← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وعقليِّها، وأيادٍ طويلةٍ في الشِّعر والأدب، والإنشاء والمحاضرات والخطب، في كلِّ (١) وادٍ يهيمون، من بدائع العلوم وصنائع الفنون، والآن بحمد الله المنَّان على زيادة من ذلك، بيُمْنِ دولة مالك الممالك، سلطان العرب والعجم والروم، كاسر الأكاسرة، وقهرمان القروم، إمام الزَّمان بأمر الله، قوي السُّلطان في المشرِقَيْن، وخليفة الرَّحمن بنصر الله، جلي البرهان في الخافِقَيْن، خادم الأوامر الربَّانية، وناظم القوانين السُّلطانيَّة، عمدة الخلفاء المعتزِّين بالعزَّة السُّبْحانيَّة، وزبدة الأئمة الاثني عشر العثمانيَّة، السُّلطان بن السُّلطان، السُّلطان مراد خان بن السُّلطان سليم خان بن السُّلطان الغازي سليمان خان بن السُّلطان أبي الفتوح سليم خان بن السُّلطان السَّعيد بايزيد خان بن السُّلطان أبي الفتح محمَّد خان بن السُّلطان أبي النَّصر مراد خان بن السُّلطان محمَّد خان بن السُّلطان بايزيد خان بن السُّلطان الغازي مراد خان بن السُّلطان أورخان بن الغازي عثمان، لا زالَتْ سلسلة نظم دولته منتظمة إلى آخر الزَّمان ونهاية الدَّوران، وأرواح أسلافه العِظَام متنزهة في روضة الرَّضوان. فأضْحَى بحمدِ اللهِ وَارثَ مَنْ مَضَى … مِنَ النَّمطِ الأعلى ووارثَ مَنْ بَقِيْ عَطوفًا رَؤوفًا بالرَّعايا يَسُوسُهم … بصورةِ سلُطانٍ وسِيرةِ مُتَّقيْ (٢) يفتِّشُ أحوالَ الأنامِ بنفسِهِ .... يراعي رجالَ الفضلِ يَزْجُرُ بالشَّقِيْ اجتباه الله تعالى للمُلْكِ وعيَّنه، وجلَّل منكبَه برداء السَّلْطَنة وزيَّنه، وملأ بهيبته قلوبَ الأداني والأقاصي، وذلَّلَ لحكمه رقابَ الأذياب والنَّواصي، وأنام بعدْلِه في

стр. 37

كنف الأمن (١) العزيز أنامه، وخصَّ على إصلاح مهمَّاتهم (٢) قعوده وقيامه، وكيف لا، وقد (قرنه الله الحميد) (٣) بإرشاد المولى المعلِّم السَّعد السَّعيد، لا زال في منصبٍ عالٍ وعيشٍ رغيدٍ. مَعاليَهُ تأبى أن تُعدَّ وأن تُحْصَى … وإنْ جدَّ في إحصائِها المرءُ واسْتَقْصَى (٤) لقدْ خصَّهُ الرَّحمن بالفضلِ والعُلَىَ … مِنَ النَّاسِ فِي الدُّنيا فحمْدًا لَمَنْ خَصَّا برهان كتائب أعلام الأخيار قال الله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١]؛ أي: بعض مَنْ خلقْنا، أو بعض ممَّنْ خلقْنا طائفة يهدون النَّاس ملتبِّسين بالحقِّ، أو يهدونهم بكلمة الحقِّ، ويدلُّونهم على الاستقامة، وبالحقِّ يعدلون، يحكمون في الحكومات الجارية فيما بينهم، ولا يجورون فيها. عن النَّبي ﷺ : "إِنَّ مِنْ أمَّتي قومًا على الحقِّ حتَّى ينزلَ عيسى" (٥)، وروي: "لا

стр. 38

تزالُ من أمَّتي طائفةٌ على الحقِّ إلى أن يأتيَ أمرُ الله"، وروي: "لا تزالُ من أمَّتي قائمةٌ بأمرِ اللهِ لا يضرُّهم من خذلَهم ولا مَنْ خالَفهم حتَّى يأتيَ أمرُ اللهِ وهم ظاهرون" (١). وفيه من الدِّلالة على صحَّة الإجماع ما لا يخفى، والاقتصار على نعتهم بهداية النَّاس (٢) للإيذان بأنَّ اهتداءَهم في أنفسهم أمرٌ محقَّقٌ، غنيٌ عن التَّصريح به، كذا قاله شيخ الإسلام العمادي في "إرشاده". قال البيضاوي: ذكر هذه الآية بعد ما بيَّن أنَّه خلق للنَّار طائفة ضالِّين ملحدين عن الحقِّ للدِّلالة على أنَّه خلق أيضًا للجنَّة أمَّة هادين بالحقِّ عادلين في الأمر. واعلم أنَّ الهداية بكلمة الحقِّ والدِّلالة على الاستقامة والعدالة بالحقِّ في الحكومات الجارية بين الخلق وعدم الجور فيها لا يتيسَّر إلَّا بتكلُّف الفقاهة في الدِّين وتجشي مشاقَّ تحصيلها، وهو من فروض الكفاية، بدلالة قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. عن الكَلْبي رحمه الله تعالى: لما أنزل الله عيوب المنافقين وبيَّن نفاقهم في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلَّف عن غزوة يغزوها رسول الله ولا سريَّة (٣) أبدًا. فلمَّا قدم الرَّسول ﷺ المدينة وأمر بالسرايا نَفَرَ المسلمون جميعًا وتركوا رسول الله

стр. 39

ﷺ وحدَه بالمدينة، فنزلَت الآية؛ يعني: ما صحَّ وما استقام للمؤمنين أن ينفروا جميعًا لنحو غزوٍ أو طلب علمٍ، فإنَّ ذلك مخلٌّ بأمر المعاش. فهلَّا نفرَ مِنْ كلَّ طائفةٍ كثيرة لأهل (١) بلدة أو قبيلة عظيمة جماعةٌ قليلةٌ (ليتكلَّفوا الفقاهة) (٢) في الدِّين ويتجشَّموا مشاقَّ تحصيلها، وليجعلوا غاية تحصيلهم ومَرمَى غرضهم من ذلك إنذار قومهم وإرشادهم إذا رجعوا إليهم. وتخصيصُه بالذِّكْرِ لأَنَّه أهمُّ، وفيه دليل على أنَّ التَّفقُةَ في الدِّين من فروض الكفاية، وأن يكون غرض المتفقِّه الاستقامة والإقامة، لا التَّرفُّع على العباد، والتَّبسُّط في البلاد، والتَّرؤُّس والتَّصدُّر. (وفي "التيسير": التَّفقُّه: التَّفعُّل من الفقه، وهو طلبه وتحصيله) (٣)، والفقه: فهم موجبات المعاني المضمَّنة فيها من غير تصريح بالدِّلالة عليها. وذكرَ فخرُ الإسلام علي (٤) البَزْدَوي في "أصوله": الفِقْه على ثلاثة أقسامٍ: علمِ المشروع بنفسه، والثَّاني إتقان المعرفة به، وهو معرفة النُّصوص بمعانيها وضبط الأصول بفروعها، والقسم الثَّالث وهو العمل به حتى لا يصير نفسُ العلم مقصودًا، فإذا تمَّتْ هذه الأوجه كان فقيهًا. وقد دلَّ على هذا المعنى أنَّ الله تعالى سمَّى علم الشَّريعة حكمة، فقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩]. فقد فسَّر

