فصل هل سيد قطب لديه مؤهلات التفسير؟
قال الزرقاني: وقد بين العلماء أنواع العلوم التي يجب توافرها في المفسر فقالوا: هي اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة وعلم أصول الفقه، وعلم التوحيد ومعرفة أسباب النزول والقصص والناسخ والمنسوخ، والأحاديث المبينة للمجمل والمبهم، وعلم الموهبة، وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم، ولا يناله من في قلبه بدعة أو كبر أو حب دنيا أو ميل إلى المعاصي، قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾، وقال الإمام الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظى … فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور … ونور الله لا يهدى لعاصي
ملاحظة: هذه الشروط التي ذكرناها، وهذه العلوم كلها، إنما هي لتحقيق أعلى مراتب التفسير مع إضافة تلك الاعتبارات المهمة المسطورة في الكلمات القيمة الآتية، أما المعانى العامة التي يستشعر منها المرء عظمة مولاه، والتي فهمها الإنسان عند إطلاق اللفظ الكريم فهى قدر يكاد يكون مشتركًا بين عامة الناس، وهو المأمور به للتدبر والتذكر، لأنه سبحانه سهَّله ويسره. وذلك أدنى مراتب التفسير ا هـ (١).
ولا يشك الناظر في سيرة سيد قطب وفى حياته أنه نبغ في اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة، ليس بعد تخرجه فقط، بل وهو ما زال يدرس وما كان التحاقه بتجهيزية دار العلوم إلا لتفوقه، وقد شهد له مدرسوه وأساتذته بالنبوغ والتفوق، وبلغ من إعجابهم به وتقديرهم له موافقتهم له أن
стр. 37
يلقى المحاضرات الأدبية على مدرج الكلية ويستمع إليه الطلاب وأساتذته ويقدمه فيها هؤلاء الأساتذة، ففي عام ١٩٣٢ م وهو طالب في السنة الثالثة رتبت له محاضرة أدبية نقدية بعنوان "مهمة الشاعر في الحياة وشعر الجيل الحاضر"، وقدمه فيها أستاذه محمد مهدى علام، وقال في التعقيب عليها: "ولئن كنت قدمت المحاضر سيد قطب بأنه طالب يسرني أن يكون أحد تلاميذى، فإنني أقول اليوم - وقد سمعت محاضرته -: إنه لو لم يكن لى تلميذ سواه لكفاني ذلك سرورًا وقناعة واطمئنانًا إلى أننى سأحمل أمانة العلم والأدب من لا أشك في حسن قيامه عليها.
إلى أن قال: إننى أعُدُ "سيد قطب" مفخرة من مفاخر دار العلوم، وإذا قلت دار العلوم فقد عنيت دار الحكمة والأدب (١).
وجاء في الموسوعة الحركية: أن سيد قطب لم ينتظر طويلًا حتى يصبح كاتبًا مرموقًا إلى جانب طه حسين وعباس محمود العقاد، ومصطفى صادق الرافعي، وإنما أخذت مقالاته تظهر في نفس المجلات التي تنشر مقالات هؤلاء الكتاب الكبار (٢).
وإذا ضممنا إلى ذلك دراسته للعلوم الشرعية بكلية دار العلوم، وكذلك حفظة للقرآن وهو في حوالى السنة العاشرة من عمره وكان في السنة الرابعة الابتدائية (٣).
وإذا ضُم إلى ذلك أيضًا اعتماده على كتب التفسير المعتمدة كالطبرى وابن كثير لينهل مما فيها من آثار مسندة للنبى ﷺ أو للصحابة أو للتابعين، وكذلك لينهل منها ما جاء فيها ومن غيرها.
стр. 38
من أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، وكذلك أيضًا إذا ضم إلى ذلك الموهبة التي وهبها الله له لعمله بما يعلم حتى كان علمه وعمله به سببًا من أسباب إعدامه، وليس أدل على هذه الموهبة من كلام الشيخ الألباني: أنا أعتقد أن الرجل ليس عالمًا، ولكن الحقيقة له كلمات في السجن كأنها من إلهامه.
وقال مرة أخرى: إن كلامه عليه علم وعليه نور.
فهذه المحنة التي مر بها في السجن لا شك أورثته تقوى ونور وبصيرة وإلهام، فأجرى الله الحق على لسانه في كثير من كلامه، وإن لم يذكر له دليلًا، فأعتقد والله أعلم أن الرجل كان مؤهلا للتفسير من جهة إحاطته بعلم اللغة والبلاغة وغيرها، وهذا يؤهله للنظر في كتب التفسير لينهل منها ما يبين مراد الله من كلام الرسول ﷺ ، وكلام السلف الصالحين، وإذا ضُم إلى علمه باللغة دراسته السابقة، فهذا يؤهله أيضًا للنظر في كتب التفسير ليعرف من خلالها أسباب النزول والناسخ والمنسوخ، فإن قيل: إذا هو ناقل فلا يُعد مفسرًا بل ناقلًا، قلنا: إن ابن كثير وغيره كانوا يكثرون من النقل عن غيرهم من المفسرين ولم يخرجهم ذلك عن كونهم مفسرين، وأنا لا أدعى أن سيد قطب بلغ مكانة هؤلاء، بل المقصود رد هذا القول إن قيل.
فخلاصة القول أنه كان مؤهلًا في جوانب مهمة وقصرت به الهمة في جوانب، وإن كان مؤهلًا لنقلها عن غيره، والله الموفق لا رب سواه.
* * *
стр. 39
ما هو التفسير وما هو ميزان مدحه وذمه؟ وهل في "ظلال القرآن" كتاب تفسير؟
وللإجابة على هذه الأسئلة لا بد وأن نُعرِّف بمعنى التفسير لغة واصطلاحًا، وأنواع الأخير وشروطه، والميزان الذي يوزن به، ثم نعرض الظلال على ذلك كله لنخرج بالإجابة على أسئلة الباب.
قال الزرقاني:
* التفسير في اللغة: الإيضاح والتبيين، ومنه قوله تعالى في سورة الفرقان: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
* والتفسير في الاصطلاح: علم يبحث فيه عن القرآن الكريم من حيث دلالته على مراد الله تعالى بقدر الطاقة البَشرية (١).
ثم قسم التفسير من حيث الاصطلاح إلى قسمين:
أحدهما: تفسير جاف لا يتجاوز حل الألفاظ وإعراب الجمل، وبيان ما يحتويه نظم القرآن الكريم من نكات بلاغية وإشارات فنية، وهذا النوع أقرب إلى التطبيقات العربية منه إلى التفسير وبيان مراد الله من هداياته.
النوع الثاني: تفسير يجاوز هذه الحدود، ويجعل هدفه الأعلى تجلية هدايات القرآن وتعاليم القرآن وحكمة الله فيما شرع للناس في هذا القرآن، على وجه يجتذب الأرواح ويفتح القلوب، ويدفع النفوس إلى الاهتداء بهدى الله، وهذا هو الخليق باسم التفسير، وفيه يساق الحديث إذا تكلمنا عن فضله والحاجة إليه (٢) اهـ.
стр. 40
وتعالى أخى الكريم ننظر في الظلال لنعرف هل احتوى على هذه السمة المؤثرة في دخوله في جملة الكتب المفسرة أم قصرت بصاحبه الهمة، فلم يبلغ به القمة؟!! وإليك الأمثلة.
يقول الدكتور صلاح الخالدي:
أما موهبة سيد قطب الأدبية البيانية، فقد استخدمها في تفسيره للقرآن، ومن ثم كان أسلوبه الساحر السلس مزية من مزايا الظلال، وسمة بارزة من سماته، وجعل سيد هذا قالبًا لأفكاره ونظراته وخواطره العلمية، ففى الظلال أدب وبيان وبلاغة وعواطف ومشاعر، ولكنها ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لغاية وطريقة في التعبير، ووعاء للمعانى والمناهج، والأفكار والمبادئ، والتقريرات والتوجيهات …
من سمات الظلال - إذن - العرض البيانى الحى المشرق، وكله تظهر فيه هذه السمة، ولكننا - في هذا المبحث - سنختار "قطعًا" فنية ساحرة من الظلال، نوردها كنماذج وأمثلة لما نقول.
