← Тараджим

Тараджим · id 30081

كتائب أعلام الأخيار من فقهاء مذهب النعمان المختار

محمود بن سليمان الكفوي

Полный текст (2 185 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

إمام أبي يوسف وحضرت إمام محمَّد مذهبلري اوزرينه لزومنه حكم ايليه حاليًا بو قول ايله عمل ايدوب من بعد بو قوله مخالف عمل إتميمه لو تحريرًا في أواخر ربيع الأول سنة خمس وخمسين وتسعمائه بيورت قره بيكار، ومن واقعات الفتوى التي استفتى عنه بر قصبه سنورنده داخل اولان باغلر كه عشرين ديا رسومن سباهي آله كلرب اولان بكر مزبور باغلر كو لايت تحرير ندى صكره أحداث اولمشدر رسم وكر من كسي عشر ورسمي بن الورين دمكه قادر اولور مي؟ الجواب: الله أعلم اولماز متمارك حدودنده داخل أراضينك عماري وغامري اول يتماره تخصيص اولنوب آندن حادث اولان أكر حبوبدر وأكر فواكهدر أكر بقولدر وأكر سائر منافعدر هرنه ايسه هربرندن تعيين وتقدير اولنان بهره عشر ميدر ثمن ميدر اول تماده عموم اوزه حاصل قيد اولنوب تصرفاتي سباهيسنه تفويض اولنمشدر هربرينك حاصلنك بهرسي حق شرعيسى درلي قصور ألوب هر قطعه مزرعه ميدر باغميدر بغجه ميدر أعياني واوصافي ايله دفتره تحرير اولنماق أمر لازم دكلدر. بر قطعه معطل ايكن تعمير اولنوب ومزرعه ايكن وباغجه وباغ ايدلوب وباغ وباغجه ايكن مزرعه ايديلوب هربرينك حقوقن سباهي ألمق حكم مقرردر خارج أزدفتر اولان حادث ذكر متكرر سومي موقوفه ضبط اولندب طبراغنده واقع اولان سباهي يه وير لممكه باعث بودركي ثيمار حاصل قيد اولوب سباهي تفويض اولنان حقوق أراضيدن إثبات طريق ايله حاصل اولان منافعك بهره سيدر دكر من ودنيك وصما قوو معصره مقوله سنك منافعي منافع ارضي كه إثبات طريق ايله اولميوب الات صناعيه استعمالي ايله حاصل اولور انك ايجون رسومني عشر قيلميوب هر برينك شاننه كوره تقدير اولنمشدر لاجرم هربري واقع اولدغي تيماره الحاق اولنوب رسمي دفترده اكا حاصل قيد اولماينجه منافع ارضه مالك ومستحق اولان

стр. 2137

سياهي انلرك رسومنه مستحق او لماز قادر اولان باغ و باغجه نك تيمار طريقي ايله خدابي حاصل اولان منافعين اول قبيلدن صانوب تعرض ايتمك جهل قبيح وظلم صريحدر، كتبه أبو السعود الحقير عفى عنه. وذكر العلامة المذكور في تفسيره سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة: ١٥٤]. حكاية رؤياه، وقال بعد تفسير الآية المزبورة: كنت رأيت في المنام سنة تسع وثلاثين وتسعمئة أني أزور قبر شهداء أحد ﵃، وأنا أتلو هذه الآية وما في سورة آل عمران، وأردّدهما متفكرًا في أمرهم، وفي نفسي أنّ حياتهم روحانية لا جسمانية، فبينما أنا على ذلك إذ رأيت شابًا منهم قاعدًا في قبره تامَّ الجسد، كامل الخلقة، في أحسن ما يكون من الهيئة والمنظر، ليس عليه شيء من اللباس، قد بدى منه ما فوق السرَّة، والباقي في القبر، خلا أني أعلم يقينًا أنّ ذلك أيضًا كما ظهر، وإنّما لا يظهر بكونه عورة، فنظرت إلى وجهه، فرأيته ينظر إليَّ مبتسمًا كأنه ينبهني على أنّ الأمر بخلاف رأيي، فسبحان من علت كلمته وجلت حكمته، إلى هنا من كلام المولى العلامة في "الإرشاد". * * * [٨٠٤ - محمَّد جلبي (١)] المولى الفاضل المحقِّق، والحبر الكامل المدقِّق، حلَّال المشكلات الدينية، ومدفاع الشبهات اليقينية، جامع الفروع والأصول، حاوي المعقول والمنقول، صدر الأفاضل، بحر الفضائل، شريف الأصل، لطيف الشمائل، زبدة آل الرَّسول، صفوة أولاد البتول، افتخار آل ياسين، السيِّد محيي الدِّين محمَّد بن عبد القادر، والد صدر

стр. 2138

الموالي والأشراف، سالك مسالك الهدى وطريقة الأسلاف، جامع العلوم، والمبرَّز في المعقول والمفهوم، عارف الأنساب، واقف الأحساب، الفاضل الحسيب، والكامل النسيب، السيِّد محمَّد جلبي، النَّقِيب في الممالك العثمانية. كان ﵀ عالمًا فاضلًا نظارًا، فارسًا في البحث، إذا حضر في محل كان هو المشار إليه، والمعوَّل في المشكلات عليه، وكان يشق الشعر في دقائق الكلام، وله التوسع في التقرير والفصاحة في الجدل والخصام، وكان صاحب العقل الوسيع والإدراك السريع في المعقول والمفهوم، والقدرة على قهر الخصوم. له تعاليم جلية، وإفادات كلية، (وكان ينبه من طالع المرام إلى مقاطع الكلام) (١)، وهو الأستاذ على الإطلاق، والمتفق عليه، (المختلف إليه) (٢) بلا شقاق. أخذ العلوم عن فضلاء عصره، وعلماء دهره، منهم المولى حسام جلبي بن الطباخ، والمولى الفاضل البارع محيي الدِّين جلبي الفَنَاري، والمولى الفاضل العلامة شمس الدِّين أحمد بن كمال باشا، والمولى الفاضل نور الدِّين القَرَاصُوِي الشهير بصَارِي كِرَز، وبلغ عنده رتبة الفضل والكمال، وفاق على الأفاضل والأمثال، واشتهر بين أعيان الطلبة. فأخذه المولى خير الدِّين معلم السُّلطان سليمان خان الغازي، وهو أول من أخذه من أعيان طلبته الموالي، ثم أخذ المولى مرحبا جلبي الصُّوفْيَوِي والمولى محيي الدِّين محمَّد الكَفَوي وغيرهم، ثم أقرأهم درسًا واحدًا، فشرفهم بشرف ملازمة جلوس سرير السَّلطنة للسُّلطان سليمان خان، وهم كانوا عشرة كاملة.

стр. 2139

ثم إنَّ المولى خير الدِّين أخذ في الكرة الثانية المولى الفاضل صدر الموالي سنان جلبي، وكان معيد المولى شيخ الإسلام علي الجمالي، والمولى الفاضل بوستان جلبي، وأقرأهم أيضًا وشرفهم بشرف الملازمة، ثم رباهم أحسن تربية عند السُّلطان، فأعطاه السُّلطان مدرسة قاسم باشا، وكانت مشهورة بمدرسة أمير سلطان، وأعطى المولى مرحبا مدرسة جُنْدِبَك، وعين لهما كل يوم خمسة وعشرين درهمًا، وهما كائنان بمدينة بروسا، ثم صار مدرِّسًا بالمدرسة الأفضلية بقسطنطينية، ثم بمدرسة الوزير محمود باشا، ثم بسلطانية بروسا، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضيًا بمصر. وكان في قضائه مرضيَّ السِّيرة، محمود الطريقة، سلك فيها مسلك الأسلاف، وفي أحوال القضاء كان يهتم ويشاور الأشراف، [وكان سيفًا قاطعًا، لكن صرعته لم توجد في الأسياف، وقام بفصل الخصومات بالإنصاف، وتحلَّى بمحامد الأوصاف، وقطع عروق المخايف الواقعة في الأكتاف والأطراف، من مدّ يد الأخلاف والأجلاف. فاشتهر بشهرة عرفها سكان الأخبية وأقطار الأبنية، ووقف عليها أرباب الوبر وأصحاب المدر، وتحدثت بها الرُّكبان في الفلوات، والنُّسوان في الخلوات، والرُّعاة في أكناف الرِّياض، والسقاة على أطراف الحياض] (١)، جزاه الله خيرًا عن مساعيه المشكورة وأياديه المذكورة. وكان والي القاهرة في هذا الزَّمان الوزير الجائر سليمان باشا، يقال: إنه كان ممن يذر الآخرة، ويلقيها ويحبُّ العاجلة ويبتغيها، وكان يظلم الرَّعية ويؤذيها، ويصادر أموال النّاس ويفنيها، وإذا تولَّى سعى في الأرض ليفسد فيها، وكانا في كلِّ

стр. 2140

أسبوع يجتمعان في يومين في الدِّيوان، وكان المولى المزبور قوَّالًا بالحقِّ متصلِّبًا في الدِّين، ويصدع بالحقِّ ويفصل، ولا يخاف سطوة الجبارين، وكان لا (١) يلاين ولا يداري ولا يداهن ولا يجاري. فتغيَّر الوزير المزبور على المولى المذكور في بعض الأمور، ثم لم يلبث زمانًا إلا وقد كان الوزير الأعظم وصاحب السُّلطان المعظَّم تقدم بدار السَّلطنة ونقمه، ووشى به إلى السُّلطان المعظم وأرغمه، فعزل عن قضاء مصر بوشيه، ونسبة كذبه عند السُّلطان. ثم قدم المولى المزبور بمدينه قسطنطينية، ووقف السُّلطان على جلالته وصلابته وصداقته وفضيلته، فأعطاه قضاء مدينة أَدْرَنة، وكان المولى الفاضل مرحبا جلبي المذكور آنفًا قاضيًا بمدينة أَدْرَنة، فمات في تلك الأوان، فلم يقبل القضاء المذكور مولانا الأستاذ، فاستعفى، فعفاه السُّلطان، وأعطاه إحدى المدارس الثَّمان، فلم يلبث هناك إلا وقد عزل الوزير سليمان باشا عن الوزارة. وما أحسن ما قال الحريري في المقامة الحادية والعشرين: دعِ الإدلالَ بدولتك، والاغترار بصولتك، فإن الدولة ريح قلب، والقدرة برق خلب، وإن أسعد رعاة من سعدت به رعيته، وأشقاهم في الدارين من ساءت رعايته، فوالله يا إنسان ما يغفل الديان، ولا يهمل الإساءة والإحسان، بل سيوضع لك الميزان، وكما تدين تدان. فأمر بتفتيش ما صدر عنه من التعدي والجنايات والمظالم والمصادرات على النّاس بأموالهم وغير ذلك مما وقعت منه بمصر وعدن، فعين السُّلطان سليمان

