يقول صلاح الخالدى: وهذا الاستطراد يؤخذ على سيد لأنَّه كان حريصًا على أن يستبعد المطولات التي بحثها المفسرون الأولون في مجالات الفقه أو العقيدة أو القصص، فلماذا يقع هو في استطراد آخر في موضوعات التصور والحركة؟
ثم ضرب أمثلة على ذلك منها وقفته المطولة في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ (١)، وكذلك استطراده في التعريف بسورة الأنعام وتقديمه لها حيث تعرض إلى موضوعات في العقيدة والتصور والدعوة والحركة وفى السيرة النبوية وحركة الرسول ﷺ ، وكذلك استطراداته أثناء تفسير سورة الأنعام نفسها لاستطراده في تفسير رحمة الله تعالى (٢)، ومنها استطراده في التعريف بسورة الأنفال للحديث عن الجهاد في سبيل الله مراحله وطليعته وبواعثه وألوانه ومبرراته وغايته وتصحيح بعض التصورات والآراء للمسلمين المعاصرين حوله، ومنها استطراده في الحديث عن الغزوات بتلخيص لأحداث الغزوة أخذه من كتب السيرة وإطالة هذا التلخيص حتى يبلغ عدة صفحات إلى آخر هذه الاستطرادات.
قلت: اعتبر الدكتور الخالدى أن من سمات الظلال التي يتميز بها سمة الواقعية الجدية في البحث، ثم قال: إن سيد قطب - لم يناقش إلا الأمور الجدية التي تنبنى عليها آثار عملية وينتج عنها فوائد مقبولة، أما تلك التي لا تترتب عليها تلك الآثار ولا تنجم عنها هذه الفوائد، فإن البحث فيها مضيعة للوقت والجهد، ثم قال: كذلك كان تركيز سيد على الموضوعات التي تهم المعاصرين وتلبي حاجاتهم وتبصرهم بطريقتهم، ولذلك جاء في الظلال في وقته المحدد لأداء مهمته الواقعية، فأقبل عليه العاملون لهذه السمة التي لم يجدوها في غيره (٣).
стр. 72
فكيف يجعل الدكتور صلاح الخالدى ما تميز به الظلال هو هو ما يؤخذ على الظلال، فإن كان استطراد سيد قطب في الموضوعات الخاصة في الدعوة أو الحركة أو الواقع المعاصر كما قال الدكتور فلا يعاب عليه ذلك؛ لأن هذا ما تميز به، أو لأنَّه يرى في التطويل في بعض هذه الاستطرادات ما يؤكد على القضايا العملية المعاصرة، أما إنكاره على التطويلات في كتب التفسير الأخرى فلأنه كان لا يرى بهذه التطويلات فائدة في الواقع المعاصر، وإن كانت لها فوائد في واقع المفسرين.
المأخذ الثالث:
يقول الدكتور صلاح الخالدى: تكراره الحديث عن بعض موضوعات في الظلال مثل الحاكمية والألوهية والربوبية ولوازمها والجاهلية ومظاهرها والمجتمع الإسلامي والمجتمع الجاهلي ثم موضوعات الحركة ثم ضرب لذلك أمثلة عندما كان يتحدث عن الحاكمية في سورة واحدة هي سورة الأنعام نجده كرر الحديث عنها في مواطن عديدة ضمن تفسير تلك السورة (١).
قلت: لا ضير في هذ التكرار إذا كان التركيز على قضايا هامة وحيوية كرر ذكرها لأهمية بيانها في التصور والذهن كما قال الدكتور صلاح نفسه، وهذا هو منهج القرآن أيضًا لأنها تحمل جمل وعظات لا بد من تكرارها لترسيخها في الذهن وثبوتها في القلب، فإن قلنا: هذا خطأ في الظلال فيلزمنا القول بتخطيئ القرآن - معاذ الله - ولو كان المأخذ هو عرض سيد قطب لقضايا العقيدة في قالب الحاكمية - مع اعتقادنا أنها المخرج من الفتن المعاصرة - لكان أولى، فإن القرآن كما اهتم بأمر قضية الحاكمية اهتم أيضًا بباقى قضايا العقيدة بنفس الأهمية ونفس المستوى، وإن كان عذر سيد قطب في هذا أن هذه القضية هي قضية العصر.
المأخذ الرابع:
قال الدكتور صلاح الخالدى هو عدم إيراده لبعض الروايات المأثورة أحيانًا عندما يفسر اية ورد في تفسيرها بعض الروايات أو الأحاديث ثم قال: ومن
стр. 73
الأمثلة النادرة التي أغفل فيها الروايات والتي تظهر فيها وسجل دلالتها موقفه من حادثة تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة عندما فسر الآية التي تقرر ذلك من سورة البقرة، حيث أن الحديث الذى يتحدث عن ذلك التحول أورده البخاري في صحيحه، لكن سيد لم يورد الحديث.
قلت: بل أورده سيد قطب في الجزء الأول ١٣٠ من حديث البراء بن عازب ثم ضرب مثالين آخرين:
أحدهما: إغفاله ذكر سبب نزول قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ مع وجوده في الصحيح.
والثانى: إغفاله للحديث الذي رواه البخاري أيضًا عن معنى الكشف عن الساق في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، وهو كما قال، ولكن كما ذكر "هو كفى بالمرء نبلًا أن تعد معايبه".
المأخذ الخامس:
ترجيحه الرواية التى خارج الصحيحين على الرواية التي في الصحيحين من حيث المعنى لا من حيث السند وهذا نادر جدًا، لذلك ضرب له مثلين فقط:
(الثاني): في انشقاق القمر، قال الدكتور صلاح الخالدي والذي يؤخذ عليه هنا موقفه من هذا التعليل لسبب انشقاق القمر - بل رفضه له كما يوحى بذلك كلامه - مع أنه ورد في الروايات الصحيحة في الصحيحين … إلخ.
قلت: إن كان المأخذ على النتائج، فهذا مُسَّلم به، وإن كان المأخذ على المسلك، فهذا لا يُسَّلم به لأن الأستاذ سيد قطب له سلف في ذلك، فهذه عائشة ﵂ حينما يأتيها الخبر من ثقة عدل الخليفة الثاني عمر بن
стр. 74
الخطاب ﵁: "إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه"، فقالت رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله ﷺ إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه، ثم قالت: حسبكم القرآن: "ولا تزر وازرة وزر أخرى" (١).
فإن كان سيد قطب ذهب هذا المذهب لأن الله قال: "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب به الأولون"، فبغض النظر عن النتائج فمسلكه سلفى كما تقدم من قصة عائشة ﵂.
المأخذ السادس:
وهو استشهاده بالأحاديث الضعيفة أحيانًا وتكلمنا على هذه النقطة في موضع آخر في أول هذا الكتاب، ويسعنا هنا أن نقول: قول الدكتور صلاح الخالدي: "إن هذه الأحاديث قليلة بالقياس إلى الأحاديث الكثيرة جدًا الصحيحة أو الحسنة التي أوردها في الظلال، ونقرر هنا أنه اعتمد في إيراد الحديث على كتب الحديث أو التفسير التي رجع إليها، وأنَّه أتى من قبلهم، وأنَّه كان يكتب في السجن بعيدًا عن المكتبات والكتب الكثيرة.
المأخذ السابع:
تخريجه الحديث أحيانًا من غير الكتب المعتمدة في الحديث … إلخ.
المأخذ الثامن:
عدم اتباعه طريقة موحدة في تسجيل دلالات الدين وحقائقه وإيماءاته … وعدم اتباعه طريقة موحده في تفسير الآية.
قلت: وهذا تجده كذلك في عدم ربط القرآن بالواقع في بعض الآيات والسور التي تمس الحاجة إلى ربطها بالواقع على عادته في مثيلاتها وعذره في
стр. 75
ذلك أنه أراد أن يفتح هذا الباب ليقدم نموذجاً لهذا النوع الفريد من التفسير لا لكي يستوعب كل ما جاء في هذا الباب.
المأخذ التاسع:
عدم اتباعه طريقة موحدة في تفسير غريب القرآن.
المأخذ العاشر:
وهو مأخذ خاص بأسلوبه في التفسير وفى كتابته له وفي صياغته الجمله وعباراته.
فقد كان أحيانًا يفصل بين العامل والمعمول بفاصل طويل، فقد يفصل بين الفعل والمفعول به بعدة أسطر، وقد يفصل بين إن وخبرها بعدة أسطر وقد يفصل بين المبتدأ والخبر بعدةِ أَسطر ثم ضرب الأمثلة على ذلك.
قلت: وقد يدخل في هذا المأخذ الخاص بالأسلوب مأخذ آخر وهو غلبة الأسلوب الأدبى على الكتاب في قضايا العقيدة لا سيما الكفر بالطاغوت وقضية الجهاد مما أفقدهما القوة المناسبة لعرضهما، وهذا منه بُعد نسبى عن أسلوب القرآن في عرض مثل هذه القضايا.
المأخذ الحادي عشر:
فهمه لنظرة إبراهيم ﵊ للكوكب والشمس، وقوله على كل منهم: "هذا ربي" ثم التبرؤ منه بعد ما بقيت حيث يفهم من تفسيره للآيات التي تعرض تلك الحادثة في سورة الأنعام بأنه يرى أن إبراهيم ﵊ كان يقول عن كل منهم: "هذا ربي" على الحقيقة.
قلت: الأستاذ سيد قطب له سلف في هذا المذهب وهو شيخ المفسرين ابن جرير الطبرى كما نقل ذلك الدكتور صلاح في الهامش.
ثم هل بالفعل هناك إجماع على عصمة الأنبياء قبل البعثة؟ محل بحث.
стр. 76
المأخذ الثاني عشر:
اختياره بأن المسخ الذي أوقعه الله على طائفة من بني إسرائيل، فمسخوا قردة. وخنازير، كان مسخًا معنويًا نفسيًا، وليس مسخًا حسيًا جسميًا.
