← Фикх шафии

Фикх шафии · id 30083

تكملة السبكي على المجموع شرح المهذب - قطعة جديدة

تقي الدين السبكي

Полный текст (1 728 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الإهداء إلى مَنْ أحاطني برعايته صغيرًا، ووضعني على طريق العلم والخير طريرًا. من كان ليفرح بمثل هذا العمل، ويعتبره ثمرة لما كان يرجو ويأمل، من رزقني الله به، ولم أرزأ إلى الآن بأحد مثله. إلى أبي الحبيب رحمة الله عليك، وتقبَّلك في الصالحين، وجمعنا بك في علِّيين، مع سيد الأنبياء والمرسلين. وإلى نبع العطاء الذي لم يزل جاريًا، ولا تزيده الأيام إلَّا تدفقًا. إلى مَنْ جعلها الله عزاءً لي، ومواساة - ونعم المواساة - في فقد أبي. إلى أمي الحبيبة أسأل الله - جل وعلا - أن يجزيكِ عنَّا خير الجزاء، وأن يُطيل عمرك في طاعته. وأن يُعينني على بِرِّكِ على الوجه الذي يرضيه عني، ثم يرضيك. وإلى زوجتي الفاضلة أمّ يوسف وأولادي: أيسل، ويوسف، وفهد من صبروا على انشغالي عنهم، وقطعي الساعات الطويلة مُقصِّرا في حقهم. بارك الله فيكم، وأَشْرككم أجر كلِّ عملٍ صالح يوفقني إليه. إليكم جميعًا أُهدي هذا العمل المتواضع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدِّمة الحمد لله الذي سهَّل لعباده المتقين إلى مرضاته سبيلًا، وأوضح لهم طريق الهداية، وجعل اتّباع الرسول عليه دليلًا، واتخذهم عبيدًا له، فأقروا له بالعبودية، ولم يتخذوا من دونه وكيلًا. والحمد لله الذي أقام في أزمنة الفترات مَنْ يكون ببيان سنن المرسلين كفيلًا، واختص هذه الأمة بأنه لا تزال طائفة فيها على الحق لا يضرُّهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمره، ولو اجتمع الثقلان على حربهم قبيلًا (١). أحمده - والتوفيق للحمد من نعمه - وأشكره - والشكر كفيل بالمزيد من فضله وكرمه وقسمه - وأستغفره وأتوب إليه من الذنوب التي توجب زوال نِعَمِه وحلول نِقَمه. وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، شهادة أشهد بها مع الشاهدين، وأدخرها عند الله عُدّة ليوم الدين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين - صلى الله عليه وآله وأصحابه والتابعين -، ومن لزم طريقه واستن بسنته إلى يوم الدين. وبعد: فإن الاشتغال بالعلم من أفضل القُرَب وأجلِّ الطاعات، وأهم أنواع الخير _________ (١) مختصر من مقدمة ابن القيم لـ "مفتاح دار السعادة".

стр. 3

وآكد العبادات، وأَوْلَى ما أُنفقت فيه نفائسُ الأوقات، وشَمَّرَ في إدراكه والتمكُّن فيه أصحاب الأنفس الزَّكيَّات، وقد تظاهر على ذلك جملٌ من الآيات الكريمات، والأحاديث الصحيحة المشهورات، وأقاويل السلف ﵃ النيِّرات. ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]. وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]. وقول النبي ﷺ : "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا؛ يُفَقِّهُهُ فِي الدِّينِ" (١). وقوله ﷺ : "إنَّ مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا منها وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة منها أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك الماء ولا تنبت كلأً، فذلك مَثَلُ مَنْ فَقُهَ في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعَلِم وعَلَّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدى الله الذي أُرسلت به" (٢). وقال الشافعيُّ: "كفى بالعلم فضيلة؛ أن يدَّعِيَه مَنْ ليس فيه، ويفرح إذا نُسب إليه، وكفى بالجهل شَيْئًا؛ أن يتبرأ منه مَنْ هو فيه، ويغضب إذا نُسب إليه" (٣). والكلام في فضل العلم وشرفه والحثِّ عليه متَّسِع كبير، يحوي من الآيات والأحاديث والآثار - فوق ما ذُكر - الكثير والكثير. _________ (١) البخاري (٧١)، ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية بن أبي سفيان ﵄. (٢) البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢) - واللفظ له - من حديث أبي من حديث أبي موسى الأشعري ﵁. (٣) "حلية الأولياء" لأبي نعيم (٩/ ١٤٦)، وعزا النوويُّ في "المجموع" (١/ ١٩) هذا القول لعلي ابن أبي طالب ﵁.

стр. 4

ويُعَدُّ علم الفقه الفقه - بصفة خاصَّة - من أشرف العلوم، فهو المَعِين الذي حفظ للأمة الإسلامية وجودها بين الأمم على اختلاف العصور، وهو مفخرة من مفاخرها العظيمة، فلا حياة للأمة بدونه، كيف لا! وهو علم الحلال والحرام، وهو الجامع لمصالح الدين والدنيا، ولبَّى مطالب الأمة في جميع ما عَرَض لها من أحكام ومستجدات، فساير حاجاتها وواكب متطلباتها، فكان - بحقٍّ - هو فقه الحياة. وقد برع في تدوين هذا الفقه ونشره: علماء أكابر مجتهدون، تنوَّعت مشاربهم، واختلفت طرائقهم، فقاموا بما أملاه عليهم واجب العلم؛ من بحث، وجمع، وتأليف، واجتهاد. ﵃ ورحمهم -. ولا زالت بطون المكتبات حُبلى بما قيدته أيديهم من مؤلَّفات ومصنَّفات، لم يأن وقت مخاضها بعد، تنتظر من يُميط عنها اللِّثام، ويبرز حسنها لطلبة العلم خاصة من بين الأنام. و من هذه النفائس التي كانت حبيسة أسوار مكتبات المخطوطات: جزء كبير من تكملة شرح الإمام النووي المعروف بـ: "المجموع شرح المهذَّب" للإمام تقي الدين السبكي، حيث طُبِع منه جزءٌ انتهى عند آخر باب: "الرد بالعيب"، وظنَّ البعض أن السبكي توقَّف عند هذا الموضع، وقوَّى هذا الظن: أن الشيخ محمد نجيب المطيعي (١) الذي واصل عمل السبكي على _________ (١) محمد نجيب المطيعي، من علماء مصر، ولد بالطوابية من صعيد مصر عام: (١٩١٥ م)، وتعلم بالإسكندرية على علمائها، ثم استقر بالقاهرة، واشتغل بالدعوة والخطابة والجهاد ضد الاحتلال البريطاني، اشترك في تحرير مجلة مصر الفتاة، له مصنفات في علم الحديث، واشتهر بتحقيقه لكتاب "المجموع" للنووي وتكملته له في سبعة مجلدات، عمل في السودان رئيسًا لقسم السنة بجامعة أم درمان، ثم استقر بالمملكة العربية السعودية إمامًا وخطيبًا لأحد المساجد بها، وله دروس مسجلة في شرح "صحيح البخاري". =

стр. 5

الكتاب، قال: "إن الإمام تقي الدين السبكي توفي عند الرد بالعيب"! فكان لهذا الكلام أثره في ثَنْي عزم بعض المحققين عن تتبع باقي شرح السبكي المفقود، وانصراف همة آخرين إلى مؤلَّفات أخرى. لكنَّ هذا الظَّنَّ السابق الذي أيَّده كلام الشيخ المطيعي ليس صحيحًا! فقد قال تاج الدين السبكي في ثنايا حديثه عن والده، وعمله في تكملة "المجموع": "بنى على النووي ﵀ من باب الربا، ووصل إلى أثناء التفليس في خمسة مجلدات" (١). • وعلى ذلك: فيبقى من هذا الشرح قدرٌ كبيرٌ لم يُحقق ولم يُطبع، يبدأ من: "باب بيع المرابحة" إلى أثناء "باب التفليس"، والذي يشتمل على أبواب: بيع المرابحة، والنَّجش، واختلاف المتبايعين، والسَّلَم، والقرض، والرهن، والتفليس. وهو قَدْرٌ - كما ذكرتُ - ليس بالقليل. ولعل عذر الشيخ المطيعي ﵀ فيما ذهب إليه: أنه اعتمد على طبعة المنيرية، فابتدأ تكملته من حيث انتهت. وأيضًا، فإنه لم يطلع على ما ذكره تاج الدين السبكي في ترجمة والده - والله أعلم. وقد كان من فضل الله عليَّ أن يسَّر لي الوقوف على نسخة خطية من الجزء المفقود في مجلدين من مكتبة فيض الله بتركيا، يبدأ الأول من: "باب اختلاف المتبايعين"، حتى نهاية "باب القرض"، وعدد أوراقه (١٤٩) ورقة، ومحفوظ في المكتبة برقم (٨٤٥). • أما المجلد الثاني، فيحتوي على "كتاب الرهن" كاملًا، وعدد أوراقه _________ = توفي ﵀ بعد صراع مع السرطان لمدة عامين، ودفن ببقيع المدينة النبوية عام (١٤٠٦ هـ). يُنظَر: "المحدثون في مصر والأزهر، ودورهم في إحياء السنة النبوية"، د. الحسيني عبد المجيد هاشم، د. أحمد عمر هاشم (ص: ٣٥٨). (١) "طبقات الشافعية الكبرى"، تاج الدين السبكي (١٠/ ٣٠٧).