стр. 2141

لتفتيشه بمصر المولى الأستاذ، ولتفتيشه بعدن المولى الفاضل صالح بن القاضي جلال أخا مصطفى باشا التوقيعي، فقبله الأستاذ امتثالًا للأمر، فراح إلى مصر قاضيًا بها، ثم بعد ما تم التفتيش استعفى عن قضاء مصر، فعفي. ثم بعد ما جاء إلى قسطنطينية صار قاضيًا بالعسكر بولاية آناطولي، فلم يمكث فيها برهة إلا وقد عثرت دابته في طريق الديوان، وسقط عنها، فتورم رجلاه، فعطلت حتى كان لا يقدر على القيام [إلا] بالمعاونة والاعتماد، فمضى على ذلك زمانًا. وكان يضطجع في فراشه، ويدخل طلاب المناصب وأرباب المطالب إليه في حالته كذا وهو يستمع الدعاوى، ويوجه المناصب إلى أهلها، ويعرض بالتذكرة على السُّلطان. وكان يقرأ تذكرته على السُّلطان سليمان خان المولى جوي زاده وكان قاضيًا بالعسكر بولاية روم إيلي، ثم بعد مضي ستة أشهر تجهز السُّلطان لأن يسافر إلى مملكة قِزِلْبَاشْ (١) الأوباش، فنبه أن (يتهيأ لسفر تياك) (٢) المملكة، وكان لا يستطيع النهوض والحركة، فاستعفى وعفي عنه، وعين له كل يوم مئة وخمسين درهمًا، وعين لطلبته كل يوم عشرين درهمًا. وكان له أربعة أبناء أمجاد، أصحاب السداد، وذوي الرشاد، وعيَّن لهم كل يوم مئة درهم، لواحد ثلاثون، ولاثنين خمسون، ولصغيرهم عشرون، وألحق من عبيدهم ثلاثة إلى زمرة خدَّام السَّلطنة الخاقانية، ورعى بهاتيك العنايات السُّلطانية. [ثم اشتغل بالدرس والإفادة والتعليم والتعليق والإحاطة والإجادة، وعين

стр. 2142

دروسًا من "الهداية" و"التلويح" والتفسير، وكان الفقير من أصحاب درس "الهداية"، ونقرر "ابن الهمام" عليها، وكان المولى الفاضل المرحوم المتوفى قاضيًا بمصر مسمومًا بدر المِلَّة والدِّين محمود السَّرابي من شركاء درسنا، وكان من تلامذته المولى الفاضل فائق الزمان فارس الميدان زكريا القاضي بمدينة بروسا الآن يحضر درسنا، وكان داخلًا في سلك الملازمين في هذا الأوان. ويحضر درسنا أيضًا أكبر أولاده المولى الفائق الشاب الحاذق مصطفى جلبي المرحوم، كان نظَّارًا كاملًا، دقيق النظر، عديم النظير، كثير العلم، واسع التقرير، كامل التحرير، وكان في عنوان شبابه غلب بالعلم على شيوخ عصره، وفاق في الورع والتُّقى ريَّان عمره شبان عصره، لم يتدنس لعرضه رُدْن ولا جيب، ولا حام حول وقاره شين ولا عيب، ساخ في العلوم ورسخ، وحفظ من الفنون عدة نسخ. مات شابًا مدرِّسا بالمدرسة الحجرية ببروسا، في سنة سبع وخمسين وتسعمئة، ولعمري لو عمر لفاق أهل الزَّمان، ولصار وجوده بركة للأكوان، صار موته من نوائب الدَّهر ومصائب الأقران، وتضعضعت به الأركان والكون والمكان، وقد ألمَّ بهم الألم والهم، كما قيل: موت العالِم موت العالَم. ثم كان يحضر درسنا، ونقرأ "تفسير القاضي" البيضاوي، ثم كنا نقرأ من "كتاب الهداية" مع "ابن الهمام" أيضًا أصلحُ الله أولاده الذي يزهى به في حياته، ويحيى به ذكره بعد مماته، وهو المولى الفاضل النَّجيب الأريب، والعالم الكامل النَّقِيب الأديب، محرز الفضائل التي تسمو به إلى المحل الأرفع، ومدخر الفواضل التي توطنه ذروة المجد الأبلغ (١)، السيِّد محيي الدِّين محمَّد جلبي، كان نقيب الأشراف بعد ما تقاعد عن قضاء العسكر بأناطولي.

стр. 2143

وكان يحضر دروسنا أيضًا ختنه وتلميذه المولى الفاضل المحقِّق، والحبر الكامل المدقِّق، صدر الأفاضل، بحر الفواضل، محيي المِلَّة والدِّين، محمَّد جلبي بن شيخ محمَّد جوي زاده، القاضي بالعسكر المنصور بولاية روم إيلي، وكان في هذا الزمان يقرأ على المولى الأستاذ "شرح المفتاح" للسيِّد الشَّريف. وقد وصلت إلى خدمة المولى الأستاذ من خدمة المولى الفاضل عبد الرَّحمن جلبي، وكان وقتئذ قاضيًا بحلب سنة أربع وخمسين وتسعمئة، وكان المولى الأستاذ قاضيًا بالعسكر، ثم تقاعد فقرأت عليه نبذًا من "كتاب الهداية"، مع تتبع حواشيها، ونقل "ابن الهمام" عليها، ثم قرأت من "كتاب التلويح" مع تتبع كتب الأصول، ونقل حواشيه دروسًا غير كثيرة في يوميات يسيرة، ثم من "تفسير القاضي البيضاوي" من سورة الأنعام مدة، ثم من سورة البقرة، ثم قرأت عليه أيضًا من "الهداية". ثم في سنة تسع وخمسين وتسعمئة دخلت في سلك الملازمين، وفي أثناء هاتيك الدروس كنت سمعت منه "حاشية المطالع" للسيِّد الشَّريف، وقد كان يقرأها عليه ولده الأعز الأمجد، المرحوم المغفور، شيخ محمَّد، وكان قبل الدرس يشاورني ويعرض عليّ ما يشتبه عليه في درسه، وكان ذلك بتنبيه أبيه المولى الأستاذ، ثم نحضر الدَّرس ونقرأ عليه. مات هو شابًا في طلب العلم، ولو عمر لكان له شأن كبير في العلم، وله أخ يسمَّى علي جلبي، وكان يقرأ عليَّ "شرح الشمسية" في هذا الأوان، ومات هو أيضًا شابًا، نوَّر الله مرقدهما. ثم في أثناء الملازمة لم يقطع درس "حاشية المطالع"، فلازمته برهة من الزَّمان، ثم صرت مدرِّسًا بمدرسة مولانا علي الكُوْرَاني بمدينة قسطنطينية، ولم أزل في خدمته الشريفة وملازمته المنيفة.

стр. 2144

وكان ﵀ طَلْقَ الوجه، لطيف المجالسة، دائم البشر، مليح المحاولة، صعب البداهة، طيب النادرة، له وفور فضل، وجودة قريحة، وحدة ذكاء، وغزارة علم، ونهاية فطنة] (١)، وكان ذا ثروة عظيمة ومكارم جسيمة، (وكان متورِّعًا (٢)، محتاطًا لنفسه في مطعمه ومشربه وملبسه) (٣). وكان ذا شيبة عظيمة، تتلألأ أنوار الصلاح والسعادة من محاسنه، (وبر مكارمه، وذا سمة نهيمة تتراءى أزهار الشرف والسعادة من جبينه، وغر (٤) مباسمه) (٥)، ذو جد (٦) سعيد وجهد (٧) جهيد، وفضل مزيد، وعيش رغيد، ورأي رشيد، وبحث شديد، كلامه مفيد، وبيانه در نضيد: خصَّه الله بالفضائل طُرًّا … فهو في عصْرِه فريد وحيد طارَ في الأفق صيته وثناه … فمضاهيه في الأنام فقيد بمعاليه فاقَ كلَّ البرايا … وبأخلاقه القلوب يصيد حسنُ الخلق طاهر العِرق شهم … رأيُه في الخُطوب رأيٌ رشيد وله وجه مسفر، وخد مستبشر، وكثيرًا ما كان يصنع الأطعمة النفيسة في أيام العطلة ولياليها، ويدعو بعضًا من الأفاضل، ويجلس في بيته معهم، ومع أبناء الأمجاد،

стр. 2145

وبعض تلامذته الأفراد، وكنا نحضر بخدمتهم أحيانًا، ثم أنالنا الله تعالى ما نهوى وأولانا، فكنت في ذلك المجلس نحضر دائمًا ونصطحب ونجلس. فيا حسن ذيَّاك الزَّمان، ويا حبَّذا هاتيك المجالس، انخرطت فيه في سلك من فاز من سهامه بالمعلَّى، ودخلت في غمار من حاز قَصَب السَّبْق فيه وجلَّى، مقتبسًا أنوار علوم مولانا، مستتبعًا فوائده آنًا فآنًا، وقد استنار من شمس الآفاق بدره، وتحلى (١) بمكارم الأخلاق صدره. وكان من عادته الشريفة أن يحرض مَنْ في مجلسه على المباحثة، وكان لا يسامح أحدًا إذا أخطأ في البحث أو غلط في المكالمة والمحادثة، ويقول لأصحابه وتلامذته: لو سامحتكم لتسامح أكثركم في بحثكم ومكالمتكم، فربما يظهر منكم الخطأ في التقرير ويكثر (٢) الخلل في التحرير. [وكان متشرعًا متدرعًا جلباب الجلالة، متعففًا متلففًا بثوب البهاء والمهابة، متصلِّبًا في الدِّين، يضرب به المثل في الصدق والصلابة، ولقد تكمَّل بمكارم الأخلاق، وثناؤه مذكور في بطون الأوراق، واسمه مشهور في ظهور الآفاق، عاش معزَّزًا محترمًا بين الخاص والعام] (٣). وكان مرضيًا للأكابر الفخام، والسَّلاطين العظام، راجع إليه السُّلطان سليمان الغازي فيما صدر بين الوزير رستم باشا وبين حيدر باشا من النزاع والخصام، فخط مكتوبًا إليه بالعزِّ، والإكرام، فسئل سرًّا عن الواقعة بينهما، فتتبع فكتب المولى الأستاذ بما عنده من الحق الحقيق بعد أن تتبع، وقال: الحق في جانب حيدر باشا، وصاحب الملك يعطي من يشاء.

