وأنت - يا أمير المؤمنين - مؤمن بالله ومن أهل بيت رسول الله ﷺ : ألا تغلبك رأفتك بالمسلمين على نفسك.
فبكى المنصور، ثم قال: ويحك كيف احتيالي لنفسي؟!
قال يا أمير المؤمنين: إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بهم في دنياهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك وشاورهم في أمرك يسددوك.
قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني.
قال خافوا أن تحملهم على طريقتك، ولكن افتح بابك وسهل حجابك وانصر المظلوم واقمع الظالم وخذ الفيء والصدقات على وجهها وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة وجاء المؤذنون فسلموا عليه إعلاما بحضور وقت الصلاة فصلى وعاد إلى مجلسه وأمر بطلب الرجل فلم يوجد.
وفي رواية أخرى رويناها من طريق أبي المهاجر المكي زيادة عند قول ملك الصين:
أما إن كان ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب.
نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم، وكان يركب الفيل طرفي النهار هل يرى مظلوما فينصفه.
هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نفسه في ملكه وأنت مؤمن بالله وابن عم نبيه ﷺ : ألا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاثة:
стр. 177
إن قلت أجمعها لولدي فقد أراك الله عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وما له على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس.
لست بالذي تعطي بل الله يعطي من يشاء.
وإن قلت أجمع المال ليشتد سلطاني فقد أراك الله عبرا في من كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة وما أعدوا من السلاح والرجال والكراع وما ضرك وولد أبيك ما كنت فيه من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد.
وإن قلت: أجمع المال لطلب غاية هي أجسم (٢) من الغاية التي أنت فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين.
هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل؟
قال: لا.
قال: فكيف تصنع بالملك الذي خولك الله وما أنت فيه من ملك الدنيا وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل، ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم، وهو الذي يرى منك ما عقد عليه قلبك وأضمرته جوارحك.
فما تقول إذا انتزع الملك الحق ملك الدنيا من يدك ودعاك إلى الحساب هل يغني عنك عنده شيء مما كنت فيه مما شححت عليه من ملك الدنيا؟
فبكى المنصور بكاء شديدا حتى نحب وارتفع صوته ثم قال:
стр. 178
يا ليتني لم أخلق ولم أر شيئا مذكورا.
ثم قال: كيف احتيالي فيما خولت ولم أر من الناس إلا خائنا.
فقال: يا أمير المؤمنين: عليك بالأئمة الأعلام المرشدين.
قال: ومن هم؟
قال: العلماء.
قال: إنهم فروا مني.
قال: هربوا مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك في ذلك ولكن افتح الأبواب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم من الظالم وامنع الظالم منهم وخذ الشيء مما حل وطاب واقسمه بالحق والعدل وأنا ضامن عمن هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك.
فقال المنصور: اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل.
وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج فصلى بهم (٣) ثم قال للحرسي: عليك بالرجل لئن لم تأتني به لأضربن عنقك واغتاظ عليه غيظا شديدا فخرج الحرسي فطلب الرجل فبينا هو يطوف إذا هو بالرجل قائما يصلي في بعض الشعاب فقعد حتى صلى.
ثم قال: ياذا الرجل أما تتقي الله؟
قال: بلى.
قال: أما تعرفه؟
قال بلى.
стр. 179
قال: فانطلق معي إليه فقد آلى أن يقتلني إن لم آته بك؟
قال: ليس إلى ذلك سبيل.
قال: يقتلني.
قال: لا يقتلك.
قال: كيف؟
قال: تحسن تقرأ؟
قال لا
فأخرج من مزود كان معه رقا فيه مكتوب شيئا.
قال: خذه فاجعله في جيبك فإن فيه دعاء الفرج.
قال: وما دعاء الفرج.
قال: لا يرزقه إلا السعداء.
قلت: يرحمك الله قد أحسنت إلي فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء وما فضله؟
قال: من دعا به صباحا ومساء هدمت ذنوبه ودام سروره ومحيت خطاياه واستجيب دعاؤه وبسط له في رزقه وأعطي أمله وأعين على عدوه وكتب عند الله صديقا ولا مات إلا شهيدا.
يقول اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمت ما تحت أرضك كعلمك ما فوق عرشك وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك فانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك:
стр. 180
اجعل لي من كل هم أمسيت فيه فرجا ومخرجا.
اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه فصرت أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا وإنك للمحسن إلي وإني للمسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك.
تتودد إلي وأتبغض إليك ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك فعد بفضلك وإحسانك علي إنك أنت التواب الرحيم.
قال: فأخذته فصيرته في جيبي ثم لم يكن لي هم غير أمير المؤمنين فدخلت فسلمت عليه فرفع رأسه ينظر إلي ويبتسم ثم قال لي:
ويلك تحسن السحر؟
فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ثم قصصت عليه أمري مع الشيخ قال:
هات الرق الذي أعطاك، ثم جعل يبكي وقال:
قد نجوت وأمر بنسخه وأعطاني عشرة آلاف درهم.
ثم قال: أتعرفه؟
قلت: لا.
قال: ذلك الخضر ﵇ (٤).
قرأت على أبي القاسم عبد العزيز بن الحسن البزاز- أو قرئ عليه وأنا أسمع-:
стр. 181
أخبرنا أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم (١): حدثنا ابن شقير النحوي (٢): حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح النحوي (٣) حدثنا محمد بن مصعب القرقساني (٤).
وأخبرنا أبو عبد الله الحسين لأبي طاهر (٥) فيما قرئ عليه: حدثنا الحسن ابن الحسين (٦) حدثنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم (٧): حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح أبو جعفر: حدثنا محمد بن مصعب القرقساني واللفظ لأحدهما:
حدثني الأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو. قال:
بعث إلي أبو جعفر المنصور وأنا بالساحل فأتيته فلما وصلت إليه وسلمت عليه بالخلافة رد علي واستجلسني ثم قال لي:
ما الذي بطأ بك عنا يا أوزاعي:
قال: قلت: وما الذي تريد يا أمير المؤمنين؟
قال: أريد الأخذ عنك والاقتباس منكم.
стр. 182
قال قلت: فانظر يا أمير المؤمنين أن لا تجهل شيئا مما أقول لك؟!
قال: وكيف أجهله وأنا أسألك عنه وفيه وجهت إليك وأقدمتك له؟
قال: قلت: أن تسمعه ثم لا تعمل به.
قال: فصاح بي الربيع وأهوى بيده إلى السيف فانتهزه المنصور وقال: هذا مجلس مثوبة لا مجلس عقوبة.
فطابت نفسي وانبسطت في الكلام، فقلت:
يا أمير المؤمنين: حدثني مكحول عن عطية بن بسر قال: قال رسول الله ﷺ :
أيما عبد جاءته موعظة من الله في دينه فإنها نعمة من الله سيقت إليه فإن قبل بشكر وإلا كانت حجة من الله عليه ليزداد بها إثما ويزداد الله بها عليه سخطا.
يا أمير المؤمنين: حدثني مكحول عن عطية بن بسر قال:
قال رسول الله ﷺ : أيما وال بات غاشا لرعيته حرم الله عليه الجنة.
يا أمير المؤمنين من كره الحق فقد كره الله. إن الله هو الحق المبين.
يا أمير المؤمنين: إن الذي لين قلوب أمتكم لكم حين ولاكم أمورهم لقرابتكم من نبيكم ﷺ فقد كان بهم رؤوفا رحيما مواسيا لهم بنفسه في ذات يده وعند الناس لحقيق أن يقوم له وإليهم (٨) بالحق وأن
стр. 183
يكون بالقسط له فيهم قائما ولعوراتهم ساترا لا يغلق عليك دونهم الأبواب ولا يقيم عليك دونهم الحجاب تبتهج بالنعمة عندهم وتبتئس لما أصابهم من سوء.
يا أمير المؤمنين: قد كنت في شغل شاغل من خاصة نفسك عن عامة الناس. بالدين أصبحت تملك أحمرهم وأسودهم مسلمهم وكافرهم وكل له عليك نصيب من العدل فكيف بك إذا اتبعك منهم فئام وراء فئام ليس منهم أحد إلا وهو يشكو بلية أدخلتها عليه أو ظلامة سقتها إليه:
يا أمير المؤمنين. حدثني مكحول عن عروة بن رويم. قال:
كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة يستاك بها ويروع بها المنافقين فأتاه جبريل فقال يا محمد ما هذه الجريدة التي كنت قد كسرت بها أمتك وملأت قلوبهم بها رعبا فكيف بمن ضرب أبشارهم وسفك دماءهم وخرب ديارهم وأجلاهم عن بلادهم [ونهب أموالهم] (٩).
يا أمير المؤمنين: حدثني مكحول عن زياد بن حارثة عن حبيب بن مسلمة أن رسول الله ﷺ دعا إلى القصاص من نفسه في خدش خدشه أعرابيا لم يتعمده، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك جبارا ولا متكبرا، فدعا النبي ﷺ الأعرابي، فقال: اقتص مني، فقال الأعرابي: قد أحللتك بأبي وأمي وما كنت لأفعل ذلك أبدا ولو أتت على نفسي، فدعا له بخير.
