المقدمة
الحمدُ لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، رسولنا محمّدٍ وعلى آله وصحبه ومن تبِعَهُ بإحسان إلى يوم الدين أمّا بعد،
فيمتلِكُ الفكرُ الإسلاميُّ تاريخًا غنيًّا في مختلف مجالات العلم والمعرفة والحكمة. وإنَّ العديدَ من الآثار القيّمةِ المكتوبةِ فى أحدِ هذه المجالات، موجودٌ اليوم في عددٍ من مكتبات العالم على شكل مخطوطات تنتظر اهتمام الباحثين. ولكن هنالك العديد من المشكلات والعقبات التي يواجهها الباحثون من حين إلى آخر في عملية البحث؛ كالمشاكل التصنيفية، أو القيود التقنية والبيروقراطية، فضلًا عن أنّ صعوبةَ الذَّهابِ أو الوصول إلى المكتبات جعلت الاستفادة محدودة من هذه الآثار. لذلك فإنّ الطريق الوحيد لتجاوز هذه العقبات هو النشر العلمي لهذه المخطوطات. وهنا تَجدر الإشارة إلى أنه في السنوات الأخيرة اتُّخِذَتْ خطوات واعدة في هذا الاتجاه.
ويُعدُّ "كتائبُ أَعلام الأَخيار" الذي ألّفهُ العالِمُ العثمانيُّ مَحْمُود الكَفَوِيُّ، من أغنى كتبِ التراجم الحنفيّة. ونظرًا لما يتميّز به هذا الكتاب فسيكون من المصادر التي يلجأ إليه الباحثون بِكثرةٍ، ومن مزاياه أن المؤلف عاش في فترة متأخرة، ورجع
стр. 2
إلى مصادر متنوعة سابقة، وتناول حياة العلماء حتى عصره؛ وهذا منحَ الكتابَ زيادةً في المحتوى، وغنًى في المصادر السابقة.
وعندما يتناول المؤلف سيرة العالِم في كتابه فإنه لا يسرد السيرة بشكل مَحْضٍ، بل يزوّدها بأحداث تاريخية مهمة. وفي هذا السياق، فإن المؤلف لا يكتفي بكتب الطبقات فقط، وإنما يستفيد من مصادر فقهية أخرى. فعلى سبيل المثال، عند ذكره آراء لعالمٍ أسهم في الفكر الحنفي فإنه يرجع في نفس الوقت الى مصادر الفروع التي كتبها هذا العالِم؛ لإثراء كتابه.
بالإضافة إلى أن هذا الكتاب يُزوّد الباحثين - في مجالات الحياة الرسمية والاجتماعية - بمعلوماتٍ مُهمّةٍ عن رواتب العلماء في الدولة العثمانية، وعلاقاتهم بالمؤسسات السياسية. وجديرٌ بالذِّكر أنَّ هذا الكتاب يتميز عن كتب الطبقات التقليدية الأخرى بخصائص عِدّة؛ فقد تناول بعض القضايا الفقهية، ونَقَلَ معلوماتٍ عن الثّقافة الصوفية، وركّزَ على القيم الأخلاقية وأَظْهَرَ اِمْتِعَاضَهُ من الابتعاد عنها.
ومن أهداف كتابة هذا الكتاب أيضًا أنه يتناول حياة العالِم، والعلاقة بين الأستاذ والتلميذ من خلال العودة إلى الوراء بتسلْسُل زمنيٍّ مُتّصلٍ وبلا انقطاع، وصولًا إلى إمام المذهب أبي حنيفة النعمان. لذلك فإنَّ "الكتائب" هو عمل مرجعيٌّ مهمٌّ في تاريخ الكتابة الفقهية من جهة، ومن جهة أخرى كنز ثمين من حيث إظهار مدى قوة البنية التي يستند عليها التُّراث العلميٌّ الإسلاميٌّ.
لقد تمكّنت الحياة العلميّة عند المسلمين من المحافظة على كيانها بشكل مستمرٍّ ومتجدِّدٍ في جميع البلاد الإسلامية، وبطريقة منضبطة دون أن تتأثر بالتّهديدات الخارجية كالغزو أو الضغط السياسي وغير ذلك.
стр. 3
وبِنَاءً على ما سبقَ فقد تابعت لجنة التحقيق دراساتها من أجل تقديم "كتائب أَعلام الأَخيار" لمَحْمُود الكَفَوِيِّ، للباحثين في ميدان العلم، وأكملتْ نشره من خلال الاطّلاع على خمس عشرة نسخة من مخطوطاته.
نرجو من الله تعالى الرحمة الواسعة للمؤلف، ونتمنّى أن يكون هذا العمل مفيدًا في ميدان العلم.
المحققون
* * *
стр. 4
مَحْمُود بنُ سُلَيْمَانَ الكَفَوِيُّ
(٩٩٠ هـ / ١٥٨٢ م)
حياتُه، وكتابه "كتائبُ أَعلام الأَخبار من فُقَهاء مذهب النُّعمان المُختار"
١ - الكَفَوِيّ:
أ - اسمُه:
هو مَحْمُود بن سُلَيْمان بن عبدي (١) الرُّومي الكَفَوِيُّ الحنفيُّ، المكنَّى بأبي الفضل، شركسيّ الأصل، اشتُهِر بالشَّيخ محمودٍ الكَفَويِّ. فقيهٌ من القُضاة، وعالمٌ بتراجم الحنفيَّة، وُلِدَ سنةَ ١٥٢٠ م - ٩٢٠ هـ، في بلدة (كفا) التُّركيَّة آنذاك، تعلَّمَ فيها واضطَّلع بالأدبَين العربيِّ والتَّركيِّ، قَدِمَ إسطنبولَ في عهد السُّلطان سليمان القانونيّ، وتميَّزَ فيها.
ب - نسبتُه:
الكَفَوِيُّ هو من أهل مدينة كَفا أو الكَفا (في "أدوسيا" Odessa اليوم) الواقعةِ على السَّاحل الجنوبيِّ الشَّرقيِّ لشِبه جزيرة القرم.
وأما نسبته للكَفَوِيّ؛ فهي نسبة إلى مدينة كَفا، وهي مدينة تقع على شاطئ البحر الأسود، وصفها الرَّحَّالة ابنُ بطوطةَ حين زار القرم في القرن الرَّابع عشر الميلادي
_________
(١) في كتاب "المتمم لكشف الظنون" لرياض زاده (٢٤٢): (عبد الله) بدل (عبدي).
стр. 5
قائلًا: "وصلْنا إلى مدينة الكفا، وهي مدينة عظيمة مستطيلة على ضفَّة البحر، يسكنها النَّصارى، وأكثرهم الجنويون ولهم أمير، ونزلنا منها بمسجد المسلمين".
ويُضيف: "وطُفنا بالمدينة فرأيناها حَسَنَةَ الأسواق، ونزلْنا إلى مَرساها، فرأينا مَرْسَى عجيبًا به نحو مئني مركبٍ ما بين حربيٍّ وسَفَرِيٍّ صغيرًا وكبيرًا، وهو مِن مراسي الدُّنيا الشَّهيرة".
ولأهميّة المدينة ولكثرة سُكَّانِها في العهدِ العثمانيِّ كانَت تُدعى (إسطنبول الصَّغيرة)، وأحيانًا (إسطنبول القرم).
ت - شيوخُه:
بدأ الكَفَوِيُّ تَعَلُّمَه في مدينة كَفَا، ثمَّ سافر إلى إسطنبول عام (٩٤٩ هـ / ١٥٤٢ م) وهو في الثَّالثة والعشرين من عمره، ويذكرُ الكَفَويُّ أنَّه أَخَذَ العِلم عن السيِّد محمَّد عبد القادر، وعن عبد الرَّحمن بن علي، وعن محمَّد بن عبد الوهَّاب. وأخذ تربية التَّصوُّف من أبي بكر الكَفَوِيِّ القادريِّ، وحضر دروس قاضي زادَه أحمد شمس الدِّين أفندي من مُدرِّسي مدرسة قابليجة في مدينة بورصا، ودروس عبد الرَّحمن أفندي من مدرسي مدرسة "صحن ثمان" في إسطنبول.
ويذكرُ الكَفَوِيُّ - مع شيخَيْه هذَيْن الأخيرَيْن في مطلع الكتيبة الأولى من كتابه - شيخَه محمَّد بن عبد الوهَّاب، كما يذكرُ سلاسل شيوخ الحنفيَّة ابتداءً من أبي حنيفة حتَّى عصِره.
