← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30079

فقه الصيام ومستجداته المعاصرة

فضل مراد

Полный текст (554 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كلمات عن مشروع فقه العصر وموسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر الحمد لله رب العالمين بما يليق به من المحامد، عدد ما يحب أن يحمد الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، حمدًا لا ينقطع لا دنيا ولا أخرى، نحمدك، ونستعينك، ونستهديك، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، والصلاة والسلام على الرسول الكريم أفضل صلاة وسلام ما دامت السموات والأرض. اللهم اغفر لنا ولوالدينا ومشايخنا وذرياتنا ولمن له حق علينا والمسلمين أجمعين. أما بعد: فهذا جزء من موسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر. التي هي معلم من معالم مشروعنا التجديدي الذي أسسناه مشروع: فقه العصر. وهذ المشروع من أهم أهدافه التجديد في تقديم فقه الكتاب والسنة ومشروع الإسلام للعالم، بمعالمه وأصوله التي تجري فيه جريان الحياة في الجسد. الرحمة العالمية والعدل والإحسان، لا البغي والفحشاء والمنكر. الحكمة والموعظة الحسنة في الخطاب والدعوة. التيسير لا التعسير في الفتوى والتسهيل، لا التساهل.

стр. 2

التعاون على البر والتقوى، لا على الإثم والعدوان. التعارف الإنساني والكرامة، لا التقاطع والفتنة. وقد أطلقت هذا المشروع رسميًا عام ٢٠١٢ م، وإن كنت أعلنت عنه قبل ذلك. وأسست قبل ذلك مؤسسة العصر خدمة لهذا المشروع. وموسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر تأتي ضمن هذا المشروع وتشمل عموم الحياة الإنسانية. وهي تفصيل وتأصيل وتنزيل، بعد أن قدمنا فقه العصر في متن فقه خلاصي معلل مدلل في كتاب: (المقدمة في فقه العصر) التي حوت خمسة وعشرين بابًا جديدًا. هي: الفقه الوظيفي، الفقه الطبي، فقه الدعوة، فقه الأقليات، فقه الدولة، فقه المال العام، فقه السمع والطاعة، فقه المؤسسة العسكرية والأمنية، فقه المؤسسة التعليمية والتربوية، فقه المجتمع المدني والقبيلة، فقه البيئة والصحة العامة، فقه المرور والسير، فقه السياحة، فقه الشباب، فقه اللهو والترفيه، فقه الإعلام، فقه الفن، فقه التكنولوجيا، فقه الطفل والولد، فقه المرأة، فقه حقوق الإنسان، فقه اليتيم، فقه الجهاد، فقه الأموال والاقتصاد المعاصر، لوحات من فقه النفس والحياة .. أما موسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر: أولا: موسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر، التعريف: موسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر عمل فقهي وفكري تجديدي فريد، وموسوعي يدرس قضايا الحياة المعاصرة في مختلف الأبواب، ويسبر مفرداتها ويؤسس لها قواعد وأصول وضوابط وفروع نابعة من الشريعة.

стр. 3

تنطلق من الكليات إلى الكليات. ومن الكليات إلى الجزئيات. ومن الجزئيات إلى الكليات. ومن الجزئيات إلى الجزئيات. ثانيا: لماذا موسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر؟ في حياتنا المعاصرة برزت تحديات كبرى أمام المنظومة الفقهية والفكرية في التشريع الإسلامي، تشكلت بصور متعددة من خلال تساؤلات واستفهامات عن إمكانية الشريعة وواقعيتها ومدى مرونتها أمام الحوادث المستجدة في عصرنا. وظهر من خلال ذلك تحديات تتمثل في التشكيك فيها، وصولا إلى محاولة هدم أصولها وثوابتها، وظهور موجات الإلحاد، ومنظومة الشهوات والشبهات. والشريعة الإسلامية لا تتعامل مع ردود الأفعال كمنهجية بل كجزء من المنهجية فقط وفي أمور محددة. لأن منهجيتها بنائية شاملة لكل شؤن الحياة فهي تبني الحياة بمنهج متكامل لا بمجرد ردود عن إثارات وشبهات هنا أو هناك. ومن هنا انطلقت موسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر لتبني فقه حياة معاصرة من خلال الأصول الكبرى من كتاب وسنة وما عاد إليهما من إجماع وقياس قام على تعليل الشريعة ومقاصدها وقواعدها ومصالحها الكبرى. وفي نفس الوقت تجيب عن تساؤلات الحياة المعاصرة وإشكالاتها وتتعامل مع التحديات الكبرى المعاصرة التي تواجه الفقه الإسلامي

стр. 4

وتدرسها وتبين أحكامها بما يقدم للعالم رؤية الإسلام لأكبر قضايا العصر وأبرزها التي أشكلت على المجتمع العالمي والإنساني والعلمي والفكري. كمجال الفقه الإنساني والحقوقي والمجتمعي وفقه المرأة والطفولة والأسرة، وفقه الشرائح الضعيفة وحقوق الإنسان وأسواق المال وتعقيداتها، والدولة والعلاقات الدولية والأممية سلمًا وحربًا. وفقه الأركان الكبرى بدءا بالرسالة ومرتكزاتها وموقفها من قضيا الفكر والتكفير والتعايش والدعوة والإيمان. والفقه المهني وحقوقه ومسائله ونظرة الإسلام إليه في مختلف حقول المهنة والعمل وغير ذلك. ثالثا: أهداف الموسوعة. ١_ تقديم منهج الإسلام العظيم إلى الأمة والعالم في صورة تلامس الواقع والحياة والإنسان في منظومة تشريعية مرتبطة بمهمة الاستخلاف الرباني للإنسان؛ لعمارة الأرض وعبادته وحده، وتواجه بذلك تحديات العصر الفكرية والمعرفية وتجيب عن تساؤلاته وشبهاته. ٢_ دراسة قضايا الحياة المعاصرة من خلال تأسيس منهجية تأصيلية جديدة مبتكرة للفقه الإسلامي، تنطلق من التأصيل الكلي والجزئي إلى التنزيل، من الكليات في الكتاب والسنة إلى الجزئيات، ومن الجزئيات إلى الكليات، من الواقع إلى النص، ومن النص إلى الواقع. ٣_ إعادة النظر الفقهي تأصيلًا إلى أصوله الكبرى من الكتاب، والسنة والإجماع، والقياس الصحيح، والمقاصد، والمصالح والقواعد الكبرى. وتنزيلًا إلى محددات دقيقة تعطي التصور الكامل للواقع المعاصرة. ٤_ بناء العقلية الفقهية الاجتهادية القادرة على النظر والاستدلال في الفقه المتقدم والمعاصر. ٥_ الكشف عن منهجية فقهاء الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة

стр. 5

والظاهرية والفقهاء المجتهدين دراسة وتحليلًا بعيدًا عن التعصب والجمود. لإعادة استثمار هذه المنهجية في النظر الفقهي المعاصر في مستجدات حياتنا، فنكون قد استفدنا من هذه المنهجية الاجتهادية ومنتوج المنهجية بدلًا من أخذ إنتاجهم جاهزًا في كل المسائل على الإطلاق، لمعالجة الواقع به بدون النظر إلى السياق الزماني والواقعي والأصول التي انطلقوا منها. وتجيب بذلك عن تساؤلات كثيرة تتعلق بتعليل ما ذهبوا إليه وكيف ذهبوا. رابعا: أقسام الموسوعة ومفرداتها الكلية. موسوعة معالم الاجتهاد في فقه العصر هي المرحلة الثانية في خطة مشروع فقه العصر التجديدي، التي تفصل المسائل وتعيد بناءها وفق منهجية علمية فقهية دقيقة وتربط الفقه المتقدم والمعاصر بالأصول في لوحة فقهية معرفية زاهية. وتم تقسيمها إلى إحدى عشر قسمًا، تتكتل فيها جميع الأبواب موزعة كالتالي: وسأذكرها بشكل كلي. القسم الأول: خارطة النظر الفقهي تأصيلًا وتنزيلًا وتشمل الأصول الحاكمة للتأصيل الفقهي المتقدم والمعاصر من قواعد التأصيل الكلي، والأسئلة التأصيلية الخمسة؛ لتحقيق النظر في كل مسألة، والمحددات العشرة الضابطة لفقه واقع النازلة وأسس النظر في فقه العصر القائم على أصول وتقعيدات وقصود. ومنها القواعد الأم للفقه الإسلامي وتفعليها المعاصر. والمقاصد وأثرها في المستجدات الفقهية. والكتل الأصولية الفاعلة في الاستنباط وغير ذلك.

стр. 6

القسم الثاني: الأركان الكبرى ونوازلها المعاصرة. ويشمل هذا القسم: الإيمان: أصوله وتأصيله وبناؤه وإشكاليات العصر وكيفية معالجاتها. الإلحاد، التشكيك بالثوابت، محاربة الحديث، التكفير والردة، الأديان والعلاقة بينها. وأهم الفرق المعاصرة والأفكار والأيدولوجيات، الحاكمية. الشبهات والشهوات. الصلاة ووسائلها: الأصول، المقاصد، الفروع، مستجدات العصر. الزكاة: مقاصدها، أصولها، قواعدها، فروعها، تنزيلها المعاصر. الصيام: التأصيل الكلي والجزئي، المقاصد والأسرار، والأهداف، كيفية بناء فقه العصر. الحج: الأهداف، والمقاصد، التأصيل الكلي، والفروع، والمستجدات المعاصرة في ضوء ذلك. القسم الثالث: فقه الحاجيات الأساسية والتحسينات الحياتية. ويشمل: فقه الغذاء الحلال والأمن الغذائي والمائي. فقه الزينة واللباس والجمال. فقه اللهو والترفيه. فقه السياحة والسفر. القسم الرابع: فقه المرأة والأسرة والطفولة. ويشمل ما يتعلق بالأسرة، والمرأة، والطفولة، والأبناء.

стр. 7

القسم الخامس: فقه المجتمع المدني والقبلي والإنساني ويشمل: الفقه الإنساني ومهمات الاستخلاف وقوانين الاستخلاف، والسنن الإلهية في الحياة. فقه البيئة والسكن والعمارة والحضارة الإنسانية. المجتمع والقبلية، والأصل الإنساني الواحد والأنساب والشعوب. الطبقية المجتمعية، والموازين النسبية والقبلية والمهنية. الحقوق المجتمعية، والأواصر القربى والرحم والشبكة المجتمعية في القرآن والسنة. العلاقات الأممية والإنسانية، والتعايش المجتمعي بين البشرية. فقه الشباب. فقه اليتيم والشرائح الضعيفة. الفقه الإنساني وحقوق الإنسان مقارنًا بقانون حقوق الإنسان. القسم السادس: فقه الدعوة وأصولها من الكتاب، والسنة ووسائلها. ويشمل فقه الدعوة والجماعات الدعوية والطرق المسلكية والخلاف وآدابه القسم السابع: فقه المجتمعات المسلمة في الغرب. ولم أُسَمِّهِ الأقليات؛ فهي تسمية تحجم من أهل الإسلام. القسم الثامن: الفقه المهني والتكنولوجي. ويشمل: فقه الصحة والطب. الفقه الوظيفي.

стр. 8

فقه الإعلام. فقه الفنون. فقه التكنولوجيا. القسم التاسع: فقه الأموال والاقتصاد ويشمل: القوانين الستة الكبرى لضبط باب الأموال. الأموال العالمية الخمسة وأحكامها، نقد، وسهم، وعين، وحق، ومنفعة. النظام المالي، كنظام الاستثمار والسوق والتملك، ونظام الحفظ والتوثيق .. وغير ذلك .. القسم العاشر: فقه الدولة. ويشمل: التأصيل، المقاصد القواعد، أسس الحكم، ماهية الدولة، الحاكم، ومؤسسات الدولة وسياساتها التعددية، المؤسسة الشوروية. فقه المؤسسة الأمنية والعسكرية والجهاد والمقاومة. فقه العلاقات الدولية، فقه الحقوق والحريات، فقه السمع والطاعة. فقه المؤسسة القضائية. فقه الجرائم والعقوبات. فقه المال العام. فقه التربية والتعليم. فقه المرور والسير. القسم الحادي عشر: فقه الأخلاق والآداب. ويمكن أن ندمج بعض الأقسام، أو نفصل بعضها إن اقتضى الأمر.

стр. 9

ونحن نعمل في هذه الموسوعة منذ زمن، مع الشغل الوظيفي، وعدم التفرغ لمثل هذا العمل سوى في العطل السنوي. ولولا عون الله وتوفيقه ما صنعنا شيئًا، وأسأل من الله أن يمن عليَّ بتمام هذا المشروع، ويقر عيني برؤيته، وينفع به الإسلام، ويجري علي أجره بلا انقطاع في الدنيا والآخرة. وأسأل الله أن يخلص لنا العمل والنية إنه اللطيف الرحمن الرحيم، وأن يتجاوز عن الخطأ والزلل ويغفر الذنوب إنه كان غفارًا.

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فقه الصيام المقاصد، التأصيل الكلي والجزئي، الدلالة والتفريع، البناء الفقهي المتقدم والمعاصر. الصيام فرض وركن من أركان الإسلام، دل عليه الكتاب والسنة، وأجمع على ذلك أهل الإسلام. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة (١٧٨)]. ومن السنة ما رويناه في صحيح البخاري: حدثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان: عن عكرمة بن خالد، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان﴾ (١). وأحكامه مبينة بنصوص القرآن والسنة، وما هو راجع إليهما من إجماع، وعلل، ومقاصد، وقواعد، وله أحكام مستجدة معاصرة تؤخذ من تلك الأصول. وسنبين كيفية استنباط ذلك كله، ومأخذ مسائل العصر من هذه المعالم الدليلية من دلالة ومعنى ومقاصد. ونكشف مناهج الفقهاء في التعامل مع النصوص، ومعانيها، وأبعادها؛

стр. 11

ليكون دربة للناظر وتنمية لمهارات الاستنباط وتكوينًا للملكة الفقهية الاجتهادية. وعلى هذا فالكلام على الصيام سينتظم في فصول: • الفصل الأول: مقاصد الصيام وتأصيله الكلي وكيفية بناء أحكامه. • الفصل الثاني: في الشروط والأركان وما يتعلق بها من الأصول والتفريع المتقدم والمعاصر. • الفصل الثالث: في المبطلات وتأصيلها وبيان منهجية المذاهب في استنباطها وتقسيمها إلى ثلاث مراتب دلالية. • الفصل الرابع: المفطرات المعاصرة من الصورة إلى الحكم. • الفصل الخامس: زكاة الفطر ومستجداتها. • الفصل السادس: في أحكام متعلقة بشهر رمضان وما يتعلق بها من المسائل المعاصرة (زكاة الفطر _ القيام والتراويح _ الاعتكاف _ ليلة القدر_ وغير ذلك).