في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١) أشار إلى توجيه الإسلام الدائنين لإمهال وإنظار المدينين المعسرين، وإلى رفض المرابين هذا الخلق وصوّر واقع المرابين ونفسياتهم وأساليبهم وحقدهم، وجاء هذا "قطعة" أدبية ساحرة: "إنها السماحة الندية التي يحملها الإسلام للبَشرية، إنه الظل الظليل الذي تأوى إليه البشرية المتعبة في هجير الأثرة والشح والطمع والتكالب والسعار، إنها الرحمة للدائن والمدين وللمجتمع الذي يظلل الجميع.
ونحن نعرف أن هذه الكلمات لا تؤدى مفهومًا "معقولًا" في عقول المناكيد الناشئين في هجير الجاهلية المادية الحاضرة، وأن مذاقها الحلو لا طعم له في حسبهم المتحجر البليد، وبخاصة وحوش المرابين سواء كانوا أفرادًا قابعين في زوايا الأرض يتلمظون للفرائس من المحاويج والمنكوبين الذين تحل بهم المصائب،
стр. 41
فيحتاجون للمال والطعام والكساء والدواء، أو لدفن موتاهم في بعض الأحيان، فلا يجدون في هذا العالم المادى الكز الضنين الشحيح من يمد لهم يد المعونة البيضاء، فيلجأون مرغمين إلى أوكار الوحوش، فرائس سهلة تسعى إلى الفخاخ بأقدامها، تدفعها الحاجة وتزجيها الضرورة سواء كانوا أفرادًا هكذا أو كانوا في صورة بيوت مالية ومصارف ربوية. فكلهم سواء، غير أن هؤلاء يجلسون في المكاتب الضخمة على المقاعد المريحة، ووراءهم ركام من النظريات الاقتصادية والمؤلفات العلمية، والأساتذة والمعاهد والجامعات، والتشريعات والقوانين والشرطة والمحاكم والجيوش … كلها قائمة لتبرير جريمتهم وحمايتها، وأخذ من يجرؤ على التلكؤ في رد الفائدة الربوية إلى خزائنهم باسم القانون … " (١).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ .. ﴾ (٢) استوقفه الفعل "أفضى"، وحذْف مفعوله في الآية، وانطلاقًا من القاعدة المعروفة "حذف المعمول يفيد العموم" قدم في لوحة بيانية ساحرة نماذج من الإفضاءات بين الزوجين فقال:
"ويدع الفعل: "أفضى" بلا مفعول محدد، يدع اللفظ مطلقًا، يشع كل معانيه، ويلقى كل ظلاله، ويسكب كل إيحاءاته، ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته. بل يشمل العواطف والمشاعر، والوجدانات والتصورات، والأسرار والهموم، والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب، يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان. وفي كل اختلاجة حب إفضاء، وفى كل نظرة ود إفضاء، وفى كل لمسة جسم إفضاء، وفى كل اشتراك
стр. 42
في ألم أو أمل إفضاء، وفى كل تفكر في حاضر أو مستقبل إفضاء. وفي كل شوق إلى خلف إفضاء، وفى كل التقاء في وليد إفضاء.
كل هذا الحشد من التصورات والظلال والأنداء والمشاعر والعواطف يرسمه ذلك التعبير الموحى العجيب: "وقد أفضى بعضكم إلى بعض" فيتضاءل إلى جواره ذلك المعنى المادى الصغير، ويخجل الرجل أن يطلب بعض ما دفع، وهو يستعرض في خياله وفي وجدانه، ذلك الحشد من صور الماضي، وذكريات العشرة في لحظة الفراق الأسيف .. " (١).
وفي تعريفه الفنى بسورة الأنعام، وصورها وظلالها، وسياقها ومشاهدها، وتناسقها وتأثيرها قدم هذا بأسلوب أدبى بليغ، وعرض بياني مشرق، وذلك في تعريفه بالدرس (٢) الذي يعرض صفحات من كتاب الكون المفتوح قال:
"إن هذه السمات (سمات سورة الأنعام) كلها تتجلى في هذا الدرس، على أتمها وأوفاها .. إن القارئ يحسّ كأن المشاهد تنبثق انبثاقًا هي ومدلولاتها في التماع ولألاء .. وهى تتدافع في انبثاقها أمام الحسّ، كما تتدافع إيقاعات التعبير اللفظى عنها للتناسق معها. والمشاهد والتعبير يتوافيان كذلك مع المدلولات التي يعبران عنها، ويهدفان إليها ..
إن كل مشهد من هذه المشاهد كأنما هو انبثاقة لامعة رائعة تجي من المجهول، وتتجلى للحواس والقلب والعقل في بهاء أخاذ ..
والعبارة ذاتها كأنما هي انبثاقه كذلك، وإيقاع العبارة يتناسق في بهاء مع المشهد ومع المدلول، يتناسق معه في قوة الانبثاق، وفي شدة الألاء.
وتتدفق المدلولات والمشاهد والعبارات في موجات متلاحقة، يتابعها الحسّ في بهر! وما يكاد يصل مع الموجة إلى قرارها حتى يجد نفسه مندفعًا مرة أخرى مع موجة جديدة .. كالذى حاولنا أن نصف به السورة في مطالعها من قبل.
стр. 43
وصفحة الوجود بجملتها مفتوحة، والمشاهد تتوالى - وكدت أقول: تتواثب - من هنا ومن هناك في الصفحة الفسيحة الأرجاء …
والجمال هو السمة البارزة هنا .. الجمال الذي يبلغ حد "الروعة الباهرة" المشاهد منتقاة وملتقطة من الزاوية الجمالية. والعبارات كذلك في بنائها اللفظي الإيقاعي، وفى دلالتها. والمدلولات أيضًا - والمدلولات أيضًا - على كل ما تزخر به الحقيقة الأصيلة في هذه العقيدة - تتناول هذه الحقيقة من الزاوية الجمالية .. فتبدو الحقيقة ذاتها وكأنما تتلألأ في بهاء … " (١).
وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾؟ (٢) من وقف يتأمل نماذج من خروج الحى من الميت، وأثار أسئلة عديدة حولها، وتركها بدون جواب، لأن عرضه البياني المشرق يتم بإثارتها بدون جواب، لأن الجواب غير مقصود في هذا المقام بالذات:
"وإن وقفة أمام الحبة والنواة تخرج منهما النبتة والنخلة، أو أمام البيضة والبويضة يخرج منهما الفرخ والإنسان لكافية لاستغراق حياة في التأمل والارتعاش.
وإلا فأين كانت تكمن السنبلة في الحبة؟ وأين كان يكمن العود؟ وأين كانت تلك الجذور والساق والأوراق؟
وأين في البويضة كان الفرخ؟ وأين كان يكمن العظم واللحم، والزغب والريش، واللون والشيات والرفرفة والصوات .. ؟
وأين في البويضة كان الكائن البشرى العجيب؟ أين كانت تكمن ملامحه وسماته المنقولة عن وراثات موغلة في الماضي متشعبة المنابع والنواحي؟ أين كانت نبرات الصوت، ونظرات العين، ولفتات الجيد، واستعدادت الأعصاب،
стр. 44
ووراثات الجنس والعائلة والوالدين؟ وأين أين كانت تكمن الصفات والسمات والشيات؟
هل يكفى أن نقول: إن هذا العالم المترامى الأطراف كان كامنًا في النبتة والنواة وفى البيضة والبويضة، لينتفى العجب العاجب الذي لا تفسير له ولا تأويل إلا قدرة الله وتدبير الله؟ " (١).