قلت: ويعتذر له عن ذلك أيضًا بأن له سلف فيه، فقد أخرج ابن جرير في تفسيره (١/ ٢٦٣)، قال: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله: "الذين اعتدوا منكم في السبت، فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين". قال: لم يمسخوا؟ إنما هو مثل ضربه الله لهم. مثل ما ضرب مثل الحمار يحمل أسفارًا.
وفى رواية أخرى أنه قال: مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة … إلخ.
وهذا إسناده صحيح إلى مجاهد رجاله كلهم ثقات غير محمد بن عمر فهو صدوق من رجال مسلم.
فضلًا عن أنه ترجع عن هذا الاختيار في تفسير قصة أصحاب السبت في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ .. ﴾ (١) الآية، قال: "كان ذلك العذاب البئيس هو المسخ عن الصورة الأدمية إلى الصورة القردية" (٢).
وقد أحسن في عودته إلى اعتماد ظاهر تعبير القرآن عن مسخهم - وأنَّه على الحقيقة - وكان خيرًا لو قال بذلك في تفسير الآية التي تتحدث عن ذلك في البقرة.
الثالث عشر:
تردده في قضية "وفاة" عيسى بن مريم ﵊، وهل مات قبل أن يرفعه إليه، أم رفع هناك بروحه وجسده؟
стр. 77
الأمر الذى جزم به سيد أن الله قد حال بين اليهود وبين ما أرادوه من صلب عيسى ﷺ وقتله، وحماه من ذلك الكيد والمكر اليهودى اللعين. وهو يجزم بذلك لأن القرآن صريح في عصمة الله لعيسى ﵇ من كيد اليهود ومكرهم، ونفيه الصريح أن يكونوا قد قتلوه أو صلبوه، وتقريره أنهم صلبوا شبهه، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ .. ﴾ (١)، وفى ذلك يقول سيد: "وهم ما قتلوه وما صلبوه، وإنما وقع القتل والصلب على من شبه لهم سواه".
أما ماذا جرى بعد أن أنجى الله عيسى ﵇ من مؤامرة اليهود، هل رفعه الله مباشرة إلى السماء بروحه وجسده؟ أم مات موتًا طبيعيًا بعد ذلك وصعدت روحه إلى السماء؟ تردد سيد في ذلك، وإن كان يميل إلى الرأى الثاني، بل قد صرح بذلك!!
(٢)
في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا .. ﴾ (٢) اختار أن هذه القضية من "المتشابه" الذي لا يعلمه إلا الله .. "فأما كيف كانت وفاته، وكيف كان رفعه .. فهي أمور غيبية تدخل في المتشابهات التي لا يعلم تأويلها إلا الله ولا طائل وراء البحث فيها، لا في عقيدة ولا شريعة .. " (٣).
بينما في تفسير سورة النساء مال إلى أن عيسى توفى قبل أن يرفعه الله إليه، ويفهم من كلامه وترجيحه أنه مع ذلك الرأى، ففى تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (٤) يقول: "ولا يدلى القرآن بتفصيل في هذا الرفع أكان بالجسد والروح في حالة الحياة؟ أم كان بالروح بعد الوفاة؟ ومتى كانت هذه الوفاة وأين … ".
стр. 78
" … ونحن - على طريقتنا في ظلال القرن - لا نريد أن نخرج عن تلك الظلال، ولا أن نضرب في أقاويل وأساطير، ليس لدينا من دليل عليها، وليس لنا إليها سبيل" (١).
والذي يدل على أنه يميل إلى أن عيسى توفى أولًا - ليس على أيدى اليهود - ثم رفع ثانيًا، ترجيحه للقراءة التي يفهم منها ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ .. ﴾ (٢).
فبيّن سيد أن هناك رأيين في تعيين عائد الضمير في كلمة "موته" فمنهم من قال: إنه يعود على عيسى ﷺ ومنهم من قال: إنه يعود على الشخص من أهل الكتاب، حيث يعرف الحق وهو على فراش الموت .. ومنهم من ذهب إلى رأى ثالث غريب حيث أعاده على محمد ﷺ (٣).
وقد رجح سيد الرأى الثانى واستشهد له بقراءة أُبى ﵁: "ونحن أميل إلى هذا القول الثانى الذى ترشح له قراءة أبي: "إلا ليؤمنن به قبل موتهم"، فهذه القراءة تشير إلى عائد الضمير وأنَّه أهل الكتاب .. " (٤).
وبعد ذلك صرح سيد بأن عيسى ﵇ توفى ثم رفع إلى السماء، وكلامه حول هذا الموضوع في تفسير سورة المائدة صريح في أنه يري ذلك، وقد عرض أدلته من القرآن، ووفق بين القرآن والآثار في ذلك: " .. ثم يخلى يده منهم بعد وفاته .. وظاهر النصوص القرآنية يفيد أن الله - سبحانه - قد توفى عيسى ابن مريم ثم رفعه إليه .. وبعض الآثار تفيد أنه حي عند الله. وليس هنالك - فيما أرى - أي تعارض يشير أي استشكال بين أن يكون الله قد توفاه من حياة الأرض، وأن يكون حيًا عنده .. فالشهداء كذلك يموتون في الأرض
стр. 79
وهم أحياء عند الله .. أما صورة حياتهم أما صورة حياتهم عنده فنحن لا ندرى لها كيفًا. وكذلك صورة حياة عيسى ﷺ وهو هنا يقول لربه: إنني لا أدرى ماذا كان منهم بعد وفاتي … " (١).
فرأى سيد الأخير في أن عيسى ﵇ قد توفاه الله على الأرض ثم رفعه إليه، مخالف لرأى جمهور العلماء وجمهور المفسرين الذين يرون أنه رفع إلى السماء بروحه وجسده، وأنَّه حي هناك وأنَّه ينزل قبل قيام الساعة (٢).
صحيح أن القرآن لم يصرح برفع عيسى إلى السماء بروحه وجسده، ولم تصرح بذلك الأحاديث الصحيحة التي تقرر نزوله قبل قيام الساعة (٣)، لكن يفهم من الآيات ومن الأحاديث أنه رفع بالروح والجسد، وطالما أن جمهور الصحابة والتابعين فهموا ذلك، فالأولى أن لا نخالفهم ..
ولم يقل سيد شيئًا في الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي تقرر نزول عيسى ﵇ في آخر الزمان على الأرض ليحكم بالإسلام. وكيف ينزل إذا كان قد توفى على الأرض ثم رفع إلى السماء؟ والنصوص تخبرنا أنه من خرجت روحه من جسده، فلا تعود إليه إلا عند البعث!!، وعيسى ﵇ ينزل قبل يوم البعث!! ثم كيف يجمع الله على عيسى ﵇ موتتين؟
قال الإمام الطبري في ترجيح رفع عيسى بروحه وجسده ونزوله في آخر الزمان: "ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله ، لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين؛ لأن الله إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحييهم. كما قال جل ثناؤه: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ .. ﴾ (٤).
стр. 80
الرابع عشر: حديثه عن معابد الجاهلية واعتزالها، وتعميم أمر موسى ﵊ لبنى إسرائيل بجعل بيوتهم قبلة. تعميم هذا على المسلمين في بعض الأحيان. ذهب إلى ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ .. ﴾ (١)
قال في تفسير تلك الآية: "وتلك هى التعبئة الروحية إلى جوار التعبئة النظامية، وهما معًا ضروريتان للأفراد والجماعات، وبخاصة قبيل المعارك والمشقات، ولقد يستهين قوم بهذه التعبئة الروحية، ولكن التجارب ما تزال إلى هذه اللحظة تنبئ بأن العقيدة هى السلاح الأول في المعركة، وأن الأداة الحربية في يد الجندى الخائر العقيدة، لا تساوى شيئًا كثيرًا في ساعة الشدة .. ".
"وهذه التجربة التي يعرضها الله على العصبة المؤمنة ليكون لها فيها أسوة، ليست خاصة ببنى إسرائيل، فهى تجربة إيمانية خالصة … ".
ويسجل ما تستفيده العصبة المسلمة من تلك الآية، ويضع الضوابط التي لا بد من توفرها لتعمل كما عمل أصحاب موسى ﵊ ويستخلص الخطة التي تسير فيها تلك العصبة بقوله: وقد يجد المؤمنون أنفسهم ذت يوم مطاردين في المجتمع الجهلى، وقد عمت الفتنة وتجبر الطاغوت، وفسد الناس، وأنتنت البيئة - وكذلك كان الحال على عهد فرعون في هذه الفترة - وهنا يرشدهم الله إلى أمور:
١ - اعتزال الجاهلية بنتنها وفسادها وشرها - ما أمكن في ذلك - وتجمع العصبة المؤمنة الخيرة النظيفة على نفسها، لتطهرها وتزكيها، وتدربها وتنظمها حتى يأتي وعد الله لها.
٢ - اعتزال معابد الجاهلية، واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد تحس فيها
стр. 81
بالانعزال عن المجتمع الجاهلي، وتزاول فيها عبادتها لربها على نهج صحيح، وتزاول بالعبادة ذاتها نوعًا من التنظيم في جو العبادة الطهور .. " (١).
وقد أساء بعض المسلمين فهم كلام سيد السابق، وبنوا عليه نتائج خطيرة خاطئة، حيث تركوا الصلاة في مساجد المسلمين في هذا الزمان لأنها "معابد الجاهلية"، واتخذوا زوايا بيوتهم مساجد، وتركوا الجُمَع والجماعات، وكفَّروا رواد المساجد من المصلين.
