← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 30080

فتح ذي الجلال في تخريج أحاديث الظلال

عبد المنعم إبراهيم

Полный текст (1 635 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

- أ - "تنبيهات وفوائد هامة" ١ - كل حديث قلنا فيه حسن صحيح فإنما نعنى غالبًا أنه متردد عندنا بين الحسن والصحة أي: حسن أو صحيح وقلما نقصد حسن وصحيح. وأحيانًا يكون أحد طرفيه حسن والآخر صحيح فنطلق عليه حسن صحيح. ٢ - هناك بعض الآثار التي لم نتكلم عليها لأنها مخرجة جملة واحدة وليس كل أثر على حدة كأن يشترك قتاده ومجاهد والحسن وابن عباس في تفسير واحد فيصح عن احدهم ولا يصح عن الآخر وقد جمعهم المصنف فلا نصدر التخريج في الغالب بحكم. ٣ - أكثرنا من الحكم على أحاديث السيرة بالضعف والإرسال وهي عند أهل العلم مقبولة كما قرر ذلك البيهقى في أول "الدلائل" وعقد فصلًا لذلك بعنوان. (فصل في المراسيل) كل حديث أرسله واحدٌ من التابعين أو الأتباع، فرواه عن النبي ﷺ ، ولم يذكر من حمله عنه، فهو على ضربين: (أحدهما): أن يكون الذي أرسله من كبار التابعين الذين إذا ذكروا من سمعوا منه ذكروا قومًا عدولًا يوثق بخبرهم. فهذا إذا أرسل حديثًا نظر في مرسله، فإن انضم إليه ما يؤكد من مرسل غيره، أو قول واحدٍ من الصحابة، أو إليه ذهب عوام من أهل العلم - فإنا نقبل مرسله في الأحكام (١).

стр. 2

- ب - (والآخر): أن يكون الذي أرسله من متأخرى التابعين الذين يعرفون بالأخذ عن كل أحد، وظهر لأهل العلم بالحديث ضعف مخارج ما أرسلوه فهذا النوع من المراسيل لا يقبل في الأحكام، ويقبل فما لا يتعلق به حكم من الدعوات وفضائل الأعمال والمغازى، وما أشبهها (*).

стр. 3

- جـ - ٤ - أيضًا ضعفنا بعض الآثار في التفسير لورودها عن بعض الضعفاء مثل الكلبي وغيره وهى مقبولة عند العلماء كما قرر ذلك البيهقى أيضًا في مقدمة "الدلائل" وكذلك الأمر بالنسبة لابن إسحاق في السير والمغازى فروايته مقبولة عندهم. قال البيهقي: وأما النوع الثاني من الأخبار، فهي أحاديث اتفق أهل العلم بالحديث على ضعف مخرجها. وهذا النوع على ضربين: (ضرب) رواه من كان معروفًا بوضع الحديث والكذب فيه. فهذا الضرب لا يكون مستعملًا في شيء من أمور الدين إلا على وجه التليين. وقد أخبرنا أبو على: الحسين بن محمد الروذباري، قال: أخبرنا أبو بكر: محمد بن أحمد بن محمويه العسكرى، حدثنا جعفر بن محمد القلانسي، حدثنا آدم بن أبي إياس: حدثنا شعبة، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي يعلى، عن سمرة بن جندب، قال: قال رسول الله ﷺ : "من روى عنى حديثا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" (١). قال: وحدثنا شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره مثله.

стр. 4

- د - (وضرب) لا يكون راويه متهمًا بالوضع، غير أنه عُرِفَ بسوءِ الحفظ وكثرة الغلط، في رواياته، أو يكون مجهولًا لم يثبت من عدالته وشرائط قبول خبره ما يوجب القبول. فهذا الضرب من الأحاديث لا يكون مستعملًا في الأحكام، كما لا تكون شهادة من هذه صفته مقبولة عند الحكام. وقد يستعمل في الدعوات والترغيب والترهيب، والتفسير والمغازى فيما لا يتعلق به حكم. سمعت أبا عبد الله الحافظ، يقول: سمعت أبا زكريا: يحيى بن محمد العنبرى، يقول: سمعت أبا الحسن: محمد بن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: كان أبي يحكي عن "عبد الرحمن بن مهدى" أنه قال: إذا روينا في الثواب والعقاب وفضائل الأعمال، تساهلنا في الأسانيد، وتسامحنا في الرجال، وإذا روينا في الحلال والحرام والأحكام، تشددنا في الأسانيد وانتقدنا الرجال. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو العباس: محمد بن أحمد المحبوبي - بمرو - أخبرنا أحمد بن سيار، قال: سمعت أبا قدامة، يقول: قال (يحيى بن سعيد - يعنى القطان): تساهلوا في التفسير عن قوم لا يوثقونهم في الحديث. ثم ذكر ليث بن أبي سليم. وجويبر بن سعيد، والضحاك، محمد بن السائب - يعنى الكلبي، وقال: هؤلاء يحمد حديثهم ويكتب التفسير عنهم. قال الشيخ: وإنما تساهلوا في أخذ التفسير عنهم، لأن ما فسروا به ألفاظه تشهد لهم به لغات العرب، وإنما عملهم في ذلك الجمع والتقريب فقط. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي، قال: أخبرنا أبو العباس: محمد بن يعقوب: سمعت العباس بن محمد يقول: سمعت "أحمد بن حنبل" وسئل وهو على باب أبي النضر: هاشم بن القاسم، فقيل

стр. 5

- هـ - له: يا أبا عبد الله، ما تقول في "موسى بن عبيدة" وفي "محمد بن إسحاق"؟ قال: "أما موسى بن عبيدة" (١) فلم يكن به بأس، ولكنه حدث أحاديث مناكير عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ . وأما "محمد بن إسحاق" (٢) فهو رجل تكتب عنه هذه الأحاديث - كأنه يعنى المغازى ونحوهما - فأما إذا جاءك الحلال والحرام أردنا قومًا هكذا، وقبض أبو الفضل - يعنى العباس - أصابع يده الأربع من كل يد ولم يضم الإبهام. ٥ - كل حديث قلنا فيه (يُحسن) فهو عندنا محتمل التحسين أو أصله ضعيف لكنه مقارب للحسن أو بعض العلماء حسنه وبعضهم ضعفه. ٦ - لم نستوعب في التخريج كل أثر في الظلال.

стр. 6

كَلِمَةُ النَّاشِر "رَجَاءٌ" غَفَرَ الإلَهُ ذُنُوبَ هَذَا النَّاشِر … وَذُنُوبَ وَالدَيْهِ مَعًا فِي النَّاظِر غَفَرَ اللهُ ذنوبَهُ وسَتَر عُيُوبَه وَوالديْه والمُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ وَمَن دَعا له بِخَيْر راجي عفو ربه نزَار مصْطَفى البَاز

стр. 7

بين يديِّ المقدمة إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، إنه من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ﵌. وبعد .. فإن أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. فقد شرح الله صدري لتخريج أحاديث "في ظلال القرآن" بعد أن فتح عليَّ المنان باسمه "فتح ذي الجلال تخريج أحاديث الظلال"، وكان المقصد من ذلك صبغه بالصبغة السَّلَفية عله يخرج بصورة مرضية تحظى برضى رب البرية، وخاصته من البشرية، لذلك ذكرت في هذه المقدمة فصولًا هامة تبرهن للخاصة والعامة أن الظلال على منهج سلف الأمة؛ بدأتها بترجمة لسيد فقيد الأمة المسلمة، ليتثنى للقارئ أن يفهمه، فيتصف بالإنصاف حكمه - إن كان له أن يحكمَ - وثنيت بكلام الأئمة في الحكم على المؤلف وما ألفه فأتمه، ولم أتدخل في هذا الحكم بكلمة، إلا أن يوجد غموضًا أو ظلمة؛ ذلك لتبرأ من الهوى الذمةُ، وأردت أن أمعن في ذلك، فبينت موازين الأئمة المستلهمة، من الكتاب

