← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 30079

فقه الصيام ومستجداته المعاصرة

فضل مراد

Полный текст (554 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال أحمد لبعض أصحابه وكان يصلي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى اقرأ خمسًا، ستًا، سبعًا، قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين. وقد روى الحسن: أن الذي أمره عمر أن يصلي بالناس كان يقرأ خمس آيات، ست آيات، وكلام الإمام أحمد يدل على أنه يراعي في القراءة حال المأمومين، فلا يشق عليهم. وقاله أيضًا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم. فقد كانوا يتلون القرآن في شهر رمضان، في الصلاة وغيرها، كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان. وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث. وكان قتادة يختم في كل سبع دائمًا وفي رمضان في كل ثلاث وفي العشر الأواخر كل ليلة. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة. وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزهري إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام. قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان يفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. قال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري: إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن. وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أول النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت.

стр. 37

وقال سفيان: كان زبيد اليامي إذا حضر رمضان أحضر المصاحف وجمع إليه أصحابه. وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان خصوصًا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر أو في الأماكن المفضلة، كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتنامًا للزمان والمكان. وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدل عمل غيرهم كما سبق ذكره (١). قال النووي: «ينبغي أن يحافظ على تلاوته ليلًا ونهارًا، سَفَرًا وحَضَرًا، وقد كانت للسلف ﵃ عاداتٌ مختلفةٌ في القدر الذي يختمون فيه، فكان جماعةٌ منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في كل ثماني ليالي ختمة، وآخرون في كل سبع ليالٍ ختمة، وهذا فعل الأكثرين من السلف، وآخرون في كل ستّ ليالٍ، وآخرون في خمس، وآخرون في أربع وكثيرون في كل ثلاث ختمة، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة، وختم جماعةٌ في كل يوم وليلةٍ ختمتين .. وروى ابن أبي داود بإسناده الصحيح، أنّ مجاهدًا ﵀، كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء في كل ليلة من رمضان» (٢) قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس نائمون،

стр. 38

ونهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون. قال محمد بن كعب: كنا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه، يشير إلى سهره وطول تهجده (١). ٣ - المقصد المجتمعي: ومن مقاصد شهر رمضان أنه شهر تجتمع فيه الأمة على هدف واحد، وفعل واحد، ومناسك وأفعال وعبادات وقرآن وصدقات وقيام وتهجد وإفطار وعمرة وتواصل بين المجتمع. فرمضان من أعظم الشهور التي يبرز فيها هذا الجانب الهام. ومن مقاصد الشريعة حفظ الجماعة والألفة والاجتماع وأحكامها وتشريعاتها تدل على ذلك، كصلاة الجماعة والجمعة والعيد والصيام والحج والعمرة وغير ذلك. واختص شهر رمضان بالكثير من هذه التشريعات التي تخدم هذا المقصد. بدأ بِتَرَائي الهلال، ومرورًا بالصيام والقيام والإفطار والصدقات والعمرة الرمضانية، وانتهاء بعيد الفطر المبارك. لذلك أمر فيه الشرع بالخروج إلى مكان بارز لصلاة العيد؛ لإظهار شعيرة الله في فعل مجتمعي عام يخرج فيه الرجل والمرأة حتى الحائض، كما رويناه في صحيح البخاري قال: حدثنا محمد هو ابن سلام قال: أخبرنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن حفصة قالت: ﴿كنا نمنع عواتقنا أن يخرجن في العيدين، فقدمت امرأة، فنزلت قصر بني خلف، فحدثت عن أختها، وكان زوج أختها غزا مع النبي ﷺ ثنتي عشرة، وكانت أختي معه في ست، قالت:

стр. 39

كنا نداوي الكلمى، ونقوم على المرضى، فسألت أختي النبي ﷺ : أعلى إحدانا بأس إذا لم يكن لها جلباب أن لا تخرج قال: لتلبسها صاحبتها من جلبابها، ولتشهد الخير ودعوة المسلمين. فلما قدمت أم عطية سألتها: أسمعت النبي ﷺ ؟ قالت: بأبي نعم، وكانت لا تذكره إلا قالت بأبي، سمعته يقول: يخرج العواتق وذوات الخدور، أو العواتق ذوات الخدور، والحيض، وليشهدن الخير، ودعوة المؤمنين، ويعتزل الحيض المصلى. قالت حفصة: فقلت: الحيض؟ فقالت: أليس تشهد عرفة، وكذا وكذا﴾ (١). ٤ - المقصد الصحي: وثم مقصد صحي متعلق برعاية البدن وقوته، فالصيام كما أنه يبلغ بالعبد درجة المتقين يبلغ به درجة الأصحاء بشكل أثبتته الدراسات (٢)، وهو مشمول بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. فهذه الخيرية شاملة لمعان الإيمان والتقوى وحفظ البدن. وعلى هذا فالصيام راجع إلى تحقيق مقصد العبودية، ومقصد الدين، بتحقيق التقوى ومقصد حفظ الأبدان. وكما يلزم لتحقيق مقصد التقوى، من تَعَبُّدَاتٍ ومجاهداتٍ وقيمٍ وأعمالٍ وَسِيْلِيَّةٍ تخدمه وتوصل إليه، كذلك يلزم لخدمة مقصد حفظ الأبدان أن لا يقوم المكلف بما يعود على هذا المقصد بالإخلال والإبطال. لهذا كان من السنة الإفطار على الرطب أو التمر كما في حديث أنس بن مالك قال: " كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي، فإن لم يكن

стр. 40

رطبات، فتمرات، فإن لم يكن تمرات حسا حسوات من ماء (١). أخرجه أحمد وقال الدارقطني «هذا إسناد صحيح» وهذا الهدي النبوي لما في الرطب والتمر من الفوائد للصائم عند فطره، فلزوم هذا السنن وعدم الإسراف في المآكل يورث هذا المقصد الصحي الهام. ولحفظ هذا المقصد رخص للمريض والمسافر لما تلحقه من المشقة ورخص للكبير الذي لا يقدر على الصوم ورخص للحامل والمرضع حفاظًا عليهما وعلى ولدهما. فدل هذا على تأكيد مقصد صحة البدن في الصيام، وهو راجع إلى المقصد الأكبر وهو حفظ النفس. ٥ - مقصد المغفرة. ومن مقاصده غفران ذنوب الأمة وحدد لهذا نسقات ثلاثة: ١ - نسق الخاصة وهم من قام ليلة القدر. ٢ - النسق الوسط وهم من قام رمضان. ٣ - نسق الأمة كلها وهم من صام رمضان. وكلها مقيدة بأن تكون على وجه الإيمان والاحتساب لله. فمن فاته نسق أدرك الآخر، ولن يخرج أحد من الأمة من جميع هذه النسقات إلا من ترك الصيام جملة. يدل لذلك ما في صحيح البخاري: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: ﴿مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ﴾ (٢) ولتحقيق هذه المقاصد العظيمة سهل الله طريق الصيام، فجعلها أيامًا