صحيح أن سيد لم يقل تلك الترهات، لكن استنتاجه السابق من الآية غير دقيق، والأمر الذى خرج به من الآية وهو اعتزال معابد الجاهلية واتخاذ بيوت العصبة المسلمة مساجد، غير منضبط ويمكن أن يوسع ويستدل به لأحكام خاطئة! ولا يمكن أن نطبقه على مساجد المسلمين القائمة، ولا أن نقول بترك صلاة الجماعة فيها … وإذا فعلنا ذلك فماذا نفعل في الأحاديث الصحيحة حول إجابة النداء للجماعة والسعى إلى المساجد؟، وبمن نتوجه للدعوة إن نحن هجرنا رواد المساجد وجمهور المجتمع، واعتزلناهم في زوايا بيوتنا؟؟
ولذلك لا نرى تعميم هذا الأمر الذي صدر إلى بني إسرائيل زمن موسى ﵇، على المسلمين المعاصرين، بل يجب قصره عليهم، فشرع من قبلنا ليس شرعًا لنا، وبخاصة إذا أتى شرعنا بضده ومقابله، كما في الأمر السابق لبنى إسرائيل والأوامر لنا بصلاة الجماعة.
وقد وقف الأستاذ سالم البهنساوى وقفة مطولة - مخلصة - أمام كلام سيد السابق، واعتذر عن سيد فيه، وحمله على حالة خاصة، وجعله لا يطبق علينا إلا وفق ضوابط وقيود دقيقة، وأورد كلامًا لعلماء سابقين، ومفسرين مختلفين حول تلك الآية، والأحكام التي تستخرج منها (٢).
стр. 82
الخامس عشر: اختياره وقت الإمساك للصائم الذى ورد بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ .. ﴾ (١)، وأنَّه يكون قبل طلوع الشمس بقليل! يقول: "أي حتى ينتشر النور في الأفق وعلى قمم الجبال وليس هو ظهور الخيط الأبيض في السماء وهو ما يسمى بالفجر الكاذب، وحسب الروايات التي وردت في تحديد وقت الإمساك نستطيع أن نقول: إنه قبل طلوع الشمس بقليل وإننا نمسك الآن وفق المواعيد المعروفة في قطرنا هذا قبل أوان الإمساك الشرعي ببعض الوقت .. ربما زيادة في الاحتياط".
وبعد ما أورد بعض الأحاديث في وقت الإمساك، وأنَّه عند الفجر المستطير في الأفق بيَّن وقته بقوله: "والفجر المستطير في الأفق يسبق طلوع الشمس بوقت قليل .. " (٢).
وهو لا يتفق في اختياره هذا مع جمهور الفقهاء، فالفجر المستطير هو الفجر الصادق الأحمر المعترض في الأفق .. وهو يسبق طلوع الشمس بزمن وليس قبلها بقليل كما قال سيد. فذلك هو الإسفار، والفجر الصادق المستطير يسبق الإسفار (٣).
قال الإمام النووى في "المجموع" عن وقت طلوع الفجر وعن أوقات صلاة الفجر: "وأجمعت الأمة على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الصادق، وهو الفجر الثاني، وآخر وقت الاختيار إذا أسفر أي أضاء، ثم يبقى وقت الجواز إلى طلوع الشمس .. " (٤).
وقال كذلك: "ويكره تأخير الصبح بغير عذر إلى طلوع الحمرة، يعني الحمرة التي قبيل الشمس" (٥)، فالإسفار - الذي يكون فيه الضوء قد
стр. 83
عم الأفق - يكون قبل طلوع الشمس، ويسبق الإسفار الفجر الصادق المستطير.
ويبين الإمام النووي أن الإمساك عند طلوع الفجر الثاني الصادق المستطير، وليس عند الإسفار قبل طلوع الشمس بقليل - كما قال سيد - وقرر النووى أن هذا مذهب جمهور الفقهاء قال: "هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. قال ابن المنذر: وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار .. " (١).
السادس عشر: اختياره أن الكتابية التي تعتقد أن الله ثالث ثلاثة أو أن المسيح ابن الله أو عزيز ابن الله هى مشركة لا يجوز الزواج منها. ويبين أنه يخالف رأى الجمهور في هذه المسألة ويرجح رأى ابن عمر ﵄:
(وهناك خلاف فقهى في حالة الكتابية التى تعتقد أن الله ثالث ثلاثة، أو أن الله هو المسيح ابن مريم، أو أن العزير ابن الله .. أهى مشركة محرمة، أم تعتبر من أهل الكتاب وتدخل في النص الذى في المائدة: ﴿ .. وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ … ﴾ (٢)، والجمهور على أنها تدخل في هذا النص .. ولكنني أميل إلى اعتبار الرأى القائل بالتحريم في هذه الحالة. وقد رواه البخاري عن ابن عمر ﵄ قال: قال ابن عمر: "لا أعلم شركًا أعظم من أن تقول ربها عيسى … ") (٣).
واختيار سيد السابق غير مسلَّم ولا مقبول؛ لأن فيه تعطيلًا للآية التي تبيح نكاح الكتابيات في سورة المائدة. وحملها على من لم تعتقد بأن عيسى ابن الله أو العزير ابن الله متعذر؛ لأن الكتابيات اللواتي كن زمن رسول الله ﷺ كن كافرات يعتقدن ببنوة عيسى أو العزير لله، ومع ذلك نزلت آية المائدة بجواز
стр. 84
الزواج منهن، ثم ثبت أن بعض الصحابة والتابعين قد تزوجوا كتابيات ولم ينقل أنهم تحققوا من عقيدتهن في عيسى أو العزير .. واستمر المسلمون على الزواج بالكتابيات لمن أراد بذلك.
ثم إننا لسنا مع ابن عمر وسيد في اعتبار الكتابية مشركة، بل إنها كافرة. والكفر أعم من الشرك كما تقرر نصوص القرآن الصريحة كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (١).
السابع عشر: قال بعض العبارات التي تحتمل أكثر من معنى، ولم يحددها تحديدًا دقيقًا. فوقف بعضهم أمامها، وحملها ما لم تحتمل، واستخرج منها وثيقة إدانة لعقيدة سيد وفكره .. وكان الأولى بسيد أن لا يطلقها ولا يستعملها إلا ببيان ما يقصده منها بدقة وتحديد …
صحيح أن مقصد سيد كان صحيحًا ونيته سليمة، وأنَّه لم يقصد المعانى السيئة التي حملها البعض عليها .. وأن صاحب الفهم السليم والنيّة الطيبة يفهم المراد منها بسهولة .. لكن نقرر أن الأولى هو عدم استعمال تلك العبارات منعًا لسوء التفسير والتأويل.
ومن تلك العبارات قوله: "وتبدأ الريشة المعجزة في المشاهد الكونية الضخمة .. لمسة في السموات، ولمسة في الأرضين، ولمسات في مشاهد الأرض وكوامن الحياة .. " (٢)، وقد قال هذا الكلام في تفسيره لمشاهد الطبيعة والكون التى تعرضها الآيات الأولى من سورة الرعد، ولم يكن يقصد بكلمة "الريشة المعجزة" هو الله - سبحانه - كما فهم بعض المغرضين الشانئين ذلك! - وإنما هي مرتبطة بنظريته عن "التصوير الفني في القرآن"، وتعبيره عنها من الرسم والتصوير واللون والتناسق والريشة والظل .. وغير ذلك.
ومن تلك العبارات: قوله عن توكل المؤمن على ربه واطمئنانه إلى موقفه
стр. 85
وطريقه: "إنها كلمة المطمئن إلى موقفه وطريقه، المالئ يديه من وليه وناصره، المؤمن بأن الله الذى يهدى السبيل لا بدّ أن ينصر وأن يعين .. " (١).
ومنها قوله عن وجوب عودة الفطرة البَشرية إلى الله .. "البَشرية التي لن تجد الرشد، ولن تجد الهدى، ولن تجد الراحة، ولن تجد السعادة، ولن تجد السعادة، إلا حين ترد الفطرة البَشرية إلى صانعها الكبير، كما ترد الجهاز الزهيد إلى صانعه الصغير" (٢)!!.
ومنها قوله عن معية الله سبحانه لعباده: "وهى كلمة على الحقيقة لا على الكناية والمجاز، فالله - سبحانه (٣) - مع كل أحد ومع كل شيء، في كل وقت، وفي كل مكان .. مطلع على ما يعمل، بصير بالعباد" (٤).
ومنها قوله عن المعية أيضًا: (إنه الله، هو الذي يقول، يقول لهؤلاء المخاليق وهم يعيشون معه، يحسون أنه معهم حقيقة وواقعًا، أنه يستمع إلى شكواهم في جنح الليل ويستجيب لها .. " (٥)
ومنها تعبيره عن العلاقة بين الله وعباده المؤمنين: "حين يرفع عباده الذين يؤثرونه ويحبونه إلى مرتبة يتحرج القلم من وصفها لولا أن فضل الله يجود بها … مرتبة الصداقة .. الصداقة بين الرب والعبد .. ودرجة الود ودرجة الود من الله لأودائه وأحبائه المقربين" (٦).
الثامن عشر:
موقفه من خبر الآحاد وأنَّه لا يؤخذ به في العقيدة، وتبعًا لذلك أنكر أن يكون
стр. 86
الرسول ﷺ قد سحر .. لأن هذا أمر اعتقادى، وكونه أثر فيه السحر يتعارض مع عصمته ﵊، ولذلك رد الحديث الذي يقرر حادثة السحر، رغم أنه حديث صحيح.
وقد ناقشنا هذه المسألة في فصل "عقيدة سيد قطب" عند الحديث عن موقفه من "خبر الآحاد" (١).
التاسع عشر:
موقفه من "النسخ" في القرآن الكريم، وميله إلى أنه لا نسخ في القرآن، الذي يتبين لنا من جمعه للآيات التي قال العلماء بأنها ناسخة مع الآيات التي قالوا بأنها منسوخة، وجمعه وتوفيقه بينها واعتبارها كلها محكمة. وقد بينا ذلك في حديثنا عن طريقته في التفسير، وموقفه من بعض علوم القرآن، ومنها النسخ.
