← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 2171–2185 · переход к 2176.

стр. 2171

وقياس الملاحين عبور السفينة عنها بمئتين ميلًا، ولهذا كانوا يمنعون السفينة عن جريها مخافة أن تخرج عن فوهة بحيرة القسطنطينية، فابتدأ الشَّيخ بعد هذا الكلام بقراءة سورة الكهف، وكان حسن القراءة مليح الصوت، فأنسنا وانعدم ضجرنا (١)، وتلاطمت الأمواج أكثر من ذلك، ثم نجَّانا الله تعالى ببركة دعواته إلى البرِّ بساحل أركل بعد صبح ليلتنا هذه، فخرجنا عن السفينة، ثم ذهب الشَّيخ إلى زيارة الحاج بابا، فتبعناه فصعدنا على تلَّة فيها الزاوية المذكورة، فزرنا وجلسنا، وكنا نقرأ وندعو إذ خرجت امرأة من بيت في جوار الزَّاوية المذكورة، وكلتا يديها مملوءتان، فوضعتها أمامنا، فنظرنا فإذا هي قصعتان؛ إحداهما مملوءة (٢) باللَّبن، والأخرى بالتِّين، فنظر الشَّيخ أبو بكر متبسمًا إلينا، وقال: كلوا بسم الله، فأكلنا، والحمد لله رب العالمين، وهذه في سنة تسع وأربعين وتسعمئة. وشاهدنا فيه كرامات يطول ذكرها، ولكن في سنة إحدى وستين وتسعمئة شاهدت كرامة أذكرها الآن حتى يبقى ذكره على صفحات الزَّمان (٣)، (حيَّاك الله تعالى وبيَّاك) (٤)، فإيَّاك وإيَّاك [أن يكفر محيَّاك إذا قرعت سمعك مناقب الأولياء، وصكَّت أذانك حكايات الرِّجال والنُّجباء، وحذار حذار أن تتلقاها بالإنكار، لعلك تشيم من شاطئ الواد الأيمن وبيض برق الأسرار، أو تجد على النَّار هدى أبين من الشَّمس وسط النَّهار، فتقتبس جذوة نار العلوم الرَّباني، وتستضيء بنور اليقين الصَّمداني] (٥):

стр. 2172

انقدح فيمن شرَّف الله قدره … وما زالَ مخصوصًا به طيب الثَّنا رجالٌ لهم سرٌّ مع الله صادق … ولا أنت من ذاك القَبيل ولا أنا [قال المولى حسين بن معين الدِّين المبيدي (١) في أثناء الفاتحة الأولى من "فواتح شرح ديوان علي بن أبي طالب ﵁": زنهار هزار زنهار كه از انكار أولياء احترازكن وباعتقاددر فيض بروى دل باز كن شيخ محي الدِّين قدس سره در باب هفتاد وسيم از فتوحات كويد شيخ أبو يزيد بأبو موسى ديبلي كفت أي أبو موسى جوبياني كسي راكه إيمان بسخن أرباب طريقت داشته باشد التماس كن كه براي تودعا كند براي آنكه دعا أوبي شبهة مستجابست، رباعي: تاجند طريق جاه وحشمت طلبيم … بوخير كه مفتاح سعادت طلبيم تا باطن ماز فيض معمور شود … از باطن فقرأ هل همت طلبيم رباعي: أيينه ذات حق جود رويشانند … از هر جهتي قبله ما ايشانند فكرم نرسد بكرد ايشان هركز … زانرو كه بسي بزرك عاليشانند جئنا إلى ذكر الكرامة الموعودة بذكرها] (٢): قال الفقير: كنت في التاريخ المزبور متمكِّنًا ببلدة كَفَه، وكان السُّلطان سليمان خان الغازي على سفر بمدينة حلب، فرزقنيها الله تعالى تدريس المدرسة الكُوْرَانية بقسطنطينية، فتوجَّهت إلى قسطنطينية، وقبل ركوبي الفلك عزمت على زيارة الشَّيخ

