١٦ - إشماويل ﵇ - (١)
ثم بعده إشْمَاوِيل، قال ابن قتيبة: إشْمَاوِيل بن هَلفا، اسم أمِّه حنَّة (٢)، وهي من بني إسرائيل، ولم يكن بينه وبين يُوْشَع بن نُوْن بن أفراييم (٣) بن يوسُف بن يعقوب نبيٌّ، وهو الذي ذكرَه الله في القرآن حين قال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ [البقرة: ٢٤٧].
عدَّ وَهْبُ بن مُنبِّه أن طالوت من سِبْط بِنْيامين بن يعقوب، وكان مسكينًا راعي حَمير، وخرج من حميره يطلب حمارين له، فنزل إشماويل، فأعلمَهم أنه ملِكُهم، وأنه من سِبْط بِنْيامين، فقالوا له: قد علمْتَ أنه لم يكن في هذا السِّبْط ملِك، ولا فيه نبوَّة، فقال لهم إشماويل: أفأنتم أعلم بذلك أم الله، ألم تعلموا أن الله حين بعثه إليكم قد عرف نسبَه، ثم استخلفَ الله تعالى بعد إشماويل داودَ النبيَّ ﵇.
* * *
١٧ - داود النبي ﵇ - (٤)
стр. 72
١٨ - سليمان النبي ﵇ - (١)
داودُ النبيُّ ﵇ ابن إيشا (٢)، وكان سابع سبعة إخوة، أصغرهم هو، وكان يرعى على أبيه، وكان تزوَّج بنت طَالوت على أن قتل داود جالوت: ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٥١]، ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦].
وابتدأ داود ﵇ ببناء بيت المقدس، ومات قبل تمامه، وبعدَه ورَّث الله الملك ابنَه سُليمانَ النَّبي ﵇، وكان عمر داود مئة سنة، وكان أربعين سنة خليفةً، ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾ [النمل: ١٦].
ولم يزلْ (٣) الملك بعد سُليْمان في ولده وأولادهم (٤) إلى الأعرج من ولَد ولدِه، وكان عَرِجَ مِنْ عِرْق النِّسا، فطمعَتْ الملوك في بيت المقدس لِزَمانتِه وضعفه، وأنه لم يكن نبيًّا، فسار إليه ملك الجزيرة، يُقال له: لنْقَز (٥)، وكان يعبد الزُّهَرَة، وكان بُخْتُ
стр. 73
نَصَّرَ كاتبه يومئذ، فنَذَر على نفسه (١) لئن ظفر ببيت المقدس ليذبحن ولَده للزُّهَرَة، فأرسل الله تعالى إليه ريحًا فأهلَكَ جيشه، فأفلتَ هو وكاتبه حتى وردا (٢) الحضر مينيَّة، وهي دار ملكه فقتله ابنه، فغضب له بُخْتُ نَصَّرَ فاغترَّه حتى قتلَه وملَك بعده، وكان ذلك أوَّلُ ملك بُخْتَ نَصَّرَ.
وعن وَهْبٍ قال: ملِك الأرضَ مؤمنان وكافران؛ فأما المؤمنان فسُليمان بن داود وذو القَرْنين ﵉، وأما الكافران فنَمْرُود، وبُخْتَ نَصَّر، وسيَمْلكها من هذه الأمة خامس، ثم غلب بُخْتَ نَصَّر على الكلِّ، فقتلَ ملِك بني إسرائيل، وأذلّهم، وفعل ما فعل بهم، فكان ما كان في بني إسرائيل.
ثم بعث الله شُعيبًا النَّبيَّ ﵇ وهو الذي بشَّر بعيسى ﵇ والنَّبيَّ ﷺ ، ثم قتلهم بنو إسرائيل، ثم أحدثوا بعد ذلك أحداثًا (٣)، ونبذوا كتاب الله، فسلّط الله عليهم عدوهم، ونزع منهم الملك والنبوَّة، فليسوا في أمم من الأمم إلَّا وعليهم ذِلَّة وصَغَار إلى يوم القيامة، ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١].
* * *
стр. 74
١٩ - المسيحُ عيسى النبيُّ ﵇ - (١)
٢٠ - إلياسُ النبيُّ ﵇ - (٢)
٢١ - يونُس بن متَّى ﵇ - (٣)
٢٢ - زكريا النبيُّ ﵇ - (٤)
٢٣ - يحيى النبيُّ ﵇ - (٥)
ثم أرسلَ الله تعالى المسيحَ عيسى النبيَّ ﵇، وأنزل عليه
стр. 75
الإنجيل، وذلك بعد إرسال إلياس النبيِّ ﵇ إلى أهل بَعْلَبَكَّ، وبِعثة (١) أليسع النبيّ ﵇، كان تلميذَ إلياس، فدعا له، فنبَّأه الله ، وبِعْثة يونُس بن متَّى ﵇ إلى أهل نينوى، وزكريا النبيِّ ﵇، وهو أبو يحيى النَّبيِّ ﵇، ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٦، ٤٧].
* * *
٢٤ - محمَّد رسول الله ﷺ -
ثم بعثَ الله تعالى بعد ستِّمئة وعشرين سنةً نبيَّنا ورسولَنا، أفضل الكائنات، وأشرف المخلوقات، محمَّدًا رسول الله عليه أفضل الصَّلوات، وأكمل التحيَّات من الله خالقِ المخلوقات، عليه أنزل الكتاب والبيِّنات، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: ٢٨، ٢٩]؛ ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة المائدة: ٤٨].
стр. 76
وعن ابن عباس ﵄ قال: أوَّل المرسلين آدم، وآخرهم محمَّد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين (١).
وكانت الأنبياء (٢) مئة ألف وأربعة وعشرين ألفَ نبيٍّ، الرُّسل منهم ثلاثمئة وخمسة عشر نبيًا، خمسة عبرانيُّون، وهم: آدم وشِيْث وإدريس ونُوح وإبراهيم، وخمسة من العرب: هُود وصَالح وشُعَيب وإسماعيل ومحمَّد ﷺ ، وأوَّل أنبياء بني إسرائيل مُوسَى، وآخرهم عِيْسى.
والكُتب التي أُنزلت على الأنبياء مئة وأربعة، منها على شِيْث خمسون صحيفة، وعلى إدْرِيس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشرون صحيفة، وعلى موسى التَّوراة، وعلى داود الزَّبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمَّد ﷺ الفرقان.
وفي تاريخ "الكامل" الَّذي ألَّفه ابن الأثير: عاشَ آدم ألف سنة. وأمَّا في التَّوراة أنَّه ألف سنة إلا سبعين (٣) سنة، لعلَّ التَّوراة لم يعدُّوا من سنِّه ما وهبه لداود ﵇.
وكان بين موتِ آدم والطُّوفان ألفا سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين الطُّوفان وبين موت نوح ثلاثمئة وخمسون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألفا (٤) سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين إبراهيم وموسى سبعمئة عام، وبين موسى وداود خمسمئة عام، وبين داود وعيسى ألف ومئتا عام، وبين عيسى ومحمَّد صلوات الله عليه وسائر الأنبياء والمرسلين ستمئة وعشرون سنة.
стр. 77
وكان بين نوحٍ وآدم عشرة آباء، وبين إبراهيم ونوح عشرة آباء، قال (عِكْرِمة: كان) (١) بين آدم ونُوح عشرة قرون، كلُّهم على الإسلام. وقرأْتُ في الإنجيل أنَّ عدد القبائل من إبراهيم إلى داود أربعة عشر قرنًا، ومن داود إلى جَالِية بابل أربعة عشر قرنًا، وبين جَالِية بابل إلى المسيح أربعة عشر قرنًا، نقله ابن قُتيبة في "المعارف".
قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: ٢١٣]؛ متَّفِقين على الحقِّ فيما بين آدم وإدْرِيس. وعن عطاء والحسن: كان النَّاس بعد وفاة آدم إلى مبعث نوح أُمَّة واحدة على ملَّة واحدة، كانوا كُفارًا مثال (٢) البهائم في فترة إدريس، فبعث الله نوحًا وإبراهيم وغيرهما (٣)، فاختلفوا: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ٢١٣].