стр. 2146

ثم بعدما وصل جواب المولى الأستاذ إلى السُّلطان أكنَّه، فشاور يوم العرض القاضيين للعسكرين المولى بوستان جلبي والمولى سنان جلبي، فوجد جوابهما موافقًا للجواب الذي كان مكنونًا عنده، فأمرهما أن يكتبا التوقيع إليه؛ ليستمع هذه القضية ويفصل بالحق بينهما. فحين وقف الوزير المزبور على هذه الواقعة تكدَّر على المولى الأستاذ وعلى القاضيين للعسكرين، وشاور فيهما المولى العلامة أبا السعود المفتي، وكان هو في جانب الوزير المزبور، فأوصاه أن يشاركه في استماع هذه الدعوى قاضي مدينة قسطنطينية. وكان قاضيها في هذا الزمان المولى الفاضل محمَّد بن عبد الأول التِّبْرِيْزي الشهير بالمولى أمير كيسو (١)، وكان عالمًا فاضلًا عارفًا بالعلوم العقلية والشرعية، وجامعًا بالفنون الأصلية والفرعية، وكانت له معرفة بصناعة الإنشاء، وله منشآت في العربية والفارسية والتركية، وكان أكثر اهتمامه بالمحسِّنات اللفظية، فعرفت فضله في العلوم ورسوخه في الإنشاء من نظري في رسالته التي أنشأها لتزييف حجة الموالي ابن السَّامسوني، المتوفى قاضيًا بمدينة قسطنطينية، فلا علينا أن نذكر بعضًا من رسالته المذكورة، (وهذه الأبيات ذكرها منها) (٢): جونكه شدي ناظم أهل جهان … باش تو ناظر بهنر هر زمان مرتبة دابر قدر فضل نه … تاكه شود كه زهنرمه زمه ورنه شود كوردل اهل هنر … كي بهنر ميل كندا ودكر

стр. 2147

وبودقيقة حقيقة الحالدركه ما دامكه اهلك خاطري رعايت اولنه اهليتي زياده اولور زيرا جراغ مادامكه رعايت اولونه زياده فروغ وضيادة اولور وبونكته تحتنه المقلدركه شعر جاهي جاهله ويرمك ايله جهان رونق بولمز، وناف بل خدمته قبول اولمغه قابليتي محقق اولمز: راه رونق أكرتو خواهي بازهركسي رابقدراوبنواز … قابلًا نرانوتر بيت ميكن تاكل معرفت شود كلبن … كردهي خاررا توآب حياته وركني تربيت بآب نبات … عاقبت شاخ خار خار شود همدم تيشه بارنار شود بس عادت أصحاب سعادت اوزه قابللري ترتيب ايله تربيت ايتمك كرك. وسنت ارباب سيادت أوزرينه فاضللري ترغيب ايله تقويت ايتمك كرك. تاهر فردك اول فرائد فوائدكه كان ذاتنده كاين وكامن در. بارز وظاهر اوله وهر شخصك اول عقائق حقائق كه معدن وجودنده موجود ومتحقق در صادر وزاهر اولا بربهندن أعطى الكل إلى الكل مقتضا سنجه هر ذاتده هر وصفك تحققي حقه مراد اولمش دكل وهر شخص هرشي ايجون حقا مراد اولمش دكل: حق بيك كس جمله را لائق نديد … هر كسي را بهر كاري آفريد وكل ميسر لما خلق له موداسنجه هر كشي … هراشي اسليه مز وسهى سهيل اليشني اشليه مز: زهر كس كار هر كس مي نيابد … عمل را علم ودين را فهم يابد وعلى هذا المنوال إلى آخر المقال.

стр. 2148

كان أبوه قاضي الحنفيَّة بتبريز، وقد رأى المولى جلال الدِّين الدواني وهو صغير، وقد أتى في حياة والده إلى الروم، وكان بين والده وبين المولى الفاضل عبد الرَّحمن بن المؤيد سابقة، فعرضه على السُّلطان بايزيد خان (١)، وأعطاه مدرسة، ثم اختار منصب القضاء، وصار قاضيًا بعده من بلاد الروم، ثم أعطاه السُّلطان سليمان خان مدرسة الوزير مصطفى باشا بكَيُوبْزَه (٢)، وقد كان خلفًا للمولى العلامة أبي السعود، ثم صار بسلطانية مَغْنِيسَا، ثم بإحدى المدارس الثمان، ثم صار قاضيًا بحلب، ثم بدمشق، ثم بقسطنطينة. وكان في هذه الواقعة قاضيًا، فورد الأمر إليهما لأن يستمعا معًا، فاجتمعا امتثالًا لهذا الأمر في جامع السُّلطان محمَّد خان، وكنا مع الخدام وسائر حواشيه نقوم تجاه المجلس، ونضطرب لما ظننا أنّ مرمى غرضهم أن يقع الاختلاف بينهما في الحكم، فيراجع إلى المفتي، فأفتى على طبق المرام، والجامع غاص بالعوام والخواص، إذ قال المولى الأستاذ على رؤوس الملأ والأشهاد: يا مولانا ما رأيك أحسن إلينا، جئت في هذه المسألة بوفاقنا أو بخلافنا، فقال: جئت بوفاق، فترى شيخ الإسلام، قال المولى الأستاذ (٣): نحن على خلافها في هذا المقام، ثم قال السُّلطان: إذا قلد رجلين لاستماع قضية وحكم فيها، فاختلف رأيهما، فقضى أحدهما لا يجوز على الأصح، وقال: قوموا أيها المسلمون، والسَّلام عليكم. وقام وراح إلى داره، وتبعناه فرحين مسرورين مستبشرين، فعرض الواقعة على السُّلطان، فأمر أن يكتبا رأيهما مع الدلائل والأسانيد مع رواياتها ودرايتها، فكتبا

стр. 2149

وأرسلا إلى الآراء العالية، ثم أرسل السُّلطان رسالة كل منهما إلى الآخر، وطلب منهما الجواب والبيان، فكتب المولى الأستاذ أجوبة صحيحة، كل منها موجودة (١) في الكتب المعتبرة من الفتاوى والواقعات مقرونة إلى: وبه يفتى، وعليه الفتوى، وهو المختار، وهو الأصح، وأرسلها إلى الجناب العالي. وكتب الأمير كيسو أيضًا رسالة، وختمها برباعية فارسية، ضمن في آخرها: ع هر عيب كه سلطان ببندر هنر است، فثقل كلامه على السُّلطان، فقد أركب السُّلطان بموكبه إلى الجامع، فاتفق أن يشكي جماعة كثيرة من (٢) مد أيادي القاضيين للعسكرين المذكورين آنفًا، وكان ذلك برخصة الوزير المزبور، فتحدث معه إلى الجامع، وشاور في أمرهما، فحصلت له فرجة (٣)، فعرض مكانهما المولى الفاضل عبد الرَّحمن جلبي القاضي بمدينة أَدْرَنة، والمولى الفاضل جعفر جلبي القاضي بدمشق فعزلهما، وعزل أيضًا الأمير كيسو عن قضاء قسطنطينية، وذلك خلاف مراد الوزير. يروى أنّ السُّلطان سليمان خان قال عقيب الأمر بعزل القاضي المزبور: ع هر عيب السُّلطان ببندد هنر است، فأمر بتفتيشه وتفتيش القاضيين للعسكرين، وعين لتفتيشهم سفهاء زمن المدرسين وسفلتهم، وكان الوزير قصد الازدراء بهما وكسر عرضهما، [تفتش الأول المولى شمس الدِّين المشهور بينهم بالقاف المدرِّس بإحدى المدارس الثمان، وتفتش الثاني المولى الشهير بما وتلوز، فألحقهما السُّلطان الأمير كيسو، وعين لتفتيشه المولى علاء الدِّين، المشهور بعلي المجنون المناوي، فظهرت

стр. 2150

منهم أثناء التفتيش أقوال وأفعال كانت أفكوهة (١) للناظرين، وأعجوبة للسامعين، وقد شاهدنا أكثرها يورث الملال ذكرها] (٢). ثم أمر المولى الأستاذ باستماع هذا الأمر وحكمه وفصله بين المتخاصمين المزبورين (٣) بموجب رأيه وعلمه على حسب الروايات، وموجب الدرايات التي وجدها في الأصل والمباسيط والفتاوى والواقعات وبعد اللَّتَيَّا والَّتي توجَّه الحق إلى جانب حيدر باشا قضى (٤) له، وسوَّد الحجة، وكتب الرق، وأظهر المحجة، وبيَّض وجه الحق. وكان يفتي شيخ الإسلام أبو السعود المفتي على خلافه ويقول: قد أخطأ في هذه المسألة ذاك الشيخ، وكان هو يقول: أحلف بالله أنّ المولى أبا السعود يعرف هذه المسألة كما أعرف، ولكني (٥) أقول: إنه أخطأ فيها في الأول بحكم البشرية، فلم يرجع، ولا أقول: إنه جهل أو مال، فاشمأز الوزير من المولى الأستاذ، وتكدر عليه شيخ الإسلام، فاشتدت عداوتهما. ثم حدثت بينه وبين المولى عبد الرَّحمن القاضي بالعسكر المنصور بروم إيلي منافرة، بسب تحدث الوشاة، ووشاية المشاة، فكان حربًا عليه، فلحق بهما في النقمة إليه، فحدثت بين المولى الأستاذ وبين هؤلاء الأضداد مخاصمة دائمة لا تنقطع، ومعاداة قائمة لا تندفع، وحواشي هؤلاء مع كونهم من زمرة