стр. 40

ابن عباس ﵁ الحكمة في القرآن بعلم الحلَّال والحرام. وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]؛ أي: بالفقه والشَّريعة. والحكمة في اللُّغة: عبارة عن العلم والعمل. وكذلك موضع اشتقاق هذا الاسم - وهو الفقه - دليلٌ عليه، وهو العلم بصفة الإتقان مع اتِّصال العمل به، فمن حَوَى هذه الجملة كان فقيهًا مطلقًا، وإلَّا فهو فقيهٌ من وَجْهٍ دون وجهٍ. وقد نَدَبَ الله تعالى إليه بقوله: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] وصفهم بالإنذار وهو الدَّعوة إلى العلم والعمل. وقال النَّبيُّ ﷺ : "خيارُكم في الجاهليةِ خيارُكم في الإسلام إذا فَقُهوا" (١)، وقال: "إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا يفقِّهْه في الدِّين" (٢)، إلى هنا كلام البَزْدَوي. والدِّين، والملَّة، والشَّريعة، والمنهاج، والإسلام، والحنِيفيَّة (٣)، والسُّنة، والجماعة؛ فإنَّها عبارات وَرَدَت في التَّنزيل الجليل، ولكلِّ واحد منها معنًى يخصُّها، وحقيقةُ توافقها لغةً واصطلاحًا. قال المولى التَّفْتَازَانِي في "حاشية الكشَّاف" (٤) في آخر سورة الأنعام، في تفسير قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١]: الدِّين هو الطَّريقة المخصوصة الثَّابتة من النَّبيِّ ﷺ ، من حيث الانقيادُ له دينًا، ومن حيث يملي ويبيِّن للنَّاس ملَّةً،

стр. 41

ومن حيث بيَّنها الله تعالى أو من حيث يَرِدُها الواردونَ المتعطِّشون إلى زُلال نيلِ الكمال شرعًا وشريعةً. والدِّين يضافُ إلى اللهِ وإلى النَّبي ﷺ وإلى آحاد الأمَّة، والمِلَّة إلى النَّبيِّ ﷺ وإلى آحاد الأمَّة وكذا الشَّريعة. وقال السيِّد الشَّريف في "حاشية العضد": اعلم أنَّ الدِّين وضعٌ إلهيٌّ سائقٌ (١) لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى الخير بالذَّات، ويتناول الفروع والأصول، وقد يُخَصُّ بالفروع، والإسلام هو هذا الدِّين المنسوب إلى محمَّد ﷺ ، المشتمل على العقائد الصَّحيحة والأعمال الصَّالحة، فالإضافة في (دين الإسلام) بيانيَّة. إلى هنا كلام الشَّريف. اعلم أنَّ الإنسان إذا اعتقد عقدًا أو قال قولًا؛ فإمَّا أنْ يكون مستفيدًا من غيره بأنْ يتفكَّرَ في حقِّه وباطله، وصوابِ القول فيه وخطئِه، ويكون فيه على بصيرةٍ ويقينٍ، أو مستبدًّا (٢) برأيه، فالمستفيد من غيره مسلمٌ مطيعٌ، والدِّين هو الطَّاعة، والتَّسليم هو التَّديُّن، والمستبدُّ برأيه محدثٌ مبتدعٌ، وربَّما يكون المستبدُّ مستنبطًا مما استفاده، على شرط أن يعلم موضع الاستنباط وكيفيَّته، فحينئذ لا يكون مستبدًّا حقيقةً؛ لأنه حصَّل العلم بقوَّة تلك الفائدة. فالمتديِّنُ هو المسلمُ المطيعُ المقرُّ بما جاء من عند الله إلى رسوله، وبما جاء من عند الرَّسول إليه. والإسلام هو التَّوحيد والتَّدريج بالشَّرع الَّذي جاء به محمَّد ﷺ . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]؛ أي: الدِّين الحقُّ

стр. 42

والمرضيُّ هو الإسلام. (وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [سورة المائدة: ٣]، اختَرْتُه لكم من بين الأديان) (١). فالدِّين أعمُّ من الإسلام، والإسلام: الاستسلام، وهو الإخلاص أيضًا، وهو في الحقيقة جعل كلِّ الأشياء الله تعالى لا شريك له فيها. ولَمَّا كان نوع الإسلام محتاجًا إلى اجتماعٍ مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه والاستعداد لمِعاده، وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكلٍ يحصل به التَّمانع والتَّعاون حتى يحفظ بالتَّمانع ما هو له، ويحصل (٢) بالتَّعاون ما ليس له، فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملَّة، والطَّريق الخاصُّ الَّذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج، والشَّرع، والسُّنة، والإتقان على تلك السُّنَّة هو الجماعة، قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]. ولن يُتَصوَّرَ وَضْعُ الملّة وشَرْع (٣) الشِّرعة إلا بواضعٍ شارعٍ، يكون مخصوصًا من عند الله تعالى بآيات تدلُّ على صدقه، وربما تكون الآية متضمِّنة في نفس الدَّعوى، وربما تكون متأخِّرة، وربما تكون ملازمة. والشَّريعة ابتدأَتْ من نوحٍ ﵇، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، والحدود والأحكام ابتدأَتْ من آدم، وشيث (٤)، وإدريس ﵈، وخُتِمَتِ الشَّرائع والملِّل والمناهج والسُّنن بأكملِها

стр. 43

وأتمِّها حُسْنًا وجمالًا بشريعة (١) نبيِّنا محمَّد ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]؛ أي: أكملْتُ بالنَّصر والإظهار على الأديان كلِّها، أو بالتَّنصيص على قواعد العقائد، والتَّوفيق على أصول الشَّرائع وقوانين الاجتهاد، وأتممتُها (٢) بفتح مكَّة ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكها، والنَّهي عن حجِّ المشرك وطواف الزِّيارة، أو بإكمال الدِّين والشَّرائع، أو بالهداية والتَّوفيق، واخترتُه لكم من بين الأديان، وهو الدِّين عندَ الله تعالى لا غير. وقد قيلَ: خُصَّ آدم ﵇ بالأسماء، وخُصَّ نوحٌ ﵇ بمعاني تلك الأسماء، وخُصَّ إبراهيم ﵇ بالجمع بينهما، ثم خُصَّ موسى ﵇ بالتَّنزيل، وخُصَّ عيسى ﵇ بالتَّأويل، وخُصَّ نبيُّنا محمَّد ﷺ بالجمع بينهما، على ملَّة أبيه إبراهيم ﵇، وهي الملَّة الكبرى والحنيفيَّة السَّمحاء، فإنَّ دعوة الأنبياء ﵈ بعد إبراهيم الخليل لم تكن في العموم كالدَّعوة الخليليَّة، ولم يثبتْ لهم من القوَّة والشَّوكة والمَلْك والسَّيف مثل الملَّة الحنيفيَّة؛ إذ (٣) كانت ملوك العجم كلُّها على ملَّة إبراهيم، وجميع من كان في زمان كلِّ واحد منهم من الرَّعايا في البلاد على أديان ملوكهم، وكأنَّ ملوكُهم مرجع مؤيَّد، إنَّ أعلمَ العلماء، وأقدمَ الحكماء لا يصدُّرون [إِلَّا] عن أمرِه، ولا يرجعون إلَّا إلى رأيه، وكان دعوة بني إسرائيل أكثرها في بلاد الشَّام وما وراءها من المغرب، وقلَّما سرى إلى بلاد العجم.

стр. 44

وكانت الفِرَقُ في زمن الخليل راجعةً إلى صنفَيْن؛ أحدهما الصَّابئيَّة، والثَّاني الحنفاء، فالصَّابئيَّة كانت تقول: إنما نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه إلى متوسِط، لكنَّ ذلك المتوسِط يجب أن يكون روحانيًّا لا جسمانيًّا، وذلك ينبغي أن يكون أزكى الرُّوحانيَّات وأطهرها وأقربها من ربِّ الأرباب، والجسمانيُّ بشرٌ مثلُنا يأكل ما نأكل، ويشربُ ما نشرب، يماثلنا في المادَّة والصُّورة، قالوا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤]. والحنفاء تقول: إنما نحتاجُ في معرفة الله تعالى وطاعته إلى متوسِطٍ من جنس البشر، تكون درجتُه في الطَّاعة والعصمة فوق الرُّوحانيَّات، يماثلُنا من حيث البشريَّة (١)، ويمايزُنا من حيث الرُّوحانيَّة، فيُلْقى إليه الوحيُّ بطرف الرُّوحانيَّة، ويُلْقَى الوحيُّ إلى نوع الإنسان بطرف البشريَّة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠، فصلت: ٦]، وقال تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٣]. ثمَّ لَمَّا لمْ يتطرَّق للصَّابئيَّة الاقتصار على الرُّوحانيات التَّحتيَّة، والتَّقرب إليه بأعيانها، والتَّلقي منها بذواتها؛ استغاثَتْ وفزعَتْ جماعةٌ إلى هياكِلها، واتخذوا وسائط إليها، وهي السَّيَّارات السَّبع وبعض الثَّوابت، فصابئة الرُّوم مفزعها السَّيَّارات، وصابئة الهند مفزعها الثَّوابت، وربَّما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص الَّتي لا تَسْمعُ ولا تُبْصُر ولا تغني عن الإنسان شيئًا، والفرقة الأولى: هم عبدة الكواكب، والثَّانية: هم عبدة الأصنام. وكانَ الخليلُ ﵇ مكلَّفًا (٢) بكسر المذهبين على الفرقتين، وتكليف