стр. 41

معدودات، ورخص للمريض والمسافر على ما يأتي من تفاصيل، وسلسل الشياطين، وفتح أبواب الخيور والجنان وسد أبواب النيران والشرور، وجعل فيه ليلة القدر، وغير ذلك من الفضائل. فعن أبي هُرَيْرَةَ ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ﴿إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ﴾ (١). ٦ - مقصد الدعاء: ومن أهداف الصيام: التعريف بالله تعالى ورحمته بعباده وقربه منهم لذلك، وإجابته لدعواتهم. فقال في آيات الصيام: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦] وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿«ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين﴾ (٢).

стр. 42

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 43

قال الترمذي: هذا حديث حسن وقال ابن الملقن: «هذا الحديث صحيح» (١). وفي هذا فرصة عظيمة لكل مؤمن أن يفتح ملف الدعاء ليعرضه بين يدي ربه في خلواته وصلواته ويومه وليلته، ولشيوع الدعاء بين الأمة أثر في دفع مصائبها سواء المصائب التي تنزل بالفرد أو الجماعة، والملاحظ من حديث الصخرة (٢) أن المؤثر كان دعاء الجماعة لدفع مصيبة نزلت بهم جميعًا،

стр. 44

فالمصائب النازلة بالأمة يؤثر فيها دعاء الأمة، ولهذا شرع الدعاء الجماعي في النوازل في الصلوات قنوتا. ٧ - مقصد إحياء الليل بالقيام والتهجد. إحياء الليل بالصلاة في شهر رمضان مستفيض بالنصوص عن النبي ﷺ قولًا وفعلًا وتقريرًا، وعن أصحابه في زمنه وزمن الخلفاء جماعة وفرادى، وجمعهم عمر ﵁ على إمام واحد وتواتر العمل في الأمة بهذه السنة العظيمة إلى يومنا هذا. والدليل على هذا حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه، قال ابن شهاب: فتوفي

стр. 45

رسول الله ﷺ والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر ﵄﴾ (١). ومعنى احتسابا أي: مخلصًا لله (٢). وعن عائشة ﵂، زوج النبي ﷺ : ﴿أن رسول الله ﷺ صلى، وذلك في رمضان﴾ (٣). وعن عائشة ﵂: ﴿أن رسول الله ﷺ خرج ليلة من جوف الليل، فصلى في المسجد، وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلى فصلوا بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس، فتشهد، ثم قال: أما بعد، فإنه لم يخف علي مكانكم، ولكني خشيت أن تفترض عليكم فتعجزوا عنها. فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك﴾ (٤).

стр. 46

فهذا قوله وفعله وفعل أصحابه وكانوا يصلون مفرقين وجماعات فلما جاء عمر في خلافته جمعهم على إمام واحد. فعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: ﴿خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله﴾ (١). وعن النعمان بن بشير، قال على منبر حمص: ﴿قمنا مع رسول الله ﷺ ، ليلة ثلاث وعشرين في شهر رمضان إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا معه ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قام بنا ليلة سبع وعشرين حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح، قال: وكنا ندعو السحور الفلاح، فأما نحن فنقول: ليلة السابعة ليلة سبع وعشرين، وأنتم تقولون: ليلة ثلاث وعشرين السابعة، فمن أصوب نحن، أو أنتم﴾ (٢) قلت: سنده صحيح. وقد سبق أن رسول الله ﷺ صلى بهم جماعة ثم ترك؛ خشية أن تفرض عليهم، فلما زالت العلة رأى عمر أن يجمعهم على إمام واحد. ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك وفيهم عثمان وعلي وفقهاء الصحابة ﵃. واستمر العمل زمن عثمان وزمن علي إلى عصرنا هذا. فهو من العمل المتواتر في الدين.

стр. 47

وقد فصلت القول في أحكام ذلك وفقهه ونوازله وكل ما يتعلق بهذا المقصد في الفصل الخامس. ٨ - مقصد الجود والإنفاق: وقد تقم أنه ﵊ كان في رمضان أجود من بالخير من الريح المرسلة. ففيه اختصاص رمضان بمزيد من الجود والإنفاق في سبيل الله. وفائدة معرفة المقاصد أن يلاحظها الفقيه في الفتوى والتوجيه وأن يلاحظها المكلف في العمل وأن يلاحظها المجتهد في الاجتهاد والتنزيل. فالفتاوى والاجتهادات المتعلقة بأحكام رمضان يجب أن تخدم هذه المقاصد وإلا صارت فروعًا جوفاء جامدة غير واقعية. ومن هنا نستطيع أن نعلم الفروع العملية الخادمة لهذه المقاصد والفروع التي تخدم التكاثر المنهجي بلا فائدة ولا عمل في واقع التكليف.

стр. 48

المبحث الثاني: التأصيل الكلي لفقه الصيام وكيفية بنائه ينبني كتاب الصيام على أدلة نصوصية كلية وجزئية من القرآن والسنة وعلى الإجماع وأدلة قياسية وكليات قواعدية منصوصة. أما الأدلة الكلية فهي متعلقة بالأهلية وأصل التكليف، وهي عامة في كل باب وتبنى عليها الشروط وهي من القرآن والسنة. أما من القرآن فقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقوله تعالى في سياق آيات الصيام: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فيأخذ الفقيه من النص الأول في باب الصيام أن المكلف إن لم يستطيع الصوم أبدًا فلا تكليف عليه، لذلك أجمع العلماء على أن الشيخ والمرأة العاجزين عن الصيام لا يجب عليهما؛ لهذا الأصل التشريعي الكلي العام. وإنما اختلفوا في الإطعام؛ نظرًا لتردد دلالة النص في آية الصيام ولبقائه أو نسخه كما سيأتي. ويأخذ من الآية الثانية خصوص التيسير في الصيام لأنها سيقت في آيات الصيام. مع أن الشريعة مبنية على التيسير لأدلة كثيرة منها: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وغيرها لكن ذكر هذا الأصل في آيات الصيام دليل على عناية الشرع باختصاص الصوم بذلك، ومثل هذا اختصاص الحج بحديث:

стр. 49

﴿افعل ولا حرج﴾ (١)، ليدل على اختصاص الحج بمزيد رفع الحرج؛ لما يلحق المكلفين فيه من مشقات. وهذا من رحمة الله -سبحانه- وفضله علينا. وهذه الآية ساقها الله تعليلا لتخفيفه عن المريض والمسافر، فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة﴾ [البقرة: ١٨٥] فهذه العلة لها حكم بالغة. لذلك سيأتي الكلام على إفطار من أصابه ضرر بالغ بالصوم كمن يعمل في البلدان الحارة في الصيف ولا يجد مصدرًا لرزق أسرته إلا هذا فلا يستطيع تركه ولا الإجازة منه، ويلحقه بالصيام في الشمس والحر ضرر في بدنه فهل يلحق بالمريض؟ الجواب إن بلغ حد المرض أعطي حكمه. وسيأتي النظر فيه، إنما مقصودنا هنا كيفية انتزاع الأحكام من أصول الأحكام. ثم ذكر في ختام الآية علة مقصدية وهي: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة﴾ [البقرة: ١٨٥] وهي تشير إلى أن المقصود من التخفيف والتيسير رعاية الحفاظ على الشريعة. فلوا لم تشرع هذه التخفيفات لأدى إلى ترك البعض للصوم ولفات عليه مقاصد هذه العبادة على وجه الكلية لذلك شرع الله لمن له عذر من مريض وسفر ومرضع وحامل أن يقضي متى ارتفع عنه الحرج. وأما الأدلة الكلية من السنة فمن ذلك الحديث الصحيح، عن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ﴾. قال أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: "وَعَنْ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ" (٢).

стр. 50

فهذا أصل كلي حاكم على الشريعة في التكليف مجمع عليه. فيؤخذ منه هنا أنه يشرط للتكليف بالصوم العقل فلا تكليف على مجنون ولا صبي لا يعقل ويشرط له البلوغ. وهذا الأصول الكلية تدخل في كل أبواب التكليف. الأصول النصوصية الجزئية في كتاب الصوم: أما النص الجزئي الحاكم لمسائل الصيام من القرآن فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦) أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٧]. وهذه الآيات بني عليها استنباط الشروط والأركان والمبطلات والرخص الدائمة والطارئة والمقاصد. فأصول أحكام الصيام وفروعه مبنية عليها. أما النص من السنة الجزئية: فمما تعلق بالأركان والشروط والمبطلات: حديث الحجامة والقيء

стр. 51

وتبييت النية وكيفية إثبات دخول الشهر والطهارة من حيض ونفاس، وستأتي نصوصها جميعًا. كيفية أخذ الشروط من النصوص على وجه الكلية: أما بيان كيفية أخذ ذلك على وجه الكلية من هذه النصوص: فقوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ … الآيات .. [البقرة: ١٨٤] يؤخذ منه اشتراط الإسلام والعقل والبلوغ والصحة والإقامة ودخول الوقت. وهذه شروط في الصوم وهي مما لا خلاف فيه في الجملة. و شرط الصحة: - هو الإسلام والعقل ودخول وقت الصوم، وهذه من القرآن. - وشرط الطهارة من مانع الحيض والنفاس، وهذا الشرط من السنة. - أما شروط وجوب الأداء فالبلوغ والصحة والإقامة، وهذه من القرآن. وأما كيفية أخذ ذلك من النص: أما شرط الإسلام: فإن النداء اتجه لأهل الإيمان فخرج الكافر، وتخصيصه المؤمنين بالخطاب إما أنه مقصود أو غير مقصود، والثاني باطل؛ لأنه إن كان غير مقصود لزم إبطال دلالة اللفظ وهذا باطل خلاف اللغة وقوانينها وخلاف عادات الخطاب القرآني. فتبين أن الإيمان مقصود في التكليف بأداء الصوم. فشرط الصوم الإسلام ولا يصح من غير المسلم صوم. ومن الأدلة الكلية العامة على هذا الشرط: قوله -تعالى-: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٥٤]

стр. 52

وجه ذلك: - أنه علل عدم قبول عبادة الإنفاق في سبيله بعلة الكفر، فدل على أن الكفر مانع من قبول سائر العبادات. - ولأنه دين عبادي محض ويلزمه قصد خاص له، وهو كونه مخلصا لله. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ١١] وهذا لا يمكن من الكافر إلا بإسلامه. - وعدم القبول من الكافر عام في الدنيا والآخر؛ لقوله -تعالى-: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]. أما شرط العقل: فالخطاب التكليفي في هذا النص وفي كل نص إنما يكون للعقلاء؛ ليتم الفهم والامتثال. فلا يدخل المجنون والصبي الذي لا يعقل الخطاب. وثم أدلة كلية لهذا الأصل منها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولا وسع إلا بالعقل. و دليل من السنة الكلي العام: عن عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ﴿رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّغِيرِ حَتَّى يَكْبَرَ، وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ، أَوْ يُفِيقَ، قال أَبُو بَكْرٍ فِي حَدِيثِهِ: "وَعَنْ الْمُبْتَلَى حَتَّى يَبْرَأَ"﴾ (١). ويدل له قوله -تعالى-: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .. وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].