стр. 2173

أبي بكر ومعي أبي وأخي وبعض أحبَّائي (١)، فركبنا أفراسًا وقت الضحوة، فنزلنا فيها قبيل الزَّوال، فإذا أنواع الأطعمة حاضرة، فتعجبنا وقلنا: ما الداعي بإحضار هذه الأطعمة في هذا الوقت على خلاف المعتاد، قالوا: إنّ الشَّيخ خرج إلينا بعد الإشراق، فأمر بإحضار الطعام وعيَّن هذه الأطعمة، وقال: يجيء الأضياف، فاستقبلوهم وأكرموهم، فجلسنا وأكلنا والحمد لله رب العالمين. ولكن حدث في خاطري التشويش لعدم حضوره معنا في الطَّعام، وكنت أفكر في هذا إذ جاء ابن الشَّيخ، وقال: إنَّ أبي يقرئك السلام، ويدعوك إلى خلوته وحيدًا ليوصيك على بعض الأمور، فقلت: سمعًا وطاعة، وقمت وتبعت ابن الشَّيخ حتى جئنا إلى باب، فوقف ابن الشَّيخ، فأشار إليَّ أن أدخل، فدخلت من باب إلى سهوة، فرأيت الشَّيخ أبا بكر يقعد في ناحيتها متوجِّهًا إلى القِبْلة، فتقدَّمت إليه، وسلَّمت عليه، فالتفت إليَّ ورد السَّلام عليَّ، لكن لم يقم من مكانه، فأشار قبالته مكانًا، فجلست فيه. وكان عادته أنه (٢) كلَّما زرته كان يقوم من مكانه ويستقبلني ويقدِّمني في مجلسه، ثم سكن وسكتُّ، وكأنه كان مراقبًا، ولم يتكلم، فتوقفت أمامه قدر ساعة، ثم إني لمَّا رأيته لا يكلِّمني قمْتُ لأودعه، فنظر إليَّ وقال: اقعد نصطحب ساعة، فقعدت مكاني، فسكت أيضًا ولم يتكلَّم ساعة، ثم بعد ذلك التفت إليَّ، وقال: ما معنى قول الله تعالى: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]؟ فقلت: أنتم بالتَّحقيق أعلم مني، ولكن المعنى الظاهري أنّ باطن الباب أو السور يلي الجنة التي هي محل الرَّحمة، وظاهر الباب أو السور يلي النَّار التي هي محل العذاب. قال: نعم، قال: أرباب الظاهر كذلك، ثم شرع في التَّحقيق، فبثَّ المعارف

стр. 2174

وكلمات القوم التي لم أسمعها مدَّة عمري، فتحققت أنَّه عارف بالله ولي من أولياء الله، يستفيض المعاني من المبدأ الفياض بلا واسطة، فإنّه حفظ القرآن في زمان طفوليته فقط، ثم لم يقرأ من (كتب قط) (١)، وكان تاجرًا، فوفِّق لهذه الطريقة كما ذكرته آنفًا. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم قال: نلْتَ (٢) منصب التَّدريس سمعْتُ كذا، بارك الله لك فيه، ووفَّقك بالعمل، ولك أيضًا مناصب مهيَّأة من التدريس والقضاء، وفَّقك الله فيها، تنال إن شاء الله ولا تشوش خاطرك في طلبها وملازمتها، فإنَّ الرزق معك، ولكن أوصيك بتقوى الله تعالى في السرِّ والعلانية، وباهتمام طريقك وهذه الطريقة، فإنَّ طريقة مشايخنا أحسن الطريقة، فإنَّهم (٣) السَّالكون لطريق الشَّرع، وكانوا في جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم موافقين للشَّريعة، تابعين لأهل السنَّة والجماعة، (وفي باطنهم) (٤) مقتبسين من مشكاة النبوة. وإيَّاك والإنكار في طريقة أول شريطتها (٥) تطهير القلوب عمَّا سوى الله، وتحريمها استغراق القلوب بذكر الله، وآخرها الفناء بالكليَّة في الله ، وقد أمر الله تعالى برسوله وقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].