стр. 8

والسُّنَّة المحكمة، لأزن بها كل مسألة مهمة، تُقَيمُ للمؤلف علمه، ومدى إلمامه بالحكمة المؤهِلّة، لتفسير الرحمة المنزلة، وهل حوى تفسيره على السمة المؤثرة، في دخوله في جملة الكتب المفسرة؟، أم قصرت بصاحبه الهمة، فلم يبلغ به القمة؟ وهل يسوعُ ذلك المساومة على شطبه من تلك القائمة؟، أم لشبهات فيه لم تُرد إلى محكمه؟، وعثرات أو زلات حقيقية أو متوهمه؟، فمن ذا الذي ادعى أن من شرط العالم العصمة؟!! وما قصر عن مقامه بالأحرى لا نؤثمه، هذا وغيره من الأمور المشكلة، هو ما سطرته في هذه المقدمة؛ رجاء أن أكشف ما اعتراها من غمة. ثم شرعنا في المقصود، بعون ربنا المعبود، فخرجنا ما استطعنا التخريج الطويل الممدود، لكل حديث وأثر في الظلال - وإن كان في الصحيحين موجود - وبذلنا ما استطعنا من مجهود، في بيان الصحيح والمردود، إلا القليل المحدود، ثم رقمنا بالتسلسل المعدود، وفهرسنا على ترتيب المعجم المعهود، وزدنا فهرسًا للصحيح وآخر للمردود. ثم ختمته بقول صاحب المقام المحمود: "إياكم والغلو "لأبرأ نفسى أولًا من الوقوع في هذا الأمر المرفوض؛ مبرهنًا على ذلك بما جاء في كتابي من مسائل وبنود، ثم لأبين لإخوانى تلك العقبة الكؤود، التي جعلت الطريق في أغلب الأحايين بين العاملين على الساحة مسدود. وكتبه أبو عائش

стр. 9

مقدمات وفصول لا بد منها

стр. 10

ترجمة سيد قطب هو سيد قطب إبراهيم حسين شاذلي. ولد في قرية "موشَة" إحدى قرى محافظة أسيوط. وكانت ولادته في ٩/ ١٠/ ١٩٠٦ م. عاش طفولته وصباه في قريته، وتلقى فيها دراسته الإبتدائية في بداية عام ١٩١٢، وتخرج منها حاملًا الشهادة الإبتدائية عام ١٩١٨ م، وفي هذه المرحلة حفظ القرآن الكريم وانقطع عن الدراسة عامين بسبب ثورة ١٩١٩، سافر إلى القاهرة عام ١٩٢٠ م، وأقام عند خاله "أحمد حسين عثمان"، في حي "الزيتون" وكان عمره آنذاك أربعة عشر عامًا. وعن طريقه تعرف على حزب الوفد، وعلى "عباس محمود العقاد". التحق بمدرسة المعلمين الأولية سنة ١٩٢٢، ودرس فيها ثلاث سنوات، ونال منها إجازة "الكفاءة" للتعليم الأوَّلى، ثم التحق بتجهيزيَّة دار العلوم، وكان لا يدخلها إلا الطلبة المتفوقون، وكانت تُعد الطلبة للالتحاق بكلية دار العلوم، وكان التحاقه فيها سنة ١٩٢٥ م، دخل كلية "دار العلوم" عام ١٩٢٩ م، وتخرج منها عام ١٩٣٣ م، يحمل شهادة "البكالوريوس" في الآداب. عمل مُدرِّسًا في مدارس وزارة الأوقاف، حوالى ستة سنوات. انتقل إلى وزارة المعارف بتاريخ ٢/ ١٢ / ١٩٣٣ م، وشغل عدة وظائف فيها، في مراقبة الثقافة، وفى التفتيش، وكانت أول وظيفة له في مدرسة "الداوودية" بالقاهرة، ثم إلى مدرسة "حلوان" الإبتدائية بتاريخ ١/ ١٢/ ١٩٣٦، واستمر هناك أكثر من ثلاث سنوات شغل بعدها عدة مناصب إلى أن أوفدته وزارة المعارف إلى أمريكا في بعثة تربوية ميدانية، للإطلاع على مناهج التربية والتعليم هناك، وأقام في أمريكا سنتين. وعاد عام ١٩٥٠ بعد عودته عُين في وزارة المعارف بوظيفة "مراقب مساعد" بمكتب وزير المعارف وقتها - إسماعيل القباني -.

стр. 11

اختلف مع كبار موظفى وزارة المعارف، وقدم استقالته من الوزارة بتاريخ ١٨/ ١٠/ ١٩٥٢ بعد قيام الثورة بشهور، بعد خدمةٍ قاربت تسعة عشر عامًا. انتظم في شبابه مع حزب الوفد، وبقى فيه حتى عام ١٩٤٢ م، وكتب في صحف ومجلات الحزب مقالات وأبحاث كثيرة، ونشر فيها قصائد عديدة. بقى بعد ذلك أكثر من عشر سنوات بدون انتماء فعلى لأى حزب أو جماعة أو تنظيم، إلى أن وجد ضالته في "جماعة الإخوان المسلمين" التي انتظم فيها عمليًا عام ١٩٥٣، وأمضى بقية عمره معها. كانت اهتماماته في شبابه أدبية نقدية، ومارس وظيفة النقد سنوات عديدة، وكتب العديد من المقالات النقدية، كما نشر كتبًا نقدية أيضًا. نظم قصائد شعرية رفيعة، ونشر ديوانًا ضمَّنه بعض تلك القصائد. أقبل في "الأربعينيات" على القرآن الكريم، يدرسه دراسةً أدبية نقدية وفكر في إصدار "مكتبة القرآن الجديدة"، ثم صار يدرس الإسلام دراسة فكرية نظرية، وأصدر عدة كتب في ذلك. نقله القرآن نقلةً جديدة، حيث قاد خطواته إلى طريق الدعوة والعمل والمجاهدة، فسار في هذه الطريق، وقدم للدعاة بعض معالمها. ودرس القرآن أثناء هذا السير، وقدم تلك الدراسة في تفسيره "في ظلال القرآن". بشر بالثورة، ودعا إليها في عهد الملكية، وساعد في التمهيد والتخطيط لها. ولما قامت، عمل مع رجالها في أول عهدها، ولما وقف على أهدافهم التي تتعارض مع أهدافه الإسلامية، فاصلهم وفارقهم وابتعد عنهم. كان من أوائل ضحايا بطش وتنكيل رجال الثورة بجماعة الإخوان المسلمين حيث أصابه من ذلك ما أصابه! حكمت عليه محكمة الثورة بخمسة عشر عامًا، قضى معظمها في مستشفى بسجن "ليمان طرة" لإصابته بأمراض كثيرة في رئتيه وصدره وأمعائه! أفرج عنه عام ١٩٦٤ م بعفو صحي، بعد تدخل الرئيس العراقي "عبد السلام عارف".

стр. 12

أشرف على التنظيم الحركي الجديد للإخوان المسلمين، بموافقة الأستاذ "حسن الهضيبى" المرشد العام للإخوان المسلمين، وكان هو الموجه الفكرى والتربوى له. لم يعش خارج السجن إلا شهورًا، حيث أعيد إليه مع العشرات من الإخوان المسلمين في صيف عام ١٩٦٥ م، بتهمة التآمر لقلب نظام الحكم، بدأ التحقيق معه في السجن الحربي في ٩/ ١٢/ ١٩٦٥، واستمر ثلاثة أيام. عُذِّب في محنته الثانية عام ١٩٦٥ م عذابًا رهيبًا، تقشعر من هوله الأبدان. وحُوكم محاكمة جائرة ظالمة بتاريخ ١٢/ ٤/ ١٩٦٦ م، أصدر بعدها الفريق "فؤاد الدجوى" بتاريخ ٢١/ ٨/ ١٩٦٦ م حكمًا بالإعدام على سيد قطب واثنين من إخوانه، هما "محمد يوسف هواش"، و "عبد الفتاح إسماعيل". استاء كثيرون في العالم الإسلامي من الحكم بإعدامه، وبخاصة العلماء والمفكرين والدعاة، وحاولوا التوسط لدى "جمال عبد الناصر" ليخفف الحكم. ولكن "عبد الناصر" رفض كل تلك الواسطات، وصادق على ذلك الحكم، وأمر بالمسارعة في تنفيذه! نفذ زبانية السجن الحربي الحكم في الأستاذ سيد قطب، قبل بزوغ الفجر يوم الاثنين ٢٩/ ٨/ ١٩٦٦ م، الموافق ١٣ جمادى الأولى ١٣٨٦ هـ. عاش سيد قطب تسعةً وخمسين عامًا، وعشرة أشهر، وعشرين يوم، وقدر الحكيم له نهاية سعيدة، حيث كتب له الموت شهيدًا في سبيله (*) إن شاء الله -

стр. 13

كتب الله لفكره الإسلامي الحركي القبول بعد استشهاده، واحتل سيد قطب مكانة عالية سامية، عند العلماء والدعاة والعاملين للإسلام. ترك سيد قطب تسعة وعشرين كتابًا في الأدب والنقد والفكر الإسلامي، على رأسها تفسيره "في ظلال القرآن" الذي اعتبر به مفسرًا، مجددًا ورائدًا للفكر الإسلامي الأصيل (١). * رأي العلماء، والدعاة في مؤلفاته، لا سيما الظلال: قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ردًا على سؤال: هل قلتم مرة أن معالم في الطريق توحيد كُتب بأسلوب عصري؟ أجاب الشيخ: أنا أقول: إن هذا الكتاب فيه فصل قيم جدًّا أظن عنوانه "لا إله إلا الله منهج حياة" ثم قال: وله كتاب "العدالة الاجتماعية" لا قيمة له، ولكن كتاب "معالم في الطريق" فيه بحوث طيبة جدًّا (٢). كلام فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، في الرسالة التي بعث بها إلى بعض إخوانه العلماء، وهي في جملتها جامعة لرأى الشيخ بكر في سيد قطب، وفي كتبه، وإليك نص الرسالة بلا زيادة أو نقصان.