وقال في ترجمة محمَّد بن عبد القادر: "كان الفقير من أصحاب درس "الهداية"، وكان المرحوم بدر الدِّين محمود السِّيرافي من شركاء درسِنا، ويحضر دَرْسَنا أيضًا أكبرُ أولاده مصطفى؛ مات شابًّا مدرسًا ببورصا ٩٦٢ هـ، ثم كان يحضر أصلح أولاده
стр. 6
محيِ الدِّين محمَّد جَلَبي ابن الشَّيخ محمَّد جوي زَادَه، وقد وصلْتُ إلى خدمتِه من خدمة الفاضل عبد الرَّحمن جَلَبي؛ فقرأتُ عليه نُبَذًا من "الهداية"، ثم "التَّلويح"، ثم في سنة ٩٥٩ هـ دخلتُ في سِلْكِ الملازمِين".
وذكر في ترجمة أبي بكر ابن الحاجِّ خير الدِّين الكَفَوِيِّ أَنَّ أَوَّل سَفَرِه من بلدة كَفا إلى قسطنطينيَّةَ في عُنفوانِ شبابِه سنةَ ٩٣٩ هـ.
وذكر في ترجمة الكُوْرَاني أنَّه كان مُدرِّسًا في سنة ٩٦١ هـ بمدرسة الكُوْرَاني في قسطنطينيَّة بعشرين درهمًا كلَّ يوم.
وذكر في ترجمة طاهر بن قاسم أنَّ من تصانيفه "كتابَ الجواهر"، طالَعَه في بلدة سِينوب حين ابتلائه بقضائها.
وذكر في آخر الطَّبقات أنَّ عمره حين صنَّفه ستُّون سنةً.
ث - مؤلَّفاتُه:
كان الكَفَوِيُّ عالمًا وشاعرًا وكاتبًا في اللُّغتين العربيَّة والتُّركيَّة، وأحدَ علماءِ الحنفيَّة. ويَروي العطائيُّ أنَّه تفوَّق في الإنشاء وكتب الشِّعر. وله عدَّة كتبٍ في الأدب والفقه، وتعليقات ورسائل غير كتابه المشهور "كتائبُ أعلامِ الأخيار من فقهاء مذهب النُّعمان المختار"، الَّذي وصفَه بأنَّه فريدٌ من نوعه.
والكَفَوِيُّ الَّذي نسب إليه بروكلمان (ج ٢، ص ٢٨٨) حاشية رسالة "آداب البحث" لعضد الدِّين الإيجي هو في الأصل محمَّد بنُ عبد الحميد الكَفَوِيُّ.
ج - المناصب الَّتي تولَّاها:
عُيِّن الكفويُّ مدرسًا في مدرسة الملَّا كوراني بإسطنبول، وتولَّى منصب
стр. 7
القضاء، ومفتِّش الأموال في بلده كَفا عدَّة مرَّات، وعُيّن قاضيًا لمدينة سِينوب عام (٩٨٣ هـ / ١٥٧٥ م)، وسعى لحلِّ مشكلاتِ النَّاس في أثناء وُجودِه في سِينوب، ثم عُيِّن قاضيًا لجاليبولي، وعادَ إلى العاصمة إسطنبول معزولًا من منصبه عام (٩٨٧ هـ / ١٥٧٩ م) في أثناء تولِّي جيوي زادَه محمَّد أفندي منصبَ القاضي عسكر الرُّوملي، وتولِي قاضي زادَه منصبَ شيخ الإسلام.
ح - وفاتُه:
كانت وفاتُه على ما في "كشف الظُّنون" في أوائل عام (١٥٨٢ م / ٩٩٠ هـ) في إسطنبول، ويذكر بورسلي محمَّد طاهر في كتابه "عثمانلي مؤلفلري" أنَّ وفاتهَ كانت عام ٩٩٧ هـ. (عثمانلي مؤلفلري، مطبعة عامره، بورسلي محمَّد طاهر، إسطنبول ١٣٣٣ هـ، ج ٢، ص ١٩).
وتذكر بعض المصادر أنَّه توفِّي ليلة الأحد في الثَّالث من شهر رمضان سنة ١٥٨١ م - ٩٨٩ هـ، في مدينة سِينوب، وهو في الثَّالثة والسِّتين من عمره.
وقبره اليوم موجود في فناء جامع الكَفَويِّ بسِينوب، وأمَّا بالنِّسبة لكونِ وفاته حصلَتْ في إسطنبول حسب ما ورد في كتاب "عثمانلي مؤلفلري" فقد يكون كَفَويٍّ آخر، غير محمود بن سليمان الكَفَويِّ.
٢ - كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النُّعمان المختار
أ - اسم الكتاب:
اسمه "كتائبُ أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النُّعمان المختار"، تناولَ فيه تراجمَ وأحوالَ علماء الحنفيَّة، وبعضَ أسماءِ وخصائصَ كتبهم، كما ذكرَ فيه مؤلِّفي الكتب الفقهيَّة الَّتي كان يدرِّسها.
стр. 8
ويذكر الكفويُّ أنَّه ألَّف هذا الكتاب وهو في السِّتين من عمره، وانتهى من كتابته عام ٩٨٧ هـ / ١٥٧٩ م.
وسبب تسمية كتابه بهذا الاسم هو اختياره كلمة "كتائب" (جمع كتيبة) عوضًا من التَّسمية الشَّائعة في تصانيف الرِّجال "طبقات"، ويُعرف هذا الكتاب أيضًا بـ "طبقات الكَفَويِّ".
ويذكرُ الكَفَوِيُّ أنَّه بدأ بتأليف هذا الكتاب عندما رأى في المجالس العلميَّة الَّتي اشترك فيها عدم تمييز النَّاس بين الشَّيخ وتلاميذه، وبين المجتهدين وأهل التَّقليد.
وهو كتاب مفيدٌ ومفصَّلٌ ألَّفه بالعربيَّة، وهو غير مطبوع، وقد اختصره أبو الحسَنات محمَّد عبد الحيِّ اللَّكْنَويُّ الهِنديُّ (١٢٦٤ - ١٣٠٤ هـ / ١٨٤٨ - ١٨٨٧ م)، وسمَّاه: "الفوائدُ البهيَّةُ في تراجم الحنفيَّة".
ب - موضوعُه:
يوضح الكَفَويُّ سببَ تأليفه للكتائِبِ قائلًا: ولقد كنَّا في أثناء بعض اللَّيالي من أوقاتنا في بعض الزَّمان الخالي، نسامُ بأهالي البلاد والأقاصي، الَّتي كنَّا نكون بها القاضي، ونجوِّد ما جنيناه في طيب أيامنا المواضي، من ثمراتِ أفانين العلوم على أهل النَّادي، فكلَّما انساق عَنان الكلام في بِيْدِ بيان الفقهاء وشيوخ الإسلام إلى مرويَّات الأئمَّة الحنفيَّة ومحكيَّات المشايخ الحنيفيَّة، وجدنا أكثرهم غافلين عن أصحابنا القائلين بما كانوا به، عاملين، لا يفرِّقون التِّلميذ عن الأستاذ، ولا يميِّزون ذوي التَّقليد عن أهل الاجتهاد، فحثُّوني على كَتْبِ "كتائب أعلام الأخيار وطبقات ذوي الفُتيا وقضاة الأعصار".
قسَّمَ الكَفَوِيُّ مَدْخل كتابه الَّذي أهداه للسُّلطان مراد الثَّالث إلى أربعة عناوين: العنوان، والبرهان، والأركان، والسُّلطان.
стр. 9
وقام الكَفَويُّ ضمن العنوان الأول بإعطاء المعلومات المتعلِّقة بالاجتهاد، والأئمَّة المجتهدين، وتصنيف علماء الحنفيَّة من حيث كفاءتِهم الاجتهادَّية.
وضِمْنَ العنوانِ الثَّاني يقومُ بشرح بعض المفرداتِ، مثل: الدِّين، والهداية، والفقه، والحكمة، والملَّة، والشَّريعة، والفطرة.
وضِمْنَ العنوان الثَّالث يتناول موضوع الرَّسول والأنبياء، ابتداءً من آدم ﵇، حتَّى نبيِّنا محمَّد ﷺ .
وأمَّا العنوان الأخير فيتناوُل الإدارةَ والتَّشريع في زمن النَّبي ﷺ ، وتقييم تصرُّفات الرَّسول ﷺ من النَّاحية التَّشريعيَّة، كما يتناولُ معلوماتٍ عن علم الأصول والفروع، وعن علماء الصَّحابة ﵃.
ثمَّ يذكر أئمَّة الأصحاب، والتَّابعين، والمجتهدين ضمن أقسام مستقلَّة، ومن ثمَّ يقوم بتقسيم فقهاء الحنفيَّة إلى اثنين وعشرين قسمًا، ونَقْلِ سيرةِ كلِّ واحدٍ منهم ضمن طبقته، وكما يذكرُ أيضًا بعدَ كلِّ قسم الأولياءَ والصَّالحين المشهورين الَّذين عاشوا في ذلك الوقت.