стр. 6

(٢١٩) ورقة، ومحفوظ في المكتبة برقم (٨٤٦). • فاستعنتُ بالله تعالى وبدأت رحلة البحث عن مخطوطاته، فإن تحقيق أي كتاب يتطلب البحث عن نسخ متعددة للكتاب، حتى يمكن إخراجه على أقرب صورة وضعها عليه المؤلف، إن لم يمكن الحصول على نسخة المؤلف نفسها. ومن أجل ذلك قمت بالبحث عن النسخ الموجودة، ولكن - للأسف - لم أعثر إلّا على نسخة واحدة فريدة وهي التي سبق الكلام عنها. ثم استمر البحث المتواصل خلال فترة عملي بالكتاب عن نسخ أخرى أو عن نسخة على الأقل، ولكن لم أحظَ بالمطلوب! • وبعد جهد كبير ومراجعة فهارس المخطوطات العالمية الموجودة، أصبح من المقطوع به لديَّ: أنه لا توجد للكتاب نسخ أخرى، فلم أتمكن - مع كل ما بذلته من جهد كبير - من الحصول إلَّا على نسخة واحدة، وهذا يزيد الأمر وعورة وصعوبة، فالعمل على نسخة واحدة مَزِلَّة قدم كما يعلمه الممارس، وفيه من المشقة والعناء ما لا يخفى على مَنْ عاين التحقيق واشتغل به. • وقد قدَّمت لهذا التحقيق بترجمة مختصرة للإمام النووي، ثم الإمام السبكي - رحمهما الله - ثم ذكرت ثناء العلماء على كتاب "المجموع"، وسبب إكمال السبكي للكتاب بعده، وأتبعت ذلك بوصف النسخة الخطية، ومنهج العمل الذي اتبعته واجتهدت في تطبيقه والسير عليه. • وأخيرًا: فلا أدعي بعد هذا الجهد عصمة عملي من خللٍ وتقصيرٍ، أو سهوٍ ونقص في حُسْن العرض والتقدير، لكني بحسب وسعي وطاقتي اجتهدت، فإن وُفِّقتُ وأصبت: فالفضل كله لمن بيده الفضل ومقاليد السماوات والأرض، فله الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شاء من شيء بعد، وإن أخطأت أو زللت: فمن قِبَل نفسي وشيطاني أُتيت،

стр. 7

فأستغفر الله وأعود إلى الحق غير مستنكف ولا مستكبر. ولأن شكر أصحاب الفضل من شكر الله ، فأشكر شيخنا الكريم: أبا عبد الله مصطفى بن العدوي - حفظه الله - الذي تعلمتُ على يديه أول ما تعلمت، فزرع في نفسي من جميل الخصال، وتعظيم الكتاب والسنة وتقديمهما على جميع الأقوال، ما أترك مكافأته به للكبير المتعال. وكذا الشكر لفضيلة الشيخ الدكتور: أحمد عيسى المعصراوي، على تشجيعه ومساندته لي، وقد كان له سبقٌ في هذا المضمار خاصَّة قبل ذلك، وهو أهل للسبق في كل خير بإذن الله. ولا أنسى شكر إخواني الأفاضل الذين ساعدوني في درب العلم عامة، وفي إخراج هذا العمل خاصة، ولم يبخلوا بنصحهم أو وقتهم، وإن لم أذكرهم بأسمائهم؛ فالله يعلمهم، ويسمع دعائي لهم. واللهَ أسأل العون على ما أردت، والتوفيق إلى ما إليه قصدت، هو حسبي لا إله إلَّا هو عليه توكلت. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. * * *

стр. 8

ترجمة الإمام النووي (١) • اسمه ونسبه وكنيته: هو الإمام العالم الرباني ذو التصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، أبو زكريا يحيى ابن الشيخ الزاهد الورع وليّ الله أبي يحيى شرف بن مُرِّيِّ (٢) بن حسن بن حسين بن محمد بن جمعة بن حِزَام الحزامي النوويّ. والحزامي نسبة لجده حزام المذكور، وكان بعض أجداد الشيخ يزعم أنها نسبة لوالد الصحابي حكيم بن حزام، وهو غلط (٣)، والنووي نسبة إلى "نوى" وهي بحذف الألف بين الواوين على الأصل، ويجوز كتابتها بالألف على العادة (٤)، وهي قاعدة الجولان الآن، من أرض حوران من أعمال دمشق (٥). _________ (١) مصادر الترجمة: "تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين" لعلاء الدين بن العطار، "تذكرة الحفاظ" للذهبي (٤/ ١٧٤ - ١٧٦)، "طبقات الشافعية الكبرى" لتاج الدين السبكي (٨/ ٣٩٥ - ٤٠٠)، "طبقات الشافعيين" لابن كثير (١/ ٩٠٩ - ٩١٣)، "المنهل العذب الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي" للسخاوي، "المنهاج السوي في ترجمة الشيخ النووي"، للإمام السيوطي، (ص: ١١، ١٢)، "شذرات الذهب في أخبار من ذهب" لابن العماد (٧/ ٦١٨ - ٦٢١)، "الأعلام" للزركلي (٨/ ١٤٩ - ١٥٠). (٢) ذكر السيوطي في "المنهاج السوي في ترجمة الشيخ النووي" (ص: ١١) أنه رأى هذا الضبط بخط الإمام النووي. (٣) ذكر السخاوي في "المنهل العذب" (ص:١٠) أن الإمام النووي خطَّأ هذا القول. (٤) "تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين"، علاء الدين بن العطار (ص: ٤٠). وقال السخاوي في "المنهل العذب الروي" (ص:١٠): "وبإثباتها وحذفها قرأته بخط الشيخ". (٥) ونوى: بلدة تقع على بعد (٩٠) كيلو مترًا جنوب دمشق.

стр. 9

وأبو زكريا كنيته؛ لأن الإمام لم يتزوج، وجمهور محبيه يلقبونه بـ: محيي الدين، وصحَّ عنه أنه قال: "لا أجعل في حلٍّ مَنْ لقبني بـ: محيي الدين" (١)، ولعل سبب كراهته لهذا اللقب هو تواضعه لله سبحانه، وخوفه من الدخول في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. • مولده ونشأته: اختُلف في زمن مولده، فذهب السخاوي إلى أنه ولد في العشر الأوسط من شهر الله المحرم، لسنة إحدى وثلاثين وستمائة، وذهب الجمال الإسنوي إلى أنه في العشر الأُول من شهر الله المحرم، لكن المعتمد الأول (٢). نشأ في سِتْر وخير، وبيت علم وفضل وعبادة، وكان كثير العبادة لله ، وقد منّ الله عليه بمعرفة ليلة القدر، وهو ابن سبع سنين، يقول السخاوي: "ولما بلغ من العمر سبع سنين، كان نائمًا ليلة السابع والعشرين من رمضان بجانب والده - كما ذكره لي والده - قال: فانتبه نحو نصف الليل وأيقظني وقال: يا أبتِ ما هذا الضوء الذي قد ملأ الدار؟ فاستيقظ أهله جميعًا فلم نَرَ كلُّنا شيئًا! قال والده: فعرفت أنها ليلة القدر" (٣). وحُبِّب إلى الشيخ العلم والتعلُّم وهو صغير، حتى كان الصبيان يُكْرِهونه على اللعب معهم وهو ابن عشر سنين، فيبكي منهم، ويهرب ليقرأ القرآن (٤)! انتقل إلى دمشق مع والده سنة تسع وأربعين وستمائة، وسكن المدرسة الرَّواحية واستمر بها حتى مات، حتى بعد ولايته المدرسة الأشرفية لم ينتقل _________ (١) "المنهل العذب الروي"، السخاوي (ص: ١١). (٢) المصدر السابق. (٣) المصدر السابق. (٤) المصدر السابق.