стр. 2151

العلماء كانوا يجتمعون حولهم ويستمعون قولهم، فيرمونه بالقبائح، (ويشهدون عليه بالفضائح) (١). والحال أنّ اعتقادهم على خلاف مقالتهم، فقالوا بتقبيح ما صنعه، وتفضيح ما جمعه من تحرير الدَّعوى، (وتسطير الحكم) (٢)، وغير ما يتعلق بالتقرير والرَّقم في المحضر والصكِّ، (فاتهموا بالأكِّ والحكِّ) (٣). ثم عرض المولى عبد الرَّحمن المزبور برأي شيخ الإسلام المفتي والوزير المذكور على السُّلطان سليمان خان المغفور تجاوز عنهم وزاد حسناتهم الملك الغفور قال: إنَّ العلماء زاد الله فضائلهم وأبقاهم إلى يوم النشور قالوا: صك المولى الأمير محمَّد مدخول ورأيه معلول وحكمه غير مقبول، ولو صدر الأمر العالي باستئناف ذلك الأمر الماضي لكان أسوة للمجتهدين ونصرة لعلماء الدِّين. فمال إلى كلامه السُّلطان سليمان (غفر له الإله، فنسي ما قدَّمت يداه) (٤)، فإنَّ كلمات المولى المرقوم نفاذة، (وبأدائها نزاكة ولذاذة) (٥)، تميل إليها القلوب ويحكم بسماعها الغضوب، فصدر الأمر على طبق المرام، فورد المرسوم إلى شيخ الإسلام، فكان كيت وكيت.

стр. 2152

فأرسل الوزير المزبور حجة المولى (١) الأستاذ التي (٢) أعطاها للوزير حيدر باشا بيد وكيله إلى كلِّ واحد من الموالي؛ لأن يكتبوا عليها خطًّا على فسادها، وألجأ كلًّا منهم فرادى، والحجة أن يمضي بخطه على تلك الحجة، (فاضطر بعضهم فأمضى) (٣)، وبعضهم قال ما قال، واتَّبع الهوى: وصحت آيه وصحت علامة … أنّه قد دنا قيام القيامة ذهبت عصمة الشيوخ وضاعت … حرمة الفضل واعتبار العمامة فكان النّاس في الإمضاء أصناف، وأكثرهم أخياف، منهم من اعتنف وتعسف، ومنهم من خطف وتزخرف، ومنهم من ساف وتصلف، ومنهم من خاف وتخوف، وما أحسن ما قال شيخ الإسلام المفتي أبو السعود في نظم هذه الأبيات: نفسي عوت وتجرَّدت عن زيها … وغدت تزيد سفاهة في غيِّها ولربما زبر الأنامل أسطرا … من غير أن ترضى بما في طيِّها قد كلَّ ألسنة الورى عن ذكره … فبأيِّها أشكو إليك بأيِّها ثم غادراه، فنقص من وظيفته ثلاثون درهمًا، وقررها على مئة وعشرين درهمًا، فلم يقبل، ولم يأخذ قط، ثم لم يمكث على هذا حتى عزل الوزير رستم باشا عن الوزارة، فندم على ما فعله، فلا ينفع (٤) الندم (إذا زلَّ القدم) (٥):

стр. 2153

بس تجربه كرديم درين دير مكافات … با ال على هر كه در افتاد برا افتاد فمكث الوزير المذكور (١) في عزله ثلاث سنين، واستحل منه، فقبل معذرته، وكان عليه على طيب خاطر، ثم بعدما جلس الوزير المزبور (صدر الوزارة أيضًا) (٢) عرض على السُّلطان، فأعطى وظيفته بلا نقصان، وحوسب من يوم نقص إلى ذلك الزمان (٣)، فبلغ إلى مئة ألف وثمانين ألف درهمًا، وأرسل إليه بالعذر الموفور عن الغدر (٤) المزبور. ثم عاش المولى الأستاذ بعد ذلك معزَّزًا محترمًا إلى أن استأثر الله تعالى بروحه في سنة ثلاث وستين وتسعمئة، ودفن عند دار القرَّاء التي بناها في الموضع المعروف من داخل مدينة قسطنطينية، وله عندها حجرات بناها للملازمين والطلبة الموالي المتقاعدين، وعيَّن كلَّ يوم لكلِّ حجرة منها درهمًا واحدًا، وله عندها دار التعليم، وله دار التعليم أيضًا في ناحية قُومْلَه، وهي موضع معروف يجلب منها (٥) العنب إلى مدينة قسطنطينية، وإلى الله المشتكى من دهر، همة تفريق الأحبة، ودأبه تبديد نظام الأمور. * * *

стр. 2154

قلب الكتيبة الثانية والعشرين [٨٠٥ - الشَّيخ حسين المخدومي] الشَّيخ العارف بالله، والمرشد المتوجه بكليته إلى الله، الشَّيخ المخدومي، الشَّيخ حسين الخُوَارِزْمِي، قدَّس الله سرَّه. كان صاحب كرامات سامية، ومقامات عالية، وكانت له جذبة قوية، (وتصرفات كلية) (١). وكان في عنوان شبابه متلاشيًا، ثم هبَّ له نسيم التوفيق، فدلَّه على سواء الطريق، فرجع عما كان عليه، فمال إلى طريق التَّصوف، (ورغب إليه) (٢)، فوصل إلى خدمة المخدومي الخُوَارِزْمِي (٣) الأعظم، محيي الطريقة، (ومرشد الأمم) (٤)، الشَّيخ الحاج محمَّد بن (٥) صديق الخبوشاني (٦). رأيت للشيخ المَخْدومي الخُوَارِزْمِي رسالة بلسان الفارسية ألَّفها في عنعنات المشايخ التي تنتهي إلى سيد الطائفة الجنيد البغدادي، ثم (٧) وصل إلى علي بن أبي طالب ﵁ قال فيها: در خبر صحيح است كه حضرت أمير المؤمنين ( .. ) وجهه جون آنينه دل ازير تو علم روشن كشت داعيه طلب حق در باطن ( .. ) روزي

стр. 2155

فرمودكه يا رسول الله علمني علمًا يوصلني إلى الرب يعني بياموز ( .. ) كه رساند مرا بحضرت برورد كار رسول الله صلى الهل عليه وسلم خوش وقت ( .. ) فرمودكه بسي وقت بود كه ميخواستم كه اين علم را بتوبيا موزم آماموقوف بان بودم كه اين داعيه از باطن تو ظاهر كردد تا اين علم ببركت توبر اصل تر باشد بعد أذان حضرت رسول ﷺ أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه روى بقبله بنشاند وذكر لا إله إلا الله تعليم فرمودا ين نسبت را ازيشان بهمين دستور أمير المؤمنين حسين، وازيشان إمام زين العابدين، وازيشان إمام محمَّد باقر، وازيشان إمام جعفر صادق، وازيشان إمام موسى الكاظم، وازيشان علي موسى رضا، وازيشان شيخ معروف كرخي، وازيشان شيخ سري سقطي، وازيشان شيخ أبو القاسم الجنيد البغدادي، وازيشان شيخ أبو علي روزباري، وازيشان شيخ أبو علي الكاتب، وازيشان شيخ أبو عُثمان المغربي، وازيشان شيخ أبو القاسم كوكاني، وازيشان شيخ أبو بكر نساج، وازيشان شيخ أحمد غزالي، وازيشان شيخ أبو نجيب سهروردي، وازيشان شيخ عمار ياسر، وازيشان شيخ نجم الدِّين الكُبْرَى، وازيشان شيخ مجد الدِّين بغدادي، وازيشان شيخ رضيالدين علي لالا، وازيشان شيخ أحمد حزقافي، وازيشان شيخ نور الدين عبد الرَّحمن اسفرائني، وازيشان شيخ علاء الدولة السِّمْناني، وازيشان شيخ كمال الدِّين محمود مزدقاني، وازيشان أمير سيد علي همداني، وازيشان شيخ إسحاق ختلاني، وازيشان أمير عبد الله برزش آبادي، وازيشان شيخ رشيد الدِّين اسفرائيني، وازيشان شيخ شاه علي بيدوازي، وازيشان شيخي ومرشدي على التحقيق، وشيخ حاجي محمَّد بن صديق، وازيشان مؤلف اين ( .. ) أعني المفتقر إلى الله الغني الراجي بالرحمة الرحماني حسين الخُوَارِزْمِي غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه، تعليم وتلقين يافته والسَّلام والإكرام، وهذه الرسالة من أولها إلى آخرها.