стр. 12

الفصل الأول مقاصد الصيام وتأصيله الكلي وكيفية بناء أحكامه وفيه مبحثان: المبحث الأول: في المقاصد المتعلقة بالصيام. المبحث الثاني: التأصيل الكلي لفقه الصيام وكيفية بنائه.

стр. 13

المبحث الأول: في المقاصد المتعلقة بالصيام الكشف عن مقاصد التشريع في التكاليف الشرعية يعتبر روح التشريع، وسرُّهُ، والغاية من وضعه. وهذه المقاصد ليست كالنظر الفقهي الفروعي الذي يتعلق بتحرير المصححات، والمبطلات ظاهرًا، بغض النظر عن الجانب الجزائي، والقبول عند الله والمقاصد التي قصد الشرع وضع هذه التكاليف لأجلها. فالمقاصد تخدم تصحيح العمل، وتقويمه، ظاهرًا وباطنًا، وقبوله عند الله -سبحانه-، وتخدم العلل، والغايات الكبرى التي لأجلها وضع التشريع. والمقصود الأكبر من جميع العبادات تحقيق العبادة لله وحده بما شرع، قال تعالى عن علة الخلق ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات (٥٦)]. وهذه العبادة العظيمة لها مقاصد وضعها الشرع لا بد من بيانها في مطلع الكلام على فقه الصيام؛ لأن المقاصد كاشفة عن مراد الله ورسوله من هذه العبادة العظيمة. وفهم مراد الله في العبادة يثمر السير على تلك المقاصد لتحقيق رضاه سبحانه. وبالتتبع لنصوص الكتاب، والسنة وعللهما، يمكن أن نقسم هذه المقاصد إلى ثلاثة أنواع: ١ - مقاصد الشرع في الصيام من جهة الدلالة. ٢ - مقاصد الشرع في الصيام من جهة الكيفية والماهية.

стр. 14

٣ - مقاصد الشرع في الصيام من جهة الغايات والأهداف والأسرار. أما النوع الأول: فراجع إلى خطاب التكليف الذي نزل في هذه العبادة، ودلالاته المفهومة من اللسان العربي .. فالشرع إنما وضع الشريعة؛ للإفهام بلسان عربي مبين، فهذه الدلالات اللسانية مقصودة شرعًا. لذلك تؤخذ الأحكام من هذه الدلالات مباشرة. (١) ومن خلال هذه الدلالات وسياقاتها، يتبين أن الشرع قصد إفهامنا أن هذا شرط، وهذا ركن، وهذا مبطل، وهذه رخصة. لأن الركن والشرط ما أدى تركه إلى عدم وجود الكيفية الشرعية للعبادة التي هي ماهيتها، وهذا مؤد إلى بطلان العبادة. ودلالة النص الشرعي على ذلك يكون بجعل العبادة مركبة من هذه الأمور. ففي الصوم قال سبحانه: -بعد إباحة الجماع والأكل والشرب إلى الفجر- ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة (١٨١)] فعلمنا أن الصيام المأمور به هو: الامتناع عن هذه الثلاثة الأشياء. وأن هذا مقصود الشرع بلفظ الصوم. إذا فما هي دلالة الأكل والشرب والرفث في اللسان العربي الذي وضعت الشريعة به كما دلت السنة على بطلان صوم الحائض والنفساء، فدل على أنه مانع صحة يجب خلو العبادة الشرعية منه، وعلى هذا بقية الدلالات. كما أن اللفظ المحتمل لمعنيين مقصود وضعه هكذا؛ لينزله الفقيه على واقعه المعين وفق دلالة وينزله آخر في واقع آخر، وفقه الدلالة الأخرى.

стр. 15

فكل لفظة وتركيب وسياق وضعه الله في كتابه بحكمة بالغة؛ للإفهام بما تقتضيه لغة العرب ولسانها. لذلك فالمفطرات من جماع وأكل وشرب، قصد الشرع إفهامها بما يدل عليه اللسان. وقصد إفهامنا بما نستطيع من تصور لمنافذ المفطرات من البدن. وعلى هذا تنبني أمور: ١ - أن الألفاظ التي في آيات الصوم وأحاديثه تعتبر مناطات وعلل للأحكام وفق قانون اللغة، فالصوم، والإطاقة، وشهود الشهر، والمرض، والسفر، وتوجه الخطاب إلى المؤمنين، والرفث ليلة الصيام، والأكل، والشرب، وتبين الفجر، وقوة الخطاب عمومًا وخصوصًا، ونصًا، وظهورًا، وإطلاقًا، وتقييدًا، ومفهومًا. كل هذه الألفاظ يجب أن تؤخذ من دلالة لسان العرب. ٢ - لما كان الصحابة هم أهل السان وجب النظر إلى تعاملهم مع هذه المفاهيم، وتطبيقهم لها بين يدي النبي ﷺ وبعده. ٣ - ملاحظة منهجية الفقهاء بعد الصحابة، سواء التابعون أو المذاهب الخمسة في التعامل مع النص وتنزيله، وهل هذه المنهجية من دلالة اللغة، أم القياس، أم الإجماع، أم من الدلالة العرفية؟. ٤ - وضع التصور لمحل المفطرات من الجوف، والدماغ، والمنافذ العلوية، والسفلية التي تكلم عنها فقهاء المذاهب الخمسة في سياق زمن كان هذا هو تكليفهم المطلوب؛ لأن هذا هو ما في وسعهم من التصور في دخول الغذاء إلى البدن. ووجود تصور جديد في عصرنا متزامن مع التطور العلمي هو تكليفنا في هذا العصر، وليس عليهم تبعات الاجتهاد المعاصر المبني على ذلك فهم مصيبون، وما قام به النظر الفقهي المعاصر المبني على اختلاف التصور جذريا صواب.