стр. 10

من المدرسة الرَّواحية، وبيته فيها عجيب لطيف الحال (١). • طلبه للعلم: كان الإمام مجدًّا في طلبه للعلم، مجتهدًا فيه، باذلًا له كل وقته، حتى إنه ذكر أنه مضت عليه سنتان لا يضع جنبه على الأرض، ويتقوَّت بجراية المدرسة (٢). ومما يدل على جِدِّه واجتهاده في العلم والطلب والتحصيل: أنه أتم حفظ "التنبيه" في أربعة أشهر، وحفظ ربع العبادات من كتاب "المهذب" في باقي السنة، وكان يقرأ في اليوم اثني عشر درسًا على المشايخ شرحًا وتصحيحًا: درسين في "الوسيط"، ودرسًا في "المهذب"، ودرسًا في "الجمع بين الصحيحين"، ودرسًا في أسماء الرجال، ودرسًا في "صحيح مسلم"، ودرسًا في "اللمع" لابن جني، ودرسًا في "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت، ودرسًا في التصريف، ودرسًا في أصول الفقه؛ تارة في "اللُّمَع" لأبي إسحاق، وتارة في "المنتخب" للإمام فخر الدين الرازي، ودرسًا في أصول الدين في "الإرشاد" الإمام الحرمين الجويني (٣). ومن شدة اجتهاده وجده في طلب العلم: أنه عزم على تعلُّم الطب، لكنه لم يُفتح له فيه؛ فقال: "وخطر لي الاشتغال بعلم الطب، فاشتريت القانون، وعزمت على الاشتغال فيه، فأظلم عليَّ قلبي، وبقيت أيامًا لا أقدر على الاشتغال بشيء، ففكرت في أمري من أين دخل عليَّ الداخل؟ فألهمني الله أن الاشتغال بالطب سببه، فبعت في الحال الكتاب المذكور، وأخرجت من _________ (١) "المنهل العذب الروي"، السخاوي (ص: ١٢). (٢) بل ذكر السخاوي في "المنهل العذب الروي" (ص:١٢) نقلا عن اللخمي أنه كان يتصدق منها أيضًا، ثم ترك تعاطيها! (٣) "المنهل العذب الروي"، السخاوي (ص: ١٤).

стр. 11

بيتي كل ما يتعلق بعلم الطب، فاستنار قلبي ورجع إليّ حالي، وعدت لما كنت عليه أولًا" (١). وضُرب به المثل في إكبابه على طلب العلم ليلًا ونهارًا، وهَجْرِه النوم إلَّا عن غلبة، وضبط أوقاته بلزوم الدرس أو الكتابة أو المطالعة أو التردد إلى الشيوخ. • شيوخه: سمع الإمامُ الحديثَ من جماعة؛ منهم: الرضي بن برهان الدين، سمع عليه جميع "صحيح مسلم"، والشيخ شمس الدين بن أبي عمرو ابن الشيخ عماد الدين بن الحرستاني، وإسماعيل بن أبي اليسر، وأخذ علم الحديث من الزين خالد، وكان يقرأ عليه "الكمال" للحافظ عبد الغني، وشرح _________ (١) يقول السخاوي معلقًا على قصة اشتغال الإمام بالطب ما مضمونه: "فإن قيل: كيف هذا مع ما نُقل عن الشافعي أنه قال: العلم علمان، علم فقه للأديان، وعلم طب للأبدان، وزاد بعضهم عنه: وما سوى ذلك فبُلْغة مجلس، أو: وما سوى ذلك من الشعر ونحوه، فهو عناء وتعب؟ فالجواب: إن الذي مدحه الشافعي هو الطب النبوي، أو المجرد عن أصول الفلاسفة التي صرح صاحب "القانون" في أوله بابتناء الطب المورد في كتابه عليها، وأن الطبيب يتعلم ما يُبنى عليه من العلم الطبيعي؛ ولذلك اعترى الشيخ ﵀ بمجرد عزمه على الاشتغال في الكتاب المذكور ما أشار إليه، لما رزقه الله من نور البصيرة، وأبداه له بصلاح السريرة، خصوصًا وإن عنده من الطب المحمود ما يفوق الوصف. على أن أبا بكر بن طاهر سئل عن معنى قول الشافعي، فقال: عند العوامِّ أن علم الأديان: هو ظاهر الفقه، وعلم الأبدان: هو ظاهر الطب، وعند الحكماء؛ أن علم الأديان هو علم مشاهدة القلوب بالمعاملات بصنع الله وتدبيره، وهو الفقه النافع، وعلم الأبدان: هو ظاهر أوامر الله تعالى ذكره، ونواهيه في الحلال والحرام، وهو حجة الله على خلقه، وهو الطب النافع، فعلم القلوب: هو عين الإسلام وحقائقه، وعلم الأبدان: هو آداب الإسلام وشرائعه، وقد قال حرملة بن يحيى: كان الشافعي ﵀ يتلهف على ما ضيّع المسلمون من الطب، ويقول: ضيعوا ثلث العلم، ووكلوه إلى اليهود والنصارى". انظر: "المنهل العذب الروي" (ص/ ١٤).

стр. 12

"صحيح مسلم"، وأكثر "صحيح البخاري" على الشيخ أبي إسحاق بن عيسى المرادي، وعلم أصول الفقه على القاضي أبي الفتح التفليسي، وتفقَّه على الكمالين إسحاق المغربي وسلار الإربلي، والإمام شمس الدين عبد الرحمن بن نوح، وعز الدين عمر بن أسعد الإربلي (١). وفي الفقه: أخذ عن الإمام المتفق على علمه وزهده، وورعه وكثرة عبادته، وعِظم فضله وتميُّزه على أقرانه: أبي إبراهيم إسحاق بن أحمد بن عثمان المغربي، ثم المقدسي (٢)، ثم الإمام العارف الزاهد، العابد الورع، المتقن، مفتي دمشق في وقته أبي محمد عبد الرحمن بن نوح بن محمد بن إبراهيم بن موسى المقدسي، ثم الدمشقي، ثم الإمام المتقن المفتي أبي حفص عمر بن أسعد بن أبي غالب الرَّبعي، الإربلي. وفي الطريق: عن الشيخ ياسين المراكشي الماضي، فقد كان الإمام يخرج إليه ويتأدب معه ويزوره، ويرجو بركته ويستشيره في أموره. وفي الحديث: عن الشيخ المدقق أبي إسحاق إبراهيم بن عيسى المرادي الأندلسي الشافعي قرأ عليه شرح "صحيح مسلم"، ومعظم "صحيح البخاري"، وجملة مستكثرة من "الجمع بين الصحيحين" للحميدي، وقرأ على الشيخ الحافظ الزين أبي البقاء خالد بن يوسف بن سعد النابلسي "الكمال في أسماء الرجال" للحافظ عبد الغني المقدسي، وعلق عليه حواشيَ، وضبط عنه أشياء حسنة، ولازم الإمام المحدث الكبير الضياء بن تمام الحنفي في سماع الحديث وما يتعلق به، وأخذ عن جماعة من أصحاب الحافظ أبي عمرو بن الصلاح كتاب "علوم الحديث" له. _________ (١) "طبقات الشافعيين"، للحافظ ابن كثير، (١/ ٩١١). (٢) قال الحافظ السخاوي: وكان معظم انتفاعه في الفقه منه، انظر: "المنهل العذب الروي"، (ص: ١٥).

стр. 13

وفي اللغة والنحو والصرف: قرأ على الفخر المالكي "اللُّمع" لابن جنّي، وعلى الشيخ أبي العباس أحمد بن سالم المصري النحوي اللغوي التصريف "إصلاح المنطق" لابن السِّكِّيت بحثًا، وكذا كتابًا في التصريف، وقرأ على العلامة الجمال أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن مالك الجيَّاني، كتابًا من تصانيفه، وعلق عليه شيئًا. وفي أصول الفقه: قرأ على العلامة القاضي أبي الفتح عمر بن بُندار بن عمر بن علي التفليسي الشافعي "المنتخب" للفخر الرازي، وقطعة من "المستصفى" للغزالي، وقرأ أكثر "مختصر ابن الحاجب" الأصلي، على قاضي قضاة دمشق العز أبي المفاخر محمد بن عبد القادر بن عبد الخالق بن الصائغ. وفي الحديث أيضًا: سمع على أبي إسحاق إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الواسطي، وأبي العباس أحمد بن عبد الدائم المقدسي، وأبي محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي، وأبي البقاء خالد النابلسي، والضياء بن تمام الحنفي الماضي، وأبي محمد عبد الرحمن بن سالم بن يحيى الأنباري، والشمس أبي الفرج عبد الرحمن ابن الشيخ أبي عمر محمد ابن أحمد بن قدامة المقدسي - وهو أجلُّ شيوخه - وشيخ الشيوخ الشرف أبي محمد عبد العزيز بن أبي عبد الله محمد بن عبد المحسن الأنصاري، والقاضي عماد الدين أبي الفضائل عبد الكريم بن عبد الصمد بن الحرستاني خطيب دمشق، وأبي الفضل محمد بن محمد بن محمد البكري الحافظ، وأبي زكريا يحيى بن أبي الفتح الحرَّاني الصيرفي، وغيرهم (١). _________ "المنهل العذب الروي" السخاوي (ص: ١٥ - ١٩) بتصرف يسير.