العشرون:
كلامه للمشتغلين ببعض موضعات الفقه الإسلامي من المعاصرين، والذين اعتبرهم مشغولين بفقه الأوراق، ومن ثم وجه لهم عبارات قاسية، قد تصل إلى درجة التجريح، ومع أنها صدرت عن انفعال وحماس وتأثر، ونفثة مصدور وزفرة مكلوم لكن الأولى أن لا تصدر عن سيد قطب الهادئ الوادع المستقيم .. وقد تحدثنا عن تلك العبارات في الفصل السابق أثناء بياننا لنظرة سيد إلى الفقه الإسلامي.
هذه هي أهم المآخذ التي قد تؤخذ على الظلال، والملاحظات التي سجلناها عليه، وهناك غيرها من المآخذ الهامشية الصغيرة التى لم نجد ما يدعو لإيرادها، فاكتفينا بهذه المآخذ العشرين …
стр. 87
وهى كما نرى ملاحظات جزئية في أمور فرعية، وليست في النية والباعث. ولا في المنهج، وأمر مقبول أن تجد في كتاب ضخم جاوز الأربعة آلاف صفحة - من القطع الكبير - مآخذ يسيرة مثل تلك التي أوردناها. و"كفى المرء نبلًا أن تعد معايبه … "، وفرق بين رجل نبحث عن خطئه اليسير القليل في صوابه الكثير، وبين رجل نبحث عن صوابه القليل في خطئه الكثير ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١).
стр. 88
هذا وقد جاء في المورد الزلال مآخذ على الظلال منها ما هو جيد معتبر لذلك اعتمدناه على صفحات التخريج في موضعه، ومنها ما يكفي في الرد عليها أن تقرأها أبى الله أن تكون العصمة لكتابه، وإليك بعض هذه المآخذ والرد عليها من:
تقرير الإدارة العامة لشئون المصاحف ومراقبة المطبوعات بالرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والدعوة والإفتاء والإرشاد
١ - نقل صاحب المورد في ص (١١) عن ابن جرير أنه قال في تفسير: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾: وأولى المعانى بقول الله جل ثناؤه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ﴾ علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات (١/ ١٥)، ثم نقل عن ابن كثير أنه قال (١/ ٦٧) في تفسير: ﴿اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: "قصد إلى السماء والاستواء هاهنا مضمن معنى القصد والإقبال لأنَّه على بإلى"، ولم يتعرض صاحب المورد الزلال للجمع بين تفسير ابن جرير وتفسير ابن كثير المذكورين، والواجب خلاف ذلك.
٢ - ورد في (ص ١٤ س ١٨) ضمن الأوجه التي بين بها صاحب "المورد الزلال" الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا ما نصه "الوجه الثالث إجماع أهل السُّنَّة على أن جنة الخلد هى التى أهبط منها آدم ﵇ كما حكاه القرطبي في تفسيره (١/ ٢٠٣) "، وقد بسط الكلام على هذه المسألة العلامة ابن القيم في "مفتاح دار السعادة"، وهذا الذي نقله عن القرطبي موجود في تفسيره، وأما ابن القيم فما يوهمه صنيع صاحب المورد الزلال من أن الكلام الذي بسطه على هذه المسألة في مفتاح دار السعادة كان في إثبات الإجماع على أن الجنة التي عاش
стр. 89
فيها آدم وزوجه حينا هي جنة الخلد غير ثابت، فإن الذي وقع منه هو أنه قال في جوابه عن الطائفة التى ترى أن تلك الجنة التى عاش فيها آدم وزوجه حينا ليست جنة الخلد عن حجج الطائفة الأخرى التى ترى أنها جنة الخلد ما نصه: "الجواب عما ذكرتم من وجهين مجمل ومفصل". أما المجمل فإنكم لم تأتوا على قولكم بدليل يتعين المصير إليه لا من قرآن ولا من سُنَّة ولا أثر ثابت عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ لولا التابعين لا مسندًا ولا مقطوعًا ونحن نوجدكم من قال بقولنا: هذا أحد أئمة الإسلام سفيان بن عيينة قال في قوله : ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾، قال: يعني في الأرض، وهذا عبد الله بن قتيبة قال في معارفه بعد أن ذكر خلق الله لآدم وزوجه: إن الله سبحانه أخرجه من مشرق جنة عدن إلى الأرض التى منها أخذ. وهذا آدم قد حكى الحسن عنه أنه لما احتضر اشتهى قطفًا من قطف الجنة، فانطلق بنوه ليطلبوه له، فلقيتهم الملائكة فقالوا أين تريدون يا بني آدم، قالوا: إن أبانا اشتهى قطفا من قطف الجنة، فقالوا لهم: أرجعوا فقد كفيتموه فانتهوا إليه فقبضوا روحه وغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل وبنوه خلف الملائكة ودفنوه، وقالوا هذه سنتكم في موتاكم. وهذا أبو صالح قد نقل عن ابن عباس في قوله "اهبطوا منها"، قال: هو كما يقال: هبط فلان في أرض كذا وكذا. وهذا وهب بن منبه يذكر أن آدم خلق في الأرض وفيها سكن وفيها نصب له الفردوس وأنَّه كان بعدن وأن سيحون وجيحون والفرات انقسمت من النهر الذي كان في وسط الجنة وهو الذي كان يسقيها، وهذا منذر بن سعيد البلوطى اختاره في تفسيره ونصره مما حكيناه عنه وحكاه في غير التفسير عن أبي حنيفة فيما خالفه فيه فلم يقل بقوله في هذه المسألة. وهذا أبو مسلم الأصبهاني صاحب التفسير وغيره، أحد الفضلاء المشهورين، قال بهذا وانتصر له واحتج عليه بما هو معروف في كتابه، وهذا أبو محمد عبد الحق بن عطية ذكر القولين في تفسيره في قصة آدم، وهذا أبو محمد بن حزم ذكر القولين في كتاب الملل والنحل له قال، وكان المنذر بن سعيد القاضي يذهب إلى أن الجنة والنار مخلوقتان إلا أنه كان يقول: إنها ليست
стр. 90
هي التي كان فيها آدم وامرأته"، وأطال ابن القيم الكلام في بيان من ذكر القولين في تلك الجنة وأوضح ما لكل قول من هذين القولين من الحجج. وهذا يدل على أنه لم يثبت الإجماع على أن الجنة التي عاش فيها آدم وزوجه حينا هي جنة الخلد. وممن أطال الكلام في بيان من ذكر القولين في تلك الجنة الحافظ بن كثير في البداية والنهاية (١/ ٧٥ - ٧٧).
٣ - ذكر مؤلف "المورد الزلال" (ص ٤٣) أن صاحب الظلال (١/ ٤٣٩) قال: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا حماد عن الشعبي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم، وقد ضلوا وإنكم إما أن تصدقوا بباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وأنَّه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعنى" أورد صاحب المورد الزلال كلام صاحب الظلال هذا ثم قال (قوله: قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا حماد عن الشعبي … إلخ في الإسناد سقط لأن أبا يعلى لم يدرك أحدًا من أصحاب الشعبي، بل أقل ما بينه وبين الشعبي ثلاثة كما لا يخفى عند أهل هذا الشأن لأن الشعبي توفى سنة ثلاث ومائة وأبو يعلى مولده سنة عشر ومائتين وقوله: حماد عن الشعبي، إنما توفى سنة ثلاث ومائة وأبو يعلى مولده سنة عشر ومائتين، وقوله: حماد عن الشعبي إنما المعروف رواية مجالد عن الشعبي كما رواه الإمام أحمد راجع تفسير ابن كثير (٢/ ٤٦٧)، فلعله تصحف مجالد وصار حمادًا والله أعلم).
والملاحظ على كلام صاحب المورد الزلال إيهامه أن ابن كثير أورد هذا الحديث في تفسيره (٢/ ٤٦٧) من طريق الإمام أحمد بن حنبل بسنده عن مجالد عن الشعبي عن جابر، وقد راجعناه في ذلك الموضع، فلم نجده فيه، وإنما وجدناه فيه في (١/ ٣٧٨) في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾، الآية، قال (١/ ٣٧٨): قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق، حدثنا حماد عن مجالد عن الشعبي عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تسألوا
стр. 91
أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا وأنكم إما أن تصدقوا بباطل وإما أن تكذبوا بحق وأنَّه والله لو كان موسى حيًا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني" اهـ.
٤ - جاء في صفحة (٦) من المسودة وتقابل (٤٦) من المطبوعة ما نصه: "على منهج من صنع الله من جنس قول أهل البدع في القرآن، وأما أهل السُّنَّة فيقولون القرآن كلام الله منزل غير مخلوق".
وترى اللجنة أن هذه الملاحظة غير وجيهه، حيث فسر المنهج بأنه القرآن، والظاهر من السياق أن المنهج المراد به المسلك والطريق والصراط الذي أراد منهم السير عليه.
٥ - ورد في ص (١٢١) ص (٧ و ٨) بصدد الكلام على يأجوج ومأجوج ما نصه: (قوله - أي صاحب الظلال (هناك حديث صحيح رواه أحمد)، هذا قصور ظاهره أنه لم يخرجه من هو أشهر من أحمد وهو متفق عليه. وهذا غلط فاضح، فإن البخارى ومسلمًا ليسا بأشهر من الإمام أحمد بن حنبل بل الإمام أحمد أشهر منهما.
٦ - ورد في ص (١٣١) أن ابن أبي حاتم روي بسند رجاله رجال الصحيح عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "أن نبي الله أيوب لبث به بلائه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه: تعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد من العالمين، فقال له صاحبه: وما ذاك، قال: منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له .. إلخ الحديث وصححه الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه".
وهذا الحديث أورده ابن كثير في "البداية والنهاية" (١/ ٢٢٢ - ٢٢٣) قال: "قال ابن أبي حاتم وابن جرير جميعًا: حدثنا يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرنى نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي
стр. 92
ﷺ قال: "إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة"، فساقه بتمامه، ثم قال هذا لفظ ابن جرير، وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به، ثم قال ابن كثير: وهذا غريب جدًا والأشبه أن يكون موقوفًا" ا هـ وبهذا يرد على التعليق بتصحيح الحاكم هذا الحديث وموافقة الذهبي إياه على ذلك.