стр. 45

الحنيفيَّة السَّهلة السَّمحة، فاحتج على عبدة الأصنام قولًا وفعلًا، وكسرًا من حيثُ القول، وكسرًا من حيثُ الفعل، فقال لأبيه كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤]، ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، وقال: ﴿ … مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ .... إلى أن: ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنبياء: ٦٢ - ٦٧]. وذلك إلزامٌ من حيثُ القولُ والفعلُ، وإقحامٌ من حيثُ التَّكسُّر على عبدة الأصنام. واحتجَّ الخليل ﵇ أيضًا على عبدة الكواكب، كما قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ﴾ … [الأنعام: ٧٥ - ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣]؛ يعني: كما آتيناه الحُجَّة كذلك نُريه الحجَّة، فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساقَ الموافقة في المبدأ والمخالفة في النِّهاية؛ ليكون الإلزامُ أبلغَ، والإقحامُ أقوى، وإلَّا فإبراهيم ﵇ في قوله: ﴿هَذَا

стр. 46

رَبِّي﴾ لم يكن شاكًّا، كما لم يكن في قوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ كاذبًا، وسَوْقُ الكلام على جهة الإلزام غيرٌ، وسَوْقُه على جهة الالتزام غيرٌ، فإنَّ منْ دأبِ المجادل المستدلِّ على فساد قولِ خصمه أن يحكيَ قولَه كما هو غير متعصِّبٍ لمذهبه، ثمَّ يكرَّ عليه بالإبطال، ولعلَّ ذلك أدعى إلى الحقِّ، وأنجى من الشَّغبِ. قال شيخ الإسلام العمادي (١) في "الإرشاد": ولعلَّ سلوكَ هذه الطَّريقة في بيانِ استحالة ربوبيَّة الكواكبِ دونَ بيان استحالة آلهيَّة الأصنام لما أنَّ هذا أخفى بطلانًا واستحالةً من الأوَّل، فلو صَدَع بالحقِّ مِنْ أوَّلِ الأمر كما فعله في حقِّ عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعِناد، ولجُّوا في طغيانهم يَعمهون. انتهى. فلمَّا أظهر (٢) الحجَّة وبيَّن المحجَّة قرَّر الحنيفيَّة الَّتي هي الملَّة الكُبْرى والشَّريعة العُظمى، وأبطلَ مذهب الصَّابئة الَّذي هو زيغٌ في القُلوب واتِّباع الهوى، يُقال: صَبا الرَّجل: إذا زاغَ، فيحكم بميل هؤلاء عن سَنَنِ الحقِّ، وزَيغهم عن نهج الأنبياء = قيل لهم: الصَّابئيَّة. وقد يقال: صَبا الرَّجل: إذا عشقَ وهَوِيَ، وبيَّن أنَّ الفطرةَ هي الحنيفيَّة، وأنَّ الطَّهارة فيها، وأنَّ الشَّهادة بالتَّوحيد مقصورة عليها، وأنَّ النَّجاة والخَلاصَ متعلِّقة بها، وأنَّ الشَّرائع والأحكام مَشارعُ ومناهج عليها، وأنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ مبعوثون بتقريرها وتقديرها، وأنَّ الفاتحة والخاتمة مَنوطةٌ بتحصيلها وتخليصها وتحريرها، ذلك الدِّين القيِّم، والصِّراط المستقيم، والمَنْهج الواضِح،

стр. 47

والمَسْلَك اللائح، قال الله تعالى لرسوله المصطفى ونبيِّه المجتبى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة الروم: ٣٠ - ٣٢]. الفطرةُ الخِلْقة؛ أي: عليكم فطرة الله، أو الزموا فطرة الله، فالخطابُ للكلِّ كما يُفْصِحُ عنه قولُه تعالى: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾، والإفراد في ﴿فَأَقِمْ﴾ لما أنَّ الرَّسولَ ﷺ إمامُ الأمَّة، فأمرُه ﷺ مستتبع لأمرِهم، وقوله تعالى: ﴿الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ صفةٌ لفطرة الله، مؤكدةٌ لوجوب الامتثال بالأمر، فإِنَّ خَلْقَ اللهِ تعالى النَّاس على فطرته، الَّتي هي عبارة عن قبولهم للحقِّ، وتمكُّنِهم من إدراكِه (١)، أو على ملَّة الإسلام = من موجِبات لزُومها والتَّمسُّك بها قطعًا، فإنَّهم لو خُلُّوا وما خُلِقوا عليه أدَّى بهم إليها، وما اختاروا عليها (٢) دينًا آخر، ومَنْ غَوى منهم فبإغواءِ شياطينِ الإنسِ والجنِّ. ومنه قوله ﷺ حكاية عن ربِّ العزَّة: "كلُّ عبادي خلقْتُ حنفاءَ، فاجتالَتْهم الشَّياطين، وأمروهم أنْ يُشركوا بي غيري" (٣)، وقوله ﷺ : "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى

стр. 48

الْفِطْرَةِ، حتَّى يكون أبواه هما اللَّذين يهوِّدانه أو ينصِّرانه" (١). ولا تكونوا مِنَ الَّذين تركوا دينَهم الَّذي أُمروا به، وكانوا فِرَقًا، فتابَعَ كلٌّ منها إمامَها الَّذي أضلَّها، كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون (٢)، مِنَ الدِّين المعوَجِّ المؤَسَّسِ على الرَّأي الزَّائغ والزَّعم الباطل، مسرورون ظنًّا منهم أنَّه حقٌّ وأنَّى له ذلك. وذكرَ في "الفتاوى الصُّوفية" في الفصل السَّادس من الباب الأوَّل، نقلًا عن "التَّمهيد" في باب السُنَّة والجماعة، والرَّدِّ على أهل البدعة: أنَّ الجماعة من جمع على السَّواد الأعظم؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "خطَّ رسول الله ﷺ خطًّا مستقيمًا، فقال: هذا دينُ الله، ثم خطَّ عن يمينه (وعن شماله) (٣) خطوطًا، فقال: هذه سُبُلٌ، وعلى رأس كلِّ سبيل منها شيطانٌ يدعو إليه، ثم تلا قولَه تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] " (٤). ثمَّ أهلُ السَّوادُ الأعظم كانَ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ورضي الله عنهم ومن تابعهم من التَّابعين وتَبع التَّابعين، مثل أبي سعيد الحسن البَصْريِّ، وسفيان الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وعلقمةَ الأسود، وإبراهيم النَّخَعي، والشَّعبيِّ، ومالك، وحمَّاد، وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، وأمثالهم.