стр. 53

و أما شرط البلوغ: لوجوب الأداء فهذا الخطاب في الآية خطاب تكليف والتكليف يكون على البالغ فخرج غيره، ويدل له كذلك الحديث السابق. أما شرط الوقت: فهو مأخوذ من الآية بزمن معين وشهر معين هو شهر رمضان. أما شرط الطهارة من الحيض والنفاس: فهو مأخوذ من السنة المستفيضة التي عمل بها الصحابة وتواتر النقل العملي في الأمة بناء على النصوص من السنة. الأركان وكيفية استخراجها من النصوص: أما ركن الصوم فهو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. والمفطرات مأخوذة من الآية والسنة. أما أخذها من الآية فإن الله أحل للمسلم جماع زوجته في ليل رمضان إلى الفجر. وأحل الأكل والشرب عطفا عليه. ثم أمر بالصيام إلى الليل وهو الغروب فقال سبحانه: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٨]. والليل هنا الغروب قطعا؛ لأن الله أحل الجماع والأكل والشرب ليلة الصيام. فتبين أن الليل المقصود به في آخر الآية الغروب وهو أول لحظات الليل لأنه لما أذن بالأكل والشرب ليلًا في أول الآية وأمر بالصوم إلى

стр. 54

الليل فيقال أي ليل يلزمنا الإمساك وأي ليل يلزمنا الحل. فكان المغرب هو العلامة الفارقة القاطعة. ومن قال إنه إلى طلوع النجوم لأن الله سماه ليلًا في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا﴾ [الأنعام: ٧٦]، فقد قيد الليل بجزء منه؛ لأن اجتنان الليل معناه الإظلام الشديد وهو جز من الليل، وليس كل الليل. ولزمه أن يجيز الجماع والأكل والشرب في جزء من الليل هو مأمور بالإمساك فيه. لأن الليل محل الأكل والشرب وفي نفس الوقت مأمور بإتمام الصيام إلى الليل. فإما أن يميز هذا الجزء بشيء ضابط لا يختلف أو يميز بما يختلف. الثاني يؤدي إلى تكليف ما لا يطاق لأنه مأمور بالإمساك إلى الليل وحل له الجماع في الليل. وتقييده بالاجتنان والإظلام وطلوع النجم لا ينضبط بل يختلف من بلد إلى بلد ومن شخص إلى شخص ويختلف باختلاف المواسم والمناخ. فيكون الشرع قد ألبس على المكلفين حين أحل لهم ليل الصيام وفي نفس الوقت أمرهم بإتمام الصيام إليه. ولا يرفع هذا إلا بجعل الغروب هو الميزان المنضبط الذي يرى بالنظر وبالتقويم الفلكي الذي لا يختلف. هذا من جهة اللزوم، أما من جهة اللغة فالليل يبدأ من غروب الشمس في لغة العرب واستعمالهم وخاطبهم الله بما يعقلون. ولذلك أفطر النبي ﷺ بالغروب وأمر به وعمله أصحابه من بعده وهم أهل اللغة والبيان. فتبين بطلان هذا القول. وهو مروي عن بعض الفرق الشيعية. أما بقية المفطرات فمبنية على السنة وعلى القياس.

стр. 55

أما السنة فحديث الحجامة والقيء وتبييت النية. أما من القياس فكثير وسيأتي تفصيل كل هذا. فركن الصيام إذا الإمساك عن المفطرات في وقت معلوم. رخص الصيام في النظر الكلي: وأما ما بني على النص القرآني والنبوي من الأحكام الأخرى المتعلقة بالصوم فهي: الرخصة للمريض والمسافر بالنص في الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ [البقرة: ١٨٤]. وإيجاب القضاء عليهما. وألحق بالمريض من كان مثله كالحامل والمرضع، وهما لا تسميان مرضى في اللغة، إلا أن النظر الفقهي اقتضى الإلحاق بذلك؛ لأن المريض إن كان خفف عنه حفظًا للنفس ودفعًا للتهلكة والضرر عنها، كان دفع الضرر عن الحامل والمرض له نفس الحكم. هذا من جهة النظر القياسي، إلا أنه يلزم على هذا اطراد ذلك في عمال الطرقات الذين يجدون مشقة عظيمة من الصوم في رمضان وهو مقيم صحيح. وتعليق الأمر على الضرر علة لا تنضبط فتؤدي إلى الفطر وترك فريضة بما لم ينص عليه الشرع. وإنما رخص للحامل والمرضع لورود نص خاص بهما من السنة. ولأن بعض الصحابة قال إن أول آية الصوم في قوله -تعالى-: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] كانت في هؤلاء وثبتت فيهم. أما الكبير الذي لا يقدر عليه الصوم، فحكمه مأخوذ من نص كلي هو: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وهذا لا وسع له أصلًا؛ لذلك فهو غير مكلف. وهذا متفق عليه بين الجميع.

стр. 56

أما هل يطعم أم لا ففيه خلاف ناتج عن تحديد محل استنباطه من أي نص أو معنى أو أثر هو؟ فمن استنبطه من: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] قال يطعم، وعضد قوله بفعل وفتوى الصحابي. ومن رأى أنها نسخت، لم يكلفه بشيء عملًا بالدليل الكلي. وسيأتي بيان كل في الفصل التفصيلي. دليل الإجماع وتنزيله في مسائل الصيام على وجه كلي: أما محلات الإجماع في هذا الباب فأمهاتها (١): - أنهم أجمعوا أنه لا تراعي الرؤية فيما (بعد) من البلدان كالأندلس من خراسان، فكل بلد له رؤيته إلا ما كان كالمصر الكبير، وما تقارب من أقطاره من بلدان المسلمين. - وأجمعوا أنه من أصبح صحيحًا ثم اعتل أنه يفطر. - واتفق الجميع أن الحامل إذا خافت على ما في بطنها، والمرضع إذا خافت على ولدها لهما الإفطار. - اتفقوا على أن صيام نهار رمضان على الصحيح المقيم العاقل البالغ الذي يعلم أنه رمضان وقد بلغه وجوب صيامه، وهو مسلم وليس امرأة لا حائضًا ولا حاملًا ولا مرضعًا، ولا رجلًا أصبح جنبًا أو لم ينوه من الليل، فرض مذ يظهر الهلال من آخر شعبان إلى أن يتيقن ظهوره من أول شوال، وسواء العبد والحر والمرأة والرجل والأمة والحرة ذات زوج أو سيد كانتا بكرين أو ثيبين أو خلوين.