٧ - قال صاحب المورد الزلال في (٣١٣) في رده على الاتحادية من المتصوفة ما نصه: "وأما هو - أي صاحب الظلال"، فله كلام صريح في الرد على الاتحادية كما قال في كتاب خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ص (١٥٥، ١٥٦): "أن الإسلام يبدأ فيفصل فصلًا تامًا كاملًا بين حقيقة الألوهية - وحقيقة العبودية وبين مقام الألوهية ومقام العبودية وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية بحيث لا تقوم شبهة أو غبش حول هذا الفصل الحاسم" إلى آخر تلك العبارة التى نقلها صاحب المورد الزلال عن كتاب صاحب الظلال في خصائص التصور الإسلامي ومقوماته والملاحظ هنا عدم تعليق صاحب المورد على دعوى أن الإسلام يفصل بين حقيقة العبودية وبين مقام الألوهية ومقام العبودية وبين خصائص الألوهية وخصائص العبودية.
وترى اللجنة طباعة هذه الملاحظات من قبل المؤلف أو الناشر وإلحاقها بالكتاب وتوزيعها معه. فإذا تم ذلك فلا ترى اللجنة مانعًا من الإذن بتداول الكتاب لتعم الفائدة. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ا هـ (*)، (١).
стр. 93
فتحُ ذِي الجَلال
تَخْرِيج أَحاديثِ الظِّلَالِ
الجزءُ الأول
стр. 94
سُورَةُ الفَاتِحَةِ
١ - قوله: عن عبادة بن الصامت عن رسول الله ﷺ : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" (١/ ٢١).
[صحيح].
أخرجه البخارى في كتاب الأذان، باب: وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها في الحضر والسفر، ما يجهر فيها وما يخافت. "الفتح" (٢/ ٢٧٦/ ح ٧٥٦) ومسلم في كتاب الصلاة، باب: قراءة الفاتحة في كل ركعة (٢/ ٤/ ١٠٠، ١٠١ النووى)، وأبو داود في الصلاة، باب: من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب (١/ ٢١٥/ ح ٨٢٢)، والترمذى في الصلاة، باب: ما جاء أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (٢/ ٢٥/ ح ٢٤٧)، والنسائي في الصلاة، باب: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب (٢/ ١٣٧)، وابن ماجه في إقامة الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام، والشافعى في "الأم" (١/ ٩٣)، كتاب الصلاة، باب: القراءة بعد التعوذ، وأحمد في "مسنده" (٥/ ٣١٤، ٣٢١، ٣٢٢)، والدارمي (١/ ٢٨٣)، وابن خزيمة في "صحيحه" (١/ ٢٤٦/ ح ٤٨٨)، والطبراني في "الصغير" (١/ ١٤٠/ ح ٢١١)، وسفيان بن عيينة في "تفسيره" (ص ٢٠٢)، والبيهقي في "الكبرى" (٢/ ٥٦، ٢٣٣، ٥٢٣، ٥٢٤)، والبغوى في "شرح السُّنَّة" (٣/ ٤٥، ٤٦/ ح ٥٧٦، ٥٧٧)، وابن حبان في "صحيحه" (٣/ ١٣٨/ ح ١٧٨٣).
جميعًا من طريق الزهرى، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت ﵁، به.
وعند أحمد (٥/ ٣١٣، ٣١٦، ٣٢٢)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٥٥)، وابن حبان (١٧٨٩ - الإحسان)، والبيهقى (٢/ ٢٣٤) من
стр. 95
طريق مكحول، عن محمود بن الربيع بسنده مرفوعًا بلفظ: ". . . . لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها".
قال الحافظ في "الفتح" (٢/ ٢٨٢، ٢٨٣): قوله "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" زاد الحميدى عن سفيان "فيها" كذا فى "مسنده". وهكذا رواه يعقوب بن سفيان عن الحميدي، أخرجه البيهقي، وكذا لابن أُبي عند الإسماعيلي، ولقتيبة وعثمان بن أبى شيبة عند أبي نعيم في "المستخرج"، وهذا يبين أن المراد القراءة فى نفس الصلاة.
وقال: روي الإسماعيلى من طريق العباس بن الوليد النرسى أحد شيوخ البخاري عن سفيان بهذا الإسناد بلفظ "لا تجزى صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" وتابعه على ذلك زياد بن أيوب أحد الأثبات أخرجه الدارقطني، وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا بهذا اللفظ أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، ولأحمد من طريق عبد الله بن سوادة القشيرى عن رجل عن أبيه مرفوعًا "لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" وقد أخرج ابن خزيمة عن محمد بن الوليد القرشي عن سفيان حديث الباب بلفظ: "لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب".
وقال: أخرج البخارى فى "جزء القراءة" والترمذى وابن حبان وغيرهما من رواية مكحول عن محمد بن الربيع عن عبادة "أن النبى ﷺ ثقلت عليه القراءة في الفجر، فلما فرغ قال: لعلكم تقرءون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم. قال: فلا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" والظاهر أن حديث الباب مختصر من هذا وكان هذا سببه والله أعلم ا. هـ بتصرف.
وعزاه العلامة الألباني فى "الإرواء" (٢/ ١٠) إلى أبي عوانة (٢/ ١٢٤، ١٢٥، ١٣٣)، وابن أبى شيبة فى "المصنف" (١/ ١٤٣/ ١)، وابن الجارود (٩٨)، والدارقطنى (١٢٢)، والسراج فى "حديثه" (١٨٩/ ٢، ١٩٥/ ١) من نفس طريق الزهرى.
стр. 96
٢ - قوله: عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ حدثهم أن عبدًا من عباد الله قال: "يا رب لك الحمد كما ينبغى لجلال وجهك وعظيم سلطانك" فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها، فصعدا إلى الله فقالا: "يا ربنا إن عبدًا قال مقالة لا ندرى كيف نكتبها، قال الله -وهو أعلم بما قال عبده-: "وما الذى قال عبدي؟ " قالا: يا رب، إنه قال: لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك"، فقال الله لهما: "اكتباها كما قال عبدى حتى يلقانى فأجزيه بها". (١/ ٢٢)
[ضعيف].
أخرجه ابن ماجه في الأدب، باب: فضل الحامدين (٢/ ١٢٤٩ /ح ٣٨٠١)، والطبراني في "الكبير" (١٢/ ٣٤٤/ح ١٣٢٩٧، والبيهقي في "الشعب" (٤/ ١٩٤/ ح ٤٣٨٧).
من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا صدقة بن بشير، مولى العمريين، قال: سمعت قدامة بن إبراهيم الجمحى يحدث أنه كان يختلف إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو غلام، وعليه ثوبان معصفران، قال: فحدثنا عبد الله ابن عمر؛ أن رسول الله ﷺ حدثهم، "فذكره".
قال في الزوائد: في إسناده قدامة بن إبراهيم، ذكره ابن حبان في الثقات، وصدقه ابن بشير، لم أر من جرّحه ولا من وثقه، وباقي رجال الإسناد ثقات اهـ.
قال المنذرى في "الترغيب" (٢/ ٢٥٣): رواه أحمد وابن ماجة وإسناده متصل، رواته ثقات، إلا أنه لا يحضرني الآن في صدقة بن بشير مولى العمريين جرح ولا عدالة.
والحديث أخرجه المزى فى "تهذيبه" (١٣/ ١٢٧ - ١٢٨) في ترجمة صدقة ابن بشير، ولم ينقل فيه عن الأئمة جرحًا ولا تعديلًا. وقال الحافظ فيه: مقبول. يعنى إذا توبع، وإلا فهو لين، وشيخه إبراهيم بن قدامة ذكره فى "التهذيب"، وقال: ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات"، وقال الحافظ:
стр. 97
مقبول. يعنى إذا توبع، ولم يتابعهما عليه أحد، ولذلك ضعفه الشيخ الألبانى في "ضعيف ابن ماجه"، والشيخ عبد المجيد السلفى فى تحقيقه "للطبراني الكبير".
٣ - قوله: قال رسول الله ﷺ ، وهو ينظر إلى جبل أُحد: "هذا جبل يحبنا ونحبه". (١/ ٢٦).
[صحيح].
أخرجه مالك فى "الموطأ" (٢/ ٦٧٨)، ومن طريقه البخارى فى الجهاد، باب: من غزا بصبى للخدمة، "الفتح" (٦/ ١٠١ - ١٠٢/ ح ٢٨٩٣)، وفى المغازى، باب: أحُد جبل يحبنا ونحبه، "الفتح" (٧/ ٤٣٦ /ح ٤٠٨٤)، ومن طريق إسماعيل بن جعفر في الأطعمة، باب: الحَيس، "الفتح" (٩/ ٤٦٥ /ح ٥٤٢٥)، وفى الدعوات، باب: التعوذ من غلبة الرجال، "الفتح" (١١/ ١٧٧ /ح ٦٣٦٣)، ومن طريق مالك في التوحيد، باب: ما ذكر النبى ﷺ وحض على اتفاق أهل العلم، "الفتح" (١٣/ ٣١٦ /ح ٧٣٣٣). ومسلم في الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبى ﷺ فيها بالبركة، من طريق إسماعيل بن جعفر، ويعقوب بن عبد الرحمن (٣/ ٩/ ١٣٩ - ١٤٠ النووى)، وأحمد فى "مسنده" من طريق مالك (٣/ ١٤٩)، ومن طريق إسماعيل بن جعفر (٣/ ١٥٩)، وسليمان بن بلال (٣/ ٢٤٠)، وأبي الزناد (٣/ ٢٤٢). والترمذى في المناقب، باب: في فضل المدينة، من طريق مالك (٥/ ٧٢١ / ح ٣٩٢٢). والبيهقى في "الدلائل" (٤/ ٢٢٨) من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، ومن طريقه البغوى في "شرح السُّنَّة" (١١/ ٢٣/ح ٢٦٧٧)، وهي عند البخارى في المغازى، باب: غزوة خيبر (ح ٤٢١١)، وليس فيها ذكر أُحُد.
