هل رد أحد؟ (١).
واعلم أن أعظم المصيبة سوء الخلف منها، فأفق فالمرجع قرب.
واعلم أنما ابتلاك المنعم وأخذ منك المعطي وما ترك أكثر.
فإن نسيت الصبر فلا تغفل عن الشكر.
وأخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن الضراب. قال:
حدثنا أبي
أخبرنا أبو بكر الدينوري القاضي:
حدثنا عبد الرحمن بن محمد الحنفي وابن قتيبة. قالا:
سمعنا الزبادي يقول:
قال موبذ (موبذان لكسرى):
لا ينبغي للملك أن يغضب، لأن القدرة من وراء حاجته ولا يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد (٢) ولا يبخل فإنه لا يخاف الفقر ولا يحقد لأن خطره قد جل عن المجازاة، ولا يجهل لأنه لا يكون ذنب أرزن من حلمه (٣).
وأخبرنا عبد العزيز بن الحسن:
أخبرنا أبي. قال:
حدثنا أبو بكر أحمد بن مروان. قال:
حدثنا محمد بن عبد العزيز. قال:
стр. 142
حدثنا ابن عائشة. قال:
قال بزرجمهر الحكيم لبعض ملوك الفرس:
إياك وغرة الغضب فإنها مصيرتك إلى ذل الاعتذار.
قرئ على أبي الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن أحمد السلمي بدمشق وأنا أسمع:
أخبرنا جدكم أبو بكر محمد بن أحمد بن الوليد بن عثمان فأقر به.
قال:
أخبرنا أبو محمد عبد الله بن أحمد بن ربيعة (١) قال:
حدثنا محمد بن عبد السلام البصري. قال:
حدثنا نصر بن علي (٢). قال:
حدثنا عبد الملك بن قريب الأصمعي:
حدثنا حاجب بن نصر العدوي:
أن رجلا كان ينادي على بعض أبواب الملوك: من يشتري مني ثلاث كلمات باثني عشر ألف درهم!.
فكان من يسمعه يعجب منه حتى بلغ ملكا منهم خبره فدعا به وسأل عن الكلمات فقال: أحضر المال.
فأحضره، فقال:
стр. 143
أما الكلمة الأولى: فينبغي أن تعلم أنه ليس في صحبة الناس خير.
والثانية: ينبغي أن تعلم أنه لا بد منهم.
والثالثة: ينبغي أن يعاملوا على قدر ذلك.
فقال له الملك: قد أحسنت، فخذ المال.
قال: لا حاجة لي فيه، إنما أردت أن أعلم هل بقي أحد يطلب الحكمة.
وفيما روينا من طريق أبي بكر أحمد بن محمد بن عيسى - وأخبرنا به غير واحد من المشايخ:
عن محمد بن عمران: (١)
عن أبي بكر بن عيسى. قال (٢):
حدثنا محمد بن القاسم البصري (٣). قال:
قال معاوية بن أبي سفيان لعامر بن عبد القيس - وكان من كبار الزهاد وقد وعظه وأسرف -:
رضيت لنفسك نزرا أرق من القليل.
قال: بل أنت رضيت لنفسك بالقليل الفاني عن الكثير الباقي.
فقال له معاوية: أما لي عليك حق؟.
قال: حقك أن أنهاك عن الخطأ وآمرك بالصواب.
стр. 144
أخبرنا أبو القاسم بن الضراب المصري - قراءة عليه بها - قال:
أخبرنا أبي أبو محمد الحسن بن إسماعيل بن محمد:
أخبرنا أبو بكر أحمد بن مروان المالكي القاضي. قال:
حدثنا إبراهيم بن إسحاق الحربي. قال:
حدثنا الرياشي. قال:
سمعت الأصمعي يقول:
دخل عطاء بن أبي رباح على عبد الملك بن مروان - وهو جالس على سريره وحواليه الأشراف من كل بطن وذلك بمكة في وقت حجة في خلافته - فلما بصر به قام إليه وأجلسه معه على السرير وقعد بين يديه وقال:
يا أبا محمد: ما حاجتك؟.
قال: يا أمير المؤمنين: اتق الله في حرم الله وحرم رسوله فتعاهده بالعمارة.
واتق الله في أولاد المهاجرين والأنصار فإنك بهم جلست هذا المجلس.
واتق الله في أهل الثغور فإنهم حصن للمسلمين وتفقد أمور المسلمين فإنك وحدك المسئول عنهم.
واتق الله في من على بابك فلا تغفل ولا تغلق بابك دونهم.
فقال له: أفعل.
ثم نهض وقام فقبض عليه عبد الملك فقال له:
стр. 145
يا أبا محمد: إنما سألتنا حوائج غيرك، وقد قضيناها فما حاجتك؟.
فقال: ما لي إلى مخلوق حاجة.
ثم خرج، فقال عبد الملك:
هذا وأبيك الشرف هذا وأبيك السؤدد (١).
أخبرنا عبد العزيز بن الحسن الغساني - قراءة عليه - قال:
أخبرنا أبي. قال:
أخبرنا أحمد بن مروان. قال:
حدثنا أبو غسان عبد الله بن محمد:
أخبرنا أبو سلمة يحيى بن المغيرة المخزومي - بمكة في دار زبيدة - قال:
حدثنا عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم. قال:
حدثني أبي:
عن أبيه أبي حازم. قال:
دخل سليمان بن عبد الملك المدينة فأقام بها ثلاثا فقال:
ما ها هنا أحد ممن أدرك أصحاب محمد ﷺ يحدثنا؟.
فقيل له: بلى ها هنا رجل يقال له أبو حازم.
فبعث إليه فجاءه.
فقال له سليمان:
يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟.
قال له أبو حازم:
стр. 146
وأي جفاء رأيت مني؟.
فقال له سليمان:
أتاني وجوه أهل المدينة كلهم ولم تأتني.
فقال له: أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها.
فقال سليمان: صدق الشيخ.
قال سليمان: يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت؟.
قال: لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فأنتم تكرهون أن تنقلوا من العمران إلى الخراب.
قال: صدقت يا أبا حازم، فكيف القدوم؟.
قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه!.
قال: فبكى سليمان، وقال:
ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم؟.
فقال أبو حازم: اعرض نفسك على كتاب الله تعلم ما لك عند الله.
فقال: يا أبا حازم: أين نصيب تلك المعرفة من كتاب الله؟
فقال أبو حازم:
عند قوله :
﴿إن الأبرار لفي نعيم. وإن الفجار لفي جحيم﴾ [سورة الانفطار/ ١٣ - ١٤].
стр. 147
فقال سليمان:
يا أبا حازم: فأين رحمة الله؟.
قال: قريب من المحسنين.
قال: يا أبا حازم: من أعقل الناس؟
قال: أبو حازم: من تعلم الحكمة وعلمها الناس.