стр. 14

• تصانيفه ومؤلفاته: بارك الله في وقت الإمام النووي، فهو - مع قصر عمره - إلَّا أن الله جل وعلا قد أعظم له النفع بتصانيفه أهل مذهبه وغيرهم أيضًا، حتى قال التاج السبكي: "لا يخفى على ذي بصيرة أن لله ﵎ عنايةً بالنووي وبمصنفاته" (١). فصنَّف شرحًا على "صحيح مسلم"، وقطعة من شرح "البخاري" انتهى فيها إلى كتاب العلم، سماه "التلخيص"، وقطعة من شرح "أبي داود" وصل فيها إلى أثناء الوضوء سماها "الإيجاز"، وقطعة من الإملاء على حديث: "الأعمال بالنيات"، وقطعة من الأحكام سماها: "الخلاصة في أحاديث الأحكام"، وصل فيها إلى أثناء الزكاة (٢)، و"المبهمات" اختصر فيها كتاب الخطيب أبي بكر البغدادي، و"رياض الصالحين"، و"الأذكار" وهما جليلان لا يُستغنى عنهما، و"الأربعين النووية"، و"التبيان في آداب حَمَلَة القرآن"، وهو نفيس لا يُستغنى عنه - خصوصًا القارئ والمقرئ - ومختصره، و "الترخيص في الإكرام والقيام"، وقطعة كبيرة من "تهذيب الأسماء واللغات"، و "التحرير في ألفاظ التنبيه"، و "الروضة مختصر الشرح" للرافعي وقد زاد فيها تصحيحات واختيارات حسانًا، كما صرح به العماد بن كثير، و "المنهاج مختصر المحرر للرافعي" أيضًا، وهو عظيم النفع، وله فيه أيضًا تصحيحات واختيارات، و"دقائقه" و"دقائق الروضة" لكنها لم تكمل، وصل فيها إلى _________ (١) "طبقات الشافعية الكبرى" للإمام تاج الدين السبكي (٨/ ٣٩٨). (٢) قال الحافظ السخاوي: "قال ابن الملقّن: رأيتها بخطه، ولو كملت كانت في بابها عديمة النظير. وقال غيره: إنه لا يستغني المحدث عنها، خصوصًا الفقيه، وهذه الخلاصة بخط المؤلف في كتب أوقاف الجمالية". انظر: "المنهل العذب الروي" (ص: ١٩).

стр. 15

أثناء الصلاة، وهي نفيسة، سماها "الإشارات لما وقع في الروضة من الأسماء واللغات"، و "المجموع في شرح المهذب"، و "الإيضاح في المناسك"، ومسألة تخميس الغنائم، والفتاوى، وقطعة من شرح "التنبيه" وصل فيها إلى أثناء باب الحيض، سماها "تحفة الطالب النبيه"، و "مختصر أُسْد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير، و "بستان العارفين في الزهد والتصوف"، وهو كتاب كتاب بديع جدًّا، و"مناقب الشافعي التي لا يسع طالب العلم أن يجهلها"، اختصر فيها كتاب البيهقي الحافل في ذلك، بحذف الأسانيد، وهي في مجلد، و"مهمات الأحكام"، قال بعضهم: وهو قريب من التحقيق في كثرة الأحكام، لكنه لم يذكر فيه خلافًا، وصل فيه إلى أثناء طهارة البدن والثوب، وغير ذلك من الكتب النافعة (١). • تلامذته: تفقَّه به وروى عنه جماعات من الأئمة والحفاظ، منهم: القاضي صدر الدين سليمان بن هلال بن شبل الداراني، المتوفى سنة خمس وعشرين وسبعمائة، والشيخ علاء الدين علي بن إبراهيم بن العطار، المتوفى سنة أربع وعشرين وسبعمائة، والحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف المزي، المتوفى سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وقاضي القضاة محمد بن أبي بكر بن النقيب، المتوفى سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وغيرهم خلق كثير (٢). • ثناء العلماء عليه: أثنى العلماء على الإمام النووي بما هو أهله، وخلعوا عليه أوصاف _________ (١) "المنهل العذب الروي"، السخاوي (ص: ١٩ - ٢٤) بتصرف يسير. (٢) "منهاج الطالبين وعمدة المفتين" للإمام النووي، (ص: ١٢ - ١٨).

стр. 16

الإمامة والتقى؛ وهو جدير بذلك، حتى اتفق جمهور محبيه على تلقيبه بلقب محيي الدين مع كراهته لهذا اللقب. قال عنه تلميذه النجيب الإمام علاء الدين بن العطار المتوفى سنة أربع وعشرين وسبعمائة في مقدمة كتابه الذي جعله في ترجمة شيخه: "فلما كان لشيخي وقدوتي إلى الله تعالى؛ الإمام الرباني أبي زكريا يحيى بن شرف الحزامي النواوي - تغمده الله برحمته، وأسكنه جنات النعيم، وجمع بيني وبينه في دار كرامته إنه جواد كريم - عليَّ من الحقوق المتكاثرة، ما لا أطيق إحصاءها؛ بعثني ذلك على أن أجمع كتابًا في بعض مناقبه، ومآثره، وكيفية اشتغاله، وما كان عليه من الصبر على خشونة العيش، وضيق الحال، مع القدرة على التنعُّم والسعة في جميع الأحوال، على عادة أئمة الحديث في ذلك؛ ليكون سببًا للترحُّم عليه، والدعاء له، وفَّقنا الله لما وفقه، ورزقنا ما رزقه" (١). وقال عنه أيضًا: "ذو التصانيف المفيدة، والمؤلفات الحميدة، أوحد دهرِهِ، وفريدُ عصرِه، الصوَّام، القوَّام، الزَّاهد في الدنيا، الرَّاغب في الآخرة، صاحب الأخلاق الرضيَّة، والمحاسن السنيَّة، العالم الرَّبَّاني المتَّفق على علمه وإمامته وجلالته وزهده وورعه وعبادته وصيانته في أقواله وأفعاله وحالاته، له الكرامات الطامخة، والمكرمات الواضحة، والمؤثرُ بنفسه وماله للمسلمين، والقائم بحقوقهم وحقوق ولاة أمورهم بالنُّصح والدُّعاء في العالمين، وكان كثير التلاوة والذكر لله تعالى" (٢). وقال عنه الحافظ السخاوي: "شيخ الإسلام، وإمام الأئمة الأعلام، قطب الأولياء الكرام، ونادرة الزهاد الوافر في روعة السهام، المجتهد في _________ (١) "تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين"، للإمام علاء الدين بن العطار، (ص: ٣٧). (٢) المصدر السابق، (ص: ٤٠).

стр. 17

الصيام والقيام، والقائم بخدمة الملكِ العلَّام" (١). وقال عنه التاج السبكي: "شيخ الإسلام أستاذ المتأخرين وحجة الله على اللاحقين والداعي إلى سبيل السالفين، وكان يحيى ﵀ سيدًا وحصورًا، وليثًا على النفس هصورًا، وزاهدًا لم يبال بخراب الدنيا، إذ صيَّر دينه ربعًا معمورًا، له الزهد والقناعة، ومتابعة السالفين من أهل السنة والجماعة، والمصابرة على أنواع الخير لا يصرف ساعة في غير طاعة، هذا مع التفنُّن في أصناف العلوم فقهًا، ومتون أحاديث وأسماء رجال، ولغةً وتصوفًا وغير ذلك. وأنا إذا أردت أن أُجْمِل تفاصيل فضله، وأدل الخلق على مبلغ مقداره بمختصر القول وفَصْله، لم أزد على بيتين أنشدنيهما من لفظه لنفسه الشيخ الإمام وكان من حديثهما أنه (أعني الوالد ﵀) لما سكن في قاعة دار الحديث الأشرفية في سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة كان يخرج في الليل إلى إيوانها ليتهجد تجاه الأثر الشريف، ويمرغ وجهه على البساط وهذا البساط من زمان الأشرف الواقف وعليه اسمه، وكان النووي يجلس عليه وقت الدرس فأنشدني الوالد لنفسه: وفي دار الحديث لطيف معنى … على بسط لها أصبو وآوي نسى أني أمسُّ بحرِّ وجهي … مكانًا مسه قدم النواوي" (٢) ووصفه الزركلي بأنه: "علَّامة بالفقه والحديث" (٣). ووصفه الحافظ ابن كثير بأنه "النبيل، محرِّر المذهب ومهذبه وضابطه ومرتِّبه، أحد العُبَّاد _________ (١) "المنهل العذب الروي"، (ص: ٩). (٢) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (٨/ ٣٩٦). (٣) "الأعلام"، للزركلي (٨/ ١٤٩).