стр. 2175

ثم قال: وأوصيك أن لا تتبع الهوى، وكن ملازم التُّقى، فإنَّ لك حصة من هذه الطريقة، وهي وديعة إلهية لا تودع إلا عند من له أمانة وتقى، وسترى هذه الوديعة في يدك واصلًا إليك بعد مدَّة من يد إخواننا إن شاء الله تعالى، فأمَّا منِّي فقد قرب الرَّحيل، وهذا آخر مجلسنا، فإني أستودعك الله في دينك ودنياك وخواتيم أعمالك، فكن على ثقة بالله، ولا تضطرب في السفينة، وستدخل قسطنطينية إن شاء الله يوم الخميس، بعد خمسة أيام بالخير والسلامة، قال: وحيث اتَّجهتم ساعدتكم سلامة … ويرعاكم الرَّحمن من كلِّ جانب ثم أوصاني بوصايا نافعة، كلٌّ منها كلمات جامعة، ثم ودَّعته وانصرفت من مجلسه الشريف، وذلك يوم السَّبت، فركبت في السَّفينة ليلة يوم الأحد، فخرجت بكرة هذه الليلة، فنزلت ضحوة يوم الخميس بقسطنطينية، ثم بعد سنة ارتحل المرحوم ودفن بموضع أمام مسجده بعيد من المسجد بثلاثمئة خطوة بالتقريب، قدَّس الله سرَّه العزيز، وقبره هناك مشهور يزار ويتبرَّك به، (ويستجاب عنده الدَّعوات، وينزل به البركات) (١). وجلس مكانه ابنه الأمجد الأرشد، العارف بالله بير محمَّد بن الشَّيخ أبي بكر، وهو سرُّ أبيه، وهو (٢) الآن مشتغل بتربية المريدين، وتسليك الطالبين، في الزاوية المزبورة. وكان شيخنا الشَّيخ محمد - السَّمَرْقندي منتسبًا، والفركندي أصلًا - أخذ التَّلقين وأدب الطريقة عن الشَّيخ أبي بكر، واختلى عنده خلوات، وبلغ عنده رتبة عالية،

стр. 2176

فظهر منه حالات، فأجازه وأمر أن يكتب له كتاب الإجازة، فأعطاه، ثم قال: يا ولدي، إنَّ عهدي قريب، وأنت مستحق بالخلافة، فخذ مني هذه، ولكن أوصيك أن لا تسكن في هذه البلدة، وتسيح في البلاد، لعلك تصل إلى خدمة رجل يوصلك إلى غاية المنى، فإنَّ لك قابلية عظيمة. ثم إنّ الشَّيخ محمدًا ساح البلاد بموجب وصية شيخه بعد وفاته، فوصل بعد مدة إلى خدمة الشَّيخ العارف بالله عبد اللطيف المخدومي الجامي، فبلغ ما نال عنده من المقامات العالية والكرامات السَّامية، وكتاب الإجازة، بعينه الآن موجود عندي مكتوب في عنوانه: لا إله إلا الله عدة ليوم لقائه، محمَّد رسول الله سيد أنبيائه وخاتم أصفيائه، والشَّيخ عبد القادر الكيلاني قطب أوليائه. ثم كان مكتوبًا بعد أسطر في ذكر الحمد والصلاة، وأما بعد: فالمنسوب (١) إليَّ في هذه الإجازة صحيح، وأذنت للمجاز بما أُذِنَ لي من أخذ العهد، وتلقين الذِّكر، والجلوس على السجادة، ورفع العلم، ووضع المقراض في شعور التائبين، وسماع الخواطر من الفقراء، والكلام عليها بما في الكتاب والسنَّة، والله على ما نقول وكيل (٢)، وهو حسبنا ونعم الوكيل. وأذن لكتابته العبد الفقير إلى الله تعالى الشَّيخ تقي الدِّين أبو بكر بن خير الدِّين الكَفَوي، وهو ابن الطريقة لمحمَّد أبي الوفاء القادري طريقًا، نسبًا ابن قاسم بن يحيى بن الحسين بن علي بن محمَّد بن يحيى (بن أحمد) (٣) بن صالح بن نصر