стр. 16

وباعث الفقهاء هو تحقيق مقصود الشرع في الكيفية لهذه العبادة فكان تحديد محل الإفطار جزء من هذه الماهية الضرورية. وعلى ما تقدم: فمن ألحق بالجماع مثلًا الإنزال بنظر أو تفكر لم يلحقه من دلالة اللغة الظاهرة؛ لأن الجماع معروف ما هو، ولم يلحقه بدلالة لفظ الرفث في الآية الشامل للجماع ومقدماته؛ لأن الإنزال بنظر أو تفكر غير ذلك، وإنما ألحقه بالمقاصد التي تدل عليها هذه اللفظة. لأن من أنزل المني بشهوة عمدًا بفكر أو بنظر، أو مس عضوه، خالف مقصود الشرع من ترك الشهوة. لأن النهي عن الرفث إلى النساء يشمل من حيث اللفظ الجماع ومقدماته، لولا أن السنة خصت القبلة ونحوها فبقي الجماع بالإجماع. فما حكم من أنزل بغير جماع عمدًا؟ هنا يأتي دور المقاصد في تحديد الحكم. لأن المقصد من النهي عن الرفث هو ترك الشهوة المتعلقة بالزوجة، سوى ما رخص من القبلة ونحوها، فمن أنزل بشهوة عمدًا فقد خالف مقصود التشريع. وعلى هذا بنى الفقهاء فتاواهم. وخالف ابن حزم؛ لأنه رأى أن الإنزال بملاعبة الزوجة، أو النظر إليها مباح؛ لأن النهي عن الجماع فقط. ووردت السنة باستثناء القبلة ونحوها، فكان ما ترتب على هذا الاستثناء مباح. هذا حاصل كلامه فلم يلاحظ المقصود. وهذا المقصود منصوص عليه في الحديث: ﴿يترك طعامه وشرابه من أجلى﴾ (١). والخلاف في فهم مقصود الشرع ليس جديدًا، أو بدعًا من القول؛ بل

стр. 17

حصل بين الصحابة خلاف في بني قريظة حين قال لهم النبي ﷺ : ﴿من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة﴾ (١). ففهم أناس ظاهر اللفظ، وفهم أناس أن المراد من اللفظ هو السياق الذي لأجله قيل فيه، وهو أن المقصود هو الإسراع فلم يخطئ هؤلاء ولا هؤلاء. ودلالة السياق والحال أسلوب في اللسان العربي. لذلك كان نزول الآيات في سياق معين يفسر بعض فقه النص التزيلي لا أنه لا تفسير له إلا من خلال سياق النزول، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. والصحابة العرب الأقحاح لما سمعوا الآيات ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة (١٨١)]، فهموا الأكل والشرب المعروف، وكل ما أكل وشرب على وجه العادة، أو الندرة، ولو كان ورق شجر، أو ثمرة نادرة، يشمله عموم هذا النص. فكل سائل مشروب مقصود في اللفظة ولو سمًا، وكل أكل مقصود في اللفظة ولو ورق شجر، وقد أكل الصحابة ورق الشجر في بعض الغزوات. ولم يفهموا أن قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة (١٨١)] أي كلوا الطعام، والشراب، والحصى، والحديد، والتراب ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة (١٨١)] عن الأكل من طعام، وشراب، وحصى، وخشب، وحديد، وطعنة نافذة إلى الجوف، وإدخال قسطرة في إحليل. فهذا خارج عن مقصود اللفظ العربي ووضعه للإفهام، لا من دلالة لفظية، ولا سياقية، ولا مفهوم، ولا منطوق، ولا تضمن، ولا مطابقة، ولا التزام، ولا عموم، ولا نص، ولا ظهور، ولا اشتراك، ولا ترادف.

стр. 18

والدليل على ذلك أمران: الأول: ما اتفقت عليه القواميس العربية في تحديد الأكل والشرب. ولم ينص قاموس حرفا واحدا أن الطعنة النافذة أو إدخال الاصبع في قبل أو دبر أو شم البخور يشمله معنى الأكل والشرب. الثاني: لم ينقل عن أحد من الصحابة قول ذلك، ولا الإفتاء به وهم أهل اللغة. وما ظهر هذا إلا بعد جيل الصحابة والتابعين، وقد تتبعت هذا طويلا من زمن الصحابة فمن بعدهم لأرى تطور الفتوى وتوسعها في المفطرات فما وقفت في عصرهم على ذلك كما سيأتي. إذن فلم تثبت النصوص ذلك، ولا دلالاتها، ولا الإجماع، ولا عمل الصحابة، ولم يبق سوى القياس. والقياس هنا من النوع الخفي، ومنه خفي موغل في الخفاء، فقياس البخور على الأكل والشرب غريب جدًا، وقياس دخان القدر، وقياس من وضع على رأسه الحناء فوجد طعمه في حلقه. ومن القياس الخفي من بلع حديدًا أو حصاة أفطر. ومنه قياس الكحل على الأكل والشرب؛ ولضعفه وخفائه اختلف فيه بعد زمن الصحابة والتابعين، ومقصودنا هنا التمثيل لا تحقيق الأقوال، فإن لها فصولًا مستقلة ستأتي (١)، وسنبين هناك النقول من الصحابة إلى التابعين إلى المذاهب الخمسة وغيرها.

стр. 19

لذلك حصل الإجماع على الإفطار بكل مأكول أو مشروب له مدخل في التغذية؛ لأن مبناه وفق قصد الشرع في وضع اللغة العربية أداة للإفهام. واختلف في غيره؛ لأن مبناه على معان يمكن أن تلحق بالأكل والشرب، بوجوه خفية غير ظاهرة، فوجه إلحاق الحصاة والحديد _إن قلنا أن ذلك_ كونه إن دخل إلى الجوف قيل أكل ترابًا وأكل حديدة وسلمنا ذلك. لكن هل يقال أكل أو شرب بخورًا أو غبارًا؟ أو أكل أو شرب طعنة بسكين في جوفه. أو أكل أو شرب أصبعه حيث أدخلها في دبره أو إحليله. فالإشكال باق على كل وجه. وقد اختلفوا في تحرير الاستدلال فمنهم من قال: «والصيام هو الإمساك عن كل شيء» (١)، فأرجع القول إلى معنى الصوم لغة، ولا يساعده ذلك لا لغة ولا عرفًا ولا شرعًا. فإن الصوم الشرعي ليس الإمساك عن كل شيء؛ لأنه يجوز له كل شيء من كلام، وعمل، وبيع، وشراء، ولا يحرم عليه سوى الأكل والشرب، والجماع، فيكون: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة (١٨١)] راجع إليها وهو محل النزاع. ومنهم من استدل بعموم الأكل والشرب. قال ابن قدامة: «ولعل من يذهب إلى ذلك يحتج بأن الكتاب، والسنة إنما حرما الأكل والشرب، فما عداهما يبقى على أصل الإباحة. ولنا دلالة