стр. 14

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ فضيلة الأخ الشيخ: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته … وبعد: فأشير إلى رغبتكم قراءة الكتاب المرفق: "أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره"، هل من ملاحظات عليه، ثم هذه الملاحظات هل تقضى على هذا المشروع فيطوى ولا يُروى، أم هي مما يُمكن تعديلها فيترشح الكتاب بعد الطبع والنشرن ويكون ذخيرة لكم في الأخرى، بصيرة لمن شاء الله من عباده في الدنيا. لهذا أبدى ما يلى: ١ - نظرت في أول صفحة منه: "فهرس الموضوعات" فوجدتها عناوين قد جمعت في "سيد قطب" ﵀ أصول الكفر، والإلحاد، والزندقة، القول بوحدة الوجود، القول بخلق القرآن، يجوز لغير الله أن يشرع، غلوه في تعطيل صفات الله تعالى، لا يقبل الأحاديث المتواترة، يشكك في أمور العقيدة التي يجب الجزم بها، يكفر المجتمعات .. إلى آخر تلك العناوين التي تقشعر منها جلود المؤمنين، وأسفت على أحوال علماء المسلمين في الأقطار الذين لم ينبهوا على هذه الموبقات، وكيف الجمع بين هذا وبين انتشار كتبه في الآفاق انتشار الشمس، وعامتهم يستفيدون منها حتَّى أَنْتَ في بَعْض ما كتبت. عند هذا أخذت بالمطابقة بين العنوان والموضوع فوجدت الخبر يكذبه الخبر، ونهايتها بالجملة عناوين استفزازية تجذب القاريء العادى إلى الوقيعة في سيد ﵀ وإنى أكره لى ولكم ولكل مسلم، مواطن الإثم والجناح، وإن من الغبن الفاحش إهداء الإنسان حسناته إلى من يعتقد بغضه وعداوته. ٢ - نظرت فوجدت هذا الكتاب يفتقد: "أصول البحث العلمي"، الحيدة العلمية، منهج النقد، أمانة النقل والعلم، عدم هضم الحق. أما أدب الحوار،

стр. 15

وسمو الأسلوب، ورصانة العرض فلا تمت إلى الكتاب بهاجس. وإليك التدليل: أولًا: رأيت الاعتماد في النقل من كتب سيد - رحمه الله تعالى - من طبعات سابقة مثل "الظلال" و"العدالة الاجتماعية"، مع علمكم كما في حاشية ص ٢٩ وغيرها، أن لها طبعات معدَّلة لاحقة. والواجب - حسب أصول النقد والأمانة العلمية تسليط النقد إن كان على النص من الطبعة الأخيرة لكل كتاب، لأن ما فيها من تعديل ينسخ ما في سابقتها، وهذا غير خاف - إن شاء الله تعالى - على معلوماتكم الأولية، لكن لعلها غلطة طالب حضّر لكم المعلومات ولما يعرف هذا؟؟ وغير خاف ما لهذا من نظائر لدى أهل العلم فمثلًا كتاب الروح لابن القيم - رحمه الله تعالى - لما رأى بعضهم فيه رأى قال: لعله في أول حياته، وهكذا في مواطن لغيره، وكتاب "العدالة الاجتماعية" هو أول ما ألفه في الإسلاميات والله المستعان. ثانيًا: لقد اقشعر جلدى حينما قرأت في فهرس هذا الكتاب قولكم: "سيد قطب: يجوّز لغير الله أن يشرع: ١٣٩ - ١٤٢"، فهرعت إليها قبل كل شيء، فرأيت الكلام بمجموعه نقلًا واحدًا لسطور عديدة من كتابه: "العدالة الاجتماعية"، وكلامه لا يفيد هذا العنوان الاستفزازى، ولنفرض أن فيه عبارة موهمة أو مطلقة فكيف نحولها إلى مؤاخذة مُكَفّرة، تنسف ما بَنَى عليه سيد - رحمه الله تعالى - حياته، ووظف له قلمه من الدعوة إلى توحيد الله تعالى في: "الحكم والتشريع"، ورفض سن القوانين الوضعية، والوقوف في وجوه الفعلة لذلك. إن الله يحب العدل والإنصاف في كل شيء، ولا أراك - إن شاء الله تعالى - إلا في أوبة إلى العدل والإنصاف. ثالثًا: ومن العناوين الاستفزازية قولكم: "قول سيد قطب بوحدة الوجود ٩٤ - ١٠٩" إن سيدًا - رحمه الله تعالى - قال كلامًا متشابهًا، حلق فيه

стр. 16

بالأسلوب في تفسير سورتى الحديد، والإخلاص، وقد اعُتِمد عليه بنسبة القول بوحدة الوجود إليه. وأحسنتم حينما نقلتم قوله في تفسير سورة البقرة، من رده الواضح الصريح لفكرة وحدة الوجود ومنه قوله: "ومن هنا تنتفى من التفكير الإسلامي الصحيح فكرة وحدة الوجود". وأزيدكم أن في كتابه: "مقومات التصور الإسلامي"، رد شاف على القائلين بوحدة الوجود، لهذا فنحن نقول: غفر الله لسيد، كلامه المتشابه الذي جنح فيه بأسلوب وسع فيه العبارة، والمتشابه لا يقاوم النص الصريح القاطع من كلامه. لهذا أرجو المبادرة إلى شطب هذا التكفير الضمني لسيد - رحمه الله تعالى - وإني مشفق عليكم. رابعًا: وهنا أقول لجنابكم الكريم بكل وضوح، إنك تحت هذه العناوين: "مخالفته في تفسير لا إله إلا الله للعلماء وأهل اللغة ٤٢ - ٤٤"، و"عدم وضوح الربوبية والألوهية عند سيد ٤٥ - ٤٧". أقول - أيها المحب الحبيب - لقد نسفت بلا تثبت: جميع ما قرره سيد - رحمه الله تعالى - من معالم التوحيد، ومقتضياته ولوازمه، التي تحتل السمة البارزة في حياته الطويلة، فجميع ما ذكرتم يلغيه كلمة واحدة وهى: أن توحيد الله في الحكم والتشريع، من مقتضيات كلمة التوحيد، وسيد - رحمه الله تعالى - ركز على هذا كثيرًا، لما رأى من هذه الجرأة الفاجرة على إلغاء تحكيم الله شرع من القضاء وغيره، وإحلال القوانين الوضعية بدلًا عنها، ولا شك أن هذه جرأة عظيمة ما عهدتها الأمة الإسلامية في مشوارها الطويل قبل عام ١٣٤٢ هـ. خامسًا: ومن عناوين الفهرس: "قول سيد بخلق القرآن وأن كلام الله عبارة

стр. 17

عن الإرادة - ٨٨ - ٩٣". لما رجعت إلى الصفحات المذكورة لم أجد حرفًا واحدًا يصرح فيه سيد - رحمه الله تعالى - بهذا اللفظ: "القرآن مخلوق"، كيف يكون هذا استسهال للرمى بهذه المكفرات إن نهاية ما رأيت له تمدد في الأسلوب كقوله: "ولكنهم لا يملكون أن يؤلفوا منها - أي الحروف المقطعة - مثل هذا الكتاب لأنه من صنع الله لا من صنع الناس" ا هـ. وهى عبارة لا شك في خطئها، لكن هل نحكم من خلالها أن سيدًا يقول بهذه المقولة الكفرية: "خلق القرآن". اللَّهم إني لا أستطيع تحمل عهدة ذلك؟؟ لقد ذكرنى قوله هذا بقول نحوه للشيخ: محمد عبد الخالق عظيمة - رحمه الله تعالى - في مقدمة كتابه: "دراسات في أسلوب القرآن الكريم". والذي طبعته - مشكورة - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. فهل نرمى الجميع بالقول بخلق القرآن .. اللَّهم لا، واكتفى بهذه من الناحية الموضوعية، وهي المهمة ومن جهات أخرى أبدى ما يلى: ١ - مسودة هذا الكتاب تقع في/ ١٦١ صفحة بقلم اليد، وهي خطوط مختلفة، ولا أعرف منه صفحة واحدة بقلمكم حسب المعتاد، إلا أن يكون اختلف خطكم، أو اختلط عليّ، أم أنه عُهد بكتب سيد قطب - رحمه الله تعالى - لعدد من الطلاب فأستخرج كل طالب ما بدا له تحت إشرافكم، أو بإملائكم. لهذا فلا أتحقق من نسبته إليكم إلا مما كتبته على طرته أنه من تأليفكم، وهذا عندى كاف في التوثيق بالنسبة لشخصكم الكريم. ٢ - مع اختلاف الخطوط إلا أن الكتاب من أوله إلى أخره يجرى على وتيرة واحدة وهى: أنه بنفس متوترة وتهيج مستمر، ووثبة تضغط على النص حتى يتولد منه الأخطاء الكبار، وتجعل محل الاحتمال ومشتبه الكلام محل قطع لا يقبل الجدال … وهذا نكث لمنهج النقد: الحيدة العلمية.