واقرأ هذه "القطعة" الشاعرية الساحرة لسيد وهو يعرض ألوانًا من آيات الله في الكون، ويدعوك إلى تأملها وفتح منافذ حسك ومشاعرك لها وتلقى إيحاءاتها:
"إن لحظة تأمل في مطلع الشمس ومغيبها، لحظة تأمل في الظل الممدود ينقص بلطف أو يزيد، لحظة تأمل في الخضم الزاخر والعين الفوارة، والنبع الروى. لحظة تأمل في النبتة النامية والبرعم الناعم، والزهرة المتفتحة، والحصيد الهشيم … لحظة تأمل في الطائر السابح في الفضاء والسمك السابح في الماء، والدود السارب والنمل الدائب، وسائر الحشود والأمم من الحيوان والحشرات والهوام، لحظة تأمل في صبح أو مساء، في هدأة الليل أو في زحمة النهار … لحظة واحدة يتسمع فيها القلب البشرى إلى إيقاعات هذا الوجود العجيب .. إن لحظة واحدة لكافية لارتعاش هذا القلب بقشعريرة الإدراك الرهيب، والتأثر المستجيب. ولكنهم ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾ (٢) لذلك لا يؤمن الأكثرون .. " (٣)
وأخيرًا إليك هذه المقطوعة الشعرية الرفيعة التي يعرّف فيها سيد بسور جزء "عم"، فيقول: "إنها طرقات متوالية على الحسّ. طرقات عنيفة قوية عالية، وصيحات، صيحات بنُوَّم غارقين في النوم، نومهم ثقيل، أو بسكارى مخمورين، ثقل حسهم الخمار! أو بلاهين في سامر، راقصين في ضجة
стр. 45
وتصدية ومكاء! تتوالى على حسهم تلك الطرقات والصيحات المنبثقة من سور هذا الجزء كله بإيقاع واحد ونذير واحد: إصحوا، إستيقظوا، أنظروا، تلفتوا، تفكروا، تدبروا: إن هنالك إلهًا، وإن هناك تدبيرًا، وإن هنالك تقريرًا، وإن هنالك ابتلاءً، وإن هنالك تبعة، وإن هنالك حسابًا، وإن هنالك جزاء، وإن هنالك عذابًا شديدًا، ونعيمًا كبيرًا .. إصحوا. إستيقظوا. انظروا. تلفتوا. تفكروا. تدبرو … وهكذا مرة أخرى وثالثة ورابعة وخامسة … وعاشرة ومع الطرقات والصيحات يد قوية تهز النائمين المخمورين السادرين هزًا عنيفًا .. وهم كأنما يفتحون أعينهم وينظرون في خمار مرة، ثم يعودون لما كانوا فيه. فتعود اليد القوية تهزهم هزًا عنيفًا، ويعود الصوت العالي يصيح بهم من جديد، وتعود الطرقات العنيفة على الأسماع والقلوب … وأحيانًا يستيقظ النوّم ليقولوا .. في إصرار وعناد .. لا. ثم يحصبون الصائح المنذر المنبه بالأحجار والبذاء .. ثم يعودون لما كانوا فيه. فيعود إلى هزهم من جديد .. " (١).
قلت: فهل خرج الظلال عن ذلك؟!؛ تبيين هدايات القرآن وتعاليمه وحكمة الله فيما شرع للناس على وجه غاية في البلاغة تجذب الأرواح وتفتح القلوب وتدفع النفوس إلى الاهتداء بهدى الله، فعلى كلام الزرقاني؛ فهذا خليق باسم التفسير.
• ميزان المدح والذم للتفسير:
قال الزرقاني:
ثم إن هناك ميزانًا لما يحمد من التفسير وما يذم، وهو الفيصل الذي يجب أن
стр. 46
نحكمه ونزن كل تفسير به، فما رجح في هذا الميزان قبلناه وحمدناه، وما طاش رفضناه وذممناه، والمدح والذم درجات بعضها فوق بعض، على حسب استيفاء التفسير لوجوه المدح والذم أو نقصها قليلًا أو كثيرًا وسنضع هذا الميزان بين يديك تحت عنوان: "منهج المفسرين بالرأى" (١).
ثم قال الزرقاني:
وخلاصة ما مضى أنه على من يحاول أعلى مراتب التفسير بالرأى أن يأخذ حذره وأن يتذرع بكل العلوم التي نوهنا بها، ليكون قد أصاب المراد أو كاد، ووجب عليه أن ينهج منهج الصواب والسداد، باتباع ما يأتي:
أولًا: أن يطلب المعنى من القرآن، فإن لم يجده طلبه من السُّنَّة لأنها شارحة للقرآن، فإن أعياه الطلب رجع إلى قول الصحابة، فإنهم أدرى بالتنزيل وظروفه وأسباب نزوله، شاهدوه حين نزل فوق ما امتازوا به من علم وعمل. (وخير ما فسَّرته بالوارد) (٢).
قلت: وليس أدل على اتباع سيد قطب لهذا المنهج من وجود أكثر من ألف حديث وأثر بيض بهم كتابه (٣)، وتجد هذا مسطور في الكتاب الذي بين يديك "فتح ذى الجلال بتخريج أحديث الظلال".
стр. 47
ثانيًا: إن لم يظفر بالمعنى في الكتاب والسُّنَّة ومأثورات الصحابة وجب عليه أن يجتهد وسعة متبعًا ما يأتي:
١ - البدء بما يتعلق بالألفاظ المفردة من اللغة والصرف والاشتقاق ملاحظًا المعاني التي كانت مستعملة زمن نزول القرآن الكريم.
٢ - إرداف ذلك بالكلام على التراكيب من جهة الإعراب والبلاغة على أن يتذوق ذلك بمحاسنه البيانية.
٣ - تقديم المعنى الحقيقى على المجازى، بحيث لا يُصار إلى المجاز إلا إذا تعذرت الحقيقة.
٤ - ملاحظة سبب النزول، فإنَّ لسبب النزول مدخلًا كبيرًا في بيان المعنى المراد، كما سبق تحقيقه في مبحث أسباب النزول.
٥ - مراعاة التناسب بين السابق واللاحق، بين فقرأت الآية الواحدة، وبين الآيات بعضها وبعض.
٦ - مراعاة المقصود من سياق الكلام.
٧ - مطابقة التفسير للمفسر من غير نقص ولا زيادة.
٨ - مطابقة التفسير لما هو معروف من علوم الكون، وسنن الاجتماع، وتاريخ البشر العام، وتاريخ العرب الخاص أيام نزول القرآن.
٩ - مطابقة التفسير لما كان عليه النبي ﷺ في هديه وسيرته لأنَّه ﷺ هو الشارح المعصوم للقرآن بسته الجامعة لأقواله وأفعاله وشمائله وتقريراته.
١٠ - ختام الأمر ببيان المعنى والأحكام المستنبطة منه في حدود قوانين اللغة والشريعة والعلوم الكونية.
١١ - رعاية قانون الترجيح عند الاحتمال (١).
стр. 48
أما عن (أولًا) وهو تفسير القرآن بالقرآن، فالأمثلة العملية في الظلال على أن صاحبه كان متبع المنهج السلفى الحق في البدء بتفسير القرآن بالقرآن إن وجد المعنى ففى تفسيره لقول فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ قال: "أما قول فرعون لقومه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فيفسره قوله الذي حكاه القرآن عنه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ (١).
ثانيًا: أما عن البند الأول وهو:
البدء بما يتعلق بالألفاظ المفردة من اللغة والصرف والاشتقاق ملاحظًا المعاني التي كانت مستعملة زمن نزول القرآن الكريم. وليس أدل على ذلك من استعمالاته لكلمة الرب والإله والدين والعبادة وربط تلك الكلمات بمعانيها التي كانت تستخدم زمن نزول القرآن، ففى تفسير قول الله تعالى حكاية عن فرعون: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ فبعد أن فسره بقوله: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي … ﴾، قال: وما قصد بقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ إلا أنه الحاكم المسيطر الذى يسيرهم كيف يشاء، والذي يتبعون كلمته بلا معارض!، والحاكمية على هذا النحو ألوهية كما يفيد المدلول اللغوى وهي في الواقع ألوهية، فالإله هو الذي يشرع للناس وينفذ حكمه فيهم" (٢).
"إن فرعون لم يكن يدعى الألوهية بمعنى أنه خالق هذا الكون ومدبره، وأن له سلطانًا في عالم الأسباب الكونية، وإنما كان يدعى الألوهية على شعبه المستزل! بمعنى أنه هو حاكم هذا الشعب بشريعته وقانونه، وأنَّه بإرادته وأمره تمضى الشؤون وتقضى الأمور. وهذا ما يدعيه كل حاكم يحكم بشريعته وقانونه،
стр. 49
وتمضى الشؤون وتقضى الأمور بإرادته وأمره - وهذه هي الربوبية بمعناها اللغوى والواقعي".
"ويقف أمام قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ ليقول: "وقد قلنا: إن قضية الألوهية لم تكن محل إنكار جدى من المشركين، فقد كانوا يعترفون أن الله - سبحانه - هو الخالق الرازق المحيى المميت المدير المتصرف القادر على كل شيء .. ولكن هذا الاعتراف لم تكن تتبعه مقتضياته، فلقد كان مقتضى هذا الاعتراف بألوهية الله على هذا المستوى، أن تكون الربوبية له وحده في حياتهم، والربوبية تتمثل في الدينونة له وحده … ".
أما عن البند الثاني من بنود ميزان المدح والذم للزرقاني: والذي جاء فيه إرداف ذلك بالكلام على التراكيب من جهة الإعراب والبلاغة على أن يتذوق ذلك بمحاسنه البيانية.