يا أمير المؤمنين: رض نفسك لنفسك وخذ لها الأمان من ربك وارغب في جنة عرضها السموات والأرض التي يقول فيها رسول الله ﷺ : لقيد قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها.
стр. 184
يا أمير المؤمنين: إن الملك لو بقي لمن قبلك لم يصل إليك وكذلك (١٠)
لا يبقى لك كما لم يبق لغيرك.
يا أمير المؤمنين: تدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك: «ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها»؟ قال: الصغيرة التبسم والكبيرة الضحك (١١) فكيف بما عملته الأيدي وحصدته الألسن!!
يا أمير المؤمنين: بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ قال:
لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات ضيعة لخشيت أن أسأل عنها فكيف بمن حرم عدلك وهو على بساطك!!؟
يا أمير المؤمنين: تدري ما جاء في تأويل هذه الآية عن جدك:
يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله؟. قال: يا داود: إذا قعد الخصمان بين يديك فكان لك في أحدهما هوى فلا تتمنين في نفسك أن يكون الحق له فيفلج على صاحبه فأمحوك من نبوتي ثم لا تكون خليفتي، ولا كرامة يا داود إنما جعلت رسلي إلى عبادي رعاء كرعاء الإبل لعلمهم بالرعاية ورفقهم بالسياسة، ليجبروا الكسير ويدلوا الهزيل على الكلأ والماء (١٢).
يا أمير المؤمنين: إنك قد بليت بأمر لو عرض على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنه وأشفقن منه.
стр. 185
يا أمير المؤمنين: حدثني يزيد بن جابر عن عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري أن عمر بن الخطاب استعمل رجلا من الأنصار على الصدقة فرآه بعد أيام مقيما فقال له: ما منعك من الخروج إلى عملك؟
أما علمت أن لك مثل أجر المجاهد في سبيل الله؟ قال: لا. قال: فكيف ذلك؟ قال: لأنه بلغني أن رسول الله ﷺ قال: ما من وال يلي شيئا من أمور الناس إلا أتى به يوم القيامة مغلولة يده (١٣) إلى عنقه، يوقف على جسر النار، ينتفض به ذلك الجسر انتفاضة تزيل كل عضو منه عن موضعه، ثم يعاد فيحاسب فإن كان محسنا نجا بإحسانه وإن كان مسيئا انخرق به ذلك الجسر فهوى به في النار سبعين خريفا. فقال له عمر ممن سمعت هذا؟ قال: من أبي ذر ومن سلمان فأرسل إليهما عمر فسألهما فقالا نعم سمعناه من رسول الله ﷺ .
فقال عمر: واعمراه من يتولاها بما فيها!! فقال أبو ذر: من سلت الله أنفه وألصق خده بالأرض.
فأخذ المنديل فوضعه على وجهه ثم بكى وانتحب حتى أبكاني. ثم قال: يا أمير المؤمنين قد سأل جدك العباس النبي ﷺ إمارته على مكة أو الطايف أو اليمن فقال له النبي ﷺ : يا عباس يا عم النبي: نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها .. نصيحة منه لعمه وشفقة عليه وأخبره أنه لا يغني عنه من الله شيئا إذ أوحى إليه: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ فقال يا عباس ويا صفية عمي الرسول ويا فاطمة بنت محمد: إني لست أغني عنكم من الله شيئا، لي عملي ولكم عملكم.
وقد قال عمر بن الخطاب لا يقيم أمن الناس إلا حصيف العقل أريب
стр. 186
العقدة لا يطلع منه على عورة ولا يحنق منه على جرة، لا تأخذه في الله لومة لائم.
وقال: السلطان أربعة أمراء: فأمير قوي يظلف (١٤) نفسه وعماله فذاك كالمجاهد في سبيل الله يد الله عليه باسطة بالرحمة.
وأمير فيه ضعف يظلف نفسه وأرتع عماله لضعفه فهو على شفا هلاك إلا أن يرحم.
وأمير يظلف عماله وأرتع نفسه فهو الحطمة الذي قال رسول الله ﷺ : شر الرعاء الحطمة. فهو هالك وحده.
وأمير أرتع نفسه وعماله فهلكوا جميعا.
بلغني يا أمير المؤمنين أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال: أتيتك حين أمر الله بمنافخ النار فوضعت على النار تسعر ليوم القيامة فقال له يا جبريل: صف لي النار فقال: إن الله تعالى أمر بها فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اصفرت ثم أوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها. والذي بعثك بالحق لو أن ثوبا من ثياب أهل النار أظهر لأهل الأرض لماتوا جميعا، ولو أن ذنوبا من شرابها صب في مياه أهل الأرض جميعا لقتل من ذاقه، ولو أن ذراعا من السلسلة التي ذكرها الله وضع على جبال الأرض جميعا لذابت وما استقلت.
ولو أن رجلا أدخل النار ثم خرج منها لمات أهل الأرض من نتن ريحه
стр. 187
وتشويه خلقه وعظمه، فبكى النبي ﷺ وبكى جبريل لبكائه فقال أتبكي يا محمد وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال: أفلا أكون عبدا شكورا. قال فلم بكيت يا جبريل وأنت الروح الأمين أمين الله على وحيه؟ قال: أخاف أن أبتلي بما ابتلي به هاروت وماروت فهو الذي منعني عن (١٥) اتكالي على منزلتي عند ربي فأكون قد أمنت مكره.
فلم يزالا يبكيان حتى نودي من السماء يا جبريل يا محمد إن الله قد أمنكما أن تعصيا فيعذبكما. وفضل محمد على سائر الأنبياء كفضل جبريل على ملائكة السماء.
وقد بلغني يا أمير المؤمنين أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يدي على من قال الحق من قريب أو بعيد فلا تمهلني طرفة عين.
يا أمير المؤمنين: إن أشد الشدة القيام لله بحقه، وإن أكرم الكرم عند الله التقوى وإنه من طلب العز بطاعة الله رفعه الله وأعزه ومن طلبه بمعصية الله أذله الله ووضعه بها.
نصيحتي والسلام عليك. ثم نهضت فقال لي إلى أين؟ فقلت إلى الولد والوطن بإذن أمير المؤمنين إن شاء الله.
قال: فقد أذنت لك وشكرت لك نصيحتك وقبلتها بقبولها والله الموفق للخير والمعين عليه وبه أستعين وعليه أتوكل وهو حسبي ونعم الوكيل، فلا تخلني من مطالعتك إياي بمثلها فإنك المقبول القول غير متهم في النصيحة. قلت أفعل إن شاء الله.
стр. 188
قال محمد بن مصعب: فأمر له بمال يستعين به على خروجه فلم يقبله وقال أنا في غنى عنه ما كنت لأبيع ديني بعرض الدنيا كلها. وعرف المنصور مذهبه فلم يجد عليه في ذلك (١٦).
قرأت على القاضي أبي عبد الله بن سلامة بن جعفر القضاعي (١٧) وعلى أبي القاسم منصور بن النعمان الصيمري جميعا بالفسطاط قال (١٨) أخبرنا أبو نصر دريد قال حدثنا الحسن بن خضر عن أبيه قال أخبرني بعض الهاشميين قال كنت جالسا عند المنصور بأرمينية في مجلس المظالم وهو أميرها لأخيه أبي العباس فدخل عليه رجل فقال إن لي مظلمة وأنا أسألك أن تسمع مني مثلا أضربه قبل أن أذكر مظلمتي قال قل لي، قال: إني وجدت الله ﵎ خلق الخلق على طبقات فالصبي إذا خرج إلى الدنيا لا يعرف إلا أمه ولا يطلب غيرها فإن فزع من شيء لجأ إليها ثم يرتفع من ذلك فيعلم أن أباه أعز من أمه فإن أفزعه شيء لجأ إليه، ثم يبلغ ويستحكم فإن أفزعه شيء لجأ إلى سلطانه، فإن ظلمه ظالم انتصر به، فإذا ظلمه السلطان التجأ إلى ربه واستنصره، وإني كنت في هذه الطبقات، وقد ظلمني ابن نهيك في ضيعة لي في ولايته فإن نصرتني عليه وأخذت لي مظلمتي، وإلا استنصرت الله. فانظر لنفسك أيها الأمير، فتضاءل أبو جعفر فقال: أعد علي الكلام، فأعاده فقال:
أما أول شيء فقد عزلت ابن نهيك عن عمله، وأمر برد ضيعته.
