فدهره … أبدا يزيد كما يزيد ويرجع
***
وفيما قيل في تعكير النيل عند الزيادة
قال بدر الدين ابن الصاحب:
النيل البس حلة … حمراء فى تخليقه
وله أصابع زبيب … تخمت بعقيقه
وقال آخر:
كان النيل فى تكدير عيشى … وشرعه جريه عند انصراف
ولكن لونه كسحيق مسك … وبماء الورد مضروب مدافى
وقال آخر:
أما ترى الرعد بكى واشتكى … والبرق وقد أمضى واستضحكا
стр. 100
فاشرب علي غيم كصنع الدجى … يضحك وجه الأرض لما بكى
وانظر لماء النيل فى مده … كأنما صندل أو مصطكا
***
ومما قيل في هجان البحر عند هبوب الرياح
قال الشيخ علاء الدين الوادعى:
إنظر إلى البحر الذى … بيد النسيم تجعدا
قد صيرته مبردا … فلاجل ذا تجلو الصدا
وقال الشيخ شهاب الدين المنصورى من أبيات:
كأنه والصبا مسبحا تجعده … من نسيج داود فى الهيجا إسرائيل
كأن أمواجه والريح تنشرها … صوارم بطباها المحل مقتول
كأنما الشط والأمواج تلطمه … دف لها وحرير الماء موصول
وله أيضا:
قالت لنا والبحر من تحتنا … والموج فى أرجايه يلعب
ما أطيب النيل لو راده … قلت لها تصخيفة أطيب
стр. 101
وقال آخر أيضا:
مررت بشط النيل والماء مولع … بلثم ثناياه يبوس ويصدر
فخلت فضول الموج فى الشط بردة … بحاشيية يضاء تطوى وتنشر
وقال بعضهم:
شربنا على النيل لما بد … ايزيد بموج ولا ينقص
كأن تكاثف أمواجه … معاطف جارية ترقص
وقال آخر:
وزاجر ليس له صوله … إلا إذا ما هبت الريح
هو إذا ما سكنت ساكن … كأنما الريح له روح
قال ابن قلاقس (١):
انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة … وانظر لما بعدها من حمرة الشفق
غابت وألقت شعاعا منه يخلفها … كأنما احترقت بالماء فى الغرق
وللهلال فها وافى لينقدها … فى أثرها زورق قد صنع من ورق
وقال بعضهم:
(¬*)
لله يومى بنهر قد مررت … فأبصرت منه عينى منظرا عجبا
كأنه شقة من فضة نسجت … وراحت الشمس فيها ترقم الذهبا
стр. 102
(¬**) وفي معناه نثرا:
انظر إلى البحر ترى فيه قبيل المغرب، صغا من فضة قد موهت بالذهب.
وقال القاضى الفاضل عبد الرحيم (١):
وأما النيل فقد ملأ البقاع … وانتقل من الأصبع إلى الذراع
فكأنما غار على الأرض فغطاها … وأغار عليها فاستعدها وما تخطاها
ولم يوجد بمصر قاطع سواه … ولا مرغوب مرهوب إلا إياه
ونيل مصر مخالف فى جريه لغالب الأنهار، فإنه يجرى من الجنوب إلى الشمال وغيره ليس كذلك» إلا نهران فإنهما يجريان كما يجرى النيل وهما نهر مهران بالسند ونهر الأريط وهو الذى يعرف اليوم نهر العاصى فى حماة إحدى مدائن الشام.
وقد عاب ماء النيل قوم قال ابن وحشية (٢) فى كتاب «الفلاحة النبطية»: وأما ماء النيل من جبال وراء بلاد السودان من جبل القمر. وحلاوته وزيادته يدلان على موقعه من الشمس وأنها قد أحترقته لأكل الاحراق، بل استغنته إسخافا طويلا. لينا، لا يزعجه الحرارة ولا تقوى عليه بحيث تبدد أجزاءه الرطبة وتبقى أجزاءه الراسخة، بل يعتدل عليه، فصار ماؤه لذلك حلوا جدا، وصار كثرة شربه يعفن البدن ويكثر من الدماميل والقروح، وصار أهل مصر الشاربون منه دمويين محتاجين إلى استفراغ الدم عن أبدانهم فى كل مدة قصيرة.