стр. 18

٣ - من حيث الصياغة إذا قارنا بينه وبين أسلوب سيد - رحمه الله تعالى - فهو في نزول، وسيد قَدْ سَمَا، وإن اعتبرناه من جنابكم الكريم فهو أسلوب "إعدادى" لا يناسب إبرازه من طالب علم حاز العالمية العالية. لا بد من تكافؤ القدرات في الذوق الأدبى، والقدرة على البلاغة والبيان، وحسن العرض، وإلا فليكسر القلم. ٤ - لقد طغى أسلوب التهيج، والفزع على المنهج العلمي للنقد. ولهذا افتقد الرد أدب الحوار. ٥ - في الكتاب من أوله إلى أخره: تهجم، وضيق عطن وتشنج في العبارات، فلماذا هذا؟ ٦ - هذا الكتاب يُنشط الحزبية الجديدة التي أنشأت في نفوس الشبيبة جنوح الفكر بالتحريم تارة، والنقد تارة، وأن هذا بدعة أو ذاك مبتدع، وهذا ضلال، وذاك ضال، ولا بينة كافية للإثبات. وَوَلَدَتْ غرور التَّدَيُن والاستعلاء، حتى كأنما الواحد عند فعلته هذه يلقى حملًا عن ظهره، قد استراح من عناء حمله، وأنه يأخذ الأمة بحجز عن الهاوية وأنه في اعتبار الآخرين قد حلّق في الورع والغيرة على حرمات الشرع المطهر. وهذا من غير تحقيق هو في الحقيقة هدم، وإن اعتُبر بناء عالى الشرفات فهو إلى التساقط، ثم التبرد في إدراج الرياح العاتية. هذه سمَاتٌ ستٌ تَمَتَّعَ بها هذا الكتاب فآلَ غير ممتع هذا ما بدا إلى حسب رغبتكم، وأعتذر عن تأخر الجواب، لأننى من قبل ليس لي عناية بقراءة كتب هذا الرجل وإن تداولها الناس، لكن هول ما ذكرتم دفعني إلى قراءات متعددة في عامة كتبه فوجدت في كتبه خيرًا كثيرًا، وإيمانًا مشرفًا، وحقًا أبلجًا، وتشريحًا فاضحًا لمخططات العداء للإسلام، على عثرات في سياقاته، واسترسال بعبارات لَيْتُه لمْ يَفُهْ بها، وكثير منها ينقضها قوله الحق في مكان آخر، والكمال عزيز، والرجل كان أديبًا نقادة، ثم اتجه إلى خدمة الإسلام من

стр. 19

خلال القرآن العظيم، والسُّنَّة المشرفة، والسيرة النبوية العطرة فكان ما كان من مواقف في قضايا عصره، وأصر على موقفه في سبيل الله تعالى، وكشف عن سالفته وَطُلِبَ منه أن يسطر بقلمه كلمات اعتذار وقال كلمته الإيمانية المشهورة إن إصبعًا أرفعه للشهادة لن أكتب به كلمة تضارها، أو كلمة نحو ذلك، فالواجب على الجميع الدعاء له بالمغفرة، والاستفادة من علمه، وبيان ما تحققنا خطأه فيه، وأن خطأه لا يوجب حرماننا من علمه، ولا هجر كتبه، واعتبر - رعاك الله - حاله بحال أسلاف مضوا أمثال أبى إسماعيل الهروى، والجيلاني كيف دافع عنهما شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - مع ما لديهما من الطوام لأن الأصل في مسلكهما ثمرة الإسلام والسنة، وانظر: "منازل السائرين" للهروى - رحمه الله تعالى - تري عجائب لا يمكن قبولها ذلك فابن القيم - رحمه الله تعالى - يعتذر عنه أشد الاعتذار ولا يجرمه فيها، وذلك في شرحه "مدارج السالكين". وقد بسطت في كتاب: "تصنيف الناس بين الظن واليقين" ما تيسر لى من قواعد ضابطة في ذلك. وفى الختام: فإني أنصح فضيلة الأخ في الله بالعدول عن طبع هذا الكتاب: "أضواء إسلامية ...... "، وأنه لا يجوز نشره ولا طبعه لما فيه من التحامل الشديد والتدريب القوى لشباب الأمة على الوقيعة في العلماء وتشذيبهم والحط من أقدارهم والانصراف عن فضائلهم. وأسمح لى - بارك الله فيك - إن كنت قسوت في العبارة، فإنه بسبب ما رأيته من تحاملكم الشديد وشفقتى عليكم، ورغبتكم الملحة بمعرفة ما لدى نحوه، جرى القلم بما تقدم … سدد الله خطى الجميع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .... أخوكم بكر بن عبد الله بن أبو زيد ٢٠/ ١/ ١٤١٤ هـ

стр. 20

ومن آراء الدعاة: رأى المرشد العام للإخوان: عمر التلمساني ومما جاء في ثناءه على سيد قطب قوله: "أذكر أن الشهيد (*) سيد قطب له مؤلفات عدة وجيدة، وعلى مستوى رفيع، منها "في ظلال القرآن"، و"العدالة الاجتماعية"، و "معالم في الطريق"، وتمتاز هذه المؤلفات بالنقمة على الظلم في كل مظاهره، والحرص على رفع المعاناة عن كل الطبقات وأن تسود مصر الحرية، وليس في "معالم الطريق" جديدٌ في فكر سيِّد قطب، ولكن بما أنَّ الشهيد كتبه في السجن، بعدَ أنْ ذاقَ ألوان العذاب على مختلف قسوتِها ووحشيَّتها ووحشيتها، فقد بدتْ نقمتُه على مخالفة الشرع أوضح وأظهر. وما أرادَ الشهيد الأستاذ سيِّد قطب في يومٍ من الأيام أن يكفِّرَ مسلمًا، لأنه من أعلم الناس، بأن رسول الله ﷺ قال في أكثر من حديث: إنَّ مَنْ قال: لا إلَهَ إلا الله، مؤمنًا بها قلبُه، لن يُخلَّدَ في النار. ونحن نعلمُ أنه لن يخلَّدَ في النار إلا الكافرون. هذه واحدة، والثانية: إنَّ كثرة ترداده "للمجتمع الجاهلي" لم يقصِدْ بها تكفيرَ المجتمع، ولكن تشديدَ النكير على الظلمةِ والطغاةِ والمستغلّين والمشكِّكين. وهو أسلوبٌ تعرفه اللغةُ العربية … والذين يعرفونَ الشهيد (*) سيِّد قطب، ودماثةَ خلقه، وجمَّ أدبِه، وتواضعَه ورقةَ مشاعره، يعرفونَ أنه لا يكفرُ أحدًا. إنه داعيةٌ إسلامي، من عيونِ دعاة المسلمين، ظلمهُ مَنْ أخذَ كلامَه على غيرِ مقاصده، ومَنْ هاجموه متجنِّينَ، لما رأوهُ من عميقِ تأثيرِ كلماتِه وكتاباتِه على الشباب الطاهر النظيف. هذا موجزٌ مقتضبٌ للمبادئِ التي قام عليها كتاب "معالم في الطريق"، وقد كانَ لي شرف الاطلاع عليه قبلَ طبعه، ونحنُ في مستشفى ليمان طرة" (١).