فقال سليمان: فمن أحمق الناس؟.
قال أبو حازم: من خطا في هوى رجل هو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان:
يا أبا حازم: ما أسمع الدعاء؟.
قال: دعاء المخبتين إليه.
قال سليمان:
يا أبا حازم: فما أزكى الصدقة؟.
فقال أبو حازم: جهد المقل.
فقال سليمان: ما تقول فيما نحن فيه؟.
فقال أبو حازم: أعفنا من هذا.
قال سليمان: نصيحة بلغتها.
قال أبو حازم: إن ناسا أخذوا هذا الأمر من غير مشاورة من المؤمنين ولا إجماع من رأيهم فسفكوا فيه الدماء على طلب الدنيا ثم ارتحلوا عنها فليت شعري ما قالوا وما قيل لهم؟.
стр. 148
فقال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا شيخ.
فقال أبو حازم: كذبت إن الله تعالى أخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه.
فقال سليمان: يا أبا حازم:
كيف لنا أن نصلح؟.
قال أبو حازم:
تدعوا التكلف وتتمسكوا بالمروءة.
فقال سليمان يا أبا حازم: كيف المأخذ لذلك؟.
قال أبو حازم: تأخذه من حقه وتضعه [في] أهله.
فقال سليمان: أصبحنا يا أبا حازم تصيب منا ونصيب منك.
قال أبو حازم: أعوذ بالله (١) من ذلك.
قال سليمان: ولم؟.
قال: أخاف أن أركن إليك شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات.
فقال سليمان: فأشر علي يا أبا حازم؟.
فقال أبو حازم: اتق الله أن يراك حيث نهاك وأن يفقدك من حيث أمرك.
قال سليمان: يا أبا حازم: ادع لنا بخير.
فقال أبو حازم.
стр. 149
اللهم إن كان سليمان وليك فبشره بخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ إلى الخير بناصيته.
قال له سليمان: عظني.
قال: قد أوجبت إن كنت وليه وإن كنت عدوه فما ينفعك أن أرمي بقوس بغير وتر.
فقال: يا غلام: إئت بمئة دينار.
ثم قال: خذ يا أبا حازم.
فقال أبو حازم: لا حاجة لي فيها إني أخاف أن يكون أجرا لما سمعت من كلامي.
إن موسى ﵇ لما هرب من فرعون وورد ماء مدين وجد عليه جاريتين تذودان.
فقال: ما لكما عون؟.
قالتا: لا.
ثم تولى إلى الظل فقال:
رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير.
ولم يسأل الله أجرا على دينه.
فلما أعجل بالجاريتين الانصراف أنكر ذلك أبوهما فقال:
ما أعجلكما اليوم؟!
قالتا: وجدنا رجلا صالحا فسقى لنا.
قال: فما سمعتماه يقول؟.
стр. 150
قالتا: سمعناه يقول:
رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير.
قال:
ينبغي أن يكون هذا جائعا.
تنطلق إليه إحداكما فتقول:
إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا.
قال: فجزع موسى ﵇ من ذلك وكان طريدا في فيافي الصحراء.
فأقبل والجارية أمامه فهبت الريح فوصفتها له وكانت ذات خلق، فقال لها:
كوني خلفي وأريني السمت.
فلما بلغ الباب ودخل إذا الطعام موضوع.
فقال له شعيب ﵇:
صب يا فتى في هذا الطعام؟.
قال موسى ﵇: أعوذ بالله.
قال شعيب: ولم؟.
قال موسى: لأننا من أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا.
قال شعيب: لا والله ولكنها عادتي وعادة آبائي نطعم الطعام ونقري الضيف. فجلس موسى فأكل.
فإن كانت هذه الدنانير عوضا لما سمعت من كلامي فالآن أرى أكل
стр. 151
الميتة في حال الضرورة أحب إلي من أخذها.
فكأن سليمان أعجب بأبي حازم، فقال بعض جلسائه:
يا أمير المؤمنين: أبشرك أن الناس كلهم مثله.
قال الزهري:
إنه لجاري منذ ثلاثين سنة ما كلمته بكلمة قط.
فقال له أبو حازم:
صدقت إنك نسيت الله فنسيتني ولو أحببت الله لأحببتني.
قال الزهري أتشتمني؟
فقال: بل أنت شتمت نفسك:
أما علمت أن للجار على جاره حقا.
فقال أبو حازم:
إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء فكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء فاستغنت الأمراء عن العلماء واجتمع القوم على المعصية فسقطوا وانتكسوا.
ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم لم تزل الأمراء تهابهم.
قال الزهري:
كأنك إياي تريد وبي تعرض؟
قال: هو ما تسمع.
وقدم هشام المدينة مرة أخرى، فأرسل إلى أبي حازم فقال له: يا أبا حازم: عظني وأوجز.
стр. 152
قال أبو حازم: اتق الله وازهد في الدنيا فإن حلالها حساب وحرامها عقاب.
قال: لقد أوجزت يا أبا حازم.
فقال له: يا أبا حازم ارفع حوائجك إلى أمير المؤمنين.
قال أبو حازم: هيهات قد رفعت حوائجي إلى من لا تختزل الحوائج دونه فما أعطاني منها قنعت، وما منعني منها رضيت.
وقد نظرت في هذا الأمر فإذا هو على قسمين: أحدهما لي، والآخر لغيري.
فأما ما كان لي فلو احتلت فيه بكل حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه الذي قدر لي فيه، وأما الذي لغيري فذلك الذي لا أطمع نفسي فيه فيما مضى، ولن أطمعها فيما بقي.
وكما منع غيري رزقي كذلك منعت رزق غيري، فعلام أقتل نفسي (١).
وفي رواية أخرى أن سليمان بن عبد الملك لما قدم المدينة للزيارة بعث إلى أبي حازم الأعرج وعنده ابن شهاب. فلما دخل عليه قال: تكلم يا أبا حازم؟
قال: فيم أتكلم يا أمير المؤمنين؟
قال: في المخرج من هذا الأمر؟
قال: يسير إن أنت عقلته!
стр. 153
قال: وما ذاك؟
قال: لا تأخذ الأموال إلا بحلها، ولا تضعها إلا في أهلها.
قال: ومن يقوى على ذلك؟
قال: من قلده الله من أمر الرعية ما قلدك.
فقال: عظني يا أبا حازم؟ قال: إن هذا الأمر لم يصل إليك إلا بموت من كان قبلك وهو خارج عن يدك مثل ما صار إليك.
قال: يا أبا حازم: أشر علي؟
قال: إنما أنت سوق فما نفق عندك حمل إليك من خير أو شر، فاختر لنفسك أيهما شئت.