قال الدكتور صلاح الخالدى: حبا الله سيد قطب - فيما حباه - موهبة بيانية نماها وغذاها فصار صاحب اسلوب بيانى مشرق وعبارات أدبية بليغة وصياغة فنية ساحرة مؤثرة، حيث جمع بين الفصاحة والبلاغة، وبين العذوبة والسلاسة، وبين العرض الحى والتصوير المؤثر، وأضاف إلى هذا انفعاله الحى وخواطره الحية ومعايشته الحية حيث خرجت كلماته من قلبه لا من عقله أو لسانه .. وبهذه الوسيلة كان - قبل أن يقبل على القرآن - في طليعة الأدباء والنقاد في مصر، ثم أقبل على نصوص القرآن وعرضها بهذه الموهبة فجاء تفسيره لها أدبيًا ساحرًا وبليغًا مؤثرًا.
ثم قال: من سمات الظلال - إذًا - العرض البياني الحي المشرق، وكله تظهر فيه هذه السمة، ولكننا - في هذا المبحث - سنختار (قطعًا) فنية من الظلال، ثم أورد من هذه النماذج قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (١)، استوقفه الفعل أفضى
стр. 50
وحذف مفعوله من الآية، وانطلاقًا من القاعدة المعروفة: "حذف المعمول يفيد العموم"، قد أتى في لوحة بيانية ساحرة نماذج من الإفضاءات بين الزوجين فقال: "ويدع الفعل: "أفضى" بلا مفعول محدد، يدع اللفظ مطلقًا، يشع كل معانيه ويلقى كل ظلاله، ويسكب كل إيحاءاته ولا يقف عند حدود الجسد وإفضاءاته، بل يشمل العواطف والمشاعر، والوجدانيات والتصورات، والأسرار والهموم، والتجاوب من كل صوره من كل صور التجاذب يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة أناء الليل وأطراف النهار .. إلى آخره (*).
أما عن البند الثالث: وهو تقديم الحقيقة على المجاز .. إلخ.
فلسيد قطب شواهد كثيرة في ظلاله على تقديمه للحقيقة على المجاز، من ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، قال: "ولا حاجة لتأويل النص عن ظاهر مدلوله، فالله يقول ونحن لا نعلم شيئًا عن طبيعة هذا الوجود وخصائصه أصدق مما يقوله الله عنه: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، تعنى "سبح لله ما في السموات والأرض" لا تأويل ولا تعديل، وبعد أن يورد مجموعة من الآيات والأحاديث التي تقرر هذه الحقيقة يعقب عليها بقوله: "ولا داعى لتأويل هذه النصوص الصريحة لتوافق مقررات سابقة لنا عن طبائع الأشياء غير مستمدة من هذا القرآن" (١).
ولعل قوله الآتي يجلى منهجه أيضًا في حمل الكلام على الحقيقة أولًا.
بقول: "إن هنالك قاعدة مأمونة في مواجهة النصوص القرآنية لعل هنا مكان تقريرها، إنه لا يجوز لنا أن نواجه النصوص القرآنية بمقررات عقلية سابقة، لا
стр. 51
مقررات الموضوع الذى تعالجه النصوص، بل ينبغى أن نواجه هذه النصوص لنتلقى منها مقرراتنا، فمنها نتلقى مقرراتنا الإيمانية، ومنها تكون قواعد منطقنا وتصوراتنا جميعًا"، وهذه القاعدة جاءت بعد رده لكلام الأستاذ محمد عبده في حمله الطير في سورة الفيل على أنه ذباب والحجارة التي كان يحملها كانت ملوثة بالجدرى والحصبة رده بقوله: "نحن أميل إلى اعتبار أن الأمر قد جرى على أساس الخارقة غير المعهودة، وأن الله أرسل طيراً أبابيل غير معهودة .. "، ثم قعد القاعدة السابقة، وإن كان لم يلتزم بهذا في مواضع (*).
أما البند الرابع: من ميزان المدح والذم الذى وضعه الزرقاني فهو ملاحظة سبب النزول.
قال الدكتور صلاح الخالدى: "ولقد أكثر سيد من الحديث عن الملابسات التاريخية لنزول القرآن، وتفرق ذلك في مواطن عديدة من الظلال حتى صار سمة بارزة من سماته، ونقل عن سيد قطب في ظلاله ما يبرهن على أن ذلك منهجه مثل قوله: لا بد من استصحاب الأحوال والملابسات والظروف والحاجات والمقتضيات الواقعية العملية التي صاحبت نزول النص القرآني .. ثم قال الدكتور صلاح الخالدي: "وعن أظهر الأمثلة على هذه السمة في الظلال تعريف سيد قطب بالسور وتقديمه لها وبخاصة الطبعة المنقحة حيث كان يلم بالملابسات التاريخية المشار إليها" ا هـ (١).
أما عن البند الخامس من بنود ميزان المدح والذم للزرقاني، وهو مراعاة التناسب بين السابق واللاحق، بين فقرأت الآية الواحدة وبين الآيات بعضها وبعض.
فليس أدل على مراعاة سيد قطب لهذا من كلامه في مرحلية الجهاد واستشهاده
стр. 52
بكلام ابن القيم في الزاد على هذه المرحلية ثم تخطئته للذين لم يراعوا ذلك بقوله: "إنهم يعمدون إلى النصوص المرحلية فيجعلون منها نصوصًا نهائية وإلى النصوص المقيدة بحالات خاصة فيجعلون منها نصوصًا مطلقة الدلالة، حتى إذا وصلوا إلى النصوص النهائية المطلقة أوّلوها وفق النصوص المقيدة المرحلية"! (١)، وأيضًا ربطه بين آيات سورة الأنعام وسورة الأعراف في مواجهتها للجاهلية، فسورة الأنعام واجهت الجاهلية فيما واجهتها فيه - في شأن الذبائح والنذور والتحليل والتحريم، وسورة الأعراف واجهتها في شأن اللباس والطعام"، وبعد أن عرض ألوان هذا التشابه فيهما قرر وحدة المنهج بقوله: "وذات القضية وذات المنهج في مواجهتها وذات الخطوات" (٢)، "ومن أظهر الأمثلة على هذه السمة في الظلال تعريف سيد قطب بالسور وتقديمه لها وبخاصة الطبعة المنقحة، حيث كان يربط بين الآيات بعضها ببعض في هذه المقدمة" (*).
أما عن البند السادس من بنود المدح والذم للزرقاني: وهو مطابقة التفسير لما هو معروف من علوم الكون وسنن الاجتماع وتاريخ العالم وتاريخ العرب الخاص أيام نزول القرآن.
فيقول الدكتور صلاح الخالدى: "كان من قواعد منهج سيد قطب في التفسير الثقة المطلقة بالنص والتسليم التام بمدلوله … إلخ، ومن أجل توضيح هذه القاعدة ومن أجل إثبات البعد الواقعى للنصوص وبيان عموم دلالتها كان سيد وهو يفسر النصوص يعرج على أحداث التاريخ ويلتفت إلى وقائعه وحوادثه فيستشهد بهذه الوقائع والأحداث التي تصدق حقائق النصوص وتقريراتها … وقد كثرت هذه الالتفاتات حتى أصبحت سمة بارزة للظلال، ثم أورد الدكتور صلاح الأمثلة من الظلال لاستشهاد سيد بالواقع التاريخي وتفسير النصوص
стр. 53
القرآنية به، وبيان البعد التاريخى لها وانطباقها على الواقع الذي يحصل بعد نزولها وخضوعه لها ولتقريراتها، وكونها حقائق ثابتة لا يشذ عنها أي حدث في أي زمان وأي مكان (١).
وبعد فأنا لا أدعى بعد هذا العرض أن سيد قطب بلغ القمة في تحقيق ذلك المنهج، بل اجتهد وسعه في تحقيقه وإثباته فأصاب ما أصاب بالقدر الذي يضع كتابه في جملة الكتب المفسرة للرحمة المنزلة، وجانبه الصواب فيما جانبه بالقدر الذي لا يسوغ المساومة على شطبه من تلك القائمة، ولا نعصم ولا نؤثم، والله الموفق (٢).