стр. 21

وقال الدكتور صلاح الخالدي: ومعظمُ الذينَ كتبوا عن سيِّد كتبًا أو مقالات، تكلَّموا عن الظلال، وعن مزاياه. من هؤلاء "محمد توفيق بركات"، في كتابه "سيِّد قطب: خلاصة حياته، ومنهجه في الحركة، والنقد الموجه إليه". والأستاذُ يوسف العظم، في كتابه رائد الفكر الإسلامي المعاصر سيِّد قطب". والدكتور فضل عباس، في رسالته للدكتوراة "تيارت التفسير في العصر الحديث". والدكتور إسماعيل نواهضة، في رسالته للماجستير "سيِّد قطب ومنهجه في التفسير". والدكتور محمد لطفي الصباغ، في كتابه "لمحات في التفسير وعلوم القرآن". والدكتور عدنان زرزور، في فصْلِه الجيد "الظلال بين كتب التفسير") من كتابه "علوم القرآن" ومن كلامه في الظلال: أن الظلال نور على نور (١). والدكتور أحمد حسن فرحات، في كتابه الذي جمعَه من الظلال "فقه الدعوة"، وقال: إن سيد قطب كتب الظلال مرتين، مرة بدماء العالم، ومرة بدماء الشهيد. والسيد أحمد فايز، في دراساته الثلاث: "طريق الدعوة في ظلال القرآن" و"اليوم الآخر في ظلال القرآن"، و"دستور الأسرة في ظلال القرآن". وأصدرَ السيد محمد على قطب "فهارسَ في ظلال القرآن"، كما أصدر السيد محمد يوسف عباس فهارسَ أخرى، سماها "مفتاحُ كنوز في ظلال القرآن".

стр. 22

وتُرْجِمَ الظلالُ إلى العديد من اللغات الأجنبية، مثل الإنجليزية والفرنسية والفارسية والتركية والأوردية والأندونيسية وغيرها. وكان الظلالُ من أكثرِ الكتب الإسلامية انتشارًا في هذا القرن!! (١). * رأى الشيخ محمد الغزالي: "وقد عينت الحكومة المصرية الشيخ محمد الغزالى رقيبًا دينيًا على الظلال، يطلع على أصوله قبل صدورها من المطبعة، وقد أجاز الغزالى كل أجزاء وملازم الظلال في طبعته الأولى، ولم يحذف منها إلا تعقيب سيد على سورة البروج الذي نشره بعد ذلك في فصل: "هذا هو الطريق" من كتاب "معالم في الطريق" (*). * * *

стр. 23

فصل سيد قطب في الميزان وقبل أن نذكر كلام العلماء والدعاة المجرِّحين منهم والمعدِّلين - لسيد قطب لابد وأن نزنه بميزان السَّلَف، فلا أعدل من كلامهم في الجرح والتعديل، فقد وضعوا قواعدًا وأصولًا لعلم الجرح والتعديل تنفى عنه الحكم بالهوى والعصبية، أو غير ذلك من الآفات التي ربما أثرت في هذا الميزان المعتدل، فكان ميزانهم من أعدل الموازين، ولأنه أيضًا مستند إلى كلام أحكم الحاكمين وإلى هدى نبينا الأمين ﷺ ، لذلك وغيره قدمنا بهذا المنهج السَّلَفى. "منهج السَّلَف الصالحين في الجرح والتعديل" * قال الإمام السبكي في قاعدة له في الجرح والتعديل: قاعدة في الجرح والتعديل: ضرورية نافعة، لا تراها في شيء من كتب الأصول، فإنك إذا سمعت أن الجرح مقدم على التعديل، ورأيت الجرح والتعديل، وكنت غِرًا بالأمور، أو فَدْمًا (١) مقتصرًا على منقول الأصول، حَسِبتَ أن العمل على جرحه (٢)، فإياك ثم إياك، والحذر كل الحذر من هذا الحِسبان. بل الصواب عندنا أن من ثبت إمامتُه وعدالتُه، وكثُر مادحوه ومزكوه، ونَدر جارحوه (٣)، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه، من تعصبٍ

стр. 24

مذهبي أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة، وإلا لو فتحنا هذا الباب، وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه، لما سَلِمَ لنا أحد من الأئمة، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون، وهلك فيه هالكون (١). وقد عقد الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب "جامع بيان العلم وفضله" (٢) بابًا في حكم قول العلماء بعضهم في بعض (٣)، بدأ فيه بحديث الزبير ﵁: "دَبَّ إليكم داءُ الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء … " الحديث (٤). وروي بسنده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "استمعوا علم العلماء ولا تصدقوا بعضهم على بعض، فوالذي نفسي بيده لهم أشدُ تغايرًا من التيوس في زُرُوبها". ثم قال أبو عمر بعد ذلك: الصحيح في هذا الباب أن من ثبتت عدالته وصحت في العلم إمامته، وبانت ثقته، وبالعلم عنايته لم يلتفت فيه إلى قول أحدا إلا أن يأتى في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات.

стр. 25

واستدل بأن السلف تكلم بعضهم في بعض بكلام منه ما حمل عليه الغضب أو الحسد، ومنه ما دعا إليه التأويل واختلاف الاجتهاد مما لا يلزم المقولة فيه ما قال القائل فيه، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلًا واجتهادًا. ثم قال ابن عبد البر: فمن أراد قبول قول العلماء الثقات بعضهم في بعض، فليقبل قول الصحابة بعضهم في بعض، فإن فعل ذلك فقد ضل ضلالًا بعيدًا، وخسر خسرانًا مبينًا، قال: وإن لم يفعل - ولن يفعل إن هداه الله وألهمه رشده - فليقف عندما شرطناه في ألا يقبل في صحيح العدالة المعلوم بالعلم عنايته قول قائل لا برهان له. * قال السبكي: قلت: هذا كلام ابن عبد البر وهو على حسنه غير صاف من القذى والكدر، فإنه لم يزد فيه على قوله: "إن من ثبتت عدالته ومعرفته لا يقبل قول جارحه إلا ببرهان"، وهذا قد أشار إليه العلماء جميعًا حيث قالوا: لا يقبل الجرح إلا مفسرًا، فما الذي زاده ابن عبد البر عليهم؟ إلى أن قال: فإن قلت فما العبارة الوافية بما تراه؟ قلت: ما عرّفناك أولًا من أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسره في حق من غلبت طاعته على معاصيه ومادحوه على ذاميه، ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرّحه من تعصبٍ مذهبي، أو منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء أو غير ذلك. * ثم قال السبكي: مما ينبغى أن يتفقد عند الجرح حال العقائد واختلافها بالنسبة إلى الجارح والمجروح، فربما خالف الجارحُ المجروحَ في العقيدة فجرحه لذلك، وإليه أشار الرافعى بقوله: ينبغى أن يكون المزكون براء من الشحناء والعصبية في المذهب خوفًا من أن يحملهم ذلك على جرح عدل أو تزكية فاسق. وقد أشار شيخ الإسلام سيد المتأخرين تقى الدين بن دقيق العيد في كتابه الاقتراح إلى هذا وقال: "أعراض المسلمين حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون، والحكام".

стр. 26

ثم ذكر السبكى أمثلة لذلك في بعض من رمى ابن حبان بالتجسيم أو من ترك البخاري، وهو حامل لواء الصناعة إلى غير ذلك من الأمثلة على ذلك. قلت: وما أشبه الليلة بالبارحة، فقد رمى سيد قطب أيضًا وهو من حاملي لواء الحاكمية في هذا العصر بأنه يجوز تحكيم غير شرع الله!! * ثم قال السبكي: ومما ينبغى أن يتفقد عند الجرح أيضًا حال الجارح في الخبرة بمدلولات الألفاظ فكثيرًا ما رأيت من يسمع لفظة فيفهمها على غير وجهها؟ والخبرة بمدلولات الألفاظ ولا سيما الألفاظ العرفية التي تختلف باختلاف عرف الناس وتكون في بعض الأزمنة مدحًا وفى بعضها ذمًا أمر شديد لا يدركه قعيد بالعلم. قلت: وبعض من رمى سيد قطب أوتى من هذا الجانب، ففهم كلامه على غير وجهه فرماه فيما رماه به أنه يكفر المجتمع لأنه أكثر من استخدام كلمة "الجاهلية". * ومما ينبغي أن يتفقد أيضًا حاله فيه العلم بالأحكام الشرعية، فرب جاهل ظن أن الحلال حرامًا فجرح به، ومن هنا أوجب الفقهاء التفسير ليتوضح الحال، وقال الشافعي ﵁: حضرت بمصر رجلًا مزكيًا يجرح رجلًا فسأل عن سببه وألح عليه، فقال: رأيته يبول قائمًا، قيل: وما في ذلك؟ قال: يرد الريح من رشاشه على يده وثيابه فيصلى به، قيل: هل رأيته قد أصابه الرشاش وصلى قبل أن يغسل بكل ما أصابه؟ قال: لا، ولكن أراه سيفعل ا هـ (١). وعلى هذا كان منهج يحيى بن معين في نقده للرجال. يقول الدكتور أحمد محمد نور سيف (٢): إن للنقد عند يحيى بن معين مقدمات، وفرضيات يقوم عليها، وهي في مجموعها تشكل مبادئ أساسية لا بد لكل ناقد من مراعاتها.