стр. 57

- واتفقوا على أن الأكل لما يغذي من الطعام مما يستأنف إدخاله في الفم والشرب والوطء حرام من حين طلوع الفجر إلى غروب الشمس. - واتفقوا على أن كل ذلك حلال من غروب الشمس إلى مقدار ما يمكن الغسل قبل طلوع الفجر الآخر. - وأجمعوا على أن لا شيء على الصائم فيما يزدرده مما يجري مع الريق مما بين أسنانه، فيما لا يقدر على الامتناع منه. - وأجمعوا على أن على المرأة إذا كان عليها صوم شهرين متتابعين، فصامت بعضا، ثم حاضت أنها تبني إذا طهرت. - وأجمعوا على أن للشيخ الكبير، والعجوز العاجزين عن الصوم أن يفطرا. - واتفقوا على أن الريق ما لم يفارق الفم لا يفطر. - واتفقوا على أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام أنه يجزئه. - واتفقوا على أن من آذاه المرض وضعف عن الصوم فله أن يفطر. - واتفقوا أن من سافر السفر الذي ذكرنا في كتاب الصلاة أنه إن قصر فيه أدى ما عليه فأهل هلال رمضان وهو في سفره ذلك فإنه إن أفطر فيه فلا إثم عليه. - واتفقوا أن من أفطر في سفر أو مرض فعليه قضاء أيام عدد ما أفطر ما لم يأت عليه رمضان آخر. - واجمعوا أن صيام يوم الفطر ويوم النحر لا يجوز. - وأجمعوا على أن الكافة إذا أخبرت برؤية الهلال أن الصيام والإفطار بذلك واجبان. - واتفقوا أن الهلال إذا ظهر بعد زوال الشمس ولم يعلم أنه ظهر بالأمس فانه لليلة مقبلة. - واجمعوا أن الحائض تقضي ما أفطرت في حيضها.

стр. 58

- وأجمعوا وأجمع من يقول على أن الحائض لا تصوم أن النفساء لا تصوم. - وأجمعوا أن من كان شيخًا كبيرًا لا يطيق الصوم أنه يفطر في رمضان ولا إثم عليه. - واجمعوا أنه لا يصوم أحد عن إنسان حي. - وأجمعوا أن الصيام يلزم من ذكرنا أن الأحكام تجري عليه. - وأجمعوا أن من تطوع بصيام يوم واحد ولم يكن يوم الشك ولا اليوم الذي بعد النصف من شعبان ولا يوم جمعة ولا أيام التشريق الثلاثة بعد يوم النحر، فإنه مأجور حاشا المرأة ذات الزوج. - واتفقوا على أنها إن صامت كما ذكرنا بإذن زوجها فإنها مأجورة. - وأجمعوا أن التطوع بصيام يوم وإفطار يوم حسن إذا أفطر يوم الجمعة والأيام التي ذكرنا. - وأجمعوا أن من صام قضاء رمضان أو كفارة يمينه أيامًا متتابعة أجزأه إذا صام ذلك في أول أوقات إمكان الصيام له. - وأجمعوا أن ليلة القدر حق وأنها في كل سنة ليلة واحدة. أما الأدلة القياسية: فمعلوم أن القياس حجة في العلل المنصوصة بأي وجه من النص أو التعليل المجمع عليه لأن الشرع إنما علل ليفهم منه أن وجود العلة معناه وجود ذلك الحكم. وهذا النوع هو القياس الصحيح الجلي؛ لأن علة الإسكار لو وجدت في شيء غير الخمر فله حكمه. وأما القياس الخفي فهو في العلة المستنبطة وهي التي يختلف فيها العلماء وفي طرق استنباطها.

стр. 59

وليس حجة بل يستأنس به إن كان قريبًا وهذا النوع يكثر في الفروع الفقيه فلا تجد مذهبا يستدل به إلا يعارضه المذهب الآخر بقياس مثله. والأقيسة في الصيام واسعة وقد ألحق العلماء بالأكل والشرب والجماع أنواعًا كثيرة. فمنها ما هي مساوية لمعنى المنصوص كإلحاق المغذيات المعاصرة بالأكل والشرب. ومنها ما هي قياس خفي كإلحاق ما ليس له مدخل في الغذاء على أي وجه بالأكل والشرب، كالحصى والنحاس والحديد. ومنها ما هو قياس أخفى مما تقدم وهو إلحاق المجهريات بالأكل والشرب كالبخور. ولذلك اجتهدت في تتبعها وتقسيمها إلى ثلاث نسقات كاشفة لمراتبها في الاستدلال والحجية وأودعتها الفصل الثالث من هذا السفر. وعلى هذا سيسير بحثنا في فقه الصيام. وسنتكلم من الجهة الصناعية عليها تباعًا في المباحث ومسائلها. فهذا هو البيان الكلي لفقه الصوم وكيفية أخذها. ولنذكر الآن ما يتعلق بالشروط والأركان من المسائل على وجه التفصيل تأصيلًا وتنزيلًا وما يتعلق بها من المستجدات المعاصرة وكيفية بنائها.

стр. 60

الفصل الثاني في الشروط والأركان وكيفية بنائها الفقهي المتقدم والمعاصر بالنظر إلى الشروط يمكن تقسيمها إلى: ما يتعلق بالوقت وما يتعلق بالقدرة وما يتعلق بالإسلام.

стр. 61

فما تعلق بالوقت يبحث فيه دخول الشهر وطرق إثباته وما استجد من الحساب الفلكي، وتحديد وقت الإمساك والإفطار ومسائل السفر على الطائرة مع رؤية الشمس للصائم والمصلي والسكن في الأبراج العالية وغير ذلك من النوازل. وما تعلق بالإسلام يتعلق بمسألة إسلام الكافر في نهار رمضان والردة وتقديم الطعام للكافر نهار رمضان في المطاعم الغربية، وغيرها .. وما تعلق بالقدرة يبحث فيه العقل وما يتعلق به من مسائل الإغماء الطويل والقصير، والصبي والقدرة من حيث الصحة والإقامة وأهل الرخص وأنوع ذلك ومسائلها المعاصرة. والكلام على الأركان يتعلق بركن النية وزمنها والإمساك عن المفطرات. وعليه فسيكون ذلك في أربعة مباحث: المبحث الأول: في شرط الوقت وطرق إثباته شهادة وفلكًا وما يتعلق به من المسائل المستجدة. المبحث الثاني: شرط القدرة وما يتخرج عليه من المسائل والتنزيلات المعاصرة. المبحث الثالث: شرط الإسلام. المبحث الرابع: ركن الصيام النية والإمساك عن المفطرات.

стр. 62

المبحث الأول: في شرط الوقت وطرق إثباته شهادة وفلكًا وما يتعلق به من المسائل المستجدة وفيه مطلبان: المطلب الأول: دخول الشهر وطرق إثباته. يشترط لصحة صيام رمضان دخول الشهر ودخوله يكون بطريقتين: الأولى: الرؤية. الثانية: إتمام العدة ثلاثين. فقوله : ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، (شهد) لها معنيان: الحضور، والعلم (١).