стр. 20

الكتاب، والسنة على تحريم الأكل والشرب على العموم، فيدخل فيه محل النزاع» (١). وهذا يشمل كل أكل وشرب ويرد عليه أن الكحل والطعنة وإدخال الأصبع وإدخال أنبوب في الإحليل لا يسمى أكلًا ولا شربًا. وإن قلنا إنه القياس والعلة؛ لأنها عين دخلت الحلق والبطن قيل إن القياس هذا خفي غير مسلم لذلك اختلف في تنزيله فالحنفية لا يفطرون بما دخل ولم يتحلل ولم يستقر والمالكية لا يفطرون بما دخل من دبر وهو صلب لم يتحلل واختلفوا في الإفطار بغير المغذي في المذهب. والظاهرية لا يفطرون بأي شيء من هذا وابن تيمية كذلك (٢). وثم خلاف شديد في تحرير هذا القياس؛ لخفائه، لذلك كان القول بعدم حجية هذا النوع من القياس قوي. والحاصل من هذا أن الشريعة قصدت في وضع التشريع الإفهام بما يدل عليه لسان العرب، ولم تقصد التوسع، فكل توسع في المفطرات خرج عن قانون اللغة وعن المقصود الشرعي علمنا أنه ضعيف. النوع الثاني: مقاصد الشرع في فعل العبادة من جهة الكيفية والماهية وما يتعلق بها من النظر والتفريع. نتكلم هنا عن مقاصد الشرع في فعل العبادة بكيفية معينة وهو متعلق بماهية العبادة التي قصد الشرع أن تقام بهذه الكيفية. فالكيفية مقصودة للشرع؛ ومن خلالها يتم تحقيق الأمر الذي هو التعبد

стр. 21

لله بهذه الكيفية المعينة، ولو لم تكن الكيفية والماهية العبادية مقصودة، لكان لكل شخص أن يصلي، ويصوم، ويحج، ويبيع بما يرى من كيفية وماهية. ومقصده الأعظم في العبادة تحقيق العبودية بكيفية مخصوصة في الصيام وهي ترك الشهوة البطنية والفرجية في نهار رمضان. والعبودية مصرحة في الآية: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة (١٧٨)]، وترك المأكول والمشروب وشهوة الفرج مصرح به في النص القرآني، وجاء النص النبوي يؤكد ذلك، وهو ما رويناه من طريق البخاري قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿الصيام جنة، فلا يرفث ولا يجهل، وإن امرؤ قاتله أو شاتمه، فليقل إني صائم مرتين والذي نفسي بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها﴾ (١). وهذا المقصد المحدد مقصد عبادي محض تتعلق به ماهية الصيام، فمن خرمه بشيء من الشهوة البطنية، أو الفرجية فقد بطل عمله. وما يحقق المقصد هو ترك تناول الطعام والشراب بكل أنواعه معتادا أو غير معتاد، غذاء أم دواء. كما سيأتي تحقيقه. وهذا المعنى المقاصدي هو الذي يحقق مقصود الشرع من الصيام ويحقق ما يبطله مما لا يبطله. ولما كانت الشريعة طالبة لمقاصدها على وجه الكمال مهما استطاع المكلف. رام الفقهاء من المذاهب تحقيق هذا المقصد على كماله ولعل هذا ما يفسر لنا التوسع الكبير في القول بالمفطرات.

стр. 22

وهناك سبب جوهري آخر لهذا التوسع، هو التصور الحقيقي للمنافذ الموصلة إلى محل الإفطار في البدن وهو الجهاز الهضمي. وللأمانة العلمية، وبعد التتبع التام لأسرار التعليل الفقهي الحامل لهم على ذلك، تبين لي أن تصورهم في هذه المنافذ وأنها توصل إلى المعدة له الأثر الكبير في بناء الفقه في هذا الباب. فهذه المنافذ ما دامت توصل إلى المعدة فستؤثر على مقصد الشرع من منع دخول كل مأكول أو مشروب إليها. وهذا يحتاج فقط إلى تصحيح تصوري بوسائل الطب الحديث. ولكن الذي خرج عن مقصد الشرع في ترك الشهوة البطنية والفرجية ما قيل في بعض الأعيان المفطرة، فمن أكل زجاجا أو بلع حجارة فهو مفطر. لأن العلة هي دخول عين جوفًا، ثم طردوا الباب حفاظًا على العلة، لأن العلل يجب أن تكون مطردة فكان من أدخل في إحليله أو دبره ولو أصبعه فهو مفطر، والتي تركب اللولب الرحمي المنظم للحمل مفطرة، مع أنه لا تعلق لذلك بأكل ولا شرب ولا معناه لا لغة ولا عرفًا، ولا مناسبة بين العلة وبين الحكم. فأصبح الحفاظ على العلة بابًا للتضييق على المكلف، وخرجت في بعض الفروع عن مقصود الشرع في التعبد بترك الشهوة البطنية والفرجية. وتحصيل العلة الأصولية في المفطرات: - منه ما هو من تحقيق المناط وهذا النوع لا خلاف فيه لأنه مجرد تنزيل اسم الأكل والشرب والمفطرات على الحالة المعينة. - ونوع آخر هو تنقيح المناط ويحصل في تطبيقه اختلاف في النتيجة فبعضهم يرى العلة كذا وبعضهم يراها كذا. كما في على كفارة من جامع في رمضان؛ حيث ذهب البعض إلى أن العلة الجماع في نهار رمضان، والبعض إلى أن العلة انتهاك رمضان بتعمد الإفطار في الجملة.

стр. 23

- ونوع ثالث تحصيل العلة بطريق استنباط المناط وهو اجتهاد الفقيه في إيجاد معنى مناسب يظن أنه العلة بقوانين معينة في الأصول مختلف في كثير منها في نوع استنباط المناط. ولو أعمل في باب الصيام تحصيل العلة من النوع الثالث بالاستنباط مع ملاحظة النظر المقصدي؛ لأدى إلى الوصول إلى تعليل مناسب فيكون قويًا في التعليل. ولأدى إلى حذف كثير من هذه المفطرات وجعل العلة محددة متماشية مع المقصد. كما أن علة الجوفية والعينية من أجناس العلل وهم يقولون فيها قولًا عظيمًا في الأصول، فصارت العلة غير متماسكة من جهات عديدة منها: - أنها مستنبطة وهذه المرتبة يحصل فيها خلاف كثير في تحصيل العلة. - ومنها أنها غير مناسبة في كثير من الصور. - ومنها أنها جنس علة في جنس حكم، وهو نوع بعيد في التعليل. فالعين الداخلة جنس علة شاملة لكل شيء من الأعيان، والجوف جنس شمل كل جوف فصارت العلة كل عين تدخل الجوف. وهذا جنس واسع في جنس الحكم وهو الإفطار. لأنه شامل للإفطار بجماع أو أكل وشرب أو حجامة. وتعليل الجنس في الجنس من نوع المناسب وهو مع كلام فيه، يشترط له المناسبة وهي غير موجودة في كثير من الصور، فما هي المناسبة في القول بأن البخور يفطر الصائم، وما هي المناسبة في أن إدخال اللولب للمرأة يفطر صومها. لهذا ومن خلال هذا المقصد العظيم نستطيع أن نجزم بتحديد مفسدات الصيام التي تعود بالإبطال على هذا المقصد، وهو عبادة الله بترك الشهوة البطنية والفرجية.