عن كعب: الذي علمته من عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألفًا، والمرسل منهم ثلاثمئة وثلاثة عشر، والمذكور في القرآن ثمانية وعشرون (٤) (باسم العَلم) (٥): ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦]، ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥؛ هود، ١١/ ٥٠]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣؛ هود: ٦١]، ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ
стр. 78
عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٦]، ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٨]، ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٨]، ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠].
ذكر أبو اللَّيث في "بستانه": اختلفوا في ذي القَرْنَين ولُقْمان، قال عِكْرِمة: كانَا نبيَّين، وأكثر أهل العلم (١) قالوا: إنَّ لُقْمان كان حكيمًا ولم يكن نبيًّا، وذا القَرْنَين ملِكًا صالحًا ولم يكن نبيًّا (٢).
وقد فضَّل اللهُ تعالى نبيَّنا محمدًا ﷺ بأن أعطاه مثلَ ما أعطى كلَّ (واحد من النبيِّين) (٣) والمرسلِين صلوات الله عليهم، وأكملَ الشَّرائع به، وختمَ به، وجعله خاتم النبيِّين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]؛ فيقولوا: لولا أرسلْتَ إلينا رسولًا فينبِّهنا ويعلِّمنا ما لم نعلم.
стр. 79
وفيه دلالة على أن بعثة الأنبياء على النَّاس ضرورةٌ لقصور الكلِّ عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثر عن إدراك كليَّاتها.
﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا﴾ [النساء: ١٦٥] غالبًا على أمره لا يُغلَب فيما يريده، ﴿حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥] فيما دبَّر من أمر النبوَّة. وخصَّ كلَّ نبيٍّ بنوع من الوحي والإعجاز، ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٦٦].
[لما وقع الجواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسولَ الله ﷺ أن ينزل عليهم كتابًا من السماء، والاحتجاج عليهم بأنه ليس بدعًا من الرُّسل، وإنما شأنه في حقيقة الإرسال وأصل الوحي كشأن سائر مشاهير الأنبياء الَّذين لا ريبَ لأحدٍ في نبوَّتهم.
وتعدُّد الرُّسل والكتب واختلافها في كيفية النُّزول، وتغايرها في بعض الشرائع والأحكام إنما هو لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال الَّتي عليها يدور ذلك التَّكليف، ولاقتضاء (١) أحوالهم المتخالفة، واستعداداتهم المتغايرة من الشرائع والأحكام، حَسْبَما تقتضيه الحكمة التَّكوينية وتستدعيه الحكمة التَّشريعية، فسؤال تنزيل الكتاب جُمْلة اقتراحٌ فاسدٌ، كأنهم تعنَّتوا بما سبق من السؤال، وقالوا: ما نشهد لك بهذا فنزل: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] من القرآن المعجِز الدَّال على نُبوَّتك، أنزله متلبِّسًا بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نَظْم يعجَز عنه كلُّ بليغ، أو بحال من يستعدَّ للنبوَّة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، ويشهد الملائكة بنبوَّتك أيضًا.
стр. 80
إذا تقرَّر هذا وتمهَّد ظهر أنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ كلُّهم كانوا يقرُّون الحنيفيَّة، وأنَّ الفِطْرة هي الحنيفيَّة، وأنَّ الطَّهارة فيها، وأنَّ الشَّهادة بالتَّوحيد مقصورة عليها، وأنَّ النَّجاة والخلاصَ متعلِّقة بها، وأنَّ الشَّرائع والأحكام مَشارع ومناهج إليها، وأنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ مبعوثةٌ بتقريرها وتقديرها، وأنَّ الفاتحة والخاتمة، والمبدأ والكمال، مَنُوطةٌ بتحلِّيها (١) وتحريرها، ذلك الدِّين القيِّم، والصِّراط المستقيم، والمنهج الواضح، والمسلك اللائح، وبالخصوص صاحب شريعتنا ﷺ كان في تقريرِها قد بلغ النِّهاية القُصْوى، وأصاب المرمى] (٢)، قال الله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [سورة الروم: ٣٠].
قال الشَّيخ الإمام يحيى بن علي الزَّنْدَوْيَسْتِيُّ في الباب الثاني والتسعين من "روضته": إنّ الأمَّة اجتمعَتْ على أنَّ الأنبياء ﵈ أفضل الخليقة، ونبيُّنا محمَّد ﷺ أفضلهم، واتفقوا أن أفضل الخلق بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: جِبْرائيل، وإسْرافِيل ومِيكائِيل، وعِزْرائيل، وحمَلَة العرش، والكَرُوبِيُّون، والرُّوحانيُّون، ورِضْوان، ومالِك، صلوات الله عليهم أجمعين، وأنَّ الصَّحابة والتَّابعين، والشُّهداء والصَّالحين أفضلُ من سائر الملائكة.
قال أبو حنيفة ﵀: سائر النَّاس من المسلمين أفضلُ من سائر الملائكة، قال أبو يوسف ومحمَّد - رحمهما الله -: سائر الملائكة أفضل، له قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤]، أخبر الله
стр. 81
تعالى أنَّ الملائكة زوَّار أهل الجنَّة من المسلمين والمسلمات، والمَزُور أفضلُ من الزوَّار، فلذلك قال أبو حنيفة: إنَّهم أفضل من سائر الملائكة.
وقال أبو منصور البغدادي في "كتاب التواريخ": قد اختلفوا في التَّفضيل بين الملائكة وبين الأنبياء والمؤمنين؛ قال جمهور أصحابنا بتفضيل كلِّ واحد من الأنبياء على الملائكة، وأجازوا بأن يكون في المؤمنين مَنْ هو أفضلُ مِنَ الملائكة، ولم يشيروا إلى واحد منهم بهذا الحكم فيه (١) بعينه، ولم يقلْ أحدٌ من أهل الحديث بتفضيل الملائكة على الأنبياء إلَّا الحُسَيْن بن الفَضْل البَجَلِي.
واختلف المعتزلةُ في ذلك؛ فمذهب جمهورهم أنَّ الملائكة أفضلُ من الأنبياء (٢) على التَّفصيل، وهؤلاء يلزمُهم تفضيل زبانية النَّار (٣) على الأنبياء وأتباعهم، وزعم آخرون منهم أنَّ الملائكة الذين ليس لهم معصية أفضل من الأنبياء، فأمَّا من عصى منهم بأدنى معصية، كهاروت وماروت فإنَّ الأنبياء أفضل منهم، وهذا قول (٤) الأصم منهم. وزعمت الإمامية أنّ الأئمة أفضل من الملائكة. وزعمت الغلاة منهم أنّ فيهم من هو أفضل من الملائكة، ويعنون أنفسهم.
وقد روى أصحابُنا عن ابن عباس وأعلام الصَّحابة تفضيلَ قوم من المؤمنين على الملائكة، ولا اعتبار بخلاف المعتزلة، [قال جار الله العلَّامة الزَّمَخْشَرِي في "الكشَّاف" في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ﴾
стр. 82
[الأعراف: ٢٠]: فيه دليل على أن الملائكة بالمنظر الأعلى، وأنَّ البشريَّة تلمح مرتبتها، كَلَا، ولَا. أي: لمحًا كَلَا لمحٍ، أو نظرًا كَلَا نظرٍ.
قال صاحب "الكشَّاف": إذا أرادوا تقليل مدَّة فعل، أو ظهور شيء خفي، قالوا: كان فعله كَلَا، وربَّما كَّرروا فقالوا: كَلَا ولَا.
ولَعَمري أنَّ الاستدلالَ بقول الملعون (١) غيرُ ناهض، كيف ومَنْ له أدنى مُسْكَة، يستقلُّ بدراية فساد مُدَّعاه، فلو سُلِّم أنَّ البشر جاز أن يصير ملكًا، إلا أنَّ تسبب الأكل لذلك - وهم معصومون عنه - غيرُ معقول، وكذلك التَّسبب في نفسه، فإِنَّ آدم ﵇ كان من أعرف النَّاس بالله تعالى وبصفاته، وأنّه فاعل مختار. كيف وقد رتَّب الله إليه بالإقسام على النُّصح، لا على تصديق آدم ﵇.