قرأت على أبي منصور علي بن الحسن الكاتب الأديب. أخبرنا أحمد بن
стр. 189
سعيد الدمشقي قال: حدثني الزبير بن بكار، قال: حدثنا علي بن عبد الله المديني قال:
دخل صالح بن عبد الجليل وكان ناسكا مفوها على المهدي فسأله أن يأذن له في الكلام فقال: تكلم، قال يا أمير المؤمنين إنه لما سهل علينا ما توعر على غيرنا من الوصول إليك قمنا مقام المؤدي عنهم، وعن رسول الله ﷺ ، بإظهار ما في أعناقنا من فريضة الأمر والنهي لانقطاع عذر الكتمان في البينة ولا سيما حين اتسمت بميسم التواضع، ووعدت الله وحملة كتابه إيثار الحق على ما سواه، فجمعنا وإياك مشهد من مشاهد التمحيص ليتم مؤدينا على موعد الأداء عنهم، وقابلنا من موعد القبول (١) أو يردنا تمحيص الله إيانا في اختلاف السر والعلانية وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: من حجب الله عنه العلم عذبه على الجهل، وأشد منه عذابا من أقبل إليه العلم فأدبر عنه، ومن أهدي إليه علم فلم يعمل به فقد رغب عن هدية الله إليه وقصر بها، فاقبل يا أمير المؤمنين ما أدى الله إليك من ألسنتنا، فتعمل بتحقيق وعمل لا قبول سمعة ورياء (٢)، فإنه لا يخلفك منا إعلام ما تجهل، ومواطأة فضل تعلم، أو تذكر لك من غفلة، فقد وطن الله نبيه ﷺ على نزولها تعزية عما فات، وتحصنا من التمادي، ودلالة على المخرج فقال: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله﴾، فاطلع على قلبك ما ينور به القلوب من إيثار الحق ومنابذة الهوى (٣)، فإنك إن لم تفعل لم تر لله أثرة عليك، قال: فبكى المهدي حتى هم من كان على رأسه بضرب صالح، وحتى ظنوا أنه لا يسكت وحتى ذهب به البكاء.
стр. 190
فقال: يا صالح لو وجدت رجالا يعملون بما آمرهم وهابوني في رعيتي لظننت أني ألقى الله وأمر أمة محمد ﷺ أقل ذنوبي وأهون حسابي، ولكن دلني على وجه النجاة فإن لم أعمل كنت أنا الجاني على ظهري والمؤثر هواي على رضا ربي، فقال له صالح:
أنت يا أمير المؤمنين أعلم بموضع النجاة.
قال: لو أعلم بموضع النجاة ما كنت أولى بعظتي مني بعظتك، وما هو إلا أن أركب سيرة عمر بن الخطاب ﵁، ولا يصلح والله عليها أحد من أهل هذا العصر، وذلك أن الناس في الزمن الماضي كان يرضى أحدهم الطمر البالي، وتقنعه الكسرة اليابسة والماء القراح، وهم اليوم في مضاعف الخز والوشي، ومائدة أحدهم في اليوم بمثل غنى ذي العيال في زمن عمر. أو أسيح في الأرض ذات العرض فإلى من أكلهم؟
إلى ولد أبي طالب، فوالله ما أعلم للمسلمين حاجة بهم، ولا حافز عندهم، ولو أنني حملت الناس على سيرة العمرين في هذا العصر كنت أول مقتول وذلك أن الفطام عن هذا الحطام شديد لا يصبر عليه إلا المبرز السابق، وأنى أولئك القوم يا صالح!
والله لقد بلغني أن لسعيد بن سلام ألف سراويل مخارم وألف جبة ولعبادة بن حمزة ألف دواج وهي أقل ملكهم، فما ظنك بي وهم أجل عددي وبدتي وسهام كنانتي لو حملتهم ومن أشبههم كمعن بن زائدة وعبد الله بن مالك على التقشف والنسك وأخذت ما بأيديهم ووضعته حيث تراه أنت وأنا هل كانت نفس أبغض إليهم من نفسي أو حياة أثقل عليهم من حياتي قال: فأطرق صالح مفكرا ثم رفع رأسه فقال يا أمير المؤمنين إنه ليقع في خلدي أنك قبلت قولي قبول تحقيق لا قبول رياء!!.
стр. 191
فقال المهدي: شاهدي على ذلك الله، فقام صالح فدنا من المهدي فقبل رأسه، وقال أعانك الله يا أمير المؤمنين على حسن نيتك وأعطاك أفضل ما تؤمله من رعيتك ووهب لك أعوانا صالحين بررة يعملون ما يجب عليهم فيك، ثم خرج فقال له أصحابه ما صنعت؟ قال: والله ما تركت شيئا إلا سبقني إليه ولا شتما له إلا أوضح العذر فيه.
قال الحميدي: وقرأت على أبي جعفر محمد بن أحمد الشاهد عن محمد بن عمران بن موسى (١) قال: أخبرنا ابن أبي عروة الغفاري قال حدثنا أبو نعيم قال: سمعت سفيان الثوري يقول: حج المهدي في سنة ست وستين ومئة فرأيته يرمي جمرة العقبة والناس يحيطون يمينا وشمالا بالسياط فوقفت فقلت يا حسن الوجه حدثنا أيمن بن وائل عن قدامة عن عبد الله الكلابي قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر على جمل لا ضرب ولا طرد ولا جلد ولا إليك إليك، وها أنت تحفظ الناس بين يديك يمينا وشمالا، فقال لرجل من هذا؟ فقال: سفيان الثوري: فقال: يا سفيان لو كان المنصور لما احتملك على هذا؟ فقلت لو أخبرك المنصور بما لقي لأقصرت عما أنت فيه، قال: فقيل له إنه قال لك يا حسن الوجه، ولم يقل لك يا أمير المؤمنين، فقال اطلبوه فطلب سفيان فاختفى.
حدثنا عبد العزيز بن الحسن البصري قراءة عليه بها قال [حدثنا] أبو محمد الحسن بن إسماعيل قال: حدثنا أحمد بن مروان الدينوري، قال: حدثنا أحمد بن داود، قال حدثنا محمد بن سلام الجمحي قال: قال شبيب بن شيبة للمهدي إن الله ﵎ لم يرض أن يجعلكم دون خلقه فلا ترض أن يكون أحد أشكر لله تعالى منك.
стр. 192
حدثني القاضي الشريف أبو الحسن محمد بن علي بن محمد الهاشمي من لفظه وكتابه قال: حدثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن أيوب الواعظ إملاء في ذي الحجة من ثلاث وثمانين وثلاث مئة قال حدثنا محمد بن زكريا بن إبراهيم بن إسماعيل العسكري قال: حدثنا العباس بن عبد الله، حدثنا الحسن بن يوسف الواسطي، قال: حدثنا محمد بن علي أبو عمر النحوي قال حدثنا الفضل بن الربيع قال: حج أمير المؤمنين هارون الرشيد فبينما أنا ليلة نائم بمكة إذ سمعت قرع الباب، فقلت من هذا؟ فقال: أجب أمير المؤمنين، فخرجت مسرعا فقلت يا أمير المؤمنين: لو أرسلت إلي لأتيتك، فقال: ويحك إنه قد حاك في نفسي شيء فانظر رجلا أسأله، فقلت ههنا سفيان بن عيينة فقال: امض بنا إليه، فأتيناه فقرعت عليه الباب. فقال من هذا فقلت: أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين: لو أرسلت إلي لأتيتك فقال خذ لما جئناك له فحادثه ساعة ثم قال أعليك دين؟ قال: نعم. ثم قال: يا عباس اقض دينه ثم انصرفا فقال ما أغنى صاحبك شيئا فانظر لي رجلا أسأله فقلت ها هنا عبد الرزاق بن همام، قال امض بنا إليه فأتيناه فقرعت عليه الباب فقال من هذا؟ قلت أجب أمير المؤمنين فخرج مسرعا فقال يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي أتيتك فقال خذ لما جئناك له فحادثه ساعة ثم قال له أعليك دين؟ قال: نعم قال يا عباس اقض دينه ثم انصرفا فقال ما أغنى عني صاحبك شيئا فانظر لي رجلا أسأله، فقلت ههنا الفضيل بن عياض، فقال امض بنا إليه، فأتيناه، فإذا هو قائم يصلي، يتلو آية من القرآن يرددها، فقال لي: إقرع الباب فقرعت الباب، فقال من هذا؟ فقلت أجب أمير المؤمنين، فقال ما لي ما لي ولأمير المؤمنين، فقلت سبحان الله، أو ما عليك طاعته؟ أوليس قد روي عن النبي ﷺ أنه قال: ليس لمؤمن أن يذل نفسه؟ قال فنزل ففتح الباب، ثم ارتقى الغرفة فأطفأ
стр. 193
السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا الغرفة، قال فدخلنا فجعلنا نجول عليه بأيدينا، فسبقت كف هارون إليه قبلي فقال: أواه من كف ما ألينها إن نجت غدا من عذاب الله تعالى، قال فقلت في نفسي ليكلمنهم الليلة بكلام نقي من قلب تقي فقال خذ لما جئناك له يرحمك الله، فقال: إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي، فعد الخلافة يا أمير المؤمنين بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبد الله إن أردت النجاة من عذاب الله فصم الدنيا وليكن إفطارك هذا الموت، فقال محمد بن كعب القرظي: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا وأوسطهم عندك أخا وأصغرهم عندك ولدا، فوقر أباك وأكرم أخاك وتحنن على ولدك.