فمن كان عالما منهم بالطبيعة فهو يحسن مداواة نفسه حتى يدفع عن جسمه ضرر ماء النيل وإلا فهو يقع فيما ذكرنا من العفونات وإنتشار البثر والدماميل وذلك أن هذا الماء ناقص البرد عن سائر المياه فصار إذا خالط الطعام فى الأبدان كثر فيها الفضول الردية فيحدث من
стр. 103
ذلك ما ذكرناه، ودواء أهل مصر الذى يدفع عنهم ضرر ماء النيل إدمان شرب ماء الليمون والنارنج، وكثرت الخل وأخذ الأدوية المعتدلة ولو زادت حرارة الشمس على ماء النيل وطال طبخها له لصار مالحا بمنزلة ماد البخار الراكدة التى لا حركة لها إلا وقت جزر البحر، عند هبوب الرياح، وهو أوفق للزرع والمنابت من الحيوان.
***
ذكر عجائب النيل على سبيل الاختصار
قال المسعودى: فى نيل مصر وأرضها عجائب كثيرة من الحيوانات، فمن ذلك السمك المعروف بالرعاد وهو نحو الذراع، إذا وقعت فى شبكة الصياد ارتعدت يده وعضده فيعلم بوقوعها فيبادر إلى أخذها من الشبكة، ولو أمسكها بخشبة أو قصب فعلت ذلك.
وقد ذكرها جالينوس وأنها إذا جعلت على رأس من به صداع شديد أو شقيقه وهى بالحياة هذا من ساعته.
وقال بعضهم: إذا علقت المرأة شيئا من الرعاد عليها، لم يطق زوجها البعد عنها ساعة، وكذلك أن علق الرجل عليه لم تكد المرأة أن تفارقه ساعة واحدة، ومنها السقنقور وهو قزيب الشبه من الورل، وقيل إنه فرخ التمساح فإذا خرج من البيضة فما قصد الماء صار تمساحا، وما قصد الرمل صار سنقورا، ولا يكون هذا فى النيل أو بنهر مهران من أرض الهند ويسمى بالورل المائى، وأكثر ما يوجد فى الرمال التى تلى النيل من نواحى الصعيد أو الفيوم.
وهذا السقنقور يتولد من ذكر وأنثى، ويوجد للذكر خصيتان كخصيتى الديك، وله ذكران وللأنثى منه فرجان، وتبيض فوق العشرين بيضة وتدفنها فى الرمل. وقيل أن قوما شؤومنه وأكلوا فماتوا كلهم فى ساعة واحدة، وقيل شحمه ينفع للجماع وقوة الباء.
ومن عجائب النيل فرس البحر: قال عبد الله بن أحمد بن سليم الأسوانى فى كتاب
стр. 104
أخبار النوبة: ومسافة ما بين دنقلة إلى بلاد علوة أكثر مما بين دنقلة وأسوان، وفى ذلك من القرى والضياع والجزائر والمواشى والنخل والشجر والمقل والزرع والكرم أضعاف ما فى الجانب الذى يلى أرض الإسلام.
وفى هذه الأماكن جزائر عظيمة مسيرة أيام، وفيها الحيات (١) والوحوش، ومفاوز يخاف فيها العطش، وماء النيل ينعطف من هذه النواحى إلى مطلع الشمس وإلى مغربها مسافة أيام، وهذا مكان يعرف بشنقير، ومنه يخرج القمرى وفيه يكون فرس البحر.
قال سيمون: صاحب عهد علوة، أنه آحصى فى جزيرة سبعين دابة منها وهى فى خلقة الفرس غلظ الجاموس، قصيرة القوائم، لها خف، وهى فى ألوان الخيل بأعراف وآذان صغار كأذان الخيل وأعناقها وأذنابها مثل أذناب الجواميس، ولها صهيل كالخيل وأنياب لا يقوم حذاءها تمساح، وتعترض لبعض المراكب فتغرقها، ورعيها فى البر العشب، وحافرها مشقوق كحافر البقر وهو يأكل التمساح أكلا ذريعا.