стр. 54
سلفية سيد قطب في التفسير
وهناك سمات بارزة للظلال تؤكد على سلفية سيد قطب في التفسير منها:
١ - الواقعية الجدية في البحث:
من السمات البارزة للظلال والتي نص عليها الدكتور صلاح الخالدى (١) هي: سمة الجدية في البحث وترك المسائل التي لا طائل من وراءها الآن، كالكلام عن أحكام أهل الذمة ومعاملتهم لأنهم غير موحدين، أو الكلام على ما ينبغى في ديار أهل الإسلام لأنها غير موجودة وغير ذلك من المسائل التي لا فائدة فيها الآن، وكذلك لا طائل من وراءها على الإطلاق كالخوض في علم الكلام أو الجدل الكلامى الذى ثار بين علماء المسلمين والفلسفة الإغريقية والمباحث اللاهوتية عند اليهود والنصارى عند مخالطتها للعقلية العربية الصافية وللعقلية الإسلامية الناصعة، وما كان لنا نحن اليوم أن نقع في هذه الآفة فنفسد جمال العقيدة وجمال القرآن بقضايا علم الكلام … إلخ اهـ (٢).
وما أشبه هذا المنهج بما قرره ابن تيمية في مقدمة التفسير حيث قال: كذلك من نصب الخلاف فيما لا فائدة تحته أو حكى أقوالًا متعددة لفظًا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى فقد ضيع الزمان وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس نوبي زور، والله الموفق للصواب اهـ (٣).
стр. 55
٢ - عدم الاعتماد على الإسرائيليات والاستغناء بالنص القرآني عنها:
ومن بديع ما يجلى منهج سيد السلفى في الوقوف على النص القرآني والاستغناء به عن الإسرائيليات تفسير قول الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ … ﴾، قال: "وأما كيف وقعت هذه الآيات، فليس لنا وراء النص القرآني شيء ولم نجد في الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله ﷺ منها شيئًا ونحن على طريقتنا هذه في "الظلال" نقف عند حدود النص القرآني في مثل هذه المواضع، لا سبيل لنا إلى شيء منها إلا عن طريق الكتاب أو السُّنَّة الصحيحة، وذلك تحرزًا من الإسرائيليات والأقوال والروايات التي لا أصل لها والتي تسربت - مع الأسف - إلى التفاسير القديمة كلها، حتى ما ينجو منها تفسير واحد من هذه التفاسير، وحتى إن تفسير الإمام ابن جرير الطبري - على نفاسة قيمته - وتفسير ابن كثير كذلك - على عظم قدرة - لم ينجوا من هذه الظاهرة الخطيرة (١).
وهذا الكلام الذى يقرره سيد قطب هو أشبه كذلك بكلام شيخ الإسلام في الأخذ بالإسرائيليات.
قال ﵀: لكن هذه الأحاديث الإسرائيلية تذكر للاستشهاد لا للاعتقاد فإنها على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما علمنا صحته مما بأيدينا مما يشهد له بالصدق، فذاك صحيح.
الثاني: ما علمنا كذبه بما عندنا مما يخالفه.
والثالث: ما هو مسكوت عنه لا من هذا القبيل ولا هذا القبيل، فلا نؤمن به ولا نكذبه، ويجوز حكايته لما يتقدم - أي من أدلة لقوله: "حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ولا تكذبوا ولا تصدقوا" - ثم قال: وغالب ذلك
стр. 56
مما لا فائدة فيه تعود إلى أمر دينى ثم ضرب أمثلة لذلك كأسماء أصحاب الكهف ولون كتبهم وأسماء الطيور التي أحياها إبراهيم وتعيين البعض الذي ضرب به القتيل من البقرة إلى غير ذلك مما أبهمه الله في القرآن مما لا فائدة في تعيينه تعود على المكلفين في دنياهم ولا آخرتهم ا هـ (١).
стр. 57
٣ - ربط القرآن بالواقع:
ومن السمات البارزة للظلال ربط القرآن بالواقع وتنزيله عليه، ولا بد من ذلك لكي يظل القرآن فيه حكم ما بيننا كما ثبت عن عليّ (١)، ولا يتصور ذلك في القرآن - أي يكون فيه حكم ما بيننا - ونحن نقول: أن الطاغوت هو كعب بن الأشرف فقط، أو حيي بن أخطب؛ لأن الآية نزلت فيهما: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، أو أن قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ خاص ببنى قريظة وبني النضير لأنها نزلت فيهما.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: ونظائر ذلك كثير مما يذكرون أنه نزل في قوم من المشركين في مكة أو في قوم من أهل الكتاب اليهود والنصارى أو في قوم من المؤمنين، فالذين قالوا ذلك لم يقصدوا أن حكم الآية مختص بأولئك الأعيان دون غيرهم، فإن هذا لا يقوله مسلم ولا عاقل على الإطلاق اهـ (٢).
قلت: وهذا يستلزم الربط بالواقع المعاصر وتنزيل الآيات عليه لنعرف من لَبِسَ ثوب كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب ومن ركب مراكب الفراعين، ومن أولى في هذا الزمان بوصف هارون أو هامان، وليس أدل على سلفية هذا المنهج من حديث ذات أنواط لما مر الصحابة رضى عنهم بسدرة فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط، كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكوفون حولها، فقال النبي ﷺ : "الله أكبر هذا كما قالت بنو إسرائيل
стр. 58
"اجعل لنا إلهًا كما لهم ألهة" "إنكم تركبون سنن الذين من قبلكم" (١)، فالرسول ﷺ يبين أن صورة الألهة غير محصورة في الأصنام فقط، بل قد تتعدى لغيرها إذا ما بذل له نوع طاعة سواء كان شجر أو بشر، ويبين لهم كذلك أن الآية ليست خاصة باليهود فقط، بل هى عامة في كل من ركب سنتهم.
ويبين كذلك في هذه القصة حتمية ربط القرآن بالواقع وتنزيله عليه.
ولما شق على الصحابة ﵃ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ … ﴾ الآية، وقالوا: أينا لم يظلم؟، قال لهم ﷺ : ليس كما تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم: بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان لابنه: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (٢)، فالرسول يعلمهم أن الآية وإن كانت توجه الخطاب لابن لقمان إلا أنها تعم غيره فلا مانع من نزولها عليهم وربطها بواقعهم (٣).
ومما يدل على سلفية هذا المنهج أيضًا ما أثر عن ترجمان القرآن وحبر الأمة ابن عباس ﵁ في غير موضع من تفسيره يربط فيه بين القرآن والواقع، ففى قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ:
стр. 59
آنِفًا﴾ قال أنا من الذين أوتُوا العلم، وقوله تعالى في سورة الكهف: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قال: أنا من القليل، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾، قال: كنت أنا وأمى من المستضعفين، وأمثال ذلك كثير عنه، وعن غيره من الصحابة مما يؤكد على سلفية هذا المنهج، مثل ما جاء عن عائشة في قصة الإفك قالت والله ما أجد لكم مثلًا إلا قول أبي يوسف، قال: "فصير جميل والله المستعان على ما تصفون" (١)، فلما نظرت في القرآن رأت واقعها مع النبي ﷺ أشبه بواقع أبي يوسف مع أبناءه، فتمثلت قولته وأنزلتها على نفسها والرسول يقرها على ذلك، وأيضًا قول ابن مسعود الذى أخرجه ابن جرير عنه من غير وجه في فضل معاذ قال: "إن معاذ كان أمة قانتا لله حنيفا"، فقال نوفل الأشجعي: فقلت في نفسي غلط أبو عبد الرحمن، وقال: "إنما قال الله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، فقال: تدرى ما الأمة وما القانت؟ قلت: الله أعلم، فقال: الأمة الذى يعلم الناس الخير، والقانت المطيع لله ورسوله، وكذلك كان معاذ، فابن مسعود لم ير بأسًا من تنزيل الآية على معاذ، بل وضع اسمه مكان اسم الخليل ﵇ لتشابه الأحوال.
ومما يؤكد هذا المنهج السلفى ربط القرآن بالواقع، وأن آياته المنزلة في بعض الناس تتعدى لغيرهم مما يأتي من بعدهم إذا تشابهت الأحوال.
قال الزركشي (البرهان: ١٢/ ٢٤): وقد جاءت آيات في مواضع اتفقوا على تعديتها إلى غير أسبابها؛ كنزول آية الظهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في شأن هلال بن أمية، ونزول حد القذف في رماة عائشة ﵂، ثم تعدى إلى غيرهم .. إلخ. اهـ وهذا أشبه بكلام شيخ الإسلام المتقدم قبل قليل.