جميعًا من طريق عمرو مولى المطلب، عن أنس بن مالك، مرفوعًا بألفاظ متقاربة.
وعند البخارى فى المغازى (ح ٤٠٨٣)، ومسلم في الحج، باب: فضل أُحُد (٣/ ٩/ ١٦٢ النووى) من طريق قرة بن خالد، عن قتادة، عن أنس به.
стр. 98
وعند مسلم فى نفس الباب من طريق سليمان بن بلال، عن عمرو بن يحيى، عن عباس بن سعد الساعدي، عن حميد مطولًا بنحوه، وعلقه البخارى فى الزكاة، باب: خرص التمر، الفتح (٣/ ٤٠٣)، وهو موصول عنده في الزكاة أيضًا (٣/ ٤٣ / ح ١٤٨١)، وعند أحمد (٥/ ٤٢٥) من طريق وهيب بن خالد.
وذكره فى "المجمع" (٦/ ١٥٥) عن عقبة بن سويد الأنصاري عن أبيه بما تقدم، وقال: رواه أحمد، وعقبة ذكره ابن أبي حاتم وقال: روى عنه عبد العزيز ولم يجرحه. قلت: وروى عنه الزهرى عند أحمد، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.
وعزاه الحافظ لأحمد من حديث أبي عبس بن جبر مرفوعًا بلفظ "جبل أحد يحبنا ونحبه وهو من جبال الجنة" "فتح" (٧/ ٤٣٧).
٤ - قوله: عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ : يقول الله تعالى: "قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدى، ولعبدى ما سأل:
إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال الله: "حمدني عبدى".
وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، قال الله: "أثنى علىَّ عبدى".
وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال الله: "مجدنى عبدى".
وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، قال: "هذا بيني وبين عبدى ولعبدى ما سأل".
فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: "هذا لعبدى ولعبدى ما سأل". (١/ ٢٦).
[صحيح].
أخرجه ابن عيينة فى "تفسيره" (ص ٢٠١)، ومن طريقه مسلم فى كتاب الصلاة، باب: قراءة الفاتحة في كل ركعة (٢/ ٤/ ١٠١ - ١٠٢ النووى). وأخرجه مالك فى "الموطأ" (١/ ٩٢ - ٩٣)، ومن طريقه مسلم فيما تقدم. وأبو داود فى الصلاة، باب: من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب
стр. 99
(١/ ٢١٤ / ح ٨٢١). والترمذى من طريق عبد العزيز بن محمد فى كتاب تفسير القرآن، باب: ومن سورة فاتحة الكتاب (٥/ ٢٠١ / ح ٢٩٥٣)، وقال: حسن. والنسائى في "تفسيره" من طريق مالك (١/ ١٥٧/ ح ٢). وابن ماجة من طريق ابن جريج فى كتاب إقامة الصلاة، باب: القراءة خلف الإمام. مختصرًا (١/ ٢٧٣ /ح ٨٣٨)، وهي عند مسلم من نفس الطريق بمثل رواية سفيان عنده، وأحمد فى "مسنده" من طريق سفيان (٢/ ٢٤١)، ومن طريق مالك (٢/ ٤٦٠)، ومن طريق ابن جريج (٢/ ٢٥٠ مختصرًا، ٢٨٥ مطولًا)، ومن طريق شعبة (٢/ ٤٥٧، ٤٧٨) مختصرًا. والشافعى في "الأم" (٢/ ٩٣) من طريق سفيان مختصرًا. والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" من طريق مالك مختصرًا (١/ ٢١٥). وابن خزيمة فى "صحيحه" (١/ ٢٤٧/ح ٤٨٩) من طريق ابن جريج مختصرًا، ومن طريق مالك (١/ ٢٥٢/ ح ٥٠٢) مطولًا. وابن جرير في "تفسيره" (١/ ٦٦) من طريق محمد بن إسحاق، والوليد بن كثير. وابن حبان فى "صحيحه" (٣/ ١٤٢ / ح ١٧٩٢) من طريق عبد العزيز بن محمد، ومن طريق شعبة (ح ١٧٩١) مختصرًا، وكذا عنه (ح ١٧٨٦)، ومن طريق سعد بن سعيد (ح ١٧٨٥) مختصرًا. والبيهقى فى "الكبرى" من طريق ابن عيينة، ومالك، وابن سمعان مطولًا، ومن طريق إسماعيل بن أبي أويس مختصرًا (٢/ ٥٧ - ٥٩)، وهى عند مسلم بمثل رواية سفيان عنده. وعنده من طريق الوليد بن كثير، ومالك وسفيان. مختصرًا ومطولًا (٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨)، وعنده من طريق إسماعيل بن أبى أويس مطولًا بمثل روايتهم (٢/ ٥٢٤). والبغوى "فى شرح السُّنَّة" (٣/ ٤٧/ ح ٥٧٨) من طريق مالك. وقال: صحيح.
جميعًا من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه وأبى السائب مولى هشام ابن زهرة كلاهما عن أبى هريرة ﵁ مرفوعًا به.
وقد جمعهما إسماعيل بن أبى أويس عند مسلم فقال: أخبرنى العلاء قال:
стр. 100
سمعت من أبى ومن أبى السائب، وكانا جليسى أبى هريرة، قالا: قال أبو هريرة: فذكراه مرفوعًا.
فيحتمل أن يكون العلاء كان يرويه تارة عن أبيه، وتارة عن أبى السائب، وتارة عنهما. قال الترمذى: وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث. [فقال]- هذه الزيادة من ابن كثير (١/ ١١) -: كلا الحديثين صحيح [من قال عن العلاء عن أبيه، ومن قال العلاء عن أبي السائب] وهذه زيادة من ابن كثير.
وعند ابن جرير فى "تفسيره" (١/ ٦٦ - ٦٧) من طريق صالح بن مسمار المروزى قال: حدثنا زيد بن الحباب قال: حدثنا عنبسة بن سعيد، عن مطرف ابن طريف، عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا بنحو حديث أبى هريرة.
قلت: وهو إسناد صحيح رجاله ثقات.
* * *
стр. 101
سُورَةُ البَقَرَةِ
٥ - قوله: عن ابن عباس ﵄ قال: "قلت لعثمان بن عفان: ما حملكم أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثانى وإلى براءة وهى من المئين، وقرنتم بينهما ولم تكتبوا سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ وما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ كان مما يأتى عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشئ دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هذه الآية فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر ما نزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وخشيت أنها منها، وقبض رسول الله ﷺ ، ولم يبين لنا أنها منها. فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتها في السبع الطوال". (١/ ٢٧).
[ضعيف]
أخرجه أحمد (١/ ٥٧) من طريق سعيد، وأبو داود في الصلاة، باب: من جهر بها. من طريق هشيم (١/ ٢٠٦ - ٢٠٧/ ح ٧٨٦). والترمذى فى كتاب التفسير، باب: ومن سورة التوبة (٥/ ٢٧٢ /ح ٣٠٨٦) من طريق يحيى بن سعيد، وابن أبى عدى، وسهل بن يوسف. والحاكم (٢/ ٢٤١) من طريق هوذة بن خليفة. والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (٢/ ٢٠١) من طريق هوذة أيضًا مختصرًا. والبيهقى فى "الكبرى" (٢/ ٦٣) من طريق إسحاق الأزرق.
جميعًا من طريق عوف بن أبى جميلة، عن يزيد الفارسى، عن ابن عباس به.
وهو عند ابن جرير في مقدمة تفسيره (١/ ٣٤ - ٤٤) من نفس طريق الترمذى.
стр. 102
ووقع عند الطحاوى (يزيد الرقاشى)، وفى هامشه كتب (وفى نسخة الفارسى).
قال الترمذى: حديث حسن صحيح، لا نعرفه إلا من حديث عوف بن يزيد الفارسى، عن ابن عباس، ويزيد الفارسى قد روى عن ابن عباس غير حديث، ويقال: هو يزيد بن هرمز، ويزيد الرقاشى هو يزيد بن أبان الرقاشى، ولم يدرك ابن عباس، إنما روى عن أنس بن مالك، وكلاهما من أهل البصرة، ويزيد الفارسى أقدم من يزيد الرقاشي اهـ.
وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، وأقره الذهبى.