ومن العجبِ أنَّ البَيْضاويَّ مع كونه من أشراف (٢) أهل السنَّة والجماعة فسَّر قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبأ: ٣٧، ٣٨] على قاعدة أهل الاعتزال، وقال فيها: فإنَّ هؤلاء الذين أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلَّموا بما يكون صوابًا، كالشَّفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم؟
والمعنى: أنَّ ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾: تفصيل بالأول؛ أي: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾، فلا يتكلَّمون بالشفاعة إلا من أذن له الرَّحمن منهم بالشفاعة. كذا فسَّره النَّسَفِي في "التَّيسير".
والتَّوجيهُ بأنَّ المراد بالأفضليَّة أكثريَّة المناسبة مع الله في قلَّة الوسائط، بدلالة
стр. 83
عطف أقربهم، كما هو بحسب العادة، فإنَّ الأقربين من الملوك من خدمهم يكون تبسُّطهم أكثر (١) من البعداء عنهم، وإن كانت وظائف البعداء أكثر، وعوائدهم أوفر = توجيهٌ بعيدٌ.
ونبيُّنا ﷺ مخصوصٌ بالشَّفاعة العُظمى في الموقف يوم الجزاء الأوفى، وأصل الشفاعة ثابتٌ بالنصِّ والإجماع، وليست حقيقةً لطلب المنافع، بل لإسقاط المضارِّ، وتفصيل ردِّ تمسُّكات المعتزلة موضعُه في المطولات، وعليك بـ "المواقف" فإنها كفاية لك.
وفي "جواهر الفتاوى" تصنيف الصَّدر السَّعيد أبي المفاخر، محمَّد بن عبد الرَّشِيد الكَرْماني في الباب السادس من كتاب أصول الفقه: قالوا: الحقُّ عند الله واحدٌ، فإذا كان الحقُّ واحدًا يكون الباقي باطلًا، أم لا؟ قال فخر الدِّين محمَّد بن محمود في باب أصول الدين: كلُّ ما يكون على خلاف مذهب أهل السنَّة والجماعة فهو كُفْرٌ وضلال، أما في باب الشَّرائع فأئمَّة المسلمين في طلب الاجتهاد كانوا مُصيبين، أما الحق يكون عند الله واحدًا، لكنَّ العباد مأمورون بالنَّظر في الدَّليل مع أن الحقَّ عند الله واحد.
قيل له: إذا كان عند الله واحدًا، وأبو حنيفة يقول في مسألة بالحِلِّ، والشَّافعي بالحرمة، كيف يكون؟ قال: الحقُّ واحد، والاجتهاد فيه مسوغ، فإنَّ الاجتهاد طلبُ الحقِّ في الدَّلائل المحتملة بالنَّظر والاستدلال، وفي باب أصول الدين: الدلائل قطعية فلا شبهة فيه، فالحقُّ فيه عند الله وعندنا واحد، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
أما قولنا: كلُّ مجتهد مُصيب في باب الشَّرائع، كما قال أبو حنيفة بالحِلِّ والشَّافعي
стр. 84
بالحرمة، أو على العكس، فالاجتهاد طلبُ الحقِّ، وهما كانا في طلب الحقِّ.
وفي "جواهر الفتاوى" قبيل (١) هذا: رجل أخذ مذهب أبي حنيفة، واعتقد أنّ ما قاله الحق، والحق عند الله واحد، فكيف يعتقد فيما قاله الآخرون أنَّه لغوٌ وباطل أو خطأ؟ وهل يجوز أنْ يقاتلَه كما يقاتل الملاحدة والكفرة؟
قال: اعلم أنَّ الثابت بالرأي والاجتهاد ليس كالثابت بالكتاب والسنَّة فيوجب العلم والعمل، وما يثبت بالاجتهاد يثبت بدليلٍ لا يخلو عن شبهة، ولهذا يوجب العمل دون العلم، وما كان ثابتًا بهذا الطَّريق لا تجوز المقاتلة فيه؛ إذ كل فريق في اجتهاده متمسِّك بأنَّ الشَّرع غير خارج عن أمره ولا رادَّ له، وقد اجتمعت الأمَّة أنَّه إنما يُقتَل من أنكر التَّنزيل، ولا تجوز المقاتلة مع من يقول بتأويل التَّنزيل، وإذا لم تجزِ المقاتلة لم يكفر صاحب المقالة الأخرى، لكن يعتقد أنَّ ما قاله صاحبُ مذهبه هو الحق في الاجتهاد، وإنما قاله الخصم بقوله عن اجتهاد وخطأ لم يكفر بذلك؛ لأنَّه طالبٌ للحقِّ، باجتهاده، إلَّا أنه أخطأ في اجتهاده، ولهذا إذا أخطأ مجتهد في مسألة ثمَّ أدَّى اجتهادُه إلى خلاف ما رآه أوَّلًا كان عليه أن يرجع إلى هذا القول الثاني.
قال محمَّد الشَّهْرَسْتاني (٢): الأصولُ معرفةُ الباري بوحدانيته وصفاته، ومعرفةُ الرُّسل بآياتهم وبيِّناتهم، وبالجملة كلُّ مسألة يتعيَّن الحقُّ فيها بين المتحاجِّين (٣) فهي من الأصول، ومن المعلوم أنَّ الدِّين إذا كان منقسمًا إلى معرفة وطاعة، فالمعرفة أصل، والطَّاعة فرع، فمن تكلَّم في المعرفة والتَّوحيد كان أصوليًّا،
стр. 85
ومن تكلَّم في الطَّاعة والشَّريعة كان فروعيًّا. فالأصولُ هو موضوع علم الكلام، والفروعُ موضوع علم الفقه.
وقال بعض العقلاء (١): كلُّ ما هو معقول ويوصل إليه بالنَّظر والاستدلال فهو من الأصول، وكلُّ ما هو مظنون ويتوصَّل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع.
وفي "الملل والنِّحل" لمحمَّد الشَّهْرَسْتاني: الخارجون عن الملَّة الإسلاميَّة والشَّريعة الحنيفيَّة ممَّن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام قد انقسموا إلى من له كتاب محقَّق مثل: التَّوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم في التَّنزيل: يا أهل الكتاب، وإلى من له شِبه كتاب، مثل: المجوس والمانوية، فإن الصُّحف الَّتي أُنزلت على إبراهيم ﵇ قد رُفِعَت إلى السَّماء لأحداث أحدثها المجوس، ولهذا يجوز عَقْدُ العهد، وأخذ الجزية منهم نحو اليهود والنصارى؛ إذ هم من أهل الكتاب، ولكن لا تجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم؛ فإن الكتاب قد رفع عنهم.
ثم قال فيه: الفريقان المتقابلان قبل المبعث هم أهل الكتاب، وإلا يقول: والأمِّيُّ من لا يعرف الكتاب، فكانت اليهود والنصارى بالمدينة، والأمِّيُّون بمكَّة، وأهل الكتاب كانوا ينصرون دين الأسباط، ويذهبون مذهب بني إسرائيل، والأمِّيُّون كانوا ينصرون دين القبائل، ويذهبون مذهب بني إسماعيل.
ولما انشعبَ النُّور الوارد من آدم ﵇ إلى إبراهيم ﵇، ثم أيضًا ذريته على شِعْبين؛ شِعْب في بني إسرائيل، وشِعْب في بني إسماعيل، وكان النُّور المنحدر منه إلى بني إسرائيل ظاهرًا، والنُّور المنحدر إلى بني إسماعيل مخفيًّا، كان يستدل على النُّور الظاهر بظهور الأشخاص وإظهار النُّبوة في شخص، ويستدلُّ
стр. 86
على النُّور المخفي بإبانة المناسك والعلامات، وستر الحال في الأشخاص.
وقِبْلة الفِرْقة الأولى بيت المقدس، وقِبْلة الفِرْقة الثَّانية بيت الله الحرام، وشريعة الأولى ظواهر الأحكام، وشريعة الثَّانية رعاية المشاعر، وخصماء الفريق الأول الكافرون، مثل فرعون، وهامان، وخصماء الفريق الثاني المشركون من عَبدة الأوثان.
وهاتان الأمَّتان - أعني اليهود والنَّصارى - من كبار أمم (١) أهل الكتاب، والأمَّة اليهوديَّة أكبر (٢)؛ لأنَّ الشَّريعة كانت لموسى ﵇، وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين في ذلك مكلَّفين بالتزام أحكام التَّوراة.