стр. 60
نزول القرآن منجمًا وعدم نزوله جملة واحدة:
ومما يزيد في التأكيد على سلفية ربط القرآن بالواقع نزوله على مراحل منجمًا وليس جملة واحدة.
قال الزركشي: فإن قلت: ما السر في نزوله إلى الأرض منجمًا؟ وهلا نزل جملة كسائر الكتب؟ قلت: هذا سؤال قد تولى الله سبحانه جوابه؛ فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، يعنون: كما أنزل على من قبله من الرسل. فأجابهم الله بقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾، أي أنزلناه كذلك مفرقًا ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي لنقوى به قلبك؛ فإن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة كان أقوى للقلب، وأشد عناية بالمرسل إليه؛ ويستلزم ذك كثرة نزول الملك إليه، وتجديد العهد به وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجانب العزيز، فحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة؛ وهذا كان أجود ما يكون في رمضان لكثرة نزول جبريل ﵇.
стр. 61
٤ - الصلة بين الإنسان والكون وعبوديتهما لله:
يقول الدكتور صلاح الخالدي:
كذلك وقف سيد يبين الصلة بين الإنسان وبين الكون، ويربط بين حركة الإنسان وحركة الكون في عبوديتهما لله، ويظهر الوحدة والتناسق بينهما، وحديث القرآن عن هذا، وعرض الإسلام لهذا الذى يصح أن نعتبره "شريعة كونية" (١).
ولذلك لا بدّ للإنسان - إن أراد السعادة والتوفيق في حياته - من أن يلتزم بمنهج الله سبحانه - وهو الإسلام - في نفسه وحياته ومجتمعه، ليتناسق مع النظام الكونى كله ويتعامل معه. "وحين يتناسق ويتفاهم مع نواميس الكون التي تحكمه وتحكم سائر الأحياء فيه، يملك معرفة أسرارها، وتسخيرها أو الانتفاع بها على وجه يحقق له الراحة والسعادة والطمأنينة، ويعفيه من الخوف والقلق والتناحر … ".
والفطرة البَشرية في أصلها متناسقة مع ناموس الكون، مسلمة لربها إسلام كل شيء، وكل حي …
أما إذا أعرض الإنسان عن دين الله، وخرج عن منهج الله فإنه "لا يصطدم مع الكون فحسب، إنما يصدم أولًا بفطرته التي بين جنبيه، فيشقى ويتمزق، ويحتار ويقلق، ويحيا كما تحيا البَشرية الضالة النكدة اليوم في عذاب … " (٢)، وصدق الله القائل: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٣).
стр. 62
والإنسان المؤمن يحسن الاستفادة من القوى الطبيعية في الكون وموقفه منها "هو موقف التعرف والصداقة، لا موقف التقاتل والعداء. ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعة صادرتان عن إرادة الله ومشيئته، محكومتان بإرادة الله ومشيئته، متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه … ".
إن الله خلق هذه القوى للإنسان "لتكون له صديقًا مساعدًا متعاونًا، وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها، ويتعرف إليها، ويتعاون وإياها، ويتجه معها إلى الله ربه وربها .... " (١).
والإنسان والقوى الطبيعية يشكلان وحدة في هذا الوجود الكوني العريض الكبير المأنوس فالوجود وحدة، بمعنى: (وحدة صدوره عن الإرادة الواحدة الخالقة، ووحدة ناموسه الذي يسير به، ووحدة تكوينه وتناسقه واتجاهه إلى ربه في عبادة وخشوع: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ … ﴾ " (٢).
فالإنسان - إذن - ليس "مفردًا في هذا الكون الفسيح، فإن مَنْ حوله، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته، وحيثما امتد به النظر أو طاف به الخيال .. إخوان له من خلق الله، لهم طبائع شتى، وصور شتى، وأشكال شتى. ولكنهم بعد ذلك يلتقون في الله، ويتوجهون إليه، ويسبحون بحمده: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ .. ﴾ (٣).
ويبدو الكون بما فيه ومن فيه في هذا المشهد الخاشع: "متجهًا كله إلى خالقه، مسبحًا بحمده قائمًا بصلاته .. وإن الإنسان ليدرك - حين يشف - هذا
стр. 63
المشهد ممثلًا في حسّه كأنه يراه، وإنه ليسمع دقات هذا الكون وإيقاعاته تسابيح لله .. وإنه ليشارك كل كائن في هذا الوجود صلاته ونجواه … " (١).
ومن ثم يربط القرآن في آيات كثيرة بين الإنسان وبين الكون، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ .. ﴾ (٢)، فهذا الكون بذاته: "كتاب مفتوح، يحمل بذاته دلائل الإيمان وآياته ويشى بما وراءه من يد تدبره بحكمة … وهذه الحقيقة تمثل أحد مقومات التصور الإسلامي عن هذا الكون، والصلة الوثيقة بينه وبين فطرة الإنسان، والتفاهم الداخلى الوثيق بين فطرة الكون وفطرة الإنسان … " (٣).
ولذلك يكون للنظر "في كتاب الكون، والتعرف إليه أثر في القلب البشري، وقيمة في الحياة البَشرية … والناس قطعة من هذا الكون، لا تصح حياتهم ولا تستقيم، إلا حين تنبض قلوبهم على نبض هذا الكون، وإلا حين تكون الصلة وثيقة بين قلوبهم وإيقاعات هذا الكون الكبير". وكل معرفة علمية ببعض ما في الكون وظواهره يجب أن تستحيل "في الحال إلى إيقاع في القلب البشرى، وإلى ألفه مؤنسة بهذا الكون، وإلى تعارف يوثق أواصر الصداقة بين الناس والأشياء والأحياء … " (٤).
ولكن هذا الكون الخاشع المنيب، لا يفتح كنوزه إلا لمن يشاركه العبودية والخضوع لله، ولا يفيض خيراته إلا للمؤمنين، ولا تعم بركاته إلا من استسلم لله والتزم منهجه، وأناب إليه. ولذلك العلاقة وثيقة، بين القيم الإيمانية والقيم الواقعية في حياة الناس، والصلة متينة بين الإنسان وبين الكون، وطبيعة الكون ونواميسه الكلية متصلة بالحق الذى يحتويه هذا الدين. ولهذا وردت في القرآن الكريم أمثال هذه الآيات: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ
стр. 64
سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ .. ﴾ (١)، ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ … ﴾ (٢).
إن بيان حقيقة الإنسان وخصائصه، والحديث عن دوره في هذا الوجود ومركزه، وإيضاح الصلة بين هذا الكائن الكريم وبين الكون الذي يعيش فيه، واتفاقهما في تحقيق العبودية لله بتناسق ملحوظ، إن هذا كله متوفر في الظلال بكثرة ملحوظة، جعلت منه سمة من سمات الظلال ا هـ (٣).
قلت: وهذه السمة لها أصالتها السلفية أيضًا وهى متقرره في غير موضع من كلام الرسول ﷺ من ذلك قوله الثابت في الصحيح: "أثبت أحد" (٤)، وقوله أيضًا في أحد: "هذا جبل نحبه ويحبنا" (٤)، وأيضًا ما ثبت في الصحيح من حديث جابر في قصة أنين الجذع وصياحه صياح الصبي لما تركه الرسول وصعد على المنبر الجديد فنزل النبي ﷺ وضمه إليه وقال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها" (٥)، وهذا أشبه بقوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾، قال مجاهد: "إن السماء والأرض يبكيان على المؤمن أربعين صباحًا"، قال أبو يحيى: فعجبت من قوله: قال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد يعمرها بالركوع والسجود وما للسماء لا تبكى على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوى كدوى النحل ا هـ.
* نزول السكينة والملائكة عند قراءة القرآن وتأثر الفرس.
ومن الأدلة أيضًا على سلفية هذه السمة ما ثبت في الصحيح عن أسيد
стр. 65
هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه مربوط عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجتزه رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير، قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبًا، فرفعت رأسى فانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها، قال: وتدرى ما ذاك؟ قال: لا، قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم" (١).
* تعاطف الشجر والحجر مع المسلمين.
والأدلة على انفعال الكون مع المسلم قوله ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود حتى يقول الشجر والحجر: يا مسلم يا عبد الله هذا يهودى ورائي فاقتله" (٢).
* استغفار ما في السماء والأرض والحيتان في البحر للمعلم.
قال ﷺ : " … وإن العالم ليستغفر له ما في السماء والأرض حتى الحيتان في البحر تدعو لمعلم الناس الخير" (٣).
* العبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب.