стр. 18

والعلماء الزهاد" (١). وقال عنه السيوطي: "محرر المذهب ومهذبه، ومحققه ومرتبه، إمام أهل عصره علمًا وعبادة، وسيد أوانه ورعًا وسيادة، العَلَمُ الفرد، فدونه واسطة الدر والجوهر، السراج الوهاج، فعنده يخفى الكوكب الأزهر، عابد العلماء وعالم العباد، وزاهد المحققين ومحقق الزهاد، لم تسمع بعد التابعين بمثله أذن، ولم ترَ ما يُدانيه عين، وجمع له في العلم والعبادة محكم النوعين، راقب الله في سره وجهره، ولم يبرح طرفة عين عن امتثال أمره، ولم يضيع من عمره ساعة في غير طاعة مولاه، إلى أن صار قطب عصره، وحوى من الفضل ما حواه، وبلغ ما نواه، فتشرفت به نواه، ولم يُلْفَ له ما ناواه: وإذا الفتى لله أخلص سره … فعليه منه رداء طيبٌ يظهر وإذا الفتى جعل الإله مراده … فلذكره عَرْفٌ ذكيٌّ ينشر أثنى عليه الموافق والمخالف، وقبل كلامه النائي والآلف، وشاع ثناؤه الحسن بين المذاهب، ونشرت له راية مجدٍ تخفق في المشارق والمغارب، مَنْ سلك منهاجه أيقن بروضة قطوفها دانية، ومن تتبع آثاره فهو مع الصالحين في رياض عيونها جارية، ومن لزم أذكاره ومهذب أخلاقه فالخير فيه مجموع، ومن استقى من بحره ظفر بأروى وأصفى ينبوع، فبه ثبت الله أركان المذهب، والقواعد، وبيَّن مهمات الشرع والمقاصد، فطابت منه المصادر والموارد، وعذبت مناهله للصادر والوارد: وليس على الله بمستنكرٍ … أن يجمع العالم في واحد" (٢) وغير هذا من أقوال أئمة السلف والخلف عنه. _________ (١) "طبقات الشافعيين"، للحافظ ابن كثير (١/ ٩١٠). (٢) "المنهاج السوي في ترجمة الشيخ النووي"، للإمام السيوطي (ص: ١١، ١٢).

стр. 19

* وفاته: توفي ﵀ ورضي عنه ليلة الأربعاء، الثلث الأخير من الليل، رابع وعشرين رجب، سنة ست وسبعين وستمائة بنوى، ودُفِن بها صبيحة الليلة المذكورة، وكانت وفاته عقب واقعة جرت لبعض الصالحين بأمره لزيارة القدس الشريف، والخليل، فامتثل الأمر، وتوفي عقبها (١). * * * _________ (١) "تحفة الطالبين في ترجمة الإمام محيي الدين"، للإمام علاء الدين بن العطار (ص: ٤٣).

стр. 20

ترجمة الإمام السبكي (١) * اسمه ومولده ونشأته: هو الإمام الفقيه المحدث الحافظ المفسر الأصولي المتكلم النحوي اللغوي الأديب الجدلي الخلافي النظَّار علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام ابن يوسف بن موسى بن تمام بن حامد بن يحيى بن عمر بن عثمان بن علي ابن مسوار بن سوار بن سليم السبكي (٢). والده هو أقضى القضاة زين الدين أبو محمد، ولي قضاء الشرقية وأعمالها والغربية وأعمالها من الديار المصرية، وكان من أعيان نواب الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد (٣). ولد في سبك العبيد، من أعمال المنوفية بمصر (٤)، في ثالث صفر سنة ثلاث وثمانين وستمائة (٥)، وانتقل إلى القاهرة ثم إلى الشام (٦)، وكان من الاشتغال بالعلم على جانب عظيم بحيث يستغرق غالب ليله وجميع نهاره، _________ (١) مصادر الترجمة: "طبقات الشافعية الكبرى" التاج الدين السبكي (١٠/ ١٣٩ - ٣١٧)، "معجم الشيوخ" لتاج الدين السبكي (١/ ٢٧٧ - ٢٨٩)، "العقد المذهب في طبقات حملة المذهب" لابن الملقن الشافعي (ص: ٤١٣)، "ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد"، لأبي الطيب المكي الفاسي (٢/ ١٩٨ - ٢٠٠)، "حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة"، لجلال الدين السيوطي (١/ ٣٢١)، "الأعلام" للزركلي (٤/ ٣٠٢)، "معجم المفسرين من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر" لعادل نويهض (١/ ٣٦٦). (٢) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ١٣٩). (٣) المصدر السابق (١٠/ ١٤٤). (٤) "معجم المفسرين من صدر الإسلام وحتى العصر الحاضر"، لعادل نويهض (١/ ٣٦٦). (٥) "الأعلام"، للزركلي (٤/ ٣٠٢). (٦) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ٩٠).

стр. 21

وذكر أنه لم يأكل لحم الغنم إلَّا بعد العشرين من عمره لحِدَّة ذهنه، وكان يخرج من البيت وقت صلاة الصبح، فيشتغل على المشايخ إلى أن يعود قريب الظهر، فيجد أهل البيت قد عملوا له فَرُّوجًا، فيأكله ويعود إلى الاشتغال إلى المغرب، فيأكل شيئًا حلوًا لطيفًا، ثم يشتغل بالليل، وهكذا لا يعرف غير ذلك (١). ولأن الله إذا أراد شيئًا هيَّأ له أسبابه، فقد رُزِق الإمام بوالدين قاما على أمره، والاهتمام بشأن حياته، حتى يتفرغ هو للتعليم، فزوَّجه أبوه ابنة عمه وعمره خمس عشرة سنة، وألزمها ألَّا تحدثه في شيء من أمر نفسها، وكذلك ألزمها والدها وهو عمه الشيخ صدر الدين، فاستمرت معه ووالده ووالدها يقومان بأمرهما وهو لا يراها إلَّا وقت النوم، وصحبته مدة ثم إن والدها بلغه أنها طالبته بشيء من أمر الدنيا، فطلبه وحلف عليه بالطلاق ليطلقها، فطلقها. فانظر إلى اعتناء والده وعمه بأمره، وكان ذلك خوفًا منهما أن يشتغل باله بشيء غير العلم (٢)!! * رحلته في طلب العلم، وأهم شيوخه: قدم والد الشيخ به إلى القاهرة، وعرضه على الإمام ابن دقيق العيد، وعرض عليه "التنبيه"، ثم إن الإمام ابن دقيق العيد أمر والده أن يعود به إلى البرّ إلى أن يصير فاضلًا، ففعل أبوه ما أمره به ابن دقيق العيد، فما عاد إلى القاهرة إلَّا بعد وفاة الشيخ ابن دقيق العيد (٣). ثم لما دخل القاهرة بعد أن _________ (١) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ١٤٤) بتصرف يسير. (٢) المصدر السابق (١٠/ ١٤٥). (٣) يقول ولده الإمام تاج الدين السبكي: "وسمعت الوالد يقول: أنا ما أتحقق الشيخ تقي الدين ولكني أذكر أني دخلت دار الحديث الكاملية بالقاهرة ورأيت شيخًا هيئته كهيئة الشيخ تقي الدين الموصوفة لنا لعله هو". المصدر السابق.