فقال رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، ثم مت إذا شئت. إني لأقول لك هذا وإني لأخشى عليك أشد الخوف يوم القيامة، يوم تزل فيه الأقدام. فهل معك رحمك الله مثل هؤلاء من يأمرك بمثل هذا؟: فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت له أرفق بأمير المؤمنين، فقال يا ربيع تقتله أنت وأصحابك وأرفق به أنا، ثم أفاق فقال زدني يرحمك الله فقلت يا أمير المؤمنين بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكى إليه، فكتب إليه عمر: يا أخي أذكر طول قهر أهل النار في النار مع خلود الأبد. إن ذلك يطرد بك إلى الرب نائما ويقظان. وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد بك ومنقطع الرجاء. قال فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر بن عبد العزيز فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك لا وليت لك عملا حتى ألقى الله عز
стр. 194
وجل قال: فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال زدني يرحمك الله فقال يا أمير المؤمنين إن العباس عم النبي ﷺ جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله أمرني على إمارة فقال النبي ﷺ يا عباس يا عم محمد نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها. إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة فإن استطعت ألا تكون أميرا فافعل. قال فبكى هارون بكاء شديدا فقال زدني يرحمك الله، فقال يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة فإن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فانظر وإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غش لرعيتك فإن النبي ﷺ قال: من أصبح لهم غاشا لم يرح رائحة الجنة، قال فبكى هارون بكاء شديدا ثم قال عليك دين؟ قال نعم دين لربي لم يحاسبني عليه فالويل لي إن سألني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجتي قال فقال إنما أعني دين العباد، قال: لا. عندي خير كثير لا أحتاج معه إلى ما في أيدي الناس.
قال أبو عمر: وكأنه يعني القرآن واليقين والدعاء في هذه الرواية قال فقال إن ربي لم يأمرني بهذا أمرني أن أصدق وعده وأن أطيع أمره فقال : ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق﴾ فقال هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك وتقو بها على عبادة ربك فقال سبحان الله: أنا أدلك على النجاة وتكافيني بمثل هذا سلمك الله ووفقك ثم صمت، فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب قال لي هارون يا عباس إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا هذا سيد المسلمين اليوم.
قال عمر بن أحمد (١) في هذا الحديث: فدخلت عليه امرأة من نسائه
стр. 195
فقالت يا هذا أما ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال ففرجنا به، فقال لها: مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه.
فلما سمع هارون هذا الكلام قال أدخل فعسى أن يقبل المال قال فدخلنا فلما علم بنا الفضيل خرج فجلس في التراب على السطح، فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلمه فلم يجبه، فبينما نحن كذلك إذ جاءت جارية سوداء فقالت يا هذا قد آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف رحمك الله قال فانصرفنا.
وأخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري في الإجازة وأخبرنا الخطيب أبو بكر أحمد بن علي الحافظ، قراءة عليه، قال أخبرنا عبيد الله بن أحمد بن يعقوب المقرئ، قال حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز قال حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري قال:
لما لقي هارون فضيل بن عياض قال له الفضيل: يا حسن الوجه أنت المسئول عن هذه الأمة
حدثنا ليث عن مجاهد وتقطعت بهم الأسباب قال: الوصل التي كانت بينهم في الدنيا. قال: فجعل هارون يبكي ويشهق.
أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسين بن إسماعيل المصري بها، قراءة عليه قال أخبرني أبي. قال حدثنا أحمد بن مروان القاضي الدينوري قال: حدثنا محمد بن موسى بن حماد قال: حدثنا محمد بن منصور البغدادي قال: لما حبس أمير المؤمنين الرشيد أبا العتاهية جعل عليه عينا له يأتيه بما يقول، فوجده يوما وقد كتب على الحائط:
стр. 196
أما والله إن الظلم لؤم … وما زال المسيء هو الظلوم
إلى ديان يوم الدين نمضي … وعند الله تجتمع الخصوم
قال: فأخبر بذلك الرشيد فبكى ودعا به واستحله ووهب له ألف دينار.
أخبرنا أبو إسحاق بن إبراهيم بن سعيد بن عبد الله النعماني بالفسطاط قراءة في كتاب المقيمين من الصوفية قال: حدثنا أبو صالح محمد بن عدي ابن الفضل السمرقندي الصوفي قراءة بالفسطاط. قال أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بن اليسع بن القاسم بن عاصم البزاز الصوفي قراءة عليه بالقرافة قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدينوري قال حدثنا أبو محمد جعفر بن عبيد الله الصوفي الخياط. قال: أبو حمزة محمد بن إبراهيم (٢) الصوفي: وحدثني طلحة بن اليمان النهشلي حدثني أبي عن سالم الأسود وكان من خيار عباد الله قال: رأيت هارون الرشيد بمكة وهو متكئ على الفضل بن الربيع ورجل آخر يطوف بالبيت فقام إليه محمد بن أوس الهلالي وكان سفيان بن عيينة له مكرما ومبجلا ومعظما وكان الناس يقولون إنه لم يبق من الصوفية بالحجاز أحد أفضل منه فقام للرشيد واعترضه عند الحجر فقال: يا أمير المؤمنين استمع كلامي فإنك إن سمعته حقا قبلته وإن سمعته باطلا فلا تعبأ به فوقف. فقال: يا من غذي في نعيم وتردد في ملك سليم إن خفت العذاب الأليم وأحببت البقاء في سرور مقيم فلا تسمعن ممن أنت بينهما ولا تغترن بشيء من قولهما فإن الله يخلو بك دونهما فالموت يصل إليك على الطوع والكره منهما فلا تقتصدن بالذليل ولا تتكثرن بالقليل ولا تعتصم بغير دافع ولا تطمئن إلى غير مانع لا يمنع ولا يدفع عنك فإنك بعين الله وبحضرة بيته
стр. 197
الذي جعله مثابة للزائر ومنحجرا للفاجر فانتفض الرشيد وجلس وخلا يديه عنهما وأومأ أن خذوا الرجل، فأخذ حتى قضى طوافه وصلى، ورجع إلى المنزل الذي به نزل، ودعا بالرجل فأدخل عليه شيخ جليل، فقال من أين أنت؟ قال: من مكة. قال ما اسمك؟ قال: محمد قال ابن من؟ قال: ابن أوس. قال: من قبيلتك؟ قال: بنو هلال، قال: قبيلة مشهورة، فما حملك أن كلمتني بالذي كلمتني؟ قال: إشفاقا عليك. إذ أنضيت الركاب وأتعبت الرجال وأنفقت الأموال في أمور الله أعلم بها، حتى إذا صرت إلى غاية الطالب وموضع ترجو فيه الرحمة اعتمدت على ظالمين طاغيين قد جبلا على الغشم، ونشئا على الظلم، وقد قال الله تعالى: ﴿وما كنت متخذ المضلين عضدا﴾، فنكس الرشيد رأسه، وأقبل ينكت في الأرض وعيناه تذرفان ثم رفع رأسه فقال: من أين مطعمك ومشربك؟ قال: من عند من يرزقك. قال من ذاك؟ قال: من عند من فلق الحب والنوى وأخرج الحب من الثرى من طعام سهرت فيه العيون، وتعبت في حصاده الأجساد، وحرسته الملائكة حتى أتاني به القدر بلا رنق ولا كدر قال: ألك عيال؟ قال: نعم. قال ومن هن؟ قال: زوجة. قال أتختلف إلى تجارة أو تحترف في صناعة؟ قال: قد كفاني الله مؤونة ذلك بالعافية. قال: أفلا أجري عليك رزقا تستعين به على بعض أمورك وتستغني به عن الطلب من غيرك. قال: إني بالله أغنى مني بما بذلت لي من ذلك. قال: ألك حاجة؟ قال: نعم أطع الله فيما تعلم من سرك، فإنك تصل إلى كل محبوب وتنال به كل مطلوب، ولست تبلغ شيئا من نكاية عدوك من طاعتك لربك فإنك إن أطعته جعل ناصية عدوك بيدك، فلا تشاء أمرا إلا بلغته ولا مكروها به إلا نلته، قال: ألك حاجة غيرها؟ قال أتؤمنني من الموت؟ قال لا أقدر على ذلك. قال: فتجيرني من النار قال: ليست في يدي قال: فتدخلني الجنة؟ قال لست
стр. 198
أملك. قال: أفتحيي لي ميتا حتى أسأله عما عاين ورأى؟ قال: ذاك في قدرة غيري. قال: ما أنت إلا كسائر من ترى من رعيتك، غير أن الله فضلك عليهم بما أعطاك من هذا الحطام الزائل، واستخلفك في الأرض لينظر كيف تعمل، وذكر كلاما، ثم خرج فقال الرشيد: الحمد لله الذي جعل في رعية أنا عليها مثله، ولا تزال هذه الأمة بخير ما لم يعدموا هذا ونظراءه وأشباهه.
أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الغساني من فسطاط قراءة عليه أخبرنا أبي أخبرنا أبو بكر أحمد بن مروان القاضي الدينوري، قال حدثنا ابن أبي الدنيا ومحمد بن موسى قال: حدثنا عبد الرحمن عن عمه قال: بعث إلي هارون الرشيد وقد زخرف مجالسه، وبالغ فيها، ووضع فيها طعاما كثيرا ثم وجه إلى أبي العتاهية، فأتاه، فقال له: صف لنا ما نحن فيه من نعيم هذه الدنيا، فأنشأ يقول:
عش ما بدا لك سالما … في ظل شاهقة القصور
فقال: أحسنت، ثم ماذا فقال:
يسعى عليك بما اشتهيت … لدى الرواح وفي البكور
قال: حسن أيضا ماذا فقال:
فإذا النفوس تقعقعت في … ضيق حشرجة الصدور
فهناك تعلم موقنا … ما كنت إلا في غرور
فبكى هارون فقال الفضل بن يحيى: بعث إليك أمير المؤمنين لتسره فأحزنته فقال هارون: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن يزيدنا عمى.