стр. 24

ونقول مطمئنين بإخراج الفروع والصور الغريبة التي ابتعدت عن المقصد بل خرجت عنه وأخلت به وأخلت بمقصد التيسير إلى التعسير والمشقة. وقد بلغت المفطرات عند بعض المذاهب ستين نوعًا لا يقدر عموم المكلفين على فهمها ولا حفظها ولا التوقي منها. ولو طبقنا هذه المفطرات جميعًا على كل فرد لما خلا فرد من شيء منها، وانظر فقط إلى شريحة المرضى، فقطرة العين وقطرة الأذن تكفي لإبطال صوم ملايين على هذه الفتوى. أما مسألة من بلع الحصاة أو أكل زجاجًا فهي خارجة أصلًا عن العادة البشرية؛ لأن من فعلها عمدًا فهو إما مريض نفسي، أو مجنون، وهذا لا تكليف عليه. ولا تكاد تجد في العالم مسلمًا يفعل ذلك، إلا إن بلع حصاة خطأ فهذا عفو. فكيف يجعل مناطًا للحكم وهو منعدم في هذه الدائرة، والشريعة جارية مجاري العادات، ومبنية على ذلك. فإدراك مقصد الشريعة في الصيام بكيفية معينة وهي التعبد بترك الشهوة البطنية والفرجية نهار رمضان. يفتح لنا معيارًا محددًا للفتوى خاصة المعاصرة. وقد أحسنت المجامع الفقهية أيما إحسان في قرارها في المفطرات وهو متسق مع مقاصد الشرع في الصيام وخادم له يدور مع معاني النصوص وتعليل الأحكام. النوع الثالث: مقاصد الشرع في الصيام من جهة الغايات والأهداف والأسرار وما يتعلق بها من الفقه: وهي تنقسم قسمين: مقاصد أصلية، ومقاصد متممة. ف القسم الأول: هو مقصد التقوى وهو منصوص عليه صراحة في آية الصيام. فبلوغ درجة التقوى هدف أكبر

стр. 25

من أهداف الصيام؛ لأنها تحقق المقصود الأعظم من الخلق المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. والتقوى هي رأس العبادة، ويمكن تعريفها أنها: القيام بأوامر الله بحذافيرها، واجتناب ما حرم بحذافيره، والتورع عن الشبهات. ولأجل تحقيقها شرع في الصيام شرائع وتكاليف من التزمها رُجِيَ له أن يبلغ هذا المنزلة العظيمة. وعلقت بالرجاء لذلك: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] فمنها ترك اللغو والرفت والجهل وعموم صيانة اللسان والجوارح وقد دلت عليه النصوص البينة الثابتة من السنة فمنها ما رويناه من طريق البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: ﴿الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي الصِّيَامُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا﴾ (١). وهذا الحديث تعلقت به أحكام عديدة في هذا الباب فمنها: ١ - أن الصيام ستر ومانع لصاحبه من الآثام والذنوب ومن النار وقد صرحت روايات عديدة أنه جنة من النار (٢). ٢ - وفيه تحريم الرفث على الصائم وهو الجماع في الأصل ويشمل مقدماته، لكن ثبت أنه ﷺ كان يقبل ويباشر وهو صائم، وكان أملككم لإربه، وسيأتي في محله ويدخل في الرفث الكلام الفاحش (٣)، فلا يجوز للصائم ذلك.

стр. 26

٣ - وفيه منع الصائم من الجهل، وأفعال الجهال، من صياح، وسفه. ٤ - وفيه تحريم المقاتلة والمشاتمة حال الصوم، ومعنى المقاتلة يطلق على اللعن وقد يراد حقيقتها، فعلى الصائم أن يقول له مرتين أني صائم حتى ينزجر. ٥ - وفيه اختصاص ثواب الصيام من دون العبادات أن الله خبأ أجرها فقال: ﴿الصيام لي وأنا أجزي به﴾ (١)، أي لما فيه من الإخلاص والبعد عن الرياء، فهو عبادة شخصية سرية لا يطلع عليها إلا الله، فمن صبر وصام وأخلص نال هذه المنزلة. ٦ - وفيه أن من مقاصد الصيام الكف عن الشهوات، والمقصود الجماع وشهوة النساء، ويدخل فيه الشهوات الأخرى، فإن الصوم يمنعه من الانتصار لنفسه ورد من سابه ويمنعه مما يشتهي من مأكل ومشرب. ٧ - وفيه أن خُلوف (بضم الخاء) فم الصائم -وهي رائحته الناتجة عن الصيام- أطيب عند الله من ريح المسك، وهذا مطلق فيشمل في الدنيا والآخرة، وقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة (٢). والحاصل أن الصيام يضبط الشخص ويهذب شهواته بتركها وبترك الرفث من القول المتعلق بالشهوات، وأصلح له خلقه فأمره بترك الجهل وأخلاق الجهال، وعلمه ضبط نفسه والتحكم في غضبه، فأمره أن يقول: (إني صائم) لمن شاتمه وسبه. هذا مع ترك شهوة البطن والفرج ومع تمكن الإخلاص من الصيام. لهذا فهو مدرسة عظيمة للسير إلى الله والترقي في درجاته. وثم مصفوفة تكليفية من قيام، وتراويح، وتلاوة للقرآن، وصدقات،

стр. 27

وصلاة، وزكاة الفطرة، والترغيب الشديد في إفطار الصائم، كل هذه تشكل مطلوبات وسيلية لخدمة المقصد الكبير للصيام، وهو تحقيق التقوى. وإنما نص الله تعالى عليها هدفًا ومقصدًا للصيام بالنص لا بمجرد الاستنباط الفقهي؛ حتى يلاحظها المكلف في سائر صيامه تدريبًا له على استغراق أوقاته في لزومها. وبما أنها مقصد منصوص فعلى الفقيه أن يلاحظها في فتاواه في مسائل الصيام، فلا يخرج المكلف إلى التساهل؛ بل يفتيه في هذا الباب بما يحقق مقصد التقوى. والمقاصد المنصوصة هاديات للفقيه، وضابطات لمنهجيته في الفتوى في باب معين وفي كل باب، وانظر إلى باب الأموال وقوله تعالى: ﴿كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَا ءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] فإن هذا المقصد يجب تحقيقه في منازل الفتوى في باب الأموال. والمقصود في باب الأسرة حماية المجتمع، ونظافته، وعفته، وحماية عرضه، ونسله ووجوده، وهكذا في كل باب. فالنص على المقصود هاد للمكلف وللمفتي. القسم الثاني: المقاصد المتممة لمقصد التقوى: ١ - مقصد تقويم أخلاق النفس وتهذيبها وتعليمها الصبر والضبط. وهذا المقصد مفهوم من النصوص التي كسرت الشهوة الانتقامية والغضبية، فحرمت رد المشاتمة والمقاتلة بنص صريح: ﴿وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم مرتين﴾ (١).

стр. 28

ومنعت النفس من أخلاق الجاهلين وكلامهم فقال ﴿فلا يرفث ولا يجهل﴾ (١). والمقصود من هذا يصب في إطار مقصد كبير من مقاصد البعثة ﴿إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق﴾ (٢). وبالتتبع تبين لي أن تكليفات الشرع إما تقويمية، أو تتميم، أو إنشاء، أو إلغاء، فكل الشريعة لا تخرج عن هذا. ففي الأخلاق جاء ليتممها. ومن تقويمه للعوج ما كان قد دخل على بعض أنواع التدين من عوج لذلك نص في الحديث على: ﴿وتقيم الملة العوجاء﴾ (٣). أما الإنشاء فهي أحكام جديدة وتشريعات مستجدة، سواء كان في باب الواجب، أو الحرام، أو غيره. أما الإلغاء فهو إلغاء الشيء من أصله، كهدمه للشرك، والربا، وكثير من الأمور الجاهلية المنحرفة.