стр. 49

ومن المتأخرين من تلامِذتهم مثل أبي يوسف القاضي، ومحمَّد بن الحسن الشَّيباني، وزُفر، والحسن بن زياد، وداود الطَّائي، ومحمَّد بن إدريس الشَّافعي، وأبي عبد الله المُزَني ﵏. ومن فقهاء خراسان مثل أبي مطيع البَلْخِي، وأبي سليمان الجُوْزَجاني، وأبي حفص الكبير البُخاري، وشقيق بن إبراهيم، وإبراهيم بن أدهم، كانوا تلامذة أبي جعفر الصَّادق، وأبي حنيفة ﵏، ثم تابعهم فقهاء الدِّين. وقال نقلًا عن "الشِّرعة" (١): ويلازم السَّواد الأعظم في الخير، ولا يفارقُه شِبرًا منهم، ويرى الحقَّ معهم أينما كانوا، والسَّواد الأعظم هم الطَّائفة القائمة بأمرِ الله تعالى وسنَّة رسوله ﷺ ، ومنهم الخلفاء الرَّاشدون والأئمَّة المهديُّون بعدَهم، ولا يخلو كلُّ قطرٍ منهم أبدًا، وفي الحديث: "لا يزال من أمتي طائفة على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله" (٢)، إلى هنا، انتهى. أركان (٣) سلطان كتائب أعلام الأخيار اعلم أن الله تعالى شرع الشَّرائع بمقتضى حكمته وبالِغِ رأفَتِه مختلفةً لمصالح العباد، ولو علم أنَّ الصَّلاح في الأمر الواحد والعبادة الواحدة لَمَا خالفَ بين التَّكاليف في الأحكام الشَّرعيَّة، ولَمَا نسخَ بعضَ الشَّرائع ببعضِ الشَّرائع، ونسخَ مِنْ شرْعِنا ما شرعَه أوَّلًا، وزادَ علينا في التَّكليف زيادات، وأسقط عنَّا واجبات حَسْبَما

стр. 50

اقتضته مشيئتُه، لا مُعارضَ لأمرِه، ولا معقِّبَ لحُكْمِه، يفعلُ ما يشاء، ويحكمُ ما يريدُ على مُقتَضى حكمتِه، فإنَّ له السُّلطان القاهر، والاستيلاء الباهر. بعثَ الأنبياءَ، وشرع الأحكامَ، وأنزل الآيات، وبيَّن الحلال والحرام؛ لمصالح عباده، وتكميل نفوسهم، فضلًا من الله ورحمة، فأوَّل حاكمٍ حكمَ، وقاضٍ ألزمَ، واستخلف (١) وعلم، إنَّما هو الله تعالى، الَّذي ألزمَ الميثاق في التَّكليف، وبيَّن العدلَ وشَرْعه، ونهى عن العُدْوان ومَنَعَه، كما قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [الأعراف: ٨٧]، ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠]. قولُه: ﴿يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ بالصَّاد: مِنْ قصَّ الأمرَ، قرأه ابن كثير، وعاصم، ونافع، والباقون: (يقضي الحق)، من قولهم: قضى الزَّرع: إذا صنعها فيما يقضي مِنْ تأخيرٍ أو تعجيلٍ. وأصلُ القضاء: الفَصْل بتمام الأمر، وأصْلُ الحُكْم: المنع، كأنْ يمنعَ الباطَل عن معارضة الحقِّ، أو الخصمَ عن التَّعدي على صاحبه. وفي "تفسير الكَوَاشي": وفي قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ دليلٌ على أنَّ الأنبياءَ ﵈ أفضلُ من الملائكة؛ لأنَّ الملائكة لَمَّا قال الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، قالوا: ليخلق الله ما يشاء، فلن يخلقَ خلقًا أكرم عليه منَّا، وإنْ فعلَ فنحن أعلمُ منه؛ لأنَّا قبله، ورأينا ما لم يره، وافتخروا بالعلم فبيَّن تعالى عجزَهم بأنْ خلقَ جميع المسمَّيات، وعلَّم أسماءَها بكلِّ اللُّغات حتَّى القصعة والقُصيعة، وآدم خليفة الله في أرضه، وكذلك كلُّ نبيٍّ، استخلفهم في عمارة الأرض،

стр. 51

وسياسة النَّاس، وتكميل نفوسهم، وتنفيذِ أمره فيهم، لا لحاجة به تعالى إلى مَنْ ينوبُه، بل لقصور المستخلَفِ عليه عن قَبولِ فَيْضِه وتلقِّي أمرِهِ بغير واسطة. * * * ١ - آدم ﵇ - (١) ٢ - شيث ﵇ - (٢) فأوَّلُ الأنبياءِ آدمُ ﵇، أنزلَ الله عليه تحريمَ الميتة والدَّم ولحم الخنزير، وحروفَ المعجم في إحدى وعشرين ورقة، وهو أوَّلُ كتاب كان أُنزِل في الدُّنيا، قاله ابن قتيبة في "المعارف". ثمَّ شيث (٣) بن آدم ﵉، وكانَ أجملَ أولادِ آدم، وأفضلَهم، وأشبهَهم به، وأحبَّهم إليه، وكان لآدمَ أربعون ولدًا في عشرين بطنًا، وكان شيث (٤) وليَّ عهدِه ووصيِّه، وهو الَّذي وَلَدَ البشرَ كلَّهم، وإليه انتهت أنساب النَّاس، وهو الَّذي بنَى الكعبة بالطِّين والحجارة، كانت هناك خيمة لآدم، وضعها الله تعالى له من الجنَّة.

стр. 52

وأنزلَ اللهُ على شيث (١) بن آدم خمسينَ صحيفةً، وبيَّن فيه الحدود والأحكام. وعاش آدمُ تسعمئة وثلاثين سنةً، وعاش شيث (٢) تسعمئةً واثنتي عشرة سنةً. * * * ٣ - إدريس ﵇ - (٣) ثم إدريس ﵇، وهو إدريسُ بن يارد بن مهيايِيل بن قَيْنانَ بن أنوشَ بن شِيْثَ بن آدمَ، واسمه أخْنُوخُ، إِنَّما سُمِّيَ إدريس لكثرة درسه من كتب الله تعالى وسنن الإسلام، أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفةً (٤). وهو أَوَّلُ مَنْ خطَّ بالقلم، وأولُ مَنْ خاطَ الثِّيابَ ولبسَها، وكانوا من قبلُ يلبسون الجلود، يُقال له في ألسن الحكماء الإلهيَّة: هِرْمسُ (٥) الهَرامِسَة، وهو باليونانيَّة أرميس، ومعناه: عُطارد. ولد بمصرَ في مدينة منف منها، وكان في بداية أمره تلميذًا لِغوثاديمون المصري، وكان غوثاديمون أحدَ الأنبياء اليونانيِّين، والهِرْمِيس وهو أوراني الثَّاني عندهم، وإدريس ﵇ وهو أوراني الثَّالث، وأوراني الأول عندهم شيث بن آدم ﵉، وهو أوَّل مَنْ أخذ اليونانيون والحكماء عنه الشَّريعة والحكمةَ.

стр. 53

وخرج هِرْمِيس - يعني إدريس ﵇ عن مصرَ، ودارَ الأرضَ كلَّها، وعادَ إلى مصرَ، ورفعه اللهُ تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، عن ابن عباس ﵄: إلى السَّماء السَّادسة (١)، وعن أنس بن مالك ﵁: إلى السَّماء الرَّابعة (٢)، وعن الحسن: إلى الجنَّة، لا شيء أعلى من الجنَّة (٣). دعا الخلائقَ إلى دينِ اللهِ تعالى، والقولِ بالتَّوحيد وعبادة الخالق، وتخليص النُّفوس من العذاب، وحرَّض (٤) على الزُّهد في الدُّنيا، والعملِ بالعدل، وطَلَبِ الخلاص في الآخرة، وأمرهم بصلاةٍ على صفات بيَّنها لهم، وصيامٍ في أيَّامٍ معروفاتٍ عندهم، والإقدام على الجهاد لأعداء الدِّين، وأمرهم بتحريم أكل الخنزير والميتة. وتعلَّموا منه سائرَ أمور دينهم، ووعدهم أنَّه يأتي بعده عدَّة أنبياء، وعرَّفهم أنَّ من صفات النَّبي المبعوث أن يكون بريئًا من المذمومات والآفات، كاملًا في الفضائل الممدوحات كلِّها، وأن يكون مستجابَ الدَّعوة في كلِّ ما طلبه، من إنزال الغيث، ورفع (٥) الآفات، وغير ذلك من المطالب، وأن يكون مذهبه ودعوته المذهب الذي يصلح به العالم، ويكثر عمارته، وكلَّم أمَّته بلغاتهم المختلفة، وعلَّمهم وأدَّبهم، وبنَى لهم مئة مدينة وثماني مدن عظام أصغرها الرُّهَا. وكان أوَّلَ من استخرج علم النُّجوم، ووضع أساس البروج والكواكب السيَّارة ورتَّبها في بيوتها، وأثبت لها الشَّرف، والوبال، والأوج والحضيض، والمناظر