والإنجيل النَّازل على المسيح ﵇ لم يبيِّن أحكامًا، ولا استنبط (٣) حلالًا ولا (٤) حرامًا، ولكنها رموز وأمثال ومواعظ ومَزَاجر، وما سواها من الشرائع والأحكام فمُحالة على التَّوراة كما سنبيِّن. فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى ﵇، وادّعَوا أنه كان مأمورًا بمتابعة موسى وموافقة التَّوراة، فغيَّروا وعَدوا عليه تلك التغييرات منها تغيير السَّبت إلى الأحد، ومنها تغيير أكل الخنزير فكان حرامًا في التوراة، ومنها الختان والغُسل وغير ذلك.
والمسلمون قد بيَّنوا أنّ الأمَّتَيْن قد بدَّلوا وحرَّفوا، وإلا فعيسى ﵇ كان مُقرِّرًا لما جاء به موسى ﵇، وكلاهما مبشران بمَقدَم نبيِّنا نبيّ الرحمة ﷺ ، قد أمرهم أئمتُهم وأنبياؤُهم وكتابهم بذلك، وإنما بنى أسلافهم الحصون والقِلاع بقرب المدينة لنصرة رسول آخر الزَّمان، وأمروهم بمهاجرة أوطانهم من الشَّام إلى
стр. 87
تلك البقاع، حتى إذا ظهر وأعلن بفَارَان - يعني: جبال مكة - وهاجر إلى دار هجرته يثرب نصروه وعاونوه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩، ٩٠].
وإنما الخلاف بين اليهود والنصارى ما كان (١) يرتفع إلا بحكمة إذ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: ١١٣]. وكان النبيّ ﷺ يقول: ﴿لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨].
وما كان يمكن إقامتها إلا بإقامة القرآن وتحكيم نبيِّ الرَّحمة ورسول آخر الزَّمان، فلمَّا أبَوا ذلك ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]
قال الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٥] مما يحتاجون إليه من أمر الدين، إشارة إلى تمام القسم العمليِّ ﴿وَتَفْصِيلًا﴾ إشارة إلى تمام القسم العلميِّ.
واليهود تدّعي أنّ الشَّريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى ﵇ وتمَّت، ولم يكن قبله شريعة إلا حدود عقليَّة، وأحكام مصلحيَّة، ولم يجوِّزوا النَّسخ أصلًا، قالوا: ولا يكون بعدَه شريعة أخرى.
ومن العجب أنَّ في التَّوراة أنّ الأسباط من بني إسرائيل كانوا يراجعون إلى
стр. 88
القبائل من بني إسماعيل، ويعلمون أنّ في ذلك الشعب عِلمًا لَدُنِّيا لم تشتمل التَّوراة عليه، وورد في التواريخ أنّ أولاد إسماعيل ﵇ كان يسمُّونهم: آل الله، وأهل الله، وأولاد إسرائيل: آل يعقوب آل موسى، آل هارون، وذلك كثير عظيم.
(وقد ورد في) (١) التَّوراة أنّ الله تعالى جاء من طُوْرِ سَيْناء، وظهر بسَاعير، وعلن بفَاران. وساعير: جبال بيت المقدس الَّذي كان مظهر عيسى، وفَاران: جبال مكَّة التي كانت مظهرَ المصطفى ﷺ .
ولما كانت الأسرار الإلهيَّة، والأنوار الربانيَّة في الوحي، والتنزيل، والمناجاة، والتأويل على ثلاث مراتب: مبدأ، ووسط، وكمال، والمجيء أشبه بالمبدأ، والظُّهور بالوسط، والإعلان بالكمال، عبَّر التوراة عن طلوع صبح الشَّريعة والتَّنزيل بالمجيئ على طُور سَيْناء، وعنْ طلوع الشَّمس بالظُّهور على سَاعير، و [عن] البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران. وفي هذه الكلمة إثبات نبوَّة المسيح ﵇ وصاحب شريعتنا المصطفى ﷺ .
وقد قال المسيح في الإنجيل: ما جئت لأُبْطل التَّوراة، بل جئْتُ لأكملها. قال صاحب التَّوراة: إن النَّفس بالنَّفس، والعينَ بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسِّن بالسِّن، والجروح قصاص. ويقول: إذا لطمك أخوك على خدِّك الأيمن فضع له خدَّك الأيسر.
والشَّريعة الأخيرة وردَتْ بالأمْرَين: أمَّا القِصاص ففي قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ
стр. 89
الْقِصَاصُ﴾ [سورة البقرة: ١٧٨]، وأمَّا العفو ففي قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧].
ففي التَّوراة أحكام السِّياسة العامَّة الظَّاهرة، وفي الإنجيل أحكام السِّياسة الباطنة، وفي القرآن أحكام السِّياسَتين جميعًا؛ ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] إشارةٌ إلى تحقيق السِّياسة الظاهرة، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] إشارةٌ إلى تحقيق السِّياسة الباطنة.
والنَّسخ في الحقيقة ليس بإبطالٍ، بل هو تكميلٌ، وأحكام الكتب السَّالفة وشرائعها باقية بالكليَّة، وحقَّة ثابتة إلى ورود كتاب آخر ناسخ له، وإنَّ ما لم يُنسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب المصون عن النَّسخ إلى يوم القيامة، وهذه مسألة شرائع من قبلنا ثابتة ما لم تُنسخ.
واعلم أنَّ القرآن هو المنزَّل على صاحب شريعتنا رسولِ الله ﷺ ، المكتوبِ في المصاحف، المنقولِ عنه نقلًا متواترًا بلا شبهة، وهو النَّظم والمعنى جميعًا في قول عامَّة العلماء، وهو الصَّحيح من قول أبي حنيفة عندنا، إلَّا أنَّه لم يجعل النَّظم ركنًا لازمًا في حقِّ جواز الصَّلاة خاصَّة على ما يُعرف في موضعه، أي في المبسوط. هذا ما ذكره فخر الإسلام البَزْدَوي في "أصوله".
وفي شرحه "كشف الأسرار": قوله (خاصة): تأكيد الصلاة، حتى لا يجوز الكتابة (١) بالفارسية، ولا يجوز الإصرار على القراءة بالفارسيَّة، حتى لو فعل ذلك يُلام ويُعزَّر.
стр. 90
قال المولى عليُّ بن محمَّد (الشَّاهرُودي) (١) الشَّهير بالمولى مُصَنَّفَك في حاشيته "ديباجة الكشَّاف": إنَّ القرآن عند أبي حنيفة ﵀ هو النَّظم والمعنى جميعًا، إلَّا أنَّ النَّظم ركنٌ يحتمل السُّقوط دون المعاني، كالإقرار باللِّسان، والتَّصديق بالجنان، بل الصَّحيح من مذهبه على ما تقرَّر في موضعه أنَّ الكلام فيما جرى على لسانه من غير تعمُّد، أمَّا من تعمَّد فهو مجنون، أو زنديق، والمجنون يُدَاوى، والزِّنديق يُقتَل، وكيف لا، ولو كان كذلك لزم أن يكون كل كلام (٢) في بيان معاني القرآن كالأشعار والأبيات والتركيَّات والهنديَّات وغيرها قرآنًا، وهذا الأمر لا يقبله شرع ولا عقل، صرَّح بذلك الإمام أبو بكر محمَّد بن الفضل، وهو من أكابر الحنفيَّة) (٣).
وفي "الفتاوى الظَّهِيْرِيَّة" في فصل قراءة القرآن في الصلاة: قال القاضي الإمام البَرْدَعي: إنما جوَّز أبو حنيفة ﵀ القراءةَ بالفارسيَّة لا بغيرها من الألسنة لقرب الفارسيَّة من العربيَّة، على ما جاء في الحديث: "لسان أهل الجنَّة العربيَّة والفارسيَّة" (٤).
стр. 91
ولقد سبق زمام الكلام في بيداء هذا المقام، بعد تحرير البرهان وتهذيب العنوان، إلى تهذيب باب السُّلطان، وما نُجري إن شاء الله به عنان القلم، في موقف هذا الجناب المعظَّم (١) إلَّا إلى ما يطلق له الشرع، ويجيزه علماء الفرع، والله تعالى موفِّقٌ للصَّواب، ومعينٌ على اكتساب الجزيل من الثَّواب.