قال الشيخ أحمد شاكر في "تحقيقه للمسند" (١/ ٣٢٩ - ٣٣١): فى إسناده نظر كثير، بل هو عندى ضعيف جدًّا، بل هو حديث لا أصل له، يدور إسناده فى كل رواياته على "يزيد الفارسى" الذى رواه عن ابن عباس، تفرد به عنه عوف ابن أبى جميلة، وهو ثقة. ثم نقل عن الترمذى قوله فى الحديث فقال: وزيادة التصحيح خطأ، فإن النسخ الصحيحة التى فى شرحه للمباركفورى ليس فيها هذا، وكذلك لم يذكر فى مخطوطتنا الصحيحة من الترمذى، التى صححها الشيخ العابد السندى محدث المدينة فى القرن الماضى، وهي التى وصفتها فى (ص ١٣) من مقدمة شرحى على الترمذى. وأيضًا فلم ينقل المنذرى والسيوطى عن الترمذى إلا تحسينه. . . ثم قال: ويزيد الفارسى هذا اختلف فيه: أهو يزيد ابن هرمز أم غيره؟ قال البخاري فى "التاريخ الكبير" (٢/ ٤/ ٣٦٧): "قال لى على: قال: عبد الرحمن: يزيد الفارسى هو ابن هرمز، قال: فذكرته ليحى فلم يعرفه، قال: وكان يكون مع الأمراء". وفى "التهذيب" (١١/ ٣٦٩): "قال ابن أبى حاتم: اختلفوا هل هو -يعني ابن هرمز- يزيد الفارسى أو غيره، فقال ابن مهدى وأحمد: هو ابن هرمز، وأنكر يحيى بن سعيد القطان أن يكونا واحدًا، وسمعت أبى يقول: "يزيد بن هرمز ليس بيزيد الفارسى، هو سواه"، وذكره البخارى أيضًا فى كتاب "الضعفاء الصغير" (ص ٣٧)، وقال نحوًا من قوله فى "التاريخ الكبير"
стр. 103
فهذا يزيد الفارسى الذى انفرد برواية هذا الحديث يكاد يكون مجهولًا، حتى شبه على مثل ابن مهدى وأحمد والبخارى أن يكون هو ابن هرمز أو غيره، ويذكره فى "الضعفاء"، فلا منه مثل هذا الحديث ينفرد به، وفيه تشكيك في معرفة سور القرآن الثابتة بالتواتر القطعى، قراءة وسماعًا وكتابة في المصاحف، وفيه تشكيك في إثبات البسملة فى أوائل السور، كأن عثمان كان يثبتها برأيه وينفيها برأيه، وحاشاه من ذلك، فلا علينا إذا قلنا إنه: "حديث لا أصل له" تطبيقًا للقواعد الصحيحة التي لا خلاف فيها بين أئمة الحديث، قال السيوطى فى "تدريب الراوى" (ص ٩٩) في الكلام على أمارات الحديث الموضوع: "أن يكون منافيًا لدلالة الكتاب القطعية، أو السُّنَّة المتواترة، أو الإجماع القطعى". وقال الحافظ ابن حجر في "شرح النخبة": "ومنها ما يؤخذ من حال المروى، كأن يكون مناقضًا لنص القرآن، أو السُّنَّة المتواترة، أو الإجماع القطعى". وقال الخطيب فى كتاب "الكفاية" (ص ٤٣٢): "ولا يقبل خبر الواحد فى منافاة حكم العقل، وحكم القرآن الثابت المحكم، والسُّنَّة المعلومة، والفعل الجارى مجرى السُّنَّة، وكل دليل مقطوع به". وكثيرًا ما يضعف أئمة الحديث راويًا لانفراده برواية حديث منكر يخالف المعلوم من الدين بالضرورة، أو يخالف المشهور من الروايات، فأولى أن نضعف يزيد الفارسى هذا، بروايته هذا الحديث منفردًا به، إلى أن البخارى ذكره فى "الضعفاء" وينقل عن يحيى القطان: أنه كان يكون مع الأمراء، ثم بعد كتابة ما تقدم وجدت -أى الشيخ أحمد شاكر- الحافظ ابن كثير نقل هذا الحديث فى "التفسير" (٤/ ١٠٦ - ١٠٧)، وفى كتاب "فضائل القرآن" المطبوع فى آخر التفسير (ص ١٧ - ١٨)، ووجدت أستاذنا العلامة السيد محمد رشيد رضا ﵀ علق عليه فى الموضعين، فقال في الموضع الأول بعد الكلام على يزيد الفارسى: "فلا يصح أن يكون ما انفرد به معتبرًا فى ترتيب القرآن الذى يطلب فيه التواتر"، وقال فى الموضع الثانى: "فمثل هذا الرجل لا يصح أن تكون روايته التى انفرد بها مما يؤخذ به في ترتيب القرآن المتواتر". وهذا يكاد يوافق ما ذهبنا إليه، فلا عبرة بعد هذا كله فى هذا الموضع بتحسين الترمذى ولا بتصحيح الحاكم ولا بموافقة الذهبي، وإنما العبرة للحجة والدليل، والحمد لله على التوفيق ا هـ مع اختصار يسير.
стр. 104
وذكره الحافظ ابن حجر فى "تخريج الكشاف" (ص ٧١، رقم ٨٧)، وقال: أخرجه أصحاب السنن، وابن حبان وأحمد وإسحاق وأبو يعلى والبزار من طريق يوسف بن مهران، ويزيد الفارسى عن ابن عباس.
ولم أجده فى ابن ماجه، فلعله فى "تفسيره"، وهذا أولى.
وقال في "الفتح" (٨/ ١٦٤) كتاب التفسير باب سورة براءة: واختلف فى ترك البسملة أولهما فقيل لأنها نزلت بالسيف والبسملة أمان، وقيل لأنهم لما جمعوا القرآن شكوا هل هى والأنفال واحدة أو اثنتان ففصلوا بينهما بسطر لا كتابة فيه ولم يكتبوا فيه البسملة. وروى ذلك ابن عباس عن عثمان وهو المعتمد، وأخرجه أحمد والحاكم وبعض أصحاب السنن".
وذكره فى "الدر" (٣/ ٣٧٥)، ونسبه إلى ابن أبى شيبة وأحمد وأبى داود والترمذى وحسنه، والنسائى وابن أبى داود فى "المصاحف" وابن المنذر والنحاس فى "ناسخه"، وابن حبان وأبى الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقى فى "الدلائل" عن ابن عباس.
قلت: إنما هو عند البيهقى فى "الكبرى"، فلعله سبق قلم منه ﵀، أو من ناسخه.
٦ - قوله: عن ابن عباس ﵄ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون فى رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل ﵇ يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ يعرض عليه النبى ﷺ القرآن -وفى رواية- فيدارسه القرآن، فإذا لقيه جبريل ﵇ كان أجود بالخير من الريح المرسلة". (١/ ٢٧).
[صحيح].
أخرجه البخارى فى كتاب بدء الوحى، باب: أجود الناس بالخير، "الفتح" ١/ ٤٠/ ح ٦)، وفى الصوم، باب: أجود ما كان النبى ﷺ يكون فى رمضان، "الفتح" (٤/ ١٣٩ / ح ١٩٠٢)، وفى بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة، "الفتح" (٦/ ٣٥٢ / ح ٣٢٢٠)، وفى المناقب، باب: في صفة النبى ﷺ "الفتح" (٦/ ٦٥٣/ ح ٣٥٥٤)، وفى فضائل القرآن، باب: كان جبريل يوحى القرآن على النبى ﷺ ، "الفتح" (٨/ ٦٥٩/ح ٤٩٩٧)، ومسلم فى
стр. 105
الفضائل، باب: جوده ﷺ (٨/ ١٥/ ٦٨ النووى)، وأحمد فى "مسنده" (١/ ٢٨٨، ٣٦٣، ٣٦٦، ٣٦٧)، والنسائى فى الصيام، باب: فضل الجود في شهر رمضان (٤/ ١٢٥)، وأبو الشيخ في "أخلاق النبى ﷺ " (ص ٤٨/ رقم ٨٩)، وابن حبان فى "صحيحه"، (٨/ ٩٦ / ح ٦٣٣٦ - الإحسان)، والبيهقى فى "الشعب" (٣/ ٣١١ / ح ٣٦٣١).
جميعًا من طريق الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس به.
قال الحافظ فى "التلخيص" (٢/ ٢٠٠): متفق عليه من حديث أنس، وهذا خطأ، فالحديث عند البخارى ومسلم وغيرهما من حديث ابن عباس ﵄، فلعله من الناسخ أو الطابع.
وفي الباب فى جوده ﷺ عند الدارمى (١/ ٥٩)، وأبى الشيخ فى "أخلاقه" (ص ٤٨، رقم ٨٨) من طريق يزيد بن هارون، نا مسعر، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن عمر قال: ما رأيت أحدًا أجود ولا أنجد ولا أشجع وأضوأ وأوضأ -زاد أبو الشيخ- ولا أرضى من رسول الله ﷺ .
قلت: وفيه عبد الملك بن عمير روى له الجماعة، وهو ثقة، تغير حفظه، وربما دلس، ويشهد له ما تقدم إن سلم من تدليسه، فلم أجد من تكلم فى روايته عن ابن عمر بوصل أو إرسال.
ويشهد له أيضًا ما عند أبى الشيخ فى "الأخلاق" (ح ٨٧، ٩١)، والترمذى فى المناقب، باب: ما جاء فى صفة النبى (٥/ ٥٩٩ / ح ٣٦٣٨) من طريق عيسى بن يونس، ثنا عمر بن عبد الله مولى غفرة، حدثنى إبراهيم ابن محمد بن الحنفية من ولد علىّ قال: كان علىّ بن أبى طالب ﵁ إذا نعت رسول الله ﷺ قال: "كان رسول الله ﷺ أجود الناس كفًّا، وأكرمهم عشرة، من خالطه فعرفه أحبه"، واللفظ لأبى الشيخ.
قال الترمذى: حسن غريب، ليس إسناده بمتصل.
قلت: قوله حسن، يعنى فى الشواهد والمتابعات، وإلا فعمر بن عبد الله
стр. 106
مولى غفرة ضعفه النسائى، وابن حجر، وقال: كثير الإرسال. ووثقه ابن سعد.
وعند أبى الشيخ فى "الأخلاق" (ح ٦٣) عن أنس بلفظ: "كان رسول الله ﷺ أكرم الناس"، وإسناده ضعيف، إسماعيل بن أبي خالد ضعيف. وعزاه الهيثمى "للمسند" والبزار، وقال: رجال أحمد رجال الصحيح. "المجمع" (٩/ ٢٨٨).
قال الحافظ فى "الفتح" (٤/ ٤١): وللترمذى فى حديث أنس رفعه: "أنا أجود ولد آدم، وأجودهم بعدى رجل علم علمًا فنشر علمه، ورجل جاد بنفسه فى سبيل الله" وفى سنده مقال، وسيأتى في الصحيح من وجه آخر عن أنس "كان النبى ﷺ أشجع الناس وأجود الناس" الحديث.