стр. 2177

ابن عبد الرزاق بن الشَّيخ الإمام القطب الغوث الجامع الرَّباني (١) محي الدِّين عبد القادر الكيلاني الحسني الحسيني بن أبي صالح بن عبد الله بن يحيى الزَّاهد بن محمَّد بن أبي بكر بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المخص (٢) بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرَّم الله تعالى وجهه، ورضي عنهم أجمعين، حامدًا مصليًّا مسلِّمًا محوقلًا محسبلًا متوكِّلًا. أما الكتاب الإجازة فمفصَّل طويل الذَّيل، وقد ذكرنا في أثنائها، فإنّ الشَّيخ محمَّد الشَّيخ الصالح تقي الدِّين أبو بكر ألبس الخرقة القادرية للشيخ نور الدِّين محمَّد بن يوسف الفركتي، وأجازه واستخاره أن يقيمه في مقامه، ويجعله خليفة شيخًا على الرِّجال الصَّالحين الثِّقات في المملكة الرُّومية وغيرها من أقطار الأرض، وكتب له إجازة ووصيَّة، وأجاز له أن يجيز ذلك لمن يستحقه ويصلح له بعد أن يأخذ عليه العهد، ويوصيه بتقوى الله تعالى في سرِّه وجهره، ويلبسه خرقة الشَّريفة القادرية التي لبسها من يد أخيه وشيخه وبركته وقدوته الشَّيخ تقي الدِّين أبي بكر، التي لبسها من يد شيخه وقدوته السيِّد الشَّريف شهاب الدِّين الشَّيخ محمَّد، التي لبسها من يد والده شرف الدِّين قاسم، على ترتيب ما ذكر في أخذ الذِّكر والتَّلقين فيما تقدم. وذكر في آخر هذا الكتاب وصية الشَّيخ عبد القادر إلى ولده: يا ولدي، وفَّقنا الله وإيَّاك والمسلمين أجمعين. إنَّ طريقتنا هذه مبنيَّة على الكتاب والسُّنَّة، وسلامة الصُّدور، وسخاء اليد، وبذل النَّدى، وكفِّ الجفاء، والصفح عن عثرات الإخوان.

стр. 2178

وأوصيك بالفقر، وهو حفظ حرمات (الشيوخ، وحسن العشرة مع الإخوان، ونصيحة الأصاغر والأكابر) (١)، وترك الخصومة إلا في ترك أمر الدِّين لا الدنيا، وإن حقيقة الفقر أن لا تفتقر إلى من هو مثلك، (وحقيقة الغنى أن تغتني عن من هو مثلك) (٢). وإن التصوف لم يؤخذ عن القيل والقال، ولكن إذا لقيت الفقير (أو رأيت الفقير) (٣) فلا تبدأه بالعلم وابدأه بالرِّفق، فالعلم يوحشه والرِّفق يؤنسه. (واعلم يا ولدي أنَّ الفقير هو الذي لا يستأنس بشيء سوى الله تعالى) (٤). واعلم أنَّ التصوُّفَ مبنيٌّ على ثمانية خصال: الأولى: السَّخاء. الثانية: الرِّضا. الثالثة: الصَّبر. الرابعة: الإشارة. الخامسة: الغربة. السادسة: لبس الصوف. السابعة: السياحة. الثامنة: الفقر.