* * *
سلطان كتائب أعلام الأخيار
لا خفاءَ على من مارس شيئًا من العلم أو خُصَّ بأدنى لمحةٍ من الفهم (٢) أنَّ تعظيم اللهِ تعالى قدرَ نبيِّنا ﷺ ، وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب مما لا تضبطه الأفهام، وتفويهه من عظيم قدره مما تكلِّ عنه الألسنة والأقلام، منها ما صرَّح به تعالى في كتابه، ونبَّه على جليل نصابه، وأثنى به عليه من أخلاقه وآدابه، وألطف به في خطابه في محلِّ عتابه، وخاطب لجميع الأنبياء ﵈ بأسمائهم، وبه بغير أسمائه، وأقسم به بعيشه وحياته وبقائه، وصلى عليه وأمر العباد (٣) على التزامه (٤)، ورمز عليه بالإيماء (٥) والكنايات الدَّالة على تعظيمه وإكرامه.
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، ﴿اللَّهُ
стр. 92
نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ [النور: ٣٥]، وعن كعب وابن جبير، المراد بالنور الثاني هنا: محمَّد ﷺ (١).
﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥]، ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ [التوبة: ٧٣]، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢]، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [سورة البلد: ١ - ٢].
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]. قال القاضي عياض في "الشِّفا" قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: ١]، اختلف المفسرون في ﴿وَالنَّجْمِ﴾ بأقاويل معروفة، منها: النَّجم على ظاهره، ومنها: القرآن، وعن جعفر: أنَّه محمَّد ﷺ ، وقال: هو قلب محمَّد (٢).
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق: ١ - ٣]: إن النَّجم هنا محمَّد ﷺ ، حكاه السُّلمي.
تضمَّنت هذه الآيات] (٣) (إلى قوله) (٤) تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] [من فضل الرَّسول وشرفه ﷺ ما يقف دونه العدُّ والإحصاء، وأقسم جلَّ اسمُه على هداية المصطفى ﷺ وتنزيهه عن الهوى، وصِدْقه فيما تلا، وأنه وحيٌ
стр. 93
يوحى، أوصله إليه عن الله جبريل، وهو الشَّديد القوى، ثم أخبر تعالى عن فضيلته بقصَّة الإسراء، وانتهائه إلى سِدْرة المنتهى، وتصديق بصره فيما رأى، وأنّه رأى من آيات ربه الكبرى.
وقد نبَّه على مثل هذا في أول سورة الإسراء، ولما كان ما كاشفه (١) ﷺ من ذلك الجبروت، وشاهده من عجائب الملكوت، لا تحيط به العبارات، ولا يستقلُّ بحمل سماع أدناه العقولُ رمز تعالى بالإيماء، والكناية الدَّالة على التَّعظيم فقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، وهذا النوع من الكلام يسميه أهل النَّقد والبلاغة بالوحي والإشارة، وهو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز.
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] (٢) انحسرَتِ الأفهام عن تفصيل (٣) ما أوحى، وتاهَتِ الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى، ومنها أبرزه الله تعالى للعَيان (٤) من خلقه، على أتمِّ وجوه الكمال والجلال، وتخصيصه بالمحاسن الجميلة، والأخلاق الحميدة، (والمذاهب السَّديدة، والفضائل العديدة) (٥)، وتأييده بالمعجزات الباهرة، (والبراهين الواضحة) (٦)، والكرامات البيِّنة الَّتي شاهدَها من عاصره، ورآها من أدركه، وعلمها علم يقين من جاء بعده، حتى انتهى علمُ حقيقة ذلك إلينا، وفاضت أنواره (٧) علينا، ﷺ تسليمًا كثيرًا.
стр. 94
وبالجملة إنَّ نبيَّنا محمَّدًا ﷺ أفضلُ الخلق، بعثه الله تعالى رحمةً للعالمين، وأمَّته خير الأمم، وأصحابه أفضل النَّاس بعد الأنبياء (١) وفي ذلك (٢):
لم يخلقِ الرَّحمن مثلَ محمَّد … أبدًا وعلمي أنَّه لمْ يخلُق
بلَّغ ما أنزل إليه، وجاهد في الله حقَّ جهاده، وقام بأمر الدِّين، وأقام الحدود، وشرع بيان الحكم، وعلم الشَّرع، (وعيَّن وأحكم) (٣)، وقضى وحكم، ونصَّ (٤) وألزم) (٥).
ثمَّ إِنَّ الرَّسول ﷺ أمَّر الأمراء والولاة، واستعمل العمَّال، ووجَّه القضاة، فمِنْ جُمْلة من أمَّره على السَّرايا واستعمله عمُّ الرَّسول ﷺ حمزة بن عبد المطَّلب، وهو أوَّل ولاة الرَّسول ﷺ ، أمَّره بعد نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، على سريَّة، وأرسله على قافلة الشَّام.
ثمَّ عُبَيْدة بن الحارِث أمَّره الرَّسول ﷺ على سَريَّة بعد حمزة ﵄ على هذه القافلة، حين سمعَ أنَّ أبا جهلٍ كان رئيس هذه القافلة، ثمَّ سعد بن أبي وقَّاص، ثم عبد الله بن جَحْش أرسلَه إلى بطن النَّخل (٦)، ثم غيرهم من المهاجرين والأنصار.
стр. 95
ومن جُملة ما كان استعملَه واستخلَفه سعدُ بن عبادة ﵁، استخلفه ﷺ في غزوة أبواء على المدينة، (ومحمَّد بن مسلَمة استخلفه النَّبي ﷺ في غزوة الكُدْر (١) على المدينة) (٢)، وعتَّاب بن أُسَيد ﵁ استعمله حين خرج رسول الله ﷺ إلى حُنَين على مكَّة، ولم يزل عليها حتى قُبض النَّبيُّ ﷺ ، ثم أبقاه أبو بكر ولم يزل إلى أن مات، ومات هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنهما في وقت واحد.
ومن جملَة ما ولَّاه النبي ﷺ علي بن أبي طالِب كرَّم الله تعالى وجهه ورضي عنه، وجَّه به ﷺ قضاءَ اليمن في حياته، وقال فيه: "أقضاكم عليّ" (٣)،
стр. 96
ذكره أبو القاسم علي السِّمْناني في باب من ولي القضاء من "كتاب روضة القضاة".
[ووجّه رسول الله ﷺ أبا موسى الأشعري ﵁ إلى عدن وزبيد واستغفر له، ذكره الذَّهبي.
وذكر ابن خَلِّكان في ترجمة يحيى بن أكثم: أنَّه لما وُلِّيَ قضاء البصرة كانت سنُّه عشرين سنةً، فاستصغره أهل البصرة، وقالوا: كم سنّ القاضي؟ فعلم أنهم استصغروه فقال: أنا أكبر من عتَّاب بن أَسِيْد ﵁ الَّذي وجَّهه النبي ﷺ قاضيًا إلى اليمن، ومن كعب بن سُورٍ الذي وجَّه به النَّبي ﷺ قاضيًا إلى البصرة] (١)، ومن (٢) مُعاذ بن جبل الذي وجَّه به النبي ﷺ قاضيًا على مكة يوم الفتح (٣).
وفي "كتاب أدب القضاء" للخصَّاف، ذكر عن الزُّهري أنه قال: رزق رسول الله ﷺ عتَّاب بن أَسِيْد حين استعمله على مكَّة أربعين أوقيَّة في السَّنة، قال إسحاق: لا
стр. 97
أدري أكانت (١) ذهبًا أو فضَّة، فإن كان ذهبًا فمال عظيم؛ لأن الأوقيّة أربعون مثقالًا، (فأربعون مرة أربعون) (٢) يكون مالًا عظيمًا، وإنما رزقه لأنه ولَّاه على مكة واستقضاه بها، فكان قاضيًا وواليًا.
قال صدر الشَّهيد في "شرحه": في الحديث دليلٌ على أنَّه ينبغي أن يرزق القاضي من بيت المال ما يكفيه وأهله ومن يمونه ومن يكون من أعوانه.