стр. 54

بالتثليث والتسديس والتربيع، والمقابلة والمقارنة، والرجعة، والاستقامة، وبيَّن (١) تعديلَ الكواكب وتقويمها، وأطاعه أهل الأرض كلها، وخدمه الملوك، وولَّى أربعةَ ملوك [في] الأرض، وكلُّ واحد منهم دعا الخلقَ إلى دين الله. ومِنْ حِكَمِهِ: كان على فَصِّ خاتمه الذي يلبسه في كلِّ يوم: "الصبر مع الإيمان بالله يُوْرِثُ الظَّفر"، وعلى فَصِّ الخاتم الذي يلبسه في الأعياد: "تمام الفرح بالأعياد الأعمال (٢) الصَّالحة"، وعلى فَصِّ خاتمه الذي يلبسه إذا صلَّى على ميت: "الأجلُ حصاد العمل، والموتُ رقيبٌ غير غافل"، وعلى المِنْطَقة الَّتي يلبسها دائمًا: "النَّظر في العاقبة يُورِثُ سلامة النَّفس والبَدَن مِنَ الأعراض المؤذية"، انتهَتْ شريعته وهي الملَّة الحنيفيَّة إلى مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها، وطبقة الأرض بأسرها (٣). ونقل الشَّهْرَسْتاني في "الملل والنِّحل" عن حِكَم إدريس ﵇: "من أفضل البرِّ ثلاثةٌ: الصَّبر (٤) في الغضب، والجود في العسر، والعفو عند القدرة"، وقال: "الفصل (٥) بين العاقل والجاهل أنَّ العاقلَ منطقُه له، والجاهل منطقُه عليه"، وقال: "لا ينبغي للعاقل أن يستخفَّ بثلاثة: مقام السُّلطان، والعلماء، والإخوان؛ فإنَّ مَنِ استخفَّ بالسُّلطان أفسدَ عليه رعيَّته، ومن استخفَّ بالعلماءِ أفسد عليه دينه، ومن استخفَّ بالإخوان أفسد عليه مروءته".

стр. 55

فإدريس ﵇ النَّبيُّ المثَلَّث بالنُّبوة، والحكمة، والملك. وبَعدَما رُفع إلى السماء اختلفَ الخلائقُ بعده، وأحدثوا الأحاديث إلى زمن نوحٍ النَّبيِّ ﷺ . * * * ٤ - نوحٌ النَّبي ﷺ - (١) وهو (٢) أبو جد نوح بن مالك بن مُتُوشَلَخ بن أَخْنُوْخ. وهو إدريس ﵇. نبَّأه الله تعالى بعد إدريس، فبعثه إلى قومه، وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، وثلاثة قرون من قوم عايشهم وعمَّر فيهم، يدعوهم فلا يجيبونه، ولا يتَّبعه منهم إلا قليل، فأرسل الله عليهم الطُّوفان، ودخل نوحٌ الفُلْكَ وأولاده (٣) الثَّلاثة: سام، وحام، ويافث، وأربعون رجلًا ونساؤهم، فأنجاهم الله من الغرق. فحام وأولادُه انطلقوا ونزلوا على ساحل البحر، فهم السُّودان وأجناسهم؛ النُّوْبَة، والزِّنْج، والفزان، والزَّغاوَة، والحَبَشَة، والقِبْط، وبَرْبَر، وكلُّهم من أولاد حام، فمن أولاد يافث الصَّقالبة، وبُرْجان، والأَشْبَان، ومن أولاد يافث أيضًا: التُّرك، والخَزَر، ويأجوج ومأجوج. وأما سام بن نوح فسكن وسط الأرض؛ الحرم وما حولَه واليمن، فمن أولاده (٤)

стр. 56

إِرَم بن سام، وأَرْفَخْشَذ بن سام، فمن أولاد (١) أَرْفَخْشَذ: قَحْطَان بن عَابِر بن شالَخ (٢) بن أَرْفَخْشَذ وابنه يَعْرُب بن قَحْطَان، نزل أرض اليمن (٣) فهو أبو اليمن كلهم، وهو أوَّل من تكلَّم بالعربيَّة، وأول من حياه بتحيَّة الملك: (٤) أنعم صباحًا. ومن ولد أرفخشذ: يَقْطُنُ أخو قحطان، هو أبو جُرْهُم بن يَقْطُن، وكانت جُرْهُم ممَّن سكن اليمن وتكلَّم بالعربية، ثم تركوا مكانهم، فنزلوا شِعاب مكَّة، فأسكنها الله تعالى إسماعيل ﵇، فنكح في جُرْهُم. ومن ولد إِرَم بن سام: عادٌ، أرسلَ الله إليهم أخاهم هودًا، ومن ولد إِرَم بن سام: ثمود، أرسلَ الله إليهم أخاهم صالحًا. ومن ولد إِرَم بن سام: طَسْمٌ وجَدِيْس ابنا لَاوَذ بن إِرَم، نزل اليمامة، وأخوهم عِمْلِيق، نزلَ بعضُهم الحرم، وبعضهم الشَّام، ومنهم العَماليق، ومنهم تفرَّقوا في البلاد، منهم فراعِنَةُ مصرَ والجَبَابِرَة، ومنهم ملوك فارِسَ، وأهل خُراسَان، وأخوهم أُمِيْم بن لَاوَذ بن إِرَم، نزلَ بأرض فارِس، فأجناس الفُرْس كلِّهم من وَلَده، ونَمْرُود الكافر من ولد إِرَم، وهو الَّذي بنى الصَّرخ ببابلَ، وملك خمسمئة سنة. وفي زمانِه فرَّق الله الألْسِنة، فحصل في ولد سام تسعة عشر لسانًا، وفي ولد حام سبعة عشر لسانًا، وفى ولد يافث ستَّة وثلاثون لسانًا، فأرسل الله تعالى إبراهيم الخليل (٥) ﵇.

стр. 57

٥ - إبراهيم الخليل ﵇ - (١) وهو ابن آزَرَ بن تارَح (٢) بن ناحُور بن أسْرَغ بن أرْغُو بن فالِغ بن عابِر بن شَالخ بن أَرْفَخْشَذ بن سَام بن نُوح بن مصرح (٣). وهو أوَّلُ من أضاف الضَّيف، وأوَّلُ من ثَرَدَ الثَّرِيْدَ، فأطعَمه للمساكين، وأوَّلُ من قصَّ شاربه، واستحدَّ، واختَتَن، وقلَّم أظْفَاره، واستاكَ، وفرَّق شعره، واستنجى بالماء، وتمضمض بالماء، وهو أوَّل من شاب وهو ابن مئة وخمسين سنة، وذلك أن سَارَةَ لَمَّا ولدَت إسحاقَ النبيَّ ﵇ قال الكَنْعانِيُّون: أما تعجبون هذا الشَّيخ والعجوز، وجدا غلامًا لَقِيطًا فتبنَّيَاه، فصوَّر اللهُ إسحاق على صورةِ إبراهيم، فلم يُفرَّق بينهما، فوسَمَ الله إبراهيم بالشَّيبِ. وكان بين نوح وإبراهيم ﵉ ألفا سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، اتَّخذه الله خليلًا، وأنزل عليه عشرين صحيفة، واحتجَّ على عَبدة الأصنام والكواكب قولًا وفعلًا، وقد مرَّ تفصيله في (البرهان).