стр. 2156

سافر الشَّيخ حسين الخُوَارِزْمي لقصد الحج، فقدم مدينة قسطنطينية، ورأيته فيما بعد الخمسين وتسعمئة، وكان شيخًا كبيرًا، وكان يقعد في مِحَفَّة، ويحمل فقراءه المِحَفَّة، ويذهب بها في الطريق. ومات بدمشق راجعًا عن الحج، ودفن بها، وقبره يزار ويتبرك به، ﵀. * * * [٨٠٦ - الشَّيخ عبد اللطيف المخدومي الجامي] الشَّيخ العارف بالله، والمرشد الكامل الدَّاعي إلى الله، معدن العلوم الروحانية منبع الأسرار السبحانية، عبد اللطيف المخدومي الجامي. انتهت إليه رئاسة الشيخية الكبروية بما وراء النَّهر، وانتهى إليه أيضًا إرشاد المريدين وتربية الطالبين في الدَّهر، وكان من صغره إلى كبره على طريقة مرضيَّة، وله حالات قويَّة، وله (١) كرامات جليَّة، وجذبات تامَّة، وتصرفات عامَّة، وكان من نسل شيخ الإسلام قطب الأولياء وغوث الأصفياء، أحمد الجامي النَّامقي. [وفي "النفحات": شيخ الإسلام أحمد النَّامقي الجامي از ( .. ) زندان جرير بن عبد الله البجلي است ﵁ كه در سال وفات رسول الله ﷺ ايمان أورده است بسيار بلند وباجمال بوده است أمير المؤمنين عمر ﵁ ( .. ) اين أمت نام نهاده است حضرت شيخ وأحق جهل ودو فرزند داده استسي ونه بسروسه ذختر بعد أز وفات وي جهارده بسرورسه دختر باقي مانده بوده است واين جهارده بسرهمه عالم وعامل وكامل وصاحب تصنيف وصاحب مراتب وصاحب ولايت ومقتداي وبيشواي خلق بوده اندوي أمي بوده است كه در سن بيست ودوسا

стр. 2157

لكي توفيق توبه يافته وبكوه رفته وبعد از هر ده سال رياضت در جهل سالكي وبرابميان خلق فرستاده اندو ابواب علم لدني بروي كشاده زيادت از يسصد باري كاغذ در علم توحيد ومعرفت وعلم سر وحكمت روش طريقت واسرار حقيقت تصنيف كرده است كه هيج عالم وحكيم بران اعتراض نكرده است واين تصنيفات همه بايات قرآن وأخبار رسول الله ﷺ مقيد ومؤيد است حضرت شيخ قدس سره در كتاب سراج السائرين أورده است ( .. ) بودم كه حق عز شأنه بطلف وكرم خود مراتوبه كرامت كرد وجهل ساله بودم كه مرابيان خلق فرستاد واكنون شصت ودوساله بودم كه اين كتاب را بفرامان جمع ميكنم تا اين غايت صد وهشتاد هزار مردست كه بردست ماتوبه يافته اند وبعد از ان بسيار ساك ديكر زيسته اند شيخ ظهير الدِّين عيسى كه يكي از فرزند آن ايشا نست در كتاب رموز الحقائق أورده است كه تأخر عمر بردست بدرم شيخ الإسلام أحمد قدس الله تعال سره سنصد هزاركس توبه كرده اند وازراه معصيت بطريق طاعت بازامده شيخ أبو سعيد أبو الخير را قدس سره خرقه بودكه درآن طاعت كردي جنين كويند كه آن خرقه از وأبو بكر صديق ﵁ ميراث مانده بوده مشايخ را تا نوبت بشيخ أبو سعيد رسيد ويرانمود ندكه آن خرقه را با حمد تسليم كن فرزند خود أبو طاهر راو صيت كرد كه بعد أز وفات من يجند سال جواني نوخط بلند بالا بجشم ازرق بنام أحمد از در خانقاه تو درآيد وتو درميان ياران نشسته باشي بجاي من زنهار كه آن خرقه بوي تسليم كنى جون كارشيخ باخرسيد شيخ أبو أطاهر را أوردي ان مي بودكه ولايتي كه حضرت شيخ را بودبوي سيارد شيخ جشم باز كرد وكفت ولايتي كه شما طمه مي داريد بديكري سبردند وعلم شيخي ما بردر خراباتي زدند وكاري كه ما رابودبد وتسليم كردند كس نداند كه حال جيست تا آنكه بعد از جند سال از وفات شيخ شبي شيخ أبو طاهر در خواب ديدكه شيخ أبو سعيد

стр. 2158

باجمعي ازياران بتعجيل ميرفت أبو طاهر بر سيد كه يا شيخ جه تعجيل است كفت تونيز بروكه قطب الأولياء ميرسد شيخ أبو طاهر خواست كه برود بيدار شد ديكرر وز شيخ أبو طاهر در خانقاه نشسته بود جواني بآن صفت كه شيخ كفته بوددر امد شيخ أبو طاهر در حال بدانست ويرا اعزاز بسيار كرج اما جنانجه مقتضاي بشريت است انديشه ناك شدركه خرقه بدررا جون از دست دهم آن جوان كفت أي خواجه جرامانت خيانت روابناشد خواجه أبو طاهر را وقت خوش شد برخواست وآن خرقه راكه شيخ أبو سعيد بدست خويش برس ميخي نهاده بودو تا آن روزانجا بودبيا ورد وبسران جوان فرواند اخت وكويند كه آن خرقه را بيست ودوتن از مشايخ بوشيده بودند ودر آخر بشيخ الإسلام أحمد جامي حواله شد بعد از ان هيج كس ندانست كه خرقه كجاشد كفته اند كه شيخ الإسلام أحمد جامي وخواجه أبو علي فارمدي وهرد ومعروف ومشهورنددر عالم خواجه أبو علي رابر خاطرها واقف كردند وباظهارآن مأذون بوددر هر جهار صد سال حون أحمد شخصي بديد آيد كه أثار عنايت ايزد تعالى در باب أو اين باشد كه همه خلق بينند هذا من فضل ربي] (١) وأحواله وكراماته لا يفيها هذا المجلد ولد سنة إحدى وأربعين وأربعمئة، ومات قدس سره سنة ست وثلاثين وخمسمئة. وكان الشَّيخ المخدومي (عبد اللطيف الجامي من أولاد أحفاده، أخذ الذِّكر والتَّلقين من الشَّيخ المخدومي) (٢) الأعظم شيخ حاجي محمَّد الخبوشاني، ولكن كان أويسي المشرب، اقتبس الأنوار القدسية، وأخذ التربية من روحانية الشَّيخ العلامة شيخ الإسلام أحمد الجامي.

стр. 2159

يحكى أنَّه كان كثيرًا ما يذكر في مجلسه، ويراجع إليه، ويستمد من روحه في أكثر مهامه، وعنعنة المخدومي الأعظم ذكرت قبيل هذا، وكان شيخ ذكره وتلقينه وخرقته (١) رجلًا واحدًا وهو المخدومي الأعظم، وقد يكون شيخ الخرقة غير شيخ الذِّكر، وسيعاد إن شاء الله تعالى في ذكر خليفته شيخنا وملاذنا المرحوم الشَّيخ محمَّد، الفركندي أصلًا، والسَّمَرْقندي منتسبًا. قدم الشَّيخ عبد اللطيف المخدومي الجامي المذكور مدينة قسطنطينية في جوار الستين وتسعمئة مريدًا الحج، فمال إلى صحبته كاسر الأكاسرة، وقهرمان القروم سلطان العرب والعجم والروم، السُّلطان سليمان خان المغفور المرحوم، وتلقَّن عنه الذِّكر وأدب الطريقة، ووصل ببركة صحبته إلى المطالب العليَّة من علم الحقيقة، فحصلت بينهما علاقة شديدة، ومحبَّة أكيدة، واختلى بإشارته، ونال ما نال في خلوته، ورجع (٢) بعد الحجِّ إلى بلاده، ثم مرة أخرى قدم الروم، ثم رجع فاستشهد قدس الله تعالى روحه في الطريق بيد الكفرة الفجرة. وكان صاحب كرامات عيانية ومعنوية، وله شهرة تامة في ديارنا وفيما وراء النهر، وكان كثير الموارد، وكان سمحًا سخيًّا، يوزع ما ورد عليه من الهدايا والعطايا على الفقراء والمريدين، ولا يختار شيئًا منها، ظهرت بركات أنفاسه على خلق كثير من العصاة فتابوا إلى الله، (ووصل بسببه خلق كثير إلى الله ) (٣). وكان كلماته مؤثرة، لو استمع له الصخر لانفلق، والكافر الجحود لآمن وصدق، يصدع القلب القاسي خطابه، ويجمع العظام النَّخرة عتابه، يشتِّت شمل الشياطين ما يقول، ويفتِّت الأكباد ما يجمعه من الحق المقبول.

стр. 2160

[٨٠٧ - الشَّيخ رمضان (١)] الشَّيخ العارف بالله، والمرشد الدَّاعي إلى الله، ناهج مناهج الحقيقة، وسالك مسالك الشَّريعة، الشَّيخ رمضان. كان من أصحاب الكشوف والكرامات، وكان صاحب تصرفات قوية، يشاهد فيه حالات عجيبة، وله مقامات عالية، ومقالات غريبة. بلغ هذه الرتبة بتربية الشَّيخ العارف بالله قاسم جلبي، وتلقَّن الذِّكر عنه، وحصَّل عنده طريقة التصوُّف، ثم جلس مكانه بعد وفاته في زاوية الوزير علي باشا بمدينة قسطنطينية. وكان زاهدًا مرتاضًا، وله معرفة تامَّة بتعبير المنامات. ثم كان منقطعًا عن النَّاس مشتغلًا بنفسه، وانتفع به الكثيرون، ومن أعزِّ مريديه، وأفضل خلفائه، المولى العالم العامل، جامع الفضائل، ومنبع الفواضل، الشَّيخ الفاضل، والمرشد الكامل، صفوة العلماء، وأسوة العرفاء، أستاذنا الشَّيخ بالي جلبي، الشهير بسَرْخُوشْ، جلس بعد شيخه في مقامه مدة مديدة. وكان الشَّيخ قاسم جلبي يجلس في الزاوية المزبورة، فمات في أواخر دولة السُّلطان سليم خان، ومات خليفته في سنة خمسين وتسعمئة. * * *