وتكلَّموا أنَّ رسول الله ﷺ من أيِّ مالٍ رزقه، ولم تكن يومئذ الدَّواوين ولا بيت المال، فإنَّ الدَّواوين وبيت المال إنما ظهرت في زمن عمر رضي الله تعالى عنه؟
قيل: إنَّما رزقه من الفيء ممَّا أفاء الله تعالى، وقيل: إنَّما رزقه من المال الَّذي أخذه من نصارى نجران، أو من الجزية التي أخذها من مجوس هجر، ويهود هوازن، فإن القاضي يرزق له من الجِزْيِ والأَخْرِجَة.
واعلم أنَّ القضاء رتبةً شريفةً ومنزلةً رفيعةً، (لا رتبةَ أوفى منها) (٣)، ولا منزلةَ فوقها، [ولقد كان يقال: من قام بأمرها (كان له) (٤) عند الله أجرًا جزيلًا] (٥)، (وعند العبادِ ذكرًا جميلًا، إذا استجمعت شرائطها، وارتفعت موانعها، بعد ما حسنت سيرته، وصفت سريرته) (٦)؛ لأنَّها الَّتي تولَّاها اللهُ تعالى بنفسه، وبعث بها رسله، (وشدَّد
стр. 98
عليهم الأمرَ بها، وبالغَ بهم في الموعظة) (١)، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
ثم تولَّاها نبيُّنا، ثم كلُّ إمام وخليفة (بعد النبيِّ) (٢) ﷺ من الخلفاء الرَّاشدين (كان يقضي بين المسلمين) (٣)، ثم وجوه الصَّحابة، وأعلام التَّابعين، (والسَّلف الصَّالحين، والأئمة المجتهدين، والفقهاء المتقدِّمين، والعلماء المتأخرين، والفضلاء العاملين المتورّعين) (٤)، ثمَّ وثمَّ الأمثلُ فالأمثلُ، أبقاهم الله إلى يوم الديِّن.
(ذكرَ الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف"): (٥) روي أنَّ داود ﵇ لَمَّا أُمِرَ بفضْلِ القضاء نزلَتْ السِّلسلة من السَّماء، فإذا تقدَّم إليه الخصمان فالمحقُّ منهما (نزلَتِ السِّلسلة له فنالَها وللمبطل منهما تقلَّصت السِّلسلة فما نالها، وكان يفصل بها، فرُفِعَتِ السِّلسلة.
وكان سبب الرَّفع أنَّه احتال بعضُ الناس) (٦)، وذاكَ أنَّ رجلًا أودعَ رجلًا (٧) دنانير عند آخر، ثم جحد المودَع له الدَّنانير، وكان شيخًا معه عصًا، (فوضع
стр. 99
الدَّنانير في داخل العصا) (١)، فاختصما إلى داود ﵇، (فاحتالَ المودَع ونقر عصاه، وجعل الدَّنانير في العصا، فلمَّا اختصما) (٢)، وقام المدعي إلى السِّلسلة فنالها، ثمَّ قام المُدَّعي عليه، (ودفع العصا للآخر، وطلب السِّلسلة فنالها) (٣)، (فقال للمدَّعي: خذ عصاي حتى أنال السِّلسلة، فأخذها، فكان محقًّا في الإنكار بعد ذلك، فنالها) (٤).
فتحيَّر داود ﵇، فنزلَ جبريلُ ﵇ (وأخبره بالقضيَّة) (٥)، فرُفِعَت السِّلسلة، فقطع داود ﵇ عن القضاء، (يعني عجز) (٦)، فأمرَه الله تعالى ببيِّنة المدَّعي ويمين المدَّعى عليه، وأمره أن يحلِّفهم باسمه تعالى، انتهى.
وهذا حكم الله تعالى إلى يوم القيامة، لم يُرَ حكمٌ آخر ناسخ له، وصاحب شريعتنا ﷺ أبقى هذا الحكم بقوله المشهور، (البالغ إلى حدِّ التَّواتر) (٧): "البيِّنة للمدَّعي (٨)، واليمين على مَنْ أنكر" (٩).
[وروى ابن عبَّاس وعبد الله بن عَمْرو بن العاص ﵃ أنَّ النبيَّ ﷺ
стр. 100
طلب البيِّنة من المدّعي فلم يجد، فقضى باليمين على المدَّعى عليه (١)، في الحادثة المعروفة (٢) التي اختصم فيها الحضرَمِيُّ والكِنْديُّ.
ذكر الخَصَّاف عن كُرْدُوس الثَّعلبيِّ عن أَشْعَث بن قَيْسٍ، قال اختصم رجل من حضرموت، ورجل من كِنْدة إلى النبي ﷺ ، فقال الحضرمي: يا رسول الله، أرضي في يد هذا أغصبها أبوه. فقال الكندي: أرضي في يدي ورثتها من أبي. فقال النبيُّ ﷺ : ألك بيِّنة يا أخا حضرموت؟ قال: لا يا رسول الله، خذ لي يمينه ما يعلم أنَّها اغتصبها أبوه. فتهيَّأ الكِنْدي ليحلف. فقال النبيُّ ﷺ : "من اقتطع مالًا بيمينه لقيَ الله تعالى أجذم" (٣)، فلمَّا سمع الكِنْدي كفَّ عن اليمين وأعطاه الأرض.
في الحديث دليل على أنَّ القاضي إذا حلَّف إنسانًا ينبغي أن يَذْكر الوعيد لكي يمتنع عن اليمين.
وتكلَّموا في قوله ﷺ : "أجذم": قال بعضهم: مقطوع اليدين؛ لأن الأجذم مقطوع اليد. وقال بعضُهم: مقطوع الحجّة. قال الصَّدر الشَّهيد: وهذا أصحّ؛ يعني: لا حجَّة له عند الله تعالى في الإقدام على اليمين الكاذبة. وهذا كما روي عن النبيِّ ﷺ : "من تعلَّم القرآنَ ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم" (٤). قيل:
стр. 101
مقطوع اليد، والأصحّ: مقطوع الحجّة؛ يعني: لا حجّة له عند الله تعالى في تعلِّم القرآن، ثم ترك القراءة حتى نسيه.
وذكر فيه عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: أمر النبيُّ ﷺ مُناديًا يُنادي حتى بلغ الثَّنيَّة: "لا تجوز شهادة خَصْم ولا ظَنِيْن، وأنّ اليمين على المدَّعى عليه" (١)، والثَّنية: اسم موضع بعيد من أبنية المدينة، فرفع المنادي صوته حتى بلغ هذا الموضع. والظِّنين: المتَّهم في القرابة، كما في الوالدين والمولودين.
واختلفَ العلماء في أنَّ النبيَّ ﷺ فيما لم يُوحَ إليه، هل كان يجتهد ويُفصل به الحكم؟
منهم من قال: لا، بل ينتظر الحكم. ومنهم من قال: يرجع فيه إلى شريعة من قبله؛ لأنَّ شريعة من قَبله شريعة لنا ما لم يُعرَف نسخه. ومنهم من قال: كان لا يعجل بالاجتهاد إلى أن ينقطع طمعُه من الوحي، فإذا انقطع حينئذ يجتهد، وإذا اجتهد كان شريعة لنا، فإذا نزل عليه الوحي بخلافه يصير ناسخًا له، ونسخ السُّنَّة بالكتاب جائز عندنا، ولا ينقض ما أمضى بالاجتهاد، ويستأنف القضاء في المستقبل.
قال أبو القاسم عليّ السِّمْناني في "روضة القضاة" في باب المدعي: اعلم أنَّ النبي ﷺ قال: "البيَّنة للمدعي، واليمين على المدعى عليه" (٢)، وهذا كلام يجب أن يُعرَف مَنِ المُدَّعي ليعمل (٣) ببيِّنته، والمُدَّعى عليه ليعمل (٤) على يمينه. والذي قال
стр. 102
شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله الدَّامَغاني في "شرح كتاب الدعوى من مختص الحاكم" مما علقناه عنه، ودرسناه عليه، فذكر الدَّعوى، وذكر بعدها المدَّعِي، وهذا صحيح؛ لأن المدَّعي مَنْ له دعوى، فقال: الدَّعوى عبارةٌ عن قولٍ يُقصَد به إثبات شيء عارٍ عن برهان، ومتى كان معها حجَّة أو برهان لم تكن دعوى، ولهذا لا يقال للنبي ﷺ : إنَّه مدّعٍ بعد قيام المعجِز على ما قاله، ولا لمن استدل بدليل على قوله: إنه مدعٍ، ويقال لمن ليس له حجَّة: مدعٍ. هذا حدُّه في اللغة.