стр. 2179

فالسخاء لنبيِّ الله إبراهيم، والرضا لنبيِّ الله إسحاق، والصبر لنبيِّ الله أيوب، والإشارة لنبيِّ الله يحيى، والغربة لنبيِّ الله يوسف، ولبس الصوف لنبيِّ الله يحيى، والسياحة لنبيِّ الله عيسى، والفقر لجدي رسول الله ﷺ وعليهم. وأوصيك يا ولدي أن تصحبَ الأغنياء بالتعزُّز (١)، والفقراء بالتَّذلُّل. وعليك بالإخلاص، وهو نسيان رؤية الخَلْق، ودوام رؤية الخالق، ولا تتَّهم الله في الأسباب، واسكن إليه في جميع الأحوال، وإنَّ الله لا يضيع حوائجك اتَّكالًا بالأخذ لما بينك وبينه من المودَّة الصَّادقة والغربة، فإنَّ الله فرض لكلِّ مؤمن حقًّا. وعليك بخدمة الفقراء بثلاثة أشياء؛ أحدها التواضع، والثاني حسن الأدب، والثالث سخاء النفس. وأمت نفسك حتى تحيى، وأقربُ الخَلْق إلى الله تعالى أوسعهم خُلقًا، وأفضل الأعمال رعاية السرِّ عن الالتفات إلى شيء سوى الله تعالى، وحسبك من الدنيا شيئان: صحبة فقير وحرمة ولي. (واعلم يا ولدي أنَّ الفقير هو الذي لا يستأنس بشيء سوى الله تعالى) (٢). واعلم أنَّ الصولة على من هو دونك ضعف، وعلى من هو فوقك فخر (٣)، وأن الفقراء والتصوُّف كلٌّ جد، فلا تخلطه بشيء من الهَزْل.

стр. 2180

هذه وصيتي لك ولمن يسمعها من المريدين، كثَّرهم الله تعالى، والله تعالى يوفِّقنا وإيَّاك لما ذكرناه وبيَّناه، واجعلنا ممن يقفوا آثار السَّلف، ويتَّبع أخبارهم، بحقِّ سيِّدنا محمَّد ﷺ ، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وحسبنا الله ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. إلى غير ما كتب فيه من مناقب الشَّيخ عبد القادر وطرق لبس الخرقة وغيرها. * * *

стр. 2181

خاتمة الكتاب جامعة الغرائب وقد كان في فكري في ابتداء كتابي هذا أن أجمع في خاتمته غرائب مسائل الفنون، ولكن حول قلبي خوفَ غوائل ريب المنون، وإني كنت في أوان شروعي متزعزعًا في قضاء القضاء، فاستعفيت وافتقرت، حسبما قدَّر الله تعالى وقضى. وأنا في الحال بحمد الله باكٍ متضرِّع في فيافي الغناء، فيا حسرتي على شيبة ضيعته، ثم يا حسرتي على زمان كهولة ودَّعته، حتى أفنيت ستين سنة في اتباع الشَّهوات وارتكاب المحظورات واكتساب السَّيئات، فجعلت عرضي فيها عرضة للشتائم، وخلط الأعمال الصالحة بالمآثم والجرائم. فكيف الحال؟! وإلامَ ينجرُّ المآل؟! ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠]، ولست أرى يومئذ من ثمراتها إلا أدمعًا مغضوضة، وعظامًا مرضوضة، وأجفانًا مفضوضة، ولو دعاني داعي القضاء، وناداني منادي الفناء، وأنا في هاتيك الأعمال الدَّنية، والأشغال الرديَّة، فلا مرحبًا بها، نعوذ بالله من ذلَّة الشَّقاء، وميتتة الأشقياء، فإنها من أشدِّ النَّوائب المشققة للمريطاوات، وأعظم المصائب المحرقة للسويداوات، وها لا شغل في اليوم إلا الحسرة والنَّدامة، والرجوع إلى الله بالتَّوبة والإنابة. ثم رفع اليد إلى جنابه، وهو الكريم الرَّحيم، سائلًا من فضله الجسيم، وكرمه