стр. 58

وحاجَّ إبراهيمُ في ربِّه نَمْرود بن كَنْعان، وهو أوَّلُ من تجبَّر وتمرَّد (١) وغَصَب، وأوَّلُ من لبس التَّاج، وكان له معرفةٌ في أمر النُّجوم، ووضع فيها، ونظر فيها وعمل به. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ إن كان المراد في ربِّ إبراهيم فالإضافة لتعظيم المضاف إليه، وللإشارة إلى غَلَبَة إبراهيم وظَفَره عليه؛ إذْ مِنْ حقِّ المربِّي أنْ ينصرَ مربَّاه على أعدائِه، وإنْ كان في ربِّ نَمْرُود يكون لإظهار حماقته أوَّلًا، إذ لا عاقل يحاجُّ (٢) في ربِّه وخالقه، فهو خارج عن دائرة العقلاء لِكَمال حماقته. وفيه تعجيبٌ من محاجَّة نَمْرُود وحماقته وكُفْران نعمته؛ يعني: حاجَّه لأجل إيتاء الملك له، تنكرًا له، على طريقة العكس، يعني: أنَّ إيتاءَ الملك له نعمة له من ربِّه توجِبُ الشُّكر بالنِّسبة إليه سبحانه، وقد جعل موضع الشُّكرِ المحاجَّةَ مع إبراهيم التي هي منافية للشُّكر، وهذا في غاية الحماقة. ونظيرهما وقع في سورة الواقعة: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢]، أي: لأنَّكم تكذبون، ويحتمل أن يكون معناه: لأَنْ آتَاهُ (٣) الله الْمُلْكَ، بمعنى: أنَّ إيتاء الملك له يصير سببًا للمحاجَّة؛ لأنَّ المُلك أبطر المَلِكَ في الأغلب وأورثه الكِبْرَ والعُتُوَّ. ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]، أعرض إبراهيم ﵇ عن الاعتراض على المعارضة الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه، على نحو هذا التَّنويه؛ دفعًا للمشاغبة.

стр. 59

وهو في الحقيقة عُدول عن مِثالٍ خفيٍّ إلى مثالٍ جَليٍّ، من مقدوراته التي يعجز عن الإتيان بها غيره، لا عن حجَّة إلى أخرى؛ إذ المقصود أنَّ الله تعالى قادر على كلِّ شيء، يفعل ما يشاء (والحجَّة ذلك، والمذكور أوَّلًا وثانيًا من إبراهيم مثالٌ جزئيٌّ يدخل في الكليِّ المذكور) (١)، والأوَّل خفيٌّ، والثَّاني جليٌّ، فهو نقل من مثالٍ خفيٍّ، إلى مثالٍ جليٍّ. وليس هذا دليلًا على جواز الانتقال من حجَّة إلى حجَّة للمجادَل (٢)، وهو مذهب المعتزلة كما ذهب إليه صاحب "الكشَّاف"، على أنَّه يجوز أن تكون تلك الطَّريقة مجوَّزة في طريقة إبراهيم ودِيْنِه، بل يجوز أن تكون من مخصوصات إبراهيم ﵇، فلا تكون الآية المذكورة دليلًا على ما ذهب إليه المعتزلة، وذلكَ لأنَّ إتِّباع دين إبراهيم إنما هو في أصول الدِّين لا في الفروع، ولا في المخصوصات له، كما أنَّ المخصوصات لنبيِّنا ﷺ لا نَتَّبع فيها. وحاصل الحجَّة الأخيرة: أنَّ الله تعالى يأتى بالشَّمس من المشرق، فإنْ كنْتَ صادقًا في دعواك فأتِ بها من المغرب، (مع أنها متحركة من المغرب بالحركة الطبيعية، ومن المشرق بالحركة القسريَّة الحاصلة من حركة الفلك الأعظم) (٣)، فصار اللَّعين نَمْرُود المردود (٤) في تلك المرتبة مبهوتًا، لا يقدر على التَّكلُّم بكلام فيه تمويهٌ ومشاغبةٌ كما في المرتبة الأولى.

стр. 60

قيل: لَمَّا كسر إبراهيمُ الأصنام (١) سجنَه النُّمرود (٢) أيَّامًا ثم أخرجه ليحرقه، فقال له: مَنْ ربُّك الذي تدعو إليه، وحاجَّه فيه، فصار مبهوتًا، ثم لَمَّا أنجاه الله تعالى من النَّار خرج من أرض بابل إلى الأرض المقدسة، وسَارَة معه وابن أخيه لوط، وكان آمن به في رهطٍ معه من قومه، فاتَّبعوه، حتى وردوا حَرَّان، فأقاموا بها زمانًا، وخرجوا إلى الأردن. قالوا: جميع ولد إبراهيم ثلاثة عشر رجلًا، شرَّف الله تعالى منهم بالنُّبوة إسماعيل، وإسحاق. وأمرَ اللهُ تعالى إبراهيمَ بالمسير إلى مكَّة بإسماعيل وأمِّه، وأخبره أنه قد بوَّأَه البيت الحرام، وأنه يقضي على يديه عمارته (٣)، ويُنِيطُ لإسماعيل السِّقاية، فسار به وبأمِّه وتركهما هناك، وجاءت رُفْقة من جُرْهُم، فنزلوا شِعاب مكة، وأعطوا إسماعيل سبعة أعنُز، فكانَتْ أصلَ ماله. * * * ٦ - إسماعيلُ النبيُّ ﵇ - (٤) فنشأ (٥) إسماعيل النَّبيُّ ﵇ مع أولادِهم، وتعلَّم الرَّمي، ونطق (٦)

стр. 61

بلسانهم، وهم تكلَّموا بالعربية، وإسماعيل أوَّل من تكلَّم بالعربية، فزوَّجوه امرأة منهم، فوُلِد لإسماعيلَ اثنا عشر ولدًا (١)، وكان أعظمهم قَيْدار، وثابِت (٢). والنُّساب يختلفون في نسَب مَعَدِّ بن عَدنان، فبعضهم يقول: هو من ولد قَيدار، وبعضهم يقول: هو من ولد ثابِت (٣)، وكان ثابِت (٤) بِكْر إسماعيل، ووليُّ العهد بعده، شرَّف الله تعالى إسماعيل بالنبوَّة والرَّسالة، وبعثه إلى قوم في جانب اليمن، وكانوا هم الفراعنة فدعاهم إلى الإيمان، وكان بينهم خمسين عامًا فلم يؤمنوا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٤، ٥٥]. قالوا: الرَّسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعةٍ؛ فإنَّ أولاد إبراهيمَ كانوا على شريعتِه، واستدلَّوا بهذه الآية، وكان إسماعيل يبدأ بأهله في الأمر بالصَّلاح؛ ليجعله قدوةً لمن ورائهم، ولأنهم أولى من سائر النَّاس، ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، وقيل: أهلُه أمَّتُه؛ فإنَّ الأنبياءَ آباء الأمم. ثم لَمَّا (٥) كثر ولد إسماعيل ضاقَتْ عليهم مكَّة، فانتشروا في البلاد، فكانوا لا يدخلون بلدًا إلا أظهرهم الله على أهله. وعاش إسماعيل مئة وسبعًا وثلاثين سنة، سكن بمكَّة، ودفن في الحِجْر، وفيه

стр. 62

دُفِنَتْ أمُّه هاجَر. وأمَّا إبراهيم الخليل فإنَّه (١) عاش مئة وخمسين أو سبعين سنة. * * * ٧ - إسحاق النَّبيُّ ﵇ - (٢) وأما إسحاقُ النَّبيُّ ﵇ فقال الله تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الصافات: ١١٢]، واختلفوا في أنَّ الذَّبيح إسماعيل أو إسحاق، والأصحّ - والله أعلم - أنَّه إسماعيل، وأقوى، دليلنا هذه الآية، حيث عطف البشارة بإسحاق على البشارة بالغلام الذَّبيح، وقال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١]، فكانت البشارة بإسحاقَ مقرونةً بولادة يعقوب منه، فلا يناسبها الأمر بالذَّبح. فوُلِدَ لإسحاق عِيْص ويَعقوب النَّبيُّ ﵇ توأمان، وعاش إسحاق مئة وثمانين سنة، ولما مات قبَرَه ابناه في المزرعة التي اشتراها إبراهيم ﵇ عند قبر إبراهيم. وكانت لإسحاق بنتٌ تزوَّجها عِيْص، فولَدَتْ له ستَّة أولاد: الرُّوم، وخمسة آخرين، فكلُّ من بأرض الروم فهو من نَسْل هؤلاء الرَّهط، وعمَّرَ عِيْص مئة وسبعًا وأربعين سنة، وكذلك عمِّرَ يعقوب، ودُفنا في المزرعة المذكورة عند قبر إبراهيم ﵇.