وأتفق أن بعض الناس نزل على شاطئ النيل ومعه حجرة، فخرج من الماء فرس أدهم عليه نقط بيض، فتراما على الحجرة فحملت منه وولدت مهرا عجيب الحلقة، فطمع فى مهر آخر فجاء بالحجرة والمهر إلى ذلك الموضع، فخرج الفرس من الماء وشم المهر ساعة، ثم وثب فى الماء وتبعه المهر إلى الماء، فصار الرجل يتعاهد ذلك المكلن كثيرا، فلم يعد الفرس ولا المهر إليه.
قال المسعودى: والفرس يكون فى نيل مصر إذا خرج من الماء وإنتهى وطئه إلى بعض المواضع من الأرض، علم أهل مصر أن النيل يزيد إلى أن يبلغ ذلك الموضع بعينه وذلك عندهم لا يختلف لطول العادات والتجارب.
وفى ظهوره من البحر ضرر للغلات والزرع، وذلك أنه يظهر فى الليل ينتهى إلى موضع من الزرع، ثم يولى عائدا إلى الماء فيرى فى حال رجوعه من الموضع الذى إنتهى إليه مسيرة، ولا يرعى من ذلك الذى قد رعاه فى ممره شيئا، وإذا رعى وورد الماء وشرب منه، ثم قذف ما فى جوفه فى مواضع شتى، فينبت ذلك مرة ثانية.
وإذا كثر ذلك من فعله، واتصل ضرره بأرباب الضياع طرحوا له شيئا من الترمس فيأكله
стр. 105
ثم يعود إلى الماء، فإذا شرب منه ربا الترمس فى جوفه فينتفخ ويموت، ويطفوا على الماء والموضع الذى يرى به لا يرى به تمساح.
وقال المسبحى: أن السمك المعروف بالبلطى أول ما عرف بنيل مصر فى أيام الخليفة لعزيز بالله نزار بن المعز لدين الله، ولم يكن يعرف قبله فى النيل، وظهر فى أيامه أيضا سمك يعرف باللبيس، وإنما سمى باللبيس أنه يشبه البورى الذى بالبحر المالح، فاللبيس به، وغالب الظن أنها من أسماك البحر المالح دخلت فى الحلو.
ومن عجائب النيل التمساح: قال ابن البيطار (١): التمساح حيوان معروف يكون فى الأنهار الكبار، وفي النيل منه شئ كبير ويوجد فى نهر مهران بأرض الهند.
قال ابن زهران (٢): كل حيوان يحرك فكه الأسفل إذا أكل ما خلا التمساح، فأنه يحرك فكه الأعلى دون الأسفل. وشحم التمساح إذا عجن بالسمن، وجعل منه فتيلة وأسرحت فى نهر أو بركة لم تنطق ضفادعها مادامت تقد، وإذا طيف بجلد التمساح حول قرية، ثم علق فيها لم يقع البرد فى تلك القرية مادام بها، وإذا عض التمساح إنسانا ووضع على العضة شيئا من شحمه برأ من ساعته، وإن لطخت بشحمه جبهته كبش نطاح، نفر منه كل كبش يناطحه ويهرب منه. وإذا تبحر بكبده المجنون برئ وإذا أقلعت عينه وهو حى، وعلقت على من به جذام أوقفه، ولم يرد عليه وشحمه إذا جعلت معه دهن ورد نفع من به وجع الصلب والكليتين، وزاد فى الباه. وإذا دهن به من صمم برئ، وإذا أدهن به صاحب حمى الربع سكنت عنه وله منافع كثيرة لا تحصى نفعها.
قال المسعودى: وللتمساح آفة تسمى دويبة تكون فى سواحل النيل وجزائره، وهو أن التمساح مثل الجراب لا دبر له، وما يأكله يتكون فى بطنه، فيربى فى بطنه دودا فإذا آذاه ذلك خرج إلى البر فاستلقى على قفاه فاغرا فاه فينقض إليه طائر من الماء، وقد اعتاد منه بذلك فيأكل ما يظهر من جوفه من ذلك الدود العظيم، وكذلك الطائر ابرتين من العظم فى ظهره، فإذا
стр. 106
أحس التمساح بذلك الطائر قبض فاه على ذلك الطائر، فيضربه الطائر بتلك الأبرتين في سقف حلقه فيفتح، فيطير ذلك الطائر من جوفه، وتكون تلك الدويبة المقدم ذكرها قد كمنت له فى الرمل، فتدخل فى جوفه فيخبط التمساح بنفسه على الأرض ويطلب البحر فلا تزال عليه حتى تحزق جوفه، وتخرج منه وربما قتل نفسه قبل أن تخرج من جوفه، وتخرج بعد موته، وهذه الدويبة نحو الذراع على صورة ابن عرس، ذات قوائم شتى ومخالب.