واختلف أصحابنا فيه: هل يُغيَّر بالشرع أم لا؟ فكان أبو سعيد البَرْدَعي يقول: هو على ما كان لم يتغيَّر. وقال (غيره: قد تغيَّر) (١)، وينقل إلى شيء دون شيء. وقد كانت في شرع مَنْ تقدَّم كذلك.
روي عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠]، قال: البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر (٢). وقال الحسن البصري: فصل الخطاب: العلم بالقضاء (٣). وقال شريح القاضي: فصل الخطاب: الشهود والأيمان (٤)] (٥).
واعلم أن اسم القاضي واسم الحاكم (٦) اسمان مشتركان في المدح، ويتساويان في الشرف والفضل، أضافهما الله تعالى إلى نفسه، (فإن القضاء فعل اُشْتُق منه لفاعله
стр. 103
اسم، وكذلك الحكم، وقد أضاف الله تعالى القضاء إليه) (١) بقوله (٢) تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، (وقال تعالى) (٣): ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر: ٢٠]، وكذلك أضاف الحكم إليه (فقال تعالى) (٤): ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ [الرعد: ٤١]، وأمر نبيه ﷺ بالحكم وحث عليه (فقال تعالى) (٥) ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
[وقد اختلف في أنّ اسم القاضي أشرف من الحاكم أم هما سواء؟ فمنهم من قال: سواء، ولهذا أضافهما الله تعالى إليه على سواء، قال صاحب "روضة القضاة": رأيت كثيرًا من القضاة يكره أن يُخاطَب بالحاكم، وينافِس في القاضي. وكان شيخنا قاضي القضاة الدَّامَغاني أبو عبد الله يبدِّل هذا الاسم أبدًا -يعني الحاكم- ويفسخ (٦) على الخطاب بالقاضي، وأما أبناء هذا الزمان فيكرهون أن يخاطَبوا بكلٍّ منهما، ويطمعون أن يخاطَبوا بالسُّلطان، ولا يستحيون من الله قويِّ السُّلطان جليِّ البرهان.
ولا بدَّ للقاضي والحاكم -بعد ما يكون بالغًا، عاقلًا، صالحًا، ورعًا، حرًّا، مسلمًا، عدلًا- من علم، وتمييز، ورأي؛ لأنَّ العلم للقاضي كالآلة لسائر الصنّاع] (٧).
والعلم علمان؛ علم الأصول وعلم الفروع.
стр. 104
فعلم الأصول: هو علم التَّوحيد، وما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه (١)، وعلم النبوَّات، ونسخ الشرائع، وإقامة الدلائل على ذلك، وإبطال أقوال مخالفي الملَّة الحنيفيَّة، [وأقوال القائلين بنفي الصَّانع، وأهل الطَّبائع، والفرق بين المعجزة والشعبَذة.
وطريق العلم المذكور، إنّما هو سلامة الحواس، وكمال العقل والفكر في الموجودات، ومتى اختلَّ طريق معرفتها لم يحصل لإنسان علمٌ بذلك، ولهذا اتَّفقت الشرائع كلها في ذلك العلم، ولم يختلف فيما ليس بتكليف، بل سوَّى فيها بين الرَّسول والمرسَل إليه، والحرّ والعبد، والذكر والأنثى، والعامَّة والعلماء] (٢).
والعلم الثاني هو علم الشَّرع (٣) والطاعة، وما تقرّر فيه من الأحكام، واختلف في ذلك العلم التكليفي بين المسافر والمقيم، والمريض والصحيح، والذكر والأنثى، والحائض والنفساء (٤) والطاهر، والحرّ والعبد، والكبير والصغير، والعاقل والمجنون، والمُكْره والطائع، والذَّاكر والناسي، (والقاصد والهازل) (٥).
وتختلف الأحكام فيه باختلاف أحوال الإنسان، ويجوز عنه النِّيابة في بعضها، وفي بعضها لا يجوز، (وفي بعضها يلزم الحكم لغير الفاعل ولا يلزم الفاعل، وفي بعضها يشتركان، وفي بعضها لا يجب شيءٌ أصلًا، وفي بعضها يستوفي المثل، وفي بعضها يستوفي القيمة) (٦).
стр. 105
فالقاضي ينبغي أن يكون عارفًا بالأحكام من الشَّرعيات، حتى إذا ارتُفع إليه في قضية عمل في فصلها بما هو مشروع في ذلك، وتلك (١) المعرفة لا تحصل إلا بتتبع النوادر (٢) ظاهر الروايات، وحفظ المتون المرتبة من مسائل الأصول والزيادات، وضبط (٣) الفتاوي والنَّوازل والواقعات، (بمراجعات كثيرة إلى مشايخنا من الثقات) (٤)، فإنَّ العلوم (بلا جدال) (٥) تُؤْخَذ من أفواه الرِّجال، لأنهم يحفظون أحسن ما يسمعون، [ويقولون أحسن ما يحفظون.
إذا عرفْتَ هذا تعرف أنّ القاضي إذا كان جاهلًا تكون البليَّة أشدَّ، لا سيَّما إذا ارتفعا إليه في المعاملات والمواريث، والمسائل المشكلة، فينبغي لمن يملك الولاية بل حَتْم عليه على موجب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، على ما قيل: هو أمرٌ للوُلاة بآداء الحقوق المتعلِّقة بذممهم من المناصب وغيرها إلى مستحقِّيها، كما أنَّ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨]، أمرٌ لهم بإيصال الحقوق المتعلِّقة بذمم الغير إلى أصحابها، وحيث كان المأمور به هاهنا مختصًّا بوقت المرافعة قُيِّدَ به، بخلاف المأمور به أوَّلًا، فإنه لما لم يتعلق بوقت دون وقت، أطلق إطلاقًا] (٦).
وحتم على من نصَّبه مالك (٧) الولاية لإقامة هذه المصلحة الجليلة أن لا
стр. 106
يختار لهذا الأمر الجليل إلَّا من هو أصلح النَّاس، وأعلمهم، وأورعهم، وأكملهم، كما اختار الله تعالى لرسالته، صفوة كل عالم، (ورئيس كل جيل) (١)، وأفضل أهل كل زمان، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص: ٤٧]، ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (٢) [الأنعام: ١٢٤]، وقد كانت الصحابة ﵃ لا يولُّون الأحكام جاهلًا ولا فاسقًا، [ولا ماجنًا، ولا مَنْ يُطعَن في دينه ودنياه.
ثم اختلفوا في جواز دخول القضاء؛ منهم من قال: يجوز الدُّخول فيه مختارًا؛ لأنَّ الأنبياء والرُّسل ﵈ اشتغلوا به، وقد دخل فيه وجوه الصحابة والتَّابعين، ودخل فيه رجال صالحون من الأئمة المجتهدين، ومشايخنا المتقدمين. ومنهم من قال: لا يجوز الدُّخول فيه إلا مُكرَهًا؛ ألا ترى أنَّ أبا حنيفة ﵀ دُعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى، حتى ضُرِبَ في كلِّ مرة ثلاثين سوطًا، فلما كان بالمرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلَّدْتَ القضاء نفعْتَ الناس، فنظر إليه نظر المغضب (٣)، وقال: أرأيْتَ لو أُمرْتُ أن أعبر البحر سباحة أكنْتُ أقدر عليه؟! كأني بك قاضيًا، وكذا دُعِيَ محمَّد إلى القضاء حتى قُيِّدَ وحُبِسَ، فاضطر إليه فتقلَّد.
والصحيح أنّ الدخول في القضاء مختارًا رخصة، والامتناع عزيمة؛ فلوَجْهَين: أحدهما: أنّ القاضي مأمورٌ بالقضاء بالحقِّ، وعسى يظنُّ في الابتداء أنه يقضي بحقٍّ، ثم لا يقضي في الانتهاء.