أخبرنا أبو القاسم بن الضراب المصري بها قراءة عليه، قال: أخبرنا أبي قال: حدثنا أبو بكر الدينوري قال: حدثنا إبراهيم الحربي قال: حدثنا
стр. 199
داود بن رشيد. قال: دخل ابن السماك على هارون الرشيد فقال: عظني وأوجز فقال: ما أعجب يا أمير المؤمنين ما نحن فيه كيف غلب علينا حب الدنيا. وأعجب ما نصير إليه كيف غفلنا عنه. عجبا لصغير حقير إلى فناء يصير غلب على كثير طويل دائم غير نافد.
قرأت في كتاب العقد لأحمد بن محمد بن عبد ربه أن ابن السماك لما دخل على هارون ووقف بين يديه قال له: يا ابن السماك عظني وأوجز، فقال: كفى بالقرآن واعظا يا أمير المؤمنين قال الله : ﴿ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون﴾ فهذا وعيد لمن طفف في الكيل فما ظنك بمن أخذه كله.
قرأت على الخطيب الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي بدمشق قال: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن يوسف البراز وأبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله المعدل قال أحمد حدثنا وقال علي أخبر علي بن محمد المصري قال: حدثنا محمد بن عمرو بن خالد، قال حدثنا أبي قال: بعث هارون أمير المؤمنين إلى محمد بن السماك في آخر شعبان فأحضر فقال له يحيى بن خالد: أتدري لم بعث إليك أمير المؤمنين؟ قال: لا أدري. قال له: بعث إليك لما بلغه من حسن دعائك للخاصة والعامة وثنائهم عليك فقال له ابن السماك: أما ما بلغ أمير المؤمنين عني من ذلك فبستر الله الذي ستره علي ولولا ستره لم يبق ثناء ولا بقاء (١) على مودة، والستر هو الذي أجلسني بين يديك، ثم قال في رواية أخرى: يا أمير المؤمنين في عيوب لو أطلعت الناس منها على عيب واحد ما بقيت لي في قلب أحد مودة، وإني لخائف من الكلام الفتنة ومن
стр. 200
الستر الغرة، وإني لخائف على نفسي من قلة خوفي عليها. يا أمير المؤمنين: إني والله ما رأيت وجها أحسن من وجهك فلا تحرق وجهك بالنار، فبكى هارون بكاء شديدا ثم دعا بماء واستسقى فأتي بقدح فيه ماء فقال يا أمير المؤمنين: أكلمك بكلمة قبل أن تشرب هذا الماء قال: قل ما أحببت قال يا أمير المؤمنين لو منعت هذه الشربة إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتديها بالدنيا وما فيها حتى تصل إليك قال نعم قال فاشرب ريا بارك الله لك، فلما فرغ من شربه قال يا أمير المؤمنين أرأيت لو منعت إخراج هذه الشربة عنك إلا بالدنيا وما فيها أكنت تفتدي ذلك بالدنيا وما فيها؟ قال: نعم. قال يا أمير المؤمنين فما تصنع بشيء وشربة ماء خير منه قال فبكى هارون واشتد بكاؤه قال. فقال يحيى بن خالد يا ابن سماك قد آذيت أمير المؤمنين فقال له: وأنت يا يحيى فلا يغرنك رفاهية العيش ولينه.
أخبرنا عبد العزيز بن الحسن قراءة عليه بالفسطاط أخبرنا أبي قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن مروان قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن مولى بني هاشم قال: حدثنا مصعب بن عبد الله عن ابن أبي فديك، قال: كان ههنا بالمدينة في سنة سبع وثمانين رجل يكنى أبا نصر من جهينة ذاهب العقل في غير ما الناس فيه، لا يتكلم في شيء من أمر الدنيا وكان يجلس مع أهل الصفة في آخر مسجد رسول الله ﷺ ، وكان إذا سئل عن الشيء أجاب جوابا معجبا حسنا قال ابن أبي فديك فأتيته يوما وهو في آخر المسجد منكسا رأسه واضعا وجهه بين ركبتيه فجلست إلى جنبه فحركته فانتبه فأعطيته شيئا كان معي فأخذه وقال: قد صادف منا حاجة! فقلت له يا أبا نصير: ما الشرف؟ قال حمل ما ناب العشيرة أدناها وأقصاها والقبول من محسنها والتجاوز عن مسيئها. قلت له: فما المروءة؟ قال إطعام
стр. 201
الطعام وإفشاء السلام وتوقي الأدناس واجتناب المعاصي صغيرها وكبيرها. قلت فما السخاء؟ قال: جهد المقل. قلت: ما البخل؟ قال: أف وحول وجهه عني فقلت لم تجبني بشيء؟ قال: بلى قد أجبتك. قال ابن أبي فديك: وقدم أمير المؤمنين هارون إلى المدينة فأحب أن ينظر إليه فأخلي له مسجد الرسول ﷺ فوقف على قبر النبي ﷺ ووقف على منبره وفي موضع (٢) جبريل ﵇ ثم قال: قفوا بي على أهل الصفة حتى أنظر إليه يعني أبا نصر فلما أتاهم حرك هارون أبا نصر بيده فرفع رأسه وهارون واقف فقيل يا أبا نصر هذا أمير المؤمنين واقف عليك فرفع رأسه إليه فقال له: أيها الرجل إنه ليس بين الله وبين أمة نبيه ورعيتك خلق غيرك وإن الله سائلك فأعد للمسألة جوابا فقد قال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: لو ضاعت سخلة على شاطئ الفرات لخاف عمر أن يسأله الله عنها فبكى هارون وقال: يا أبا نصر إن رعيتي ودهري غير رعية عمر ودهره فقال له أبو نصر: هذا والله غير مغن عنك، فانظر لنفسك فإنك وعمر تسألان عما خولكما الله، ثم دعا هارون بصرة فيها مئة دينار فقال ادفعوها إلى أبي نصر، فقال: وهل أنا إلا رجل من أهل الصفة؟ ادفعوها إلى فلان يفرقها عليهم ويجعلني رجلا منهم.
قرأت على أبي بكر بن علي الحافظ أخبرك بكران بن الطبيب السقطي بحر جرايا قال: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد المفيد قال: حدثنا أبو المغيرة بن شعيب قال: حضرت يحيى بن خالد البرمكي يقول لابن السماك إذا دخلت على أمير المؤمنين هارون الرشيد فأوجز ولا تكثر عليه، فلما دخل عليه وقام بين يديه قال يا أمير المؤمنين إن لك بين يدي
стр. 202
الله مقاما وإن لك من مقامك منصرفا فانظر إلى أين منصرفك إلى الجنة أم إلى النار قال فبكى هارون حتى كاد يموت.
وأخبر الشريف أبو الغنايم عبد السلام بن أحمد بن محمد البراز وغيره قال: حدثنا محمد بن أحمد الحافظ أبو الفتح أخبرنا القاضي أبو الحسين وغيره قال: حدثنا محمد بن أحمد بن صالح التمار حدثني أبو النصر هاشم. ابن محمد بن خالد ببغداد قال: حدثنا أحمد بن عبد الله بن مهران قال حدثنا أبي عبد الله بن مهران قال حج الرشيد فوافى الكوفة فأقام بها أياما ثم ضرب بالرحيل، فخرج الناس وخرج بهلول المجنون فيمن خرج فجاز بالكناس والصبيان يؤذونه ويولعون به إذ أقبلت هوادج أمير المؤمنين فكف الصبيان عن الولوع به فلما جاء هودج هارون نادى بأعلى صوته: يا أمير المؤمنين. فقال هارون للعباس: من المجترئ علي في هذا المكان؟ فقال هذا بهلول المجنون يا أمير المؤمنين فكشف هارون السجاف بيده عن وجهه فقال لبيك يا بهلول لبيك يا بهلول، فقال يا أمير المؤمنين: حدثنا أيمن بن قابل [¬*] عن قدامة بن عبد الله العامري قال: رأيت النبي ﷺ منصرفا من عرفة على ناقة له صهباء بلا ضرب ولا قائد ولا إليك إليك، وتواضعك في شرفك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك وتجبرك، قال: فبكى هارون حتى سقطت دموعه إلى الأرض ثم قال: يا بهلول زدنا رحمك الله قال: نعم يا أمير المؤمنين رجل آتاه الله مالا وجمالا فأنفق من ماله وعف في جماله كتب في خالص ديوان الله من الأبرار قال: أحسنت يا بهلول مع الجائزة قال: أردد الجائزة على من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها. قال يا بهلول فإن يكن عليك دين قضيناه، قال يا أمير المؤمنين: هؤلاء أهل العلم بالكوفة متوافرون أجمعت آراؤهم أن قضاء الدين بالدين لا يجوز، قال يا بهلول أفنجري عليك ما يقوتك أو
стр. 203
يقيمك، قال: فرفع بهلول رأسه إلى السماء ثم قال: يا أمير المؤمنين أنا وأنت من عيال الله، فمحال أن يذكرك وينساني، قال: فأسبل هارون السجاف ومضى.