стр. 27

* الأمور الأساسية التي يقوم عليها نقده: أولًا: أن المحدث والراوى إنسان معرض للوقوع في الخطأ والنسيان والغفلة ولا لوم عليه في ذلك، بل هي طبيعة البَشر التي فطر عليها، ولذا يقرر يحيى هذا المبدأ: "من لم يخطأ في الحديث، فهو كذاب" (١). ثانيًا: أن هذا الخطأ يعالج ويتدارك، ما لم يصاحبه العناد والإصرار وإلا كان عرضة للنقد والتجريح، ويقرر ذلك في مبدإٍ آخر "من لم يكن سمحًا في الحديث كان كذابًا، قيل له: وكيف يكون سمحًا؟ قال: إذا شك في الحديث تركه" (٢). ثالثًا: وكما يتحتم عليه ترك ما شك فيه، كذلك يتحتم عليه مراجعة نفسه إذا نبه إلى خطئه، فلا يكابر ولا يعاند، وإلا وقع تحت طائلة الذم والتقريع، وهذا ما يقرره يحيى، فيقول: "ما رأيت على رجل قط خطأ إلا سترته، وأحببت أن أزين أمره، وما استقبلت رجلًا في وجهه بأمر يكرهه، ولكن أبين له خطأه فيما بينى وبينه، فإن قبل ذلك، وإلا تركته" (٣). ولتحقيق هذه المقدمة المختصرة لمنهج السلف في الجرح والتعديل، بقى أن نقول: هل سيد قطب ثبتت عدالته؟ ونترك الإجابة للعلماء والشيوخ والدعاة المعتبر قولهم لدى العامة والخاصة لنطبق من خلالهم المنهج السَّلَفى المتقدم في إثبات العدالة شخص ما، أو نفيها عنه بجرح مفسر أو غير مفسر وموقف السَّلَف من ذلك كله. يقول الشيخ الألباني: إن الرجل ليس عالمًا، ولكن له كلمات عليها نور عليها علم. وعن اتهامه بالتكفير لمن يخالف منهجه، قال الشيخ: ما عرفنا ذلك عنه (٤).

стр. 28

وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد: والرجل كان أديبًا نقادة، ثم اتجه إلى خدمة الإسلام من خلال القرآن العظيم، والسُّنَّة المشرفة، والسيرة النبوية العطرة، فكان ما كان من مواقف في قضايا عصره، وأصر على موقفه في سبيل الله تعالى، وكشف عن سالفته وطُلب منه أن يسطر بقلمه كلمات اعتذار، وقال كلمته الإيمانية المشهورة: إن اصبعًا أرفعه للشهادة لن أكتب به كلمة تضارها، أو كلمة نحو ذلك، فالواجب على الجميع الدعاء له بالمغفرة .. والاستفادة من علمه، وبيان ما تحققنا خطأه فيه، وإنَّ خطأه لا يوجب حرماننا من علمه ولا هجر كتبه (١). * ومن كلام الدعاة: كلام المرشد العام للإخوان المسلمين عمر التلمسانى سنة ١٩٨٥، قال: والذين يعرفون الشهيد سيد قطب ودماثة خلقه وجم أدبه وتواضعه ورقة مشاعره يعرفون أنه لا يكفر أحد، إنه داعية إسلامية من عيون دعاة المسلمين (٢). رأي محب الدين الخطيب: قدم محب الدين الخطيب لكتاب دراسات إسلامية، ولقب سيد قطب بلقب "لسان الدين"، واعتبر أن أهم مميزات أدب سيد هي القوة وأطلق على أدبه لقب "أدب القوة" (*). وقال الدكتور عمر الأشقر حفظه الله في مقابلة مع مجلة "المجتمع" - العدد ٤١١ - ص (١١) الحادية عشر، وهو يتحدث عن سيد قطب ﵀ فيقول: "علينا أن نفرق بين رجلين من الناس الذين بنوا عقيدتهم على تخريف ودجل، وبين الناس الذين صفت عقيدتهم، وبين الناس الذين ساروا مع الخط الثاني

стр. 29

الذي صفت عقيدتهم، ولكن كانت لديهم نقاطًا غامضة - لكن منهجهم العام منهج سليم - لا يجوز لنا أن نخرج عالمًا من علماء الإسلام، فمثلًا أبو حنيفة لا يختلف أحد أنه من أهل السُّنَّة والجماعة، فلا يأتي من يخرجه من أهل السُّنَّة والجماعة لخطئه في مسألة الإرجاء. كذلك بالنسبة لسيد قطب ﵀ إذا كانت لديه نقاط غامضة يجب علينا أن ننظر إليه بنفس الأسلوب مع ملاحظة أن الأصول لديه واضحة تمامًا (١). وإذا رجعت إلى كلام الأساتذة في رأيهم في الظلال وصاحبه والمنقول قبل قليل، وكذلك من نال في سيرته درجة الدكتوراة (د. صلاح الخالدي)، ومن اعتمد على كتبه أيضًا من الأساتذة والنقاد في بحوثهم إذا استأنست بهذا وغيره، ربما وقع في نفسك عدالته وإمامته. فإن ثبتت عندك عدالته وإمامته بقول أهل العلم والدعاه السالف كلامهم. فإن جرحه مجرح بجرح غير مفسر مثل قول بعضهم: إنه عميل أمريكاني، فهذا الكلام لا يلتفت إليه أصلًا ولا يعول على مثله وعلى ذلك فقس الجرح الذي لا دليل عليه. * ثم إن كان الجرح مفسرًا بأن أخذوا بعض كلامه الموهم المحتمل مثل قوله: "إن عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم ربه أن يجنبه هو وبنيه إياها، لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان العرب يزاولونها في جاهليتهم أو التي كانت تزاولها تلك الوثنيات في صور شتى مجسمة بأحجار أو أشجار أو حيوان أو طير أو نجم أو نار أو أشباح، إن هذه الصورة الساذجة لا تستغرق صور الشرك بالله وتستغرق صور كل صور العبادة للأصنام من دون الله، والوقوف بالمدلول الشركي عند هذه الصورة الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها، ويمنعنا من حقيقة الرؤية الصحيحة لما يعتو البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة، ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام

стр. 30

بها، كما أنه لا بد من التعمق في معنى عبادة الأصنام وتمثل صورها المجردة المتجددة مع الجاهليات المستحدثة"، والذي توهم قومٌ منه توهمات سنعرض لها ولكلام العلماء في الرد عليها، وذلك بذكر فهم الشيخ الألباني لهذا الكلام حينما طلب منه التعليق عليه. فأجاب الشيخ قائلًا: لا شك أن هذا الكلام سليم مائة في المائة، ويكفي في ذلك قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، والتفسير الذي جاء في هذه الآية - لما نزلت - طبعًا هي نزلت في حق النصارى، وكان من العرب الذين تنصروا في الجاهلية مع قلة المتنصرين منهم عدي بن حاتم الطائي، ثم هداه الله وأسلم وأسلم، تلك القصة في مسند الإمام أحمد وغيره (*) - فلما نزلت هذه الآية أشكلت على عدي بن حاتم الطائي لأنه فهمها بمعنى الشرك الذي ينكر الرجل أن يكون الشرك كله محصورًا في هذا النوع من عبادة الأصنام والوثنيات، فقال له ﵇ موضحًا: ألستم كنتم إذا حرموا لكم الحلال حرمتموه، وإذا حللوا لكم حرامًا حللتموه، قال: أما هذا فقد كان، قال: فذلك اتخاذكم إياهم أربابًا من دون الله، فالآن هذا النوع من الشرك غير ملاحظ حتى عند الذين يعلنون أن الحاكمية الله … إلى أن قال الشيخ: لماذا نحن لا نتوجه إذًا إلى الدعوة بعامة، وليس فقط فيما يتعلق بالشعوب، فالعبارة هذه تشبه تمامًا كلمة "فقط" هناك، فهو قيدها بالوقوف في محاربة الشركيات المتعلقة بالشعوب وترك الحكام دون نصح دون تعذير دون إنكار ولو مع عدم الخروج. ثم سئل الشيخ عن الأوهام التي توهمها بعض الناس من هذا الكلام على رغم وضوحه كما بينه الشيخ الألباني: السؤال الأول: هل في هذا الكلام تهوين لدعوات الأنبياء؟ فأجاب الشيخ: لا.