стр. 107
والثاني: أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى يُعينه غيره، وضع لا يعينه.
هذا ما ذكره الصَّدر الشَّهيد في "شرح الخَصَّاف"، وذكر الخَصَّاف عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من سأل القضاء وُكِلَ إلى نفسه، ومن أُجبِرَ عليه نزلَ عليه مَلك يسدِّدُه" (١).
ثم ذكر في معنى الحديث عن أنس: لأن من سأل القضاء اعتمد فقهه وورعه وذكاه، فصار مُعجَبًا فلا يُلهم الرُّشد، ويُحرم التوفيق. وأما مَنْ أُكْرِه على القضاء فقد اعتصم بحبل الله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].
وذكر الخَصَّاف عن مسروق أنه قال: لَأن أقضي يومًا واحدًا بحقٍّ وعدلٍ أحبُّ إليَّ من سنة أغزوها في سبيل الله (٢). وذكر الحسن أنه قال: لأجر حكم عدْل يومًا واحدًا أفضل من أجر رجل يصلِّي في بيته سبعين سنة (٣).
قال الصَّدر الشَّهيد: إن المسروق والحسن ابتُليا بالقضاء، ومن ابتُلي بشيء يروي في ذلك الباب ما يرجع إلى محاسن ذلك الشيء، كان مسروق والحسن من كبار التابعين.
ذكر الصَّدر الشَّهيد عزوًا إلى "النوادر" عن أبي حنيفة قال: من كان من أئمة التَّابعين وأفتى في زمن الصَّحابة، وزاحم في الفتوى، وسوَّغوا لهم الاجتهاد فأنا أقِّلده، مثل شريح، والحسن، ومَسروق بن الأجْدَع، وعَلْقمة. وهذا لأنهم لمَّا بلغوا
стр. 108
درجة الفتوى في زمن الصَّحابة وسوَّغوا لهم الاجتهاد صار قولهم كقول الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وفي واقعات الصَّدر الشَّهيد في باب أدب القضاء بعلامة العين: ولا ينبغي للقاضي أن يطلب القضاء، فإن فعل فهو مسيء؛ لما روي أنه ﷺ قال: "من جُعل على القضاء، فكأنما ذُبح بغير سكين" (١)، وهذا لأنَّ السِّكين تعمل في الظاهر والباطن، والذَّبح بغير سكين ذبحٌ بطريق الخنق، فإنه يؤثِّر في الباطن دون الظاهر، وكذلك القضاء لا يؤثر في الظاهر؛ لأنه جاهٌ وحِشمة، بل يؤثِّر في الباطن؛ فإنه سبب الهلاك.
وعن شمس الأئمة الحَلْوَاني أنه كان يقول: لا ينبغي لأحد أن يزدري هذا اللفظ كيلا يصيبه ما أصاب ذلك القاضي. فقد حُكِيَ أنَّ قاضيًا روي له هذا الحديث فازدراه وقال: كيف يكون هذا؟ ثم دعي في مجلسه بمن يسوِّي شعره، فجعل الحلَّاق يحلق بعض الشَّعر تحت ذقنه، إذ عطس، فأصابه الموسى، فألقي رأسه بين يديه.
وذكر الشَّيخ الإمام علاء الدِّين السَّمَرْقندي في "تحفة الفقهاء": لقضاء فريضة محكمة على من وجد في نفسه شرائط القضاء من الولاية على المقضي عليه، لتسليم المقضيِّ به إلى المقضيِّ له، وهو السُّلطان أو من يقوم مقَامه؛ لأن هذا من باب الإنصاف للمظلوم من الظَّالم، وهذا مفروض على الخلفاء والسَّلاطين غير أنهم إذا عجزوا بأنفسهم؛ إمَّا لعدم العلم، أو لاشتغالهم بأمور أُخَر، وجبَ عليهم أن يقلِّدوه مَنِ كان يصلح وهو أفقه النَّاس بحضرتهم، وأورعهم، وإن وجدوا اثنين أحدهما أفقه، والآخر أورع، فالأورع أولى؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره، فلا بدَّ من الورع
стр. 109
حتى لا يتجاوز عن حِّد الشرع، فلا يتصوَّر الباطل بصورة الحقِّ طمعًا في الرشوة.
ويجب على من اُستجمِع فيه شرائط القضاء إذا قلَّدوه، حتى إذا امتنع يأثم، إلا إذا كان بحضرتهم من العلماء مَنْ يصلح للقضاء، فلا بأس بأن لا يقبل، وُيعذَر فيدفع عن نفسه إلى غيره؛ لأنه ليس متعيِّن لذلك، والذي تعيَّن لا يحلُّ له الامتناع إذا قُلِّدَ، ولكن لا ينبغي أن يَطلب؛ لأنه ربَّما لا يقلِّدوه، فيذهب ماء وجهه، وحرمة علمه، إلى هنا من "تحفة علاء الدِّين السَّمَرْقندي".
وفي "فتاوى قاضي خان": فإن كان جاهلًا عدلًا أو عالمًا غير عدل، لا ينبغي أن يُقلَّده، ولا يُقلَّد لقوله ﷺ : "القضاة ثلاثة: واحد في الجنَّة واثنان في النَّار" (١)، وأراد بالاثنين: الجاهل وغير العادل.
والجاهل التَّقيُّ أولى بالقضاء من العالِم الفاسق، ولو تقلَّد القضاء بالرَّشوة لا يصير قاضيًا، وتكون الرَّشوة حرامًا على القاضي وعلى الآخذ، قال الصَّدر السَّعيد في "جواهر الفتاوي"، في كتاب القضاء في باب فتاوي الشَّيخ الإمام جمال الدِّين اليَزْدِي: اختلفت الروايات في القاضي إذا ارتشى، أو فسق ينعزل، أو يستحق العزل، اختار البُخاريون أنه لا ينعزل، وبعضهم قالوا: ينعزل، قال شيخنا وإمامنا جمال الدِّين اليَزْدِي: أنا متحيِّر في هذه المسألة، لا أقدر أن أقول: لا تنفذ أحكامهم؛ لما أرى من التخليط والارتشاء والجرأة فيهم، ولا أقدر أقول: لا تنفذ أحكامهم، لأن كل (٢) أهل زماننا كذلك، فلو أفتيْتُ بالبطلان أدَّى ذلك إلى إبطال الأحكام، فحكم الله بيننا وبين
стр. 110
قضاة زماننا، أفسدوا علينا ديننا، وشريعة نبينا ﷺ ، لا بقي منهم لا اسم ولا رَسْم. إلى هنا كلام الصَّدر السَّعيد ركن الدِّين أبي المفاخر محمَّد بن عبد الرَّشيد الكَرْماني.
يقول الفقير: رحم الله الشَّيخ الإمام قاضي القضاة جمال الدِّين أبا سعيد المُطهَّر اليَزْدِي، وفي عصره تمام انتظام العلم والدِّين، وكمال نظم أحوال الفقهاء ومشايخهم العاملين المتورِّعين، وتاريخ زمانه أثناء الثَّلاثين (١) والسِّتين وخمسمئة، فرغ من شرح "الجامع الصغير" على ترتيب الزَّعْفَراني، المسمَّى بـ "التهذيب" سنة سبع وخمسين وخمسمئة، وذلك قبل فترة جنكيز، ولو أدرك المولى الإمام جمال الدِّين أبناء زماننا هذا لاقتصر المقال على قول من قال:
أما الخيام فإنَّها كخيامِهم … وأرى نساءَ الحيِّ غيرَ نسائِها (٢)
وبقيْتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَبِ (٣)
سيَّما الذين كانوا يصرفون شرائف أوقاتهم إلى الملازمة في مسألة القضاء، متردِّدين أبواب الأكابر في الصُّبح والمساء، ومختلفين إلى الوسائط في الضُّحى والعشاء، ملحِّين للدُّخول، ملتجئين (٤) الوصول، فلا يساعدهم البوَّاب (٥)، ولا يفتح لهم الأبواب، ثم يتخذون شفعاء من حواشيهم، وحملة غواشيهم، تبًّا لهم ومواشيهم، يهتكون عرضهم، ويذيبون ماء وجههم، ولم يصونوا حُرمة علمهم،