أخبرنا أبو القاسم منصور بن النعمان بن منصور الصيمري فيما كتب لنا به بالفسطاط بإسناده إلى سفيان بن عيينة قال: قال الرشيد: أريد أن ألقى الفضيل بن عياض لعل الله يحدث لي عظة أنتفع بها فقلت: والله إن ذلك لحبيب إلي ولكنه رجل قد نذر نفسه لخدمة الله فما لأحد فيه حظ، وأكره أن تراه منصرفا في بعض حالاته من عبادة ربه فتوهم عليه جفاء وإن كنت والله أعرفه الرجل الكريم العشرة الحسن الخلق يوهم من شاهده من لينه ودماثة أخلاقه أنه داخل في حكم العيافة فقال لي: ما عزمت على لقائه حتى وطنت نفسي على احتمال مشاهدتي له في أخلاقه، ثم قال: ويحك يا سفيان إن شرف التقوى لا يزاحم عليه بإمرة ولا خلافة فأديت ذلك إلى الفضيل فقال: إنه لحسن العقل لولا ما ضرب به من حب هذا العاجل، ويسرني أن يلقاني ويسؤوني أيضا.
فأما ما يسرني من لقائه فأرجو أن يكون له فيه بعض الكبحات عن غيه وأما الذي يسؤوني فيه فلم أر مثله يرفل في سوابغ النعم عريانا من الشكر، ثم قطب بين عينيه ثم قال: ما قدر من كان لله عاصيا؟ لا حاجة لي في لقائه. فلم أزل أرفق به حتى أذن له. فرجعت إلى الرشيد فأعلمته وقلت له: ليس تطمع فيه إلا في وقت إفطاره وكان إفطاره كاختطاف الطير حبة فركب الرشيد ولبس مبطنه وطيلسانا وغطى رأسه ومعه مسرور الخادم وأنا فقرعت عليه الباب فنزل وفتح ودخل ودخلت معه ووقف مسرور على الباب فسلم عليه الرشيد قائما فشم منه الفضيل رائحة المسك فقال اللهم
стр. 204
إني أسألك رائحة الجنة التي أعددتها لأوليائك المتقين في جنات النعيم وتبادرت دموعه على لحيته فقلت: يا أبا علي هذا أمير المؤمنين واقف يسلم عليك، فرفع رأسه وقال: إنك لهو يا حسن الوجه ونظر إلى الرشيد وهو يبكي فقال له: اعلم أن الأحكام قد سلبت فضيلة العقل وظهر في الملة والذمة عدوان الأمرين، وهو في صحيفة تدرج معك في كفنك ليوم النشور فقد بدت لك شرعة نفاد ما أنت فيه فيمن تقدمك من آبائك ثم نهض وقال: الله أكبر: فقلت يا أمير المؤمنين: أما إذا افتتح الصلاة فليس فيه حيلة، وانصرفنا فقال لي الرشيد وهو خارج: لولا خجلي منك قبلت ما بين عينيه فقلت والله: لوددت أنك فعلت.
قرأت على أبي الغنايم محمد بن علي القاضي عن القاضي أبي الفرج الجزيري، حدثنا أبو نصر العقيلي أخبرنا أبو القاسم البوشنجاني قال: قال الحسن بن عبد الجبار المعروف بالغرق بينا المأمون في بعض مغازيه يسير منفردا عن أصحابه ومعه عجيف بن عنبة إذ طلع رجل متخبط متكفن، فلما عاينه المأمون وقف ثم التفت إلى عجيف فقال: ويحك أما ترى صاحب الكفن مقبلا يريدني. فقال له أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، قال: فما كذب الرجل أن وقف على المأمون فقال له المأمون من أردت يا صاحب الكفن وإلى من قصدت؟ قال: إياك أردت. قال عرفتني؟ قال: لو لم أعرفك ما قصدتك قال: أفسلمت علي؟ قال: ما أرى السلام عليك. قال: ولم؟ قال لإفسادك علينا الغزاة. قال عجيف: فأنا ألين من سيفي لئلا أبطئ ضرب عنقه إذ التفت المأمون فقال: يا عجيف إنني جائع ولا رأي لجائع، فخذه إليك حتى أتغدى وأدعو به فقال فتناوله عجيف فوضعه بين يديه فلما صار المأمون إلى رحله دعا بالطعام فلما وضع بين يديه أمر برفعه وقال والله ما أسيغه حتى أناظر خصمي يا عجيف علي
стр. 205
بصاحب الكفن قال: فلما جلس بين يديه قال: هيه يا صاحب الكفن ماذا قلت؟ قال: لا أرى السلام عليك لإفسادك الغزاة علينا. قال: بماذا أفسدتها؟ قال بإطلاقك الخمور تباع في عسكرك وقد حرمها الله في كتابه فابدأ بعسكرك فنظفه ثم اقصد العدو. بماذا استحللت أن تبيح شيئا قد حرمه الله كهيئة ما أحل الله قال: أو عرفت أن الخمر تباع ظاهرا أم رأيتها؟ قال: لو لم أرها وتصح عندي ما وقفت هذا الموقف قال: فشيء سوى الخمر أنكرتها؟ قال: نعم إظهارك الجواري في العماريات وكشفهن الشعور منهن بين أيدينا كأنهن فلق الأقمار. خرج الرجل منا يريد أن يهراق دمه في سبيل ﴿الله﴾ ويعتقر جواده قاصدا نحو العدو فإذا نظر إليهن أفسدن [عليه] دينه فركن إلى الدنيا وانصاع إليها فلم استحللت ذلك؟ قال: ما استحللت ذاك وسأجيبك بالعذر فيه، فإن كان صوابا وإلا رجعت ثم قال: فشيء غير هذا أنكرته قال: نعم شيئا أمرت به تنهانا عن الأمر بالمعروف قال: أما الذي تأمر بالمنكر فإني أنهاه وأما الذي تأمر بالمعروف فإني أحبه على ذلك وأحدوه عليه، ثم قال: أفشيء سوى ذلك قال: لا قال يا صاحب الكفن أما الخمر فقد حرمها الله ولكن الخمر لا تعرف إلا بثلاث جوارح بالنظر والشم والذوق أفتشربها أنت؟ قال: معاذ الله أن أنكر ما أشرب قال أفممكن في وقتك هذا أن توقفنا على بيعها حتى نوجه معك من يشتري منها؟ قال ومن يظهره إلي أو يبيعنيها وعلي هذا الكفن، قال: صدقت قال: فكأنك إنما عرفتها بهاتين الجارحتين يا عجيف علي بقوارير فيها شراب فانطلق عجيف فأتاه بعشرين قارورة فوضعها بين يديه في أيدي عشرين وصيفا ثم قال: يا صاحب الكفن نفيت من آبائي الراشدين المهديين إن لم تكن الخمر فيها فإنك تعلم أن الخمر من ستر الله على عباده وأنه لا يجوز لك أن تشهد
стр. 206
على قوم مستورين إلا بمعاينة وعلم ولا يجوز إلا بمعاينة بينة وشاهدي عدل، قال فنظر صاحب الكفن إلى القوارير فقال له عجيف: أيها الرجل لو كنت خمارا ما فرقت موضع الخمر بعينها بين هذه القوارير، فأخذ المأمون القارورة فذاقها ثم قطب ثم قال: يا صاحب الكفن انظر هذه الخمر فتناول الرجل القارورة فذاقها فإذا خل ذابح، فقال قد خرجت هذه عن حد الخمر فقال المأمون: صدقت إن الخل مصنوع من الخمر لا يكون خلا ولا والله ما كانت هذه خمرا قط ما هو إلا رمان حامض يعصر لي فأصطبح به من ساعته. فقد سقطت الجارحتان وبقي الشم يا عجيف صيرها في رصاحيات وأت بها قال: ففعل فعرضت على صاحب الكفن فشمها فوقع شمه على قارورة منها فيها مينتخج فأخذها المأمون فصبها بين يديه وقال انظر إليها كأنها طلاء عقدتها النار بل تقطع بالسكين قد أسقطت إحدى الثلاث يا صاحب الكفن، ثم رفع المأمون رأسه إلى السماء فقال: اللهم إني أتقرب إليك بنهي هذا ونظرائه عن الأمر بالمعروف. يا صاحب الكفن أدخلك الأمر بالمعروف في أعظم المنكر، شنعت على قوم باعوا من هذا الخل ومن المينتخج الذي شممت فلم تسلم استغفر الله من ذنبك هذا العظيم وتب إليه.
ما الثاني؟ قال: الجواري قال: صدقت. أخرجتهن إبقاء عليك وعلى المسلمين كرهت أن تراهن عيون العدو والجواسيس في العماريات والقباب والسجوف عليهن يتوهمون أنهن بنات أو أخوات فيجدون في قتالنا ويحرصون على الغلبة على ما في أيدينا حتى يجتذبوا خطام واحد من هذه الإبل يستقيدونه لكل طريق إلى أن تبين لهم أنهن إماء، فأمرت برفع الظلال عنهن وكشف شعورهن ليعلم العدو أنهن إماء أتقي بهن حوافر دوابنا، لا قدر لهن عندنا تدبير دبرته للمسلمين عامة ويعز علي أن ترى
стр. 207
لي حرمة، فدع هذا فليس هو من شأنك، فقد صح عندك أني في هذا مصيب وأنك أنكرت باطلا (١).