قال: فما لك لا تأتينا يا أبا حازم؟
قال: وما أصنع بإتيانك يا أمير المؤمنين؟
إن أدنيتني فتنتني، وإن أقصيتني أحزنتني، وليس عندي ما أخافك عليه، ولا عندك ما أرجوك له؟!
قال: فارفع حوائجك إلينا؟
قال: قد رفعتها إلى من هو أقدر عليها منك، فما أعطاني منها قبلت وما منعني منها رضيت.
وقرأت على أبي الحسين أحمد بن محمد بن أحمد السمار:
أخبركم محمد بن (١) العباس:
حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن السكري (٢):
стр. 154
حدثنا زكريا بن يحيى (٣) حدثنا العتبي قال:
دخل أعرابي على سليمان بن عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين: إني مكلمك بكلام فاحتمله إن كرهته، فإن من ورائه ما تحب وإن كرهت أوله.
فقال سليمان: إنا لنجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصيحته، ولا نأمن غشه، وأنت الناصح جيبا، والمأمون غيبا.
قال: يا أمير المؤمنين: أما إذ أمنت بادرة غضبك فإني أقول تأدية لحق الله وحق رعيتك:
يا أمير المؤمنين: إنه قد تكنفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم فابتاعوا دنياك بدينهم، ورضاك بسخط ربهم، خافوك في الله، ولم يخافوا الله فيك، فهم حرب الآخرة سلم الدنيا، فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه، فإنهم لا يألون الأمانة تضييعا والأمة عسفا، وأنت مسئول عما اجترحوا وليسوا المسؤولين عما اجترحت ولا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإن أعظم الناس جرما من باع آخرته بدنيا غيره.
فقال سليمان: يا أعرابي: أما أنت فقد سللت لسانك فهو أقطع من سيفك!
فقال: أجل يا أمير المؤمنين: لك لا عليك!
قرأت على أبي القاسم منصور بن النعمان بن منصور الصيمري في منزله بالفسطاط: أخبرك أبو مسلم محمد بن أحمد بن علي الكاتب (٤) قال:
стр. 155
حدثنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد:
أخبرنا أبو حاتم: حدثنا العتبي: عن أبيه. قال:
لما ولي عمر بن عبد العزيز فزع إلى ثلاثة: رجاء بن حيوة، وإلى محمد بن كعب وإلى سالم بن عبد الله بن عمر، فقال: يا إخوتي: هذا يوم حاجتي إليكم فعظوني؟
فقال محمد بن كعب: يا عمر إن [فيك] جرأة وجبنا وإن فيك غفلة وكيسا فداو ما فيك بعضه ببعض، وعليك بذي الدين والعقل يعنك على نفسك ويكفك نفسه، وإياك ومن مودته على قدر حاجته إليك، فإنه إذا ذهبت حاجته انقطعت مودته، وإذا اصطنعت صنيعة فأحسن رعايتها وهب الدنيا يوما صمته كان إفطارك فيه الآخرة.
وقال سالم بن عبد الله: يا أمير المؤمنين: إرض للناس ما ترضى لنفسك واكره لهم ما تكره لها تسلم منهم ويسلموا منك.
وقال رجاء بن حيوة: اترك كبير الناس أبا، وصغيرهم ولدا، وكهلهم أخا، يصلحوا لك، وتصلح لهم.
قرئ على أبي محمد عبد الله بن أحمد الرجل الصالح وأنا أسمع: أخبركم أبو الحسن أحمد بن محمد القرشي سنة اثنتين وأربع مئة: حدثنا أبو عمر حمزة بن القاسم (٢) الهاشمي:
حدثنا حنبل بن إسحاق بن حنبل (٣):
حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس (٤). قال: قال سفيان بن عيينة: دخل
стр. 156
إبراهيم بن أدهم على عمر بن عبد العزيز، فقال له:
أطريك؟
فقال: لا.
قال: أفأعظك؟
قال: نعم.
قال: فافتح الباب، وأدخل الناس.
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
إن الله ﵎ خلق الخلائق غنيا عنهم وعن طاعتهم، أمنا لمعصيتهم أن تنقصه.
قال: فالناس يومئذ في الحالات والمنازل مختلفون فالعرب منهم من باشر تلك الحال أهل الوبر والشعر وأهل الحجر لا يتلون كتابا ولا يصلون جماعة ميتهم في النار وحيهم أعمى بشر حال مع الذي لا يحصى من عيشهم المزهود فيه والمرغوب عنه.
فلما أراد الله أن ينشر فيهم حكمته بعث فيهم رسولا من أنفسهم عزيزا عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم.
فبلغ محمد رسالة ربه ونصح لأمته وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.
ثم ولي أبو بكر من بعده فارتدت العرب أو من ارتد منها فحرصوا أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة، فأبى أبو بكر أن يقبل منهم إلا ما كان رسول الله ﷺ قابلا منهم لو كان حيا فلم يزل يخرق أوصالهم ويسقي الأرض من دمائهم حتى أدخلهم من الباب الذي خرجوا منه، وقررهم على الأمر الذي نفروا عنه وأوقد في الحرب شعلها وحمل أهل الحق
стр. 157
على رقاب أهل الباطل ثم حضرته الوفاة وقد أصاب من فيء المسلمين شاة لقوحا كانت ترضع ابنا له فلم يزل ذلك غصة في حلقه وثقلا على كاهله حتى خرج منه إلى أن ولي الأمر من بعده عمر ﵁.
ثم ولي عمر فحسر عن ذراعيه، وشمر عن ساقيه، وأعد للأمور أقرانها فراضها فأذل صعابها ولم يزل الأمر فيها إلى يسر ثم حضرته الوفاة وقد كان أصاب من فيء المسلمين شيئا فلم يرض في ذلك بكفالة من أحد من ولده حتى يلقى في ذلك ربه وضم ذلك إلى بيت مال المسلمين.
وأيم الله ما اجتمعنا من بعدهما إلا على ضلع.
قال: ثم أقبل على عمر بن عبد العزيز فقال:
وأنت يا عمر: بني الدنيا غذتك بأطيبها وألقمتك ثديها تطلبها مظانها تعادي فيها وترضى لها حتى إذا أفضت إليك بأركانها من غير طلب منك لها ولا مشير حاباك بها رفضتها ورميت بها حيث رمى الله بها، فامض- رحمك الله ولا تلتفت فالحمد لله الذي فرج بك كربنا، ونفس بك غمنا، فإنه لا يذل مع الحق حقير، ولا يكثر مع الباطل عزيز.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.