يقول اللَّكنويُّ عن "الكتائب" في مقدمة كتابه "الفوائد البهيَّة في تراجم الحنفيَّة": "ثم ظَفِرْتُ بطبقاتِ الكَفَويِّ المسمَّاة بكتاب "أعلام الأخيار" لمحمود بن سليمان الكَفَويِّ، فوجدْتُه أحسنَ كتابٍ صُنِّف في هذا الباب؛ فيه فوائدُ كثيرةٌ نافعةٌ لأولي الألباب، قد ذكرَ فيه مشاهير الحنفيَّة من عصر الإمام إلى عصره، مع ذكر سلاسل تلامذتهم ووفيَّاتهم ومواليدهم وتصنيفاتهم وآثارهم وحكاياتهم، وأورد في ترجمة كلِّ فقيه فوائدَ من تصانيفهم، وفرائدَ من تآليفهم، ورتَّبه على كتائبَ عديدةٍ، وأورد في كلِّ كتيبةٍ تراجمَ جماعةٍ غفيرة، وختم كلَّ كتيبةٍ بذكْرِ جماعةٍ من الأولياء
стр. 10
والصُّلحاء الَّذين بذكرهم تنزل الرَّحمة، وتندفع النِّقْمة، فلخَّصْتُ من كتابه تراجم الفقهاء، من دون حذف ما يتعلَّق بها، حاذفًا الفوائدَ الَّتي لا تتعلق بها، وتركْتُ ذكر الأولياء والصُّلحاء؛ لما أنَّ التَّصانيف في أحوالهم قد كثرت، والدَّفاتر في أخبارهم قد اشتُهرَتْ … الخ".
كما تناول الكَفَويُّ حياة أئمةِ المذاهبِ الأربعة، ونادرًا ما تناول الكتَّاب سِيَرَ علماءَ كبارٍ ينتسبون إلى مذاهب أخرى، مثل: أبي الحسن الأشعريِّ (ت. ٣٢٤/ ٩٣٥ - ٦)، والغزاليِّ (ت. ٥٠٥/ ١١١١)، وفخر الدِّين الرَّازيِّ (ت. ٦٠٦/ ١٢١٠).
ت - خصائصُه:
قام الكَفَوِيُّ بجمع معلومات قيِّمة عمَّا يقارب (٨٠٩) من الذَّوات المتقدمين والمتأخرين والمجتهدين والمقلِّدين من فقهاء الحنفيَّة المشهورين في هذا الكتاب، وفق طبقاتهم وعصورهم.
ومن أهمِّ ميِّزات هذا الكتاب أنَّه ذكَرَ رواياتِ العلماء وأسانيدهم وآراءهم المختلفة، دون أن يقتصر على المعلومات المتعلِّقة بسِيَرهم، والَّتي أهملَها مؤلِّفو الطَّبقات - حسبَ قولِه - في كتبِهم من قبلُ.
هذا الكتاب الَّذي يملك المكانة الخاصَّة حجمًا ومحتوًى بين كُتُب الطَّبقات الحنفيّة يعدُّ من أهمِّ المصادر الَّتي يستند عليها أحدُ علماء المتأخرين عبد الحيِّ اللَّكْنَويِّ في كتابه "الفوائد البهيَّة"، المتعلِّق بالطَّبقات الحنفيَّة، ويشيرُ اللَّكْنَويُّ الى "الكتائب" بأنَّه أهمُّ كتاب أُلِّف في الطَّبقات الحنفيَّة.
وأخذ اللَّكْنَوىُّ المعلومات كما ذكرها الكَفَويُّ في سير العلماء، وترك باقي
стр. 11
المعلومات وسير الأولياء والصَّالحين، وقد نقل اللَّكْنَوِيُّ عند اللُّزوم إضافات من مصادر أخرى، مع تقييمات قام بها في مختلف الأماكن.
ولـ "كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النُّعمان المختار" في ٥٧٣ ورقة، وله مخطوطات عديدة، موجودة في مختلف المكتبات (مكتبة السّليمانيَّة: أسعد أفندي، رقم ٥٤٨، عاشر أفندي، رقم ٢٦٣، جار الله أفندي، رقم ١٥٨٠، حالت أفندي، رقم ٦٣٠، قليج علي باشا، رقم ٧٢٨، رئيس الكتاب مصطفى أفندي، رقم ٦٩٠، غولنوش والدة سلطان رقم ٦٠، آيا صوفيا، رقم ٣٤٠١، شهيد علي باشا، رقم ١٩٣١؛ مكتبة نور عثمانية، رقم ٣٠٤٨؛ مكتبة كوبرولو: فاضل أحمد باشا، رقم ١١٢٢، مكتبة بايزيد الحكوميَّة: ولي الدِّين أفندي، رقم ١٦١٦، ١٦١٧).
ث - مصادره:
استفاد الكَفَوِيُّ من كتب الطَّبقات والتَّاريخ المختلفة، على رأسها كتاب: "الجواهر المضية" للقُرَشي، وكتاب "تاج التَّراجم" لابن قُطْلُوبُغا، واستعان بكتب الفقه والفتاوى المشهورة في نقل آراء العلماء، وبعض المعلومات البيوغرافيَّة والببليوغرافيَّة.
كما يستند أيضًا إلى المعلومات الشَّفهيَّة المتعلِّقة بالعلماء المعاصرين له.
المراجع:
محمود بن سليمان الكَفَويُّ، كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار، مكتبة قونيا المحليّة للمخطوطات، رقم ٤٤٠٣، ورق ٦٨، ٤١؛ ذيل الشَّقائق، ص ٢٧٣؛ أحمد أوزال، الكَفَويُّ، الموسوعة الإسلامية لوقف الدِّيانة التُّركي، ج ٢٥، ص ١٨٥ - ١٨٦؛ الفوائد البهيَّة في تراجم الحنفيَّة، أبو الحسنات
стр. 12
محمَّد عبد الحيِّ اللَّكْنوي الهندي (المتوفي سنة ١٣٠٤/ ١٨٨٧)، دار المعرفة، بيروت، ص ٣ - ٤؛ سجل عثماني (تذكرئي مشاهير عثمانية)، محمَّد ثريا، مطبعة عامره، إسطنبول، ج ٤، ص ٣١٤؛ محمَّد طاهر بورسلي، عثمانلي مؤلفلري، مطبعة عامرة، إسطنبول ١٣٣٣ هـ / ١٩١٥ م، ج ٢، ص ١٩؛ خير الدين الزركلي، الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، الطبعة الخامسة عشرة، دار العلم للملايين، بيروت ٢٠٠٢، ج ٧ ص ١٧٢؛ عبد الغني النابلسي: الرحلة ٢/ ٥٤، ٥٥/ ٢ (ط)؛ البغدادي: هدية العارفين ٢: ٤١٣؛ سيد: فهرس المخطوطات المصوَّرة ٢: ٣: ٣١٦؛ حاجي خليفة: كشف الظُّنون، ١٤٧٢، ١٤٧٣؛ فهرست الخديوية ٥: ١١٧؛ لطفي عبد البديع: فهرس المخطوطات المصوَّرة ٢: ٢٠٧؛ ظهر العارفين، ورق ٣٠٨ - ٦٤٥:٣١١: Brockelmann
schenhandschiften lx: ٠٤٤ - Ahlwardt … Verzeichniss der ll: ٤٣٤ <g aradi :١ <s
، ١٤٤؛
simsek fevi'nin Ketâ'ib Adli Eserinde Hz. - Mahmûd B. Süleyman El Murat Dergisi.Yer Aldigi Bolümün Tahkiki adari ve Kazaî Tasarruflari Ile Ilgili GorüSlerinin Facility Peygamber'in Konumu "say?: ١٤ .٢٠٠٩ Islam Hukuku Arasturmalari ٣٧٥ . - ٣٩٠ (مراد شمشاك، تحقيق قسم آراء محمود بن سليمان الكفوي في كتابه الكتائب المتعلقة بمكانة وفضائل الرسول (ص) وتصرفاته القضائية والإدارية، مجلة البحوث الفقهية الإسلامية، ٢٠٠٩، العدد: ١٤، ص ٣٧٥ - ٣٩٠)؛ ceker ، Huzeye ، Necmettin BasIlmamis Doktora Tezi Hanefi Mezhebinde Biyografi Gelene?i ?job ?ès j) Konya ٢٠١٦ Sosyal Bilimler Enstitüsü Erbakan Universitesi (حزيفة جكر، ظاهرة تراجم الفقهاء في المذهب الحنفي، رسالة دكتوراه (غير منشورة)، جامعة نجم الدِّين أربكان، معهد العلوم الاجتماعية، قونيا ٢٠١٦).