стр. 2182

العميم، ولطفه العظيم، داعيًا متضرعًا باكيًا متخشعًا، لعلِّي أبلغ أسبابًا ترفع عنِّي هفوة هذه الظلمات، وتدفع قسوة هاتيك الظلامات. اللَّهم يا واسع المغفرة، ويا باسط اليدين بالرَّحمة، افعل بي ما أنت له أهل، ولا تفعل بي ما أنا له أهل، يا من لا يخيب، سائله، ويا مغيث كلِّ حائر ملهوف، ويا مجير كلِّ هائل مخوف، أستغيث بكرمك المأمون من غوائل ريب المنون، ثم أرجو من خزائن فضلك المخزون في مكان سرِّك المكنون، خير ما وعدت لعبادك الصالحين وأوليائك العالمين العاملين، وأسأل من لدنك المغفرة والرِّضا والعمل المقبول في جنابك الأعلى، إنك وليُّ الإجابة، سميع الدُّعاء. بيت: يا ربِّ ثبِّت قدومي وقلبي … سبحانك اللَّهم أنت حسبي تاريخ تمامي كتاب مسمَّى بـ "أعلام الأخيار ومحبوب قلوب أعزَّة ومشايخ كبار في جميع البلاد والديار وطبقات أئمة ودين رضوان الله عليهم أجمعين"، [وافق الفراغ من تعليق هذه النُّسخة المباركة صبيحة يوم الثلاثاء المبارك، الثاني من ذي قعدة الحرام، المنتظم في سلك سنة سبع وسبعين بعد الألف من الهجرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسَّلام. غفر الله لكاتبها وقارئها، ولمن طالع فيها وللمسلمين أجمعين، يا رب العالمين، ولمن يقول: آمين آمين]. * * *

стр. 2183

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (رب يسر ودبِّر وأعن، إنك ولي ذلك والقادر عليه) (١). الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسَّلام على خيرة خلقه محمَّد المصطفى سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد فإنَّ المبسوطات التي نقل عنها صاحب "الحقائق" أربعة: "مبسوط" شمس الأئمَّة السَّرَخْسي، و"مبسوط" فخر الإسلام علي البَزْدَوي، و"مبسوط" شيخ الإسلام خواخر زاده، و"مبسوط" السيِّد الإمام ناصر الدِّين السَّمَرْقندي، المشهور بـ "المنشور والقانون في الفقه". والجامع الكبير ستة: "الجامع الكبير" للإمام الإِسْبِيجابي، و"الجامع الكبير" لفخر الإسلام علي البَزْدَوي، و"الجامع الكبير" لشيخ الإسلام علاء الدِّين السَّمَرْقندي، و"الجامع الكبير" للصدر الحميد، و"الجامع الكبير" لقاضي خان، و"الجامع الكبير" للإمام العَتَّابي. والجامع الصَّغير أربعة عشر: "الجامع الصَّغير" لأبي بكر الرَّازِي، و"الجامع الصَّغير" لفخر الإسلام علي البَزْدَوي، و"الجامع الصَّغير" لشمس الأئمَّة السَّرَخْسي، و"الجامع الصَّغير" السيف الحق أبي المعين النَّسَفِي، و"الجامع