وأي شيء الثالثة؟ قال الأمر بالمعروف قال: نعم أرأيتك لو أصبت فتاة مع فتى قد اجتمعا في هذا الفج على حديث. ما كنت صانعا؟ قال: كنت أسألهما، ما أنتما؟ قال كنت تسأل الرجل فيقول: امرأتي وتسأل المرأة فتقول: زوجي قال: كنت أحول بينهما وأحبسهما قال: حتى يكون ماذا؟ قال حتى أسأل عنهما. قال: من تسأل عنهما؟ قال: كنت أسألهما من أين أنتما؟ قال: سألت الرجل من أين أنت فقال لك: أنا من استيجاب وسألت المرأة فقالت من استيجاب ابن عمي تزوجنا وجئنا. أكنت حابسا الرجل والمرأة بسوء ظنك وتوهمك الكاذب إلى أن يرجع الرسول من استيجاب؟ فإن مات الرسول أو ماتا إلى أن يعود رسولك؟ قال: كنت أسأل في عسكرك ههنا. قال: فلعلك لا تصادف في عسكري هذا من أهل استيجاب إلا رجلا أو رجلين فيقولان لك: لا نعرفهما على هذا النسب. يا صاحب الكفن ما أحسبك إلا أحد ثلاثة (٢) رجال: إما رجل مديون، وإما مظلوم وإما رجل تأولت في حديث أبي سعيد الخدري في خطبة النبي ﷺ
قال: وروي الحديث عن هشيم وغيره، ونحن نسمع الخطبة إلى مغيربان الشمس إلى أن بلغ إلى قوله: إن أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر فجعلتني جائرا، وجعلت نفسك تقوم مقام الآمر بالمعروف، وقد ركبت من المنكر ما هو أعظم، لا والله لأضربنك سوطا ولا زدت على تحريق كفنك، ونفيت من آبائي الراشدين المهديين لئن قام أحد مقامك هذا لا يقوم بالحجة فيه إن نقصته من ألف سوط، ولآمرن بصلبه في
стр. 208
الموضع الذي يقوم فيه.
قال فنظرت إلى عجيف وهو يجرد كفن الرجل ويلقي عليه ثياب بياض.
وفيما قرأناه من أخبار المأمون أن إبراهيم النظام كان جالسا بين يدي المأمون إذ دخل بعض المتكلمين، ممن يقول بالدهر فأمر المأمون بمناظرته، فطالت المناظرة وكثر الشغب فذكر بعض الحاضرين أن بالكوفة مجنونا اسمه عليان قد قطع كل خطيب وأسكت كل متكلم بسرعة جوابه وحدة خاطره، فأحب المأمون أن ينظر عليه ويسمع كلامه، فكتب إلى عامله بالكوفة كتابا، وأرسل بريدا، فأشخص عليان من الكوفة في يوم وليلة.
فلما دخل على المأمون نظر إلى رجل أشعث أغبر في زي المساكين وحلية المجانين فاستزراه المأمون فأمر أن يجلس مجلس العامة من حيث يراه ويسمع كلامه.
وقال لإبراهيم النظام: سائل الرجل. فقال له إبراهيم: ما اسمك؟ قال: اسمي عليان، فضحك المأمون من تصغيره لاسمه، وضحك بعض الحاضرين وعرف ذلك عليان فقال: إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون. قال فاستحيا منه المأمون، ورفع من موضعه، وقال لإبراهيم النظام: سائل الرجل فإني أراه أريبا فقال له إبراهيم: يا عليان: أسألك عن مسألة. قال عليان: سؤال متعلم أو متعمد. قال بل سؤال متعلم. قال فانزل عن موضعك واجلس موضع يمينك على شمالك واجمع بين عقبيك وأرخ ذقنك على صدرك وسلم سلام متعلم على معلم وسل عما تريد.
стр. 209
قال يا عليان: ما تقول في القضاء والقدر؟ فقال: ما لولد مولود وشيخ مفقود وجسم مكدود وعقل غير موجود بعيد عن المعرفة عيي عن الجواب، عم عن الصواب إلى من السموات منشآت بقدرته والشمس من شعاع أنوار عظمته والجن والإنس من حسن صنعته والطير من إتقان حكمته، وكل شيء داخل في علمه، وجار عليهم حكمه، لا يعزب عنه معرفة شيء منه، وكل صغير وكبير، ففي أم الكتاب عنده يكفر نعمته ويجحد ربوبيته ويريد أن يشاركه في علمه ويتعقب عليه في حكمه فيحكم عليه بعقله، فأفلس إبراهيم النظام ولم يحر جوابا، ووقف باهتا، وخشي الفضيحة بين يدي المأمون، فقال له يا عليان: ما تقول في العرش؟ فقال: شيء مكنون. وعلم مخزون، فقال له: فتحده وتصفه؟ فقال له إبراهيم: ومن يحده وهو من وراء الحجب؟ ومن يصفه وقد استوى عليه ربه وخالقه؟ كيف شاء، تعالى وتقدس اسمه، الفاطر المبدع بغير مثال احتذاه ولا شبه حاكاه، بل قال كن فكان كما شاء وكيف شاء بلا حد يوصف ولا كيف يعرف فقال له إبراهيم: هذا يخالفك على ما تقول، وأومأ بيده إلى الذي يقول بالدهر لينجو هو من مناظرته فقال: ما يقول هذا؟ قال: يقول ليل ونهار وفلك دوار وسماء خالية بلا جبار، فقال يا إبراهيم هذا كافر وكلامي معك ومخاطبتي لك، لا أعرف هذا أخبرني: من الذي أمر النطفة أن تسببت من غشاء قرقر اليافوخ وعروق الدماغ وأطراف الشعر وخلصها من شراسيف الصدر، ونياط حجاب القلب فتسببت وانسكبت في تابوت حقو أبيك ثم عادت من بعد الحمرة إلى البياض، ومن ألهم أباك الشهوة فأمر الجوارح بالحركة حتى أفضى الفرج إلى الفرج فصرت نطفة في قرار مكين إلى قدر معلوم وجعل النطفة علقة وجعل العلقة مضغة وجعل المضغة عظاما رقيقا ثم كسا العظم لحما ثم أنشأك خلقا آخر؟ قال: الله تعالى.
стр. 210
قال فأخبرني من جعل الهامة فراخا؟ ومن الذي جعل نباتها الشعر يشرب من ماء الدماغ؟ قال: الله تعالى. قال أخبرني من الذي فتح صحن الجبين وركب العرنين وخلق العينين فأسكنهما جوهرتين وزينهما بالحاجبين وجعل الأذنين على الصدغين وزين الفم بالشفتين وقدر اللسان في مقدم اللحيين؟ قال: الله تعالى. قال فأخبرني من عدل منكبيك فشدهما بالعضدين وزينهما باليدين وركب الكفين وجعل الساقين اسطوانتين وركب تحتهما قدمين؟ قال: الله تعالى. قال: فأخبرني من الذي حبس عن أمك الحيض في أيام الحمل غذاء لك وتقوية لجسمك، فلما كملت صورتك وانقضت أيامك وحان وقت خروجك إلى الدنيا ناداك من فوق عرشه جلت عظمته - اخرج واعرف قدري فإني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني فخرجت من ظلمة الأحشاء إلى دار الدنيا وأنت ضعيف مهين ليس لك رجلان تسعى عليهما ولا يدان تتحرك بهما ولا لسان يتكلم ولا سن يقلع ولا ضرس يطحن، ولا أذن تسمع ولا عقل يفهم، فأجرى لك من ثلاث مئة وستين عرقا عرقين دقيقين لبنا عذبا صافيا زلالا باردا في الصيف، حارا في الشتاء جعله لك غذاء وحنن عليك أبوين شفيقين رفيقين فهما لا يأكلان حتى يطعماك ولا يشربان حتى يسقياك ولا ينامان حتى ينوماك، كل ذلك رأفة ممن خلقك فسواك، فلما ترعرعت ونشأت كافأته بالمعاصي وجحدت ربوبيته فأمسك النظام والمتكلم ولم يحريا جوابا وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا وقال: يا عليان، هل من حاجة فأقضيها؟ قال: نعم أريد أن تنسئ في أجلي وتتجاوز على مساوئي وتغفر لي خطيئتي، فبكى المأمون وقال: يا عليان ليس هذا إلي أنا لا أقدر أن استخلصه لنفسي فكيف استخلصه لك؟ قال عليان: يا أمير المؤمنين إن الله ﵎ لم يجعل أحدا فوقك في عصرنا فيجب عليك ألا يكون أحد أطوع لله منك.