стр. 13
النُّسخُ المعتمدة في التَّحقيق:
١. نسخة ض: هذه النُّسخة موجودة في مكتبة ملّة، قسم فيض الله أفندي، رقم: ١٣٨١، ويوجد في أوَّل النُّسخة فهرس من ١٢ ورقة، وتتكون المخطوطة من ٤٣٧ ورقة (في المجموع ٤٤٩ ورقة مع الفهرس)، وكلُّ ورقة تحتوي على ٣١ سطرًا، وفي الورقة الأخيرة يذكر المؤلِّفُ تاريخ انتهائه من الكتاب مع عبارة "أعلام الأخيار"، وذلك في سنة ٩٨٧، إلَّا أنَّه لا توجد معلومات النَّسخ في نهاية النُّسخة.
بعض الأسطر الواردة في نسخة "ألف - أ" (مثل: ١٠٠، ١٠٧، ١١١، ١١٨، ١٢٦) غير موجودة في نسخة ض، وهذا يدلُّ على أنها ليسَتْ نسخةَ المؤلِّف، والَّذي يشير إلى ذلك أيضًا الفجوة الكبيرة الموجودة في ورقة رقم: ١٦٠.
٢. نسخة أ: هذه النُّسخة موجودة في مكتبة كوبرولي، ضمن مجموعة فاضل أحمد باشا، رقم: ١١١٢، وتتكون المخطوطة من ٣٩٢ ورقة (في المجموع ٤٤٩ ورقة)، وكلُّ ورقة تحتوي على ٣١ سطرًا. وفي نهاية النسخة يذكرُ المؤلِّف أَنَّه انتهى من تأليف الكتاب سنة ٩٨٧، وأمَّا تاريخ استنساخه فيذكرُ أنَّه كان: "صبيحة يوم الثُّلاثاء المبارك الثَّاني من ذي قعدة الحرام، المنتظم في سلك سنة سبع وسبعين بعد الألف من الهجرة". الموافق للثَّاني من ذي القعدة ١٠٧٧/ ٢٦ نيسان ١٦٦٧ يوم الثُّلاثاء. أمَّا إذا كان المقصود هنا هو الثُّلاثاء الثَّاني من شهر ذي القعدة، فيكون التَّاريخ "التَّاسع من ذي القعدة ١٠٧٧/ ٣ أيار ١٦٦٧ يوم الثُّلاثاء".
٣. نسخة ع: هذه النُّسخة موجودة في مكتبة نور عثمانيَّة رقم: ٣٠٤٨، وناسخ هذه النُّسخة في بعض الأحيان ينسخ الكتاب كما هو، وأحيانًا يبالغ في الاختصار،
стр. 14
ويميل النَّاسخ إلى هذه الاختصارات في أماكنَ لا لزوم لها حسب رأيه، ولا سيَّما في الفقرات المكتوبة باللُّغة الفارسيَّة، ويوجد في أوّل النُّسخة فهرس من ١٢ ورقة، وتتكون النُّسخة من ٣٩١ ورقة، ويصلُ عدد أوراقها مع الفهرس إلى ٤٠٣ ورقة، وكل ورقة تحتوي على ٣١ سطرًا، وفي الورقة الأولى توجد عبارةٌ تدلُّ على أنَّها وَقْفٌ باسم السُّلطان عُثمان الثَّالث (ت. ١٧٥٧)، وهي العبارة الَّتي تبيِّن الأصلَ، وتاريخ استنساخها في ٤ رجب ١١٠٩/ ١٥ كانون الثاني ١٦٩٨، واسم النَّاسخ هو عبد الحقِّ.
وتمَّت الاستفادة عند اللُّزوم من ثلاث نسخٍ أخرى غير النُّسخ الثَّلاث المذكورة آنفًا، وهي:
١. مكتبة السّليمانيَّة، مجموعة الشَّهيد علي باشا، رقم: ١٩٣١، ٤٦٠ ورقة، تاريخ النَّسخ: ١١١٧.
٢. مكتبة السّليمانيَّة، مجموعة رئيس الكتَّاب مصطفى أفندي، رقم: ٦٩٠، عدد الأوراق: ٤٢٨ ورقة (الفهرس: ٩ أوراق، والكتاب: ٤١٩ ورقة)، تاريخ النَّسخ: ١٠٨٦، النَّاسخ: إبراهيم بزمي، الخط: تعليق.
٣. مكتبة قونيا الإقليميَّة للمخطوطات، رقم: ٤٤٠٣، ٤٦٠ ورقة، تاريخ النَّسخ: ١٠٩٧، اسم النَّاسخ: غير واضح، وأظنُّ أنَّه محمود بن عبد القدُّوس، (نُقلَتْ هذه النُّسخة من مكتبة إسبارطة خليل حميد باشا إلى قونيا).
* * *
стр. 15
صور المخطوطات
стр. 16
الورقة الأولى من نسخة فيض الله أفندي (ض)
стр. 17
الورقة الأخيرة من نسخة فيض الله أفندي (ض)
стр. 18
الورقة الأولى من نسخة فاضل أحمد (أ)
стр. 19
الورقة الأخيرة من نسخة فاضل أحمد (أ)
стр. 20
الورقة الأولى من نسخة نور عثمانية (ع)
стр. 21
الورقة الأخيرة من نسخة نور عثمانية (ع)
стр. 22
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تيمنًا (باسمه سبحانه) (١)
الحمدُ لله الَّذي أرسل رسولَه بالهدى ودين الحقِّ، وأنزل عليه الكتاب فبلَّغ ما أُنزِلَ إليه وحقَّق، وجعل علماء أمَّته كأنبياء بني إسرائيل في شرح كلِّ مُشْكِلٍ وفتح كُلِّ مُغْلَق، وكلٌّ منهم بعون الله في أمور الشَّرع خير مدبِّر وجدُّ (٢) موفَّق، فصار بأنَّهم بخصلَتَي العلم والعمل ملاذًا يُجمَعُ فيه كلُّ حزبٍ مفرَّق.
(وفي المغني قال هذ البيت) (٣):
يطوفُ ذوو (٤) الحاجاتِ حولَ بيوتِهم … كما طافَ تِجرُّ باليمين المنفَّقِ
سبحانَ مَنْ أعزَّ العلمَ والمتحلِّيَ به بقوَّة سلطانه، وأذلَّ الجهلَ والمنتميَ إليه بسَطْوَة خذْلانه، والصَّلاة على مدينةِ العِلم محمَّد الَّذي (٥) بعثه اللهُ ربُّ العالمين لتعليم معالم الدِّين، وترسيم مراسم الشَّرع المبين، وتهديم (٦) قواعد
стр. 23
الجَلَّة الجاهليَّة، وتمهيد عقائد الملَّة الحنيفيَّة، وعلى آله وصحبه وتابعيهم من العلماء الأجلَّة، الَّذين هم سواعد أهل الشَّرع وأعضاد خير الملَّة، (وسلَّم تسليمًا دائمًا أبدًا إلى يوم الدِّين) (١).
(أَمَّا بعدُ) (٢)؛ فإنَّ سنَّةَ اللهِ الجليلة الجارية في بريَّته، ونعمتَه اللَّطيفة الوافية على خليقته، أنْ يُحْدِثَ في كلِّ عصرٍ من الأعصار طائفةً من العلماء في المدائن والأمصار، يتجاوَلُون تجاولَ فرسان الطِّرادِ في مضمار النُّظَّار، ويتصاولون تصاولَ آسادَ الجِلاد في معترك التِّنظار.
لله درّهم لا زال كرّهم وفرّهم (٣)، فجعلَ توفيقَه رفيقَهم، وسهَّل إلى اقتباس العلم طريقَهم، بحيث يُجمَع (٤) في كلٍّ منهم حليةُ العلم والعمل، ويُشاهَدُ فيهم حلاوةُ الفهم والأمل، فيفوَّضُ إليهم خدمةُ القضاء والفتوى، ويفاضُ عليهم نعمه في الدُّنيا والعُقبى، إذ يتمُّ بحكمهم وعلمهم أمر الدِّين ومهامّ الأمَّة، وينتظم برأيهم وقلمهم مصلحة الخاصَّة والعامَّة.
فإنَّ الله تعالى في قضائه السَّابق (٥) وقدره اللَّاحق وقائعَ عجيبةً تَرِدُ في أوقاتها، وقضايا غريبةً تجري إلى غاياتها، ولولا وجود تلك الطَّائفة العليَّة المتحلية بالفضائل الجليَّة مَنْ يقوم بكشف قناع هذه الوقائع، ومَنْ يلتزم بحلِّ مشكلات هذه البدائع؟ وهذا هدايةٌ من اللهِ تعالى، والحمدُ لله الَّذي هدانا لهذا.