стр. 31

السؤال الثاني: فيه صرف الدعاة عن أعظم وأكبر أنواع الكفر والشرك الذي حاربه كل الأنبياء والمرسلون والمصلحون وأدركوا أنه أكبر خطر على الإنسانية؟ هل في هذا الكلام صرف؟ فأجاب الشيخ: لا يوجد. السؤال الثالث: فيه خلط بين قضايا الشرك الأكبر والأصغر وبين قضايا المعاصي صغيرها وكبيرها؟ فأجاب الشيخ: أين هذا، أنا ما رأيته. السؤال الرابع: عن قوم قالوا في سيد قطب: "هذا من شذوذات سيد قطب ليوسع به دائرة التكفير"، ألا ترون أن هذا إلزام ما لا يلزم؟ فأجاب الشيخ: ما عرفنا عنه ذلك. وقال أيضًا رادًا على الأوهام المزعومة: حاولوا أن تفهموا ماذا يعنى بهذه الكلمة، كما يروى عن بعض السَلَف، التمس لأخيك عذرًا، هذا إن كانت في العبارة إيحاء بما يخالف الشرع، أما العبارة والله ما هي واضحة، نحملها على أحسن الاحتمالين (١) ا. هـ. قلت: وهذا الكلام وكلام السلف في الجرح والتعديل يخرج من مشكاة واحدة، وهذا والله هو الميزان العدل. * وأما إن كان الجرح مفسرًا وظهرت العصبية على الجارح أو التحامل أو مصلحة دنيوية، فلا يقبل جرحته أصلًا، كما قال السبكي آنفًا: "إن الجارح لا يقبل منه الجرح، وإن فسره في حق من غلبت طاعاته على معاصيه ومادحوه على ذاميه ومزكوه على جارحيه، إذا كانت هناك قرينة يشهد العقل بأن مثلها حامل على الوقيعة في الذي جرحه من تعصب مذهبي أو منافسة دنيوية، كما يقوم بين النظراء أو غير ذلك". وهذا عين ما فعله فضيلة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في رسالته المتقدمة.

стр. 32

* وإذا كان الجرح من قرين لسيد قطب فهذا لا يُعبأ به، كما قال الذهبي في كلام الأقران بعضهم في بعض. وقال غيره كلام الأقران بعضهم في بعض يُطوى ولا يُروى (*). * أما إذا لم تظهر قرائن العصبية أو الهوى أو غير ذلك، ولم يكن عند المدافع أو المعدل ما يردّ به هذا الخطأ سلمنا بالخطأ الذي وقع فيه سيد قطب، لكن تبقى كلمة يحيى بن معين وتعليق المعلق عليها بأن الراوى إنسان معرض للوقوع في الخطأ: "ومن لم يخطأ في الحديث فهو كذاب"، وما تقدم من كلام الشيخ الألباني من أن هذا الكلام لم يخرج من معصوم إلى آخر كلام السلف في هذا الباب. ويبقى سؤال: هل هذا الخطأ الذي وقع فيه سيد قطب صاحبه عناد وإصرار وعدم رجوع عنه إذا ما أطلع عليه؟ والذي يظهر لى من سيرته أنه كان رجّاعًا للحق، وهاكم الأمثلة التي ضربها الأستاذ محمد توفيق بركات ليدلل بها على ذلك: المثال الأول: قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ … ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ … ﴾. ذهب سيد قطب ﵀ في الطبعة الأولى من "الظلال" إلى أنه لا يوجد نسخ، وإنما معنى "الذين يطيقونه" من لا يطيق صيامه كالشيخ العجوز، فله أن يطعم مسكينًا عن كل يوم، وهذا المعنى ذهب إليه بعض السَّلَف كابن عباس ﵄. ثم عاد في الطبعة الثانية - قبل المنقحة - مخطِّئ موقفه، وذكر أن ناسًا نبهوه إلى وجود النسخ الثابت بالروايات الصحيحة، فقال بالنسخ وشكر من دله وذكره بالآثار. المثال الثاني: قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ

стр. 33

جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. فحاول في الطبعة الأولى - وفى الطبعة المكررة لها - أن يفسر التكرار "اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنو ثم اتقوا وأحسنوا" خاصة وأن الجملة الأولى فيها زيادة: "وعملوا الصالحات" على الجملة الثانية، وأما الجملة الثالثة فلا إشكال فيها لوجود "وأحسنوا"، ثم عاد فذكر - في الطبعة الجديدة المنقحة - أنه قال أولًا كذا، ولكنه لم يصنع شيئًا، وأنه هو لم يقتنع بما قال. المثال الثالث: قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾. فذهب في كل طبعات الظلال - بما فيه الجديدة المنقحة - إلى أن معنى الآية إسفار الضوء، وهو يكون بعد الفجر بزمان، اتباعًا لتفسير روى عن بعض السَّلَف، وهو خطأ علمى لا شك فيه. فهذه الأمثلة الثلاثة نقدمها تمهيدًا بين يدى حديثنا عن الاتهامات الموجهة ضده، لننبه القارئ إلى أنه كان يرجع عن خطئه إذا استبان له وجه الحق، سواء نبهه أحد أو تنبه من نفسه، وننبه أيضًا إلى أن الأخطاء العلمية التي قد يقع فيها هي من جنس الأخطاء التي قد يقع فيها العلماء الصالحون قديمًا، وأنه لم يأت بأمر منكر فظيع حين أخطأ خطأ علميًّا، وأن المطلعين على الدراسات الفقهية ودراسات فقه الحديث يدركون أن أخطاء أكبر كان يقع فيها بعض من نذكرهم بالإجلال، وندعوا الله أن يرضى عنهم حين نذكر أسماءهم. • كان طلحة بن عبيد الله ﵁ لا يجد بأسًا من أكل البرد وهو صائم. • وكان ابن عباس ﵄ يذهب إلى جواز نكاح المتعة لمن يجد عنتًا في الوقت الذي كان يقول فيه عمر ﵁: إنه لا، والله لو أتاها لأقيم عليه حد الرجم.

стр. 34

• وكان ابن عباس ﵄ يذهب إلى أنه لا ربا إلا في النسيئة، وذلك مخالف للأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تحرم ربا الفضل أيضًا. وغير ذلك كثير … فالذي يجب أن يكون واضحًا أن الخطأ العلمي يبقى خطأ ولا يعنى ضلالًا، ولا يخرج صاحبه عن منزلة العلماء إلى منزلة الجهلة أو الضلال ولنمضى على بركة الله (١). قال شيخ الإسلام ﵀: "أهل السُّنَّة لا يعصمون ولا يأثمون" (٢) اهـ أي لا ندعى العصمة لإمام أو عالم أو شيخ لاعتقادنا أن كل بني آدم خطاء كما أخبرنا الرسول ﷺ (٣)، وفي ذات الوقت إذا أخطأ أو زل في مسألة لا يوجب ذلك تأثيمه إن كان مجتهدًا في طلب الحق والدين من جهة الرسول فأخطأه، ولا بد حينئذ من الموازنة بين سلبياته وإيجابياته في إطار قوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين لا يحمل الخبث" (٤)، فالماء قد يخالطه نجاسة، ومع ذلك لا يخرج عن كونه طاهرًا أو مطهرًا إذا كان يقوى على دفع هذا الخبث فلا يتأثر به، ولا يحمل صفته، وهذا فهم السَلَف ﵏، فقد ثبت عن سعيد بن المسيب أنه قال: "ليس من شريف ولا عالم ولا ذى فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغى أن تُذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه: وهب نقصه لفضله"، ولا بد من التجرد من الهوى عند هذه الموازنة لكى نهتدى للحق في هذا الأمر، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾، فمن أتى بحصة ظلم وشرك

стр. 35

الهوى فقد يقدرها حصة من اهتداء، ومن أتى بمطلق الإيمان مجردًا نفسه من عبادة الهوى والعصبية كان له مطلق الاهتداء، فالحصة للحصة والمطلق للمطلق كما قرر ذلك ابن القيم ﵀. لذلك وغيره جاء حكم السلف على الناس - لا سيما أهل الفضل منهم - أعدل الأحكام فلا أقل من أن نتمثل أقوالهم وهديهم لا سيما قول سعيد بن المسيب السابق فنهب نقص سيد قطب لفضله، لأن الماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، والله يحفظنا من الزلل ويلهمنا الورع، فهو سبحانه خير حافظ، وهو أرحم الراحمين (*).