стр. 211
فقال له: عظنا يرحمك الله. قال يا أمير المؤمنين إن الذي أكرمك بما أكرمك به، يجب أن تحب له ما أحب، وتبغض له ما أبغض، فوالله لقد أحب دارا أبغضتها وأبغض دارا أحببتها كأنما أردت خلاف ربك أو أردت سواه؟ فاعلم يا أمير المؤمنين أن الذي في يديك لو بقي على من كان قبلك إذا لما صار إليك، وهكذا هو صائر إلى من بعدك فاتق الله في خلافتك واحفظ محمدا ﷺ في أمتك، قال: فبكى المأمون، ثم أمر أن يحشى فمه درا وياقوتا، فقال له أعفني يا أمير المؤمنين فأعفاه، ثم خرج من عنده فقيل له: لم لم تقبل جوائز أمير المؤمنين؟ قال: خشيت أن أمنع جوائز رب العالمين. ثم ولى وهو يقول:
كم ملوك عن الديار تفانوا … وخلت منهم هناك البيوت
فسل الربع والمنازل عنهم … هل تنبيك عنهم أم سكوت
حب من شئت فهو بالموت فان … غير أني أحببت من لا يموت
* * * *
وقرأت على الشيخ الصالح أبي محمد أحمد بن علي بن الحسن الإمام، أخبرنا محمد بن أحمد بن محمد حدثنا أبو جعفر محمد بن يوسف بن حمدان، حدثنا أبو علي الحسن بن يزيد الرقاق، حدثنا عبد الله بن جعفر ابن أحمد حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثني الفتح بن شخرف قال: كتب جعفر المتوكل إلى عامل البصرة قد بلغني أن بالبصرة مجنونا معه حكمة إذا تكلم قال صوابا فإذا ورد كتابي إليك فوجه به إليه وتلطف له في الكلام فلما ورد الكتاب حمله على البريد فلما صار إلى باب الخلافة قال له الحجاب: سلم على الخليفة سلام الخلفاء [قال] ما أدري أي شيء تقولون ولا بد من السلام عليه والنصيحة له، فدعاه المتوكل في محافل العلماء
стр. 212
والفقهاء وأهل الشرف، فلما دخل عليه، قال له أنت المتوكل؟ قال نعم قال لم سميت نفسك متوكلا؟ ولم تسم نفسك متواضعا، السلام عليك يا من قد شرب بكأس التجبر والكبرياء السلام عليك يا من قد اتكأ على نمارق البلاء السلام عليك يا من قد استوى على أسرة العناء، السلام عليك يا من قد تقمص بقميص الخيانة السلام عليك يا من قد اشتمل بمشامل سقوط العناية السلام عليك يا من قد أغضب عليه في وقت خلوته صاحب الستر والكفاية كأني بك وقد أتاك حاصد فظ غليظ، فجذبك من سرر بهائك، وأخرجك من مقاصير فساحة ملكك ولم يستأمر عليك حاجبا ولا بوابا قهرمانا حتى يقدمك إلى ضيق اللحد فيسكنك الخراب والجبان، ويفارقك الأهل والولدان، فوالله لو نظرت في صحيفة بطالتك لقصرت يا من قد اجترأ بظلمه على الصغار اليتامى، وبجوره على فنون البلايا، غدا تقف تحت ستر المتجبر الجبار فيدعوك لدقيق المسألة وتعنيف التوبيخ فإن كانت خيانة أوقفت على متن صراط دقيق وأخذ عليك فجاج المضيق، وقرأت بالتحقيق، وذكر الحديث بطوله اختصرناه، لأنه ليس من الوعظ وإنما هو في مسائل سألوه فيها، وقد ذكرناه بطوله في مكان.
أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل الغساني المصري بها قراءة عليه، حدثنا أبي حدثنا أحمد بن مروان القاضي المالكي حدثنا أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم غير أحمد ابن المعذل فقال المتوكل لعبيد الله إن هذا الرجل لا يرى بيعتنا، فقال له بلى يا أمير المؤمنين ولكن في بصره سوء فقال أحمد بن المعذل: يا أمير المؤمنين، ما في بصري سوء ولكن نزهتك من عذاب الله قال النبي ﷺ ،
стр. 213
من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار، قال: فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه.
قرأت على القاضي أبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن علي القضاعي، وعلى أبي القاسم منصور بن النعمان بن منصور الصيمري، وعلى أبي الحسن يحيى بن فرج الصيرفي بالفسطاط، قلت لكل واحد منهم على الانفراد: أخبركم أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب وأقر به، أخبرنا أبو محمد بن الحسن بن دريد، حدثنا أبو حاتم حدثنا محمد بن سلام، حدثنا بكار بن محمد بن واسع قال مر عمرو بن عبيد بالمربد وسليمان بن علي الهاشمي مشرف، وكان أمير البصرة فأمر بإدخاله واستجلسه وقال له: يا أبا عثمان إنا كنا وليس عندنا مما ترى شيئا فجاء الله به فوصلنا الأرحام وأعتقنا الرقاب وسقينا المياه، فقال عمرو: إن مما من الله به على الأمير أنه يعلم أنه ليس له أن يأخذ درهما إلا من حله، ولا يضعه إلا في حقه، فقال سليمان: نحن أحسن بالله ظنا منك، فقلت في نفسي لا أدعه وإياها فقلت: ما كان أحد أحسن ظنا بالله من محمد ﷺ ، وقد لقي الله تعالى وما يطالبه أحد بمظلمة.
أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد النوكي أخبرنا أبو محمد الحسن بن عثمان بن بكران العطار أخبرنا جعفر بن محمد بن نصير الخلدي أخبرنا إبراهيم بن نصر المنصوري حدثني إبراهيم بن بشار الصوفي قال: كنت يوما من الأيام مارا مع إبراهيم بن أدهم في صحراء إذ أتينا على قبر مسنم، فرحم عليه وبكى، فقلت قبر من هذا؟ فقال هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدينة كلها كان غارقا في بحار الدنيا، فأخرجه الله منها، واستنفذه، ولقد بلغني [أنه] سر ذات يوم بشيء من ملاهي
стр. 214
ملكه ودنياه وغروره وفتنته، قال ثم نام في مجلسه هذا مع من يخصه من أهله فرأى رجلا واقفا على رأسه بيده كتاب فناوله، ففتحه، فإذا فيه كتاب بالذهب مكتوب:
«لا تؤثرن فانيا على باق، ولا تغترن بملكك وقدرك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذاتك وشهواتك، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أن بعده هلك، وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور، وهو يوم لو كان يوثق فيه بغد، فسارع إلى أمر الله فإن الله تعالى قال: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾، قال فانتبه فزعا وقال: هذا تنبيه من الله وموعظة فخرج من ملكه لا يعلم به وقصد هذا الجبل فتعبد فيه»، فلما بلغني قصته وحدثت بأمره قصدته فسألته، فحدثني ببدء أمره وحدثته ببدء أمري، فما زلت أقصده حتى مات، ودفن ههنا، هذا قبره رحمة الله عليه.
فوقع لنا ذكر بدء أمر إبراهيم بن أدهم وكيف كان سبب زهده: أخبرنا به الشيخ الصالح أبو بكر محمد بن علي بن محمد المقرئ أخبرنا أبو بكر علي بن محمد بن عبد الله بن الحذاء المقرئ، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي أنه سنة اثنتين وستين وثلاث مئة قال سمعت أبا العباس محمد ابن إسحاق السراج يقول سمعت إبراهيم بن بشار خادم إبراهيم بن أدهم يقول: قلت لإبراهيم بن أدهم يا أبا إسحاق: كيف كان أوائل أمرك وخروجك من خراسان إلى بلاد الرمال؟ قال فقال لي أنت إلى غير هذا أحوج من ذا، فكررت عليه وقلت لعل الله ينفعني أو كما قال، فقال لي إبراهيم كان أبي من ملوك خراسان وكنت امرأ مولعا بالصيد، قال فركبت فرسا لي يوما وخرجت إلى الصحراء، فرأيت أرنبا فركضت فرسا خلفه،
стр. 215
فنوديت يا إبراهيم ما لذا خلقت ولا بذا أمرت، قال: فلم أر شيئا فقلت: فعل الله بالشياطين وركضت فرسا ثانية فنوديت يا إبراهيم ما لذا خلقت ولا بذا أمرت، قال فنظرت يمنة ويسرة فلم أر شيئا، فركضت فرسا فنوديت من قربوس حظي يا إبراهيم والله ما لذا خلقت ولا بذا أمرت، فقلت هذا نذير من رب العالمين، قال فنزلت عن فرسي وتركت ثيابي التي علي وأخذت من بعض رعائنا ما لبسته، وخرجت فأرض ترفعني وأرض تضعني حتى خرجت إلى بلاد الرمال، فعملت بها أياما فلم يصف لي شيء من (١) الحلال فقالوا لي إن أردت الحلال فعليك بطرسوس، قال فخرجت إلى بلدة يقال لها طرسوس قال وعملت فيها أياما في بستان لرجل، قال فدخل علي بعد أيام صاحبه قال فنادى يا نطور، قال فجئته برمانة فكسرها فوجدها حامضة، فقال: أنت مذ كذا وكذا في بستاننا تأكل فاكهتنا لا تعرف الحلو من الحامض قال فقلت والله ما أكلت من فاكهتكم ولا أعرف الحلو من الحامض، قال فقال لي: لو أنك إبراهيم بن أدهم!!
ما زاد على هذا، قال: وكان فوج يدخل من باب البستان، وفوج يخرج، فخرجت في الفوج الذي كان يخرج من البستان فلم أعد إليه، فهذا كان أوائل أمري وخروجي من بلاد خراسان إلى بلاد الرمال.
* * *