стр. 24
ثمَّ الحمدُ على ما أسبغ من نعمائه المتوافرة، وآلائه المتكاثرة، على هذا العبد الذَّليل الفقير، إلى رحمة الله الغنيِّ الجليل القدير، خادم ديوان الشَّرع المصطفوي، محمود بن سليمان الشَّهير بالكَفَويِّ، بصَّره الله تعالى بعيوب نفسه، وختم له بالخير آخر نَفَسه، وجعل يومه خيرًا من أمسِه، حيث وفَّقه (١) في العقائد حقِّها وأتقنها، ويسَّره من المذاهب أصوبها وأوزنها، وأعطاه من العلوم أشرفها، وأولاه من الفنون ألطفها.
ومن لطائف تلك النِّعَم (٢) الجليلة، وجلائل هاتيك الآلاء الجزيلة، ساقه إلى جميع أخبار فقهاء الأعصار، من ذوي الفُتيا وقضاة الأمصار من لدن نبيِّنا ﷺ إلى مشايخنا في تلك الأوان، حسبما قضوا وأفتوا وأفادوا واستفادوا في دورهم من أدوار الزَّمان.
ولقد كنَّا في أثناء بعض اللَّيالي، من أوقاتنا في بعض الزَّمان الخالي، نَسامُ بأهالي البلاد والأقاصي، الَّتي كنَّا نكون بها القاضي، ونجوِّد ما جنيناه في طيب أيامنا المواضي، من ثمرات أفانين العلوم على أهل النَّادي، فكلَّما انساق عَنان الكلام في بِيْدِ بيان الفقهاء وشيوخ الإسلام إلى مرويَّات الأئمَّة الحنفيَّة ومحكيَّات المشايخ الحنيفيَّة، وجدنا أكثرهم غافلين عن أصحابنا القائلين بما كانوا به عاملين، لا يفرِّقون التِّلميذ عن الأستاذ، ولا يميِّزون ذوي التَّقليد عن أهل الاجتهاد، فحثُّوني على كَتْب "كتائب أعلام الأخيار وطبقات ذوي الفُتيا وقضاة الأعصار".
فجمعْتُ مشايخ المتقدِّمين والمتأخِّرين وعلماءَنا المقلِّدين والمجتهدين من فقهاء الأعصار (وقضاة الأمصار) (٣) والأقطار، بأسانيدهم وعنعناتهم، على حسب
стр. 25
أعصارهم وطبقاتهم، مع إرداف المسائل الغريبة المنقولة عنهم في مشاهير كُتب الفتاوى، وتذييل الحكايات العجيبة المسموعة في حقِّهم عن جماهير العلماء ومشايخ زماننا، إلى أبي حنيفة إمام أئمة مذهبنا، ثم إلى رسولنا ﷺ صاحب شريعتنا.
ولقد دوَّن المؤرِّخون كتبًا في الطَّبقات، ولم أرَ أحدًا اعتنى ببيان الأسانيد والعَنْعَنات مع إردافِ المسائل وتذييلِ الحكايات.
وكتابنا هذا مسمَّى بـ "كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النُّعمان المختار"، ومرتَّب على: العنوان، والبرهان، والسُّلطان، والأركان، والكتائب، على ترتيب المراتب.
اعلم أنَّ نبيَّنا ﷺ بلَّغ ما أُنزِل إليه إلينا، وعلَّم الدِّين، وأقام الحدود (١)، وقضى وحَكَم، وبيَّن الشَّرع، وشرع بيان الحكم، وجاهد حقَّ الجهاد في إقامة الدِّين، وأعضَّ وألزم.
ثمَّ الخلفاء الرَّاشدون ووجوه الصَّحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - بذلوا جهدهم في إقامةِ الدِّين، وإجراءِ الشَّرع المبين (٢)، وتعيينِ قوانين الموحِّدين، وتوهينِ كيد أعداء الله المبتدعين، فأقاموا الإسلام عن أَوْدِه، وأسندوا الأمرَ إلى مستَنده، معتصمين بنصر الله، صادعين بأمر الله، وكانوا بشرف صحبته ﷺ سالمين عن الطَّعْن، وببركة خدمته خالصين عن شَوْب الشَّيْن، فكانَتْ آثارُهم لمن بعدهم شِرعةً ومنهاجًا، ولرفع غَيْهَب الضَّلال سراجًا وهَّاجًا.
وكذا أعلامُ التّابعين الَّذين يزاحمونهم في الفتوى، إلى أن اختلفَتِ الآراء،
стр. 26
وظهرَتْ أهل البِدع والأهواء (١)، وافقوهم بغير خلاف، ونقلوا أحكام الدِّين منهم إلى الأخلاف (٢)، مُحْيِين سنَّة الأسلاف، حاوين مآثر الأشراف.
ولمَّا كانت حوادث الأيَّام خارجة عن التِّعداد، ومعرفة أحكامها لازمة إلى يوم التَّناد، وكانت ظواهر النُّصوص غير موفِيَةٍ ببيانها، بل لا بدَّ لها من طريق وافٍ (٣) بشأنها، اضطَّروا إلى الاجتهاد بالرَّأي فاجتهدوا، وأسَّسوا قواعدَ الأصول وشيَّدوا، فعزموا على تعيين المذهب ومهدَّوا، مستفيضين بما رُوي عن رسول الله ﷺ أنَّه لمَّا بعثَ معاذًا ﵁ قاضيًا إلى اليمن قال له: "بِمَ تقضي يا معاذ؟ " قال: بكتاب الله تعالى. قال: "فإنْ لمْ تجدْ"؟ قال: بسنَّة رسوله. قال: "فإنْ لمْ تجدْ"؟ قال: أجتهدُ فيه برأيي (٤)، فقال رسولُ الله ﷺ : "الحمد لله الَّذي وفَّق رسولَ رسولِه لِمَا يُرْضِي به رسولَه" (٥).
ثمَّ إِنَّ علماءَ الدِّين والأئمَّة المجتهدين بذلوا جهدهم في تحقيق المسائل الشَّرعية، وتدقيق النّظائر الفرعيَّة، واستنبطوا أحكام الفروع من الأدلَّة الأربعة، فاتِّفاقُهم حجَّةٌ قاطعةٌ، واختلافُهم رحمةٌ واسعةٌ، قُوَام الدِّين بهم، وثَباتُ الشَّرع بفقْهِهم.
стр. 27
فمنهم أصحابُ الطَّبقة العالية في الاجتهاد، وهم الَّذين صادف الدِّين منهم أقوى عِماد، وضعوا المسائل على حسب قواعد قولهم (١) وأصولهم، وهذَّبوا مسائلَ الاجتهاد مع تنقيح طرق النَّظر على مذاهبهم، يستبدُّون في استنباط (٢) الأحكام من الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس، من غير تقليدٍ لا في الفروع ولا في الأصول لأحدٍ من النَّاس، وحالهم متفاوتة في اشتهار مذاهبهم، واعتبار مشاربهم، فممَّن شاعَ مذهبهم في الأعصار، واشتهرت آثار عِلْمهم في الأقطار والأمصار:
إمامُنا الأعظم أبو حنيفة نعمان الكُّوفي، ومالكُ بن أنس، وسفيان الثَّوري، وابن أبي ليلى محمَّد بن عبد الرَّحمن، وعبد الرَّحمن الأوزاعي، ومحمَّد بن إدريس الشَّافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي الأصفهاني.
ولكنَّ اللهَ تعالى خصَّ من بينهم الأئمَّة الأربعة؛ أبو حنيفةَ ومالكٌ والشَّافعي وابنُ حنبلَ بهدايتِه، بحيث منع العلماءُ تقليدَ غيرِهم، ولم يُدْرَ مثلهم في غيرهم من المجتهدين إلى الآن؛ لانضباط مذاهبِهم، أو لانقراضِ أصحابِ غيرهم، وتعذُّر نقلِ مذهبهم.
والحاصل أنَّ هؤلاء الأربعة انخرقَتْ بهم العادة على معنى الكرامة؛ عنايةً من الله تعالى بهم، إذا قِيْسَتْ أحوالهم بأحوال أضْرابِهم، فاشتهار مذهبهم في ظهور الآفاق، واعتبار أصولهم وفروعهم في بطون الأوراق، واجتماع القلوب على الأخذ بها على ممرِّ الدُّهور دون ما سواها، بما يشهد بصلاح نيَّتهم، وحُسْن طويَّتِهم، وجَلِيل سيرتِهم، وجميلِ سريرتِهم، لاسيَّما الإمام الأعظم، والقَوْم الهُمَام الأقدم، سراج الأمَّة، وتاج الملَّة، وقِمَّة الأئمَّة، أبو حنيفة نُعمان بن ثابت، ثبَّته اللهُ في أُخْراه بالقول الثَّابت.