стр. 36

فصل هل سيد قطب لديه مؤهلات التفسير؟ قال الزرقاني: وقد بين العلماء أنواع العلوم التي يجب توافرها في المفسر فقالوا: هي اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة وعلم أصول الفقه، وعلم التوحيد ومعرفة أسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ، والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، ولا يناله من في قلبه بدعة أو كبر أو حب دنيا أو ميل إلى المعاصي، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، وقال الإمام الشافعي: شكوت إلى وكيع سوء حفظى … فأرشدني إلى ترك المعاصي وأخبرني بأن العلم نور … ونور الله لا يهدى لعاصي ملاحظة: هذه الشروط التي ذكرناها، وهذه العلوم كلها، إنما هي لتحقيق أعلى مراتب التفسير مع إضافة تلك الاعتبارات المهمة المسطورة في الكلمات القيمة الآتية، أما المعانى العامة التي يستشعر منها المرء عظمة مولاه، والتي فهمها الإنسان عند إطلاق اللفظ الكريم فهى قدر يكاد يكون مشتركًا بين عامة الناس، وهو المأمور به للتدبر والتذكر، لأنه سبحانه سهَّله ويسره. وذلك أدنى مراتب التفسير ا هـ (١). ولا يشك الناظر في سيرة سيد قطب وفى حياته أنه نبغ في اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة، ليس بعد تخرجه فقط، بل وهو ما زال يدرس وما كان التحاقه بتجهيزية دار العلوم إلا لتفوقه، وقد شهد له مدرسوه وأساتذته بالنبوغ والتفوق، وبلغ من إعجابهم به وتقديرهم له موافقتهم له أن

стр. 37

يلقى المحاضرات الأدبية على مدرج الكلية ويستمع إليه الطلاب وأساتذته ويقدمه فيها هؤلاء الأساتذة، ففي عام ١٩٣٢ م وهو طالب في السنة الثالثة رتبت له محاضرة أدبية نقدية بعنوان "مهمة الشاعر في الحياة وشعر الجيل الحاضر"، وقدمه فيها أستاذه محمد مهدى علام، وقال في التعقيب عليها: "ولئن كنت قدمت المحاضر سيد قطب بأنه طالب يسرني أن يكون أحد تلاميذى، فإنني أقول اليوم - وقد سمعت محاضرته -: إنه لو لم يكن لى تلميذ سواه لكفاني ذلك سرورًا وقناعة واطمئنانًا إلى أننى سأحمل أمانة العلم والأدب من لا أشك في حسن قيامه عليها. إلى أن قال: إننى أعُدُ "سيد قطب" مفخرة من مفاخر دار العلوم، وإذا قلت دار العلوم فقد عنيت دار الحكمة والأدب (١). وجاء في الموسوعة الحركية: أن سيد قطب لم ينتظر طويلًا حتى يصبح كاتبًا مرموقًا إلى جانب طه حسين وعباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وإنما أخذت مقالاته تظهر في نفس المجلات التي تنشر مقالات هؤلاء الكتاب الكبار (٢). وإذا ضممنا إلى ذلك دراسته للعلوم الشرعية بكلية دار العلوم، وكذلك حفظة للقرآن وهو في حوالى السنة العاشرة من عمره وكان في السنة الرابعة الابتدائية (٣). وإذا ضُم إلى ذلك أيضًا اعتماده على كتب التفسير المعتمدة كالطبرى وابن كثير لينهل مما فيها من آثار مسندة للنبى ﷺ أو للصحابة أو للتابعين، وكذلك لينهل منها ما جاء فيها ومن غيرها.

стр. 38

من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وكذلك أيضًا إذا ضم إلى ذلك الموهبة التي وهبها الله له لعمله بما يعلم حتى كان علمه وعمله به سببًا من أسباب إعدامه، وليس أدل على هذه الموهبة من كلام الشيخ الألباني: أنا أعتقد أن الرجل ليس عالمًا، ولكن الحقيقة له كلمات في السجن كأنها من إلهامه. وقال مرة أخرى: إن كلامه عليه علم وعليه نور. فهذه المحنة التي مر بها في السجن لا شك أورثته تقوى ونور وبصيرة وإلهام، فأجرى الله الحق على لسانه في كثير من كلامه، وإن لم يذكر له دليلًا، فأعتقد والله أعلم أن الرجل كان مؤهلا للتفسير من جهة إحاطته بعلم اللغة والبلاغة وغيرها، وهذا يؤهله للنظر في كتب التفسير لينهل منها ما يبين مراد الله من كلام الرسول ﷺ ، وكلام السلف الصالحين، وإذا ضُم إلى علمه باللغة دراسته السابقة، فهذا يؤهله أيضًا للنظر في كتب التفسير ليعرف من خلالها أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، فإن قيل: إذا هو ناقل فلا يُعد مفسرًا بل ناقلًا، قلنا: إن ابن كثير وغيره كانوا يكثرون من النقل عن غيرهم من المفسرين ولم يخرجهم ذلك عن كونهم مفسرين، وأنا لا أدعى أن سيد قطب بلغ مكانة هؤلاء، بل المقصود رد هذا القول إن قيل. فخلاصة القول أنه كان مؤهلًا في جوانب مهمة وقصرت به الهمة في جوانب، وإن كان مؤهلًا لنقلها عن غيره، والله الموفق لا رب سواه. * * *

стр. 39

ما هو التفسير وما هو ميزان مدحه وذمه؟ وهل في "ظلال القرآن" كتاب تفسير؟ وللإجابة على هذه الأسئلة لا بد وأن نُعرِّف بمعنى التفسير لغة واصطلاحًا، وأنواع الأخير وشروطه، والميزان الذي يوزن به، ثم نعرض الظلال على ذلك كله لنخرج بالإجابة على أسئلة الباب. قال الزرقاني: * التفسير في اللغة: الإيضاح والتبيين، ومنه قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾. * والتفسير في الاصطلاح: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البَشرية (١). ثم قسم التفسير من حيث الاصطلاح إلى قسمين: أحدهما: تفسير جاف لا يتجاوز حل الألفاظ وإعراب الجمل، وبيان ما يحتويه نظم القرآن الكريم من نكات بلاغية وإشارات فنية، وهذا النوع أقرب إلى التطبيقات العربية منه إلى التفسير وبيان مراد الله من هداياته. النوع الثاني: تفسير يجاوز هذه الحدود، ويجعل هدفه الأعلى تجلية هدايات القرآن وتعاليم القرآن وحكمة الله فيما شرع للناس في هذا القرآن، على وجه يجتذب الأرواح ويفتح القلوب، ويدفع النفوس إلى الاهتداء بهدى الله، وهذا هو الخليق باسم التفسير، وفيه يساق الحديث إذا تكلمنا عن فضله والحاجة إليه (٢) اهـ.

стр. 40

وتعالى أخى الكريم ننظر في الظلال لنعرف هل احتوى على هذه السمة المؤثرة في دخوله في جملة الكتب المفسرة أم قصرت بصاحبه الهمة، فلم يبلغ به القمة؟!! وإليك الأمثلة. يقول الدكتور صلاح الخالدي: أما موهبة سيد قطب الأدبية البيانية، فقد استخدمها في تفسيره للقرآن، ومن ثم كان أسلوبه الساحر السلس مزية من مزايا الظلال، وسمة بارزة من سماته، وجعل سيد هذا قالبًا لأفكاره ونظراته وخواطره العلمية، ففى الظلال أدب وبيان وبلاغة وعواطف ومشاعر، ولكنها ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لغاية وطريقة في التعبير، ووعاء للمعانى والمناهج، والأفكار والمبادئ، والتقريرات والتوجيهات … من سمات الظلال - إذن - العرض البيانى الحى المشرق، وكله تظهر فيه هذه السمة، ولكننا - في هذا المبحث - سنختار "قطعًا" فنية ساحرة من الظلال، نوردها كنماذج وأمثلة لما نقول. في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) أشار إلى توجيه الإسلام الدائنين لإمهال وإنظار المدينين المعسرين، وإلى رفض المرابين هذا الخلق وصوّر واقع المرابين ونفسياتهم وأساليبهم وحقدهم، وجاء هذا "قطعة" أدبية ساحرة: "إنها السماحة الندية التي يحملها الإسلام للبَشرية، إنه الظل الظليل الذي تأوى إليه البشرية المتعبة في هجير الأثرة والشح والطمع والتكالب والسعار، إنها الرحمة للدائن والمدين وللمجتمع الذي يظلل الجميع. ونحن نعرف أن هذه الكلمات لا تؤدى مفهومًا "معقولًا" في عقول المناكيد الناشئين في هجير الجاهلية المادية الحاضرة، وأن مذاقها الحلو لا طعم له في حسبهم المتحجر البليد، وبخاصة وحوش المرابين سواء كانوا أفرادًا قابعين في زوايا الأرض يتلمظون للفرائس من المحاويج والمنكوبين الذين تحل بهم المصائب،
следующие страницы →