стр. 22

صار فاضلا تفقّه على شافعيّ الزمان الفقيه نجم الدين ابن الرفعة، وقرأ الأصلين وسائر المعقولات على الإمام النظَّار علاء الدين الباجي، وأخذ المنطق والخلاف عن سيف الدين البغدادي، وأخذ التفسير عن الشيخ علم الدين العراقي، وأخذ القراءات عن الشيخ تقي الدين بن الصائغ، وأخذ الفرائض عن الشيخ عبد الله الغماري المالكي، وأخذ الحديث عن الحافظ شرف الدين الدِّمياطي، ولازمه كثيرًا ثم لازم بعده - وهو كبيرٌ - إمامَ الفن الحافظ سعد الدين الحارثي، وأخذ النحو عن الشيخ ابن حيان، وصحب في التصوف الشيخ تاج الدين بن عطاء الله السكندري. وسمع بالإسكندرية من أبي الحسين يحيى بن أحمد بن عبد العزيز بن الصواف، وعبد الرحمن بن مخلوف بن جماعة، ويحيى بن محمد بن عبد السلام. وبالقاهرة من علي بن نصر بن الصواف، وعلي بن عيسى بن القيم، وعلي بن محمد بن هارون الثعلبي، والحافظ أبي محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وشهاب بن علي المحسني، والحسن بن عبد الكريم سبط زيادة، وموسى بن علي بن أبي طالب، ومحمد بن عبد العظيم بن السقطي، ومحمد بن المكرم الأنصاري، ومحمد بن محمد بن عيسى الصوفي، ومحمد بن نصير ابن أمين الدولة، ويوسف بن أحمد المشهدي، وعمر بن عبد العزيز بن الحسين بن رشيق، وشهدة بنت عمر بن العديم. وبدمشق من ابن الموازيني، وابن مشرف، وأبي بكر بن أحمد بن عبد الدائم، وأحمد بن موسى الدشتي، وعيسى المطعم، وإسحاق بن أبي بكر بن النحاس، وسليمان بن حمزة القاضي، وخلق كثير. وأجاز له من بغداد الرشيد بن أبي القاسم، وإسماعيل بن الطبال، وغيرهما.

стр. 23

وجمع معجمه الجمُّ الغفير والعدد الكثير وكتب بخطه وقرأ الكثير بنفسه وحصَّل الأجزاء الأصول والفروع وسمع الكتب والمسانيد وخرج وانتقى على كثير من شيوخه (١). * تصانيفه ومؤلفاته: له عدد من المؤلفات التي نفع الله بها الشافعية خصوصًا، والمسلمين عمومًا، جمع أكثرها ولده في ترجمته التي ترجمها لوالده في كتابه: "طبقات الشافعية الكبرى"، نذكر منها: "الدر النظيم في تفسير القرآن العظيم" لم يكمله، و"تكملة المجموع في شرح المهذب" (وهو كتابنا هذا) من باب الربا ووصل إلى أثناء التفليس، و"التحبير المذهب في تحرير المذهب" وهو شرح مبسوط على "المنهاج"، و"الابتهاج في شرح المنهاج" للنووي، وصل فيه إلى أوائل الطلاق، و"الإبهاج في شرح المنهاج" في أصول الفقه، و"التحقيق في مسألة التعليق" وهو الرد الكبير على ابن تيمية في مسألة الطلاق، و"رافع الشقاق في مسألة الطلاق" وهو الصغير، و"أحكام كل وما عليه تدل"، و"بيان حكم الربط في اعتراض الشرط على الشرط"، و "شفاء السقام في زيارة خير الأنام ﷺ "، و "السيف المسلول على من سب الرسول ﷺ "، و "التعظيم والمنة في لتؤمنن به ولتنصرنه"، و"منية الباحث عن حكم دين الوارث"، و"نور الربيع من كتاب الربيع"، و "الرياض الأنيقة في قسمة الحديقة"، و "الإقناع في الكلام على أن لو للامتناع"، و"وشي الحلا في تأكيد النفي بلا"، و"الرد على ابن الكتاني"، و "الاعتبار ببقاء الجنة والنار"، و "ضرورة التقدير في تقويم الخمر والخنزير"، و "السهم _________ (١) انظر: "ذيل التقييد في رواة السنن والأسانيد"، لأبي الطيب المكي الفاسي (٢/ ١٩٨ - ٢٠٠)، و"العقد المذهب في طبقات حملة المذهب" لابن الملقن الشافعي (ص: ٤١٣)، و"طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ١٤٥ - ١٤٧)، بتصرف يسير.

стр. 24

الصائب في قبض دَيْن الغائب"، و "الغيث المُغْدق في ميراث ابن المعتق"، و"فصل المقال في هدايا العمال"، ومختصره، و"إبراز الحكم من حديث رُفِع القلم"، و "الكلام على حديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث"، و "الكلام مع ابن أندراس في المنطق" (١). * ورعه، وثناء العلماء عليه: كان ﵀ ورعًا متعففًا، صاحب ديانة، سالكًا سبيل الأقدمين على سَننٍ من رب العالمين، لا يهتم بأمور الدنيا وأموالها، قال والده لأمه ذات يوم: "هذا الشاب ما يطلب قط درهمًا ولا شيئًا، فلعله يرى شيئًا يريد أن يأكله فضعي في منديله درهمًا أو درهمين، فوضعت نصف درهم، فاستمر نحو جمعتين وهو يعود والمنديل معه والنصف فيه إلى أن رمى به إلى أمه وقال: أيش أعمل بهذا خذوه عني" (٢). قال عنه ولده تاج الدين السبكي في مدح عظيم أنقله بنصِّه؛ لصدق قائله، وعظيم محبته لوالده: "كان من الورع والدين وسلوك سبيل الأقدمين، على سنن ويقين؛ إن الله مع المتقين، صادع بالحق لا يخاف لومة لائم، صادق في النية لا يخشى بطشة ظالم، صابر وإن ازدحمت الضراغم. منوط به أمر المشكلات في دياجيها، محطوط عن قدره السماء ودراريها، مبسوط قلمه ولسانه في الأمة وفتاويها. شيخ الوقت حالًا، وعلمًا، وإمام التحقيق حقيقة ورسمًا، وعَلَمُ الأعلام فعلًا واسمًا. إذا تغلغل فكر المرء في طرف … من مجده غرقت فيه خواطره _________ (١) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ٣٠٧ - ٣١٥)، بتصرف يسير. (٢) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ١٤٥)، بتصرف يسير.

стр. 25

لا يرى الدنيا إلَّا هباءً منثورًا، ولا يدري كيف يجلب الدرهم فرحًا والدينار سرورًا، ولا ينفك يتلو القرآن قائمًا وقاعدًا، راكبًا وماشيًا ولو كان مريضًا معذورًا. وكانت دعواته تخترق السبع الطباق، وتفترق بركاتها فتملأ الآفاق، وتسترق خبر السماء وكيف لا! وقد رفعت على يد ولي الله تفتح له أبوابها ذوات الأغلاق. وكانت يداه بالكرم مبسوطتين لا يقاس إلَّا بحاتم، ولا ينشد إلَّا: "على قدر أهل العزم تأتي العزائم" ولا يعرف إلَّا العطاء الجزل: "وتأتي على قدر الكرام المكارم" يد تلوح لأفواه تقبلها … فتستقل الثريا أن تكون فما وللمعاني الحسان الغر تكتبها … بأحسن الخط لمَّا تمسكُ القلما وللعفاة لِتُولِيهمْ عوائدها … فلا يرى الغيث شيئًا لو وفى وهَمَى وللدعاء طوال الليل يرفعها … إلى الإله لِيُولِينَا به النعما أعظم بها نعمًا كالبحر ملتطِمًا … والغيث منسجمًا والجود منقسمًا (١) يواظب على القرآن سرًّا وجهرًا، لا يقرن ختام ختمة إلا بالشروع في أخرى، ولا يفتتح بعد الفاتحة إلَّا سورًا تترى. مع تقشف لا يتدرَّع معه غير ثوب العفاف، ولا يتطلع إلى ما فوق مقدار الكفاف، ولا يتنوّع إلا في أصناف هذه الأوصاف. يقطع الليل تسبيحًا وقرآنًا، وقيامًا لله لا يفارقه أحيانًا، وبكاء يفيض من _________ (١) هذه الأبيات لولده تاج الدين السبكي، نظمها في مدح أبيه التقي السبكي، انظر: "معجم الشيوخ" للتاج السبكي (١/ ٢٨٠).