قرأت على أبي الغنائم محمد بن علي القاضي: عن أبي الفرج الجريري: حدثنا محمد بن الحسين: حدثنا حماد بن الوليد الحنظلي. قال: سمعت عمر بن ذر يذكر أنه بلغه (١) ميمون بن مهران أنه قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز يوما وعنده سابق البربري الشاعر وهو ينشد شعرا
стр. 158
في وعظه فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات:
فكم من صحيح بات للموت آمنا … أتته المنايا بغتة بعد ما هجع
فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة … فرارا ولا منه بحيلته امتنع (٢)
فأصبح تبكيه النساء مقنعا … ولا يسمع الداعي ولا صوته رفع
وقرب من لحد فصار مقيله … وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع
فلا يترك الموت الغني لماله … ولا معدما في المال ذا حاجة يدع
فلم يزل عمر يبكي ويضطرب حتى غشي عليه.
قال: فقمنا فانصرفنا عنه.
وقرأت هذه الأبيات بالفسطاط على أبي القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل المصري: أخبرنا أبي:
أخبرنا أحمد بن مروان المالكي. قال أنشدنا إسماعيل بن إسحاق. قال أنشدني أبو زيد النميري لسابق وذكر الأبيات.
أخبرنا أبو محمد علي بن أحمد الفقيه الحافظ بالمغرب: أخبرنا عبد الله ابن ربيع قال: حدثنا إسماعيل بن القاسم حدثنا أبو بكر بن دريد حدثنا أبو عثمان عن السكري عن أبي عبيدة قال:
стр. 159
بلغني أن محمد بن كعب القرظي قال لعمر بن عبد العزيز لا تتخذن وزيرا إلا عالما ولا أمينا إلا بالجميل معروفا وبالمعروف موصوفا، فإنهم شركاؤك في أمانتك وأعوانك على أمورك فإن صلحوا أصلحوا وإن فسدوا أفسدوا (١).
قرئ على أبي محمد عبد الله بن أحمد الزاهد وأنا أسمع: أخبر كمال الدين محمد المخرمي: حدثنا حمزة بن القاسم الهاشمي: حدثنا حنبل بن إسحاق:
حدثنا محمد بن جعفر الوركاني:
حدثنا معمر بن سليمان الرقي عن فرات بن سلمان:
أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى سالم بن عبد الله:
سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو: أما بعد فإن الله ابتلاني بما ابتلاني به من أمر هذه الأمة من غير مشورة مني فيها ولا طلب مني لها إلا قدر من الرحمن تعالى قدره علي.
فأسأل الذي ابتلاني بما ابتلاني به أن يعينني على ما ولاني من أمر عباده وبلاده وأن يرزقني فيهم العمل بطاعته وأن يرزقهم مني الرأفة والرحمة وأن يرزقني منهم السمع والطاعة وحسن المؤازرة.
فإذا جاءك كتابي هذا فابعث إلي بكتب عمر ﵁ وسيرته وقضائه في أهل القبلة وأهل الذمة، فإني سائر بسيرته ومتبع أثره إن الله أعانني على ذلك إن شاء الله والسلام.
قال فكتب إليه سالم بن عبد الله:
стр. 160
من سالم بن عبد الله إلى عمر بن عبد العزيز:
سلام عليك، فإنني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو:
أما بعد: فإن الله وتقدست أسماؤه لا يقدر أحد قدره سبحانه وتعالى عما يشركون خلق الدنيا كما أراد فجعل لها مدة قصيرة كأن ما بين أولها وآخرها ساعة من نهار ثم قضى عليها وعلى أهلها الفناء فقال: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون﴾.
ولا يقدر أهلها منها على شيء حتى تفارقهم ويفارقوها.
أنزل بذلك كتابا وبعث به نبيه ﷺ وقدم في ذلك بالوعيد، ووصل فيه القول، وضرب فيه الأمثال، وشرع دينه فيه وأحل فيه الحلال، وحرم فيه الحرام، وقص فأحسن فيه القصص، وجعل دينه في الأولين والآخرين دينا واحدا ولم يبدل قوله ولم يغير قضاؤه ولم يختلف رسله ولم يسبق أحد من أمره بشيء سعد به أحد ولم يسعد أحد من أمره بشيء شقي به أحد.
ثم إنك يا عمر بن عبد العزيز ليس تعدو أن تكون رجلا من بني آدم يكفيك من الطعام والشراب ما يكفي رجلا منهم.
اجعل فضل ذلك فيما بينك وبين الرب الذي ترجوه شكر النعمة، ثم إنك قد وليت اليوم أمرا عظيما ليس يليه غيرك دون الله أحد فإن استطعت أن تغبن من كان قبلك ولا تخسر نفسك وأهلك يوم القيامة فافعل ولا قوة إلا بالله فإنه قد كان قبلك فيما مضى رجال عملوا ما عملوا وأماتوا ما أماتوا وأحيوا ما أحيوا حتى ولد في ذلك رجال ونشؤوا وظنوا أنها هي السنة فلم يسدوا على العباد باب رخاء إلا فتح الله باب بلاء، فإن استطعت أن تفتح عليهم أبواب الرخاء فافعل فإنك لن تفتح منها بابا إلا سد به عنك باب بلاء ولا يمنعك من نزع عامل أن تقول
стр. 161
لا أجد من يكفيني عمله فإنك [إن] كنت تعمل لله وتفزع لله أتاح الله لك أعوانا وأتى بهم.
وإنما قدر العون بقدر النية فمن تمت نيته تم عون الله إياه ومن قصر من النية قصر من العون بقدر ذلك فإن استطعت أن تجيء يوم القيامة لا يتبعك أحد بمظلمة ويجيء من قبلك وهم غابطون لك بقلة أتباعك فافعل ولا قوة إلا بالله، فإنهم قد لقوا الله وعالجوا نزع الموت وعاينوا هول المطلع وانفقأت أعينهم التي كانت لا تنقضي لذتها وانشقت بطونهم التي كانوا لا يشبعون فيها واندقت رقابهم غير متوسدة بعد ما تعلم من تظاهر الفرش والمرافق والسرر والخدم، وصاروا جيفا في بطون الأرض تحت أكامها لو كانوا إلى جنب مساكين تأذوا من ريحهم بعد إنفاق ما لا يحصى من الطيب كان ذلك إسرافا وتغييرا (١) عن حق الله فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ما أعظم الذي ابتليت به يا عمر فاقطع الذي سيق إليك من أمر هذه الأمة بالعدل، ومن بعثت من عمالك فازجره زجرا شديدا شبيها بالعقوبة عن أخذ الأموال وسفك الدماء إلا بحقها.
المال المال يا عمر.
الدم الدم يا عمر، فإنه لا عدة لك من هول جهنم من عامل بلغك ظلمه ولم تغيره.
واحذر من بعثت من عمالك: أن يأخذوا في ظنة، أو يعملوا بعصبية، أو يتخذوا في عملهم خبنة (٢) أو يحدثوا على المسلمين تبعة، أو يسبقوا بدم
стр. 162
فالله الله يا عمر.