стр. 2161

[٨٠٨ - الشَّيخ بالي الصُّوفْيَوِي (١)] الشَّيخ العارف الرَّباني، والمرشد الكامل الصَّمداني، جامع علمي الحقيقة والشَّريعة، وعارف فنون التَّصوُّف، وشارح أصول الطريقة، ذو العلم النَّافع، والعمل الرَّافع، الشَّيخ بالي الصُّوفْيَوِي. أخذ الذِّكر والتَّلقين عن الشَّيخ قاسم جلبي المذكور آنفًا، ولبس التَّاج من يده، وبلغ عنده رتبة الكمال، واختلى عنده خلوات كثيرة، فظهرت منه الحالات العجيبة، وكان له كرامات عيانية ومعنوية، وكان شهده كثير من فقرائه، وله شمول كلي على مسائل العلوم، وكان ماهرًا في الباطن والظاهر، جمع بين الشَّريعة والحقيقة، وشرح أحسن الشروح أصول الطريقة. له "شرح الفصوص"، وهو أحسن شروحه، حلَّ فيه شبهات أهل الظاهر، وله رسالة فيها مؤاخذات لطيفة على المولى الفاضل شيخ محمَّد بن (٢) جوي، وهذا الفاضل كثير الطَّعن للشيخ الأكبر في أقواله، سيَّما في "فصوصه"، والشَّيخ الرَّباني بالي الصُّوفْيَوِي وجَّه بأحسن الجواب، وأتى بالشَّيء العجاب وفصل الخطاب، وقد ذكرنا بعضًا منها في ذكر الشَّيخ محيي الدِّين العربي في قلب الكتيبة الثانية عشر. وله رسالة في السلوك وأطوار المقامات، وسمَّاها بـ "أصول الفقر"، وهي رسالة لطيفة. وكان قدس سرُّه مرشدًا كاملًا، (جلس جمعٌ كثيرٌ بإرشاده مقام الإرشاد، واقتبس

стр. 2162

من أنوار معرفته جمٌّ غفير، فنالوا أقصى المراد، منهم) (١) الشَّيخ العارف بالله الشهير بنور الدِّين زاده جلس بعده مقامه، وكان (٢) الشَّيخ محمود الشهير بميرزا من أصحابه (٣) المقتبسين من (أنوار معرفته) (٤)، قد وصل إلى خدمته واستأنس (بمشاهدة غرته) (٥)، وتلقن عنه الذِّكْر، واختلى عنده خلوات، فعنده شاهد الوقوف على أطوار القلب، وأفنى الصفات (وسر الإنساني بإشراق نور الإطلاق باستهلاك الموجودات) (٦)، واستعد لتتابع التَّجلِّيات الواردات بأنواع الأفعال والصفات، وأفنى الوجود البشري مع بقاء الوجود الظِّلِّي السَّرمدي بظهور كمالات الذَّات الواحدية، بالانسلاخ عن الهياكل النَّاسوتية والتَّوصل إلى السبحات اللاهوتية. انتقل الشَّيخ المزبور ﵀، فبقي بعد هذا حائرًا بائرًا بين التَّقلبات، من حور إلى طور، فأعوذ بالله من الحور بعد الكور، ثم وقف زمانًا فيه واختلى مع خلفائه ومريديه، ولما لم يجد منهم من يسليه سافر واجلولى لأن ينال أمنيته الأعلى بحصول المرشد الكامل ووصول الشَّيخ المكمل، فسار في البلاد، فبلغ ببلدة لَارَنْدَه أقصى المراد بوصول خدمة الشَّيخ العارف عمر الشهير بمولا جلبي، فأخذ التصوف وأدب الطريقة عنه، ولبس التَّاج، (ولابس بُرَدَ التَّقوى والفقر) (٧)، وقام بخدمته بالشوق والابتهاج، واختلى عنده خلوات، واشتغل بالمجاهدات

стр. 2163

والرياضات، فأحرز الكمالات الإنسانية المستودعة في ذاته، وتجلَّى الأحدية الإنسانية بنوعي مقام خلافته. ثم إنّ الشَّيخ أجازه بالإرشاد، وأرسله إلى بلدة سِينُوبْ، فأطاعه وانقاد، وكان متمكِّنًا فيها مشتغلًا بدعوة الخلق إلى عبادة رب (العالمين، وإرشاد الطالبين إلى المطلوب بالتذكير والأوراد) (١)، وبالمواعظ التي كشفت قسوة القلوب الشداد. وكان من هداة الدِّين وأئمة المؤمنين، عمَّت بركاته على المريدين والمتواردين، فطوبى ثم طوبى لعبد موحِّد، عن سنن الإلحاد حاد، (ومستعد لأخراه، جده في السعي جد، وكده في طلب الزَّاد زاد) (٢)، ومرحبًا بمن كحَّل بسهاده جفونًا هي من خشية الله على الدَّوام دوامي، ونفد من دعواته أسهمًا أصيب بها من درك المرام مرامي. وكان شيخه الشَّيخ مولا جلبي صاحب جذبة قوية، وله كرامات عيانية ومعنوية، واليوم قائم مقام أبيه بلَارَنْدَة المذكورة، بزاوية المسماة بِقَرَه بَاشْلِي، سمعت من الشَّيخ ميرزا قال: إنّ شيخي ومرشدي الشَّيخ مولا جلبي، كان عارفًا بأطوار السلوك ومنازله ومقاماته، وكثيرًا ما يشاهد أصحابه كراماته، وكانت صحبته مؤثرة في الغاية، تصدع القلوب القاسية حكمه وكلماته، وقد وصل إلى الفناء المطلق رجال ببركة صحبته. أخذ الذِّكر وآداب الطريقة ولبس الخرقة عن أبيه الشَّيخ العارف بالله نور الله بن الشَّيخ نور الدِّين الكَرْدَري، مات هو في جوار الخمسين وتسعمئة، وجلس مقامه في هذا اليوم ابنه الأرشد الشَّيخ المزبور مولا جلبي، رزقه الله درجات الأقطاب، (وأقر

стр. 2164

بسلامة ذاته عيون الأصحاب) (١). وأبوه أخذ عن أبيه نور الدِّين الكَرْدَري، وهو أخذ عن الشَّيخ العارف بالله علاء الدِّين الخَلْوَتي، أخو دده عمر الروشني. وتزوج الشيخ (٢) نور الدِّين بنت علاء الدِّين المزبور، فحين مات الشَّيخ علاء الدِّين قدس سره بِلارنده ودفن في زاويته، وهي اليوم مشتهرة بزاوية قره باشلي، لما أنّ الشَّيخ علاء الدِّين كان يتعمَّم بالشملة السوداء، فجلس ختنه وخليفته الشَّيخ نور الدِّين جد شيخي مولا جلبي مقامه، واشتغل بتربية الطالبين وإرشاد المريدين. وكان الشَّيخ نور الدِّين تلقَّن أولًا عن الشَّيخ أحمد البَرْدَعي، وكان هو خليفة الشَّيخ علاء الدِّين المزبور، واختلى عنده خلوات، وبقي مدة في حضرته، ثم وصل إلى خدمة الشَّيخ علاء الدِّين، وبلغ عنده رتبة الكمال، وأجازه بالإرشاد، والشَّيخ أحمد البرْدَعي والد المولى العالم العامل سعد الدِّين سعدي جلبي الآقْشَهْرِي، معلم السُّلطان (محمَّد بن السُّلطان) (٣) سليمان خان الغازي، وكان بعد وفاة السُّلطان محمَّد مدرِّسًا بإحدى المدارس الثَّمان، ثم صار مدرسًا ومفتيًا بآماسْيَه، ثم بمدرسة السُّلطان مراد خان ببروسا، وتوفي وهو مدرِّس بها سنة تسع وخمسين وتسعمئة. وكان عالمًا عاملًا كاملًا (٤)، صاحب (٥) عفَّة وصلاح وديانة، وكان عابدًا متشرعًا (متورعًا ورعًا) (٦).

стр. 2165

روي أنَّه كان من العلماء الذين جمعوا بين علمي الشَّريعة والحقيقة، وكان له حظ وافر من طريقة الصوفية، أخذ العلوم عن علماء عصره، ثم رحل إلى خدمة المولى محيي الدِّين الفَنَاري، ثم إلى خدمة المولى خير الدِّين المعلِّم للسلطان سليمان خان، ثم صار مدرِّسًا بمدرسة دِيَمه تُوقَه، ثم بمدرسة الوزير إبراهيم باشا بقسطنطينية، ثم بمدرسة فِلِبَه، ثم صار معلِّمًا للسلطان محمَّد كما ذكر آنفًا. * * * [٨٠٩ - الشَّيخ أبو بكر الكَفَوي] الشَّيخ العارف الرَّباني، والمرشد الكامل الصَّمداني، قدوة السَّالكين، بقيَّة السَّلف الصَّالحين، مربِّي المريدين، تقي الدِّين (١)، الشَّيخ أبو بكر بن الحاج خير الدِّين الكَفَوي (٢). تنتهي طريقته إلى قطب الأقطاب، وأنجب الأنجاب، سلطان الأولياء، وسكردان الأصفياء، محيي السُّنَّة والدِّين أبي محمَّد عبد القادر الكيلاني. تلقَّن الذِّكر وأخذ الطَّريقة عن الشَّيخ العارف بالله السيِّد الشَّريف أبو الوفاء القادري السيِّد محمد بن السيِّد قاسم، وهو أخذ عن والده وشيخه ومربيه السيِّد قاسم بن السيِّد أبي زكريا يحيى، وهو عن والده وشيخه ومربيه السيِّد أبي زكريا يحيى بن الشَّيخ السيِّد الشَّريف أبي عبد الله الحسين، وهو عن جده وشيخه السيِّد الشَّريف أبي عبد الله (٣) الحسين بن علاء الدِّين علي بن محمد، وهو عن أبيه وشيخه السيِّد علي بن محمد بن يحيى، (وهو عن أبيه ومربيه وشيخه السيِّد شمس الدِّين أبي عبد الله محمَّد