стр. 26

خشية الله ألوانًا. أقسم بالله أنه لفوق ما وصفته، وإني لناطق بها وغالب ظني أني ما أنصفته، وإن الغبي سيظن في أمرٍ ما تصورته. وما عليَّ إذا ما قلت معتقدي … دع الحسود يظن السوء عدوانَا هذا الذي تعرف الأملاك سيرته … إذا ادلهمَّ دُجى لم يبق سهرانا هذا الذي يسمع الرحمن صائحه … إذا بكى وأفاض الدَّمع ألوانا هذا الذي يسمع الرحمن دعوته … إذا تقارب وقت الفجر أو حانا هذا الذي تعرف الغبراء جبهته … من السجود طوال الليل عرفانا هذا الذي لم يغادر سيل مدمعه … أركان شيبته البيضاء أحيانًا والله والله والله العظيم ومن … أقامه حجة في العصر برهانا وحافظا لنظام الشرع ينصره … نصرًا يلقيه من ذي العرش غفرانا كل الذي قلت بعضٌ من مناقبه … ما زدت إِلَّا لَعلِّي زدت نقصانا وما زال في علمٍ يرفعه، وتصنيفٍ يضعه، وشتات تحقيقٍ يجمعه، إلى أن سار إلى دار القرار، وما ساد أحد ناوأه ولا كان ذا استبصار، ولا ساء مَنْ والاه بل عَمَّه بالفضل المدرار، ولا ساغ بسوى طريقه الاهتداء والاعتبار، ولا ساح بغير ناديه نيل يُخْجِل وابل الأمطار، ولا ساخ قدمُ فتى قام بنصرته وقال: أنصر بقية الأنصار، ولا سُئل إلَّا ويداه مبسوطتان وابل كرم في هذه الديار، ولا سامه أحد بسوء إلا وكانت عليه دائرة الفلك الدوَّار، ولا ساقه الله حين قبضه إلَّا إلى جنة عدن، أعدت لأمثاله من المتقين الأبرار" (١). وقال عنه الحافظ الذهبي: "تفقَّه على جماعة من الأئمة، وبرع في الأصول والفروع، وانتهى إليه الحفظ ومعرفة الأثر بمصر، وصنف _________ (١) "طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ١٤١ - ١٤٤).

стр. 27

التصانيف المحررة المطوّلة العديمة النظير، مع الدين والورع وحسن الطويَّة، والعقل التام، والتدين بالحديث" (١). وقال الزركلي عنه: "شيخ الإسلام في عصره، وأحد الحفاظ المفسرين المناظرين" (٢). وقال ابن الملقِّن الشافعي عنه: "ذو الفنون، تقى الدين أبو الحسن بقية العلماء" (٣). * وفاته: ابتدأ به الضعف في ذي القعدة سنة خمس وخمسين وسبعمائة، واستمر بدمشق عليلًا إلى أن ولي ولده تاج الدين السبكي القضاء، ومكث بعد ذلك نحو شهر، وسافر إلى الديار المصرية - وكان يذكر أنه لا يموت إلا بها - فاستمر بها عليلًا أيامًا يسيرة، ثم توفي ليلة الإثنين المسفرة عن ثالث جمادى الآخرة سنة ست وخمسين وسبعمائة، بظاهر القاهرة ودفن بباب النصر، تغمده الله برحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جنانه. وأجمع مَنْ شاهد جنازته على أنه لم يُرَ جنازة أكثر جمعًا منها، قالوا: إنه لما مات ليلًا بالجزيرة ما انفلق الفجر إلا وقد ملأ الخلق ما بين الجزيرة إلى باب النصر، ونادت المنادية: مات آخر المجتهدين، مات حجة الله في الأرض، مات عالم الزمان، وهكذا. ثم حمل العلماء نعشه وازدحم الخلق بحيث كان أولهم على باب منزل وفاته وآخرهم في باب النصر. وقيل: لم يحاكِ ما يقال عن جنازة الإمام أحمد بن حنبل سوى جنازة الشيخ الإمام في كثرة اجتماع الناس - تغمده الله برحمته (٤). _________ (١) "معجم الشيوخ"، لتاج الدين السبكي (١/ ٢٧٩). (٢) "الأعلام" للزركلي (٤/ ٣٠٢). (٣) "العقد المذهب في طبقات حملة المذهب"، لابن الملقن الشافعي (ص: ٤١٣). (٤) انظر: "العقد المذهب في طبقات حملة المذهب"، لابن الملقن الشافعي ص: ٤١٣)، و"طبقات الشافعية الكبرى"، لتاج الدين السبكي (١٠/ ٣١٦).

стр. 28

ثناء العلماء على كتاب "المجموع" نال هذا الكتاب حظًّا كبيرًا، وقسطًا وفيرًا من مديح العلماء وثنائهم، وبين يديك - أيها القارئ الكريم - جانبٌ من هذا المدح: قال الإسنوي: "وهذا الشرح من أجلّ كتبه وأَنْفسِها، وكلامه فيها يدل على أنه اطَّلع على أنه يموت قبل إتمامه، فإنه يجمع النظائر في موضع ويقول: فعلنا ذلك فلعلّنا لا نصل إلى محلّه" (١). وقال السخاوي: "كتابه "شرح المهذب" لم يصنف في المذهب على مثل أسلوبه" (٢). وقال الإسنوي وابن الملقِّن: "ليته أكمله، وانخرمت باقي كتبه، وبه عُرف مقداره" (٣). وقال الذهبي: "إنه في غاية الحسن والجودة" (٤). وقال ابن كثير: "إنه لو كمل لم يكن له نظير في بابه، فإنه أبدع فيه وأجاد، وأفاد وأحسن الانتقاد، وحرر الفقه في المذهب وغيره، والحديث على ما ينبغي، والغريب والعربية، وأشياء مهمة لا أعرف في كتب الفقه أحسن منه، على أنه يحتاج إلى أشياء كثيرة تُزاد عليه، وتضاف إليه" (٥). _________ (١) "المنهاج السوي في ترجمة الشيخ النووي"، السيوطي (ص: ٢٢). (٢) "المنهل العذب الروي"، السخاوي (ص: ٢٩). (٣) المصدر السابق. (٤) المصدر السابق. (٥) "البداية والنهاية"، ابن كثير (١٣/ ٣٢٦).

стр. 29

وقال عنه أيضًا: "سلك فيه طريقة وسطى حسنةً، مهذبة سهلة، جامعة لأشتات الفضائل، وعيون المسائل، وجامع الأوائل، ومذاهب العلماء، ومفردات الفقهاء، وتحرير الألفاظ، ومسالك الأئمة الحفاظ، وبيان صحة الحديث من سقمه، ومشهوره من مُكْتَتَمِه، وبالجملة فهو كتاب ما رأيت على منواله أحد من المتقدمين، ولا حذا على مثاله متأخِّر من المصنفين" (١). وقال العثماني قاضي صفد: "إنه لا نظير له، لم يُصنَّف مثله، ولكنه ما أكمله، ولا حول ولا قوة إلا بالله؛ إذ لو أكمله ما احتيج إلى غيره، وبه عُرف قدره، واشتهر فضله" (٢). * سبب إكمال السبكي لشرح النووي، واعتذاره عن قصوره عن مستواه: قال التقي السبكي: "إن بعضهم طالت رغبته إليَّ، وكثر إلحاحه عليَّ، وأنا في ذلك أقدم رِجْلًا وأؤخر أخرى، وأستهول الخَطْب، وأراه شيئًا إمْرًا، وهو في ذلك لا يقبل عذرًا، وأقول: قد يكون تعرُّضي لذلك مع قصوري عن مقام هذا الشارح إساءةً إليه، وجنايةً مني عليه، وأنَّى أنهض بما نهض به وقد أُسعف بالتأييد، وساعدته المقادير فقرَّبَتْ منه كل بعيد؟! ولا شك أن ذلك يحتاج بعد الأهلية إلى ثلاثة أشياء: أحدها: فراغ البال واتساع الزمان، وكان ﵀ قد أوتي من ذلك الحظ الأوفى، بحيث لم يكن له شاغل عن ذلك من تَعَيُّش ولا أهل. والثاني: جمع الكتب التي يستعان بها على النظر والاطلاع على كلام العلماء، وكان ﵀ قد حصل له من ذلك حظ وافر؛ لسهولة ذلك في بلده _________ (١) "المنهل العذب الروي"، السخاوي (ص: ٢٩). (٢) "المنهل العذب الروي" (ص: ٣٠).

стр. 30

في ذلك الوقت. والثالث: حسن النية وكثرة الورع والزهد، والأعمال الصالحة التي أشرقت أنوارها، وكان ﵀ قد اكتال من ذلك بالمكيال الأوفى. فمن تكون قد اجتمعت فيه هذه الخلال الثلاث، أَنَّى يُضاهيه أو يدانيه من ليست فيه واحدة منها؟! وقد استخرت الله تعالى وقلت في نفسي: لعل ببركة صاحبه ونيته يعينني الله تعالى عليه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، فإن مَنَّ الله بإكماله فلا شك أنَّ ذلك من فضل الله تعالى وبركة صاحبه ونيته" (١). * وصف نسخة المخطوط: وقفت - بحمد الله - على نسخة من كتاب: "تكملة المجموع شرح المهذب"، لمؤلفه: تقي الدين علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، وتقع النسخة في مجلدين، خطها واضح، وفي حالة جيدة ليس بها خروم في داخلها، ووصفها على النحو التالي: نسخة نفيسة من محفوظات مكتبة فيض الله أفندي بتركيا تحت رقم (٨٤٥)، (٨٤٦)، في مجلدين، نُقلت من خطِّ المصنف، وكُتبت بخط نسخ واضح، وكُتبت العناوين باللون الأحمر، وهي مقابلة ومصححة، كما يظهر ذلك من الهوامش، وهي النسخة التي أعتمدها أصلًا، وهذا المجلد ترتيبه في تكملة السبكي المجلد الرابع. وعلى طرة المخطوط تملّك محمد بن خليل الشافعي عام (٩٠٧ هـ)، وتملّك لابن الملا، إبراهيم بن أحمد بن الملا محمد، عام (٩٨١ هـ). وقد جاء المجلد الأول في (١٤٩) لوحة، ومسطرتها (٣١) سطرًا، _________ (١) "المجموع شرح المهذب"، تكملة السبكي (١٠/ ٣).