стр. 2184

الصَّغير" للصدر الشهيد، و"الجامع الصَّغير" لصاحب "المحيط"، و"الجامع الصَّغير" القاضي خان، و"الجامع الصَّغير" للإمام العَتَّابي، و"الجامع الصَّغير" لبدر الدِّين الوَرْسَكي، و"الجامع الصَّغير" للإمام الإِسْبِيْجابي، و"الجامع الصَّغير" للإمام المحبوبي، و"فوائد الجامع الصَّغير" للإمام ظهير الدِّين البُخاري صاحب "الفتاوى"، و"الجامع الصَّغير" للأفطس. و"الزيادات" أربعة: "الزيادات" لصاحب "المحيط"، و"الزيادات" للقاضي الإمام المعروف بالقاضي علاء الدِّين، و"الزيادات" لقاضي خان، و"الزيادات" للإمام العَتَّابي. وشرح المنظومة ستة: "المختصر والمختلف"، وشرح قاضي خان، وشرح الإمام السُّغْدي، و"العون" لشيخ الإسلام علاء الدِّين المَرْوَزِي، وشرح آخر. انتهى ملخصًا، (كذا نقله صاحب "الحقائق" في آخره، نقلته من خط قطب الدِّين الحنفي رحمه الله تعالى) (١). قلت: المراد من الجوامع الكبيرة والصغيرة والزيادات المذكورة هي شروحها، وإلا فأصل "الجامع الكبير" للإمام محمَّد، وعليه لأئمتنا شروح لا تُحصى، ويمزجون عبارتهم بعبارات الأصل، بحيث لا يميز بين كلام الأصل وكلام الشرح. فإن قلت: إنه "الجامع الكبير" لفخر الإسلام مثلًا، صدقت، وإن قلت: إنه "شرح الجامع الكبير" صدقت، وكذا الحال في "الجامع الصَّغير" و"الزيادات". ولهذا تارة يقولون: قال في "الجامع الصَّغير الخاني"، وتارة يقولون: قال قاضي خان في "شرح الجامع الصَّغير" إلى غير ذلك من العبارات.

стр. 2185

اعلم أنّ من يلقَّب بشمس الأئمَّة جماعة: أشهرهم السَّرَخْسي، فشيخه الحُلْواني، ومنهم شمس الأئمَّة الزَّرَنْجري، وربما يقال له: زرنكري بالكاف المعقودة الفارسية، وكأن زرنجري عربية زرنكري، والياء للنسبة، وزرنكر قرية من قرى بخارى، وشمس الأئمَّة الزَّرَنْجري أعني به: بكر بن محمَّد، وابنه عماد الدِّين عمر بن بكر بن محمَّد وكلاهما يلقب بذلك. وشمس الأئمَّة الأُوْزْجَندي، وهو جد قاضي خان، واسمه محمود وكثير ما يلقب بشمس الإسلام، بل هو الأكثر فيما أحسب. ومنهم شمس الأئمَّة القزَّاز، ذكره في "تاريخ بَلْخ"، وربَّما لقِّب بشمس الإسلام كما وقع في "تاريخ بَلْخ" عند الرواية عنه. ومنهم شمس الأئمَّة البيهقي صاحب "الشامل" و"الكفاية". ومنهم شمس الأئمَّة الكَرْدَري، تلميذ صاحب "الهداية" وراويها عنه، انتهى. فائدة: قال في "كتاب ذم الهوى" المنسوب للإمام الحافظ أبي الفرج ابن الجوزي: وفي الصحابة جماعة لا يعرفون إلا بالنسب إلى آبائهم فقط، منهم ابن ثعلبة، وابن جارية، وابن جميل، وابن حماطَة، وابن حنظلة، وابن الرَّسيم، وابن عايش، وليس بعبد الرَّحمن بن عائش، وابن عَبْس، وابن عصام، وابن غنَّام، وابن الفاكه، وابن مسعدة، وابن المُنْتقق، وابن نُضيلة في آخرين. وفي الصحابة من اشتهر بالنسبة إلى أبيه مع معرفة اسمه كابن زامِل، وابن سَبْرَة، وابن رَسْلان، وابن الشيَّاب، وابن القَشيب، وابن اللُّتَبِيَّة، كلُّ هؤلاء اسمه عبد الله، وإنَّما اشتهر بأبيه، انتهى. * * *