ويقال أنه كان بجبال فسطاط مصر طلسم معمول برسم التمساح لا يستطيع الحركة عنده، بل كان إذا قرب منه انقلب واستلقى على ظهره، فيبعثون الصبيان به إلى أن يجاوز ذلك الطلسم ثم يعود إلى حاله أو يموت، وهذا الطلسم كسر فبطل فعله. ويقال أن التمساح يبيض كبيض الأوز، وربما تولد منه جرادين صغار، ثم تكبر حتى تبلغ طولها عشرج أشبا، والتمساح بجامع انتاتيه ستين مرة فى حركة واحدة ومحل واحد، والله أعلم.
***
ذكر طرف يسيرة من تقدمه المعرفة بحال النيل فى كل سنة
قال ابن رضوان (١) فى شرح الأربع وقد يحتاج أمر النيل إلى شروط منها:
أن تكون الأمطار متوالية فى نواحى الجنوب قبل مدة وفى وقت مدة، ولذلك وجب أن يكون النيل متى كانت الزهرة وعطارد مقرنين فى مدخل الصيف، كثرة الزيادة لرطوبة الهواء ومتى كان المريخ أو بعض المنازل فى ناحية الجنوب فى مدخل الربيع أو الصيف، كانت الأمطار قليلة فى تلك الناحية، ومنها أن تكون الريح شمالية لتوقف جريه، فأما الجنوبية فأنها تسرع إنحداره ولا تدعه يلبث، فإذا علمت ما يكون فى ناحية الجنوب من كثرة الأمطار أو قلتها، وفى ناحية مصر من هبوب الرياح فى فصلى الربيع والصيف فقد علمت بحال النيل كيف تكون فى تلك السنة بمصر من الخصب والجدب.
стр. 107
وقال بطليموس: إذا أردت أن تعلم مقدار مد النيل فى الزيادة والنقصان، فانظر حين تحل الشمس برج السرطان إلى الزهرة وعطارد والقمر، فإن كانت أحوالها جيدة وهي برية من النحوس، فالنيل بمد ويبلغ الحاجة به، وإن كانت أحوالها بخلاف ذلك وهى ضعيفة فانكسر القول، فإن ضعف بعضها وصلح البعض توسط الحال فى النيل، والضابط أن قوة الثلاثة تدل على تمام النيل، وضعفها علي توسطه وإنتخاسها أو احتراقها أو وقوعها فى بعدها إلا بعد من الأرض، دل على النقص وأنه قليل جدا، إلا أن احتراق الزهرة فى برج الأسد يستنزل الماء من الجنوب.
وقالت القبط: ينظر أول يوم من شهر برمودة، ما الذى يوافقه من أيام الشهر العربى، فما كان من الأيام فزد عليه خمسة وثمانين يوما، فما بلغ حد سدسه فإنه يكون عدد مبلغ النيل فى تلك السنة من الأذرع.
قالوا: ومن المعتبر أيضا فى أمر النيل أن ينظر فى اليوم الذى يفطر فيه النصارى اليعاقبة بمصر ما بقى من الشهر العربى، فرد عليه أربعا وثلاثين فما بلغ أسقطه أثنى عشر فهو زيادة النيل من الأذرع فى تلك السنة مع الأثنى عشر وأن بقى أثنا عشر فهى سنة ديئة وقالوا: إذا كان العاشر من الشهر العربى موافقا لشهر أبيب والقمر فى برج العقرب فإنه كان مقارنا لقلب العقرب كان النيل مقصرا وإلا فهو جيد.