стр. 63

فيكون معنى الآية فمن كان حاضرًا غير مسافر وعلم بالشهر فليصمه. والعلم هنا إما بمشاهدته الهلال بنفسه أو بشهادة غيره. والأصل الذي تبنى عليه مسائل الرؤية أصول نصية من السنة النبوية. فعن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فقال: ﴿لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له﴾ (١). وعن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄، أن رسول الله ﷺ ، قال: ﴿الشهر تسع وعشرون ليلة، فلا تصوموا حتى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين﴾ (٢). وقد جاء التصريح بإكمال العدة في روايات بلفظ: ﴿فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين﴾ من حديث ابن عمر وأبي هريرة في الصحيحين (٣). وعائشة عند أبي داود (٤) وابن عباس عند الترمذي بسند صحيح (٥)، وحذيفة بلفظ: ﴿أو تكملوا العدة﴾ (٦)، وكلها صحاح ثابتة.

стр. 64

وعن عمر وعدي بن حاتم وجابر وأبي بكرة والبراء بن عازب وتدور بين الصحيح والصحيح لغيره (١). بل هو منقول عن الصحابة عن النبي ﷺ كما رويناه عن الإمام النسائي قال أخبرني إبراهيم بن يعقوب قال: حدثنا سعيد بن شبيب أبو عثمان وكان شيخا صالحا بطرسوس قال: أنبأنا ابن أبي زائدة، عن حسين بن الحارث الجدلي، ﴿عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب: «أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: ألا إني جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها، فإن غم عليكم فأكملوا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا»﴾ (٢) قال أبو زكريا: هذا إسناد صحيح متصل وزاد أبوداود "عدل" (٣). وأخرجه

стр. 65

الدارقطني بهذه الزيادة وقال: «هذا إسناد متصل صحيح» (١) والحاصل أن النص بإكمال العدة ثلاثين، في حال غم الهلال متواتر عن أصحاب النبي ﷺ وعليه إجماع الأمة سوى قول لأحمد في حالة الغيم، فإنه ذهب إلى القول بصوم يوم الشك. ومعنى انسكوا أي الدخول في العبادة إما الصوم أو شعيرة العيد. حكم تحري الهلال: حكم تحري الهلال مبني على أصل شرعي هو الأمر بالتكليف أمر بما يتم به. فحين أمر الله -سبحانه- بالصلاة وجعلها مؤقتة بمواقيت وجب تبين دخول الوقت بأي وسيلة أدت إلى ذلك؛ لأن الوسيلة هنا هي معرفة العلامة، وهي زوال الشمس أو غروبها أو طلوع الفجر. وهذه المعرفة يلزم لها وسيلتها أيًا كانت. فتجوز بمراقبة الوقت وعلاماته عيانًا وتجوز في عصرنا بالساعات وبالتقويم المضبوط؛ لأنها معبرة عن حركة الشمس بدقة مطابقة. والشرع ما قصد أن ننظر ونعاين الشمس والغروب والزوال إلا لتحقق دخول الوقت، فإن تحققنا بوسيلة مطابقة جاز ذلك. ومعاينتها إنما هو بالنسبة لرؤيتنا لها لا بالنسبة لما هي عليه في الفلك فإنها قد تكون غابت عن الأفق الغربي بالنسبة لمن يرونها من الشاطئ وتكون لمن يراها من قمة جبل وبرج مرأية. لذلك لا يفطر سكان الطوابق العليا في ناطحات السحاب مع أهل المدينة إن كانوا لا يزالون يرون الشمس ولو أذن المؤذن في المدينة. ومثله ركاب الطائرة؛ لأن التكليف متعلق بالفرد في محله لا في محل غيره.

стр. 66

وتختلف المواقيت ولو في البلد الواحد لتعدد المشارق والمغارب حسب المكان، فتجد بين مدينة ومدينة فرقًا في التوقيت للصلاة والإفطار وقت الغروب. والهلال جعله الله علامة على دخول شهر رمضان وخروجه ودخول الحج وتوقيتات شعائره. فوجب أن يعلم بأي وسيلة كانت والرؤية وسيلة إثبات الشهر. علق الشرع الصوم بها، فوجبت. ومقصودها حصول العلم بتحقق وجود الهلال وإذا تم هذا التحقق بوسيلة غير الرؤية جاز فالمقصود هو حصول التحقق من الوجود أو العدم فإن حصل بأداة مطابقة للواقع قطعا صح، والدليل عليه أن الشرع جعل حكم اغتمام الهلال عدمًا؛ لأنه لم يره، لكن إذا رؤي الهلال من بلدة أخرى غير بلد الاغتمام وجب العمل بذلك وبطل تعليق الحكم على الاغتمام لما ثبت رؤيته من مكان آخر. كما فعل النبي ﷺ لما أتم العدة نظرًا لعدم ثبوت الرؤية واغتمام الهلال، عن أبي عمير بن أنس، قال: حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ قال ﴿أنهم صاموا زمن النبي ﷺ يوم الثلاثين فجاء ركب آخر النهار فأخبروهم أنهم رأوا الهلال أمس فأمر الناس أن يفطروا ويخرجوا للعيد من غدهم﴾. (١) قلت: سنده صحيح. ولو ثبت وجوده بالحساب القاطع في الأفق لولا الغمام لكان العمل بذلك واجبًا؛ لأنه تحقق من إبطال الاغتمام والبناء عليه. فهو مساو للرؤية وهو ما يدل عليه هذا الحديث. كالشمس إن غطتها السحب وقت الغروب فالواجب التحقق بوسيلة التوقيت والحساب، وهو ما عليه العمل؛ لأن الحساب والتوقيت معبر تعبيرا مطابقا للواقع.