стр. 63

٨ - يعقوب النَّبي ﵇ - (١) شرّف الله تعالى يعقوبَ بعد إسحاق بالنبوَّة، وهو إسرائيل الذي ولد الأسباطَ كلَّهم، وهم اثنا عشر: رُوْبِيل، يَهُودا، شَمْعُونَ، لَاوِي، زِبَالُونَ (٢)، يَشْحَر، دَان، نَفْتَالي، جَاد آشَر (٣)، بِنْيامِيْن (٤)، يُوسُف، وكان أبوه إسحاق أمرَه أن لا ينكح امرأة من الكَنْعانيين، وأن ينكحَ امرأةً من بناتِ خاله لايَان بن ناهِر بن آزَر، وكان مسكنُه الفدَّان، فتوجه إليه يعقوب. قال ابن قتيبة في "المعارف": "فأدركه اللَّيل في بعض الطَّريق، فبات متوسِّدًا (٥) حجَرًا، فرأى فيما يرى النَّائم: أن سُلّمًا منصوبًا إلى باب من أبواب السَّماء عند رأسه، وأن الملائكة تنزل منه وتعرج فيه، فأوحى الله إليه: أنّي أنا الله لا إله إلا أنا، إلهك وإله آبائك، وقد ورَّثتك هذه الأرض المقدسة وذريّتك من بعدك، وباركتُ فيك وفيهم، وجعلتُ فيك (٦) الكتاب والحُكم (٧) والنبوة، ثم أنا معك أحفظك حتى (٨) أردَّك (٩)

стр. 64

إلى هذا المكان، فاجْعله بيتًا تعبدني فيه أنت وذريتك، وهو بيت المقدس. ثم بناه داود وابنه سليمان ﵉، ثم أخربه بُخْتُ نَصَّرَ، ثم مرَّ به شعيب (١)، فرآه خرابًا والقرية، فقال كما قال تعالى: ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ﴾ [البقرة: ٢٥٩]. ثم ابتناه ملك من ملوك فارس يقال له (٢): كوشك. فسار (٣) يعقوب إلى خاله فخطب إليه ابنته راحيل، وكانت له ابنتان: لَايَا، وهي الكُبرى، ورَاحِيل، وهي الصُّغرى. فقال له: هل لكَ مال أزوِّجك عليه، (٤) قال له يعقوب: لا، إلَّا أنِّي أخدمك أجيرًا حتى تستوفي صداقَ ابنتك. قال: صداقها أن تخدمني سبعَ حِجج، قال له يعقوب: فتزوِّجني راحيل وهي شرطي، ولها أخدمك. قال له خاله: ذلك بيني وبينَك. فرَعى له يعقوب (٥) سبع سنين فلمَّا وفَّى بشرطه دفع إليه (٦) ابنته الكبرى لايا، فأدخله عليها ليلًا، فلمَّا أصبحَ وجد غير ما شرطه، فجاءه وهو في نادي قومه، فقال: غرّيتني وخدعتني واستحللت عملي سبع سنين، وأدخلت عليَّ غير امرأتي. فقال له خاله: أردت أن تُدْخِل على خالك العار والسُّبَّة وهو خالك ووالدك، ومتى رأيت النَّاس يزوِّجون الصُّغرى قبل الكبرى، فهلمَّ فاخدمني سبع سنين أخرى وأزوِّجك أختها، وكان الناس يجمعون بين الأختين إلى أن بعث الله موسى ﵇.

стр. 65

فرَعى له سبعَ سنين، فدفع إليه راحيل، فولَدَت لايا، أربعة من الأسباط: رُوْبِيل، ويَهُودا، وشَمْعُون، ولاوي. وولدَتْ له راحيل يوسُفَ الصِّدِّيق ﵇، وأخاه بِنْيَامين، فكان لايان دفع إلى ابنتيه حين جهَّزهما إلى يعقوب أَمَتَين، فوهَبتا الأَمَتين ليعقوب، فولَدَتْ كلُّ واحدةٍ منهما ثلاثة رَهْط من الأسباط". هكذا قال ابن قتيبة. * * * ٩ - يوسفُ ﵇ - (١) قال صاحب "الكشَّاف": ستَّة من الأسباط ودِيْنَة كانوا من لَيا بنت خالة يعقوب، والأسباط من صُلْب يعقوب اثنا عشر كلهم أنبياء، إلَّا أن الله تعالى آثر يوسف على إخوته، وآتاه الملك، وعلَّمه تأويل الأحاديث. قال الله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١]؛ ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ﴾ [يوسف: ٥٦]؛ ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: ١٠١]؛ ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]؛ ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ [سورة يوسف: ٦]] (٢).

стр. 66

وفي "الكشَّاف": قيل: علِمَ يعقوبُ أنَّ يوسُفَ يكون نبيًّا وإخوته أنبياء؛ استدلالًا بضوء الكواكب، فلذلك قال: ﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾. وقصَّة يوسف ﵇ أحسن قَصَص قصَّها الله تعالى في تنزيلِه الجليل، مشهورة (١) قلَّ مَنْ لا يعرفها من الناس. رُوي أنه اشتراه العزيزُ وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستَوْزَره (الرَّيَّان بن) (٢) الوَليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وتوفي وهو (٣) ابن مئة وعشرين سنة. وروي أنه رأى هذه الرُّؤيا وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وكان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة، وقيل: ثمانون سنة. وروي أن يعقوبَ أقام معه أربعًا وعشرين سنة، ثم مات، وأوصى أن يُدْفن بالشَّام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى بنفسه ودفنه، ثم عاد إلى مصر، وعاش بعد أبيه ثلاثًا وعشرين سنة، فتوفَّاه الله تعالى طيبًا طاهرًا، فتخاصم أهل مصر في دفنه، حتى همّوا بالقتال، فرأوا أن يصنعوا له تابوتًا من مَرْمَر، فجعلوه فيه، ودفنوه (٤) في النِّيل ليمرَّ عليه، ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعًا واحدًا في التَّبرك به. وولد ليوسُف من راعيل، وهي زَلِيْخَا: أفراييم، وميثا (٥)، ولأفراييم (٦) نونُ،

стр. 67

ولِنون يوشعُ فتَى موسى، ولقد توارَثَتِ الفراعنة من العمالقة بعده مصر، ولم يزلْ بنو إسرائيل تحتَ أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه إلى أن بعث الله موسى ﵇. قيل: إن يعقوبَ وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى ﵇ ومقاتليهم ستمئة ألف وخمسمئة وبضعة وسبعون رجلًا سوى الذُّرية والهَرْمى، وكانت الذُّرية ألفَ ألفٍ ومئتيْ ألفٍ. قيل لم يكن من أولاد عِيْص بن إسحاق نبيٌّ إلا أيُّوب النَّبي الصَّابر ﵇. * * * ١٠ - أيوبُ النَّبيُّ الصَّابر ﵇ - (١) أيُّوبُ النَّبيُّ الصَّابر ﵇ ابنُ آموس بن أراج (٢) بن عِيْص، وكانت تحته رَحْمة بنت أفْرَاييم (٣) بن يوسُف، وهي التي ضربها أيُّوب بالضِّغث، وكان أبوه ممَّن آمَن لإِبراهيم يوم أُحرِق. قيل: كان أيُّوب في زمن يعقوب بن إسحاق، وكانت تحتَه بنت يعقوب، يقال لها: ألتا، وكانت أمُّ أيوب بنتَ لُوط، لُوط النَّبي ﵇.