قلت: وهو فى كتاب الجهاد / باب الشجاعة فى الحرب والجبن. من طريق حماد بن زيد عن ثابت عنه بزيادة فى أوله "كان النبى ﷺ أحسن الناس" الحديث فى قصة فرس أبي طلحة. "الفتح" (٦/ ٤٢ ح ٢٨٢٠).
٧ - قوله: قال ﷺ : "اللهم أشكو إليك ضعف قوتى، وقلة حيلتى، وهوانى على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلى من تكلني؟ إلى عدو ملكته أمرى! أم بعيد يتجهمني؟ إن لم يكن بك غضب علىّ فلا أبالى، ولكن عافيتك أوسع لى، أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت به الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بى غضبك، أو تحل علىّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" (١/ ٢٩).
[ضعيف].
ذكره الهيثمى فى "المجمع" (٦/ ٣٥) عن عبد الله بن جعفر قال: لما توفى أبو طالب خرج النبى ﷺ إلى الطائف ماشيًا على قدميه يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، فانصرف فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال: فذكره.
стр. 107
قال الهيثمى: رواه الطبرانى، وفيه ابن إسحاق، وهو ثقة مدلس، وبقية رجاله ثقات.
وأخرجه أبو نعيم في "الدلائل" (ص ٢٤٩ - ٢٥٢) من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير، فذكر قصة عرضه ﷺ نفسه على القبائل، وما أصابه من عرض نفسه على ثقيف مطولًا، وليس فيها الدعاء. وإسنادها ضعيف، لضعف ابن لهيعة.
والقصة ذكرها الحافظ ابن كثير فى "البداية والنهاية" (١/ ١٦١)، وكذا الحافظ ابن حجر فى "الفتح" (٦/ ٣٦٣) عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وليس فيها الدعاء.
وقصة عرض نفسه على ثقيف فى صحيح البخارى فى بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين. . ."الفتح" (٦/ ٣٦٠ /ح ٣٢٣١)، وفى التوحيد، باب: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. "الفتح" (١٣/ ٣٨٤/ ح ٧٣٨٩) من طريق الزهرى قال: حدثنى عروة عن عائشة: أنها قالت للنبى ﷺ : هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد؟ قال: لقد لقيت من قومك ما لقيت: وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم، على وجهى. . . . . إلخ الحديث. وهو عند أبى نعيم فى "الدلائل" (ص ٢٣٦) من طريق ابن شهاب، بسنده به.
قال الشيخ الطحان فى محاضرته "شكاية الموحدين"، وهذا الحديث وإن كان من ناحية الصناعة الحديثية ضعيف إلا أنه لا يخرج إلا من مشكاة النبوة.
٨ - قوله: قال عبد الله بن رواحة ﵁ لرسول الله لرسول الله ﷺ يعنى ليلة العقبة: "اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: "أشترط لربى أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، واشترط لنفسى أن تمنعونى مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم"، قال: فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: "الجنة". قالوا: ربح البيع ولا نقيل ولا نستقيل"! (١/ ٣٠).
стр. 108
[حسن] له شواهد (في رقم ٥٢٤).
أخرجه ابن جرير فى "تفسيره" (٧/ ١١/ ٢٧)، والدولابى فى "الكنى" (١/ ٣١) من طريق أبى معشر، عن محمد بن كعب القرظى وغيره قالوا: قال عبد الله بن رواحة لرسول الله ﷺ . فذكره.
قلت: وهو ضعيف من وجهين، الأول: ضعف أبي معشر وهو نجيح بن عبد الرحمن السندى مشهور بكنيته.
الثانى: الانقطاع، محمد بن كعب القرظى لم يدرك عبد الله بن رواحة. ويشهد له ما أخرجه أبو نعيم فى "الدلائل" (ص ٢٥٦ - ٢٦١) من طريق أبى إسحاق السبيعى، عن الشعبى، وعبد الملك بن عمير، عن عبد الله بن عمرو، عن عقيل بن أبى طالب، وعن محمد بن عبد الله بن أخي الزهرى، عن الزهري: وفيه فقال -يعنى أسعد بن زرارة- يا رسول الله خذ لنفسك ما شئت واشترط لربك ما شئت. فقال رسول الله ﷺ : فذكره بمثل حديث عبد الله بن رواحة.
قلت: وأبو إسحاق السبيعي اختلط بآخره، ومدلس. وعبد الملك بن عمير تقدم الكلام عليه فى الحديث رقم (٦)، ومحمد بن عبد الله بن أخى الزهرى، صدوق له أوهام، ورواية الشعبى، والزهرى مرسلة.
قال الذهبى في "تذكرة الحفاظ" (١/ ٧٩): قال أحمد العجلى: مرسل الشعبي صحيح، لا يكاد يرسل إلا صحيحًا. وفى "التهذيب" (٥/ ٦٨): قال الآجرى عن أبى داود: مرسل الشعبي أحب إلىَّ من مرسل النخعى.
أما مرسل الزهرى، فقال ابن معين ويحيى القطان: ليس بشئ.
وقد أخرجه أحمد فى "مسنده" (٤/ ١١٩ - ١٢٠)، والبيهقى فى "الدلائل" (٢/ ٤٥٠) من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن عامر، وفيه "فقال قائلهم، وهو أبو أمامة: سل يا محمد لربك ما شئت، ثم سل لنفسك ولأصحابك ما شئت، ثم أخبر ما لنا من الثواب على الله وعليكم إذا فعلنا ذلك. ثم ذكر نحو حديث عبد الله بن رواحة بزيادة ذكر أصحابه.
стр. 109
وقد رواه أحمد (٤/ ١٢٠)، ومن طريقه البيهقى فى "الدلائل" (٢/ ٤٥١) من طريق زكريا بن أبي زائدة قال: ثنا مجالد، عن عامر، عن أبى مسعود الأنصاري نحو هذا.
قلت: وهذا غير محفوظ والمرسل أشبه منه، فإن مجالد بن سعيد بن عمير، تغير حفظه فى آخر عمره، وقد ضعفه يحيى بن سعيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، وابن معين فى رواية أبي بكر بن أبي خيثمة، ووثقه فى رواية الدورى، ومن نفس الرواية قال: لا يحتج بحديثه.
قال ابن حنبل: ليس بشئ يرفع حديثًا كثيرًا لا يرفعه الناس. وبهذا قال يحيى ابن سعيد، انظر "تهذيب الكمال" (٢٧/ ٢٢٢ وما بعدها).
وقال ابن حبان: كان ردئ الحفظ، يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به "المجروحين" (٣/ ١٠).
وأخرج أبو نعيم فى "الدلائل" (ص ٢٦١ - ٢٦٦)، وكذا البيهقى (٢/ ٤٥٤) من طريق عبد الله بن لهيعة عن أبى الأسود، عن عروة، هكذا عند أبى نعيم، وزاد البيهقى، عن ابن عتاب فذكره مختصرًا، وهو عند أبى نعيم مطولًا واتفقا فى قوله: وقالوا: اشترط لربك ولنفسك ما شئت "بمثل ما تقدم".
وإسناده أيضًا ضعيف فيه ابن لهيعة وتقدم الكلام عليه، فبالجملة لعل هذه الطرق تجعل للقصة أصلًا عن النبى ﷺ والله أعلم.
والأثر ذكره الحافظ في "تخريج الكشاف" (ص: ٨١/ ١٥٥).
٩ - قوله: ورد أن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبى بن كعب عن التقوى فقال له: أما سلكت طريقًا ذا شوك؟ قال: بلى! قال: فما عملت؟ قال: شمرت واجتهدت. قال: فذلك التقوى. (١/ ٣٩).
ذكره السيوطي في "الدر" (١/ ٥٧)، وقال: أخرج ابن أبى الدنيا فى كتاب
стр. 110
"التقوى" عن أبى هريرة: أن رجلًا قال له: ما التقوى؟ قال: هل أخذت طريقًا ذا شوك؛ قال: نعم. قال: فكيف صنعت؟ قال: إذا رأيت الشوك عدلت عنه، أو جاوزته، أو قصرت عنه، قال: ذاك التقوى.
وما ذكره المؤلف -سيد قطب- نقله من ابن كثير فى "تفسيره" (١/ ٣٩)، وقد صدره بقوله: وقد قيل: إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبي بن كعب عن التقوى فقال له:. . . . فذكره، وقد نقله ابن كثير عن القرطبى في "تفسيره" (١/ ١٤٠). وعزاه السقاف للبيهقي في "الزهد الكبير" (ص: ٣٦٧) ولم نقف عليه في الزهد وذكره ابن رجب الحنبلى في "جامع العلوم والحكم" (ص: ١٣٨ / ح ١٨).
١٠ - قوله: ورد فى حديث رسول الله ﷺ لفاطمة بنت قيس: "إن فى المال حقًّا سوى الزكاة". (١/ ٤٠، ٤١).
[ضعيف].
أخرجه الترمذى فى الزكاة، باب: ما جاء أن فى المال حقًّا سوى الزكاة (٣/ ٣٩ - ٤٠/ح ٦٥٩، ٦٦٠)، والدارمى (١/ ٣٨٥) والطحاوى فى "شرح معانى الآثار" (٢/ ٢٧)، وابن جرير في "تفسيره" (٢/ ٥٧)، والبيهقى فى "الكبرى" (٤/ ١٤٢)، والبغوى في "شرح السُّنَّة" (٦/ ٦٨/ ح ١٥٩٢).
جميعًا من طريق شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبى، عن فاطمة بنت قيس، عن النبى ﷺ قال: "فذكره".
قال الترمذى: هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضَعف.
وقال البيهقى: فهذا حديث يعرف بأبى حمزة ميمون الأعور كوفى، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فمن بعدهما من حفاظ الحديث، والذى يرويه أصحابنا فى التعاليق: "ليس فى المال حق سوى الزكاة"، فلست أحفظ فيه إسنادًا، والذى رويت في معناه ما قدمت ذكره والله أعلم.