واعلم أنك إن اجترأت على ذلك أوشكت أن يؤتى بك صغيرا ذليلا وإن أنت اجتنبت ذلك وجدت راحته في قلبك وسمعك وظهرك.
كتبت تسألني أن أبعث إليك بكتب عمر وسيرته وقضائه في أهل القبلة والذمة، وإن عمر ﵁ عمل به في غير زمانك وعمل بغير رجالك ووليت في زمن من تعلم بعد ما عمل وأظهر ما تعلم.
وأنا أرجو إن عملت على النحو الذي عمل به عمر بعد الذي رأيت وبلوت من الظلم أن تكون أفضل عند الله منزلة من عمر.
وقل كما قال العبد الصالح: «وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه … إلى قوله: وإليه أنيب».
حدثنا القاضي أبو الحسين محمد بن علي بن محمد الخطيب الهاشمي (١)، قراءة منه علينا: أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسن بن الفضل (٢) حدثنا محمد بن القاسم (٣) حدثني عمي أبو العباس أحمد بن بشار بن الحسن بن بيان (٤)، حدثنا إسحاق بن بهلول بن حسان بن سنان التنوخي الأنباري (٥) حدثني أبي البهلول بن حسان (٦): حدثنا إسحاق بن زياد من بني أسامة
стр. 163
ابن لؤي عن شبيب بن شيبة (٧) عن خالد بن صفوان بن الأهتم قال: أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام بن عبد الملك في وفد العراق فقدمت عليه وقد خرج مبتديا بقرابته وأهله وحاشيته وغاشيته من جلسائه فنزل في أرض قاع صحصح متنايف أفيح في عام قد بكر وسميه وتتابع وليه وأخذت الأرض فيه زينتها من اختلاف ألوان نبتها من نور ربيع مونق فهو في أحسن منظر وأحسن مختبر مستمطر بصعيد كأن ترابه قطع الكافور حتى لو أن قطعة لحم ألقيت فيه لم تترب.
وكان قد ضرب له سرادق من حبرة (٨) كان صنعه له يوسف بن عمر باليمن فيه أربعة أفرشة خز أحمر مثلها مرافقها وعليه دراعة من خز أحمر مثلها عمامتها وقد أخذ الناس مجالسهم فأخرجت رأسي من ناحية السماط فنظر إلي مثل المستنطق لي، فقلت له:
أتم الله تعالى عليك يا أمير المؤمنين نعمه وسوغكها بشكره وجعل ما قلدك من هذا الأمر رشدا وعاقبة ما تؤول إليه حمدا وخلصه لك بالتقى وكثره لك بالنماء لا كدر الله تعالى عليك منه ما صفى ولا خالط سروره الردى فقد أصبحت للمسلمين ثقة ومستراحا إليك يفزعون في مظالمهم وإليك يلجئون في أمورهم.
وما أجد شيئا يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك هو أبلغ في قضاء حقك وتوفير مجلسك [مع ما] من الله تعالى علي به من مجالستك والنظر إلى وجهك من أن أذكر نعمة الله تعالى عندك وأنبهك على شكرها وما أجد في ذلك شيئا هو أبلغ من حديث من تقدم قبلك من الملوك فإن أذن لي أمير
стр. 164
المؤمنين أخبرته.
وكان متكئا فاستوى جالسا، فقال:
هات يا ابن الأهتم؟.
فقلت: يا أمير المؤمنين: إن ملكا من الملوك خرج قبلك في عام مثل عامنا هذا إلى الخورنق والسدير في عام قد بكر وسميه وتتابع وليه وأخذت الأرض فيه زينتها من اختلاف ألوان نبتها من نور ربيع مونق، فهو في أحسن منظر وأحسن مخبر وأحسن مستمطر بصعيد كأن ترابه قطع الكافور حتى لو أن بضعة لحم ألقيت فيه لم تترب.
وكان قد أعطي منى النفس مع الكثرة والغلبة والنماء.
ونظر فأبعد النظر فقال:
لمن هذا الذي أنا فيه؟
هل رأيتم مثل ما أنا فيه؟
هل أعطي أحد مثل ما أعطيت؟
وعنده رجل من بقايا جملة الحجبة والمصر على أدب الحق ومنهاجه فقال له:
أيها الملك: إنك قد سألت عن أمر أفتأذن في الجواب؟
فقال: نعم.
قال: أرأيتك هذا الذي أعجبت به:
أهو شيء لم تزل فيه، أم هو شيء صار إليك ميراثا عن غيرك وهو زائل عنك وصائر إلى غيرك كما صار إليك؟
стр. 165
قال: كذلك هو.
قال: أفلا أراك إنما أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلا وتغيب عنه طويلا وتكون غدا بحسابه مرتهنا.
قال: ويحك! فأين المهرب وأين المطلب؟
قال: إما أن تقيم مع ملكك فتعمل فيه بطاعة الله ربك على ما ساءك وسرك ومضك وأرمضك، وإما أن تضع تاجك وتضع أطمارك وتلبس أمساحك وتعبد ربك في هذا الجبل حتى يأتيك أجلك.
قال: فإذا كان السحر فاقرع علي بابي فإن اخترت ما أشرت به كنت وزيرا لا يعصى وإن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد كنت رفيقا لا تخالف فلما كان السحر قرع عليه بابه فإذا هو قد وضع تاجه وخلع أطماره ولبس أمساحه وتهيأ للسياحة فلزما والله الجبل حتى أتتهما آجالهما.
وذلك حيث يقول أخو بني تميم عدي بن زيد العبادي المرادي: (٩)
أيها الشامت المعير بالدهر … أأنت المبرأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من … الأيام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى كسرى الملوك أبو … ساسان أم أين قبله سابور (١٠)
وبنو الأصفر الكرام ملوك … الروم لم يبق منهمو مذكور
وأخو الحصن إذ بناه وإذا … دجلة تجبى إليه والخابور
стр. 166
شاده مرمرا وجلله كلسا … فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد … الملك عنه فبابه مهجور
وتأمل رب الخورنق إذ … أشرف يوما وللهدى تفكير
سره حاله وكثرة ما يملك … والبحر معرض والسدير
فارعوى قلبه فقال وما … غبطة حي في الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والأمة … وارتهم هناك القبور
ثم أضحوا كأنهم ورق جف … فألوت به الصبا والدبور
قال فبكى هشام حتى اخضلت لحيته وبل عمامته وأمر بنزع أبنيته وبنقلان قرابته وأهله وحشمه وغاشيته من جلسائه ولزوم قصره.
قال: فاجتمعت الموالي والحشم على خالد بن صفوان فقالوا:
ما أردت إلى أمير المؤمنين نغصت عليه لذته وأفسدت عليه مأدبته؟.
فقال لهم إليكم عني فإني عاهدت الله عهدا أن لا أخلو بملك إلا ذكرته الله .