стр. 2166

ابن يحيى) (١) بن أحمد، وأبو عبد الله محمَّد أخذ عن أبيه ومربيه وشيخه السيِّد أبي زكريا يحيى بن أحمد بن صالح، وهو أخذ عن السيِّد الشَّريف الشَّيخ أبي السُّعود أحمد بن صالح بن نصر، وهو عن السيِّد الشَّريف عماد الدِّين صالح بن نصر بن عبد الرَّزاق، والسيِّد صالح عن نصر بن عبد الرَّزاق، والسيِّد نصر بن تاج المِلَّة والدِّين عبد الرَّزاق من يد أبيه ومرشده الشَّيخ الصَّالح الزَّاهد أبي بكر عبد الرَّزاق بن الغوث الأكبر محيي المِلَّة والدِّين حجَّة الله على الخلق أجمعين، السيِّد عبد القادر. وأبو بكر عبد الرزاق عن أبيه ومرشده ومرشد العالم والإنسان الكامل من بين بني آدم عبد القادر الكيلاني ﵏ أجمعين، والسيِّد عبد القادر أخذ عن قاضي القضاة أبي سعيد المبارك بن علي المخزومي نسبة إلى محلة يزيد بن المخزم ببغداد، وقد ذكر تفصيله في صحيفة ذكر عبد القادر الكيلاني في الكتيبة العاشرة. وكان الشَّيخ أبو بكر الكَفَوي قُدِّس سرُّه قدوة السَّالكين وغوث الطَّالبين، وكان أسوة مشايخ زمانه، وصفوة أولياء أوانه، وله جذبة قويَّة، وتصرُّفات جليَّة، وكرامات عالية، ومقامات سامية، وكان صاحب كرامات عيانية ومعنوية، وله إشراف على الخواطر، ومناقبه كثيرة لا يفيها هذا المجلد. وبالجملة هو سيِّد وقته، وسرُّ الله بين خلقه، صار (٢) قطب الوجود، والبركة العامة لكل موجود، قلَّ أن ترى العيون مثله في الإرشاد والجذبة والتصوُّف، وهو دليل الطريقة، وبُنْدار الحقيقة، ومعدن العلوم الروحانية، وينبوع الأسرار السبحانية، وقد شاهدنا بعضًا من كراماته. وكان قُدَّسَ سرُّه في أوَّل أمره تاجرًا يضرب في الأرض، ويبتغي من فضل ربه،

стр. 2167

فهبَّ له نسيم التَّوفيق، ودلَّه على سواء الطَّريق، وترك بضاعته وجميع ما ملكه في سفره ببلدة أدْرَنة، وساح في البلاد بالعجم والعرب ومصر والشام وبغداد، وسار أقطار الأرض وأقاصيها، ووصل إلى خدمة المشايخ، وحلَّ محالَّ القَبول عندهم، وأخذ عنهم العلم الرَّباني، واشتغل في الطريقة بالرياضيات القويَّة والأعمال الشَّاقة، واجتهد غاية الاجتهاد، فوصل إلى خدمة أبي الوفاء المذكور آنفًا، واختلى عنده خلوات. سمعت أنّه كان لا يأكل في خلوة الأربعين (إلا قرصين أو قرصًا واحدًا، وباقي الأقراص تبقى على ما كان في الخلوة، ويأخذه الخادم بعد الأربعين) (١). وسمعت عنه يحكي عن زمان سلوكه قال: وقع لي أنس مع السِّباع في نواحي بغداد، وكانوا يبيتون عندي في البوادي، ويترددون معي إلى قريب بغداد، ويتوقَّفون إلى رجوعي، ثم يجيئون معي إلى موضع (٢) أبيت فيه (٣). غاب ﵀ في الترك والتجريد والسياحة تسع سنين، ولم يُسمع خبره، ثم بعد تسع سنين جاء إلى بلدة كَفَه مُرشدًا كاملًا وشيخًا مكمَّلًا، فظهرت منه كرامات عيانية، فشاهدناها وشاهدها أهالي البلدة (٤) ذكيها، وغبيها، فكان قدومه بركة عامة، وصحبته سعادة تامة. ومن كراماته أنّه كان متأهلًا، وله أهل وعيال في بلدة كَفَه، وكان بينه وبين أبي رحمهما الله تعالى محبَّة أكيدة (وألفة شديدة) (٥)، وكنت بمنزلة ابنه عنده وكان داره في جوار دارنا ببلدة كَفَه، وكان يسافر ويتَّجر كلَّ سنة.

стр. 2168

فقدم (١) رفقاؤه يومًا إلى بلدة كَفَه، ولم يقدم هو معهم، فسئل عن حاله قالوا: لم نطلع على أحواله غير هذا، جاءنا يومًا وقال: قد وقع لي مهم ببلدة كَلِيبُولي، أذهب إليها وأرجع (٢) بأسبوع (٣) إن شاء الله تعالى، وقال: احفظوا بضاعتي هذه، فذهب وترك جميع ما كان في يده في حجرته، ثم لمَّا لم يرجع في الزَّمان المعهود حفظناها، وهاتيك (٤) بضاعته وجميع ما تركه، ثم قالوا: والظن الغالب عندنا أنّه قتل في الطريق؛ لأنا سمعنا في هذا الأوان أنَّ قطَّاع الطَّريق قتلوا جماعة في ذلك الطَّريق، ولولا أنّه فيهم ولو كان حيًّا لجاء إلى هذا الزَّمان. فأيس النَّاس من حياته، فمضى عليه خمس سنين، ثم نقل عن رجل مجهول أنَّه سمع من رجل مجهول يقول: رأيت أبا بكر الكَفَوي بمصر بزي الملامتيين، فأرسل أبواه (٥) بسبب هذا النَّقل أخاه لأن يتفقده في الأمصار، وسار أخوه في البلاد والقرى والأقطار، وساح مقدار سنتين، فطلبه (٦) في أرض مصر والحجاز وبغداد ومدينة دمشق والأراضي المقدسة وسائر القرى والبلاد، ولم يسمع خبرًا قط (بعد ذهابه من أَدْرَنة) (٧)، ولم يحصِّل وقوفًا على حياته أو مماته. فرجع بعد سنتين، فتقرَّر عند النّاس أنّه أصيب بطريق كَلِيبُولِي، فتوقفت زوجته في دار زوجها مدَّة مديدة تزيد على تسع سنين، فاستثقلها أبواه في نفقتها ونفقة ابنها

стр. 2169

وكسوتهما، فاضطرت، فوجد شاهدان على الموت، وخطبها رجل، فذهبت المرأة إلى دار (١) أخيها، وبعد غد صنع ذلك الرَّجل طعامًا، ودعا ناسًا ليجتمعوا للوليمة ويحضروها إلى منزله، إذ بدت (٢) سفينة في البحر، وجرت بمخالفة الرِّيح من قبالة بلدة كَفَه، ولم تستقر تجاهها، فاستوت على برصاري كول، وهو موضع في مقابلة بلدة كَفَه بعيد منها بستة أميال، (ويراه منها) (٣)، فجاء رجل منها قبيل المغرب، فسألوه عن السفينة المزبورة وعن من فيها، فقال: إنَّ فيها شيخ عامل (٤)، ومرشد كامل (٥)، وليٌّ من أولياء الله تعالى، يقال له: الشَّيخ أبو بكر الكَفَوي، وقال: أقبلوه يجيء الآن، فاستقبلوه، فإذا هو أبو بكر بن الحاج خير الدِّين. وهذا أوَّل كراماته، فإنَّ الله تعالى صان عرضه عن الشين ودرنه وحفظ زوجته من ملامسة الغير، وشفقته بأن رجعه إلى مسكنه وسكنه، وينزعه إلى مألوف وطنه. وبعد ذلك اشتغل بإرشاد الطالبين وتربية المريدين وتكميل الناقصين، فعظمت رغباته إلى المتواردين، وعمَّت بركاته على المريدين، إلى أن ظهرت آثار ولايته، وكثرت أخبار كرامته، ورغب الخلق إلى زيارته، فازدحموا على عتباته، ولازم أهل البلدة وأكابرها بخدمته، ووفدت الولاة والعمال على صحبته، ومال خاقان التَّاتار وسلاطينهم إلى طريقته. ولما كثر الطالبون والمريدون وزاحم المحبون والمسترشدون رغب العزلة،

стр. 2170

فخرج من البلد، وسكن بعيد البلد المذكور بفرسخ، في جوار كنيسة فتحت أرضها عنوة، وتركت على حالها لبعدها عن العمران، يعرف ذلك الموضع بكِلِسَا بُورْنِي، وهو وراء جبل يشرف على البلدة المذكورة، فجعل حاكم البلدة وأميرها هذه الكنيسة مسجدًا، وعمَّرها ناظر العمال وأمين الخاصة، وبنى حولها حجرات ودورًا لسكنى الشَّيخ وأصحابه، وعيَّن له وظيفة لمعاشهم. ورغب النَّاس إلى تعمير هذا الموضع، حتى إنَّ وجوه البلدة جرُّوا الأحجار فيه بظهورهم مع مدرِّس البلدة ومفتيها، ولكن كان طائفة من الوعاظ والأئمَّة والطلبة في طرف الإنكار والعناد، وهي قاعدة قديمة في حق أولياء الله، وكان الفقير في هذا الزَّمان من عداد الطلبة، ومعهم شريك في إنكارهم، فجرت بينهم قصة طويلة، وشهدوا آثار ولايته، فرجعوا وتابوا وأقرُّوا بولايته وكرامته. وقد شاهدت فيه حالات عجيبة، وكرامات غريبة، فنعوذ بالله من إنكار أولياء الله، ولقد صدقنا أنَّ في عباد الله رجالًا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ثم سافرت معه بسفينة إلى قسطنطينية، وهو أول مسافرتي، وكنت في هذا الأوان في عنوان الشباب، فركبنا البحر، وكانت تجري الرِّياح على ما نشتهي، فجرت سفينتنا بريح طيبة إلى جانب برِّ قسطنطينية أربعة أيام. ثم اضطرب البحر بريح عاصف، وتلاطمت الأمواج من كلِّ مكان، حتى يئس أهل السَّفينة وخافوا، وألقوا أكثر ما في السفينة إلى البحر، فبينا أنا في هذا الاضطراب - وكان الشَّيخ أبو بكر قُدِّس سرُّه يقعد عند الفقير في السَّفينة - إذ علا على السفينة موج عظيم، فلمَّا رأيته اشتدَّ خوفي، فنظر إليَّ الشيخ، وقال: لا تخف، قد ينجينا الله ونغدو في زاوية الحاج بابا، وهي في موضع مشرف على قصبة أركل، وتأكل اللَّبين والتِّين وقت الضُّحى إن شاء الله تعالى.