***
ذكر عيد الشهيد وما كان يعمل بمصر يوم عيد الشهيد
ومن المعتبر فى ذلك الذى جريته الناس وضح أن ينظر أول يوم من مسرى كم مبلغ النيل فزد عليه ثمانية أذرع، فما بلغ فهو زيادة النيل فى تلك السنة. وما يزعم نصارى الوجه القبلى إنه مجرب فى أمر النيل، أن يؤخذ قبل عيد ميكائيل بيوم فى وقت الظهر من الطين، الذى مر عليه ماء النيل قطعة زنتها ستة عشر درهما، سواء وترفع فى إناء مغطى إلى بكرة يوم عيد ميكائيل، وتوزن فما زاد عليه وإنها من الخراريب، لكل خروبة ذراع، ومع ذلك
стр. 108
فلابد من أخذ شئ من دقيق القمح، واعجنه بماء النيل فى إناء فخار قد عمل من طين مر عليه النيل، واتركه مغطى طول ليلة عيد ميكائيل، فإذا وجدته يوم العيد قد اختمر بنفسه، كان النيل فى تلك السنة ويعتبر مع ذلك بكرة يوم عيد ميكائيل إلى الهواء، فإن مر طيابا فهو نيل جيد وأن هب غير طياب فهو نيل مقصر لا سيما أن هب مر يسبا فإنه يكون غير كاف، ويعتبر أيضا إذا مطر مطر فى شهر بابه ولو مطر قليل، فإنه ينظر أى يوم من أيام الشهر القبطى فى العدد فإنه يبلغ الويبة (١) القمح تلك السنة من الدراهم بعدد ما مضى من أيام شهر بابه. وقد جرب ذلك فى بعض السنين عند وقوع المطر فى بابه يوم الخمس عشر منها، فابيعت الويبة القمح فى تلك السنة بخمسة عشر درهما.
وكان من انزه فرج مصر وهو اليوم الثامن من شهر بشنس أحد شهور القبط، ويزعمون أن النيل بمصر لا يزيد فى كل سنة حتى يلقى النصارى فيه تابوتا من خشب فيه أصبع من أصابع من قد هلك من أسلافهم الموتى، ويكون كذلك اليوم عيدا ترحل إليه النصارى من جميع القرى، ويركبون فيه الخيل ويلعبون عليها، وتخرج عامة أهل القاهرة ومصر على إختلاف طبقاتهم وينصبون الخيم على شطوط النيل، فى الجزائر، ولا يبقى مغن ولا مغنية ولا صاحب لهو ولا رب ملعوب ولا بغى ولا مخنث ولا ماجن ولا خليع ولا متفرج ولا فاسق، إلا يخرج لهذا العيد. فيجتمع عالم عظيم لا يحصيهم إلا خالقهم، وتصرف أموال لا تنحصر ويتجاهروا هناك، بما لا يبتغى شرحه من المعاصى والفسوق، وتثور فتن وتقتل اناس، ويباع من الخمر خاصة فى ذلك اليوم بما ينيف على مائة ألف درهم فضة عنها خمسة آلاف دينار ذهبا، وباع نصرانى فى يوم واحد بمائتى ألف درهم فضة من الخمر خاصة.
وكان اجتماع الناس لعيد الشهيد دائما بناحية شبرا من ضواحى القاهرة، وكان اعتماد فلاحى شبرا دائما فى وفاء الخراج على ما يبيعونه من الخمر فى عيد الشهيد.
ولم يزل ذلك الحال على ما ذكر من الاجتماع إلى أن كانت سنة أثنين وسبعمائة - والسلطان يومئذ بديار مصر الملك الناصر محمد بن قلاوون والقائم بتدبير الدولة الأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير، وهو يومئذ أستا دار العالية (٢) بمصر، والأمير سيف الدين سلار نائب السلطنة بديار مصر فقام الأمير بيبرس المذكور فى أبطال ذلك قياما عظيما،
стр. 109
وكان إليه أمور ديار مصر مفوضة هو والأمير سلار، والناصر تحت حجرهما لا يقدر شبع بطنه إلا من تحت أيديهما.
فتقدم أمر الأمير بيبرس ألا يرمى الأصبع فى النيل ولا يعمل له عيد، وندب الحجاب ووالى القاهرة لمنع الناس من الاجتماع بشيرا على عاداتهم، وخرج البريديونى إلى سائر أعمال مصر وأعمال مصر ومعهم الكتب إلى الولاة باجهار النداء وإعلانه فى الأقاليم بأن لا يخرج أحد من النصارى ولا يحضر لعمل عيدا الشهيد.
فشق ذلك على أقباط مصر كلهم، ممن أظهر منهم الإيمان ومن هو باق على نصرانيته، ومشى بعضهم إلى بعض.