стр. 68

١١ - شعيب النَّبي ﵇ - (١) وكان شُعيبٌ النَّبي ﵇ من وَلَدِ رَهْطٍ آمنوا لإبراهيم يوم أُحرِق، وهاجروا معه إلى الشَّام، فزوَّجهم بناتِ لُوطٍ النَّبي ﵇، فكلُّ نبيٍّ كان من (٢) بني إسرائيل وبعد (٣) إبراهيم كان من أولئك (٤) الرَّهط، وجدَّة شعيب بنتُ لُوطٍ. ولم تكن مَدْيَن قبيلةَ شُعيبٍ، ولكنَّها أُمَّةٌ بُعِث إليها، ولما أصاب قوم شُعيبٍ ما أصابهم لحقَ شُعيبٌ والذين آمنوا معه بمكَّة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا، ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود: ٩٤]، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٩]. * * * ١٢ - موسى ﵇ - (٥)

стр. 69

١٣ - هارون ﵇ - (١) قيل: لم يكن بين آل يعقوب وأيُّوب نبيٌّ حتى كان موسى وهارون ﵉، وكان هارون أسنَّ من موسى (بثلاث سنين) (٢). وعن وَهْبِ بن مُنبِّه: هو مُوسَى بنُ عِمْرانَ بن ثابِت بن لَاوِي بن يَعْقُوب بن إسْحاق بن إبراهيم ﵈ (٣). وبعد ما تزوَّج بنتَ شُعَيبٍ توجَّه إلى مصر، فأدركه الليل في الطريق، فقال لأهله: امكثوا! فذهب لطلب النَّار، فشرَّفه الله بالنبوَّة والرسالة، قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ٩ - ١٤]. فأنزل الله عليه التَّوراة وكلَّمه واصطفاه: ﴿قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤]، فأرسلهما إلى فِرْعون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [سورة طه: ٤٣]، وبعد اللَّتَيَّا والَّتي (٤) أهلكَ اللهُ فرعون وجنوده بالغرق، ونجَّى قومَ موسى بني إسرائيل منهم.

стр. 70

وقُبِضَ هارُون، ماتَ في التِّيْه، وماتَ موسى بعدَه بسَنة. * * * ١٤ - يوشع النَّبي ﵇ - (١) ودخل يُوْشَعُ النَّبيُّ ﵇ أريحا بعد موته [موسى] بثلاثة أشهر، ومات النُّقباء في التِّيْه بغتة إلا كالب ويُوْشَع، هكذا روى صاحب "الكشَّاف". لما احتضر موسى أخبر بني إسرائيل بأن يُوْشَع بعده نبيٌ، وأنّ الله أمرهم بقتل الجبابرة، فسار بهم يُوْشَع وقتل الجبابرة، وصار الشَّام كله لبني إسرائيل. * * * ١٥ - كالب ﵇ - (٢) ثم بعد يوشع كالب (٣)، كان كالب خليفةً على بني إسرائيل، وعاش مئة وستًّا وعشرين سنة. * * *

стр. 71

١٦ - إشماويل ﵇ - (١) ثم بعده إشْمَاوِيل، قال ابن قتيبة: إشْمَاوِيل بن هَلفا، اسم أمِّه حنَّة (٢)، وهي من بني إسرائيل، ولم يكن بينه وبين يُوْشَع بن نُوْن بن أفراييم (٣) بن يوسُف بن يعقوب نبيٌّ، وهو الذي ذكرَه الله في القرآن حين قال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧]. عدَّ وَهْبُ بن مُنبِّه أن طالوت من سِبْط بِنْيامين بن يعقوب، وكان مسكينًا راعي حَمير، وخرج من حميره يطلب حمارين له، فنزل إشماويل، فأعلمَهم أنه ملِكُهم، وأنه من سِبْط بِنْيامين، فقالوا له: قد علمْتَ أنه لم يكن في هذا السِّبْط ملِك، ولا فيه نبوَّة، فقال لهم إشماويل: أفأنتم أعلم بذلك أم الله، ألم تعلموا أن الله حين بعثه إليكم قد عرف نسبَه، ثم استخلفَ الله تعالى بعد إشماويل داودَ النبيَّ ﵇. * * * ١٧ - داود النبي ﵇ - (٤)

стр. 72

١٨ - سليمان النبي ﵇ - (١) داودُ النبيُّ ﵇ ابن إيشا (٢)، وكان سابع سبعة إخوة، أصغرهم هو، وكان يرعى على أبيه، وكان تزوَّج بنت طَالوت على أن قتل داود جالوت: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦]. وابتدأ داود ﵇ ببناء بيت المقدس، ومات قبل تمامه، وبعدَه ورَّث الله الملك ابنَه سُليمانَ النَّبي ﵇، وكان عمر داود مئة سنة، وكان أربعين سنة خليفةً، ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦]. ولم يزلْ (٣) الملك بعد سُليْمان في ولده وأولادهم (٤) إلى الأعرج من ولَد ولدِه، وكان عَرِجَ مِنْ عِرْق النِّسا، فطمعَتْ الملوك في بيت المقدس لِزَمانتِه وضعفه، وأنه لم يكن نبيًّا، فسار إليه ملك الجزيرة، يُقال له: لنْقَز (٥)، وكان يعبد الزُّهَرَة، وكان بُخْتُ

стр. 73

نَصَّرَ كاتبه يومئذ، فنَذَر على نفسه (١) لئن ظفر ببيت المقدس ليذبحن ولَده للزُّهَرَة، فأرسل الله تعالى إليه ريحًا فأهلَكَ جيشه، فأفلتَ هو وكاتبه حتى وردا (٢) الحضر مينيَّة، وهي دار ملكه فقتله ابنه، فغضب له بُخْتُ نَصَّرَ فاغترَّه حتى قتلَه وملَك بعده، وكان ذلك أوَّلُ ملك بُخْتَ نَصَّرَ. وعن وَهْبٍ قال: ملِك الأرضَ مؤمنان وكافران؛ فأما المؤمنان فسُليمان بن داود وذو القَرْنين ﵉، وأما الكافران فنَمْرُود، وبُخْتَ نَصَّر، وسيَمْلكها من هذه الأمة خامس، ثم غلب بُخْتَ نَصَّر على الكلِّ، فقتلَ ملِك بني إسرائيل، وأذلّهم، وفعل ما فعل بهم، فكان ما كان في بني إسرائيل. ثم بعث الله شُعيبًا النَّبيَّ ﵇ وهو الذي بشَّر بعيسى ﵇ والنَّبيَّ ﷺ ، ثم قتلهم بنو إسرائيل، ثم أحدثوا بعد ذلك أحداثًا (٣)، ونبذوا كتاب الله، فسلّط الله عليهم عدوهم، ونزع منهم الملك والنبوَّة، فليسوا في أمم من الأمم إلَّا وعليهم ذِلَّة وصَغَار إلى يوم القيامة، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. * * *

стр. 74

١٩ - المسيحُ عيسى النبيُّ ﵇ - (١) ٢٠ - إلياسُ النبيُّ ﵇ - (٢) ٢١ - يونُس بن متَّى ﵇ - (٣) ٢٢ - زكريا النبيُّ ﵇ - (٤) ٢٣ - يحيى النبيُّ ﵇ - (٥) ثم أرسلَ الله تعالى المسيحَ عيسى النبيَّ ﵇، وأنزل عليه

стр. 75

الإنجيل، وذلك بعد إرسال إلياس النبيِّ ﵇ إلى أهل بَعْلَبَكَّ، وبِعثة (١) أليسع النبيّ ﵇، كان تلميذَ إلياس، فدعا له، فنبَّأه الله ، وبِعْثة يونُس بن متَّى ﵇ إلى أهل نينوى، وزكريا النبيِّ ﵇، وهو أبو يحيى النَّبيِّ ﵇، ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦، ٤٧]. * * * ٢٤ - محمَّد رسول الله ﷺ - ثم بعثَ الله تعالى بعد ستِّمئة وعشرين سنةً نبيَّنا ورسولَنا، أفضل الكائنات، وأشرف المخلوقات، محمَّدًا رسول الله عليه أفضل الصَّلوات، وأكمل التحيَّات من الله خالقِ المخلوقات، عليه أنزل الكتاب والبيِّنات، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٨، ٢٩]؛ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٨].
следующие страницы →