стр. 28
قدْ خصَّه اللهُ تعالى بعنايتِه، وجمع من الفضائل في ذاتِه ما لم يَجمع نُبَذًا منها في غيره، مع كونه من التَّابعين دون غيره، وجعله مقتدى شريعته إلى آخر الدَّهر ونهايته، حتَّى شاع علمُه، واشتهر مذهبُه بكثرة المجتهدين في ذاهبي ما يذهبُه، وأظهر علوم الشَّرع بين المسلمين، ونشر أحكام الفروع بين المؤمنين، فإِنَّه أَوَّلُ مَنْ فرَّع في الفقه وألَّف، ودون كُتُبَ الفُروع وصنَّف، باتِّفاق أصحابه الملازمين إلى درسه، من مشاهير علماء المجتهدين واجتماع أضرابه المختلفين إلى مجلسه، من جماهير الفضلاء المتقدِّمين كأبي يوسف المقدَّم في الأخبار واللِّسان، ومحمَّد المقدَّم في الفقه والإعراب والبيان، وزُفَر بن هُذيل الفقيه النَّبيه في القياس، وحسن بن زياد المسلَّم في السؤال والتَّفريع بين النَّاس، وعبد الله بن المبارك الصَّائب في رأيه أيَّة سالك (١)، ووكيع بن الجرَّاح المفسِّر الزَّاهد النَّصَّاح، وحفص بن (غياث بن طَلْق) (٢) الفطن الزَّكي في القضاء (٣) بين الخلق، ويحيى بن زكريَّا بن أبي زائدة في جمع الحديث وضبط الفروع له فوائده (٤)، وأسد بن عَمْرو القاضي، ونوح بن مريم الجامع، وأبو مطيع البَلْخِي، ويوسف بن خالد السَّمْتي، وغيرهم جميعًا، وسنذكرُهم إن شاء الله مُشْبِعًا.
ثمَّ أقرَّ بفضله الخصوم، وسلَّموا له في كلِّ العلوم، حتى قال الإمام مالكٌ حين سُئِل عنه - عن أبي حنيفة: رأيتُه رجلًا لو كلَّمك في هذه السَّارية ليرى أنْ يجعلها ذهبًا لَقام بحجَّته.
стр. 29
وقال مالكٌ: إنَّ أبا حنيفةَ لأهل الفقه خيرُ مؤنِس.
وقال الشَّافعي: النَّاس كلُّهم عيالٌ على أبي حنيفة في الفقه.
وأنشدَ الشَّافعي (١) في حقِّه:
لقدْ زانَ البلادَ ومَنْ عليها … إمامُ المسلمينَ أبو حنيفَةْ
فما بالمشْرِقَيْنِ له نظيرٌ … ولا بالمَغْرِبَيْنِ ولا بِكُوفَةْ
إمامٌ كانَ للإسلامِ بحرًا … أمينًا للنَّبيِّ وللخليفَةْ
وكانَ الإمامُ أحمدُ بن حنبل كثيرًا ما يذكر فضلَه، ويترحَّم عليه ويبكي في زمن محنته.
وكلُّ واحدٍ من هؤلاء الأئمَّة وإن كان إمامًا متَّفقًا عليه، لكنَّهم لم يصلوا إلى معشار ما وصل إليه أبو حنيفة، وفي ذلك المعنى:
وما (٢) على اللهِ بمُسْتَنْكَرٍ … أنْ يجمعَ العالَمَ في واحدٍ
(وأيضًا قال:) (٣)
وإنِّي لا أحصي ثناءَ خِصالِهِ … ولو أنَّ أعضائي جميعًا تَكلَّمُ
فأصحابُنا الحنفيَّة - عامَلَهم اللهُ بألطافه الخفيَّة - هم السَّابقون في الفقه والاجتهاد، ولهم الرُّتبة العُليا في الرَّأي والحديث والإرشاد، وهم الرَّبانيُّون في علم الكتاب والسُّنَّة، وملازمة القُدْوة، ومجانبة الهوى والبِدعة، ولزوم طريق السنَّة
стр. 30
والجماعة، الَّذي كان عليه الصَّحابة والتَّابعون، ومضى عليه (١) السَّلف الصَّالحون.
فالطَّريق المتناهي في أصول الشَّريعة وفروعها على الكمال هو طريقُ أصحابِنا، بحمد اللهِ المهيمن المتعال، انتهى إليهم الدِّين بكمال، وقام (٢) الشَّرع بقولهم إلى آخر الدَّهر بخصال، وحالهم على خمس طبقات:
الأولى: طبقةُ المتقدِّمين من أصحابِنا، كتلاميذ أبي حنيفة، نحو أبي يوسف ومحمَّد وزفر وغيرهم، فإنَّهم (٣) يجتهدون في المذهب، ويستخرجون الأحكام عن الأدلَّة الأربعة، على مُقْتضى القواعد الَّتي قرَّرها أستاذُهم أبو حنيفة، فإنَّهم وأنْ خالَفُوه في بعض أحكام الفروع، لكنَّهم يقلِّدون في قواعد الأصول، بخلاف مالكٍ والشَّافعي وابنِ حنبل، فإنَّهم يخالفونه في أحكام الفروع غير مقلِّدين له في الأصول، وهذه الطَّبَقة هي الطَّبَقة الثَّانية من الاجتهاد، وهي طبقة المجتهدين في الشَّرع كالأئمَّة الأربعة، وحالهم تأسيس قواعد الأصول وتمهيد الدَّلائل، وتنقيح طُرُق النَّظر، ووضع المسائل من غير تقليد لغيرهم من الأماثل.
والثَّانية: طبقة أكابر المتأخِّرين من أصحاب الحنفيَّة، كأبي بكر أحمد الخَصَّاف، والشَّيخ الإمام أبي جعفر أحمد الطَّحاويِّ، والشَّيخ الإمام أبي الحسن عُبيد الله الكَرْخيِّ، وشمس الأئمَّة عبد العزيز الحَلْوَاني، وشمس الأئمَّة أبي بكر محمَّد السَّرَخْسي، وفخر الإسلام علي بن محمَّد البَزْدَوي، والإمامِ الكبير فخر الدِّين حسن، المعروف بقاضي خان، والصَّدرُ الأجلُّ برهان الدِّين محمود، صاحب "الذَّخيرة
стр. 31
البرهانيَّة" و "المحيط البرهاني"، والشَّيخ الإمام طاهر بن أحمد صاحب "النصاب" و "الخلاصة"، وأمثالهم، فإنَّهم يقدرون الاجتهاد في المسائل الَّتي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، ولا يقدرون على المخالفة له في الأصول ولا في الفروع، ولكنَّهم يستنبطونها على حسب أصول قررَّها ومقتضى قواعد بسطها صاحبُ المذهب أبو حنيفة ﵀.
الثَّالثة: طبقة أصحاب التَّخريج من المقلِّدين كالرَّازِي وأضْرَابه، فإنَّهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا، لكنَّهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل قولٍ مجمَلٍّ ذي وجهَيْن، وحُكْمٍ مُبْهَمٍ مُحْتَمِلٍ لأَمرَيْن، منقولٍ عن أبي حنيفة، وعن واحد من أصحابه (١)، الذَّاهبين بنظرِهم ورأيِهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع، ما وقع في بعض المواضع من "الهداية"، كذا تخريج الرَّازِي مِنْ هذا القَبِيل.
الرَّابعة: طبقة أصحاب التَّرجيح من المقلِّدين، كأبي حسين الفقيه أحمد القُدُوري، وشيخ الإسلام برهان الدِّين عليِّ الفَرْغَاني صاحب "الهداية"، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الرُّوايات على بعضٍ بقول آخر، بقولهم "هذا أولى"، و "هذا أصحُّ دراية"، و "هذا أوضحُ رواية"، و "هذا أوفق للقياس"، و "هذا أرفق للنَّاس".
والخامسة: طبقة المقلِّدين القادرين على التَّمييز بين الأقوى والقويِّ والضَّعيف، وظاهر المذهب وظاهر الرِّوايات والرِّوايات النادرة، كشمس الأئمَّة محمَّد الكَرْدَري، وجمال الدِّين الحَصِيْري، وحافظ الدِّين النَّسَفي، وغيرهم، مثل أصحابِ المتون المعتبرة من المتأخِّرين كصاحب "المختار"، وصاحب "الوقاية"،
стр. 32
وصاحب "المجمع"، وشأنهم أن لا ينقل في كتبهم (١) الأقوال المردودة والرِّوايات الضَّعيفة، وهذه الطَّبقة أدنى طبقات المتفقِّهين.