أما العبد الفاجر فتنفر منه الأرض من شؤمه وخبثه وتتمنى أن لو يموت فتستريح من نتنه.
قال ﷺ حينما مرت عليه جنازة: "مستريح ومستراح منه"،
стр. 66
فقالوا: ما المستريح .. وما المستراح منه؟ قال: "العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب (١).
وبشؤم العاصى والفاجر تتخبث الأرض.
لذلك نهى رسول الله ﷺ الرجل أن يذبح إبله ببوانه إذا كان فيها صنم يعبد أو عيدًا من أعياد الجاهلية، والحديث عند أبي داود وغيره ولذات السبب - نفور الكون من العاصى وعدم انفعاله معه - نهى النبي ﷺ من الشرب من أرض ثمود والصلاة في مواطن الخسف والعذاب، بل وعدم الدخول أصلًا إلا بشرط البكاء، كما ثبت في الصحيح هذا وغيره مما يدلك على انفعال الكون مع الطائع ونفوره من العاصى، الأمر الذي قرره سيد قطب بأبسط من ذلك، على صفحات ظلاله حتى صار سمة من سماته تدل أيضًا على سلفيته في التفسير، والله المستعان.
стр. 67
تركه للروايات التي بها ضعف إلا في مواضع
نص على ذلك في الجزء الثالث، صفحة (١٥٩٨)، ونراه أخل بما نص عليه، لورود روايات ضعيفة في "ظلاله"، ولعله يقصد أنه ترك الروايات الضعيفة في مسألة بعينها، وهذا ما يرجحه سياق الجملة. والله أعلم.
وقال في الجزء الأول (٩٧) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾.
قال: أما من هما الملكان: هاروت وماروت؟ ومتى كانا ببابل؟ فإن قصتهما كانت متعارفة بين اليهود، بدليل أنهم لم يكذبوا هذه الإشارة ولم يعترضوا عليها، وقد وردت في القرآن الكريم إشارات مجملة ببعض الأحداث التي كانت معروفة عند المخاطبين بها؛ وكان في ذلك الإجمال كفاية لأداء الغرض، ولم يكن هنالك ما يدعو إلى تفصيل أكثر؛ لأن هذا التفصيل ليس هو مقصود.
ولا أحب أن نجرى نحن - في ظلال القرآن - خلف الأساطير الكثيرة التي وردت حول قصة الملكين، فليست هنالك رواية واحدة محققة يوثق بها. ا هـ.
وقال في الجزء السادس، ص (٣٢٧٣) في سورة "الأحقاف" في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ … ﴾ الآية (٢).
قال: "وهناك روايات أخرى كثيرة، ونحن نعتمد من جميع هذه الروايات الأولى عن ابن عباس ﵄ لأنها هي التي تتفق تمامًا مع النصوص القرآنية: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ … وهي قاطعة في أن رسول الله ﷺ إنما أعلم بالحادث عن طريق الوحى، وأنَّه لم ير الجن ولم يشعر بهم، ثم إن هذه الرواية هي الأقوى من ناحية الإسناد والتخريج.
وقال في نفس الجزء، ص (٣٧٢٤) في سورة "الجن":
стр. 68
وهناك رواية أخرى عن ابن مسعود أنه كان تلك الليلة مع رسول الله ﷺ ولكن إسناد الرواية الأولى أوثق.
قال في الجزء السادس، صفحة (٣٤١٩، ٣٤٢٠):
"وكنت قد قرأت تلك الروايات المفتراة عما سمى بحديث الغرانيق، الذي أورده ابن سعد في "طبقاته"، وابن جرير الطبري في "تاريخه". وبعض المفسرين عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وهى الروايات التي قال فيها ابن كثير -: جزاه الله خيرًا - "ولكنها من طرق مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح"، ثم ذكر القصة عند ابن أبي حاتم من رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وانظر الكلام عليها في التخريجات.
ثم قال: وهناك روايات أخرى أجرأ على الافتراء تنسب قولة الغرانيق … تلك … إلى رسول الله ﷺ وتعلل هذا برغبته - حاشاه ﷺ في مراضاة قريش ومهادنتها!!!
وقد رفضت منذ الوهلة الأولى تلك الروايات جميعًا .. فيه فضلًا عن مجافاتها لعصمة النبوة وحفظ الذكر من العبث والتحريف، فإن سياق السور ذاته ينفيها نفيًا قاطعًا، إذ أنه يتصدى لتوهين عقيدة المشركين في هذه الآله وأساطيرهم حولها. فلا مجال لإدخال هاتين العبارتين في سياق السورة بحال … إلخ الكلام.
стр. 69
٦ - تنزيهه للصحابة ﵃:
* تنزيهه للصحابة والدفاع عنهم في بعض المواطن:
وذلك في اعتراضه على الزمخشري في نسبته قصة لعثمان في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى، وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى﴾.
قال: "ويحدد الزمخشري في تفسيره "الكشاف" شخصه، أنه عثمان بن عفان ﵁ ويذكر في ذلك قصة، ولا يستند فيها إلى شيء، ولا يقبلها من يعرف عثمان ﵁ وطبيعته وبذله الكثير الطويل في سبيل الله، بلا توقف وبلا حساب كذلك؛ وعقيدته في الله وتصوره لتبعة العمل وفرديته، ثم ذكر القصة بالهامش، ثم قال: وهي رواية ظاهرة البطلان فما هكذا يتصور عثمان (١).
قلت: وهذا منه امتثالًا لقوله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" (٢)، وغير ذلك من النصوص التي لا تخرج عن هذا المعنى، تحض على الذب والدفاع عن صحابة رسول الله ﷺ ، و ﵃. وهذه الجزئية أيضًا تؤكد سلفية منهج سيد قطب في تفسيره.
стр. 70
أضواء على مآخذ الظلال
المأخذ الأول - عباراته في بعض القضايا غير جامعة ولا مانعة:
اعتبر الدكتور صلاح الخالدى، أن هذا من أهم أخطاء الظلال وضرب لذلك أمثلة ككلامه بشأن زيادة الإيمان ونقصانه (١)، وكلامه في قضية وحدة الوجود في تفسير سورتي الحديد والإخلاص وإدراجه لأهل السُّنَّة مع الفرق التي كان ينقضها كالمعتزلة وغيرها (٢)، ومسألة الاستواء التي وضح الكلام فيها في الطبعة الثانية وكذلك الحاكمية والمفاصلة والإيمان والكفر بعبارات غير محددة فهم منها البعض غير ما يقصد سيد منها.
ويمكن أن يُعتذر لسيد قطب بقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ … فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ … ﴾ الآية، ولا نتعسف في توجيه الآية لتوافق هوى - معاذ الله - في نفوسنا، بل هذا ما فهمه سماحة الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، بعد أن قرأ قراءات متعددة في عامة كتبه كما تقدم من قوله: فوجدت في كتبه خيرًا كثيرًا وإيمانًا مشرقًا وحقًا أبلجًا وتشريحًا فاضحًا لمخططات العداء للإسلام على عثرات في سياقته واسترسال بعبارات ليته لم يفه بها وكثير منها ينقضه قوله الحق في مكان آخر، والكمال عزيز .. إلى آخر ما قال (٣).
المأخذ الثاني - في ترتيب صلاح الخالدي:
الاستطراد في بحث بعض الموضوعات الخاصة المتعلقة بالدعوة أو الحركة أو الواقع المعاصر.
стр. 71
يقول صلاح الخالدى: وهذا الاستطراد يؤخذ على سيد لأنَّه كان حريصًا على أن يستبعد المطولات التي بحثها المفسرون الأولون في مجالات الفقه أو العقيدة أو القصص، فلماذا يقع هو في استطراد آخر في موضوعات التصور والحركة؟
ثم ضرب أمثلة على ذلك منها وقفته المطولة في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، وكذلك استطراده في التعريف بسورة الأنعام وتقديمه لها حيث تعرض إلى موضوعات في العقيدة والتصور والدعوة والحركة وفى السيرة النبوية وحركة الرسول ﷺ ، وكذلك استطراداته أثناء تفسير سورة الأنعام نفسها لاستطراده في تفسير رحمة الله تعالى (٢)، ومنها استطراده في التعريف بسورة الأنفال للحديث عن الجهاد في سبيل الله مراحله وطليعته وبواعثه وألوانه ومبرراته وغايته وتصحيح بعض التصورات والآراء للمسلمين المعاصرين حوله، ومنها استطراده في الحديث عن الغزوات بتلخيص لأحداث الغزوة أخذه من كتب السيرة وإطالة هذا التلخيص حتى يبلغ عدة صفحات إلى آخر هذه الاستطرادات.