وكان منهم رجل يعرف بالتاج بن سعيد الدولة يعانى الكتابة، وهو يومئذ فى خدمة الأمير بيبرس، وقد احتوى على عقله، واستولى على جميع أموره، فما زال الأقباط بالتاج إلى أن تحدث مع مخدومه الأمير بيبرس فى ذلك، وخيله من اتلاف مال الخراج إذا أبطل هذا العيد، فإن أكثر خراج شبرا إنما يحصل من ذلك، وقال له: متى لم يعمل العيد لا يطلع النيل فى تلك السنة ويخرب أقليم مصر لعدم طلوع النيل، وهذه قاعدة مصر على ذلك.
فثبت الله الأمير بيبرس وقواه حتى اعترض عن جميع ما ذكره من زخرف القول، واستمر على منع عمل العيد وقال للتاج: إن كان النيل لا يطلع إلا بهذا الأصبع فلا يطلع، وإن كان الله تعالى هو الذى يطلعه، فنكذب النصارى.
فبطل العيد من تلك السنة، ولم يزل منقطعا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. وعمر الملك الناصر محمد بن قلاوون الجسر فى بحر النيل ليرى قوة التيار عن القاهرة، فطلب الأمير يبلغا اليحياوى والأمير الطنبغا الماردينى من السلطان أن يخرجا إلى الصيد ويغيبا مدة فلم يرضى السلطان بذلك وأراد صرفهما عن السفر. فقال لهما: نحن نعيد عمل عيد الشهيد حتى تفرجكما عليه خير من خروجكما إلى الصيد، وكان قد قرب أوان وقت عيد الشهيد - فرضيا بذلك وأشيع فى الأقليم إعادة عيد الشهيد.
فلما كان اليوم الذى يعمل فيه ركب الأمراء فى النيل فى الشخانير، واجتمع الناس من كل جهة على عادتهم كما كانوا يفعلون من المحرمات وأنواع المنكرات، واتسع الأمر توسعا خرجوا فيه عن الحد فى كثرة المبالغة من التجاهر والتهتكات فوق ما كان يعمل واستمروا علي ذلك ثلاثة أيام.
стр. 110
وكان مدة انقطاع عمل عيد الشهيد منذ أبطله الأمير بيبرس إلى أن أعاده الملك الناصر ست وثلاثين، واستمر بعمله فى كل سنة بعد ذلك إلى أن كانت سنة خمس وخمسين وسبعمائة ترك المسلمون على النصارى، وعملت أوراق بما قد وقف من أراضى مصر على كنائس النصارى ودورهم، وحملت الأوراق إلى ديوان الأحباس، فلما تحررت تلك الأوراق اشتملت على خمسة وعشرين ألف فدان كلها على الكنائس والديارات، وعرضت على أمراء الدولة فى أيام الملك الصالح بن محمد قلاوون وهم الأمير شيخو العمرى والأمير صرغتمش والأمير طاز - فتقرر الحال على أن ينعم بذلك على الأمراء زيادة على أقطاعهم، والزم النصارى بما يلزمهم من الصغار، وهدمت لهم عدة كنائس.
فلما كان العشر الأخير من شهر رجب من السنة المذكورة خرج الحاجب والأمير علاء الدين بن الكورانى وإلى القاهرة إلى ناحية شبرا ومنع من نصيب الخيام على العادة، وهدمت كنيسة النصارى التى كان فيها أصبع الشهيد فى صندوق، وأحضروه إلى عند الملك الصالح، فأحرقه بين يديه فى الميدان وذر رماده فى البحر، وبطل عيد الشهيد من يومه إلى هذا العهد، ولله الحمد ..
***
ذكر الخلجان الذى شقت بأرض مصر من مجرى النيل
أعلم أن النيل إذا انتهت زيادته فتحت منه خلجان وترع يتحرق الماء فيها يمينا وشمالا إلى البلاد البعيدة عن مجرى النيل، وأكثر الخلجان والترع والجسور والأخوار بالوجه البحرى.
وأما الوجه القبلى - وهى بلاد الصعيد فإن ذلك قليل فيه، وقد ذهبت معالمه ودرست رسومه من هناك.
والمشهور من الخلجان: خليج سخا ومنف والمنهى وأشموم طناح وسردوس والأسكندرية ودمياط والقاهرة وأبى المنجا والناصرى.