стр. 67

لكن إن كان ليس اغتمامًا لكنه العدم الفلكي القاطع حيث لم يولد الهلال بإثبات العدول المسلمين الخبراء من أهل الفلك المتفقين على ذلك. فهذا لا تعلق به الأحكام ولا تلزم الرؤية أصلًا. والأمر بالرؤية للوجوب، لأنه علق الصيام بها وبتمام العدة فدل على وجوبها؛ لأنها وسيلة لإثبات الشهر. والوسائل لها أحكام المقاصد، فصار فرضًا أن يقوم البعض بالرؤية، وهي من نوع فروض الكفايات. كما قال فقهاء الحنفية: " يجب كفاية التماس الهلال ليلة الثلاثين من شعبان؛ لأنه قد يكون ناقصا" (١). واستحبه الحنابلة -والاستحباب بعيد في النظر- حيث نصوا أنه: "يستحب للناس ترائي الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وتطلبه ليحتاطوا بذلك لصيامهم، ويسلموا من الاختلاف" (٢). وقد أمر به النبي ﷺ وقد كان الصحابة يفعلون ذلك بين يديه وبعده فعن عائشة ﵂ أنها قالت: ﴿كان رسول الله ﷺ يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام﴾ (٣). وهذا إسناده حسن. وعن ابن عمر ﵄ قال: ﴿تراءى الناس الهلال، فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته، فصامه، وأمر الناس بصيامه﴾ (٤). وعن أنس بن مالك ﵁ ما يدل أنهم كانوا يتحرونه بعد النبي ﷺ ، حيث قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة، فتراءينا الهلال، وكنت رجلًا حديد البصر، فرأيته وليس أحدٌ يزعم أنه رآه غيري -قال- فجعلت أقول

стр. 68

لعمر أما تراه؟ فجعل لا يراه - قال - يقول عمر: سأراه وأنا مستلقٍ على فراشي (١). أنواع الأصول الحاكمة لإثبات دخول الشهر بالرؤية: وثم أصول تضبط العدد، منها نصية ومنها قياسية، أعني قياس الإخبار برؤية الهلال على الشهادة، فيتطلب العدد أم على الرواية فلا يلزم العدد. أما الأصول النصية فهي من السنة ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما هو شامل للدخول والخروج بشهادة اثنين: وهو حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب المتقدم وفيه: ﴿إن شهد شاهدا عدل، فصوموا وأفطروا﴾. وهو حديث حسين بن الحارث الجدليّ -من جديلة قيس-، أنّ أمير مكة خطب، ثم قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسُك للرؤية، فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، .. قال ابن عمر بذلك أمرنا رسول الله ﷺ (٢) و النوع الثاني ما هو للدخول بشهادة واحد: وهو حديث ابن عمر في شهادته وحديث ابن عباس في شهادة الأعرابي.

стр. 69

فعن ابن عمر ﵄ قال: ﴿تراءى الناسُ الهِلالَ، فأخبرت رسولَ الله ﷺ أني رأيتُه فَصَامَ وأمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ﴾ (١) قلت: هذا حديث حسن صحيح. وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ ، فقال: إني رأيت الهلال، قال: ﴿أتشهد أن لا إله إلا الله، أتشهد أن محمدا رسول الله﴾، قال: نعم، قال: ﴿يا بلال، أذن في الناس أن يصوموا غدًا﴾ قلت: الثقات عن سماك يجعلونه مرسلًا، وهو ما صوبه الأئمة، ولولا الحديث قبله ما قبلنا مثل هذا في هذا الحكم فهو مرسل صحيح (٢).

стр. 70

و النوع الثالث: ما هو للخروج بشهادة اثنين وهو حديث ربعي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، ﴿أن النبي ﷺ أصبح صائما لتمام الثلاثين من رمضان فجاء أعرابيان فشهدا أن لا إله إلا الله وإنهما أهلاه بالأمس فأمرهم ﴿فأفطروا﴾. قال الدارقطني: "هذا صحيح"، وقال في الطريق الأخرى: "هذا إسناد حسن ثابت" (١). كيفية التعامل الفقهي والأصولي مع هذه النصوص: يجب على الفقيه أن يحقق خمسة أسئلة في كل نظر فقهي حتى يصل إلى الحكم الصحيح. السؤال الأول: سؤال الماهية، والثاني: الدليل والدلالة، والثالث: الثبوت، والرابع: المعارضة، والخامس: المنتوج الحكمي التكليفي. ويمكن جعل الثاني سؤالان فتصير ستة وقد عرفت هذا بالتتبع والتجربة والنظر الطويل في مناهج الأئمة. ويتعلق هذا بسؤال الدلالة في الأصول وسؤال التعارض. بيان ذلك أن دلالة الاشتراط في حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وحديث أمير مكة يدلان على اشتراط الاثنين في الشهادة على الهلال دخولًا وخروجًا وعدم قبول الواحد؛ لأنه علق الصوم والفطر بالرؤية الحاصلة منهما. وفي حديث أمير مكة اشتراط العدالة، وهذا ضروري ولو لم يرد في النص، فإن شهادة الفاسق مردودة في الشرع وأصله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ

стр. 71

مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، فدل على عدم قبول شهادة وإلا لما أمرنا بالتبين (١). والنصوص مطلقة لم تفرق بين رجل وامرأة في ذلك فيقبل قول المرأة في ذلك (٢). أما حديث ابن عمر وابن عباس فيدلان على قبول خبر الواحد، وهو واقع في الدخول، وهو دليل واضح على ذلك، ولا فرق بين الدخول والخروج كون ذلك عبادة واحدة فاستوى طرفا الوقت فيها في الحكم. فتعارض هذا مع النوع الأول الذي فيه تعليق الصوم بالرؤية أو بشهادة عدلين، ولا يتعارض مع النوع الثالث؛ لأنه فعل ومجرد قبول الاثنين لا يدل على نفي ما عداه بخلاف النوع الأول الذي علقه بالشرط. وللتعامل الفقهي والأصولي بين هذه الأحاديث، نقول: أولًا: محل الاتفاق وقع الاتفاق على أن الإفطار لا يكون إلا باثنين، قال الترمذي: "ولم يختلف أهل العلم في الإفطار أنه لا يقبل فيه إلا شهادة رجلين" (٣).