قال أبو بكر محمد بن القاسم: الذي حفظناه شيخنا:
متنايف أفيح.
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى الضراب (١١): مسايف أفيح جمع مسافة.
وأخبرنا هذا الخبر أبو القاسم عبد العزيز بن الحسن بن إسماعيل
стр. 167
الغساني المصري فقال: أخبرنا أبي حدثنا أبو بكر أحمد بن مروان القاضي المالكي: حدثنا محمد بن عبد العزيز: حدثنا أبي: عن بهلول بن حسان: عن إسحاق بن زياد من بني أسامة بن لؤي عن شبيب بن شيبة عن خالد بن صفوان بن الأهتم قال:
أوفدني يوسف بن عمر، وذكر نحوه وزاد في آخره: فبعث إلى كل واحد من الوفد بجائزة فكانوا عشرة وبعث إلى خالد بمثل ما وجه إلى جميع الوفد.
وقرأت على أبي الغنائم محمد بن علي القاضي عن أبي الفرج الجريري حدثنا محمد بن الحسن بن دريد: حدثنا أبو عثمان: عن العتبي. قال صعد رجل إلى هشام بن عبد الملك في خضراء معاوية فمثل بين يديه لا يتكلم فقال له هشام:
ما لك لا تتكلم؟
قال هيبة الملك وبهر الدرج فلما رجعت نفسه إليه قال له هشام:
تكلم وإياك ومدحنا.
فقال: لست أمدحك إنما أحمد الله فيك ثم قال:
إن الدنيا ذمت بأعمال العباد إذا أساءوا ولم تحمد بأفعالهم فيها إذا أحسنوا فإن الدنيا لم تكتتم بما فيها فتذم ولكن إنما جهرت به فأخذها من أخذها بذلك وهي عليه وتركها من تركها لذلك وهي له.
وإن الدنيا بادأت أهلها بأنها لملوكة من أخذها ومفارقة من صحبها ونحن بها عمران من عمرها فمن زرع فيها سرورا حصد حزنا ومن آثر فيها هوى اجتنى ندامة.
стр. 168
وإنما هي لمن زهد فيها اليوم وأعرض عنها وآثر الحق عليها وأخذها من أخذها بعد البيان منها والإخبار عن نفسها فغر (١) نفسه وسماها غرارة وكذب نفسه وسماها كذابة وزهد فيها آخرون فصدقوا مقالها ورأوا آثارها في رد أفعالها وأخذوا منها (٢) قليلا وقدموا فيها كثيرا وسلموا من الباطل وصارت لهم عونا على الحق في غيرها، فلم تحمد بإحسان من أحسن فيها وهي له وذمت بإساءة من أساء فيها وهي عليه وأنت أحق بإساءتك فيها إذا كان الإحسان لك دونها.
فأطرق هشام يفكر في كلامه واختلس الرجل فلم ير.
حدثنا القاضي أبو الحسين محمد بن علي الهاشمي الخطيب: أخبرنا أبو الفضل محمد بن الحسن الهاشمي: حدثنا محمد بن القاسم أبو بكر إملاء حدثنا أبو عبد الله المقدمي: حدثنا حارث بن أسامة: حدثنا محمود بن داهر: حدثنا ابن الفارسي: حدثنا الفريابي. قال: قال عباد بن كثير لسفيان الثوري: قلت لأبي جعفر المنصور: أتؤمن بالله؟
قال: نعم.
قلت: حدثني عن الأموال التي اصطفيتموها من أموال بني أمية؟ فوالله لئن كانت صارت إليهم ظلما غصبا لما رددتموها إلى أهلها الذين ظلموا فيها وغصبوها.
ولئن كانت الأموال لهم لقد أخذتم ما لا يحل ولا يطيب.
إذا دعيت بنو أمية يوم القيامة بالعدل جاءوا بعمر بن عبد العزيز.
стр. 169
وإذا دعيتم أنتم بالعدل - وأنتم أمس رحما من رسول الله ﷺ ولم تجيئوا بأحد فكن أنت ذلك الأحد فقد مضت من خلافتك مبلغ ست عشرة سنة.
وما رأينا خليفة قبلك بلغ اثنين وعشرين سنة فهبك تبلغها فما ست سنين تعدل.
فقال لي: يا أبا عبد الله: ما أجد على هذا الأمر أعوانا.
قلت: علي بأعوانك بغير مروفة.
أنت تعلم أن أبا أيوب المرزباني يريد منك في كل سنة بيت مال.
وأنا أجبك بمن يعمل بغير رزق ويتصدق على المسلمين.
وأنا آتيك بالأوزاعي فقلده كذا وبسفيان الثوري فقلده كذا وأكون أنا بينك وبين الناس على مظالم أبلغهم عنك وأبلغك عنهم بلا دينار ولا درهم.
فقال
حتى أستكمل بناء مدينة السلام وأخرج إلى البصرة وأوجه إليك.
فقال سفيان الثوري: ولم ذكرتني له؟
فقال عباد والله ما أردت إلا النصيحة للمسلمين.
ثم قال لسفيان: يا أبا عبد الله: ويل لمن دخل عليهم إذا لم يكن كثير العقل كثير الفهم كيف يكون فتنة عليهم وعلى أمة محمد ﷺ ؟!
أخبرنا أبو القاسم منصور بن النعمان بن منصور الصيمري بقراءتي عليه في منزله بالفسطاط قلت: أخبركم أبو مسلم محمد بن أحمد الكاتب: أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد: حدثنا أبو علي عسل بن
стр. 170
ذكوان (١) العسكري بعسكر مكرم سنة ستين ومئتين. قال: حدثني بعض أهل الأدب عن صالح بن سليمان عن الفضل بن يعقوب بن عبد الرحمن ابن العباس (٢) بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب. قال: حدثني عمي (٣) قال:
إني لعلى باب المنصور وإلى جانبي عمارة بن حمزة إذ طلع عمرو بن عبيد على حمار فنزل عن حماره ثم نحى البساط برجله ثم جلس فالتفت إلى عمارة فقال: لا تزال بصرتك ترمينا منها بأحمق. فبينما نحن كذلك إذ خرج الربيع وهو يقول:
أين أبو عثمان عمرو بن عبيد؟
قال: فوالله ما دل على نفسه حتى أرشد إليه فأتكأه يده ثم قال: أجب جعلني الله فداك.
فالتفت إلى عمارة فقلت: إن الرجل الذي استحمقته قد دعي وتركنا.
قال: فلبث ما شاء الله ثم خرج متوكئا على الربيع وهو يقول:
يا غلام: حمار أبي عثمان! ما برح حتى أقره على سرجه وجمع إليه ثيابه واستودعه الله.
فالتفت إليه عمارة وقال:
لقد فعلتم بهذا الرجل فعلا لو فعلتموه بولي عهدكم قد قضيتم حقه!.