قلت: اعتبر الدكتور الخالدى أن من سمات الظلال التي يتميز بها سمة الواقعية الجدية في البحث، ثم قال: إن سيد قطب - لم يناقش إلا الأمور الجدية التي تنبنى عليها آثار عملية وينتج عنها فوائد مقبولة، أما تلك التي لا تترتب عليها تلك الآثار ولا تنجم عنها هذه الفوائد، فإن البحث فيها مضيعة للوقت والجهد، ثم قال: كذلك كان تركيز سيد على الموضوعات التي تهم المعاصرين وتلبي حاجاتهم وتبصرهم بطريقتهم، ولذلك جاء في الظلال في وقته المحدد لأداء مهمته الواقعية، فأقبل عليه العاملون لهذه السمة التي لم يجدوها في غيره (٣).
стр. 72
فكيف يجعل الدكتور صلاح الخالدى ما تميز به الظلال هو هو ما يؤخذ على الظلال، فإن كان استطراد سيد قطب في الموضوعات الخاصة في الدعوة أو الحركة أو الواقع المعاصر كما قال الدكتور فلا يعاب عليه ذلك؛ لأن هذا ما تميز به، أو لأنَّه يرى في التطويل في بعض هذه الاستطرادات ما يؤكد على القضايا العملية المعاصرة، أما إنكاره على التطويلات في كتب التفسير الأخرى فلأنه كان لا يرى بهذه التطويلات فائدة في الواقع المعاصر، وإن كانت لها فوائد في واقع المفسرين.
المأخذ الثالث:
يقول الدكتور صلاح الخالدى: تكراره الحديث عن بعض موضوعات في الظلال مثل الحاكمية والألوهية والربوبية ولوازمها والجاهلية ومظاهرها والمجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي ثم موضوعات الحركة ثم ضرب لذلك أمثلة عندما كان يتحدث عن الحاكمية في سورة واحدة هي سورة الأنعام نجده كرر الحديث عنها في مواطن عديدة ضمن تفسير تلك السورة (١).
قلت: لا ضير في هذ التكرار إذا كان التركيز على قضايا هامة وحيوية كرر ذكرها لأهمية بيانها في التصور والذهن كما قال الدكتور صلاح نفسه، وهذا هو منهج القرآن أيضًا لأنها تحمل جمل وعظات لا بد من تكرارها لترسيخها في الذهن وثبوتها في القلب، فإن قلنا: هذا خطأ في الظلال فيلزمنا القول بتخطيئ القرآن - معاذ الله - ولو كان المأخذ هو عرض سيد قطب لقضايا العقيدة في قالب الحاكمية - مع اعتقادنا أنها المخرج من الفتن المعاصرة - لكان أولى، فإن القرآن كما اهتم بأمر قضية الحاكمية اهتم أيضًا بباقى قضايا العقيدة بنفس الأهمية ونفس المستوى، وإن كان عذر سيد قطب في هذا أن هذه القضية هي قضية العصر.
المأخذ الرابع:
قال الدكتور صلاح الخالدى هو عدم إيراده لبعض الروايات المأثورة أحيانًا عندما يفسر اية ورد في تفسيرها بعض الروايات أو الأحاديث ثم قال: ومن
стр. 73
الأمثلة النادرة التي أغفل فيها الروايات والتي تظهر فيها وسجل دلالتها موقفه من حادثة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة عندما فسر الآية التي تقرر ذلك من سورة البقرة، حيث أن الحديث الذى يتحدث عن ذلك التحول أورده البخاري في صحيحه، لكن سيد لم يورد الحديث.
قلت: بل أورده سيد قطب في الجزء الأول ١٣٠ من حديث البراء بن عازب ثم ضرب مثالين آخرين:
أحدهما: إغفاله ذكر سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ مع وجوده في الصحيح.
والثانى: إغفاله للحديث الذي رواه البخاري أيضًا عن معنى الكشف عن الساق في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وهو كما قال، ولكن كما ذكر "هو كفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه".
المأخذ الخامس:
ترجيحه الرواية التى خارج الصحيحين على الرواية التي في الصحيحين من حيث المعنى لا من حيث السند وهذا نادر جدًا، لذلك ضرب له مثلين فقط:
(الثاني): في انشقاق القمر، قال الدكتور صلاح الخالدي والذي يؤخذ عليه هنا موقفه من هذا التعليل لسبب انشقاق القمر - بل رفضه له كما يوحى بذلك كلامه - مع أنه ورد في الروايات الصحيحة في الصحيحين … إلخ.
قلت: إن كان المأخذ على النتائج، فهذا مُسَّلم به، وإن كان المأخذ على المسلك، فهذا لا يُسَّلم به لأن الأستاذ سيد قطب له سلف في ذلك، فهذه عائشة ﵂ حينما يأتيها الخبر من ثقة عدل الخليفة الثاني عمر بن
стр. 74
الخطاب ﵁: "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"، فقالت رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ثم قالت: حسبكم القرآن: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" (١).
فإن كان سيد قطب ذهب هذا المذهب لأن الله قال: "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب به الأولون"، فبغض النظر عن النتائج فمسلكه سلفى كما تقدم من قصة عائشة ﵂.
المأخذ السادس:
وهو استشهاده بالأحاديث الضعيفة أحيانًا وتكلمنا على هذه النقطة في موضع آخر في أول هذا الكتاب، ويسعنا هنا أن نقول: قول الدكتور صلاح الخالدي: "إن هذه الأحاديث قليلة بالقياس إلى الأحاديث الكثيرة جدًا الصحيحة أو الحسنة التي أوردها في الظلال، ونقرر هنا أنه اعتمد في إيراد الحديث على كتب الحديث أو التفسير التي رجع إليها، وأنَّه أتى من قبلهم، وأنَّه كان يكتب في السجن بعيدًا عن المكتبات والكتب الكثيرة.
المأخذ السابع:
تخريجه الحديث أحيانًا من غير الكتب المعتمدة في الحديث … إلخ.
المأخذ الثامن:
عدم اتباعه طريقة موحدة في تسجيل دلالات الدين وحقائقه وإيماءاته … وعدم اتباعه طريقة موحده في تفسير الآية.
قلت: وهذا تجده كذلك في عدم ربط القرآن بالواقع في بعض الآيات والسور التي تمس الحاجة إلى ربطها بالواقع على عادته في مثيلاتها وعذره في
стр. 75
ذلك أنه أراد أن يفتح هذا الباب ليقدم نموذجاً لهذا النوع الفريد من التفسير لا لكي يستوعب كل ما جاء في هذا الباب.
المأخذ التاسع:
عدم اتباعه طريقة موحدة في تفسير غريب القرآن.
المأخذ العاشر:
وهو مأخذ خاص بأسلوبه في التفسير وفى كتابته له وفي صياغته الجمله وعباراته.
فقد كان أحيانًا يفصل بين العامل والمعمول بفاصل طويل، فقد يفصل بين الفعل والمفعول به بعدة أسطر، وقد يفصل بين إن وخبرها بعدة أسطر وقد يفصل بين المبتدأ والخبر بعدةِ أَسطر ثم ضرب الأمثلة على ذلك.
قلت: وقد يدخل في هذا المأخذ الخاص بالأسلوب مأخذ آخر وهو غلبة الأسلوب الأدبى على الكتاب في قضايا العقيدة لا سيما الكفر بالطاغوت وقضية الجهاد مما أفقدهما القوة المناسبة لعرضهما، وهذا منه بُعد نسبى عن أسلوب القرآن في عرض مثل هذه القضايا.
المأخذ الحادي عشر:
فهمه لنظرة إبراهيم ﵊ للكوكب والشمس، وقوله على كل منهم: "هذا ربي" ثم التبرؤ منه بعد ما بقيت حيث يفهم من تفسيره للآيات التي تعرض تلك الحادثة في سورة الأنعام بأنه يرى أن إبراهيم ﵊ كان يقول عن كل منهم: "هذا ربي" على الحقيقة.
قلت: الأستاذ سيد قطب له سلف في هذا المذهب وهو شيخ المفسرين ابن جرير الطبرى كما نقل ذلك الدكتور صلاح في الهامش.
ثم هل بالفعل هناك إجماع على عصمة الأنبياء قبل البعثة؟ محل بحث.