стр. 2171

وقياس الملاحين عبور السفينة عنها بمئتين ميلًا، ولهذا كانوا يمنعون السفينة عن جريها مخافة أن تخرج عن فوهة بحيرة القسطنطينية، فابتدأ الشَّيخ بعد هذا الكلام بقراءة سورة الكهف، وكان حسن القراءة مليح الصوت، فأنسنا وانعدم ضجرنا (١)، وتلاطمت الأمواج أكثر من ذلك، ثم نجَّانا الله تعالى ببركة دعواته إلى البرِّ بساحل أركل بعد صبح ليلتنا هذه، فخرجنا عن السفينة، ثم ذهب الشَّيخ إلى زيارة الحاج بابا، فتبعناه فصعدنا على تلَّة فيها الزاوية المذكورة، فزرنا وجلسنا، وكنا نقرأ وندعو إذ خرجت امرأة من بيت في جوار الزَّاوية المذكورة، وكلتا يديها مملوءتان، فوضعتها أمامنا، فنظرنا فإذا هي قصعتان؛ إحداهما مملوءة (٢) باللَّبن، والأخرى بالتِّين، فنظر الشَّيخ أبو بكر متبسمًا إلينا، وقال: كلوا بسم الله، فأكلنا، والحمد لله رب العالمين، وهذه في سنة تسع وأربعين وتسعمئة. وشاهدنا فيه كرامات يطول ذكرها، ولكن في سنة إحدى وستين وتسعمئة شاهدت كرامة أذكرها الآن حتى يبقى ذكره على صفحات الزَّمان (٣)، (حيَّاك الله تعالى وبيَّاك) (٤)، فإيَّاك وإيَّاك [أن يكفر محيَّاك إذا قرعت سمعك مناقب الأولياء، وصكَّت أذانك حكايات الرِّجال والنُّجباء، وحذار حذار أن تتلقاها بالإنكار، لعلك تشيم من شاطئ الواد الأيمن وبيض برق الأسرار، أو تجد على النَّار هدى أبين من الشَّمس وسط النَّهار، فتقتبس جذوة نار العلوم الرَّباني، وتستضيء بنور اليقين الصَّمداني] (٥):

стр. 2172

انقدح فيمن شرَّف الله قدره … وما زالَ مخصوصًا به طيب الثَّنا رجالٌ لهم سرٌّ مع الله صادق … ولا أنت من ذاك القَبيل ولا أنا [قال المولى حسين بن معين الدِّين المبيدي (١) في أثناء الفاتحة الأولى من "فواتح شرح ديوان علي بن أبي طالب ﵁": زنهار هزار زنهار كه از انكار أولياء احترازكن وباعتقاددر فيض بروى دل باز كن شيخ محي الدِّين قدس سره در باب هفتاد وسيم از فتوحات كويد شيخ أبو يزيد بأبو موسى ديبلي كفت أي أبو موسى جوبياني كسي راكه إيمان بسخن أرباب طريقت داشته باشد التماس كن كه براي تودعا كند براي آنكه دعا أوبي شبهة مستجابست، رباعي: تاجند طريق جاه وحشمت طلبيم … بوخير كه مفتاح سعادت طلبيم تا باطن ماز فيض معمور شود … از باطن فقرأ هل همت طلبيم رباعي: أيينه ذات حق جود رويشانند … از هر جهتي قبله ما ايشانند فكرم نرسد بكرد ايشان هركز … زانرو كه بسي بزرك عاليشانند جئنا إلى ذكر الكرامة الموعودة بذكرها] (٢): قال الفقير: كنت في التاريخ المزبور متمكِّنًا ببلدة كَفَه، وكان السُّلطان سليمان خان الغازي على سفر بمدينة حلب، فرزقنيها الله تعالى تدريس المدرسة الكُوْرَانية بقسطنطينية، فتوجَّهت إلى قسطنطينية، وقبل ركوبي الفلك عزمت على زيارة الشَّيخ

стр. 2173

أبي بكر ومعي أبي وأخي وبعض أحبَّائي (١)، فركبنا أفراسًا وقت الضحوة، فنزلنا فيها قبيل الزَّوال، فإذا أنواع الأطعمة حاضرة، فتعجبنا وقلنا: ما الداعي بإحضار هذه الأطعمة في هذا الوقت على خلاف المعتاد، قالوا: إنّ الشَّيخ خرج إلينا بعد الإشراق، فأمر بإحضار الطعام وعيَّن هذه الأطعمة، وقال: يجيء الأضياف، فاستقبلوهم وأكرموهم، فجلسنا وأكلنا والحمد لله رب العالمين. ولكن حدث في خاطري التشويش لعدم حضوره معنا في الطَّعام، وكنت أفكر في هذا إذ جاء ابن الشَّيخ، وقال: إنَّ أبي يقرئك السلام، ويدعوك إلى خلوته وحيدًا ليوصيك على بعض الأمور، فقلت: سمعًا وطاعة، وقمت وتبعت ابن الشَّيخ حتى جئنا إلى باب، فوقف ابن الشَّيخ، فأشار إليَّ أن أدخل، فدخلت من باب إلى سهوة، فرأيت الشَّيخ أبا بكر يقعد في ناحيتها متوجِّهًا إلى القِبْلة، فتقدَّمت إليه، وسلَّمت عليه، فالتفت إليَّ ورد السَّلام عليَّ، لكن لم يقم من مكانه، فأشار قبالته مكانًا، فجلست فيه. وكان عادته أنه (٢) كلَّما زرته كان يقوم من مكانه ويستقبلني ويقدِّمني في مجلسه، ثم سكن وسكتُّ، وكأنه كان مراقبًا، ولم يتكلم، فتوقفت أمامه قدر ساعة، ثم إني لمَّا رأيته لا يكلِّمني قمْتُ لأودعه، فنظر إليَّ وقال: اقعد نصطحب ساعة، فقعدت مكاني، فسكت أيضًا ولم يتكلَّم ساعة، ثم بعد ذلك التفت إليَّ، وقال: ما معنى قول الله تعالى: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]؟ فقلت: أنتم بالتَّحقيق أعلم مني، ولكن المعنى الظاهري أنّ باطن الباب أو السور يلي الجنة التي هي محل الرَّحمة، وظاهر الباب أو السور يلي النَّار التي هي محل العذاب. قال: نعم، قال: أرباب الظاهر كذلك، ثم شرع في التَّحقيق، فبثَّ المعارف

стр. 2174

وكلمات القوم التي لم أسمعها مدَّة عمري، فتحققت أنَّه عارف بالله ولي من أولياء الله، يستفيض المعاني من المبدأ الفياض بلا واسطة، فإنّه حفظ القرآن في زمان طفوليته فقط، ثم لم يقرأ من (كتب قط) (١)، وكان تاجرًا، فوفِّق لهذه الطريقة كما ذكرته آنفًا. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. ثم قال: نلْتَ (٢) منصب التَّدريس سمعْتُ كذا، بارك الله لك فيه، ووفَّقك بالعمل، ولك أيضًا مناصب مهيَّأة من التدريس والقضاء، وفَّقك الله فيها، تنال إن شاء الله ولا تشوش خاطرك في طلبها وملازمتها، فإنَّ الرزق معك، ولكن أوصيك بتقوى الله تعالى في السرِّ والعلانية، وباهتمام طريقك وهذه الطريقة، فإنَّ طريقة مشايخنا أحسن الطريقة، فإنَّهم (٣) السَّالكون لطريق الشَّرع، وكانوا في جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم موافقين للشَّريعة، تابعين لأهل السنَّة والجماعة، (وفي باطنهم) (٤) مقتبسين من مشكاة النبوة. وإيَّاك والإنكار في طريقة أول شريطتها (٥) تطهير القلوب عمَّا سوى الله، وتحريمها استغراق القلوب بذكر الله، وآخرها الفناء بالكليَّة في الله ، وقد أمر الله تعالى برسوله وقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].

стр. 2175

ثم قال: وأوصيك أن لا تتبع الهوى، وكن ملازم التُّقى، فإنَّ لك حصة من هذه الطريقة، وهي وديعة إلهية لا تودع إلا عند من له أمانة وتقى، وسترى هذه الوديعة في يدك واصلًا إليك بعد مدَّة من يد إخواننا إن شاء الله تعالى، فأمَّا منِّي فقد قرب الرَّحيل، وهذا آخر مجلسنا، فإني أستودعك الله في دينك ودنياك وخواتيم أعمالك، فكن على ثقة بالله، ولا تضطرب في السفينة، وستدخل قسطنطينية إن شاء الله يوم الخميس، بعد خمسة أيام بالخير والسلامة، قال: وحيث اتَّجهتم ساعدتكم سلامة … ويرعاكم الرَّحمن من كلِّ جانب ثم أوصاني بوصايا نافعة، كلٌّ منها كلمات جامعة، ثم ودَّعته وانصرفت من مجلسه الشريف، وذلك يوم السَّبت، فركبت في السَّفينة ليلة يوم الأحد، فخرجت بكرة هذه الليلة، فنزلت ضحوة يوم الخميس بقسطنطينية، ثم بعد سنة ارتحل المرحوم ودفن بموضع أمام مسجده بعيد من المسجد بثلاثمئة خطوة بالتقريب، قدَّس الله سرَّه العزيز، وقبره هناك مشهور يزار ويتبرَّك به، (ويستجاب عنده الدَّعوات، وينزل به البركات) (١). وجلس مكانه ابنه الأمجد الأرشد، العارف بالله بير محمَّد بن الشَّيخ أبي بكر، وهو سرُّ أبيه، وهو (٢) الآن مشتغل بتربية المريدين، وتسليك الطالبين، في الزاوية المزبورة. وكان شيخنا الشَّيخ محمد - السَّمَرْقندي منتسبًا، والفركندي أصلًا - أخذ التَّلقين وأدب الطريقة عن الشَّيخ أبي بكر، واختلى عنده خلوات، وبلغ عنده رتبة عالية،
следующие страницы →