стр. 31

ومتوسط عدد الكلمات في السطر (١٤) كلمة تقريبًا، ويبدأ من: "باب اختلاف المتبايعين وهلاك المبيع"، وينتهي بنهاية "باب القرض". وقد جاء في نهاية المجلد الأول أن المصنف فرغ من تصنيف هذا الجزء يوم السبت ثاني عشر من شعبان سنة (٧٢٤) هجرية. وجاء في نهاية المجلد الثاني أن المصنف فرغ من تصنيف هذا الجزء يوم الخميس، العشرين من شعبان المكرم سنة (٧٣٣) هجرية، وكانت البداية في كتاب الرهن في أول ربيع الأول من نفس العام. وجاء المجلد الثاني في (٢١٩) لوحة، ومسطرتها (٢٨) سطرًا، ومتوسط عدد الكلمات في السطر (١٦) كلمة تقريبًا، ويبدأ ببداية "كتاب الرهن"، وينتهي بنهاية "كتاب الرهن". * * *

стр. 32

الصفحة الأولى من الجزء الأول

стр. 33

الصفحة الأخيرة من الجزء الأول

стр. 34

الصفحة الأولى من الجزء الثاني

стр. 35

الصفحة الأخيرة من الجزء الثاني

стр. 36

* منهج التحقيق اجتهدنا في إخراج نص الكتاب إخراجًا فنيًّا سليمًا من الأخطاء الشكلية بحسب الطاقة، وفي سبيل ذلك قمنا بعمل الآتي: ١ - نسخ المخطوط وَفْق القواعد الإملائية الحديثة. ٢ - الضبط بالشكل لبعض الكلمات والأعلام. ٣ - تقسيم الكتاب إلى فقرات، وإضافة علامات الترقيم؛ ليسهل على القارئ فهم المعنى على وجه الصواب. ٤ - تمييز متن الكتاب "التهذيب" بوضعه داخل إطار، ثم يجيء الشرح بعده مفصولًا عنه. ٥ - إذا غلب على الظن أن لفظة ما سقطت من الناسخ ووجودها ضروري، زدناها إذا كان يتوقف فهم المعنى عليها، وجعلها بين معقوفين هكذا [] على ما جرت عليه عادة المحققين. ٦ - عند نهاية كل وجه من المخطوطة وضع سهم صغير أعلاه رقم الورقة مع الوجه هكذا: ٧ - توثيق النصوص والأقوال التي ينقلها السبكي من مصادرها الأصلية، وإنْ تعذَّر ذلك لكونها مفقودةً أو غير ذلك، فنُشير إلى مَنِ اتفق معه في النقل، وهو ما يُعرف بالنقل بالواسطة؛ وكلُّ هذا حسب الوسع والطاقة. ٨ - تمييز ما نقله عن غيره بوضعه بين علامة تنصيص، مع جعل التخريج آخر الكلام الذي نقله، فإن كان ما نُقل بتصرف يسير أو بمعناه ذكرنا ذلك بعد ذكر المرجع، وإن كان بنصِّه عزونا للكتاب فقط. ٩ - تصحيح الخطأ الحاصل من سقط بعض الحروف، أو تقديم بعضها على بعض، أو استبدال حرف بآخر.

стр. 37

١٠ - عزو الآيات إلى مواضعها، وذلك بذكر اسم السورة، ثم رقم الآية، مع كتابتها بالرسم العثماني ووضعها بين قوسين. ١١ - تخريج الأحاديث والآثار من مصادرها المعتمدة، باختصار يناسب موضوع الكتاب، فإن ورد الحديث في "الصحيحين" أو في أحدهما، اكتفينا بذلك، وإن كان في غيرهما فحسَب ما تيسر ثلاثة أو أربعة مراجع. ١٢ - ترجمت للأعلام غير المشهورين - من وجهة نظري - لغير المتخصص، أما رجال الأسانيد ونحو ذلك فلم أُترجم لأحدٍ منهم. * * *

стр. 38

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حسبنا الله ونعم الوكيل باب اختلاف المتبايعين وهلاك المبيع إذا اختلف المتبايعان في مقدار الثمن، ولم تكن بينة، تحالفا؛ لما روى ابن عباس ﵁؛ أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ النَّاسَ أُعْطُوا بِدَعْوَاهُمْ (١)، لادَّعَى نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، دِمَاءَ نَاسٍ وَأَمْوَالَهُمْ، [وَلَكِنَّ] (٢) الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ". فجعل اليمين على المدعى عليه، والبائع مدعًى عليه بيعًا بألف، والمشتري مدعًى عليه بيعًا بألفين، فوجب أن يكون على كل واحد منهما اليمينُ؛ ولأن (٣) كل واحد منهما مدَّعٍ ومُدَّعًى (٤) عليه ولا بينة، فتحالفا؛ كما لو ادعى رجل على رجل دينارًا، وادعى الآخر على المدعى درهمًا. حديث ابن عباس هذا متفق على أصله، رواه مسلم (٥) بقريب من لفظ المصنف؛ قال: "لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى نَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ".

стр. 39

وفي البخاري (١) عن ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قال: "كتب ابن عباس إليَّ أن النبي ﷺ قضى باليمين على المدعى عليه". قال عبد الحق (٢): "وذكر أبو عمر بن عبد البر من طريق مسلم بن خالد الزَّنْجِيِّ، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : "الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ، إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ". قال: ورواه أبو أحمد من حديث مُسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ بمثله سواء، وقال: "إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ". ورواه أيضًا من حديث مُسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ . قال: [وهذان] (٣) الإسنادان يُعْرفان بمسلم بن خالد، عن ابن جريج، وفي المتن زيادة قوله: "إِلَّا فِي الْقَسَامَةِ". كذا قال أبو أحمد، ومسلم بن خالد لا يحتج به" (٤). وقد جعل المصنف عمدته في الباب حديث ابن عباس هذا، وأكثر الأصحاب جعلوا عمدتهم في ذلك حديث ابن مسعود - الذي سنذكره إن شاء الله -، وما فعله المصنف أولى؛ لأمرين: أحدهما: صحة حديث ابن عباس، والكلام في حديث ابن مسعود، كما سيتبين.

стр. 40

والثاني: التنبيه على أن التحالف في هذا الباب ليس خارجًا عن قياس الخصومات؛ لينتفع بذلك عند قول الحنفية (١): أن التحالف ورد عند قيام السلعة على خلاف القياس؛ لحديث ابن عباس. والشافعي ﵁ ذكر الحديثين في "المختصر" (٢)، وَصَدَّر بحديث ابن مسعود، ونبه في غير "المختصر" على ضعفه، وإنما حمل أكثر العلماء من الأصحاب وغيرهم على الاعتماد عليه، واقتصارهم على ذكره، أنه الخاص بهذا الباب، واشتهر جدًّا. قال ابن عبد البر: "هو حديث محفوظ عن ابن مسعود، مشهور أصله عند جماعة العلماء، تلقَّوه بالقبول وبنوا عليه كثيرًا من فروعه، وقد اشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يستغني بها عن الإسناد، كما اشتهر حديث: "لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ" (٣). وقال ابن المنذر: "ليس في الباب خبر يُعتمد عليه" (٤)؛ يشير إلى الأخبار الناصَّة عليه بخصوصه؛ لخبر ابن مسعود وضعفه من جهة الإسناد. ومقصود المصنف: أن الاستدلال بخبر ابن عباس على أن كلًّا منهما يحلف، وأما كيفية اليمين، فستأتي؛ وأمَّا تقرير كل منهما مدَّعًى عليه، فواضح، وقد زاده الْفَارِقِيُّ (٥) إيضاحًا، واستدل له بأحكام؛ منها: أنه إذا
следующие страницы →