وأمَّا الَّذين هم دون (٢) ذلك فإنَّهم كانوا ناقصين عامِّين، يلزمهم تقليد علماء عصرهم وفقهاء دهرهم، ولا يحلُّ لهم أن يُفتوا (٣) إلا بطريق الحكاية، فيحكي ما يضبطُه من أفواه العلماء، ويحفظُه من أقوال الفقهاء (٤).
ثمَّ إنَّ أصحابنا كثّرهم الله تعالى إلى يوم التَّناد، تفرَّقوا في القرى والبلاد، فمنهم أصحابنا المتقدِّمون في العراق كبغداد، وهو دار الخلافة ودار العلم والإرشاد، ومنهم مشايخ بَلْخ، ومشايخ خُرَاسان، ومشايخ سَمَرْقَنْد، ومشايخ بُخارى، ومنهم مشايخ وخلائق من بلاد (٥) أخرى، كالرَّيِّ وشِيْراز وأصْبَهان وسَاوه وطُوس وزِنْجان وهمذان واسترآباد وبسطام ومَرْغينان وفرغانة ودامغان، وغير ذلك من المدن الدَّاخلة في أقاليم ما وراء النَّهر وخراسان وأَذْرَبِيجان و مازندران وخُوَارْزم وغَزْنة وكَرْمان، إلى بلاد الهند وجميع ما وراء النَّهر، والله أعلم، وغير ذلك من مدائن عراق العرب وبلاد عراق العجم.
ونشرُوا عِلم أبي حنيفة إملاءً وتذكيرًا وتصنيفًا، واستفاد النَّاس منهم على اختلاف طبقاتهم، فبلغ كثرةُ الفقهاء إلى حدٍّ لا يُحصى، وأماليهم وتصانيفهم غير قابلة للعدِّ والإحصاء، وكانوا يتفقَّهون ويجتهدون، ويَستفيدون ويُفيدون، ويجيبون
стр. 33
الوقائع ويؤلِّفون البدائع، ويفتون في النَّوازل ويجمعون المسائل، فبقي نظام العلم وانتظام أهاليه على أحسن النِّظام، ورقى رواجَه على كرور اللَّيالي ومرور الأيَّام، إلى حين قدَّر الله المهيمن المنَّان على ما قضاه من خروج جِنْكز خان، فوضَعَ السَّيفَ وقتلَ العباد، وخرَّب العامر وأهلك البلاد، ومشى عليهم مشي الموسى على الشَّعر، وسعى عليهم سعي الدَّبَى على الزَّرع الأخضر، وقَدِمَ خُوَارِزْم وأعارها، وقتل سلطانها محمَّد بن خُوَارِزْم شاه وأبادها، وهدم أركانها، وخرَّب بنيانها، والشَّيخ أبو الجَنَّاب نجم الدِّين الكُبْرَى، رُزِق بالشَّهادة في هذه الوقعة (١) العُظمى، بِيَدِ هذه الفئة الكافرة الفاجرة الطاغية، في سنة ستِّ عشرة وستِّمئة، يشير إليه العارف الرَّبانيُّ والعالم الصَّمدانيُّ المولى جلال الدِّين الرُّومي في ذكر انتسابه به (حيث قال هذه الأبيات منشدًا) (٢):
ما ازآن محتشمانيم كه ساغر كيرند … نه ازآن مفلسكان كه بزلاغر كيرند
به يكي دست مي خالص ايمان نوشند … بيكي دست دكر برجم كافر كيرند
فكانَ ما كان في القُرى والأمصار من قضاء الله العزيز القهَّار، فإنَّ الله تصريفًا في عباده، لا بدَّ أنْ ينفدَ (٣) فيهم سهمُ مرادِه، ولا مفرَّ من القضاء ولا محيد عمَّا قدَّره اللهُ وقضى:
تبدَّلَتِ الأطوارُ وانحلَّ عقدُها … وزالَ عن أطوارِ الزَّمانِ نِظامُ
وزالَ عن الأيَّام نورٌ ورونقٌ … وطبَّقَ أكنافَ البلادِ ظلامُ
стр. 34
وكانَ سريرُ العلمِ صرحًا ممرَّدًا … يُناغي القِبابَ السَّبْع وهي عِظامُ
مَتينًا رَفيعًا لا يُطار غُرابُه … عَزيزًا مَنيعًا لا يَكادُ يُرامُ
مَهيبًا ومحميَّ الزِّمامِ وأهلُه … أعزَّةَ أهلِّ العالَمِين فخَامُ
محطَّ رحالٍ للأجلَّة قبلةً … لكلِّ إمامٍ يقتديه أنامُ
فجرَّتْ عليه الرَّاسياتُ ذيولَها … فخرَّت عروشٌ فيه ثمَّ دِعَامُ
وسِيْقَ إلى دارِ المهانةِ أهلُها … مساقَ أسيرٍ لا يزالُ يُضامُ
ثم تلاهُ بنوه، وزوَّدوه والدُّوا فعله وأيَّدوه، حتى قصد هُلاكو الكافر ابن جنكز الفاجر، ببغداد بجيشٍ عَرَمْرَمٍ، في زمانِ الخليفةِ المستعصم، آخر الخلفاء العبَّاسيَّة في سنة ستٍّ وخمسين وستِّمئة، ونزل على بغداد وقتل الخليفة، وهجم عسكر التَّاتار الفجرة دارَ الخلافة، وقتلوا مَنْ كان ببغداد من الفقهاء وسائر المسلمين، وبقي بلاد الإسلام بلا خليفة ثلاث سنين، وكان ذلك بفتنة وزيره ابن العلقميِّ نور الدِّين الخبيث الرَّافضي، فانقرضَتْ الدَّولة العباسيَّة من العراق، وسقى الدَّهرُ أهلَها كأسَ الفِراق، بالسَّيف والدَّم المهراق، وانعكس حال العلمِ في هذه الأيَّام، وارتحل بقيَّة السُّيوف من أهاليه إلى أرض مصر وبلاد الشَّام.
تعطَّل الدَّرسُ (١) أيامًا بها وخَلَتْ … مجامِعُ النَّحوِ مِن جاءٍ ومُنْطَلقِ
فما يُرَى قلَّ مَنْ فيها أخو أدبٍ … ولم يخُطْ ولو سَطْرًا على ورقِ
وكانَ فقهاءُ الحنفيَّة في تلكَ الدِّيار قليلًا، وللواردِيْن ما يُشْفي لقاؤهم عَليلًا، فساروا بأهاليهم إلى دمشق وحلب المحروسة، مقتبسين بـ ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ
стр. 35
الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]، وكانت هذه الدِّيار في هذا العصر على أحسن (١) النِّظام، ببركة معدلة سلاطين الغرب (٢) في هذه الأيَّام، وكانت تَقْدم الفقهاء إليها من البلدان، وترحل الطَّلبة إليها للتَّفقه من كلِّ مكان، إلى أن حدث فيها تعدِّي سلاطين الجراكسة، وصار أطوارُ (النِّظام متنكِّسةً، وأحوالُ الزَّمان) (٣) منعكسة (٤)، فارتحل العلم وأهاليهم إلى بلاد الرُّوم، واجتمع فيها ذووا الفضائل وأرباب العلوم، ببركة سلطنة الخواقين العثمانيَّة، ويسرة معدلة القوانين الخاقانيَّة، وحسن همَّتهم العلماء، ولطف تربيتهم الفضلاء، وكمال رعايتهم الفقهاء، فبلغوا إلى حدٍّ لا يكاد يُحصر، ولا يُضبط بديوان ولا دفتر، سيِّما دار السَّلطنة العليَّة، قسطنطينية المحميَّة.