стр. 171
قال: فما غاب عنك مما فعله أمير المؤمنين أكثر وأعجب.
قال: فإن اتسع لك الحديث فحدثنا.
قال: ما هو إلا أن سمع أمير المؤمنين بمكانه فما أمهل حتى أمر ببيت ففرش بلبود ثم انتقل إليه هو والمهدي وعلى المهدي سواده وسيفه فلما دخل سلم فرد عليه¬ السلام ثم أدناه حتى تحاكت ركبتاهما فسأله عن حاله وتحفى ثم قال:
يا أبا عثمان عظني.
فقال: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والفجر وليال عشر حتى أتى على آخرها.
فبكى المنصور بكاء شديدا، ثم قال: زدني.
فقال: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها واعلم أن هذا الأمر الذي صار إليك إنما كان في يدي من كان قبلك ثم أفضى إليك وكذلك يخرج منك إلى من بعدك.
وإني محذرك ليلة تمخض صبيحتها عن يوم القيامة.
قال فبكى والله أشد من البكاء الأول.
فقال له بعض القيام (٤): أكفف عن أمير المؤمنين.
فقال عمرو: بمثلك ضاع الأمر وانتشر.
فقال: يا أبا عثمان: أعني بأصحابك.
فقال: أظهر الحق يتبعك أهله.
стр. 172
قال: يا أبا عثمان بلغني أن عبد الله بن الحسن كتب إليك.
قال: قد جاءني كتاب يشبه أن يكون كتابه.
قال: وما أجبته؟
قال: قد عرفت رأيي في السيف (٥) أيام كنت تختلف إلي.
قال: فتحلف لي؟
قال: لئن كذبت تقية لأحلفن تقية.
قال
أنت والله الصادق البر قد أمرت لك بعشرة آلاف تستعين بها على زمانك.
قال: لا حاجة لي بها.
قال: والله لتأخذنها.
قال: والله لا أخذتها.
فقال له المهدي: يحلف أمير المؤمنين وتحلف.
فترك المهدي وأقبل على المنصور، فقال: من هذا الفتى؟
قال هذا محمد بن أمير المؤمنين وهو المهدي ولي عهد المسلمين.
قال: أما والله لقد ألبسته لبوسا من لبوس الأبرار، ولقد سميته اسما ما يستحقه عمله ولقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه.
ثم التفت إلى المهدي فقال:
стр. 173
نعم يا ابن أخي: إذا حلف أبوك وحلف عمك فأبوك أقوى على الكفارة من عمك.
ثم قال: يا أبا عثمان: هل من حاجة؟
قال: نعم: أن لا تبعث إلي حتى آتيك.
قال: إذن لا نلتقي أبدا.
قال: هي حاجتي، فاستودعه الله ونهض، ثم أتبعه بصره، وقال:
كلكم يمشي رويد … كلكم يطلب صيد
غير عمرو بن عبيد (٦)
وفي رواية أخرى: أن أبا جعفر المنصور بكى لما قال له عمرو بن عبيد: إن الله أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها واحذر ليلة تمخض عن يوم لا ليلة بعدها.
فقال عمرو: انبذ عنك البكاء واترك ما تنكر إلى ما تعرف، واعلم أن ربك لبالمرصاد.
وحكى أبو عمرو أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد فيما أورده فيه:
أن المنصور بينما هو يطوف بالبيت ليلة إذ سمع قائلا يقول:
اللهم إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض وما يجول بين الحق وأهله من الطمع.
فخرج المنصور فجلس ناحية المسجد وأرسل إلى الرجل.
стр. 174
فصلى ركعتين واستلم الركن ثم أقبل مع الرسول، فسلم عليه بالخلافة.
فقال له المنصور:
ما الذي سمعتك تذكر من ظهور البغي والفساد في الأرض، وما الذي يجول بين الحق وأهله من الطمع؟!
قال: إن أمنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور على أصولها وإلا اقتصرت على نفسي.
قال: أنت آمن على نفسك.
قال: إن الله استرعاك أمر عباده وأموالهم فجعلت بينك وبينهم حجابا من الجص والآجر وأبوابا من الحديد وحراسا معهم السلاح ثم سجنت نفسك عنهم وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعتها وأمرت أن لا يدخل عليك من الناس إلا فلان ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف إليك.
ولا أحد إلا وله في هذا المال حق، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصتهم لنفسك وآثرتهم على رعيتك وأمرت أن لا يحجبوا عنك حتى تجبي الأموال وتجمعها.
قالوا: هذا قد خان الله فما لنا لا نخونه؟!
وأتمروا أن لا يصل إليك من أخبار الناس شيء إلا ما أرادوا ولا يخرج لك عامل إلا خونوه عندك وبغوا عليه حتى تسقط منزلته فلما انتشر ذلك عنهم وعنك أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم.
فكان أول من صانعهم عمالك بالهدايا والأموال ليقووا بذلك بها على ظلم رعيتك، ثم فعل ذلك ذوو المقدرة والثروة من رعيتك ليقووا بذلك
стр. 175
على من دونهم فامتلأت بلاد الله بغيا وفسادا وصار هؤلاء القوم شركاؤك وأنت غافل فإن جاء متظلم حيل بينه وبينك، وإن أراد رفع قصة إليك وجدك قد ذهبت عن ذلك ووضعت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل المتظلم فبلغ بطانتك خبره سألوا صاحب المظالم أن لا يرفع مظلمته إليك فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث ويدفعه.
فإذا جهد وخرج ثم ظهرت طرح بين يديك فيضرب ضربا مبرحا يكون نكالا لغيره وأنت تنظر فما تنكر.
فما بقاء الإسلام على هذا؟
وقد كنت - يا أمير المؤمنين - أسافر إلى الصين فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه فبكى يوما فحداه (١) جلساؤه على الصبر وظنوه ضيق الصدر بما أصابه في سمعه.
فقال أما إني لست أبكي لسمعي ولكنني أبكي لمظلوم يصرخ فلا أسمع صوته.
ثم انتبه انتباهة فقال: لئن كان سمعي قد ذهب، فإن بصري لم يذهب، فنادوا في الناس:
أن لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم.
ثم كان يلتفت طرفي النهار ينظر هل يرى مظلوما.
فهذا - يا أمير المؤمنين - مشرك قد بلغت رأفته على رعيته هذا المبلغ.
стр. 176
وأنت - يا أمير المؤمنين - مؤمن بالله ومن أهل بيت رسول الله ﷺ : ألا تغلبك رأفتك بالمسلمين على نفسك.
فبكى المنصور، ثم قال: ويحك كيف احتيالي لنفسي؟!
قال يا أمير المؤمنين: إن للناس أعلاما يفزعون إليهم في دينهم ويرضون بهم في دنياهم فاجعلهم بطانتك يرشدوك وشاورهم في أمرك يسددوك.