стр. 29

وقد يقال: بأي ميزان جعلت القسم الثاني متمما. وجوابه: إن منهجية التشريع في القرآن في العبادات أن كل ما شرع لها من تكليف أمرا ونهيا، فهو داخل في ماهيتها، محقق لها، لا تقوم إلا به هذا الأصل إلا أن يرد صارف. فعلمنا أن الصيام كف عن الطعام والشراب والجماع، لأن الأمر والنهي انصب عليه، وبهذا تبين أن الشرع قصد التعبد بترك شهوتي البطن والفرج في نهار رمضان. كما أنه نص على أن الغاية والمقصد الأكبر للصوم هو تحقيق التقوى. وسائر ما تعلق بالصيام من أمر ونهي أخلاقي وغيره راجع إلى تحقيق التقوى فهو المقصد الغائي الأكبر وسواه متمم له. وقد ذهب أبو محمد ابن حزم إلى بطلان الصيام بالمعاصي وجعلها داخلة في الماهية، مستدلًا بما في صحيح البخاري، قال: حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : ﴿مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ﴾ (١). ٢ - مقصد تلاوة القرآن وتدبره. ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة (١٧٩)]. يستدل بهذه الآية على أن نزول القرآن كان في شهر رمضان وجاء هذا المعنى في آيات أخرى، في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان (٣)]

стр. 30

وهي ليلة القدر، كما صرح بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر (١)] وهذه الليلة من شهر رمضان، كما ثبت في الصحاح من ذلك ما في المسند عن واثلة بن الأسقع عن النبي ﷺ : أنه قال: ﴿أنزلت صحف إبراهيم ﵇ في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان لأربع وعشرين خلت من رمضان﴾ (١). ولما كان هذا الشهر هو شهر القرآن كان من مقاصده تلاوة القرآن ومدارسته، كما يدل عليه فعله المستمر ﷺ الثابت في الصحيح: عن ابن عباس، قال: ﴿كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة﴾ (٢). وقد كان النبي ﷺ : يطيل القراءة في قيام الليل فقد أخرج مسلم ﴿عن حذيفة؛ قال: صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة. فافتتح البقرة. فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى. فقلت: يصلي بها في ركعة. فمضى. فقلت: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها. ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلا. إذا مر بآية

стр. 31

فيها تسبيح سبح. وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر بتعوذ تعوذ. ثم ركع فجعل يقول "سبحان ربي العظيم" فكان ركوعه نحوا من قيامه. ثم قال "سمع الله لمن حمده" ثم قام طويلا. قريبا مما ركع. ثم سجد فقال "سبحان ربي الأعلى فكان سجوده قريبا من قيامه﴾ (١). قلت: وفي حديث ابن عباس من الفوائد والمسائل. - أن رسول الله ﷺ أجود الناس؛ لأنه جعله أجود من الريح المرسلة ولا يكون أجود من الريح المرسلة إلا من لا يساويه في الجود أحد. - وفيه دليل على زيادة العمل الصالح في الأوقات المباركة كرمضان، فقد زاد ﵊ من الجود، والعمل الصالح. - وفيه أن الجود في رمضان له فضل على غيره لذلك زاد فيه ﷺ في هذا الشهر، وإخراج الزكاة فيه داخل في هذا الفضل. - وفيه أن الجود من الصفات العلية؛ لذلك كان الجود من خلقه ﷺ . - وفيه مشروعية الصدقة حين مدارسة القرآن، وملاقاة الصالحين، والجود بأنواع الجود؛ لذلك كان أجود ما يكون حين يلقاه جبريل لمدارسة القرآن. - وفيه مدارسة القرآن في رمضان. - وفيه عرضه على المتقن. - وفيه أن مدارسة القرآن غير تلاوته في القيام، فهي سنة مستقلة. - وفيه مدارسة القرآن جماعة. - وفيه أن الليل أولى لمدارسة القرآن؛ لما فيه من الخصوصية. قال ابن رجب: وفي حديث ابن عباس أن المدارسة بينه وبين جبريل كان ليلًا يدل على استحباب الإكثار من التلاوة في رمضان ليلًا، فإن الليل

стр. 32

تنقطع فيه الشواغل، ويجتمع فيه الهم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦] وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقد قال ابن عباس ﵄: أنه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في ليلة القدر، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا﴾ [الدخان: ٣] وقد جاء عن عبيد بن عمير: ﴿أن النبي ﷺ بدء بالوحي ونزول القرآن عليه في شهر رمضان﴾ (١). انتهى. وتحقيقا لهذه المقصد من زمن الرسالة إلى يومنا، جرى عمل الأمة على الاجتهاد في رمضان في تلاوة القرآن، سواء كان في الصلاة الليلية في التراويح، أو على الانفراد، وفي هذا السياق تأتي مسابقات القرآن وتلاواته على وسائل الاعلام المختلفة. وكان العلماء يتركون حلقات العلم الشرعي للتفرغ للقرآن ومدارسته. وقد صح في الموطأ قال: أمر عمر بن الخطاب أبي بن كعب وتميما الداري أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة قال: وقد «كان القارئ يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر» (٢) وثبت: أنهم كانوا يربطون الحبال بين السواري ثم يتعلقون بها (٣). وعند الفريابي بسند صحيح قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا وكيع، عن

стр. 33

سفيان، عن عاصم بن سليمان، عن أبي عثمان، أن عمر بن الخطاب، «دعا ثلاثة قراء في شهر رمضان، فأمر بأسرعهم قراءة يقرأ ثلاثين آية وبأوسطهم أن يقرأ خمسا وعشرين آية، وأمر بأطولهم أن يقرأ عشرين آية» (١) وفي الموطأ عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: سمعت أبي يقول: «كنا ننصرف في رمضان، فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر» (٢) وكان التابعون يقرأون بالبقرة في ثمان ركعات في التراويح. ففي الموطأ: حدثني عن مالك، عن داود بن الحصين، أنه سمع الأعرج يقول: «ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان» قال: «وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف». (٣) قال ابن عبد البر: «والأعرج أدرك جماعة من الصحابة وكبار التابعين وهذا هو العمل بالمدينة» (٤) ومعنى لعن الكفرة أي الدعاء عليهم في قنوت الوتر وسيأتي في محله. وقال أبو داود في السنن: حدثنا مسدد، نا يزيد بن زريع، نا داود بن أبي هند، عن الوليد بن عبد الرحمن، عن جبير بن نفير، عن أبي ذر، قال: «صمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقم بنا شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام

стр. 34

هذه الليلة، قال: فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام الليلة، قال: فلما كانت الرابعة لم يقم. فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، قال: قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور، ثم لم يقم بنا بقية الشهر» (١) قلت: هذا إسناد صحيح. قال ابن خزيمة: وفي قوله ﷺ : «من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلته» دلالة على أن القارئ والأمي إذا قاما مع الإمام إلى الفراغ من صلاته كتب له قيام ليلته، وكتب قيام ليلة، أفضل من كتب قيام بعض الليل " (٢) قال ابن رجب: وهذا يدل على أن قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة، لكن مع الإمام وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث، ويصلي مع الإمام حتى ينصرف ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام. وقال بعض السلف: من قام نصف الليل فقد قام الليل. وقال أبو داود: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرنا عمرو، أن أبا سوية، حدثه، أنه سمع ابن حجيرة، يخبر عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين﴾ «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين»، قال أبو داود: «ابن حجيرة الأصغر عبد الله ابن عبد الرحمن ابن حجيرة» (٣)

стр. 35

قلت: هذا إسناد مسلسل بالمصريين الثقات، إلا أبا سوية ذكره بن حبان في الثقات، وقال الحافظ صدوق. وقد ذكر ابن رجب ما كان عليه السلف من تلاوة القرآن في شهر رمضان (١): وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع منهم قتادة وبعضهم في كل عشرة، منهم أبو رجاء العطاردي. قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهويه كم يقرأ في قيام شهر رمضان؟ فلم يرخص في دون عشر آيات فقيل له: إنهم لا يرضون؟ فقال: لا رضوا. فلا تؤمنهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من البقرة، ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة يعني في كل ركعة. وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات. وسئل الإمام أحمد عما روي عن عمر كما تقدم ذكره في السريع القراءة والبطيء فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيما في هذه الليالي القصار وإنما الأمر على ما يحتمله الناس.

стр. 36

وقال أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى اقرأ خمسًا، ستًا، سبعًا، قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين. وقد روى الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس كان يقرأ خمس آيات، ست آيات، وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم. وقاله أيضًا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. فقد كانوا يتلون القرآن في شهر رمضان، في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان. وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث. وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة. وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.

стр. 37

وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه. وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة، كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان. وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره (١). قال النووي: «ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلًا ونهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، وقد كانت للسلف ﵃ عاداتٌ مختلفةٌ في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعةٌ منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثماني ليالي ختمة، وآخرون في كل سبع ليالٍ ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف، وآخرون في كل ستّ ليالٍ، وآخرون في خمس، وآخرون في أربع وكثيرون في كل ثلاث ختمة، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة، وختم جماعةٌ في كل يوم وليلةٍ ختمتين .. وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح، أنّ مجاهدًا ﵀، كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان» (٢) قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون،

стр. 38

ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون. قال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه، يشير إلى سهره وطول تهجده (١). ٣ - المقصد المجتمعي: ومن مقاصد شهر رمضان أنه شهر تجتمع فيه الأمة على هدف واحد، وفعل واحد، ومناسك وأفعال وعبادات وقرآن وصدقات وقيام وتهجد وإفطار وعمرة وتواصل بين المجتمع. فرمضان من أعظم الشهور التي يبرز فيها هذا الجانب الهام. ومن مقاصد الشريعة حفظ الجماعة والألفة والاجتماع وأحكامها وتشريعاتها تدل على ذلك، كصلاة الجماعة والجمعة والعيد والصيام والحج والعمرة وغير ذلك. واختص شهر رمضان بالكثير من هذه التشريعات التي تخدم هذا المقصد. بدأ بِتَرَائي الهلال، ومرورًا بالصيام والقيام والإفطار والصدقات والعمرة الرمضانية، وانتهاء بعيد الفطر المبارك. لذلك أمر فيه الشرع بالخروج إلى مكان بارز لصلاة العيد؛ لإظهار شعيرة الله في فعل مجتمعي عام يخرج فيه الرجل والمرأة حتى الحائض، كما رويناه في صحيح البخاري قال: حدثنا محمد هو ابن سلام قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن حفصة قالت: ﴿كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة، فنزلت قصر بني خلف، فحدثت عن أختها، وكان زوج أختها غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ست، قالت:

стр. 39

كنا نداوي الكلمى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي ﷺ : أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها، ولتشهد الخير ودعوة المسلمين. فلما قدمت أم عطية سألتها: أسمعت النبي ﷺ ؟ قالت: بأبي نعم، وكانت لا تذكره إلا قالت بأبي، سمعته يقول: يخرج العواتق وذوات الخدور، أو العواتق ذوات الخدور، والحيض، وليشهدن الخير، ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحيض المصلى. قالت حفصة: فقلت: الحيض؟ فقالت: أليس تشهد عرفة، وكذا وكذا﴾ (١). ٤ - المقصد الصحي: وثم مقصد صحي متعلق برعاية البدن وقوته، فالصيام كما أنه يبلغ بالعبد درجة المتقين يبلغ به درجة الأصحاء بشكل أثبتته الدراسات (٢)، وهو مشمول بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فهذه الخيرية شاملة لمعان الإيمان والتقوى وحفظ البدن. وعلى هذا فالصيام راجع إلى تحقيق مقصد العبودية، ومقصد الدين، بتحقيق التقوى ومقصد حفظ الأبدان. وكما يلزم لتحقيق مقصد التقوى، من تَعَبُّدَاتٍ ومجاهداتٍ وقيمٍ وأعمالٍ وَسِيْلِيَّةٍ تخدمه وتوصل إليه، كذلك يلزم لخدمة مقصد حفظ الأبدان أن لا يقوم المكلف بما يعود على هذا المقصد بالإخلال والإبطال. لهذا كان من السنة الإفطار على الرطب أو التمر كما في حديث أنس بن مالك قال: " كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن

стр. 40

رطبات، فتمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء (١). أخرجه أحمد وقال الدارقطني «هذا إسناد صحيح» وهذا الهدي النبوي لما في الرطب والتمر من الفوائد للصائم عند فطره، فلزوم هذا السنن وعدم الإسراف في المآكل يورث هذا المقصد الصحي الهام. ولحفظ هذا المقصد رخص للمريض والمسافر لما تلحقه من المشقة ورخص للكبير الذي لا يقدر على الصوم ورخص للحامل والمرضع حفاظًا عليهما وعلى ولدهما. فدل هذا على تأكيد مقصد صحة البدن في الصيام، وهو راجع إلى المقصد الأكبر وهو حفظ النفس. ٥ - مقصد المغفرة. ومن مقاصده غفران ذنوب الأمة وحدد لهذا نسقات ثلاثة: ١ - نسق الخاصة وهم من قام ليلة القدر. ٢ - النسق الوسط وهم من قام رمضان. ٣ - نسق الأمة كلها وهم من صام رمضان. وكلها مقيدة بأن تكون على وجه الإيمان والاحتساب لله. فمن فاته نسق أدرك الآخر، ولن يخرج أحد من الأمة من جميع هذه النسقات إلا من ترك الصيام جملة. يدل لذلك ما في صحيح البخاري: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ﴿مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ﴾ (٢) ولتحقيق هذه المقاصد العظيمة سهل الله طريق الصيام، فجعلها أيامًا
следующие страницы →