في كلِّ يومٍ جيادُ الفضلِ جائلُها … وكلِّ حينٍ أسودُ العِلمِ تعتركُ
قد بلغَ فقهاؤها في العلم (٥) الغاية (٦)، وفي العمل والاجتهاد النِّهاية، كلٌّ منهم في الأصول مُغْنٍ، وفي الفقه مختارٌ، وفي مجمع العلوم مشكاةٌ، وفي إفاضة الأنوار (٧) منارٌ، ولهم في كنز التَّحقيق كفايةٌ وهدايةٌ، وفي الخزانة عنايةٌ، ومنتهى الغير لهم بدايةٌ، ولأكثرهم (٨) مشاركة في العلوم كلِّها، شرعِّيها ونقليِّها
стр. 36
وعقليِّها، وأيادٍ طويلةٍ في الشِّعر والأدب، والإنشاء والمحاضرات والخطب، في كلِّ (١) وادٍ يهيمون، من بدائع العلوم وصنائع الفنون، والآن بحمد الله المنَّان على زيادة من ذلك، بيُمْنِ دولة مالك الممالك، سلطان العرب والعجم والروم، كاسر الأكاسرة، وقهرمان القروم، إمام الزَّمان بأمر الله، قوي السُّلطان في المشرِقَيْن، وخليفة الرَّحمن بنصر الله، جلي البرهان في الخافِقَيْن، خادم الأوامر الربَّانية، وناظم القوانين السُّلطانيَّة، عمدة الخلفاء المعتزِّين بالعزَّة السُّبْحانيَّة، وزبدة الأئمة الاثني عشر العثمانيَّة، السُّلطان بن السُّلطان، السُّلطان مراد خان بن السُّلطان سليم خان بن السُّلطان الغازي سليمان خان بن السُّلطان أبي الفتوح سليم خان بن السُّلطان السَّعيد بايزيد خان بن السُّلطان أبي الفتح محمَّد خان بن السُّلطان أبي النَّصر مراد خان بن السُّلطان محمَّد خان بن السُّلطان بايزيد خان بن السُّلطان الغازي مراد خان بن السُّلطان أورخان بن الغازي عثمان، لا زالَتْ سلسلة نظم دولته منتظمة إلى آخر الزَّمان ونهاية الدَّوران، وأرواح أسلافه العِظَام متنزهة في روضة الرَّضوان.
فأضْحَى بحمدِ اللهِ وَارثَ مَنْ مَضَى … مِنَ النَّمطِ الأعلى ووارثَ مَنْ بَقِيْ
عَطوفًا رَؤوفًا بالرَّعايا يَسُوسُهم … بصورةِ سلُطانٍ وسِيرةِ مُتَّقيْ (٢)
يفتِّشُ أحوالَ الأنامِ بنفسِهِ .... يراعي رجالَ الفضلِ يَزْجُرُ بالشَّقِيْ
اجتباه الله تعالى للمُلْكِ وعيَّنه، وجلَّل منكبَه برداء السَّلْطَنة وزيَّنه، وملأ بهيبته قلوبَ الأداني والأقاصي، وذلَّلَ لحكمه رقابَ الأذياب والنَّواصي، وأنام بعدْلِه في
стр. 37
كنف الأمن (١) العزيز أنامه، وخصَّ على إصلاح مهمَّاتهم (٢) قعوده وقيامه، وكيف لا، وقد (قرنه الله الحميد) (٣) بإرشاد المولى المعلِّم السَّعد السَّعيد، لا زال في منصبٍ عالٍ وعيشٍ رغيدٍ.
مَعاليَهُ تأبى أن تُعدَّ وأن تُحْصَى … وإنْ جدَّ في إحصائِها المرءُ واسْتَقْصَى (٤)
لقدْ خصَّهُ الرَّحمن بالفضلِ والعُلَىَ … مِنَ النَّاسِ فِي الدُّنيا فحمْدًا لَمَنْ خَصَّا
برهان كتائب أعلام الأخيار
قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]؛ أي: بعض مَنْ خلقْنا، أو بعض ممَّنْ خلقْنا طائفة يهدون النَّاس ملتبِّسين بالحقِّ، أو يهدونهم بكلمة الحقِّ، ويدلُّونهم على الاستقامة، وبالحقِّ يعدلون، يحكمون في الحكومات الجارية فيما بينهم، ولا يجورون فيها.
عن النَّبي ﷺ : "إِنَّ مِنْ أمَّتي قومًا على الحقِّ حتَّى ينزلَ عيسى" (٥)، وروي: "لا
стр. 38
تزالُ من أمَّتي طائفةٌ على الحقِّ إلى أن يأتيَ أمرُ الله"، وروي: "لا تزالُ من أمَّتي قائمةٌ بأمرِ اللهِ لا يضرُّهم من خذلَهم ولا مَنْ خالَفهم حتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم ظاهرون" (١).
وفيه من الدِّلالة على صحَّة الإجماع ما لا يخفى، والاقتصار على نعتهم بهداية النَّاس (٢) للإيذان بأنَّ اهتداءَهم في أنفسهم أمرٌ محقَّقٌ، غنيٌ عن التَّصريح به، كذا قاله شيخ الإسلام العمادي في "إرشاده".
قال البيضاوي: ذكر هذه الآية بعد ما بيَّن أنَّه خلق للنَّار طائفة ضالِّين ملحدين عن الحقِّ للدِّلالة على أنَّه خلق أيضًا للجنَّة أمَّة هادين بالحقِّ عادلين في الأمر.
واعلم أنَّ الهداية بكلمة الحقِّ والدِّلالة على الاستقامة والعدالة بالحقِّ في الحكومات الجارية بين الخلق وعدم الجور فيها لا يتيسَّر إلَّا بتكلُّف الفقاهة في الدِّين وتجشي مشاقَّ تحصيلها، وهو من فروض الكفاية، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
عن الكَلْبي رحمه الله تعالى: لما أنزل الله عيوب المنافقين وبيَّن نفاقهم في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلَّف عن غزوة يغزوها رسول الله ولا سريَّة (٣) أبدًا. فلمَّا قدم الرَّسول ﷺ المدينة وأمر بالسرايا نَفَرَ المسلمون جميعًا وتركوا رسول الله
стр. 39
ﷺ وحدَه بالمدينة، فنزلَت الآية؛ يعني: ما صحَّ وما استقام للمؤمنين أن ينفروا جميعًا لنحو غزوٍ أو طلب علمٍ، فإنَّ ذلك مخلٌّ بأمر المعاش.
فهلَّا نفرَ مِنْ كلَّ طائفةٍ كثيرة لأهل (١) بلدة أو قبيلة عظيمة جماعةٌ قليلةٌ (ليتكلَّفوا الفقاهة) (٢) في الدِّين ويتجشَّموا مشاقَّ تحصيلها، وليجعلوا غاية تحصيلهم ومَرمَى غرضهم من ذلك إنذار قومهم وإرشادهم إذا رجعوا إليهم.
وتخصيصُه بالذِّكْرِ لأَنَّه أهمُّ، وفيه دليل على أنَّ التَّفقُةَ في الدِّين من فروض الكفاية، وأن يكون غرض المتفقِّه الاستقامة والإقامة، لا التَّرفُّع على العباد، والتَّبسُّط في البلاد، والتَّرؤُّس والتَّصدُّر.
(وفي "التيسير": التَّفقُّه: التَّفعُّل من الفقه، وهو طلبه وتحصيله) (٣)، والفقه: فهم موجبات المعاني المضمَّنة فيها من غير تصريح بالدِّلالة عليها.
وذكرَ فخرُ الإسلام علي (٤) البَزْدَوي في "أصوله": الفِقْه على ثلاثة أقسامٍ: علمِ المشروع بنفسه، والثَّاني إتقان المعرفة به، وهو معرفة النُّصوص بمعانيها وضبط الأصول بفروعها، والقسم الثَّالث وهو العمل به حتى لا يصير نفسُ العلم مقصودًا، فإذا تمَّتْ هذه الأوجه كان فقيهًا.
وقد دلَّ على هذا المعنى أنَّ الله تعالى سمَّى علم الشَّريعة حكمة، فقال: ﴿يُؤْتِي
الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فقد فسَّر
стр. 40
ابن عباس ﵁ الحكمة في القرآن بعلم الحلَّال والحرام. وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ أي: بالفقه والشَّريعة.
والحكمة في اللُّغة: عبارة عن العلم والعمل. وكذلك موضع اشتقاق هذا الاسم - وهو الفقه - دليلٌ عليه، وهو العلم بصفة الإتقان مع اتِّصال العمل به، فمن حَوَى هذه الجملة كان فقيهًا مطلقًا، وإلَّا فهو فقيهٌ من وَجْهٍ دون وجهٍ.
وقد نَدَبَ الله تعالى إليه بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وصفهم بالإنذار وهو الدَّعوة إلى العلم والعمل. وقال النَّبيُّ ﷺ : "خيارُكم في الجاهليةِ خيارُكم في الإسلام إذا فَقُهوا" (١)، وقال: "إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا يفقِّهْه في الدِّين" (٢)، إلى هنا كلام البَزْدَوي.
والدِّين، والملَّة، والشَّريعة، والمنهاج، والإسلام، والحنِيفيَّة (٣)، والسُّنة، والجماعة؛ فإنَّها عبارات وَرَدَت في التَّنزيل الجليل، ولكلِّ واحد منها معنًى يخصُّها، وحقيقةُ توافقها لغةً واصطلاحًا.
قال المولى التَّفْتَازَانِي في "حاشية الكشَّاف" (٤) في آخر سورة الأنعام، في تفسير قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١]: الدِّين هو الطَّريقة المخصوصة الثَّابتة من النَّبيِّ ﷺ ، من حيث الانقيادُ له دينًا، ومن حيث يملي ويبيِّن للنَّاس ملَّةً،