стр. 72

قلت: إلا ما روي عن أبي ثور (١)، قياسًا على الدخول لعدم الفارق ولأنه خبر؛ فيكفي فيه الواحد، ووافقه الظاهرية والشوكاني كما سيأتي. ثانيا: العمل بالزائد منها جميعا وهي اعتبار الاثنين في الدخول والخروج. وهو قول مالك ورواية عن أحمد. والليث، والأوزاعي، وإسحاق (٢). ولعل مالكًا اتبع في ذلك الواقع العملي عن عمر وعثمان وعلي، فجاء في المدونة "أن عمر بن الخطاب أجاز شهادة رجلين على رؤية هلال". قال ابن مهدي عن سفيان عن منصور عن أبي وائل، قال: كتب إلينا عمر أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تفطروا حتى تمسوا، إلا أن يشهد رجلان مسلمان أنهما أهلاه بالأمس عشية. وأن عثمان بن عفان أبى أن يجيز شهادة هشام بن عتبة وحده على هلال رمضان. وعن علي بن أبي طالب قال: إذا شهد رجلان مسلمان على رؤية الهلال فصوموا أو قال فأفطروا. ذكر هذه الآثار في المدونة. واللجوء إلى فتوى عمر معروف عند مالك لأن كتبه أعني عمر وفتواه كانت في محل إمامته فتلزم الناس. إلا أنه ليس إجماعًا لأن إلزام الإمام بقول معتبر جائز ولا يعد إجماعًا وهذا يدل على خطأ المتأخرين الذي اعتبروا مثل هذه المواضع إجماعًا. وفعل عمر يدل أنه أجاز شهادة اثنين في رمضان، ولا يدل على نفي ما سواه، لولا أنه ورد معلقًا في قوة الشرط، وهذا يدل على اشتراط الاثنين. كما أن كتابه وهم بخانقين باعتبار شهادة اثنين في الخروج دليل على أنه يرى ذلك في الخروج فقط. لكن ورد ما يعارضه من طريق صحيح عنه

стр. 73

قال أبو محمد ابن حزم: فقد صح عن عمر في هذا خلاف ذلك، كما روينا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي عبد الأعلى الثعلبي عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب: أن عمر بن الخطاب كان ينظر إلى الهلال، فرآه رجل، فقال عمر: يكفي المسلمين أحدهم؛ فأمرهم فأفطروا أو صاموا - فهذا عمر بحضرة الصحابة؟ (١). وأما رد عثمان لشهادة هشام بن عتبة وحده في رمضان فيحتمل أنه لأمر آخر لا أنه لا يجيز شهادة الواحد (٢). وأما ما نقل عن علي فهو على التردد من الراوي فيدل على عدم الحفظ. وقد ثبت عن علي خلافه (٣). فتبين قوة الاحتمالية في ذلك وسيأتي النقل عنهم في القول بشهادة واحد في الدخول وباثنين في الخروج. الثالث: من عمل بكل نص من جهة وهذه طريقة الشافعي فذهب إلى الجمع بين الأحاديث فجعل الدخول بواحد وعمل باثنين في الخروج؛ لأنه أحوط (٤). وهو قول عمر، وعلي، وابن عمر، وابن المبارك، وأحمد في رواية وأبي حنيفة في الغيم أما في الصحو فلا يعمل عنده إلا بشهادة الكثرة (٥).

стр. 74

الرابع: العمل بالأقل فيهما وتفرد أبو ثور بالقول بأنه في الدخول والخروج واحد (١). وهذا ما مال إليه الشوكاني؛ لأن أحاديث الاثنين لا تدل على نفي ما عداها إلا بالمفهوم والمنطوق المصرح بواحد مقدم (٢). قال ابن حزم:: ومن صح عنده بخبر من يصدقه - من رجل واحد، أو امرأة واحدة: عبد، أو حر، أو أمة، أو حرة، فصاعدًا -أن الهلال قد رئي البارحة في آخر شعبان ففرض عليه الصوم، صام الناس أو لم يصوموا، وكذلك لو رآه هو وحده، ولو صح عنده بخبر واحد أيضًا - كما ذكرنا - فصاعدًا: أن هلال شوال قد رئي فليفطر (٣). فهؤلاء رأوا أن الأحاديث التي تقول بالاثنين لا تعارض الواحد؛ لأنها تدل على مجرد الحصول باثنين وهو لا يدل على نفي ما عداه؛ ولأن الأصل عند الاختلاف الرجوع إلى أصل الشرع وهو هنا قبول الواحد فإنه ﷺ قال ﴿كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم﴾ (٤)، وهذا واحد علق عليه الأكل والإمساك. قلت حديث: ﴿فإن شهد شاهدان فصوموا﴾ (٥) ظاهر في التعليق الشرطي، ولما ثبت أنه صام بخبر الواحد صار هذا الفعل معارضًا لحديث: ﴿فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا﴾ (٦)؛ لأنه دل على جواز الواحد. ووجب الجمع وهو العمل بالواحد في الدخول والعمل باثنين في

стр. 75

الخروج؛ لأنه لم يثبت أنه عمل بالواحد في الخروج لا قولًا ولا عملًا، فنبقى على أصل النقل في اشتراط اثنين للخروج. فهذه هي الأصول ومناهج النظر التي يبنى عليها التفريع الفقهي في مسألة الرؤية. الخامس: من اشترط الجمع الغفير في الصحو وهو قول الحنفية قال الكاساني: فإن كانت السماء مصحية ورأى الناس الهلال صاموا وإن شهد واحد برؤية الهلال لا تقبل شهادته ما لم تشهد جماعة يقع العلم للقاضي بشهادتهم، في ظاهر الرواية ولم يقدر في ذلك تقديرًا، وروي عن أبي يوسف أنه قدر عدد الجماعة بعدد القسامة خمسين رجلًا، وعن خلف بن أيوب أنه قال: خمسمائة، ببلخ قليل وقال بعضهم: ينبغي أن يكون من كل مسجد جماعة واحد، أو اثنان، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله تعالى: أنه يقبل فيه شهادة الواحد العدل وهو أحد قولي الشافعي -رحمه الله تعالى-، وقال في قول آخر: تقبل فيه شهادة اثنين (١). قلت: هذا خلاف ما دلت عليه النصوص الصحيحة الصريحة وقولهم أنه مع الصحو يدل على كذبه أو غلطه لعدم رؤية غيره لا يصح؛ لأن الرؤية تختلف باختلاف الأشخاص وزاوية الرؤية واختلاف المكان. إلا إن كان الجمع في محل واحد ولم يره أحد وادعى أحد رؤيته مع استوائهم في العلم والخبرة والنظر والآلات الحديثة. فهذا يدل على غلط. حكم من رأى الهلال وحده هل يصوم ويفطر: الأصول الحاكمة في هذه المسألة هي عموم الأدلة الآمرة وهي شاملة للفرد والجمع. ولهذا ذهب سائر العلماء من المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم بلزوم
следующие страницы →