قال: قد بعثت إليهم فهربوا مني.
قال خافوا أن تحملهم على طريقتك، ولكن افتح بابك وسهل حجابك وانصر المظلوم واقمع الظالم وخذ الفيء والصدقات على وجهها وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويساعدوك على صلاح الأمة وجاء المؤذنون فسلموا عليه إعلاما بحضور وقت الصلاة فصلى وعاد إلى مجلسه وأمر بطلب الرجل فلم يوجد.
وفي رواية أخرى رويناها من طريق أبي المهاجر المكي زيادة عند قول ملك الصين:
أما إن كان ذهب سمعي فإن بصري لم يذهب.
نادوا في الناس أن لا يلبس ثوبا أحمر إلا مظلوم، وكان يركب الفيل طرفي النهار هل يرى مظلوما فينصفه.
هذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله قد غلبت رأفته بالمشركين ورقته على شح نفسه في ملكه وأنت مؤمن بالله وابن عم نبيه ﷺ : ألا تغلبك رأفتك بالمسلمين على شح نفسك فإنك لا تجمع الأموال إلا لواحد من ثلاثة:
стр. 177
إن قلت أجمعها لولدي فقد أراك الله عبرا في الطفل الصغير يسقط من بطن أمه وما له على الأرض مال، وما من مال إلا ودونه يد شحيحة تحويه فما يزال يلطف بذلك الطفل حتى تعظم رغبة الناس.
لست بالذي تعطي بل الله يعطي من يشاء.
وإن قلت أجمع المال ليشتد سلطاني فقد أراك الله عبرا في من كان قبلك ما أغنى عنهم ما جمعوا من الذهب والفضة وما أعدوا من السلاح والرجال والكراع وما ضرك وولد أبيك ما كنت فيه من قلة الجدة والضعف حين أراد الله بكم ما أراد.
وإن قلت: أجمع المال لطلب غاية هي أجسم (٢) من الغاية التي أنت فيها فوالله ما فوق ما أنت فيه إلا منزلة لا تدرك إلا بالعمل الصالح يا أمير المؤمنين.
هل تعاقب من عصاك من رعيتك بأشد من القتل؟
قال: لا.
قال: فكيف تصنع بالملك الذي خولك الله وما أنت فيه من ملك الدنيا وهو لا يعاقب من عصاه بالقتل، ولكن يعاقب من عصاه بالخلود في العذاب الأليم، وهو الذي يرى منك ما عقد عليه قلبك وأضمرته جوارحك.
فما تقول إذا انتزع الملك الحق ملك الدنيا من يدك ودعاك إلى الحساب هل يغني عنك عنده شيء مما كنت فيه مما شححت عليه من ملك الدنيا؟
فبكى المنصور بكاء شديدا حتى نحب وارتفع صوته ثم قال:
стр. 178
يا ليتني لم أخلق ولم أر شيئا مذكورا.
ثم قال: كيف احتيالي فيما خولت ولم أر من الناس إلا خائنا.
فقال: يا أمير المؤمنين: عليك بالأئمة الأعلام المرشدين.
قال: ومن هم؟
قال: العلماء.
قال: إنهم فروا مني.
قال: هربوا مخافة أن تحملهم على ما ظهر من طريقتك في ذلك ولكن افتح الأبواب وسهل الحجاب وانتصر للمظلوم من الظالم وامنع الظالم منهم وخذ الشيء مما حل وطاب واقسمه بالحق والعدل وأنا ضامن عمن هرب منك أن يأتيك فيعاونك على صلاح أمرك.
فقال المنصور: اللهم وفقني أن أعمل بما قال هذا الرجل.
وجاء المؤذنون فسلموا عليه وأقيمت الصلاة فخرج فصلى بهم (٣) ثم قال للحرسي: عليك بالرجل لئن لم تأتني به لأضربن عنقك واغتاظ عليه غيظا شديدا فخرج الحرسي فطلب الرجل فبينا هو يطوف إذا هو بالرجل قائما يصلي في بعض الشعاب فقعد حتى صلى.
ثم قال: ياذا الرجل أما تتقي الله؟
قال: بلى.
قال: أما تعرفه؟
قال بلى.
стр. 179
قال: فانطلق معي إليه فقد آلى أن يقتلني إن لم آته بك؟
قال: ليس إلى ذلك سبيل.
قال: يقتلني.
قال: لا يقتلك.
قال: كيف؟
قال: تحسن تقرأ؟
قال لا
فأخرج من مزود كان معه رقا فيه مكتوب شيئا.
قال: خذه فاجعله في جيبك فإن فيه دعاء الفرج.
قال: وما دعاء الفرج.
قال: لا يرزقه إلا السعداء.
قلت: يرحمك الله قد أحسنت إلي فإن رأيت أن تخبرني ما هذا الدعاء وما فضله؟
قال: من دعا به صباحا ومساء هدمت ذنوبه ودام سروره ومحيت خطاياه واستجيب دعاؤه وبسط له في رزقه وأعطي أمله وأعين على عدوه وكتب عند الله صديقا ولا مات إلا شهيدا.
يقول اللهم كما لطفت في عظمتك دون اللطفاء وعلوت بعظمتك على العظماء وعلمت ما تحت أرضك كعلمك ما فوق عرشك وكانت وساوس الصدور كالعلانية عندك وعلانية القول كالسر في علمك فانقاد كل شيء لعظمتك وخضع كل ذي سلطان لسلطانك وصار أمر الدنيا والآخرة كله بيدك:
стр. 180
اجعل لي من كل هم أمسيت فيه فرجا ومخرجا.
اللهم إن عفوك عن ذنوبي وتجاوزك عن خطيئتي وسترك على قبيح عملي أطمعني أن أسألك ما لا أستوجبه فصرت أدعوك آمنا وأسألك مستأنسا وإنك للمحسن إلي وإني للمسيء إلى نفسي فيما بيني وبينك.
تتودد إلي وأتبغض إليك ولكن الثقة بك حملتني على الجرأة عليك فعد بفضلك وإحسانك علي إنك أنت التواب الرحيم.
قال: فأخذته فصيرته في جيبي ثم لم يكن لي هم غير أمير المؤمنين فدخلت فسلمت عليه فرفع رأسه ينظر إلي ويبتسم ثم قال لي:
ويلك تحسن السحر؟
فقلت: لا والله يا أمير المؤمنين ثم قصصت عليه أمري مع الشيخ قال:
هات الرق الذي أعطاك، ثم جعل يبكي وقال:
قد نجوت وأمر بنسخه وأعطاني عشرة آلاف درهم.
ثم قال: أتعرفه؟
قلت: لا.
قال: ذلك الخضر ﵇ (٤).
قرأت على أبي القاسم عبد العزيز بن الحسن البزاز- أو قرئ عليه وأنا أسمع-: